السبت، 25 أبريل 2015

فلما جاء من قوله عليه الصلاة والسلام : إن الله حجر التوبة على كل صاحب بدعة . 

وعن يحيى بن أبي عمرو الشيباني ، قال : " كان يقال : يأبى الله لصاحب بدعة بتوبة ، وما انتقل صاحب بدعة; إلا إلى أشر منها " . 

ونحوه عن طريق علي بن أبي طالب رضي الله عنه; قال : " ما كان رجل [ ص: 163 ] على رأي من البدعة فتركه ، إلا إلى ما هو شر منه " . 

خرج هذه الآثار ابن وضاح . 

وخرج ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز : أنه كان يقول : " اثنان لا نعاتبهما : صاحب طمع ، وصاحب هوى ، فإنهما لا ينزعان " . 

وعن ابن شوذب; قال : " سمعت عبد الله بن القاسم وهو يقول : ما كان عبد على هوى تركه; إلا إلى ما هو شر منه " . 

قال : " فذكرت ذلك لبعض أصحابنا ، فقال : تصديقه في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، ثم لا يرجعون إليه حتى يرجع السهم على فوقه . 

وعن أيوب; قال : " كان رجل يرى رأيا ، فرجع عنه ، فأتيت محمدا فرحا بذلك أخبره ، فقلت : أشعرت أن فلانا ترك رأيه الذي كان يرى ؟ فقال : انظر إلام يتحول ؟ إن آخر الحديث أشد عليهم من أوله : يمرقون من الدين . . . . . . ثم لا يعودون . 

وهو حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سيكون من أمتي قوم يقرءون القرآن ولا يجاوز حلاقيمهم ، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ، ثم لا يعودون فيه ، هم شر الخلق والخليقة . 

فهذه شهادة الحديث الصحيح لمعنى هذه الآثار ، وحاصلها : أن [ لا ] توبة لصاحب البدعة عن بدعته ، فإن خرج عنها; فإنما يخرج إلى ما هو شر منها; كما في حديث أيوب ، أو يكون ممن يظهر الخروج عنها وهو مصر [ ص: 164 ] عليها بعد; كقصة غيلان مع عمر بن عبد العزيز . 

ويدل على ذلك أيضا حديث الفرق إذ قال فيه : وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه ، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله . 

وهذا النفي يقتضي العموم بإطلاق ، ولكنه قد يحمل على العموم العادي ، إذ لا يبعد أن يتوب عما رأى ويرجع إلى الحق ، كما نقل عن عبد الله بن الحسن العنبري ، وما نقلوه في مناظرة ابن عباس الحرورية الخارجين على علي رضي الله عنه ، وفي مناظرة عمر بن عبد العزيز لبعضهم . 

ولكن الغالب في الواقع الإصرار ، ومن هنالك قلنا : يبعد أن يتوب بعضهم; لأن الحديث يقتضي العموم بظاهره ، وسيأتي بيان ذلك بأبسط من هذا إن شاء الله . 

وسبب بعده عن التوبة : أن الدخول تحت تكاليف الشريعة صعب على النفس; لأنه أمر مخالف للهوى ، وصاد عن سبيل الشهوات ، فيثقل عليها جدا; لأن الحق ثقيل ، والنفس إنما تنشط بما يوافق هواها لا بما يخالفه ، وكل بدعة فللهوى فيها مدخل ، لأنها راجعة إلى نظر مخترعها لا إلى نظر الشارع ، [ فإن تعلقت بحكم الشارع ] فعلى حكم التبع لا بحكم الأصل ، مع ضميمة أخرى ، وهي أن المبتدع لا بد له من تعلق بشبهة دليل [ ص: 165 ] ينسبها إلى الشارع ، ويدعي أن ما ذكره هو مقصود الشارع ، فصار هواه مقصودا بدليل شرعي في زعمه ، فكيف يمكنه الخروج عن ذلك وداعي الهوى مستمسك بحسن ما يتمسك به وهو الدليل الشرعي في الجملة ؟ ! . 

ومن الدليل على ذلك ما روي عن الأوزاعي; قال : " بلغني أن من ابتدع بدعة ضلالة آلفه الشيطان العبادة ، أو ألقى عليه الخشوع والبكاء; كي يصطاد به " . 

وقال بعض الصحابة : " أشد الناس عبادة مفتون " ، واحتج بقوله عليه الصلاة والسلام : يحقر أحدكم صلاته في صلاته وصيامه في صيامه إلى آخر الحديث . 

ويحقق ما قاله الواقع; كما نقل في الأخبار عن الخوارج وغيرهم . 

فالمبتدع يزيد في الاجتهاد; لينال في الدنيا التعظيم والمال والجاه وغير ذلك من أصناف الشهوات ، بل التعظيم على شهوات الدنيا ، ألا ترى إلى انقطاع الرهبان في الصوامع والديارات عن جميع الملذوذات ، ومقاساتهم في أصناف العبادات والكف عن الشهوات ، وهم مع ذلك خالدون في جهنم ؟ ! . 

قال الله : ( وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية ) . 

[ ص: 166 ] وقال : ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) . 

وما ذاك إلا لخفة يجدونها في ذلك الالتزام ، ونشاط بداخلهم; يستسهلون به الصعب ، بسبب ما داخل النفس من الهوى ، فإذا بدا للمبتدع ما هو عليه ، رآه محبوبا عنده; لاستبعاده للشهوات وعمله من جملتها ، ورآه موافقا للدليل عنده ، فما الذي يصده عن الاستمساك به والازدياد منه ؟ وهو يرى أن أعماله أفضل من أعمال غيره ، واعتقاداته أوفق وأعلى ؟ ! أفيفيد البرهان مطلبا ؟ ( كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ) .                                                                                                                                                                                 وأما أن المبتدع يلقى عليه الذل في الدنيا والغضب من الله تعالى : 
فلقوله تعالى : ( إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين ) ; حسبما جاء في تفسوصدق ذلك الواقع باليهود حيثما حلوا; في أي مكان وزمان كانوا ، لا يزالون أذلاء مقهورين : ( ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) ، ومن جملة الاعتداء اتخاذهم العجل . 
هذا بالنسبة إلى الذلة ، وأما الغضب; فمضمون بصادق الأخبار ، فيخاف أن يكون المبتدع داخلا في حكم الغضب ، والله الواقي بفضله . ير الآية عن بعض السلف ، وقد تقدم ، ووجهه ظاهر; لأن المتخذين للعجل إنما ضلوا به حتى عبدوه ، لما سمعوا من خواره ، ولما ألقى إليهم السامري فيه ، فكان في حقهم شبهة خرجوا بها عن الحق الذي كان في أيديهم . 
قال الله تعالى : ( وكذلك نجزي المفترين ) ; فهو عموم فيهم وفيمن أشبههم ، من حيث كانت البدع كلها افتراء على الله; حسبما أخبر في كتابه في قوله تعالى : ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله ) . 
[ ص: 167 ] فإذا كل من ابتدع في دين الله ، فهو ذليل حقير بسبب بدعته ، وإن ظهر لبادي الرأي عزه وجبروته ، فهم في أنفسهم أذلاء . 
وأيضا فإن الذلة الحاضرة بين أيدينا موجودة في غالب الأحوال ، ألا ترى أحوال المبتدعة في زمان التابعين ، وفيما بعد ذلك ؟ حتى تلبسوا بالسلاطين ، ولاذوا بأهل الدنيا ، ومن لم يقدر على ذلك; استخفى ببدعته ، وهرب بها عن مخالطة الجمهور ، وعمل بأعمالها على التقية . 
وقد أخبر الله أن هؤلاء الذين اتخذوا العجل سينالهم ما وعدهم ، فأنجز الله وعده ، فقال : ( وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ) . ىىىى                                                                                             وأما البعد عن حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم : 


فلحديث ( الموطأ ) : فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال . . الحديث . 

[ ص: 168 ] وفي البخاري ، عن أسماء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أنا على حوضي أنتظر من يرد علي ، فيؤخذ بناس من دوني ، فأقول : أمتي ! فيقال : إنك لا تدري ، مشوا القهقرى . 

وفي حديث عبد الله : أنا فرطكم على الحوض ، ليرفعن إلي رجال منكم ، حتى إذا تأهبت لأتناولهم ، اختلجوا دوني ، فأقول : أي رب ! أصحابي ، يقول : لا تدري ما أحدثوه بعدك . 

والأظهر أنهم من الداخلين في غمار هذه الأمة; لأجل ما دل على ذلك فيهم ، وهو الغرة والتحجيل ، لأن ذلك لا يكون لأهل الكفر المحض ، كان كفرهم أصلا أو ارتدادا ، ولقوله : قد بدلوا بعدك ، ولو كان الكفر; لقال : قد كفروا بعدك ، وأقرب ما يحمل عليه تبديل السنة ، وهو واقع على أهل البدع ، ومن قال : إنه النفاق; فذلك غير خارج عن مقصودنا ، لأن أهل النفاق إنما أخذوا الشريعة تقية لا تعبدا ، فوضعوها في غير مواضعها ، وهو عين الابتداع . 

ويجري هذا المجرى كل من اتخذ السنة والعمل بها حيلة وذريعة إلى نيل حطام الدنيا ، لا على التعبد بها لله تعالى ، لأنه تبديل لها ، وإخراج لها عن وضعها الشرعي .                                        وأما الخوف عليه من أن يكون كافرا : 
فلأن العلماء من السلف الأول وغيرهم اختلفوا في تكفير كثير من فرقهم; مثل : الخوارج ، والقدرية ، وغيرهم . ى : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) . [ ص: 169 ] ودل على ذلك ظاهر قوله تعالوقوله : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) الآية . 
وقد حكم العلماء بكفر جملة منهم كالباطنية وسواهم ، لأن مذهبهم راجع إلى مذهب الحلولية القائلين بما يشبه قول النصارى في اللاهوت والناسوت . 
والعلماء إذا اختلفوا في أمر : هل هو كفر أم لا ؟ فكل عاقل يربأ بنفسه أن ينسب إلى خطة خسف كهذه; بحيث يقال له : إن العلماء اختلفوا : هل أنت كافر أم ضال غير كافر ؟ أو يقال : إن ج


ومن مات مصرا على المعصية; فيخاف عليه ، فربما إذا كشف الغطاء ، وعاين علامات الآخرة استفزه الشيطان ، وغلبه على قلبه ، حتى يموت على التغيير والتبديل ، وخصوصا حين كان مطيعا له فيما تقدم من [ ص: 170 ] زمانه ، مع حب الدنيا المستولي عليه . 

قال عبد الحق الإشبيلي : " إن سوء الخاتمة لا يكون لمن استقام ظاهره ، وصلح باطنه ، ما سمع بهذا قط ، ولا علم به ، والحمد لله ، وإنما يكون لمن كان له فساد في العقد ، أو إصرار على الكبائر ، وإقدام على العظائم ، أو لمن كان مستقيما ثم تغيرت حاله وخرج عن سننه ، وأخذ في طريق غير طريقه ، فيكون عمله ذلك سببا لسوء خاتمته وسوء عاقبته ، والعياذ بالله " . 

قال الله تعالى : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) . 

وقد سمعت بقصة بلعام بن باعوراء حيث آتاه الله آياته ( فانسلخ منها فأتبعه الشيطان . . . ) إلى آخر الآيات . 

فهذا ظاهر إذا اغتر بالبدعة من حيث هي معصية ، فإذا نظرنا إلى كونها بدعة ، فذلك أعظم ، لأن المبتدع مع كونه مصرا على ما نهي عنه ، يزيد على المصر بأنه معارض للشريعة بعقله ، غير مسلم لها في تحصيل أمره ، معتقدا في المعصية أنها طاعة ، حيث حسن ما قبحه الشارع ، وفي الطاعة أنها لا تكون طاعة إلا بضميمة نظره فهو قد قبح ما حسنه الشارع ، ومن كان هكذا ، فحقيق بالقرب من سوء الخاتمة إلا ما شاء الله . 

وقد قال تعالى في جملة من ذم : ( أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) . 

[ ص: 171 ] والمكر : جلب السوء من حيث لا يفطن له ، وسوء الخاتمة من مكر الله ، إذ يأتي الإنسان من حيث لا يشعر به ، اللهم إنا نسألك العفو والعافية . ماعة من أهل العلم قالوا بكفرك ، وأنت حلال الدم .                                                                                              وأما أنه يخاف على صاحبها سوء الخاتمة والعياذ بالله : 


فلأن صاحبها مرتكب إثما ، وعاص لله تعالى حتما ، ولا نقول الآن : هو عاص بالكبائر أو بالصغائر ، بل نقول : هو مصر على ما نهى الله عنه ، والإصرار يعظم الصغيرة إن كانت صغيرة حتى تصير كبيرة ، وإن كانت كبيرة فأعظم .                                                                                    وأما اسوداد وجهه في الآخرة : 
فقد تقدم في ذلك معنى قوله : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) . 
وفيها أيضا الوعيد بالعذاب لقوله : ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) ، وقوله قبل ذلك : ( وأولئك لهم عذاب عظيم ) . 
حكى عياض عن مالك من رواية ابن نافع عنه قال : " لو أن العبد ارتكب الكبائر كلها ، دون الإشراك بالله شيئا ، ثم نجا من هذه الأهواء ، لرجوت أن يكون في أعلى جنات الفردوس ، لأن كل كبيرة بين العبد وربه هو منها على رجاء ، وكل هوى ليس هو منه على رجاء; إنما يهوي بصاحبه في نار جهنم "                                                                                                     


وأما البراءة منه : 

ففي قوله : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) . 

[ ص: 172 ] وفي الحديث : أنا بريء منهم وهم براء مني . وقال ابن عمر رضي الله عنه في أهل القدر : " إذا لقيت أولئك; فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني " . 

وجاء عن الحسن : " لا تجالس صاحب بدعة ; فإنه يمرض قلبك " . 

وعن سفيان الثوري : " من جالس صاحب بدعة; لم يسلم من إحدى ثلاث : إما أن يكون فتنة لغيره ، وإما أن يقع بقلبه شيء يزل به فيدخله النار ، وإما أن يقول : والله لا أبالي ما تكلموا به ، وإني واثق بنفسي ، فمن أمن الله طرفة عين على دينه; سلبه إياه " . 

وعن يحيى بن أبي كثير ; قال : " إذا لقيت صاحب بدعة في طريق; فخذ في طريق آخر " . وعن أبي قلابة ; قال : " لا تجالسوا أهل الأهواء ، ولا تجادلوهم; فإني لا آمن أن يغمروكم في ضلالتهم ، ويلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون " . وعن إبراهيم ; قال : " لا تجالسوا أصحاب الأهواء ، ولا تكلموهم; فإني أخاف أن ترتد قلوبكم " ، والآثار في ذلك كثيرة . 

ويعضدها ما روي عنه عليه السلام أنه قال : المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل . 

ووجه ذلك ظاهر منبه عليه في كلام أبي قلابة ، إذ قد يكون المرء [ ص: 173 ] على يقين من أمر من أمور السنة ، فيلقي له صاحب الهوى فيه هوى مما يحتمله اللفظ لا أصل له ، أو يزيد له فيه قيدا من رأيه ، فيقبله قلبه ، فإذا رجع إلى ما كان يعرفه; وجده مظلما; فإما أن يشعر به; فيرده بالعلم ، أو لا يقدر على رده ، وإما أن لا يشعر به; فيمضي مع من هلك . 

قال ابن وهب : " وسمعت مالكا إذ جاءه بعض أهل الأهواء يقول : أما أنا; فعلى بينة من ربي ، وأما أنت فشاك ، فاذهب إلى شاك مثلك فخاصمه ، ثم قرأ : ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ) 

. فهذا شأن من تقدم من عدم تمكين زائغ القلب أن يسمع كلامه . 

ومثل رده بالعلم : جوابه لمن سأله في قوله : ( الرحمن على العرش استوى ) كيف استوى ؟ فقال له : " الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والسؤال عنه بدعة ، وأراك صاحب بدعة " ، ثم أمر بإخراج السائل . 

ومثل ما لا يقدر على رده : ما حكى الباجي ; قال : قال مالك : " كان يقال : لا تمكن زائغ القلب من أذنك ، فإنك لا تدري ما يعلقك من ذلك " . 

ولقد سمع رجل من الأنصار من أهل المدينة شيئا من بعض أهل القدر ، فعلق قلبه ، فكان يأتي إخوانه الذين يستنصحهم ، فإذا نهوه; قال : " فكيف بما علق قلبي لو علمت أن الله يرضى أن ألقي نفسي من فوق هذه المنارة; فعلت " . 

ثم حكي أيضا عن مالك أنه قال : " لا تجالس القدري ولا تكلمه; [ ص: 174 ] إلا أن تجلس إليه ، فتغلظ عليه ، لقوله : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ) ، فلا توادوهم " .ى                                                                                                                                                                                         وأما أنه يخشى عليه الفتنة : فلما حكى عياض عن سفيان بن عيينة : أنه قال : " سألت مالكا عمن أحرم من المدينة وراء الميقات ؟ فقال : هذا مخالف لله ورسوله ، أخشى عليه الفتنة في الدنيا ، والعذاب الأليم في الآخرة ، أما سمعت قوله تعالى : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) ؟ ! وقدأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يهل من المواقيت " . وحكى ابن العربي عن الزبير بن بكار ، قال : " سمعت مالك بن أنس ، وأتاه رجل ، فقال : يا أبا عبد الله ! من أين أحرم ؟ قال : من ذي الحليفة ، من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إني أريد أن أحرم من المسجد . فقال : لا تفعل ، قال : فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر ، قال : لا تفعل; فإني أخشى عليك الفتنة ، فقال : وأي فتنة هذه ؟ ! إنما هي أميال أزيدها ، قال : وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! إني سمعت الله يقول : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ). وهذه الفتنة التي ذكرها مالك رحمه الله تفسير الآية هي شأن أهل البدع وقاعدتهم التي يؤسسون عليها بنيانهم ، فإنهم يرون أن ما ذكره الله في كتابه وما سنه نبيه صلى الله عليه وسلم دون ما اهتدوا إليه بعقولهم . [ ص: 175 ] وفي مثل ذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه فيما روي عن ابن وضاح : " لقد هديتم لما لم يهتد له نبيكم ! وإنكم لتمسكون بذنب ضلالة " ; إذ مر بقوم كان رجل يجمعهم ، يقول : رحم الله من قال كذا وكذا مرة : سبحان الله ، فيقول القوم . ويقول : رحم الله من قال كذا وكذا مرة : الحمد لله فيقول القوم . ثم إن ما استدل به مالك من الآيات الكريمة نزلت في شأن المنافقين حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق ، وهم الذين كانوا يتسللون لواذا . وقد تقدم أن النفاق من أصله بدعة ، لأنه وضع بدعة في الشريعة على غير ما وضعها الله تعالى ، ولذلك لما أخبر تعالى عن المنافقين; قال : (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) ، فمن حيث كانت عامة في المخالفين عن أمره يدخلون أيضا من باب أحرى . فهذه جملة يستدل بها على ما بقي ، إذ ما تقدم من الآيات والأحاديث فيها مما يتعلق بهذا المعنى كثير ، وبسط معانيها طويل ، فلنقتصر على ما ذكرنا وبالله التوفيق 

وأما أن صاحب البدعة تنزع منه العصمة ويوكل إلى نفسه : 

فقد تقدم نقله ، ومعناه ظاهر جدا : 

فإن الله تعالى بعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين حسبما أخبر في كتابه ، وقد كنا قبل طلوع ذلك النور الأعظم لا نهتدي سبيلا ، ولا نعرف من مصالحنا الدنيوية إلا قليلا على غير كمال ، ولا من مصالحنا الأخروية قليلا ولا كثيرا ، بل كان كل أحد يركب هواه وإن كان فيه ما فيه ، ويطرح هوى غيره فلا يلتفت إليه . 

فلا يزال الاختلاف بينهم والفساد فيهم يخص ويعم حتى بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم ، لزوال الريب والالتباس ، وارتفاع الخلاف الواقع بين الناس : 

كما قال الله تعالى : ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ) إلى قوله : ( فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ) . 

وقوله : ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ) . 

( وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ) . 

[ ص: 150 ] ولم يكن حاكما بينهم فيما اختلفوا فيه; إلا وقد جاءهم بما ينتظم به شملهم ، وتجتمع به كلمتهم ، وذلك راجع إلى الجهة التي من أجلها اختلفوا ، وهو ما يعود عليهم بالصلاح في العاجل والآجل ، ويدرأ عنهم الفساد على الإطلاق ، فانخفضت الأديان والدماء والعقل والأنساب والأموال ، من طرق يعرف مآخذها العلماء ، وذلك [ من ] القرآن المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم قولا وعملا وإقرارا ، ولم يردوا إلى تدبير أنفسهم; للعلم بأنهم لا يستطيعون ذلك ، ولا يستقلون بدرك مصالحهم ولا تدبير أنفسهم . 

فإذا ترك المبتدع هذه الهبات العظيمة والعطايا الجزيلة ، وأخذ في استصلاح نفسه أو دنياه بنفسه بما لم يجعل الشرع عليه دليلا ، فكيف له بالعصمة والدخول تحت هذه الرحمة ؟ وقد حل يده من حبل العصمة إلى تدبير نفسه ، فهو حقيق بالبعد عن الرحمة . قال الله تعالى : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) بعد قوله : ( اتقوا الله حق تقاته ) ، فأشعر أن الاعتصام بحبل الله هو تقوى الله حقا ، وأن ما سوى ذلك تفرقة ، لقوله : ( ولا تفرقوا) ، والفرقة من أخس أوصاف المبتدعة ، لأنه خرج عن حكم الله وباين جماعة أهل الإسلام . 

روى عبد بن حميد بن عبد الله : أن حبل الله الجماعة . 

وعن قتادة : " حبل الله المتين : هذا القرآن وسننه ، وعهده إلى عباده الذي أمر أن يعتصم بما فيه من الخير ، والثقة أن يتمسكوا به ويعتصموا [ ص:151 ] بحبله . . . " إلى آخر ما قال . 

ومن ذلك قوله تعالى : ( واعتصموا بالله هو مولاكم ) .                                                                                                          وأما أن الماشي إلى المبتدع والموقر له معين على هدم الإسلام : 


فقد تقدم نقله . 

وروي أيضا مرفوعا : من أتى صاحب بدعة ليوقره ، فقد أعان على هدم الإسلام . 

وعن هشام بن عروة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام . 

ويجامعها في المعنى ما صح من قوله عليه الصلاة والسلام : من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين . الحديث . 

فإن الإيواء يجامع التوقير ، ووجه ذلك ظاهر لأن المشي إليه والتوقير له تعظيم له لأجل بدعته ، وقد علمنا أن الشرع يأمر بزجره وإهانته وإذلاله بما هو أشد من هذا ، كالضرب والقتل ، فصار توقيره صدودا عن العمل بشرع الإسلام ، وإقبالا على ما يضاده وينافيه ، والإسلام لا ينهدم إلا بترك العمل به ، والعمل بما ينافيه . 

وأيضا فإن توقير صاحب البدعة مظنة لمفسدتين تعودان على [ ص: 152 ] الإسلام بالهدم : 

إحداهما : التفات الجهال والعامة إلى ذلك التوقير ، فيعتقدون في المبتدع أنه أفضل الناس ، وأن ما هو عليه خير مما عليه غيره ، فيؤدي ذلك إلى اتباعه على بدعته; دون اتباع أهل السنة على سنتهم . 

والثانية : أنه إذا وقر من أجل بدعته; صار ذلك كالحادي المحرض له على إنشاء الابتداع في كل شيء . 

وعلى كل حال ، فتحيا البدع ، وتموت السنن ، وهو هدم الإسلام بعينه . 

وعلى ذلك دل حديث معاذ : " فيوشك قائل أن يقول : ما لهم لا يتبعوني وقد قرأت القرآن ؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره ، وإياكم وما ابتدع ، فإن ما ابتدع ضلالة " . 

فهو يقتضي أن السنن تموت إذا أحييت البدع ، وإذا ماتت [ السنن ] ; انهدم الإسلام . 

وعلى ذلك دل النقل عن السلف; زيادة إلى صحة الاعتبار ، لأن الباطل إذا عمل به لزم ترك العمل بالحق كما في العكس ، لأن المحل الواحد لا يشتغل إلا بأحد الضدين . 

وأيضا; فمن السنة الثابتة ترك البدع ، فمن عمل ببدعة واحدة; فقد ترك تلك السنة . 

فمما جاء من ذلك ما تقدم ذكره عن حذيفة رضي الله عنه : " أنه أخذ [ ص: 153 ] حجرين فوضع أحدهما على الآخر ثم قال لأصحابه : هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور ؟ قالوا : يا أبا عبد الله ! ما نرى بينهما إلا قليلا ، قال : والذي نفسي بيده لتظهرن البدع حتى لا يرى من الحق إلا قدر ما بين هذين الحجرين من النور ، والله لتفشون البدع حتى إذا ترك منها شيء ، قالوا : تركت السنة " . 

وله آخر قد تقدم . 

وعن أبي إدريس الخولاني : أنه كان يقول : " ما أحدثت أمة في دينها بدعة; إلا رفع الله بها عنهم سنة " . 

وعن حسان بن عطية; قال : " ما أحدث قوم بدعة في دينهم; إلا نزع الله من سنتهم مثلها ، ثم لم يعدها إليهم إلى يوم القيامة " . 

وعن بعض السلف يرفعه : لا يحدث رجل في الإسلام بدعة; إلا ترك من السنة ما هو خير منها . 

وعن ابن عباس رضي الله عنه; قال : " ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة ، وأماتوا فيه سنة ، حتى تحيا البدع ، وتموت السنن                                                                                                                                                                




وأما أن صاحبها ملعون على لسان الشريعة : 

فلقوله عليه الصلاة والسلام : من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين . 

وعد من الإحداث : الاستنان بسنة سوء لم تكن . 

وهذه اللعنة قد اشترك فيها صاحب البدعة مع من كفر بعد إيمانه وقد [ ص: 154 ] شهد أن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حق لا شك فيها ، وجاءه الهدى من الله والبيان الشافي ، وذلك قول الله تعالى : ( كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق ) إلى قوله : ( أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) إلى آخرها . 

واشترك أيضا مع من كتم ما أنزل الله وبينه في كتابه ، وذلك قوله تعالى : ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ) إلى آخرها . 

فتأملوا المعنى الذي اشترك المبتدع فيه مع هاتين الفرقتين ، وذلك مضادة الشارع فيما شرع; لأن الله تعالى أنزل الكتاب وشرع الشرائع ، وبين الطريق للسالكين على غاية ما يمكن من البيان ، فضادها الكافر بأن جحدها جحدا ، وضادها كاتمها بنفس الكتمان ، لأن الشارع يبين ويظهر وهذا يكتم ويخفي ، وضادها المبتدع بأن وضع الوسيلة لترك ما بين وإخفاء ما أظهر ، لأن من شأنه أن يدخل الإشكال في الواضحات ، من أجل اتباع المتشابهات ، لأن الواضحات تهدم له ما بنى عليه من المتشابهات ، فهو آخذ في إدخال الإشكال على الواضح ، حتى يرتكب ما جاءت اللعنة في الابتداع به من الله والملائكة والناس أجمعين . 

قال أبو مصعب صاحب مالك : " قدم علينا ابن مهدي يعني : المدينة فصلى ووضع رداءه بين يدي الصف ، فلما سلم الإمام; رمقه الناس بأبصارهم ورمقوا مالكا ، وكان قد صلى خلف الإمام ، فلما سلم; [ ص: 155 ] قال : من هاهنا من الحرس ؟ فجاءه نفسان ، فقال : خذا صاحب هذا الثوب ، فاحبساه ، فحبس ، فقيل له : إنه ابن مهدي; فوجه إليه ، وقال له : أما خفت الله واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف ، وشغلت المصلين بالنظر إليه ، وأحدثت في مسجدنا شيئا ما كنا نعرفه ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : من أحدث في مسجدنا حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ؟ ! فبكى ابن مهدي ، وآلى على نفسه أن لا يفعل ذلك أبدا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في غيره " . 

وهذا غاية في التوقي والتحفظ في ترك إحداث ما لم يكن; خوفا من تلك اللعنة ، فما ظنك بما سوى وضع الثوب ؟ ! 

وتقدم حديث الطحاوي : " ستة ألعنهم ، لعنهم الله " ، فذكر فيهم التارك لسنته عليه الصلاة والسلام أخذا بالبدعة .                                                                                                                                                                               وأما أنه يزداد من الله بعدا : 

فلما روي عن الحسن : أنه قال : " صاحب البدعة; ما يزداد من الله اجتهادا صياما وصلاة ، إلا ازداد من الله بعدا " . 

وعن أيوب السختياني ; قال : " ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا ، إلا ازداد من الله بعدا " . 

ويصحح هذا النقل ما أشار إليه الحديث الصحيح في قوله عليه الصلاة والسلام في الخوارج : يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقرون [ ص: 156 ]صلاتكم مع صلاتهم ، وصيامكم مع صيامهم إلى أن قال : " يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية . 

فبين أولا اجتهادهم ، ثم بين آخرا بعدهم من الله تعالى . 

وهو بين أيضا من جهة أنه لا يقبل منه صرف ولا عدل كما تقدم ، فكل عمل يعمله على البدعة ، فكما لو لم يعمله . 

ويزيد على تارك العمل بالعناد الذي تضمنه ابتداعه ، والفساد الداخل على الناس به في أصل الشريعة وفي فروع الأعمال والاعتقادات ، وهو يظن مع ذلك أن بدعته تقربه من الله وتوصله إلى الجنة . 

وقد ثبت بالنقل ( الصحيح الصريح ) بأنه لا يقرب إلى الله إلا العمل بما شرع ، وعلى الوجه الذي شرع وهو تاركه ، وأن البدع تحبط الأعمال وهو ينتحلها                                                                                                                                   أما أن البدع مظنة إلقاء العداوة والبغضاء بين أهل الإسلام : 
فلأنها تقتضي التفرق شيعا ، وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم; حسبما تقدم في قوله تعالى : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ) . 
وقوله : ( ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) . 
[ ص: 157 ] وقوله : ( ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) . 
وقوله : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) . 
وما أشبه ذلك من الآيات في هذا المعنى . 
وقد بين عليه الصلاة والسلام أن فساد ذات البين هي الحالقة ، وأنها تحلق الدين ، وجميع هذه الشواهد تدل على وقوع الافتراق والعداوة عند وقوع الابتداع . 
وأول شاهد عليه في الواقع قصة الخوارج ، إذ عادوا أهل الإسلام حتى صاروا يقتلونهم ويدعون الكفار; كما أخبر عنه [ الحديث ] الصحيح . 
ثم يليهم كل من كان له صولة منهم بقرب الملوك; فإنهم تناولوا أهل السنة بكل نكال وعذاب وقتل أيضا ، حسبما بينه جميع أهل الأخبار . 
ثم يليهم كل من ابتدع بدعة ، فإن من شأنهم أن يثبطوا الناس عن اتباع الشريعة ، ويذمونهم ، ويزعمون أنهم الأرجاس الأنجاس المكبين على الدنيا ، ويضعون عليهم شواهد الآيات في ذم الدنيا وذم المكبين عليها : 
[ ص: 158 ] كما يروى عن عمرو بن عبيد : أنه قال : " لو شهد عندي علي وعثمان وطلحة والزبير على شراك نعل; ما أجزت شهادتهم " . 
وعن معاذ بن معاذ; قال : قلت لعمرو بن عبيد : كيف حدث الحسن عن عثمان أنه ورث امرأة عبد الرحمن بعد انقضاء عدتها ؟ فقال : " إن فعل عثمانلم يكن سنة " . 
وقيل له : كيف حدث الحسن عن سمرة في السكتتين ؟ فقال : " ما تصنع بسمرة ؟ ! قبح الله سمرة " اهـ . 
بل قبح الله عمرو بن عبيد . 
وسئل يوما عن شيء ؟ فأجاب فيه . قال الراوي : قلت : ليس هكذا يقول أصحابنا . قال : " ومن أصحابك لا أبا لك ؟ " ، قلت : أيوب ، ويونس ، وابن عون ، والتيمي . قال : " أولئك أنجاس أرجاس ، أموات غير أحياء " . 
فهكذا أهل الضلال يسبون السلف الصالح; لعل بضاعتهم تنفق ، ( ويأبى الله إلا أن يتم نوره ) . 
وأصل هذا الفساد من قبل الخوارج ، فهم أول من لعن السلف الصالح ، وتكفير الصحابة رضي الله عن الصحابة ، ومثل هذا كله يورث العداوة والبغضاء . 

وأيضا; فإن فرقة النجاة وهم أهل السنة مأمورون بعداوة أهل البدع ، والتشريد بهم ، والتنكيل بمن انحاش إلى جهتهم بالقتل فما دونه ، [ ص: 159 ]وقد حذر العلماء من مصاحبتهم ومجالستهم حسبما تقدم ، وذلك مظنة إلقاء العداوة والبغضاء ، لكن الدرك فيها على من تسبب في الخروج عن الجماعة بما أحدثه من اتباع غير سبيل المؤمنين ، لا على التعادي مطلقا . كيف ونحن مأمورون بمعاداتهم وهم مأمورون بموالاتنا والرجوع إلى الجماعة ؟                                                                                                                            وأما أنها مانعة من شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم : 
فلما روي : أنه عليه السلام قال : حلت شفاعتي لأمتي; إلا صاحب بدعة . 
ويشير إلى صحة المعنى فيه ما في الصحيح; قال : أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ، وأنه سيؤتى برجال من أمتي ، فيؤخذ بهم ذات الشمال إلى قوله : فيقال : لم يزالوا مرتدين على أعقابهم . الحديث ، وقد تقدم . 
ففيه أنه لم يذكر لهم شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما قال : فأقول لهم : سحقا; كما قال العبد الصالح . 
ويظهر من أول الحديث أن ذلك الارتداد لم يكن ارتداد كفر; لقوله : [ ص: 160 ] وإنه سيؤتى برجال من أمتي ، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لما نسبوا إلى أمته ، ولأنه عليه السلام أتى بالآية ، وفيها : ( وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) ، ولو علم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم خارجون عن الإسلام جملة ، لما ذكرها ، لأن من مات على الكفر لا غفران له ألبتة ، وإنما يرجى الغفران لمن لم يخرجه عمله عن الإسلام; لقول الله تعالى : (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) . 
ومثل هذا الحديث حديث ( الموطأ ) لقوله فيه : فأقول فسحقا فسحقا . 


فقد تقدم الاستشهاد عليه في أن الموقر لصاحبها معين على هدم الإسلام .                                                   وأما أن على مبتدعها إثم من عمل بها إلى يوم القيامة : 
فلقوله تعالى : ( ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ) . 
ولما في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام : من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها الحديث . 
[ ص: 161 ] وإلى ذلك أشار الحديث الآخر : ما من نفس تقتل ظلما; إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها ، لأنه أول من سن القتل . 
وهذا التعليل يشعر بمقتضى الحديث قبله ، إذ علل تعليق الإثم على ابن آدم لكونه أول من سن القتل ، فدل على أن من سن ما لا يرضاه الله ورسوله ، فهو مثله ، إذ لم يتعلق الإثم بمن سن القتل; لكونه قتلا دون غيره ، بل لكونه سن سنة سوء وجعلها طريقا مسلوكة . 
ومثل هذا ما جاء في معناه مما تقدم أو يأتي كقوله : ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله; كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا . 
وغير ذلك من الأحاديث . 
فليتق الله امرؤ ربه ، ولينظر قبل الإحداث في أي مزلة يضع قدمه في مصون أمره ، [ أم ] يثق بعقله في التشريع ، ويتهم ربه فيما شرع ! ولا يدري المسكين ما الذي يوضع له في ميزان سيئاته ، مما ليس في حسابه ، ولا شعر أنه من عمله . 
فما من بدعة يبتدعها أحد فيعمل بها من بعده ، إلا كتب عليه إثم ذلك العامل ، زيادة إلى إثم ابتداعه أولا ، ثم عمله ثانيا . 
وإذا ثبت أن كل بدعة تبتدع ، فلا تزداد على طول الزمان إلا مضيا [ ص: 162 ] حسبما تقدم واشتهارا وانتشارا ، فعلى وزن ذلك يكون إثم المبتدع لها ، كما أن من سن سنة حسنة; كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة . 
وأيضا ، فإذا كانت كل بدعة يلزمها إماتة سنة تقابلها; كان على المبتدع إثم ذلك أيضا ، فهو إثم زائد على إثم الابتداع ، وذلك الإثم يتضاعف تضاعف إثم البدعة بالعمل بها ، لأنها كلما تجددت في قول أو عمل; تجددت في قول إماتة السنة كذلك . 

واعتبروا ذلك ببدعة الخوارج ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عرفنا بأنهم : يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية . . . . . الحديث إلى آخره ، ففيه بيان أنهم لم يبق لهم من الدين إلا ما إذا نظر فيه الناظر; شك فيه وتمارى : هل هو موجود فيهم أم لا ؟ وإنما سببه الابتداع في دين الله ، وهو الذي دل عليه قوله : يقتلون أهل الإسلام ، ويدعون أهل الأوثان ، وقوله : يقرءون القرآن لا يتجاوز تراقيهم فهذه بدع ثلاث ، إعاذة بالله من ذلك بفضله .