السبت، 9 أبريل 2016

 .: من النقل يذكر فيه بعض ما في البدع من الأوصاف المحذورة ، والمعاني المذمومة ، وأنواع الشؤم :

وهو كالشرح لما تقدم أولا ، وفيه زيادة بسط وبيان زائد على ما تقدم في أثناء الأدلة ، فلنتكلم على ما يسع ذكره بحسب الوقت والحال .

فاعلموا أن البدعة : لا يقبل معها عبادة من صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا غيرها من القربات ، ومجالس صاحبها تنزع منه العصمة ، ويوكل إلى نفسه ، والماشي إليه وموقره معين على هدم الإسلام ، فما الظن بصاحبها ؟ وهو ملعون على لسان الشريعة ، ويزداد من الله بعبادته بعدا ، وهي مظنة إلقاء العداوة والبغضاء ، ومانعة من الشفاعة المحمدية ، ورافعة للسنن التي تقابلها ، وعلى مبتدعها إثم من عمل بها ، وليس له من توبة ، وتلقى عليه الذلة والغضب من الله ، ويبعد عن حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويخاف عليه أن يكون معدودا في الكفار الخارجين عن الملة ، وسوء الخاتمة عند الخروج من الدنيا ، ويسود وجهه في الآخرة ، [ و ] يعذب بنار جهنم ، وقد تبرأ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ منه المسلمون ، ويخاف عليه الفتنة [ ص: 142 ] في الدنيا زيادة إلى عذاب الآخرة .

فأما أن البدعة لا يقبل معها عمل :

فقد روي عن الأوزاعي : أنه قال : " كان بعض أهل العلم يقولون : لا يقبل الله من ذي بدعة صلاة ولا صياما ولا صدقة ولا جهادا ولا حجا ولا عمرة ولا صرفا ولا عدلا " .

وفيما كتب به أسد بن موسى : " وإياك أن يكون لك من البدع أخ أو جليس أو صاحب :

فإنه جاء الأثر : من جالس صاحب بدعة; نزعت منه العصمة ، ووكل إلى نفسه ، ومن مشى إلى صاحب بدعة ، مشى إلى هدم الإسلام .

وجاء : ما من إله يعبد من دون الله أبغض إلى الله من صاحب هوى .

ووقعت اللعنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل البدع .

وإن الله لا يقبل منهم صرفا ولا عدلا ، ولا فريضة ولا تطوعا .

وكلما ازدادوا اجتهادا صوما وصلاة ازدادوا من الله بعدا .

فارفض مجالستهم ، وأذلهم ، وأبعدهم ، كما أبعدهم وأذلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة الهدى بعده .

وكان أيوب السختياني يقول : " ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله بعدا " . وقال هشام بن حسان : " لا يقبل الله من صاحب بدعة صلاة ولا [ ص: 143 ] صياما ولا زكاة ولا حجا ولا جهادا ولا عمرة ولا صدقة ولا عتقا ولا صرفا ولا عدلا " .

وخرج ابن وهب عن عبد الله بن عمر ; قال : " من كان يزعم أن مع الله قاضيا أو رازقا أو يملك لنفسه ضرا أو نفعا أو موتا أو حياة أو نشورا ، لقي الله ، فأدحض حجته ، وأخرس لسانه ، وجعل صلاته وصيامه هباء منثورا ، وقطع به الأسباب ، وكبه في النار على وجهه " .

وهذه الأحاديث وما كان نحوها مما ذكرناه تتضمن عمدة صحتها كلها; فإن المعنى المقرر فيها له في الشريعة أصل صحيح لا مطعن فيه .

أما أولا; فإنه قد جاء في بعضها ما يقتضي عدم القبول .

وهو في الصحيح كبدعة القدرية ، حيث قال فيها عبد الله بن عمر : " إذا لقيت أولئك ، فأخبرهم أني بريء منهم ، وأنهم براء مني ، فوالذي يحلف به عبد الله بن عمر ; لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا ، فأنفقه; ما تقبله الله منه حتى يؤمن بالقدر " ، ثم استشهد بحديث جبريل المذكور في صحيح مسلم .

ومثله حديث الخوارج وقوله فيه : " يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " ، بعد قوله : تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ، وصيامكم مع صيامهم ، وأعمالكم مع أعمالهم الحديث .

[ ص: 144 ] وإذا ثبت في بعضهم هذا لأجل بدعة; فكل مبتدع يخاف عليه مثل من ذكره .

وأما ثانيا : فإن كان المبتدع لا يقبل منه عمل : إما أن يراد أنه لا يقبل له بإطلاق على أي وجه وقع من وفاق سنة أو خلافها ، وإما أن يراد أنه لا يقبل منه ما ابتدع فيه خاصة دون ما لم يبتدع فيه .

فأما الأول : فيمكن على أحد أوجه ثلاثة .

الأول : أن يكون على ظاهره; من أن كل مبتدع أي بدعة كانت فأعماله لا تقبل معها داخلتها تلك البدعة أم لا .

ويشير إليه حديث ابن عمر المذكور آنفا .

ويدل عليه حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أنه خطب الناس وعليه سيف فيه صحيفة معلقة ، فقال : " والله; ما عندنا كتاب نقرؤه; إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة ، فنشرها ، فإذا فيها أسنان الإبل ، وإذا فيها : المدينة حرم من عير إلى كذا ، من أحدث فيها حدثا ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا " .

وذلك على رأي من فسر الصرف والعدل بالفريضة والنافلة .

وهذا شديد جدا على أهل الإحداث في الدين .

الثاني : أن تكون بدعته أصلا يتفرع عليه سائر الأعمال ، كما إذا ذهب إلى إنكار العمل بخبر الواحد بإطلاق ، فإن عامة التكليف مبني عليه; لأن الأمر إنما يرد على المكلف من كتاب الله أو من سنة رسوله . وما تفرع [ ص: 145 ] منهما راجع إليهما :

فإن كان واردا من السنة ، فمعظم نقل السنة بالآحاد ، بل قد أعوز أن يوجد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متواترا .

وإن كان واردا من الكتاب ، فإنما تبينه السنة ، فكل ما لم يبين في القرآن; فلا بد لمطرح نقل الآحاد أن يستعمل رأيه [ فيه ] ، وهو الابتداع بعينه ، فيكون [ كل ] فرع ينبني على ذلك بدعة لا سنة ، لا يقبل منه شيء ، كما في الصحيح من قوله عليه السلام : كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد .

وكما إذا كانت البدعة التي ينبني عليها كل عمل ، فإن الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى .

ومن أمثلة ذلك قول من يقول : إن الأعمال إنما تلزم من لم يبلغ درجة الأولياء المكاشفين بحقائق التوحيد ، فأما من رفع له الحجاب وكوشف بحقيقة ما هنالك ، فقد ارتفع التكليف عنه ، بناء منهم على أصل هو كفر صريح لا يليق في هذا الموضع ذكره .

أمثلة ما ذهب إليه بعض المارقين من إنكار العمل بالأخبار النبوية جاءت تواترا أو آحادا وأنه إنما يرجع إلى كتاب الله .

وفي الترمذي عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته ، يأتيه أمري فيما أمرت به أو نهيت عنه فيقول : لا أدري ! ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ! حديث حسن .

[ ص: 146 ] وفي رواية : ألا هل عسى رجل يبلغه عني الحديث وهو متكئ على أريكته فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله ( قال ) : فما وجدنا فيه حلالا حللناه وما وجدنا فيه حراما حرمناه ، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله . حديث حسن .

وإنما جاء هذا الحديث على الذم وإثبات أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التحليل والتحريم ككتاب الله ، فمن ترك ذلك ، فقد بنى أعماله على رأيه لا على كتاب الله ، ولا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ومن الأمثلة إذا كانت البدعة تخرج صاحبها عن الإسلام باتفاق أو باختلاف ، إذ للعلماء في تكفير أهل البدع قولان .

وفي الظواهر ما يدل على ذلك; كقوله عليه السلام في بعض روايات حديث الخوارج حين ذكر السهم بصيغة الخوارج من الرمية بين الفرث والدم .

ومن الآيات قوله سبحانه وتعالى : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) الآية .

ونحو الظواهر المتقدمة .

الوجه الثالث : أن صاحب البدعة في بعض الأمور التعبدية أو غيرها قد يجره اعتقاد بدعته الخاصة إلى التأويل الذي يصير اعتقاده في الشريعة ضعيفا ، وذلك يبطل عليه جميع عمله .

بيان ذلك أمثلة ،

[ ص: 147 ] منها : أن يترك العقل مع الشرع في التشريع ، وإنما يأتي الشرع كاشفا لما اقتضاه العقل .

فيا ليت شعري ! هل حكم هؤلاء في التعبد لله شرعه أم عقولهم ؟ بل صار الشرع في نحلتهم كالتابع المعين لا حاكما متبعا .

وهذا هو التشريع الذي لم يبق للشرع معه أصالة ، فكل ما عمل هذا العامل مبني على ما اقتضاه عقله ، وإن شرك الشرع ، فعلى حكم الشركة لا على إفراد الشرع ، فلا يصح بناء على الدليل الدال على إبطال التحسين والتقبيح العقليين ، إذ هو عند علماء الكلام من مشهور البدع ، وكل بدعة ضلالة .

ومنها : أن المستحسن للبدع يلزمه عادة أن يكون الشرع عنده لم يكمل بعد ، فلا يكون لقوله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) ; معنى يعتبر به عندهم ، ومحسن الظن منهم يتأولها حتى يخرجها عن ظاهرها .

وذلك أن هؤلاء الفرق التي تبتدع العبادات أكثرها ممن يكثر الزهد والانقطاع والانفراد عن الخلق ، وإلى الاقتداء بهم يجري أغمار العوام ، والذي يلزم الجماعة وإن كان أتقى خلق الله لا يعدونه إلا من العامة ، وأما الخاصة فهم أهل تلك الزيادات .

ولذلك تجد كثيرا من المعتزين بهم ، والمائلين إلى جهتهم ، يزدرون بغيرهم ممن لم ينتحل مثل ما انتحلوا ، ويعدونهم من المحجوبين عن [ ص: 148 ] أنوارهم ، فكل من يعتقد هذا المعنى; يضعف في يده قانون الشرع الذي ضبطه السلف الصالح ، وبين حدوده الفقهاء الراسخون في العلم ، إذ ليس هو عنده في طريق السلوك بمنهض حتى يدخل مداخل خاصتهم ، وعند ذلك لا يبقى لعمل في أيديهم روح الاعتماد الحقيقي ، وهو باب عدم القبول في تلك الأعمال ، وإن كانت بحسب ظاهر الأمر مشروعة ، لأن الاعتقاد فيها أفسدها عليهم ، فحقيق أن لا يقبل ممن هذا شأنه صرف ولا عدل والعياذ بالله !

وأما الثاني : وهو أن يراد بعدم القبول لأعمالهم ما ابتدعوا فيه خاصة فيظهر أيضا .

وعليه يدل الحديث المتقدم : كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد والجميع من قوله : كل بدعة ضلالة ، أي : إن صاحبها ليس على الصراط المستقيم ، وهو معنى عدم القبول ، وفاق قول الله : ( ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) .

وصاحب البدعة لا يقتصر في الغالب على الصلاة دون الصيام ، ولا على الصيام دون الزكاة ، ولا على الزكاة دون الحج ، ولا على الحج دون الجهاد ، إلى غير ذلك من الأعمال ، لأن الباعث له على ذلك حاضر معه في الجميع ، وهو الهوى والجهل بشريعة الله ، كما سيأتي إن شاء الله .

وفي " المبسوطة " عن يحيى بن يحيى : أنه ذكر الأعراف وأهله ، [ ص: 149 ] فتوجع واسترجع ، ثم قال : " قوم أرادوا وجها من الخير فلم يصيبوه " .

فقيل له : يا أبا محمد ! أفيرجى لهم مع ذلك لسعيهم ثواب ؟

قال : " ليس في خلاف السنة رجاء ثواب===================== وأما أن صاحب البدعة تنزع منه العصمة ويوكل إلى نفسه :

فقد تقدم نقله ، ومعناه ظاهر جدا :

فإن الله تعالى بعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين حسبما أخبر في كتابه ، وقد كنا قبل طلوع ذلك النور الأعظم لا نهتدي سبيلا ، ولا نعرف من مصالحنا الدنيوية إلا قليلا على غير كمال ، ولا من مصالحنا الأخروية قليلا ولا كثيرا ، بل كان كل أحد يركب هواه وإن كان فيه ما فيه ، ويطرح هوى غيره فلا يلتفت إليه .

فلا يزال الاختلاف بينهم والفساد فيهم يخص ويعم حتى بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم ، لزوال الريب والالتباس ، وارتفاع الخلاف الواقع بين الناس :

كما قال الله تعالى : ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ) إلى قوله : ( فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ) .

وقوله : ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ) .

( وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ) .

[ ص: 150 ] ولم يكن حاكما بينهم فيما اختلفوا فيه; إلا وقد جاءهم بما ينتظم به شملهم ، وتجتمع به كلمتهم ، وذلك راجع إلى الجهة التي من أجلها اختلفوا ، وهو ما يعود عليهم بالصلاح في العاجل والآجل ، ويدرأ عنهم الفساد على الإطلاق ، فانخفضت الأديان والدماء والعقل والأنساب والأموال ، من طرق يعرف مآخذها العلماء ، وذلك [ من ] القرآن المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم قولا وعملا وإقرارا ، ولم يردوا إلى تدبير أنفسهم; للعلم بأنهم لا يستطيعون ذلك ، ولا يستقلون بدرك مصالحهم ولا تدبير أنفسهم .

فإذا ترك المبتدع هذه الهبات العظيمة والعطايا الجزيلة ، وأخذ في استصلاح نفسه أو دنياه بنفسه بما لم يجعل الشرع عليه دليلا ، فكيف له بالعصمة والدخول تحت هذه الرحمة ؟ وقد حل يده من حبل العصمة إلى تدبير نفسه ، فهو حقيق بالبعد عن الرحمة . قال الله تعالى : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) بعد قوله : ( اتقوا الله حق تقاته ) ، فأشعر أن الاعتصام بحبل الله هو تقوى الله حقا ، وأن ما سوى ذلك تفرقة ، لقوله : ( ولا تفرقوا ) ، والفرقة من أخس أوصاف المبتدعة ، لأنه خرج عن حكم الله وباين جماعة أهل الإسلام .

روى عبد بن حميد بن عبد الله : أن حبل الله الجماعة .

وعن قتادة : " حبل الله المتين : هذا القرآن وسننه ، وعهده إلى عباده الذي أمر أن يعتصم بما فيه من الخير ، والثقة أن يتمسكوا به ويعتصموا [ ص: 151 ] بحبله . . . " إلى آخر ما قال .

ومن ذلك قوله تعالى : ( واعتصموا بالله هو مولاكم ) . =========================وأما أن الماشي إلى المبتدع والموقر له معين على هدم الإسلام :

فقد تقدم نقله .

وروي أيضا مرفوعا : من أتى صاحب بدعة ليوقره ، فقد أعان على هدم الإسلام .

وعن هشام بن عروة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام .

ويجامعها في المعنى ما صح من قوله عليه الصلاة والسلام : من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين . الحديث .

فإن الإيواء يجامع التوقير ، ووجه ذلك ظاهر لأن المشي إليه والتوقير له تعظيم له لأجل بدعته ، وقد علمنا أن الشرع يأمر بزجره وإهانته وإذلاله بما هو أشد من هذا ، كالضرب والقتل ، فصار توقيره صدودا عن العمل بشرع الإسلام ، وإقبالا على ما يضاده وينافيه ، والإسلام لا ينهدم إلا بترك العمل به ، والعمل بما ينافيه .

وأيضا فإن توقير صاحب البدعة مظنة لمفسدتين تعودان على [ ص: 152 ] الإسلام بالهدم :

إحداهما : التفات الجهال والعامة إلى ذلك التوقير ، فيعتقدون في المبتدع أنه أفضل الناس ، وأن ما هو عليه خير مما عليه غيره ، فيؤدي ذلك إلى اتباعه على بدعته; دون اتباع أهل السنة على سنتهم .

والثانية : أنه إذا وقر من أجل بدعته; صار ذلك كالحادي المحرض له على إنشاء الابتداع في كل شيء .

وعلى كل حال ، فتحيا البدع ، وتموت السنن ، وهو هدم الإسلام بعينه .

وعلى ذلك دل حديث معاذ : " فيوشك قائل أن يقول : ما لهم لا يتبعوني وقد قرأت القرآن ؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره ، وإياكم وما ابتدع ، فإن ما ابتدع ضلالة " .

فهو يقتضي أن السنن تموت إذا أحييت البدع ، وإذا ماتت [ السنن ] ; انهدم الإسلام .

وعلى ذلك دل النقل عن السلف; زيادة إلى صحة الاعتبار ، لأن الباطل إذا عمل به لزم ترك العمل بالحق كما في العكس ، لأن المحل الواحد لا يشتغل إلا بأحد الضدين .

وأيضا; فمن السنة الثابتة ترك البدع ، فمن عمل ببدعة واحدة; فقد ترك تلك السنة .

فمما جاء من ذلك ما تقدم ذكره عن حذيفة رضي الله عنه : " أنه أخذ [ ص: 153 ] حجرين فوضع أحدهما على الآخر ثم قال لأصحابه : هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور ؟ قالوا : يا أبا عبد الله ! ما نرى بينهما إلا قليلا ، قال : والذي نفسي بيده لتظهرن البدع حتى لا يرى من الحق إلا قدر ما بين هذين الحجرين من النور ، والله لتفشون البدع حتى إذا ترك منها شيء ، قالوا : تركت السنة " .

وله آخر قد تقدم .

وعن أبي إدريس الخولاني : أنه كان يقول : " ما أحدثت أمة في دينها بدعة; إلا رفع الله بها عنهم سنة " .

وعن حسان بن عطية; قال : " ما أحدث قوم بدعة في دينهم; إلا نزع الله من سنتهم مثلها ، ثم لم يعدها إليهم إلى يوم القيامة " .

وعن بعض السلف يرفعه : لا يحدث رجل في الإسلام بدعة; إلا ترك من السنة ما هو خير منها .

وعن ابن عباس رضي الله عنه; قال : " ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة ، وأماتوا فيه سنة ، حتى تحيا البدع ، وتموت السنن ================أما أن صاحبها ملعون على لسان الشريعة :

فلقوله عليه الصلاة والسلام : من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .

وعد من الإحداث : الاستنان بسنة سوء لم تكن .

وهذه اللعنة قد اشترك فيها صاحب البدعة مع من كفر بعد إيمانه وقد [ ص: 154 ] شهد أن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حق لا شك فيها ، وجاءه الهدى من الله والبيان الشافي ، وذلك قول الله تعالى : ( كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق ) إلى قوله : ( أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) إلى آخرها .

واشترك أيضا مع من كتم ما أنزل الله وبينه في كتابه ، وذلك قوله تعالى : ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ) إلى آخرها .

فتأملوا المعنى الذي اشترك المبتدع فيه مع هاتين الفرقتين ، وذلك مضادة الشارع فيما شرع; لأن الله تعالى أنزل الكتاب وشرع الشرائع ، وبين الطريق للسالكين على غاية ما يمكن من البيان ، فضادها الكافر بأن جحدها جحدا ، وضادها كاتمها بنفس الكتمان ، لأن الشارع يبين ويظهر وهذا يكتم ويخفي ، وضادها المبتدع بأن وضع الوسيلة لترك ما بين وإخفاء ما أظهر ، لأن من شأنه أن يدخل الإشكال في الواضحات ، من أجل اتباع المتشابهات ، لأن الواضحات تهدم له ما بنى عليه من المتشابهات ، فهو آخذ في إدخال الإشكال على الواضح ، حتى يرتكب ما جاءت اللعنة في الابتداع به من الله والملائكة والناس أجمعين .

قال أبو مصعب صاحب مالك : " قدم علينا ابن مهدي يعني : المدينة فصلى ووضع رداءه بين يدي الصف ، فلما سلم الإمام; رمقه الناس بأبصارهم ورمقوا مالكا ، وكان قد صلى خلف الإمام ، فلما سلم; [ ص: 155 ] قال : من هاهنا من الحرس ؟ فجاءه نفسان ، فقال : خذا صاحب هذا الثوب ، فاحبساه ، فحبس ، فقيل له : إنه ابن مهدي; فوجه إليه ، وقال له : أما خفت الله واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف ، وشغلت المصلين بالنظر إليه ، وأحدثت في مسجدنا شيئا ما كنا نعرفه ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : من أحدث في مسجدنا حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ؟ ! فبكى ابن مهدي ، وآلى على نفسه أن لا يفعل ذلك أبدا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في غيره " .

وهذا غاية في التوقي والتحفظ في ترك إحداث ما لم يكن; خوفا من تلك اللعنة ، فما ظنك بما سوى وضع الثوب ؟ !

وتقدم حديث الطحاوي : " ستة ألعنهم ، لعنهم الله " ، فذكر فيهم التارك لسنته عليه الصلاة والسلام أخذا بالبدعة=====================وأما أنه يزداد من الله بعدا :

فلما روي عن الحسن : أنه قال : " صاحب البدعة; ما يزداد من الله اجتهادا صياما وصلاة ، إلا ازداد من الله بعدا " .

وعن أيوب السختياني ; قال : " ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا ، إلا ازداد من الله بعدا " .

ويصحح هذا النقل ما أشار إليه الحديث الصحيح في قوله عليه الصلاة والسلام في الخوارج : يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقرون [ ص: 156 ] صلاتكم مع صلاتهم ، وصيامكم مع صيامهم إلى أن قال : " يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية .

فبين أولا اجتهادهم ، ثم بين آخرا بعدهم من الله تعالى .

وهو بين أيضا من جهة أنه لا يقبل منه صرف ولا عدل كما تقدم ، فكل عمل يعمله على البدعة ، فكما لو لم يعمله .

ويزيد على تارك العمل بالعناد الذي تضمنه ابتداعه ، والفساد الداخل على الناس به في أصل الشريعة وفي فروع الأعمال والاعتقادات ، وهو يظن مع ذلك أن بدعته تقربه من الله وتوصله إلى الجنة .

وقد ثبت بالنقل ( الصحيح الصريح ) بأنه لا يقرب إلى الله إلا العمل بما شرع ، وعلى الوجه الذي شرع وهو تاركه ، وأن البدع تحبط الأعمال وهو ينتحلها==============وأما أن البدع مظنة إلقاء العداوة والبغضاء بين أهل الإسلام :

فلأنها تقتضي التفرق شيعا ، وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم; حسبما تقدم في قوله تعالى : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ) .

وقوله : ( ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) .

[ ص: 157 ] وقوله : ( ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) .

وقوله : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) .

وما أشبه ذلك من الآيات في هذا المعنى .

وقد بين عليه الصلاة والسلام أن فساد ذات البين هي الحالقة ، وأنها تحلق الدين ، وجميع هذه الشواهد تدل على وقوع الافتراق والعداوة عند وقوع الابتداع .

وأول شاهد عليه في الواقع قصة الخوارج ، إذ عادوا أهل الإسلام حتى صاروا يقتلونهم ويدعون الكفار; كما أخبر عنه [ الحديث ] الصحيح .

ثم يليهم كل من كان له صولة منهم بقرب الملوك; فإنهم تناولوا أهل السنة بكل نكال وعذاب وقتل أيضا ، حسبما بينه جميع أهل الأخبار .

ثم يليهم كل من ابتدع بدعة ، فإن من شأنهم أن يثبطوا الناس عن اتباع الشريعة ، ويذمونهم ، ويزعمون أنهم الأرجاس الأنجاس المكبين على الدنيا ، ويضعون عليهم شواهد الآيات في ذم الدنيا وذم المكبين عليها :

[ ص: 158 ] كما يروى عن عمرو بن عبيد : أنه قال : " لو شهد عندي علي وعثمان وطلحة والزبير على شراك نعل; ما أجزت شهادتهم " .

وعن معاذ بن معاذ; قال : قلت لعمرو بن عبيد : كيف حدث الحسن عن عثمان أنه ورث امرأة عبد الرحمن بعد انقضاء عدتها ؟ فقال : " إن فعل عثمان لم يكن سنة " .

وقيل له : كيف حدث الحسن عن سمرة في السكتتين ؟ فقال : " ما تصنع بسمرة ؟ ! قبح الله سمرة " اهـ .

بل قبح الله عمرو بن عبيد .

وسئل يوما عن شيء ؟ فأجاب فيه . قال الراوي : قلت : ليس هكذا يقول أصحابنا . قال : " ومن أصحابك لا أبا لك ؟ " ، قلت : أيوب ، ويونس ، وابن عون ، والتيمي . قال : " أولئك أنجاس أرجاس ، أموات غير أحياء " .

فهكذا أهل الضلال يسبون السلف الصالح; لعل بضاعتهم تنفق ، ( ويأبى الله إلا أن يتم نوره ) .

وأصل هذا الفساد من قبل الخوارج ، فهم أول من لعن السلف الصالح ، وتكفير الصحابة رضي الله عن الصحابة ، ومثل هذا كله يورث العداوة والبغضاء .

وأيضا; فإن فرقة النجاة وهم أهل السنة مأمورون بعداوة أهل البدع ، والتشريد بهم ، والتنكيل بمن انحاش إلى جهتهم بالقتل فما دونه ، [ ص: 159 ] وقد حذر العلماء من مصاحبتهم ومجالستهم حسبما تقدم ، وذلك مظنة إلقاء العداوة والبغضاء ، لكن الدرك فيها على من تسبب في الخروج عن الجماعة بما أحدثه من اتباع غير سبيل المؤمنين ، لا على التعادي مطلقا . كيف ونحن مأمورون بمعاداتهم وهم مأمورون بموالاتنا والرجوع إلى الجماعة===============وأما أنها مانعة من شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم :

فلما روي : أنه عليه السلام قال : حلت شفاعتي لأمتي; إلا صاحب بدعة .

ويشير إلى صحة المعنى فيه ما في الصحيح; قال : أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ، وأنه سيؤتى برجال من أمتي ، فيؤخذ بهم ذات الشمال إلى قوله : فيقال : لم يزالوا مرتدين على أعقابهم . الحديث ، وقد تقدم .

ففيه أنه لم يذكر لهم شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما قال : فأقول لهم : سحقا; كما قال العبد الصالح .

ويظهر من أول الحديث أن ذلك الارتداد لم يكن ارتداد كفر; لقوله : [ ص: 160 ] وإنه سيؤتى برجال من أمتي ، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لما نسبوا إلى أمته ، ولأنه عليه السلام أتى بالآية ، وفيها : ( وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) ، ولو علم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم خارجون عن الإسلام جملة ، لما ذكرها ، لأن من مات على الكفر لا غفران له ألبتة ، وإنما يرجى الغفران لمن لم يخرجه عمله عن الإسلام; لقول الله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) .

ومثل هذا الحديث حديث ( الموطأ ) لقوله فيه : فأقول فسحقا فسحقا .
==========وأما أنها رافعة للسنن التي تقابلها :

فقد تقدم الاستشهاد عليه في أن الموقر لصاحبها معين على هدم الإسلام==وأما أن على مبتدعها إثم من عمل بها إلى يوم القيامة :

فلقوله تعالى : ( ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ) .

ولما في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام : من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها الحديث .

[ ص: 161 ] وإلى ذلك أشار الحديث الآخر : ما من نفس تقتل ظلما; إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها ، لأنه أول من سن القتل .

وهذا التعليل يشعر بمقتضى الحديث قبله ، إذ علل تعليق الإثم على ابن آدم لكونه أول من سن القتل ، فدل على أن من سن ما لا يرضاه الله ورسوله ، فهو مثله ، إذ لم يتعلق الإثم بمن سن القتل; لكونه قتلا دون غيره ، بل لكونه سن سنة سوء وجعلها طريقا مسلوكة .

ومثل هذا ما جاء في معناه مما تقدم أو يأتي كقوله : ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله; كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا .

وغير ذلك من الأحاديث .

فليتق الله امرؤ ربه ، ولينظر قبل الإحداث في أي مزلة يضع قدمه في مصون أمره ، [ أم ] يثق بعقله في التشريع ، ويتهم ربه فيما شرع ! ولا يدري المسكين ما الذي يوضع له في ميزان سيئاته ، مما ليس في حسابه ، ولا شعر أنه من عمله .

فما من بدعة يبتدعها أحد فيعمل بها من بعده ، إلا كتب عليه إثم ذلك العامل ، زيادة إلى إثم ابتداعه أولا ، ثم عمله ثانيا .

وإذا ثبت أن كل بدعة تبتدع ، فلا تزداد على طول الزمان إلا مضيا [ ص: 162 ] حسبما تقدم واشتهارا وانتشارا ، فعلى وزن ذلك يكون إثم المبتدع لها ، كما أن من سن سنة حسنة; كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة .

وأيضا ، فإذا كانت كل بدعة يلزمها إماتة سنة تقابلها; كان على المبتدع إثم ذلك أيضا ، فهو إثم زائد على إثم الابتداع ، وذلك الإثم يتضاعف تضاعف إثم البدعة بالعمل بها ، لأنها كلما تجددت في قول أو عمل; تجددت في قول إماتة السنة كذلك .

واعتبروا ذلك ببدعة الخوارج ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عرفنا بأنهم : يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية . . . . . الحديث إلى آخره ، ففيه بيان أنهم لم يبق لهم من الدين إلا ما إذا نظر فيه الناظر; شك فيه وتمارى : هل هو موجود فيهم أم لا ؟ وإنما سببه الابتداع في دين الله ، وهو الذي دل عليه قوله : يقتلون أهل الإسلام ، ويدعون أهل الأوثان ، وقوله : يقرءون القرآن لا يتجاوز تراقيهم فهذه بدع ثلاث ، إعاذة بالله من ذلك بفضله .============وأما أن صاحبها ليس له من توبة :

فلما جاء من قوله عليه الصلاة والسلام : إن الله حجر التوبة على كل صاحب بدعة .

وعن يحيى بن أبي عمرو الشيباني ، قال : " كان يقال : يأبى الله لصاحب بدعة بتوبة ، وما انتقل صاحب بدعة; إلا إلى أشر منها " .

ونحوه عن طريق علي بن أبي طالب رضي الله عنه; قال : " ما كان رجل [ ص: 163 ] على رأي من البدعة فتركه ، إلا إلى ما هو شر منه " .

خرج هذه الآثار ابن وضاح .

وخرج ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز : أنه كان يقول : " اثنان لا نعاتبهما : صاحب طمع ، وصاحب هوى ، فإنهما لا ينزعان " .

وعن ابن شوذب; قال : " سمعت عبد الله بن القاسم وهو يقول : ما كان عبد على هوى تركه; إلا إلى ما هو شر منه " .

قال : " فذكرت ذلك لبعض أصحابنا ، فقال : تصديقه في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، ثم لا يرجعون إليه حتى يرجع السهم على فوقه .

وعن أيوب; قال : " كان رجل يرى رأيا ، فرجع عنه ، فأتيت محمدا فرحا بذلك أخبره ، فقلت : أشعرت أن فلانا ترك رأيه الذي كان يرى ؟ فقال : انظر إلام يتحول ؟ إن آخر الحديث أشد عليهم من أوله : يمرقون من الدين . . . . . . ثم لا يعودون .

وهو حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سيكون من أمتي قوم يقرءون القرآن ولا يجاوز حلاقيمهم ، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ، ثم لا يعودون فيه ، هم شر الخلق والخليقة .

فهذه شهادة الحديث الصحيح لمعنى هذه الآثار ، وحاصلها : أن [ لا ] توبة لصاحب البدعة عن بدعته ، فإن خرج عنها; فإنما يخرج إلى ما هو شر منها; كما في حديث أيوب ، أو يكون ممن يظهر الخروج عنها وهو مصر [ ص: 164 ] عليها بعد; كقصة غيلان مع عمر بن عبد العزيز .

ويدل على ذلك أيضا حديث الفرق إذ قال فيه : وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه ، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله .

وهذا النفي يقتضي العموم بإطلاق ، ولكنه قد يحمل على العموم العادي ، إذ لا يبعد أن يتوب عما رأى ويرجع إلى الحق ، كما نقل عن عبد الله بن الحسن العنبري ، وما نقلوه في مناظرة ابن عباس الحرورية الخارجين على علي رضي الله عنه ، وفي مناظرة عمر بن عبد العزيز لبعضهم .

ولكن الغالب في الواقع الإصرار ، ومن هنالك قلنا : يبعد أن يتوب بعضهم; لأن الحديث يقتضي العموم بظاهره ، وسيأتي بيان ذلك بأبسط من هذا إن شاء الله .

وسبب بعده عن التوبة : أن الدخول تحت تكاليف الشريعة صعب على النفس; لأنه أمر مخالف للهوى ، وصاد عن سبيل الشهوات ، فيثقل عليها جدا; لأن الحق ثقيل ، والنفس إنما تنشط بما يوافق هواها لا بما يخالفه ، وكل بدعة فللهوى فيها مدخل ، لأنها راجعة إلى نظر مخترعها لا إلى نظر الشارع ، [ فإن تعلقت بحكم الشارع ] فعلى حكم التبع لا بحكم الأصل ، مع ضميمة أخرى ، وهي أن المبتدع لا بد له من تعلق بشبهة دليل [ ص: 165 ] ينسبها إلى الشارع ، ويدعي أن ما ذكره هو مقصود الشارع ، فصار هواه مقصودا بدليل شرعي في زعمه ، فكيف يمكنه الخروج عن ذلك وداعي الهوى مستمسك بحسن ما يتمسك به وهو الدليل الشرعي في الجملة ؟ ! .

ومن الدليل على ذلك ما روي عن الأوزاعي; قال : " بلغني أن من ابتدع بدعة ضلالة آلفه الشيطان العبادة ، أو ألقى عليه الخشوع والبكاء; كي يصطاد به " .

وقال بعض الصحابة : " أشد الناس عبادة مفتون " ، واحتج بقوله عليه الصلاة والسلام : يحقر أحدكم صلاته في صلاته وصيامه في صيامه إلى آخر الحديث .

ويحقق ما قاله الواقع; كما نقل في الأخبار عن الخوارج وغيرهم .

فالمبتدع يزيد في الاجتهاد; لينال في الدنيا التعظيم والمال والجاه وغير ذلك من أصناف الشهوات ، بل التعظيم على شهوات الدنيا ، ألا ترى إلى انقطاع الرهبان في الصوامع والديارات عن جميع الملذوذات ، ومقاساتهم في أصناف العبادات والكف عن الشهوات ، وهم مع ذلك خالدون في جهنم ؟ ! .

قال الله : ( وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية ) .

[ ص: 166 ] وقال : ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) .

وما ذاك إلا لخفة يجدونها في ذلك الالتزام ، ونشاط بداخلهم; يستسهلون به الصعب ، بسبب ما داخل النفس من الهوى ، فإذا بدا للمبتدع ما هو عليه ، رآه محبوبا عنده; لاستبعاده للشهوات وعمله من جملتها ، ورآه موافقا للدليل عنده ، فما الذي يصده عن الاستمساك به والازدياد منه ؟ وهو يرى أن أعماله أفضل من أعمال غيره ، واعتقاداته أوفق وأعلى ؟ ! أفيفيد البرهان مطلبا ؟ ( كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء )===========وأما أن المبتدع يلقى عليه الذل في الدنيا والغضب من الله تعالى :

فلقوله تعالى : ( إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين ) ; حسبما جاء في تفسير الآية عن بعض السلف ، وقد تقدم ، ووجهه ظاهر; لأن المتخذين للعجل إنما ضلوا به حتى عبدوه ، لما سمعوا من خواره ، ولما ألقى إليهم السامري فيه ، فكان في حقهم شبهة خرجوا بها عن الحق الذي كان في أيديهم .

قال الله تعالى : ( وكذلك نجزي المفترين ) ; فهو عموم فيهم وفيمن أشبههم ، من حيث كانت البدع كلها افتراء على الله; حسبما أخبر في كتابه في قوله تعالى : ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله ) .

[ ص: 167 ] فإذا كل من ابتدع في دين الله ، فهو ذليل حقير بسبب بدعته ، وإن ظهر لبادي الرأي عزه وجبروته ، فهم في أنفسهم أذلاء .

وأيضا فإن الذلة الحاضرة بين أيدينا موجودة في غالب الأحوال ، ألا ترى أحوال المبتدعة في زمان التابعين ، وفيما بعد ذلك ؟ حتى تلبسوا بالسلاطين ، ولاذوا بأهل الدنيا ، ومن لم يقدر على ذلك; استخفى ببدعته ، وهرب بها عن مخالطة الجمهور ، وعمل بأعمالها على التقية .

وقد أخبر الله أن هؤلاء الذين اتخذوا العجل سينالهم ما وعدهم ، فأنجز الله وعده ، فقال : ( وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ) .

وصدق ذلك الواقع باليهود حيثما حلوا; في أي مكان وزمان كانوا ، لا يزالون أذلاء مقهورين : ( ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) ، ومن جملة الاعتداء اتخاذهم العجل .

هذا بالنسبة إلى الذلة ، وأما الغضب; فمضمون بصادق الأخبار ، فيخاف أن يكون المبتدع داخلا في حكم الغضب ، والله الواقي بفضله===========وأما البعد عن حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم :

فلحديث ( الموطأ ) : فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال . . الحديث .

[ ص: 168 ] وفي البخاري ، عن أسماء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أنا على حوضي أنتظر من يرد علي ، فيؤخذ بناس من دوني ، فأقول : أمتي ! فيقال : إنك لا تدري ، مشوا القهقرى .

وفي حديث عبد الله : أنا فرطكم على الحوض ، ليرفعن إلي رجال منكم ، حتى إذا تأهبت لأتناولهم ، اختلجوا دوني ، فأقول : أي رب ! أصحابي ، يقول : لا تدري ما أحدثوه بعدك .

والأظهر أنهم من الداخلين في غمار هذه الأمة; لأجل ما دل على ذلك فيهم ، وهو الغرة والتحجيل ، لأن ذلك لا يكون لأهل الكفر المحض ، كان كفرهم أصلا أو ارتدادا ، ولقوله : قد بدلوا بعدك ، ولو كان الكفر; لقال : قد كفروا بعدك ، وأقرب ما يحمل عليه تبديل السنة ، وهو واقع على أهل البدع ، ومن قال : إنه النفاق; فذلك غير خارج عن مقصودنا ، لأن أهل النفاق إنما أخذوا الشريعة تقية لا تعبدا ، فوضعوها في غير مواضعها ، وهو عين الابتداع .

ويجري هذا المجرى كل من اتخذ السنة والعمل بها حيلة وذريعة إلى نيل حطام الدنيا ، لا على التعبد بها لله تعالى ، لأنه تبديل لها ، وإخراج لها عن وضعها الشرعي======وأما الخوف عليه من أن يكون كافرا :

فلأن العلماء من السلف الأول وغيرهم اختلفوا في تكفير كثير من فرقهم; مثل : الخوارج ، والقدرية ، وغيرهم .

[ ص: 169 ] ودل على ذلك ظاهر قوله تعالى : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) .

وقوله : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) الآية .

وقد حكم العلماء بكفر جملة منهم كالباطنية وسواهم ، لأن مذهبهم راجع إلى مذهب الحلولية القائلين بما يشبه قول النصارى في اللاهوت والناسوت .

والعلماء إذا اختلفوا في أمر : هل هو كفر أم لا ؟ فكل عاقل يربأ بنفسه أن ينسب إلى خطة خسف كهذه; بحيث يقال له : إن العلماء اختلفوا : هل أنت كافر أم ضال غير كافر ؟ أو يقال : إن جماعة من أهل العلم قالوا بكفرك ، وأنت حلال الدم==============وأما أنه يخاف على صاحبها سوء الخاتمة والعياذ بالله :

فلأن صاحبها مرتكب إثما ، وعاص لله تعالى حتما ، ولا نقول الآن : هو عاص بالكبائر أو بالصغائر ، بل نقول : هو مصر على ما نهى الله عنه ، والإصرار يعظم الصغيرة إن كانت صغيرة حتى تصير كبيرة ، وإن كانت كبيرة فأعظم .

ومن مات مصرا على المعصية; فيخاف عليه ، فربما إذا كشف الغطاء ، وعاين علامات الآخرة استفزه الشيطان ، وغلبه على قلبه ، حتى يموت على التغيير والتبديل ، وخصوصا حين كان مطيعا له فيما تقدم من [ ص: 170 ] زمانه ، مع حب الدنيا المستولي عليه .

قال عبد الحق الإشبيلي : " إن سوء الخاتمة لا يكون لمن استقام ظاهره ، وصلح باطنه ، ما سمع بهذا قط ، ولا علم به ، والحمد لله ، وإنما يكون لمن كان له فساد في العقد ، أو إصرار على الكبائر ، وإقدام على العظائم ، أو لمن كان مستقيما ثم تغيرت حاله وخرج عن سننه ، وأخذ في طريق غير طريقه ، فيكون عمله ذلك سببا لسوء خاتمته وسوء عاقبته ، والعياذ بالله " .

قال الله تعالى : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) .

وقد سمعت بقصة بلعام بن باعوراء حيث آتاه الله آياته ( فانسلخ منها فأتبعه الشيطان . . . ) إلى آخر الآيات .

فهذا ظاهر إذا اغتر بالبدعة من حيث هي معصية ، فإذا نظرنا إلى كونها بدعة ، فذلك أعظم ، لأن المبتدع مع كونه مصرا على ما نهي عنه ، يزيد على المصر بأنه معارض للشريعة بعقله ، غير مسلم لها في تحصيل أمره ، معتقدا في المعصية أنها طاعة ، حيث حسن ما قبحه الشارع ، وفي الطاعة أنها لا تكون طاعة إلا بضميمة نظره فهو قد قبح ما حسنه الشارع ، ومن كان هكذا ، فحقيق بالقرب من سوء الخاتمة إلا ما شاء الله .

وقد قال تعالى في جملة من ذم : ( أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) .

[ ص: 171 ] والمكر : جلب السوء من حيث لا يفطن له ، وسوء الخاتمة من مكر الله ، إذ يأتي الإنسان من حيث لا يشعر به ، اللهم إنا نسألك العفو والعافية =========وأما اسوداد وجهه في الآخرة :

فقد تقدم في ذلك معنى قوله : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) .

وفيها أيضا الوعيد بالعذاب لقوله : ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) ، وقوله قبل ذلك : ( وأولئك لهم عذاب عظيم ) .

حكى عياض عن مالك من رواية ابن نافع عنه قال : " لو أن العبد ارتكب الكبائر كلها ، دون الإشراك بالله شيئا ، ثم نجا من هذه الأهواء ، لرجوت أن يكون في أعلى جنات الفردوس ، لأن كل كبيرة بين العبد وربه هو منها على رجاء ، وكل هوى ليس هو منه على رجاء; إنما يهوي بصاحبه في نار جهنم " .===========وأما البراءة منه :

ففي قوله : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) .

[ ص: 172 ] وفي الحديث : أنا بريء منهم وهم براء مني . وقال ابن عمر رضي الله عنه في أهل القدر : " إذا لقيت أولئك; فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني " .

وجاء عن الحسن : " لا تجالس صاحب بدعة ; فإنه يمرض قلبك " .

وعن سفيان الثوري : " من جالس صاحب بدعة; لم يسلم من إحدى ثلاث : إما أن يكون فتنة لغيره ، وإما أن يقع بقلبه شيء يزل به فيدخله النار ، وإما أن يقول : والله لا أبالي ما تكلموا به ، وإني واثق بنفسي ، فمن أمن الله طرفة عين على دينه; سلبه إياه " .

وعن يحيى بن أبي كثير ; قال : " إذا لقيت صاحب بدعة في طريق; فخذ في طريق آخر " . وعن أبي قلابة ; قال : " لا تجالسوا أهل الأهواء ، ولا تجادلوهم; فإني لا آمن أن يغمروكم في ضلالتهم ، ويلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون " . وعن إبراهيم ; قال : " لا تجالسوا أصحاب الأهواء ، ولا تكلموهم; فإني أخاف أن ترتد قلوبكم " ، والآثار في ذلك كثيرة .

ويعضدها ما روي عنه عليه السلام أنه قال : المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل .

ووجه ذلك ظاهر منبه عليه في كلام أبي قلابة ، إذ قد يكون المرء [ ص: 173 ] على يقين من أمر من أمور السنة ، فيلقي له صاحب الهوى فيه هوى مما يحتمله اللفظ لا أصل له ، أو يزيد له فيه قيدا من رأيه ، فيقبله قلبه ، فإذا رجع إلى ما كان يعرفه; وجده مظلما; فإما أن يشعر به; فيرده بالعلم ، أو لا يقدر على رده ، وإما أن لا يشعر به; فيمضي مع من هلك .

قال ابن وهب : " وسمعت مالكا إذ جاءه بعض أهل الأهواء يقول : أما أنا; فعلى بينة من ربي ، وأما أنت فشاك ، فاذهب إلى شاك مثلك فخاصمه ، ثم قرأ : ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة )

. فهذا شأن من تقدم من عدم تمكين زائغ القلب أن يسمع كلامه .

ومثل رده بالعلم : جوابه لمن سأله في قوله : ( الرحمن على العرش استوى ) كيف استوى ؟ فقال له : " الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والسؤال عنه بدعة ، وأراك صاحب بدعة " ، ثم أمر بإخراج السائل .

ومثل ما لا يقدر على رده : ما حكى الباجي ; قال : قال مالك : " كان يقال : لا تمكن زائغ القلب من أذنك ، فإنك لا تدري ما يعلقك من ذلك " .

ولقد سمع رجل من الأنصار من أهل المدينة شيئا من بعض أهل القدر ، فعلق قلبه ، فكان يأتي إخوانه الذين يستنصحهم ، فإذا نهوه; قال : " فكيف بما علق قلبي لو علمت أن الله يرضى أن ألقي نفسي من فوق هذه المنارة; فعلت " .

ثم حكي أيضا عن مالك أنه قال : " لا تجالس القدري ولا تكلمه; [ ص: 174 ] إلا أن تجلس إليه ، فتغلظ عليه ، لقوله : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ) ، فلا توادوهم==========وأما أنه يخشى عليه الفتنة :

فلما حكى عياض عن سفيان بن عيينة : أنه قال : " سألت مالكا عمن أحرم من المدينة وراء الميقات ؟ فقال : هذا مخالف لله ورسوله ، أخشى عليه الفتنة في الدنيا ، والعذاب الأليم في الآخرة ، أما سمعت قوله تعالى : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) ؟ ! وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يهل من المواقيت " .

وحكى ابن العربي عن الزبير بن بكار ، قال : " سمعت مالك بن أنس ، وأتاه رجل ، فقال : يا أبا عبد الله ! من أين أحرم ؟ قال : من ذي الحليفة ، من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إني أريد أن أحرم من المسجد . فقال : لا تفعل ، قال : فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر ، قال : لا تفعل; فإني أخشى عليك الفتنة ، فقال : وأي فتنة هذه ؟ ! إنما هي أميال أزيدها ، قال : وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! إني سمعت الله يقول : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) .

وهذه الفتنة التي ذكرها مالك رحمه الله تفسير الآية هي شأن أهل البدع وقاعدتهم التي يؤسسون عليها بنيانهم ، فإنهم يرون أن ما ذكره الله في كتابه وما سنه نبيه صلى الله عليه وسلم دون ما اهتدوا إليه بعقولهم .

[ ص: 175 ] وفي مثل ذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه فيما روي عن ابن وضاح : " لقد هديتم لما لم يهتد له نبيكم ! وإنكم لتمسكون بذنب ضلالة " ; إذ مر بقوم كان رجل يجمعهم ، يقول : رحم الله من قال كذا وكذا مرة : سبحان الله ، فيقول القوم . ويقول : رحم الله من قال كذا وكذا مرة : الحمد لله فيقول القوم .

ثم إن ما استدل به مالك من الآيات الكريمة نزلت في شأن المنافقين حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق ، وهم الذين كانوا يتسللون لواذا . وقد تقدم أن النفاق من أصله بدعة ، لأنه وضع بدعة في الشريعة على غير ما وضعها الله تعالى ، ولذلك لما أخبر تعالى عن المنافقين; قال : ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) ، فمن حيث كانت عامة في المخالفين عن أمره يدخلون أيضا من باب أحرى .

فهذه جملة يستدل بها على ما بقي ، إذ ما تقدم من الآيات والأحاديث فيها مما يتعلق بهذا المعنى كثير ، وبسط معانيها طويل ، فلنقتصر على ما ذكرنا وبالله التوفيق==========وبقي مما هو محتاج إلى ذكره في هذا الموضع شرح معنى عام يتعلق بما تقدم ، وهو : أن البدع ضلالة ، وأن المبتدع ضال ومضل :

والضلالة مذكورة في كثير من النقل المذكور ، ويشير إليها في آيات الاختلاف والتفرق شيعا وتفرق الطرق ، بخلاف سائر المعاصي ، فإنها لم [ ص: 176 ] توصف في الغالب بوصف الضلالة; إلا أن تكون بدعة أو شبه البدعة ، وكذلك الخطأ الواقع في المشروعات وهو المعفو عنه لا يسمى ضلالا ، ولا يطلق على المخطئ اسم ضال ، كما لا يطلق على المتعمد لسائر المعاصي .

وإنما ذلك والله أعلم لحكمة قصد التنبيه عليها ، وذلك أن الضلال والضلالة ضد الهدي والهدى ، والعرب تطلق الهدى حقيقة في الظاهر المحسوس ، فتقول : هديته الطريق وهديته إلى الطريق ، ومنه : نقل إلى طريق الخير والشر ، قال تعالى : ( إنا هديناه السبيل ) ، ( وهديناه النجدين ) ، ( اهدنا الصراط المستقيم ) .

والصراط والطريق والسبيل; بمعنى واحد ، فهو حقيقة في الطريق المحسوس ، ومجاز في الطريق المعنوي ، وضده الضلال ، وهو الخروج عن الطريق ، ومنه البعير الضال والشاة الضالة ، ورجل ضل عن الطريق إذا خرج عنه . لأنه التبس عليه الأمر ولم يكن له هاد يهديه ، وهو الدليل .

فصاحب البدعة; لما غلب الهوى مع الجهل بطريق السنة; توهم أن ما ظهر له بعقله هو الطريق القويم دون غيره ، فمضى عليه ، فحاد بسببه عن الطريق المستقيم ، فهو ضال من حيث ظن أنه راكب للجادة; كالمار بالليل على الجادة وليس له دليل يهديه ، يوشك أن يضل عنها ، فيقع في متابعه ، وإن كان بزعمه يتحرى قصدها .

[ ص: 177 ] فالمبتدع من هذه الأمة; إنما ضل في أدلتها ، حيث أخذها مأخذ الهوى والشهوة لا مأخذ الانقياد تحت أحكام الله .

وهذا هو الفرق بين المبتدع وغيره ، لأن المبتدع جعل الهوى أول مطالبه ، وأخذ الأدلة بالتبع ، ومن شأن الأدلة أنها جارية على كلام العرب ، ومن شأن كلامها الاحتراز فيه بالظواهر ، فكما تجب فيه نصا لا يحتمل [ التأويل; تجد فيه ظاهرا يحتمل التأويل ] حسبما قرره من تقدم في غير العلم ، وكل ظاهر يمكن فيه أن يصرف عن مقتضاه في الظاهر المقصود ، ويتأول على غير ما قصد فيه ، فإذا انضم إلى ذلك الجهل بأصول الشريعة ، وعدم الاضطلاع بمقاصدها ، كان الأمر أشد وأقرب إلى التحريف والخروج عن مقاصد الشرع ، فكأن المدرك أغرق في الخروج عن السنة ، وأمكن في ضلال البدعة ، فإذا غلب الهوى; أمكن انقياد ألفاظ الأدلة إلى ما أراد منها .

والدليل على ذلك أنك لا تجد مبتدعا ممن ينسب إلى الملة إلا وهو يستشهد على بدعته بدليل شرعي ، فينزله على ما وافق عقله وشهوته ، وهو أمر ثابت في الحكمة الأزلية التي لا مرد لها ، قال تعالى : ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ) ، وقال : ( كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ) .

لكن; إنما ينساق لهم من الأدلة المتشابه منها لا الواضح ، والقليل منها لا الكثير ، وهو أدل الدليل على اتباع الهوى ، فإن المعظم والجمهور من [ ص: 178 ] الأدلة إذا دل على أمر بظاهره ، فهو الحق ، فإن جاء على ما ظاهره الخلاف; فهو النادر والقليل ، فكان من حق الظاهر رد القليل إلى الكثير ، والمتشابه إلى الواضح .

غير أن الهوى زاغ بمن أراد الله زيغه ، فهو في تيه من حيث يظن أنه على الطريق; بخلاف غير المبتدع ، فإنه إنما جعل الهداية إلى الحق أول مطالبه ، وأخر هواه إن كان فجعله بالتبع ، فوجد جمهور الأدلة ومعظم الكتاب واضحا في الطلب الذي بحث عنه ، فوجد الجادة ، وما شذ له عن ذلك; فإما أن يرده إليه ، وإما أن يكله إلى عالمه ، ولا يتكلف البحث عن تأويله .

وفيصل القضية بينهما قوله تعالى : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ) ، إلى قوله : ( والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) .

فلا يصح أن يسمى من هذه حاله مبتدعا ولا ضالا ، وإن حصل في الخلاف أو خفي عليه .

أما أنه غير مبتدع; فلأنه اتبع الأدلة; ملقيا إليها حكمة الانقياد ، باسطا يد الافتقار ، مؤخرا هواه ، ومقدما لأمر الله .

وأما كونه غير ضال; فلأنه على الجادة سلك ، وإليها لجأ ، فإن خرج عنها يوما فأخطأ ، فلا حرج عليه ، بل يكون مأجورا حسبما بينه الحديث الصحيح : " إذا اجتهد الحاكم فأخطأ; فله أجر ، وإن أصاب; فله [ ص: 179 ] أجران " وإن خرج متعمدا; فليس على أن يجعل خروجه طريقا مسلوكا له أو لغيره ، وشرعا يدان به .

على أنه إذا وقع الذنب موقع الاقتداء قد يسمى استنانا فيعامل معاملة من سنه كما جاء في الحديث : من سن سنة سيئة ، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها . . . . الحديث ، وقوله عليه السلام : ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها ، لأنه أول من سن القتل ، فسمي القتل سنة بالنسبة إلى من عمل به عملا يقتدى به فيه ، لكنه لا يسمى بدعة; لأنه لم يوضع على أن يكون تشريعا ، ولا يسمى ضلالا; لأنه ليس في طريق المشروع أو في مضاهاته له .

وهذا تقرير واضح يشهد له الواقع في تسمية البدع ضلالات ، ويشهد له أيضا أحوال من تقدم قبل الإسلام ، وفي زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم :

فإن الله تعالى قال : ( وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ) .

فإن الكفار لما أمروا بالإنفاق ، شحوا على أموالهم ، وأرادوا أن يجعلوا لذلك الشح مخرجا ، فقالوا : ( أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ؟ ) ومعلوم أن الله لو شاء لم يحوج أحدا إلى أحد ، لكنه ابتلى عباده لينظر كيف [ ص: 180 ] يعملون ؟ فقص هواهم على هذا الأصل العظيم ، واتبعوا ما تشابه من الكتاب بالنسبة إليه ، فلذلك قيل لهم : ( إن أنتم إلا في ضلال مبين ) .

وقال تعالى : ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ) .

فكأن هؤلاء قد أقروا بالتحكيم ، غير أنهم أرادوا أن يكون التحكيم على وفق أغراضهم; زيغا عن الحق ، وظنا منهم أن الجميع حكم ، وأن ما يحكم به كعب بن الأشرف أو غيره مثل ما يحكم به النبي صلى الله عليه وسلم ، وجهلوا أن حكم النبي صلى الله عليه وسلم هو حكم الله الذي لا يرد ، وأن حكم غيره معه مردود إن لم يكن جاريا على حكم الله ، فلذلك قال تعالى : ( ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ) ; لأن ظاهر الآية يدل على أنها نزلت فيمن دخل في الإسلام; لقوله : ( ألم تر إلى الذين يزعمون ) كذا إلى آخره ، وجماعة من المفسرين قالوا : إنما نزلت في رجل من المنافقين ، أو في رجل من الأنصار .

وقال سبحانه : ( ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ) .

[ ص: 181 ] فهم شرعوا شرعة ، وابتدعوا في ملة إبراهيم عليه السلام هذه البدعة ، توهما أن ذلك يقربهم من الله كما يقرب من الله ما جاء به إبراهيم عليه السلام من الحق ، فزلوا ، وافتروا على الله الكذب ، إذ زعموا أن هذا من ذلك ، وتاهوا في المشروع ، فلذلك قال الله تعالى على إثر الآية : ( ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) .

وقال سبحانه : ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله ) .

فهذه فذلكة لجملة بعد تفصيل تقدم ، وهو قوله تعالى : ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ) .

الآية . فهذا تشريع كالمذكور قبل هذا .

ثم قال : ( وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ) ، وهو تشريع أيضا بالرأي مثل الأول .

ثم قال : ( وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم ) إلى آخرها .

فحاصل الأمر أنهم قتلوا أولادهم بغير علم ، وحرموا ما أعطاهم الله [ ص: 182 ] من الرزق بالرأي على جهة التشريع ، فلذلك قال تعالى : ( قد ضلوا وما كانوا مهتدين ) .

ثم قال تعالى بعد تعزيرهم على هذه المحرمات التي حرموها وهي ما في قوله : ( قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) ، وقوله : ( لا يهدي ) يعني أنه يضله .

والآيات التي قرر فيها حال المشركين في إشراكهم أتى فيها بذكر الضلال; لأن حقيقته أنه خروج عن الصراط المستقيم; لأنهم وضعوا آلهتهم لتقربهم إلى الله زلفى في زعمهم ، فقالوا : ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) ، فوضعوهم موضع من يتوسل به حتى عبدوهم من دون الله ، إذ كان أول وضعها فيما ذكر العلماء صورا لقوم يودونهم ويتبركون بهم ، ثم عبدت ، فأخذتها العرب من غيرها على ذلك القصد ، وهو الضلال المبين .

وقال تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد ) .

فزعموا في الإله الحق ما زعموا من الباطل ، بناء على دليل عندهم متشابه في نفس الأمر حسبما ذكره أهل السير ، فتاهوا بالشبهة عن الحق; [ ص: 183 ] لتركهم الواضحات ، وميلهم إلى المتشابهات; كما أخبر الله تعالى في آية آل عمران :

فلذلك قال تعالى : ( قل ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ) ، وهم النصارى ، ضلوا في عيسى عليه السلام .

ومن ثم قال تعالى بعد ذكر شواهد العبودية في عيسى : ( ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ) .

وبعد ذكر دلائل التوحيد وتقديس الواحد تبارك وتعالى عن اتخاذ الولد وذكر اختلافهم في مقالاتهم الشنيعة ، قال : ( لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين ) .

وذكر الله المنافقين ، وأنهم يخادعون الله والذين آمنوا ، وذلك لكونهم يدخلون معهم في أحوال التكاليف على كسل وتقية; أن ذلك يخلصهم ، أو أنه يغني عنهم شيئا ، وهم في الحقيقة إنما يخادعون أنفسهم ، وهذا هو الضلال بعينه ، لأنه إذا كان يفعل شيئا يظن أنه له ، فإذا هو عليه ، فليس على هدى من عمله ، ولا هو سالك على سبيله .

فلذلك قال : ( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ) ، إلى قوله : ( ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ) .

[ ص: 184 ] وقال تعالى حكاية عن الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى : ( أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون ) ; معناه : كيف أعبد من دون الله ما لا يغني شيئا ، وأترك إفراد الرب الذي بيده الضر والنفع ؟ هذا خروج عن طريق إلى غير طريق; ( إني إذا لفي ضلال مبين ) .

والأمثلة في تقرير هذا الأصل كثيرة ، جميعها يشهد بأن الضلال في غالب الأمر إنما يستعمل في موضوع يزل صاحبه لشبهة تعرض له ، أو تقليد من عرضت له الشبهة ، فيتخذ ذلك الزلل شرعا ودينا يدين به ، مع وجود واضحة الطريق الحق ومحض الصواب .

ولما لم يكن الكفر في الواقع مقتصرا على هذا الطريق ، بل ثم طريق آخر ، وهو الكفر بعد العرفان عنادا أو ظلما ، ذكر الله تعالى الصنفين في السورة الجامعة ، وهي أم القرآن :

فقال : ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ) ، فهذه هي الحجة العظمى التي دعا الأنبياء عليهم السلام إليها .

ثم قال : ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) .

فالمغضوب عليهم هم اليهود; لأنهم كفروا بعد معرفتهم نبوة محمد [ ص: 185 ] صلى الله عليه وسلم ، ألا ترى إلى قول الله فيهم : ( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ) ، يعني : اليهود .

والضالون : هم النصارى; لأنهم ضلوا في الحجة في عيسى عليه السلام ، وعلى هذا التفسير أكثر المفسرين ، وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم .

ويلحق بهم في الضلال المشركون الذين أشركوا مع الله إلها غيره ، لأنه قد جاء في أثناء القرآن ما يدل على ذلك ، لأن لفظ القرآن في قوله : ( ولا الضالين ) يعمهم وغيرهم ، فكل من ضل عن سواء السبيل داخل فيه .

ولا يبعد أن يقال : إن " الضالين " يدخل فيه كل من ضل عن الصراط المستقيم; كان من هذه الأمة أولا ، إذ قد تقدم في الآيات المذكورة قبل هذا مثله ، فقوله تعالى : ( ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) عام في كل ضال ، كان ضلاله كضلال الشرك أو النفاق ، أو كضلال الفرق المعدودة في الملة الإسلامية ، وهو أبلغ وأعلى في قصد حصر أهل الضلال ، وهو اللائق بكلية فاتحة الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيه محمد صلى الله عليه وسلم .

وقد خرجنا عن المقصود بعض خروج ، ولكنه عاضد لما نحن فيه ، وبالله التوفيق========= في أن ذم البدع والمحدثات عام لا يخص محدثة دون غيرها ويدخل تحت هذه الترجمة جملة من شبه المبتدعة التي احتجوا بها

فاعلموا رحمكم الله أن ما تقدم من الأدلة حجة في عموم الذم من أوجه :

أحدها : أنها جاءت مطلقة عامة على كثرتها ، لم يقع فيها استثناء ألبتة ، ولم يأت فيها ما يقتضي أن منها ما هو هدى ، ولا جاء فيها : كل بدعة ضلالة إلا كذا وكذا ، ولا شيء من هذه المعاني .

فلو كان هنالك محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان أو أنها لاحقة بالمشروعات; لذكر ذلك في آية أو حديث ، لكنه لا يوجد ، فدل على أن تلك الأدلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية التي لا يتخلف عن مقتضاها فرد من الأفراد .

والثاني : أنه قد ثبت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلي ، إذا تكررت في مواضيع كثيرة ، وأتي بها شواهد على معان أصولية أو فروعية ، ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص ، مع تكررها وإعادة تقررها ، فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم; كقوله تعالى : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى . . . . ) [ ص: 188 ] وما أشبه ذلك ، وبسط الاستدلال على ذلك هنالك .

فما نحن بصدده من هذا القبيل ، إذ جاء في الأحاديث المتعددة والمتكررة في أوقات شتى وبحسب الأحوال المختلفة : أن كل بدعة ضلالة ، وأن كل محدثة بدعة . . . . وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على أن البدع مذمومة ، ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية فيها; فدل ذلك دلالة واضحة على أنها على عمومها وإطلاقها .

والثالث : إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمها كذلك ، وتقبيحها والهروب عنها وعمن اتسم بشيء منها ، ولم يقع منهم في ذلك توقف ولا مثنوية ، فهو بحسب الاستقراء إجماع ثابت ، فدل على أن كل بدعة ليست بحق ، بل هي من الباطل .

والرابع : أن متعقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه ، لأنه من باب مضادة الشارع واطراح الشرع ، وكل ما كان بهذه المثابة ، فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح ، وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم ، إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع ، وقد تقدم بسط هذا في أول الباب الثاني .

وأيضا; فلو فرض أنه جاء في النقل استحسان بعض البدع أو استثناء بعضها عن الذم ، لم يتصور; لأن البدعة طريقة تضاهي المشروعة; من غير أن تكون كذلك .

[ ص: 189 ] وكون الشارع يستحسنها دليل على مشروعيتها ، إذ لو قال الشارع : المحدثة الفلانية حسنة; لصارت مشروعة; كما أشاروا إليه في الاستحسان حسبما يأتي إن شاء الله .

ولما ثبت ذمها ، ثبت ذم صاحبها; لأنها ليست بمذمومة من حيث تصورها فقط ، بل من حيث اتصف بها المتصف ، فهو إذا المذموم على الحقيقة ، والذم خاص التأثيم ، فالمبتدع مذموم آثم ، وذلك على الإطلاق والعموم .

ويدل على ذلك أربعة أوجه :

أحدهما : أن الأدلة المذكورة; إن جاءت فيهم نصا; فظاهر ، كقوله تعالى : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) ، وقوله : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ) إلى آخر الآية ، وقوله عليه السلام : فليذادن رجال عن حوضي . . . . الحديث ، إلى سائر ما نص فيه عليهم ، وإن كانت نصا في البدعة; فراجعة المعنى إلى المبتدع من غير إشكال ، وإذا رجع الجميع إلى ذمهم ، رجع الجميع إلى تأثيمهم .

والثاني : أن الشرع قد دل على أن الهوى هو المتبع الأول في البدع ، وهو المقصود السابق في حقهم ، ودليل الشرع كالتبع في حقهم ، ولذلك تجدهم يتأولون كل دليل خالف هواهم ، ويتبعون كل شبهة وافقت [ ص: 190 ] أغراضهم .

ألا ترى إلى قوله تعالى : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) ، فأثبت لهم الزيغ أولا ، وهو الميل عن الصواب ، ثم اتباع المتشابه وهو خلاف المحكم الواضح المعنى ، الذي هو أم الكتاب ومعظمه . ومتشابهه على هذا قليل ، فتركوا اتباع المعظم إلى اتباع الأقل المتشابه الذي لا يعطي مفهوما واضحا; ابتغاء تأويله ، وطلبا لمعناه الذي لا يعلمه إلا الله ، أو يعلمه الله والراسخون في العلم ، وليس إلا برده إلى المحكم ولم يفعل المبتدعة ذلك ، فانظروا كيف اتبعوا أهواءهم أولا في مطالبة الشرع بشهادة الله .

وقال الله تعالى : ( إن الذين فرقوا دينهم ) الآية ، فنسب إليهم التفريق ، ولو كان التفريق من مقتضى الدليل; لم ينسبه إليهم ، ولا أتى به فيمعرض الذم ، وليس ذلك إلا باتباع الهوى .

وقال تعالى : ( ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) ، فجعل طريق الحق واضحا مستقيما ، ونهى عن البنيات ، والواضح من الطرق والبنيات; كل ذلك معلوم بالعوائد الجارية ، فإذا وقع التشبيه بها بطريق الحق مع البنيات في الشرع ، فواضح أيضا ، فمن ترك الواضح واتبع غيره ، فهو متبع لهواه لا للشرع .

وقال تعالى : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ) [ ص: 191 ] فهذا دليل على مجيء البيان الشافي ، وأن التفرق إنما حصل من جهة المتفرقين لا من جهة الدليل ، فهو إذا من تلقاء أنفسهم ، وهو اتباع الهوى بعينه .

والأدلة على هذا كثيرة ، تشير أو تصرح بأن كل مبتدع إنما يتبع هواه ، وإذا اتبع هواه كان مذموما وآثما ، والأدلة عليه أيضا كثيرة :

كقوله ( : ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ) .

وقوله : ) ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد ) .

وقوله : ) ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه ) .

وما أشبه ذلك ، فإذا كل مبتدع مذموم آثم .

والثالث : أن عامة المبتدعة قائلة بالتحسين والتقبيح [ العقلي ] ، فهو عمدتهم الأولى ، وقاعدتهم التي يبنون عليها الشرع ، فهو المقدم في نحلهم ، بحيث لا يتهمون العقل ، وقد يتهمون الأدلة إذا لم توافقهم في الظاهر ، حتى يردوا كثيرا من الأدلة الشرعية .

وقد علمت أيها الناظر أنه ليس كل ما يقضي به العقل يكون حقا ، ولذلك تراهم يرتضون اليوم مذهبا ، ويرجعون عنه غدا ، ثم يصيرون بعد غد [ ص: 192 ] إلى رأي ثالث ، ولو كان كل ما يقضي به حقا; لكفى في إصلاح معاش الخلق ومعادهم ، ولم يكن لبعثة الرسل عليهم السلام فائدة ، ولكان على هذا الأصل تعد الرسالة عبثا لا معنى له ، وهو كله باطل ، فما أدى إليه مثله .

فأنت ترى أنهم قدموا أهواءهم على الشرع ، ولذلك سموا في بعض الأحاديث وفي إشارة القرآن : أهل الأهواء ، وذلك لغلبة الهوى على عقولهم ، واشتهاره فيهم ، لأن التسمية بالمشتق إنما يطلق إطلاق اللقب إذا غلب ما اشتقت منه على المسمى بها .

فإذا تأثيم من هذه صفته ظاهر; لأن مرجعه إلى اتباع الرأي ، وهو اتباع الهوى المذكور آنفا .

والرابع : أن كل راسخ لا يبتدع أبدا ، وإنما يقع الابتداع ممن لم يتمكن من العلم الذي ابتدع فيه ، حسبما دل عليه الحديث ، ويأتي تقريره بحول الله ، فإنما يؤتى الناس من قبل جهالهم الذين يحسبون أنهم علماء .

وإذا كان كذلك ، فاجتهاد من اجتهد منهي عنه إذ لم يستكمل شروط الاجتهاد ، فهو على أصل العمومية ، ولما كان العامي حراما عليه النظر في الأدلة والاستنباط ، كان المخضرم الذي بقي عليه كثير من الجهالات مثله في تحريم الاستنباط والنظر المعمول به ، فإذا أقدم على محرم عليه; كان آثما بإطلاق .

وبهذه الأوجه الأخيرة; ظهر وجه تأثيمه ، وتبين الفرق بينه وبين المجتهد المخطئ في اجتهاده ، وسيأتي له تقرير أبسط من هذا إن شاء الله .

[ ص: 193 ] وحاصل ما ذكر هنا أن كل مبتدع آثم ، ولو فرض عاملا بالبدعة المكروهة إن ثبت فيها كراهة التنزيه ، لأنه إما مستنبط لها ، فاستنباطه على الترتيب المذكور غير جائز ، وإما نائب عن صاحبها ، مناضل عنه فيها بما قدر عليه ، وذلك يجري مجرى المستنبط الأول لها ، فهو آثم على كل تقدير .

لكن يبقى هنا نظر في المبتدع وصاحب الهوى; بحيث يتنزل دليل الشرع على مدلول اللفظ في العرف الذي وقع التخاطب به ، إذ يقع الغلط أو التساهل ، فيسمى من ليس بمبتدع مبتدعا ، وبالعكس إن تصور ، فلا بد من فضل اعتناء بهذا المطلب حتى يتضح بحول الله ، وبالله التوفيق .

ولنفرده في فصل ، فنقول :======================لا يخلو المنسوب إلى البدعة أن يكون : مجتهدا فيها ، أو مقلدا .

والمقلد : إما مقلد مع الإقرار بالدليل الذي زعمه المجتهد دليلا والأخذ فيه بالنظر ، وإما مقلد له فيه من غير نظر ، كالعامي الصرف .

فهذه ثلاثة أقسام :

فالقسم الأول على ضربين :

أحدهما : أن يصح كونه مجتهدا ، فالابتداع منه لا يقع إلا فلتة وبالعرض لا بالذات ، وإنما تسمى غلطة أو زلة; لأن صاحبها لم يقصد [ ص: 194 ] اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويل الكتاب; أي : لم يتبع هواه ، ولا جعله عمدة ، والدليل عليه أنه إذا ظهر له الحق; أذعن له وأقر به .

ومثاله ما يذكر عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود : أنه كان يقول بالإرجاء ، ثم رجع عنه ، وقال : " وأول ما أفارق غير شاك أفارق ما يقول المرجئون " .

وذكر مسلم عن يزيد بن صهيب الفقير; قال : " كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج ، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج ، ثم نخرج على الناس " .

قال : " فمررنا على المدينة ، فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم [ وهو ] جالس إلى سارية - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال : " وإذا هو قد ذكر الجهنميين " .

قال : " فقلت له : يا صاحب رسول الله ! ما هذا الذي تحدثون والله يقول : إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) ، و كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ) فما هذا الذي تقولون ؟ !

قال : فقال : " أفتقرأ القرآن ؟ قلت : نعم ، قال : فهل سمعت بمقام محمد صلى الله عليه وسلم ؟ يعني : الذي يبعثه الله فيه ، قلت : نعم ، قال : فإنه مقام محمد [ ص: 195 ] صلى الله عليه وسلم المحمود الذي يخرج الله به من يخرج " .

قال : " ثم نعت وضع الصراط ومرر الناس عليه " .

قال : " وأخاف ألا أكون أحفظ ذلك " .

قال : " غير أنه قد زعم أن قوما يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها " .

قال : " يعني : فيخرجون كأنهم عيدان السماسم ، فيدخلون نهرا من أنهار الجنة ، فيغتسلون فيه ، فيخرجون كأنهم القراطيس ، فرجعنا ، وقلنا : ويحكم ! أترون الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! فرجعنا ، فلا والله ما خرج منا غير رجل واحد " ، أو كما قال .

ويزيد الفقير من ثقات أهل الحديث ، وثقه ابن معين وأبو زرعة ، وقال أبو حاتم : " صدوق " ، وخرج عنه البخاري .

وعبيد الله بن الحسن العنبري كان من ثقة أهل الحديث ، ومن كبار العلماء العارفين بالسنة ; إلا أن الناس رموه بالبدعة بسبب قول حكي عنه من أنه كان يقول بأن كل مجتهد من أهل الأديان مصيب ، حتى كفره القاضي أبو بكر وغيره .

وحكى القتيبي عنه : كان يقول : " إن القرآن يدل على الاختلاف ، فالقول بالقدر صحيح وله أصل في الكتاب ، والقول بالإجبار صحيح وله أصل في الكتاب ، ومن قال بهذا فهو مصيب; لأن الآية الواحدة ربما دلت على وجهين مختلفين " .

وسئل يوما عن أهل القدر وأهل الإجبار ؟ قال : " كل مصيب ، هؤلاء قوم عظموا الله ، وهؤلاء قوم نزهوا الله " .

[ ص: 196 ] قال : " وكذلك القول في الأسماء ، فكل من سمى الزاني مؤمنا ، فقد أصاب ، ومن سماه كافرا; فقد أصاب ، ومن قال هو فاسق وليس بمؤمن ولا كافر فقد أصاب ، ومن قال هو كافر وليس بمشرك; فقد أصاب; لأن القرآن يدل على كل هذه المعاني " .

قال : " وكذلك السنن المختلفة ، كالقول بالقرعة وخلافه ، والقول بالسعاية وخلافه ، وقتل المؤمن بالكافر ، ولا يقتل مؤمن بكافر ، وبأي ذلك أخذ الفقيه فهو مصيب " .

قال : " ولو قال قائل : إن القاتل في النار ، كان مصيبا ، ولو قال : في الجنة ، كان مصيبا ، ولو وقف وأرجأ أمره; كان مصيبا ، إذا كان إنما يريد بقوله إن الله تعبده بذلك ، وليس عليه علم الغيب " .

قال ابن أبي خيثمة : أخبرني سليمان بن أبي شيخ ، قال : " كان عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن أبي الحريق العنبري البصري اتهم بأمر عظيم ، وروي عنه كلام رديء " .

قال بعض المتأخرين : هذا الذي ذكره ابن أبي شيخ عنه قد روي أنه رجع عنه لما تبين له الصواب ، وقال : " إذا أرجع وأنا من الأصاغر ، ولأن أكون ذنبا في الحق ، أحب إلي أن أكون رأسا في الباطل " . اهـ .

فإن ثبت عنه ما قيل فيه; فهو على جهة الزلة من العالم ، وقد رجع عنها رجوع الأفاضل إلى الحق; لأنه بحسب ظاهر حاله فيما نقل عنه إنما اتبع ظواهر الأدلة الشرعية فيما ذهب إليه ، ولم يتبع عقله ، ولا صادم الشرع بنظره ، فهو أقرب من مخالفة الهوى ، ومن ذلك الطريق والله [ ص: 197 ] أعلم وفق إلى الرجوع إلى الحق .

وكذلك يزيد الفقير فيما ذكره عنه ، لا كما عارض الخوارج عبد الله بن عباس رضي الله عنه ، إذ طالبهم بالحجة ، فقال بعضهم : لا تخاصموه; فإنه ممن قال الله فيه : بل هم قوم خصمون ) ، فرجحوا المتشابه على المحكم ، وناصبوا بالخلاف السواد الأعظم .

[ الثاني : ] وأما إن لم يصح بمسبار العلم أنه من المجتهدين ; فهو الحري باستنباط ما خالف الشرع كما تقدم ، إذ قد اجتمع له مع الجهل بقواعد الشرع الهوى الباعث عليه في الأصل ، وهو التبعية ، إذ قد تحصل له مرتبة الإمامة والاقتداء ، وللنفس فيها من اللذة ما لا مزيد عليه ، ولذلك يعسر خروج حب الرئاسة من القلب إذا انفرد ، حتى قال الصوفية : حب الرئاسة آخر ما يخرج من قلوب الصديقين ! فكيف إذا انضاف إليه الهوى من أصل ، وانضاف إلى هذين الأمرين دليل في ظنه شرعي على صحة ما ذهب إليه ؟ ! فيتمكن الهوى من قلبه تمكنا لا يمكن في العادة الانفكاك عنه ، وجرى منه مجرى الكلب من صاحبه; كما جاء في حديث الفرق ، فهذا النوع ظاهر أنه آثم في ابتداعه إثم من سن سنة سيئة .

ومن أمثلته أن الإمامية من الشيعة تذهب إلى وضع خليفة دون النبي صلى الله عليه وسلم ، وتزعم أنه مثل النبي صلى الله عليه وسلم في العصمة ، بناء على أصل متوهم ، فوضعوه على أن الشريعة أبدا مفتقرة إلى شرح وبيان لجميع [ ص: 198 ] المكلفين ، إما بالمشافهة ، أو بالنقل ممن شافه المعصوم ، وإنما وضعوا ذلك بحسب ما ظهر لهم بادي الرأي من غير دليل عقلي ولا نقلي ، بل بشبهة زعموا أنها عقلية ، وشبه من النقل باطلة ، إما في أصلها ، وإما في تحقيق مناطها .

وتحقيق ما يدعون وما يرد عليهم به مذكور في كتب الأئمة ، وهو يرجع في الحقيقة إلى دعاو ، وإذا طولبوا بالدليل عليها; سقط في أيديهم ، إذ لا برهان لهم من جهة من الجهات .

وأقوى شبههم مسألة اختلاف الأمة ، وأنه لا بد من واحد يرتفع به الخلاف; لأن الله يقول : ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ) ، ولا يكون كذلك إلا إذا أعطي العصمة كما أعطيها النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه وارث ، وإلا فكل محق أو مبطل يدعي أنه المرحوم ، وأنه الذي وصل إلى الحق دون من سواه ، فإن طولبوا بالدليل على العصمة; لم يأتوا بشيء .

غير أن لهم مذهبا يخفونه ولا يظهرونه إلا لخواصهم ، لأنه كفر محض ودعوى بغير برهان .

قال ابن العربي في كتاب " العواصم " :

" خرجت من بلادي على الفطرة ، فلم ألق في طريقي إلا مهتديا ، حيث بلغت هذه الطائفة يعني : الإمامية والباطنية من فرق الشيعة فهي أول بدعة لقيت ، ولو فجأتني بدعة مشبهة ، كالقول بالمخلوق ، أو نفي [ ص: 199 ] الصفات ، أو الإرجاء; لم آمن ، فلما رأيت حماقاتهم أقمت على حذر ، وترددت فيها على أقوام أهل عقائد سليمة ، ولبثت بينهم ثمانية أشهر .

ثم خرجت إلى الشام ، فوردت بيت المقدس ، فألفيت فيها ثماني وعشرين حلقة ومدرستين مدرسة الشافعية بباب الأسباط ، وأخرى للحنفية وكان فيها من رءوس العلماء ورءوس المبتدعة ومن أحبار اليهود والنصارى كثير ، فوعيت العلم وناظرت كل طائفة بحضرة شيخنا أبي بكر الفهري وغيره من أهل السنة .

ثم نزلت إلى الساحل لأغراض ، وكان مملوءا من هذه النحل الباطنية والإمامية ، فطفت في مدن الساحل لتلك الأغراض نحوا من خمسة أشهر ، ونزلت عكا ، وكان رأس الإمامية بها حينئذ أبو الفتح العكي ، وبها من أهل السنة شيخ يقال له الفقيه الديبقي .

فاجتمعت بأبي الفتح في مجلسه وأنا ابن العشرين ، فلما رآني صغير السن كثير العلم متدربا ، ولع بي ، وفيهم لعمر الله ، وإن كانوا على باطل انطباع وإنصاف وإقرار بالفضل إذا ظهر ، فكان لا يفارقني ، ويساومني الجدال ، ولا يفاترني ، فتكلمت على مذهب الإمامية والقول بالتعميم من المعصوم بما يطول ذكره .

ومن جملة ذلك أنهم يقولون : إن لله في عباده أسرارا وأحكاما ، والعقل لا يستقل بدركها ، فلا يعرف ذلك إلا من قبل إمام معصوم ! فقلت لهم : أمات الإمام المبلغ عن الله لأول ما أمره بالتبليغ أم هو مخلد ؟ فقال [ ص: 200 ] لي : مات وليس هذا بمذهبه ، ولكنه تستر معي . فقلت : هل خلفه أحد ؟ فقال : خلفه وصيه علي ، قلت : فهل قضى بالحق وأنفذه ؟ قال : لم يتمكن لغلبة المعاند ، قلت : فهل أنفذه حين قدر ؟ قال : منعته التقية ولم تفارقه إلى الموت; إلا أنها كانت تقوى تارة وتضعف أخرى ، فلم يمكن إلا المدارة; لئلا تنفتح عليه أبواب الاختلال ، قلت : وهذه المدارة حق أم لا ؟ فقال : باطل أباحته الضرورة ، قلت : فأين العصمة ؟ [ قال : ] إنما تغني العصمة مع القدرة . قلت : فمن بعده إلى الآن وجدوا القدرة أم لا ؟ قال : لا . قلت : فالدين مهمل ، والحق مجهول مخمل ؟ قال : سيظهر . قلت : بمن ؟ قال : بالإمام المنتظر . قلت : لعله الدجال ، فما بقي أحد إلا ضحك .

وقطعنا الكلام على غرض مني; لأني خفت أن ألجمه فينتقم مني في بلاده .

ثم قلت : ومن أعجب ما في هذا الكلام : أن الإمام إذا أوعز إلى من لا قدرة له; فقد ضيع; فلا عصمة له .

وأعجب منه أن الباري تعالى على مذهبه إذا علم أنه لا علم إلا بمعلم ، وأرسله عاجزا مضطربا لا يمكنه أن يقول ما علم ، فكأنه ما علمه وما بعثه . وهذا عجز منه وجور ، لا سيما على مذهبهم ! .

فرأوا من الكلام ما لم يمكنهم أن يقوموا معه بقائمة .

وشاع الحديث ، فرأى رئيس الباطنية المسمين بالإسماعيلية أن يجتمع معي ، فجاءني أبو الفتح إلى مجلس الفقيه الديبقي ، وقال : إن [ ص: 201 ] رئيس الإسماعيلية رغب في الكلام معك ، فقلت : أنا مشغول . فقال : هنا موضع مرتب قد جاء إليه ، وهو محرس الطبرانيين ، مسجد في قصر على البحر ، وتحامل علي ، فقمت ما بين حشمة وحسبة ، ودخلت قصر المحرس ، وطلعنا إليه ، فوجدتهم قد اجتمعوا في زاوية المحرس الشرقية ، فرأيت النكر في وجوههم ، فسلمت ثم قصدت جهة المحراب ، فركعت عنده ركعتين لا عمل لي فيهما إلا تدبير القول معهم والخلاص منهم .

فلعمر الذي قضى علي بالإقبال إلى أن أحدثكم ، إن كنت رجوت الخروج عن ذلك المجلس أبدا ، ولقد كنت أنظر في البحر يضرب في حجارة سود محددة تحت طاقات المحرس ، فأقول : هذا قبري الذي يدفنوني فيه ، وأنشد في سري :


ألا هل إلى الدنيا معاد وهل لنا سوى البحر قبر أو سوى الماء أكفان
وهي كانت الشدة الرابعة من شدائد عمري الذي أنقذني الله منها .

فلما سلمت ، استقبلتهم ، وسألتهم عن أحوالهم عادة ، وقد اجتمعت إلي نفسي ، وقلت : أشرف ميتة في أشرف موطن أناضل فيه عن الدين .

فقال لي أبو الفتح وأشار إلى فتى حسن الوجه : هذا سيد الطائفة ومقدمها ، فدعوت له ، فسكت ، فبادرني وقال : قد بلغتني مجالسك وأنهي إلي كلامك ، وأنت تقول : قال الله وفعل ! فأي شيء هو الله الذي تدعو إليه ؟ ! أخبرني واخرج عن هذه المخرقة التي جازت لك على هذه الطائفة الضعيفة ، وقد احتد نفسا ، وامتلأ غيظا ، وجثا على ركبتيه ، ولم أشك أنه [ ص: 202 ] لا يتم الكلام إلا وقد اختطفني أصحابه قبل الجواب .

فعمدت بتوفيق الله إلى كنانتي ، واستخرجت منها سهما أصاب حبة قلبه ، فسقط لليدين وللفم .

وشرح ذلك أن الإمام أبا بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي الحافظ الجرجاني قال :

كنت أبغض الناس فيمن يقرأ علم الكلام ، فدخلت يوما إلى الري ، ودخلت جامعها أول دخولي ، واستقبلت سارية أركع عندها ، وإذا بجواري رجلان يتذاكران علم الكلام ، فتطيرت بهما ، وقلت : أول ما دخلت هذا البلد سمعت فيه ما أكره ، وجعلت أخفف الصلاة حتى أبعد عنهما ، فعلق بي من قولهما : إن هؤلاء الباطنية أسخف خلق الله عقولا ، وينبغي للنحرير أن لا يتكلف لهم دليلا ، ولكن يطالبهم بـ " لم " ، فلا قبل لهم بها ، وسلمت مسرعا .

وشاء الله بعد ذلك أن كشف رجل من الإسماعيلية القناع في الإلحاد ، وجعل يكاتب وشمكير الأمير يدعوه إليه ويقول له : إني لا أقبل دين محمد إلا بالمعجزة ، فإن أظهرتموها; رجعنا إليكم .

وانجرت الحال إلى أن اختاروا منهم رجلا له دهاء ومنة ، فورد على وشمكير رسولا ، فقال له : إنك أمير ، ومن شأن الأمراء والملوك أن تتخصص عن العوام ولا تقلد في عقيدتها ، وإنما حقهم أن يفصحوا عن البراهين .

[ ص: 203 ] فقال وشمكير : اختر رجلا من أهل مملكتي ، ولا أنتدب للمناظرة بنفسي ، فيناظرك بين يدي . فقال له الملحد : أختار أبا بكر الإسماعيلي . لعلمه بأنه ليس من أهل علم التوحيد ، وإنما كان إماما في الحديث ، ولكن كان وشمكير بعامية فيه ( يعتقد ) أنه أعلم أهل الأرض بأنواع العلوم فقال وشمكير : ذلك مرادي ، فإنه رجل جيد .

فأرسل إلى أبي بكر الإسماعيلي بجرجان ليرحل إليه إلى غزنة ، فلم يبق من العلماء أحد إلا يئس من الدين ، وقال : سيبهت الإسماعيلي الكافر مذهبا الإسماعيلي الحافظ مذهبا ، ولم يمكنهم أن يقولوا للملك : إنه لا علم عنده بذلك; لئلا يتهمهم ، فلجئوا إلى الله في نصر دينه .

قال الإسماعيلي الحافظ : فلما جاءني البريد ، وأخذت في المسير ، وتدانت لي الدار; قلت : إنا لله ، وكيف أناظر فيما لا أدري ؟ ! هل أتبرأ عند الملك وأرشده إلى من يحسن الجدل ويعلم بحجج الله على دينه ؟ ! ندمت على ما سلف من عمري إذ لم أنظر في شيء من علم الكلام .

ثم أذكرني الله ما كنت سمعته من الرجلين بجامع الري ، فقويت نفسي ، وعولت على أن أجعل ذلك عمدتي ، وبلغت البلد ، فتلقاني الملك ، ثم جميع الخلق ، وحضر الإسماعيلي المذهب مع الإسماعيلي النسب ، وقال الملك للباطني : أذكر قولك يسمعه الإمام ، فلما أخذ في ذكره واستوفاه; قال له الحافظ : لم ؟ سمعها الملحد; قال : هذا إمام قد عرف مقالتي; فبهت .

قال الإسماعيلي : فخرجت من ذلك الوقت ، وأمرت بقراءة علم الكلام ، وعلمت أنه عمدة من عمد الإسلام .

[ ص: 204 ] قال ابن العربي : " وحين انتهى به الأمر إلى ذلك المقام; قلت : إن كان في الأجل نفس ، فهذا شبيه بيوم الإسماعيلي .

فوجهت إلى أبي الفتح الإمام ، وقلت له : لقد كنت في لا شيء ، ولو خرجت من عكا قبل أن أجتمع بهذا العالم; ما رحلت إلا عريا عن نادرة الأيام; وانظر إلى حذقه بالكلام ومعرفته ، حيث قال لي : أي شيء هو الله ؟ ولا يسأل بمثل هذا إلا مثله ، ولكن بقيت هاهنا نكتة لا بد من أن نأخذها اليوم عنه ، وتكون ضيافتنا عنده : لم قلت : أي شيء هو الله ، فاقتصرت من حروف الاستفهام على أي ، وتركت الهمزة وهل وكيف وأنى وكم وما ، هي أيضا من ثواني حروف الاستفهام ، وعدلت عن اللام من حروفه ؟ ! وهذا سؤال ثان عن حكمة ثانية ، وهو أن لـ " أي " معنيين في الاستفهام ، فأي المعنيين قصدت بها ؟ ولم سألت بحرف محتمل ؟ ولم تسأل بحرف مصرح بمعنى واحد ؟ هل وقع ذلك بغير علم ولا قصد حكمة ؟ أم بقصد حكمة ؟ فبينها لنا .

فما هو إلا أن افتتحت هذا الكلام ، وانبسطت فيه ، وهو يتغير; حتى اصفر آخرا من الوجل ، كما اسود أولا من الحقد . ورجع أحد أصحابه الذي كان عن يمينه إلى آخر كان بجانبه ، وقال له : ما هذا الصبي إلا بحر زاخر من العلم ، ما رأينا مثله قط ، وهم ما رأوا واحدا به رمق ( إلا أهلكوه ) ، لأن الدولة لهم ، ولولا مكاننا من رفعة دولة ملك الشام وأن والي عكا كان يحضرنا; ما تخلصت منهم في العادة أبدا .

[ ص: 205 ] وحين سمعت تلك الكلمة من إعظامي ، قلت : هذا مجلس عظيم ، وكلام طويل ، يفتقر إلى تفصيل ، ولكن نتواعد إلى يوم آخر ، وقمت وخرجت ، فقاموا كلهم معي ، وقالوا : لا بد أن تبقى قليلا . فقلت : لا . وأسرعت حافيا ، وخرجت على الباب أعدو ، حتى أشرفت على قارعة الطريق ، وبقيت هناك مبشرا نفسي بالحياة ، حتى خرجوا بعدي ، وأخرجوا لي ( لايكي ) ، ولبستها ، ومشيت معهم متضاحكا ، ووعدوني بمجلس آخر ، فلم أوف لهم ، وخفت وفاتي في وفائي " .

قال ابن العربي : " وقد قال لي أصحابنا النصرية بالمسجد الأقصى : إن شيخنا أبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي اجتمع برئيس من الشيعة ، فشكا إليه فساد الخلق ، وأن هذا الأمر لا يصلح إلا بخروج الإمام المنتظر ، فقال نصر : هل لخروجه ميقات أم لا ؟ قال الشيعي : نعم ، قال له أبو الفتح : ومعلوم هو أو مجهول ؟ قال : معلوم . قال نصر : ومتى يكون ؟ قال : إذا فسد الخلق . قال أبو الفتح : فهل تحبسونه عن الخلق وقد فسد جميعهم إلا أنتم ، فلو فسدتم لخرج; فأسرعوا به وأطلقوه من سجنه وعجلوا بالرجوع إلى مذهبنا; فبهت .

وأظنه سمعها عن شيخه أبي الفتح سليمان بن أيوب الرازي الزاهد .

انتهى ما حكاه ابن العربي وغيره ، وفيه غنية لمن عرج عن تعرف أصولهم ، وفي أثناء الكتاب منه أمثلة كثيرة .

القسم الثاني : يتنوع أيضا :

[ ص: 206 ] وهو الذي لم يستنبط بنفسه ، وإنما اتبع غيره من المستنبطين ، لكن بحيث أقر بالشبهة واستصوبها ، وقام بالدعوة بها مقام متبوعه; لانقداحها في قلبه ، فهو مثل الأول ، وإن لم يصر إلى تلك الحال ، ولكنه تمكن حب المذهب من قلبه حتى عادى عليه ووالى .

وصاحب هذا القسم لا يخلو من استدلال ، ولو على أعم ما يكون ، فقد يلحق بمن نظر في الشبهة وإن كان عاميا ، لأنه عرض للاستدلال وهو عالم أنه لا يعرف النظر ولا ما ينظر فيه ، ومع ذلك; فلا يبلغ من استدل بالدليل الجملي مبلغ من استدل على التفصيل وفرق بينهما في التمثيل .

إن الأول : أخذ شبهات مبتدعة ، فوقف وراءها ، حتى إذا طولب فيها بالجريان على مقتضى العلم ، تبلد وانقطع ، أو خرج إلى ما لا يعقل .

وأما الثاني : فحسن الظن بصاحب البدعة ، فتبعه ، ولم يكن له دليل على التفصيل يتعلق به ، إلا تحسين الظن بالمبتدع خاصة ، وهذا القسم في العوام كثير .

فمثال الأول حال حمدان بن قرمط المنسوب إليه القرامطة ، إذ كان أحد دعاة الباطنية ، فاستجاب له جماعة نسبوا إليه .

وكان رجلا من أهل الكوفة مائلا إلى الزهد ، فصادفه أحد دعاة الباطنية وهو متوجه إلى قريته وبين يديه بقر يسوقه ، فقال له حمدان وهو لا يعرفه : أراك سافرت عن موضع بعيد فأين مقصدك ؟ فذكر موضعا هو قرية حمدان ، فقال له حمدان : اركب بقرة من هذا البقر لتستريح [ ص: 207 ] به عن تعب المشي ، فلما رآه مائلا إلى الديانة ، أتاه من ذلك الباب ، وقال : إني لم أومر بذلك ، فقال له : وكأنك لا تعمل إلا بأمر ؟ فقال : نعم ، فقال حمدان : وبأمر من تعمل ؟ قال : بأمر مالكي ومالكك ومن له الدنيا والآخرة ، قال : ذلك هو رب العالمين ، قال : صدقت ، ولكن الله يهب ملكه من يشاء . قال : وما غرضك في البقعة التي أنت متوجه إليها ؟ فقال : أمرت أن أدعو أهلها من الجهل إلى العلم ، ومن الضلال إلى الهدى ، ومن الشقاوة إلى السعادة ، وأن أستنقذهم من ورطات الذل والفقر ، وأملكهم ما يستغنون به عن الكد والتعب ، فقال له حمدان : أنقذني أنقذك الله ، وأفض علي من العلم ما تحييني ، فما أشد احتياجي لمثل ما ذكرته ! فقال له : وما أمرت أن أخرج السر المكنون إلى كل أحد إلا بعد الثقة به والعهد إليه ، فقال : فما عهدك ؟ فاذكره فإني ملتزم له . فقال : أن تجعل لي وللإمام عهد الله على نفسك وميثاقه ألا تخرج سر الإمام الذي ألقيه إليك ولا تفشي سري أيضا .

فالتزم حمدان عهده ، ثم اندفع الداعي في تعليمه فنون جهله ، حتى استدرجه واستغواه ، واستجاب له في جميع ما ادعاه ، ثم انتدب للدعوة ، وصار أصلا من أصول هذه البدعة ، فسمي أتباعه القرامطة .

ومثال الثاني ما حكاه الله في قوله : وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ) ، الآية ، وقوله تعالى : ) قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ) .

[ ص: 208 ] وحكى المسعودي أنه كان في أعلى صعيد مصر رجل من القبط ممن يظهر دين النصرانية ، وكان يشار إليه بالعلم والفهم ، فبلغ خبره أحمد بن طولون ، فاستحضره ، وسأله عن أشياء كثيرة ، من جملتها أنه أمر في بعض الأيام وقد حضر مجلسه بعض أهل النظر ليسأله عن الدليل على صحة دين النصرانية ، فسألوه عن ذلك ؟

فقال : دليلي على صحتها وجود إياها متناقضة متنافية ، تدفعها العقول ، وتنفر منها النفوس ، لتباينها وتضادها ، لا نظر يقويها ، ولا جدل يصححها ، ولا برهان يعضدها من العقل والحس عند أهل التأمل لها والفحص عنها ، ورأيت مع ذلك أمما كثيرة وملوكا عظيمة ذوي معرفة وحسن سياسة وعقول راجحة قد انقادوا إليها وتدينوا بها ، مع ما ذكرت من تناقضها في العقل ، فعلمت أنهم لم يقبلوها ولا تدينوا بها ، إلا بدلائل شاهدوها وآيات ومعجزات عرفوها ، أوجب انقيادهم إليها والتدين بها .

فقال له السائل : وما التضاد الذي فيها ؟

فقال : وهل يدرك ذلك أو تعلم غايته ؟ منها قولهم بأن الثلاثة واحد وأن الواحد ثلاثة . ووصفهم للأقانيم والجوهر ، وهو الثالوثي ، وهل الأقانيم في أنفسها قادرة عالمة أم لا ؟ وفي اتحاد ربهم القديم بالإنسان المحدث ، وما جرى في ولادته وصلبه وقتله ، وهل في التشنيع أكبر وأفحش من إله صلب ، وبصق في وجهه ، ووضع على رأسه إكليل الشوك ، وضرب رأسه [ ص: 209 ] بالقضيب ؟ وسمرت قدماه ، ونخز بالأسنة والخشب جنباه ؟ وطلب ( الماء ) فسقي الخل من بطيخ الحنظل ؟

فأمسكوا عن مناظرته ، لما قد أعطاهم من تناقض مذهبه وفساده . اهـ .

والشاهد من الحكاية الاعتماد على الشيوخ والآباء من غير برهان ولا دليل .

القسم الثالث : يتنوع أيضا ، وهو الذي قلد غيره على البراءة الأصلية ، فلا يخلو :

أن يكون ثم من هو أولى بالتقليد منه ، بناء على التسامع الجاري بين الخلق بالنسبة إلى الجم الغفير إليه في أمور دينهم من عالم وغيره ، وتعظيمهم له بخلاف الغير .

أو لا يكون ثم من هو أولى منه ، لكن ليس في إقبال الخلق عليه وتعظيمهم له ما يبلغ تلك الرتبة .

فإن كان هناك منتصبون ، فتركهم هذا المقلد وقلد غيرهم; فهو آثم إذ لم يرجع إلى من أمر بالرجوع إليه ، بل تركه ورضي لنفسه بأخسر الصفقتين ، فهو غير معذور ، إذ قلد في دينه من ليس بعارف بالدين في حكم الظاهر ، فعمل بالبدعة وهو يظن أنه على الصراط المستقيم .

وهذا حال من بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنهم تركوا دينهم الحق ورجعوا إلى باطل آبائهم ، ولم ينظروا نظر المستبصر حتى لم يفرقوا بين الطريقين ، وغطى الهوى على عقولهم دون أن يبصروا الطريق ، فكذلك [ ص: 210 ] أهل هذا النوع .

وقلما تجد من هذه صفته; إلا وهو يوالي فيما ارتكب ويعادي بمجرد التقليد .

خرج البغوي عن أبي الطفيل الكناني أن رجلا ولد له غلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم ، فدعا له بالبركة ، وأخذ بجبهته ، فنبتت شعرة بجبهته كأنها هلبة فرس . قال : فشب الغلام ، فلما كان زمن الخوارج; أجابهم ، فسقطت الشعرة عن جبهته ، فأخذه أبوه ، فقيده وحبسه ، مخافة أن يلحق بهم ، قال : فدخلنا عليه ، فوعظنا [ ه ] وقلنا له : ألم تر بركة النبي صلى الله عليه وسلم وقعت ؟ قال : فلم نزل به حتى رجع عن رأيهم ، قال : فرد الله عز وجل الشعرة في جبهته إذ تاب .

وإن لم يكن هناك منتصبون إلى هذا المقلد الخامل بين الناس ، مع أنه قد نصب نفسه منصب المستحقين ، ففي تأثيمه نظر . ويحتمل أن يقال فيه : إنه آثم .

ونظيره مسألة أهل الفترات العاملين تبعا لآبائهم ، واستقامة لما عليه أهل عصرهم ، من عبادة غير الله ، وما أشبه ذلك; لأن العلماء يقولون في حكمهم : إنهم على قسمين :

قسم غابت عليه الشريعة ، ولم يدر ما يتقرب به إلى الله تعالى ، فوقف عن العمل بكل ما يتوهمه العقل أنه يقرب إلى الله ، ورأى ما أهل عصره عاملون به مما ليس لهم فيه مستند إلا استحسانهم ، فلم يستفزه ذلك على الوقوف عنه ، وهؤلاء هم الداخلون حقيقة تحت عموم الآية الكريمة : [ ص: 211 ] ) وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) .

وقسم لابس ما عليه أهل عصره من عبادة غير الله ، والتحريم والتحليل بالرأي ووافقوهم في اعتقاد ما اعتقدوا من الباطل ، فهؤلاء نص العلماء على أنهم غير معذورين ، مشاركون لأهل عصرهم في المؤاخذة ، لأنهم وافقوهم في العمل والموالاة والمعاداة على تلك الشرعة ، فصار [ وا ] من أهلها . فكذلك ما نحن في الكلام عليه ، إذ لا فرق بينهما .

ومن العلماء من يطلق العبارة ويقول : كيفما كان ؛ لا يعذب أحد إلا بعد الرسل وعدم القبول منهم .

وهذا إن ثبت قولا هكذا ، فنظيره في مسألتنا أن يأتي عالم أعلم من ذلك المنتصب يبين السنة من البدعة ، فإن راجعه هذا المقلد في أحكام دينه ولم يقتصر على الأول ، فقد أخذ بالاحتياط الذي هو شأن العقلاء ورجاء السلامة ، وإن اقتصر على الأول ظهر عناده ، لأنه مع هذا الفرض لم يرض بهذا الطارئ ، وإذا لم يرضه; كان ذلك لهوى داخله ، وتعصب جرى في قلبه مجرى الكلب في صاحبه ، وهو إذا بلغ هذا المبلغ; لم يبعد أن ينتصر لمذهب صاحبه ، ويحسنه ، ويستدل عليه بأقصى ما يقدر عليه في عموميته ، وحكمه قد تقدم في القسم قبله .

فأنت ترى صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم حين بعث إلى أصحاب أهواء وبدع ، وقد استندوا إلى آبائهم وعظمائهم فيها ، وردوا ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، وغطى على قلوبهم رين الهوى ، حتى التبست عليهم المعجزات بغيرها; [ ص: 212 ] كيف صارت شريعته صلى الله عليه وسلم حجة عليهم على الإطلاق والعموم ، وصار الميت منهم مسوقا إلى النار على العموم ، من غير تفرقة بين المعاند صراحا وغيره ، وما ذاك إلا لقيام الحجة عليهم ، بمجرد بعثته وإرساله لهم مبينا للحق الذي خالفوه .

فمسألتنا شبيهة بذلك ، فمن أخذ بالحزم ، فقد استبرأ لدينه ، ومن تابع الهوى خيف عليه الهلاك ، وحسبنا الله ================