الدفاع على السنة الاعتصام=الحمد لله المحمود على كل حال ، الذي بحمده يستفتح كل أمر ذي بال ، خالق الخلق لما شاء ، وميسرهم على وفق علمه وإرادته ، لا على وفق أغراضهم لما سر وساء ، ومصرفهم بمقتضى القبضتين ، فمنهم شقي وسعيد ، وهداهم النجدين فمنهم قريب وبعيد ، ومسويهم على قبول الإلهامين ففاجر وتقي ، كما قدر أرزاقهم بالعدل على حكم الطرفين ففقير وغني ، كل منهم جار على ذلك الأسلوب فلا يعدوه ، فلو تمالئوا على أن يسدوا ذلك الفتق لم يسدوه ، أو يردوا ذلك الحكم السابق لم ينسخوه ولم يردوه ، فلا إطلاق لهم على تقييده ولا انفصال ، ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ) .
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد نبي الرحمة ، وكاشف الغمة ، الذي نسخت شريعته كل شريعة ، وشملت دعوته كل أمة ، فلم يبق لأحد حجةدون حجته ، ولا استقام لعاقل طريق سوى لاحب محجته ، وجمعت تحت حكمتها كل معنى مؤتلف ، فلا يسمع بعد وضعها خلاف مخالف ولا قول مختلف ، فالسالك سبيلها معدود في الفرقة الناجية ، [ ص: 18 ] والناكب عنها مصدود إلى الفرق المقصرة أو الفرق الغالية .
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين اهتدوا بشمسه المنيرة ، واقتفوا آثاره اللائحة وأنواره الواضحة وضوح الظهيرة ، وفرقوا بصوارم أيديهم وألسنتهم بين كل نفس فاجرة ومبرورة ، وبين كل حجة بالغة وحجة مبيرة ، وعلى التابعين لهم على ذلك السبيل ، سائر المنتمين إلى ذلك القبيل ، وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد : فإني أذكرك أيها الصديق الأوفى ، والخالصة الأصفى ، في مقدمة ينبغي تقديمها قبل الشروع في المقصود ، وهي معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا ، كما بدأ فطوبى للغرباء .
قيل : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : الذين يصلحون عند فساد الناس .
[ ص: 19 ] [ ص: 20 ] وفي رواية : قيل : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : النزاع من القبائل .
[ ص: 21 ] وهذا مجمل ، ولكنه مبين في الرواية الأخرى . وجاء من طريق آخر : بدأ الإسلام غريبا ، ولا تقوم الساعة حتى يكون غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء حين يفسد الناس .
وفي رواية لابن وهب قال عليه الصلاة والسلام : طوبى للغرباء الذين يمسكون بكتاب الله حين يترك ، ويعملون بالسنة حين تطفى .
وفي رواية : إن الإسلام بدأ غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى [ ص: 22 ] للغرباء . قالوا : يا رسول الله كيف يكون غريبا ؟ قال : كما يقال للرجل في حي كذا وكذا : إنه لغريب .
وفي رواية : أنه سئل عن الغرباء ؟ قال : الذين يحيون ما أمات الناس من سنتي .
[ ص: 23 ] وجملة المعنى فيه من جهة وصف الغربة ما ظهر بالعيان والمشاهدة في أول الإسلام وآخره :
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الله تعالى على حين فترة من الرسل ، وفي جاهلية جهلاء ، لا تعرف من الحق رسما ، ولا تقيم به في مقاطع الحقوق حكما ، بل كانت تنتحل ما وجدت عليه آباءها ، وما استحسنه أسلافها ، من الآراء المنحرفة ، والنحل المخترعة ، والمذاهب المبتدعة .
فحين قام فيهم صلى الله عليه وسلم بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، فسرعان ما عارضوا معروفه بالنكر ، وغيروا في وجه صوابه بالإفك ، ونسبوا إليه إذ خالفهم في الشرعة ونابذهم في النحلة كل محال ، ورموه بأنواع البهتان ، فتارة يرمونه بالكذب وهو الصادق المصدوق ، الذي لم يجربوا عليه قط خبرا بخلاف مخبره ، وآونة يتهمونه بالسحر وفي علمهم أنه لم يكن من أهله ولا ممن يدعيه ، وكرة يقولون : إنه مجنون مع تحققهم بكمال عقله وبراءته من مس الشيطان وخبله .
[ ص: 24 ] وإذا دعاهم إلى عبادة المعبود بحق وحده لا شريك له ، قالوا : ( أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ) ، مع الإقرار بمقتضى هذه الدعوة الصادقة : ( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ) .
وإذا أنذرهم بطشة يوم القيامة ، أنكروا ما يشاهدون من الأدلة على إمكانه ، ( وقالوا أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد ) .
وإذا خوفهم نقمة الله ، قالوا : ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) ، اعتراضا على صحة ما أخبرهم به مما هو كائن لا محالة .
وإذا جاءهم بآية خارقة; افترقوا في الضلالة على فرق ، واخترقوا فيها بمجرد العناد ما لا يقبله أهل التهدي إلى التفرقة بين الحق والباطل .
كل ذلك دعاء منهم إلى التأسي بهم والموافقة لهم على ما ينتحلون ، إذ رأوا خلاف المخالف لهم في باطلهم ردا لما هم عليه ، ونبذا لما شدوا عليه يد الظنة ، واعتقدوا إذ لم يتمسكوا بدليل أن الخلاف يوهن الثقة ويقبح جهة الاستحسان ، وخصوصا حين اجتهدوا في الانتصار بعلم فلم يجدوا أكثر من تقليد الآباء .
[ ص: 25 ] ولذلك أخبر الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام في محاجة قومه : ( ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ) فحادوا كما ترى عن الجواب القاطع المورد مورد السؤال إلى الاستمساك بتقليد الآباء .
وقال الله تعالى : ( أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ) .
فرجعوا عن جواب ما ألزموا إلى التقليد ، فقال تعالى : ( قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ) ، فأجابوا بمجرد الإنكار ، ركونا إلى ما ذكروا من التقليد ، لا بجواب السؤال .
فكذلك كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنكروا ما توقعوا معه زوال ما بأيديهم; لأنه خرج عن معتادهم ، وأتى بخلاف ما كانوا عليه من كفرهم وضلالهم .
حتى أرادوا أن يستنزلوه على وجه السياسة في زعمهم ، ليوقعوا بينهم وبين [ ـه ] المؤالفة والموافقة ولو في بعض الأوقات ، أو في بعض الأحوال أو على بعض الوجوه ، ويقنعوا منه بذلك; ليقف لهم بتلك الموافقة واهي بنائهم ، فأبى عليه الصلاة والسلام إلا الثبوت على محض الحق والمحافظة على خالص الصواب ، وأنزل الله : [ ص: 26 ] ( قل ياأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) إلى آخر السورة .
فنصبوا له عند ذلك حرب العداوة ، ورموه بسهام القطيعة ، وصار أهل السلم كلهم حربا عليه ، [ و ] عاد الولي الحميم عليه كالعذاب الأليم ، فأقربهم إليه نسبا كان أبعد الناس عن موالاته ، كأبي جهل وغيره ، وألصقهم به رحما كانوا أقسى قلوبا عليه .
فأي غربة توازي هذه الغربة ؟ !
ومع ذلك; فلم يكله الله إلى نفسه ، ولا سلطهم على النيل من أذاه ، إلا نيل المصلوفين ، بل حفظه وعصمه ، وتولاه بالرعاية والكلاءة ، حتى بلغ رسالة ربه .
ثم ما زالت الشريعة في أثناء نزولها ، وعلى توالي تقريرها تبعد بين أهلها وبين غيرهم ، وتضع الحدود بين حقها وبين ما ابتدعوا ، ولكن على وجه من الحكمة عجيب ، وهو التأليف بين أحكامها وبين أكابرهم في أصل الدين الأول الأصيل ، ففي العرب نسبتهم إلى أبيهم إبراهيم عليه السلام ، وفي غيرهم لأنبيائهم المبعوثين فيهم ، كقوله تعالى بعد ذكر كثير من الأنبياء : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) .
[ ص: 27 ] وقوله تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ) .
وما زال عليه الصلاة والسلام يدعو لها ، فيئوب إليه الواحد بعد الواحد على حكم الاختفاء ، خوفا من عادية الكفار زمان ظهورهم على دعوة الإسلام .
فلما اطلعوا على المخالفة أنفوا وقاموا وقعدوا :
فمن أهل الإسلام من لجأ إلى قبيله ، فحموه على إغماض ، أو على دفع العار في الإخفار .
ومنهم من فر من الإذاية وخوف الغرة ، هجرة إلى الله وحبا في الإسلام .
ومنهم من لم يكن له وزر يحميه ، ولا ملجأ يركن إليه ، فلقي منهم من الشدة والغلظة والعذاب أو القتل ما هو معلوم ، حتى زل منهم من زل فرجع أمره بسبب الرجوع - إلى الموافقة ، وبقي منهم من بقي صابرا محتسبا ، إلى أن أنزل الله تعالى الرخصة في النطق بكلمة الكفر على حكم الموافقة ظاهرا ، ليحصل بينهم وبين الناطق الموافقة وتزول المخالفة ، فنزل إليها من نزل على حكم التقية ، ريثما يتنفس من كربه ويتروح من خناقه ، وقلبه مطمئن بالإيمان .
وهذه غربة أيضا ظاهرة .
وإنما كان هذا جهلا منهم بمواقع الحكمة ، وأن ما جاءهم به نبيهم [ ص: 28 ] صلى الله عليه وسلم هو الحق ضد ما هم عليه ، فمن جهل شيئا عاداه ، فلو علموا لحصل الوفاق ، ولم يسمع الخلاف ، ولكن سابق القدر حتم على الخلق ما هم عليه قال الله تعالى : ( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) .
ثم استمر مزيد الإسلام ، واستقام طريقه على مدة حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن بعد موته ، وأكثر قرن الصحابة رضي الله عنهم ، إلى أن نبغت فيهم نوابغ الخروج عن السنة ، وأصغوا إلى البدع المضلة ، كبدعة القدر ، وبدعة الخوارج ، وهي التي نبه عليها الحديث بقوله : يقتلون أهل الإسلام ، ويدعون أهل الأوثان ، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ; يعني : لا يتفقهون فيه ، بل يأخذونه على الظاهر; كما بينه حديث ابن عمر الآتي بحول الله . وهذا كله في آخر عهد الصحابة .
ثم لم تزل الفرق تكثر حسبما وعد به الصادق صلى الله عليه وسلم :
في قوله : افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة .
[ ص: 29 ] وفي الحديث الآخر : لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، حتى لو دخلوا في جحر ضب ، لاتبعتموهم ، قلنا : يا رسول الله : اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ وهذا أعم من الأول ، فإن الأول عند كثير من أهل العلم خاص بأهل الأهواء ، وهذا الثاني عام في المخالفات ، ويدل على ذلك من الحديث قوله : حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم .
وكل صاحب مخالفة ، فمن شأنه أن يدعو غيره إليها ، ويخص سؤاله بل سواه عليها ، إذ التأسي في الأفعال والمذاهب موضوع طلبه في الجبلة ، وبسببه تقع في المخالف المخالفة وتحصل من الموافق المؤالفة ، ومنه تنشأ العداوة والبغضاء للمختلفين .
كان الإسلام في أوله وجدته مقاوما بل ظاهرا ، وأهله غالبون ، وسوادهم أعظم الأسودة ، فخلا من وصف الغربة بكثرة الأهل والأولياء الناصرين ، فلم يكن لغيرهم - ممن لم يسلك سبيلهم ، أو سلكه ولكنه [ ص: 30 ] ابتدع فيه - صولة يعظم موقعها ، ولا قوة يضعف دونها حزب الله المفلحون ، فصار على استقامة ، وجرى على اجتماع واتساق ، فالشاذ مقهور مضطهد ، إلى أن أخذ اجتماعه في الافتراق الموعود ، وقوته إلى الضعف المنتظر ، والشاذ عنه تقوى صولته ويكثر سواده ، واقتضى سر التأسي المطالبة بالموافقة ، ولا شك أن الغالب أغلب ، فتكالبت على سواد السنة البدع والأهواء ، فتفرق أكثرهم شيعا .
وهذه سنة الله في الخلق; أن أهل الحق في جنب أهل الباطل قليل ، لقوله تعالى : ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) ، وقوله تعالى : ( وقليل من عبادي الشكور ) ، ولينجز الله ما وعد به نبيه صلى الله عليه وسلم من عود وصف الغربة إليه ، فإن الغربة لا تكون إلا مع فقد الأهل أو قلتهم ، وذلك حين يصير المعروف منكرا والمنكر معروفا ، وتصير السنة بدعة والبدعة سنة ، فيقام على أهل السنة بالتثريب والتعنيف ، كما كان أولا يقام على أهل البدعة; طمعا من المبتدع أن تجتمع كلمة الضلال ، ويأبى الله أن تجتمع حتى تقوم الساعة ، فلا تجتمع الفرق كلها على كثرتها على مخالفة السنة عادة وسمعا ، بل لا بد أن تثبت جماعة أهل السنة حتى يأتي أمر الله ، غير أنهم لكثرة ما تناوشهم الفرق الضالة وتناصبهم العداوة والبغضاء; استدعاء إلى موافقتهم ، لا يزالون في جهاد ونزاع ، ومدافعة وقراع ، آناء الليل والنهار ، وبذلك يضاعف الله لهم الأجر الجزيل ويثيبهم [ ص: 31 ] الثواب العظيم .
فقد تلخص مما تقدم أن مطالبة المخالفة بالموافقة جار مع الأزمان ، لا يختص بزمان دون زمان ، فمن وافق; فهو عند المطالب المصيب على أي حال كان ، ومن خالف; فهو المخطئ المصاب ، ومن وافق; فهو المحمود السعيد ، ومن خالف; فهو المذموم المطرود ، ومن وافق ، فقد سلك سبيل الهداية ، ومن خالف : فقد تاه في طرق الضلالة والغواية .
وإنما قدمت هذه المقدمة لمعنى أذكره :
وذلك أني ولله الحمد لم أزل منذ فتق للفهم عقلي ، ووجه شطر العلم طلبي أنظر في عقلياته وشرعياته ، وأصوله وفروعه ، لم أقتصر منه على علم دون علم ، ولا أفردت عن أنواعه نوعا دون آخر ، حسبما اقتضاه الزمان والمكان ، وأعطته المنة المخلوقة في أصل فطرتي ، بل خضت في لججه خوض المحسن للسباحة ، وأقدمت في ميادينه إقدام الجريء ، حتى كدت أتلف في بعض أعماقه ، أو أنقطع في رفقتي التي بالأنس بها تجاسرت علىما قدر لي ، غائبا عن مقال القائل وعذل العاذل ، ومعرضا عن صد الصاد ولوم اللائم ، إلى أن من علي الرب الكريم الرءوف الرحيم ، فشرح لي من معاني الشريعة ما لم يكن في حسابي ، وألقى في نفسي القاصرة : أن كتاب الله وسنة نبيه لم يتركا في سبيل الهداية لقائل ما يقول ولا أبقيا لغيرهما مجالا يعتد فيه ، وأن الدين قد كمل ، والسعادة الكبرى فيما وضع ، والطلبة فيما شرع ، وما سوى ذلك فضلال وبهتان وإفك وخسران ، وأن العاقد عليهما بكلتا يديه مستمسك بالعروة الوثقى محصل لكلمتي الخير دنيا وأخرى ، وما [ ص: 32 ] سواهما فأحلام وخيالات وأوهام ، وقام لي على صحة ذلك البرهان الذي لا شبهة تطرق حول حماه ، ولا ترتمي نحو مرماه : ( ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) ، والحمد لله والشكر كثيرا كما هو أهله .
فمن هنالك قويت نفسي على المشي في طريقه بمقدار ما يسر الله فيه ، فابتدأت بأصول الدين عملا واعتقادا ، ثم بفروعه المبنية على تلك الأصول ، وفي خلال ذلك أتبين ما هو من السنن أو من البدع ، كما أتبين ما هو من الجائز وما هو من الممتنع ، وأعرض ذلك على علم الأصول الدينية والفقهية ، ثم أطالب نفسي بالمشي مع الجماعة التي سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسواد الأعظم في الوصف الذي كان عليه هو وأصحابه ، وترك البدع [ ص: 33 ] التي نص عليها العلماء أنها بدع وأعمال مختلفة .
وكنت في أثناء ذلك قد دخلت في بعض خطط الجمهور من الخطابة والإمامة ونحوها ، فلما أردت الاستقامة على طريق; وجدت نفسي غريبا في جمهور أهل الوقت; لكون خططهم قد غلبت عليها العوائد ، ودخلت على سننها الأصلية شوائب من المحدثات الزوائد ، ولم يكن ذلك بدعا في الأزمنة المتقدمة ، فكيف في زماننا هذا ؟ ! فقد روي عن السلف الصالح من التنبيه على ذلك كثير :
كما روي عن أبي الدرداء أنه قال : لو خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم ما عرف شيئا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة .
قال الأوزاعي : فكيف لو كان اليوم ؟
قال عيسى بن يونس : فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان ؟
وعن أم الدرداء قالت : دخل أبو الدراداء وهو غضبان ، فقلت : ما أغضبك ؟ فقال : والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعا .
وعن أنس بن مالك ; قال : ما أعرف منكم ما كنت أعهده على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غير قولكم : لا إله إلا الله . قلنا : بلى يا أبا حمزة .قال : قد صليتم حتى تغرب الشمس ، أفكانت تلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ !
[ ص: 34 ] وعن أنس ; قال : لو أن رجلا أدرك السلف الأول ، ثم بعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئا . قال : ووضع يده على خده ، ثم قال : إلا هذه الصلاة .
ثم قال : أما والله - على ذلك - لمن عاش في النكر ، ولم يدرك ذلك السلف الصالح ، فرأى مبتدعا يدعو إلى بدعته ، ورأى صاحب دنيا يدعو إلى دنياه ، فعصمه الله من ذلك ، وجعل قلبه يحن إلى ذلك السلف الصالح ، يسأل عن سبلهم ، ويقتص آثارهم ، ويتبع سبيلهم ، ليعوض أجرا عظيما ، وكذلك فكونوا إن شاء الله .
وعن ميمون بن مهران; قال : لو أن رجلا أنشر فيكم من السلف ، ما عرف غير هذه القبلة .
وعن سهل بن مالك عن أبيه ، قال : ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة .
إلى ما أشبه هذا من الآثار الدالة على أن المحدثات تدخل في المشروعات ، وأن ذلك قد كان قبل زماننا ، وإنما تتكاثر على توالي الدهور إلى الآن .
فتردد النظر بين أن أتبع السنة على شرط مخالفة ما اعتاد الناس ; فلا بد من حصول نحو مما حصل لمخالفي العوائد ، ولا سيما إذا ادعى أهلها أن ما هم عليه هو السنة لا سواها ، إلا أن في ذلك العبء الثقيل ما فيه من الأجر الجزيل ، وبين أن أتبعهم على شرط مخالفة السنة والسلف الصالح ، فأدخل تحت ترجمة الضلال عائذا بالله من ذلك ، إلا أني أوافق [ ص: 35 ] المعتاد ، وأعد من المؤالفين لا من المخالفين ؟ !
فرأيت أن الهلاك في اتباع السنة هو النجاة ، وأن الناس لن يغنوا عني من الله شيئا ، فأخذت في ذلك على حكم التدريج في بعض الأمور ، فقامت علي القيامة ، وتواترت علي الملامة ، وفوق إلي العتاب سهامه ، ونسبت إلى البدعة والضلالة ، وأنزلت منزلة أهل الغباوة والجهالة .
وإني لو التمست لتلك المحدثات مخرجا; لوجدت ؛ غير أن ضيق العطن والبعد عن أهل الفطن رقى بي مرتقى صعبا وضيق علي مجالا رحبا ، وهو كلام يشير بظاهره إلى أن اتباع المتشابهات ، لموافقات العادات ، أولى من اتباع الواضحات ، وإن خالفت السلف الأول .
وربما ألموا في تقبيح ما وجهت إليه وجهتي بما تشمئز منه القلوب ، أو خرجوا بالنسبة إلى بعض الفرق الخارجة عن السنة شهادة ستكتب ويسألون عنها يوم القيامة :
فتارة نسبت إلى القول بأن الدعاء لا ينفع ولا فائدة فيه كما يعزى إلى بعض الناس ، بسبب أني لم ألتزم الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلاة حالة الإمامة . وسيأتي ما في ذلك من المخالفة للسنة وللسلف الصالح والعلماء .
وتارة نسبت إلى الرفض وبغض الصحابة رضي الله عنهم ، بسبب أني لم ألتزم ذكر الخلفاء الراشدين منهم في الخطبة على الخصوص ، إذ لم يكن ذلك من شأن السلف في خطبهم ، ولا ذكره أحد من العلماء المعتبرين في أجزاء الخطب :
[ ص: 36 ] وقد سئل ( أصبغ ) عن دعاء الخطيب للخلفاء المتقدمين ؟ فقال : هو بدعة ولا ينبغي العمل به ، وأحسنه أن يدعو للمسلمين عامة .
قيل له : فدعاؤه للغزاة والمرابطين ؟ قال : ما أرى به بأسا عند الحاجة إليه ، وأما أن يكون شيئا يصمد له في خطبته دائما ، فإني أكره ذلك .
ونص أيضا عز الدين بن عبد السلام : على أن الدعاء للخلفاء في الخطبة بدعة غير محبوبة .
وتارة أضيف إلي القول بجواز القيام على الأئمة ، وما أضافوه إلا من عدم ذكري لهم في الخطبة ، وذكرهم فيه محدث لم يكن عليه من تقدم .
وتارة حمل علي التزام الحرج والتنطع في الدين ، وإنما حملهم على ذلك أني التزمت في التكليف والفتيا الحمل على مشهور المذهب الملتزم لا أتعداه ، وهم يتعدونه ويفتون بما يسهل على السائل ويوافق هواه ، وإن كان شاذا في المذهب الملتزم أو في غيره ، وأئمة أهل العلم على خلاف ذلك ، وللمسألة بسط في كتاب ( الموافقات ) .
وتارة نسبت إلى معاداة أولياء الله ، وسبب ذلك أني عاديت بعض الفقراء المبتدعين المخالفين للسنة المنتصبين بزعمهم لهداية الخلق ، وتكلمت للجمهور على جملة من أحوال هؤلاء الذين نسبوا أنفسهم إلى [ ص: 37 ] الصوفية ولم يتشبهوا بهم .
وتارة نسبت إلى مخالفة السنة والجماعة ، بناء منهم على أن الجماعة التي أمر باتباعها وهي الناجية ما عليه العموم ، ولم يعلموا أن الجماعة ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان . وسيأتي بيان ذلك بحول الله .
وكذبوا علي في جميع ذلك ، أو وهموا ، والحمد لله على كل حال .
فكنت على حالة تشبه حالة الإمام الشهير عبد الرحمن بن بطة الحافظ مع أهل زمانه إذ حكى عن نفسه فقال :
" عجبت من حالي في سفري وحضري مع الأقربين مني والأبعدين ، والعارفين والمنكرين ، فإني وجدت بمكة وخراسان وغيرهما من الأماكن أكثر من لقيت بها موافقا أو مخالفا ، دعاني إلى متابعته على ما يقوله ، وتصديق قوله ، والشهادة له ، فإن كنت صدقت فيما يقول وأجزت له ذلك كما يفعله أهل هذا الزمان; سماني موافقا ، وإن وقفت في حرف من قوله أو في شيء من فعله سماني مخالفا ، وإن ذكرت في واحد منها أن الكتاب والسنة بخلاف ذلك وارد ، سماني خارجيا ، وإن قرأت عليه حديثا في التوحيد ، سماني مشبها ، وإن كان في الرؤية; سماني سالميا ، وإن كان في الإيمان سماني مرجئا ، وإن كان في الأعمال ، سماني قدريا ، وإن كان في المعرفة سماني كراميا ، وإن كان في فضائل أبي بكر وعمر ، سماني ناصبيا ، وإن كان في فضائل أهل البيت سماني رافضيا ، وإن سكت عن [ ص: 38 ] تفسير آية أو حديث فلم أجب فيهما إلا بهما ، سماني ظاهريا ، وإن أجبت بغيرهما ، سماني باطنيا ، وإن أجبت بتأويل ، سماني أشعريا ، وإن جحدتهما ، سماني معتزليا ، وإن كان في السنن مثل القراءة ، سماني شفعويا ، وإن كان في القنوت سماني حنفيا ، وإن كان في القرآن ، سماني حنبليا ، وإن ذكرت رجحان ما ذهب كل واحد إليه من الأخبار إذ ليس في الحكم والحديث محاباة قالوا : طعن في تزكيتهم .
ثم أعجب من ذلك أنهم يسمونني فيما يقرءون علي من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشتهون من هذه الأسامي ، ومهما وافقت بعضهم; عاداني غيره ، وإن داهنت جماعتهم ، أسخطت الله تبارك وتعالى ، ولن يغنوا عني من الله شيئا . وإني مستمسك بالكتاب والسنة وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو وهو الغفور الرحيم .
هذا تمام الحكاية ، فكأنه رحمه الله تكلم على لسان الجميع ، فقلما تجد عالما مشهورا أو فاضلا مذكورا ، إلا وقد نبذ بهذه الأمور أو بعضها ، لأن الهوى قد يداخل المخالف ، بل سبب الخروج عن السنة الجهل بها والهوى المتبع الغالب على أهل الخلاف ، فإذا كان كذلك ، حمل على صاحب السنة ، أنه غير صاحبها ، ورجع بالتشنيع عليه والتقبيح لقوله وفعله ، [ ص: 39 ] حتى ينسب هذه المناسب .
وقد نقل عن سيد العباد بعد الصحابة ( أويس ) القرني أنه قال : إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدعا للمؤمن صديقا : نأمرهم بالمعروف ، فيشتمون أعراضنا ، ويجدون في ذلك أعوانا من الفاسقين ، حتى والله لقد رموني بالعظائم ، وايم الله ، لا أدع أن أقوم فيهم بحقه .
فمن هذا الباب يرجع الإسلام غريبا كما بدأ ، لأن المؤالف فيه على وصفه الأول قليل ، فصار المخالف هو الكثير ، فاندرست رسوم السنة حتى مدت البدع أعناقها ، فأشكل مرماها على الجمهور ، فظهر مصداق الحديث الصحيح ===ولما وقع علي من الإنكار ما وقع مع ما هدى الله إليه وله الحمد ، لم أزل أتبع البدع التي نبه عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحذر منها ، وبين أنها ضلالة وخروج عن الجادة ، وأشار العلماء إلى تمييزها والتعريف بجملة منها ، لعلي أجتنبها فيما استطعت ، وأبحث عن السنن التي كادت تطفئ نورها تلك المحدثات; لعلي أجلو بالعمل سناها ، وأعد يوم القيامة فيمن أحياها ، إذ ما من بدعة تحدث إلا ويموت من السنن ما هو في مقابلتها ، حسبما جاء عن السلف في ذلك .
فعن ابن عباس ; قال : ما يأتي على الناس من عام ، إلا أحدثوا فيه بدعة ، وأماتوا فيه سنة ، حتى تحيا البدعة ، وتموت السنن .
وفي بعض الأخبار : لا يحدث رجل بدعة إلا ترك من السنة ما هو خير منها .
[ ص: 40 ] وعن لقمان بن أبي إدريس الخولاني : أنه كان يقول : ما أحدثت أمة في دينها بدعة إلا رفع بها عنهم سنة . وعن حسان بن عطية قال : ما أحدث قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ، ثم لم يعدها إليهم إلى يوم القيامة .
إلى غير ذلك مما جاء في هذا المعنى ، وهو مشاهد معلوم حسبما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى===وجاء من الترغيب في إحياء السنن ما جاء :
فقد خرج ابن وهب حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي ، فإن له من الأجر مثل من عمل بها من الناس لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله ، فإن عليه إثم من عمل بها لا ينقص ذلك من آثام الناس شيئا
وخرجه الترمذي باختلاف في بعض الألفاظ مع اتفاق المعنى وقال فيه : حديث حسن .
[ ص: 41 ] وفي الترمذي عن أنس قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد فافعل ثم قال لي : يا بني وذلك من سنتي ، ومن أحيا سنتي فقد أحبني ، ومن أحبني كان معي في الجنة حديث حسن .
فرجوت بالنظر في هذا الموضع الانتظام في سلك من أحيا سنة وأمات بدعة===وعلى طول العهد ودوام النظر اجتمع لي في البدع والسنن أصول قررت أحكامها الشرعية ، وفروع طالت أفنانها ، لكنها تنتظمها تلك الأصول ، وقلما توجد على الترتيب الذي سنح في الخاطر ، فمالت إلى بثها النفس ، ورأت أنه من الأكيد الطلب ، لما فيه من رفع الالتباس الناشئ بين السنن والبدع ، لأنه لما كثرت البدع ، وعم ضررها ، واستطار شررها ، ودام الإكباب على العمل بها ، والسكوت من المتأخرين عن الإنكار لها ، وخلفت بعدهم خلوف جهلوا أو غفلوا عن القيام بفرض القيام فيها ، صارت كأنها سنن مقررات ، وشرائع من صاحب الشرع محررات ، فاختلط المشروع بغيره ، فعاد الراجع إلى محض السنة كالخارج عنها كما تقدم ، فالتبس بعضها ببعض ، فتأكد الوجوب بالنسبة إلى من عنده فيها علم ، وقلما صنف فيها على الخصوص تصنيف ، وما صنف فيها فغير كاف في هذه المواقف .
[ ص: 42 ] مع أن الداخل في هذا الأمر اليوم فاقد المساعد عديم المعين : فالموالي لم يخلد به إلى الأرض ، ويلقي له باليد إلى العجز عن بث الحق ، بعد رسوخ العوائد في القلوب ، والمعادي يرميه بالأردبيس ، ويروم أخذه بالعذاب البئيس ، لأنه يرد عوائده الراسخة في القلوب ، المتداولة في الأعمال ، دينا يتعبد به ، وشريعة يسلك عليها ، لا حجة له إلا عمل الآباء والأجداد ، مع بعض الأشياخ العالمين ، كانوا من أهل النظر في هذه الأمور أم لا . ولم يلتفتوا إلى أنهم عند موافقتهم للآباء والأشياخ مخالفون للسلف الصالح .
فالمعترض لمثل هذا الأمر ينحو نحو عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في العمل ، حيث قال : " ألا وإني أعالج أمرا لا يعين عليه إلا الله ، قد فني عليه الكبير ، وكبر عليه الصغير ، وفصح عليه الأعجمي ، وهاجر عليه الأعرابي ، حتى حسبوه دينا لا يرون الحق غيره .
وكذلك ما نحن بصدد الكلام عليه ، غير أنه أمر لا سبيل إلى إهماله ، ولا يسع أحدا ممن له منة إلا الأخذ بالحزم والعزم في بثه ، بعد تحصيله على كماله ، وإن كره المخالف فكراهيته لا حجة فيها على الحق إلا يرفع مناره ، ولا تكشف وتجلى أنواره .
فقد خرج أبو الطاهر السلفي بسنده إلى أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : " يا أبا هريرة علم الناس القرآن وتعلمه ، فإنك إن مت وأنت كذلك; [ ص: 43 ] زارت الملائكة قبرك كما يزار البيت العتيق ، وعلم الناس سنتي ، وإن كرهوا ذلك ، وإن أحببت ألا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة; فلا تحدث في دين الله حدثا برأيك .
[ ص: 44 ] قال أبو عبد الله بن القطان : " وقد جمع الله له ذلك كله ، من إقراء كتاب الله ، والتحديث بالسنة ، أحب الناس أم كرهوا ، وترك الحدث حتى إنه كان لا يتأول شيئا مما روى ، تتميما للسلامة من الخطأ .
على أن أبا العرب التميمي حكى عن ابن فروخ : " أنه كتب إلى مالك بن أنس إن بلدنا كثير البدع ، وإنه ألف كلاما في الرد عليهم .
فكتب إليه مالك يقول له : إن ظننت ذلك بنفسك ، خفت أن تزل فتهلك ، لا يرد عليهم إلا من كان ضابطا عارفا بما يقول لهم ، لا يقدرون أن يعرجوا عليه ، فهذا لا بأس به ، وأما غير ذلك ، فإني أخاف أن يكلمهم فيخطئ فيمضوا على خطئه ، أو يظفروا منه بشيء فيطغوا ويزدادوا تماديا على ذلك ، انتهى .
وهذا الكلام يقضي لمثلي بالإحجام دون الإقدام . وشياع هذا النكر ، وفشو العمل به ، وتظاهر أصحابه; يقضي لمن له بهذا المقام منة بالإقدام دون الإحجام ، لأن البدع قد عمت وجرت أفراسها من غير مغير ملء أعنتها .
[ ص: 45 ] وحكى ابن وضاح عن غير واحد : أن أسد بن موسى كتب إلى أسد بن الفرات :
" اعلم يا أخي أن ما حملني على الكتب إليك ما أنكر أهل بلادك من صالح ما أعطاك الله ، من إنصافك الناس ، وحسن حالك مما أظهرت من السنة ، وعيبك لأهل البدع ، وكثرة ذكرك لهم وطعنك عليهم ، فقمعهم الله بك ، وشد بك ظهر أهل السنة ، وقواك عليهم بإظهار عيبهم ، والطعن عليهم ، وأذلهم الله بذلك ، وصاروا ببدعتهم مستترين .
فأبشر يا أخي بثواب الله ، واعتد به من أفضل حسناتك من الصلاة والصيام والحج والجهاد . وأين تقع هذه الأعمال من إقامة كتاب الله وإحياء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ومن أحيا شيئا من سنتي كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وضم بين إصبعيه، وقال : أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه ، كان له مثل أجر من تبعه إلى يوم القيامة ؟ ! فمن يدرك يا أخي هذا بشيء من عمله ؟ ! وذكر أيضا : إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليا لله يذب عنها ، وينطق بعلامتها .
فاغتنم يا أخي هذا الفضل ، وكن من أهله ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ [ ص: 46 ] حين بعثه إلى اليمن فأوصاه وقال : " لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من كذا وكذا ، وأعظم القول فيه .
فاغتنم ذلك ، وادع إلى السنة حتى يكون لك في ذلك ألفة وجماعة يقومون مقامك إن حدث بك حدث ، فيكونون أئمة بعدك ، فيكون لك ثواب إلى يوم القيامة كما جاء في الأثر .
فاعمل على بصيرة ونية حسنة ، فيرد الله بك المبتدع والمفتون الزائغ الحائر ، فتكون خلفا من نبيك صلى الله عليه وسلم .
فأحي كتاب الله وسنة نبيه ، فإنك لن تلقى الله بعمل يشبهه .
انتهى ما قصدت إيراده من كلام أسد رحمه الله . وهو مما يقوي جانب الإقدام ، مع ما روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : أنه خطب الناس ، فكان من جملة كلامه في خطبته أن قال :
" والله إني لولا أن أنعش سنة قد أميتت ، أو أن أميت بدعة قد أحييت ، لكرهت أن أعيش فيكم فواقا " .
وخرج ابن وضاح في كتاب " القطعان " وحديث الأوزاعي : أنه بلغه عن الحسن أنه قال : " لن يزال لله نصحاء في الأرض من عباده ، يعرضون أعمال العباد على كتاب الله ، فإذا وافقوه ، حمدوا الله ، وإذا خالفوه ، عرفوا بكتاب الله ضلالة من ضل ، وهدى من اهتدى ، فأولئك خلفاء الله .
وفيه عن سفيان ; قال : اسلكوا سبيل الحق ، ولا تستوحشوا من قلة [ ص: 47 ] أهله . فوقع الترديد بين النظرين .
ثم إني أخذت في ذلك مع بعض الإخوان الذين أحللتهم من قلبي محل السويداء ، وقاموا لي في عامة أدواء نفسي مقام الدواء ، فرأوا أنه من العمل الذي لا شبهة في طلب الشرع نشره ، ولا إشكال في أنه بحسب الوقت من أوجب الواجبات .
فاستخرت الله تعالى في وضع كتاب يشتمل على بيان البدع وأحكامها وما يتعلق بها من المسائل أصولا وفروعا وسميته بـ الاعتصام .
والله أسأل أن يجعله عملا خالصا ، ويجعل ظل الفائدة به ممدودا لا قالصا ، والأجر على العناء فيه كاملا لا ناقصا ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وينحصر الكلام فيه بحسب الغرض المقصود في جملة أبواب ، وفي كل باب منها فصول اقتضاها بسط المسائل المنحصرة فيه ، وما انجر معها من الفروع المتعلقة به======وأصل المادة " بدع " للاختراع على غير مثال سابق ، ومنه :
قول الله تعالى : ( بديع السماوات والأرض ) ، أي : مخترعها من غير مثال سابق متقدم .
وقوله تعالى : ( قل ما كنت بدعا من الرسل ) ; أي : ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد ، بل تقدمني كثير من الرسل .
ويقال : ابتدع فلان بدعة ، يعني ابتدأ طريقة لم يسبقه إليها سابق . وهذا أمر بديع ، يقال في الشيء المستحسن الذي لا مثال له في الحسن ، فكأنه لم يتقدمه ما هو مثله ولا ما يشبهه .
ومن هذا المعنى سميت البدعة بدعة ، فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع ، وهيئتها هي البدعة ، وقد يسمى العلم المعمول على ذلك الوجه بدعة .
فمن هذا المعنى سمي العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة ، وهو إطلاق أخص منه في اللغة حسبما يذكر بحول الله .
[ ص: 50 ] ثبت في علم الأصول أن الأحكام المتعلقة بأفعال العباد وأقوالهم ثلاثة : حكم يقتضيه معنى الأمر; كان للإيجاب أو الندب ، وحكم يقتضيه معنى النهي ، كان للكراهة أو التحريم . وحكم يقتضيه معنى التخيير ، وهو الإباحة .
فأفعال العباد وأقوالهم لا تعدو هذه الأقسام الثلاثة : مطلوب فعله ، ومطلوب تركه ، ومأذون في فعله وتركه .
والمطلوب تركه لم يطلب تركه إلا لكونه مخالفا للقسمين الأخيرين ، لكنه على ضربين :
أحدهما : أن يطلب تركه وينهى عنه لكونه مخالفة خاصة مع مجرد النظر عن غير ذلك ، وهو إن كان محرما; سمي فعلا معصية وإثما وسمي فاعله عاصيا وآثما ، وإلا ، لم يسم بذلك ، ودخل في حكم العفو; حسبما هو مبين في غير هذا الموضع ، ولا يسمى بحسب الفعل جائزا ولا مباحا ، لأن الجمع بين الجواز والنهي جمع بين متنافيين .
والثاني : أن يطلب تركه وينهى عنه لكونه مخالفة لظاهر التشريع; من جهة ضرب الحدود ، وتعيين الكيفيات ، والتزام الهيئات المعينة ، أو الأزمنة المعينة مع الدوام ، ونحو ذلك ، وهذا هو الابتداع والبدعة ، ويسمى فاعله مبتدعا .
فالبدعة إذن عبارة عن : طريقة في الدين مخترعة ، تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه .
وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة ، وإنما [ ص: 51 ] يخصها بالعبادات ، وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة ، فيقول :
البدعة : طريقة في الدين مخترعة ، تضاهي الشرعية ، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية .
ولا بد من بيان ألفاظ هذا الحد :
فالطريقة والطريق والسبيل والسنن هي بمعنى واحد ، وهو ما رسم للسلوك عليه .
وإنما قيدت بالدين ، لأنها فيه تخترع ، وإليه يضيفها صاحبها ، وأيضا; فلو كانت طريقة مخترعة في الدنيا على الخصوص ، لم تسم بدعة; كإحداث الصنائع والبلدان التي لا عهد بها فيما تقدم .
ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم ، فمنها ما له أصل في الشريعة ومنها ما ليس له أصل فيها ، خص منها ما هو المقصود بالحد ، وهو القسم المخترع ، أي : طريقة ابتدعت على غير مثال تقدمها من الشارع ، إذ البدعة إنما خاصتها أنها خارجة عما رسمه الشارع .
وبهذا القيد انفصلت عن كل ما ظهر لبادي الرأي أنه مخترع مما هو متعلق بالدين ، كعلم النحو والتصريف ، ومفردات اللغة ، وأصول الفقه ، وأصول الدين ، وسائر العلوم الخادمة للشريعة ، فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول ، فأصولها موجودة في الشرع :
إذ الأمر بإعراب القرآن منقول .
وعلوم اللسان هادية للصواب في الكتاب والسنة ، فحقيقتها إذا [ ص: 52 ] أنها : فقه التعبد بالألفاظ الشرعية الدالة على معانيها; كيف تؤخذ وتؤدى ؟
وأصول الفقه; إنما معناها استقراء كليات الأدلة ، حتى تكون عند المجتهد نصب عين وعند الطالب سهلة الملتمس .
وكذلك أصول الدين ، وهو علم الكلام ، إنما حاصله تقرير لأدلة القرآن والسنة أو ما ينشأ عنها في التوحيد وما يتعلق به ، كما كان الفقه تقريرا لأدلتها في الفروع العبادية .
فإن قيل : فإن تصنيفها على ذلك الوجه مخترع ؟
فالجواب : أن له أصلا في الشرع ، ففي الحديث ما يدل عليه ، ولو سلم أنه ليس في ذلك دليل على الخصوص ، فالشرع بجملته يدل على اعتباره ، وهو مستمد من قاعدة المصالح المرسلة ، وسيأتي بسطها بحول الله :
فعلى القول بإثباتها أصلا شرعيا لا إشكال في أن كل علم خادم للشريعة داخل تحت أدلته التي ليست بمأخوذة من جزء واحد ، فليست ببدعة ألبتة .
وعلى القول بنفيها لا بد أن تكون تلك العلوم مبتدعات ، وإذا دخلت في علم البدع ؛ كانت قبيحة ؛ لأن كل بدعة ضلالة من غير إشكال ، كما يأتي بيانه إن شاء الله ، ويلزم من ذلك أن يكون كتب المصحف وجمع القرآن قبيحا ، وهو باطل بالإجماع ، فليس إذا ببدعة . ويلزم أن يكون له دليل شرعي ، وليس إلا هذا النوع من الاستدلال ، وهو المأخوذ من جملة [ ص: 53 ] الشريعة ، وإذا ثبت جزئي في المصالح المرسلة ، ثبت مطلق المصالح المرسلة .
فعلى هذا لا ينبغي أن يسمى علم النحو أو غيره من علوم اللسان أو علم الأصول أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة ، بدعة أصلا .
ومن سماه بدعة : فإما على المجاز; كما سمى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيام الناس في ليالي رمضان بدعة ، وإما جهلا بمواقع السنة والبدعة ، فلا يكون قول من قال ذلك معتدا به ولا معتمدا عليه .
وقوله في الحد : " تضاهي الشرعية " ; يعني أنها تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك ، بل هي مضادة لها من أوجه متعددة :
منها : وضع الحدود; كالناذر للصيام قائما لا يقعد ، ضاحيا لا يستظل ، والاختصاص في الانقطاع للعبادة ، والاقتصار من المأكل والملبس على صنف دون صنف من غير علة .
ومنها : التزام الكيفيات والهيئات المعينة ، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد ، واتخاذ يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم عيدا ، وما أشبه ذلك .
ومنها : التزام العبادات المعينة في أوقات معينة لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة ، كالتزام صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته .
وثم أوجه تضاهي بها البدعة الأمور المشروعة ، فلو كانت لا تضاهي الأمور المشروعة لم تكن بدعة ، لأنها تصير من باب الأفعال العادية .
وأيضا فإن صاحب البدعة إنما يخترعها ليضاهي بها السنة حتى [ ص: 54 ] يكون ملبسا بها على الغير أو تكون هي مما تلتبس عليه بالسنة ، إذ الإنسان لا يقصد الاستتباع بأمر لا يشابه المشروع ، لأنه إذ ذاك لا يستجلب به في ذلك الابتداع نفعا ولا يدفع به ضررا ولا يجيبه غيره إليه .
ولذلك تجد المبتدع ينتصر لبدعته بأمور تخيل التشريع ، ولو بدعوى الاقتداء بفلان المعروف منصبه في أهل الخير .
فأنت ترى العرب الجاهلية في تغيير ملة إبراهيم عليه السلام كيف تأولوا فيما أحدثوا احتجاجا منهم ، كقولهم في أصل الإشراك ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) ، وكترك الحمس الوقوف بعرفة ; لقولهم : لا نخرج من الحرم اعتدادا بحرمته ، وطواف من طاف منهم بالبيت عريانا; قائلين : لا نطوف بثياب عصينا الله فيها ، وما أشبه ذلك مما وجهوه ليصيروه بالتوجيه كالمشروع .
فما ظنك بمن عد أو عد نفسه من خواص أهل الملة ؟ ! فهم أحرى بذلك ، وهم المخطئون ، وظنهم الإصابة ، وإذا تبين هذا; ظهر أن مضاهاة الأمور المشروعة ضرورية الأخذ في أجزاء الحد .
وقوله : " يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى " هو تمام معنى البدعة ، إذ هو المقصود بتشريعها ، وذلك أن أصل الدخول فيها يحث على الانقطاع إلى العبادة والترغيب في ذلك; لأن الله تعالى يقول : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ، فكأن المبتدع رأى أن [ ص: 55 ]المقصود هذا المعنى ، ولم يتبين له أن ما وضعه الشارع فيه من القوانين والحدود كاف ، فرأى من نفسه أنه لا بد لما أطلق الأمر فيه من قوانين منضبطة ، وأحوال مرتبطة ، مع ما يداخل النفوس من حب الظهور أو عدم مظنته ، فدخلت في هذا الضبط شائبة البدعة .
وأيضا; فإن النفوس قد تمل وتسأم من الدوام على العبادات المرتبة ، فإذا جدد لها أمر لا تعهده ، حصل بها نشاط آخر لا يكون لها مع البقاء على الأمر الأول ، ولذلك قالوا : لكل جديد لذة; بحكم هذا المعنى ، كمن قال : كما تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور ، فكذلك تحدث لهم مرغبات في الخير بقدر ما حدث لهم من الفتور .
وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه : فيوشك قائل أن يقول : ما هم بمتبعي فيتبعوني وقد قرأت القرآن ، فلا يتبعني حتى أبتدع لهم غيره ، فإياكم وما ابتدع ، فإن ما ابتدع ضلالة .
[ ص: 56 ] وقد تبين بهذا القيد أن البدع لا تدخل في العادات ، فكل ما اخترع من الطرق في الدين مما يضاهي المشروع ولم يقصد به التعبد; فقد خرج عن هذه التسمية ، كالمغارم الملزمة على الأموال وغيرها على نسبة مخصوصة وقدر مخصوص مما يشبه فرض الزكوات ولم يكن إليها ضرورة ، وكذلك اتخاذ المناخل ، وغسل اليد بالأشنان ، وما أشبه ذلك من الأمور التي لم تكن قبل ، فإنها لا تسمى بدعا على إحدى الطريقتين .
وأما الحد على الطريقة الأخرى; فقد تبين معناه ، إلا قوله : " يقصد بها ما يقصد بالطريقة الشرعية " ، ومعناه : أن الشريعة إنما جاءت لمصالح العباد في عاجلتهم وآجلتهم; لتأتيهم في الدارين على أكمل وجوهها ، فهو الذي يقصده المبتدع ببدعته ، لأن البدعة إما أن تتعلق بالعادات أو العبادات ، فإن تعلقت بالعبادات ، فإنما أراد بها أن يأتي تعبده على أبلغ ما يكون في زعمه ، ليفوز بأتم المراتب في الآخرة في ظنه ، وإن تعلقت بالعادات; فكذلك ، لأنه إنما وضعها لتأتي أمور دنياه على تمام المصلحة فيها .
[ ص: 57 ] فمن يجعل المناخل في قسم البدع; فظاهر أن التمتع عنده بلذة الدقيق المنخول أتم منه بغير المنخول ، وكذلك البناءات المشيدة المحتفلة; التمتع بها أبلغ منه بالحشوش والخرب ، ومثله المصادرات في الأموال بالنسبة إلى أولي الأمر ، وقد أباحت الشريعة التوسع في التصرفات ، فيعد المبتدع هذا من ذلك .
وقد ظهر معنى البدعة ، وما هي في الشرع ، والحمد لله ====في الحد أيضا معنى آخر مما ينظر فيه ، وهو أن البدعة من حيث قيل فيها : " إنها طريقة في الدين مخترعة " إلى آخره ، يدخل في عموم لفظهاالبدعة التركية ، كما يدخل فيه البدعة غير التركية .
فقد يقع الابتداع بنفس الترك تحريما للمتروك أو غير تحريم ، فإن الفعل مثلا يكون حلالا بالشرع ، فيحرمه الإنسان على نفسه أو يقصد تركه قصدا .
فبهذا الترك; إما أن يكون لأمر يعتبر مثله شرعا أو لا .
فإن كان لأمر يعتبر ، فلا حرج فيه ، إذ معناه أنه ترك ما يجوز تركه أو ما يطلب بتركه ، كالذي يحرم على نفسه الطعام الفلاني من جهة أنه يضره في جسمه أو عقله أو دينه وما أشبه ذلك ، فلا مانع هنا من الترك ، بل إن قلنا بطلب التداوي للمريض; فإن الترك هنا مطلوب ، وإن قلنا بإباحة التداوي; فالترك مباح .
فهذا راجع إلى العزم على الحمية من المضرات ، وأصله قوله عليه [ ص: 58 ] الصلاة والسلام : يا معشر الشباب ! من استطاع منكم الباءة فليتزوجإلى أن قال : ومن لم يستطع فعليه بالصوم الذي يكسر من شهوة الشباب حتى لا تطغى عليه الشهوة ، فيصير إلى العنت .
وكذلك إذا ترك ما لا بأس به حذرا مما به البأس; فذلك من أوصاف المتقين ، وكتارك المتشابه حذرا من الوقوع في الحرام ، واستبراء للدين والعرض .
وإن كان الترك لغير ذلك; فإما أن يكون تدينا أو لا .
فإن لم يكن تدينا; فالتارك عابث بتحريمه الفعل أو بعزيمته على الترك ، ولا يسمى هذا الترك بدعة ، إذ لا يدخل تحت لفظ الحد; إلا على الطريقة الثانية القائلة : إن البدعة تدخل في العادات ، وأما على الطريقة الأولى; فلا تدخل ، لكن هذا التارك يصير عاصيا بتركه أو باعتقاده التحريم فيما أحل الله .
وأما إن كان الترك تدينا ، فهو الابتداع في الدين على كلتا الطريقتين ، إذ قد فرضنا الفعل جائزا شرعا ، فصار الترك المقصود معارضة للشارع في شرع التحليل .
وفي مثله نزل قول الله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) ، [ ص: 59 ] فنهى أولا عن تحريم الحلال ، ثم جاءت الآية تشعر بأن ذلك اعتداء ، لا يحبه الله .
وسيأتي للآية تقرير إن شاء الله .
لأن بعض الصحابة هم أن يحرم على نفسه النوم بالليل ، وآخر الأكل بالنهار ، وآخر إتيان النساء ، وبعضهم هم بالاختصاء ، مبالغة في ترك شأن النساء ، وفي أمثال ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : من رغب عن سنتي فليس مني .
فإذا كل من منع نفسه من تناول ما أحل الله من غير عذر شرعي ، فهو خارج عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم . والعامل بغير السنة تدينا ، هو المبتدع بعينه .
فإن قيل : فتارك المطلوبات الشرعية ندبا أو وجوبا ، هل يسمى مبتدعا أم لا ؟ .
فالجواب : أن التارك للمطلوبات على ضربين :
أحدهما : أن يتركها لغير التدين : إما كسلا ، أو تضييعا ، أو ما أشبه ذلك من الدواعي النفسية; فهذا الضرب راجع إلى المخالفة للأمر ، فإن كان في واجب فمعصية; وإن كان في ندب ، فليس بمعصية إذا كان الترك جزئيا ، وإن كان كليا فمعصية حسبما تبين في الأصول .
والثاني : أن يتركها تدينا; فهذا الضرب من قبيل البدع ، حيث تدين [ ص: 60 ] بضد ما شرع الله ، ومثاله أهل الإباحة القائلون بإسقاط التكاليف إذا بلغ السالك عندهم المبلغ الذي حدوه .
فإذا قوله في الحد : " طريقة مخترعة تضاهي الشرعية " ; يشمل البدعة التركية ، كما يشمل غيرها; لأن الطريقة الشرعية أيضا تنقسم إلى ترك وغيره .
وسواء علينا قلنا : إن الترك فعل ، أم قلنا : إنه نفي الفعل ، على الطريقتين المذكورتين في أصول الفقه .
وكما يشمل الحد الترك يشمل أيضا ضد ذلك .
وهو ثلاثة أقسام : قسم الاعتقاد ، وقسم القول ، وقسم الفعل ، فالجميع أربعة أقسام .
وبالجملة ، فكل ما يتعلق به الخطاب الشرعي ، يتعلق به الابتداع===========وأما النقل; فمن وجوه :
أحدهما : ما جاء في القرآن الكريم مما يدل على ذم من ابتدع في دين الله في الجملة :
فمن ذلك قول الله تعالى : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ) .
فهذه الآية أعظم الشواهد ، وقد جاء في الحديث تفسيرها :
فصح من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) ؟ قال : فإذا رأيتهم فاعرفيهم .
وصح عنها أنها قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب ) إلى آخر الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 71 ] إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله; فاحذروهم .
وهذا التفسير مبهم .
ولكنه جاء في رواية عن عائشة أيضا ، قالت : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ) الآية قال : فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه ، فهم الذين عنى الله ، فاحذروهم .
وهذا أبين ، لأنه جعل علامة الزيغ الجدال في القرآن ، وهذا الجدال مقيد باتباع المتشابه .
فإذا ، الذم إنما لحق من جادل فيه بترك المحكم - وهو أم الكتاب ومعظمه ، والتمسك بمتشابهه .
ولكنه بعد مفتقر إلى تفسير أظهر .
فجاء عن أبي غالب واسمه حزور قال : كنت بالشام ، فبعث المهلب سبعين رأسا من الخوارج ، فنصبوا على درج دمشق ، فكنت على ظهر بيت لي فمرأبو أمامة فنزلت فاتبعته ، فلما وقف عليهم دمعت عيناه وقال : سبحان الله ! ما يصنع السلطان ببني آدم ! قالها ثلاثا كلاب جهنم ، كلاب جهنم ، شر قتلى تحت ظل السماء ثلاث مرات ، [ ص: 72 ] خير قتلى من قتلوه ، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه .
ثم التفت إلي ، فقال : أبا غالب ! إنك بأرض هم بها كثير ، فأعاذك الله منهم .
قلت : رأيتك بكيت حين رأيتهم .
قال : بكيت رحمة حين رأيتهم كانوا من أهل الإسلام ، هل تقرأ سورة آل عمران ؟ قلت : نعم .
فقرأ : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ) حتى بلغ : ( وما يعلم تأويله إلا الله ) وإن هؤلاء كان في قلوبهم زيغ ، فزيغ بهم .
ثم قرأ : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ) إلى قوله ( ففي رحمة الله هم فيها خالدون ) .
قلت : هم هؤلاء يا أبا أمامة ؟
قال : نعم .
قلت : من قبلك تقول أو شيء سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم ؟
قال : إني إذا لجريء ، بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا مرة ، ولا مرتين حتى عد سبعا .
[ ص: 73 ] ثم قال : إن بني إسرائيل تفرقوا على إحدى وسبعين فرقة ، وإن هذه الأمة تزيد عليها فرقة ، كلها في النار; إلا السواد الأعظم .
قلت : يا أبا أمامة ! ألا ترى ما فعلوا ؟
قال : ( عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ) الآية .
خرجه إسماعيل القاضي وغيره .
وفي رواية; قال : قال : ألا ترى ما فيه السواد الأعظم وذلك في أول خلافة عبد الملك والقتل يومئذ ظاهر ؟ قال : ( عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ) .
وخرجه الترمذي مختصرا ، وقال فيه : " حديث حسن " .
وخرجه الطحاوي أيضا باختلاف في بعض الألفاظ وفيه : " فقيل له : يا أبا أمامة ! تقول لهم هذا القول ثم تبكي يعني قوله : شر قتلى إلى آخره ؟ ! قال : رحمة لهم; إنهم كانوا من أهل الإسلام ، فخرجوا منه ، ثم تلا : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب ) حتى ختمها ، ثم قال : هم هؤلاء ، ثم تلا هذه الآية : (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) حتى ختمها . ثم قال : هم هؤلاء .
وذكر الآجري عن طاوس ; قال : " ذكر لابن عباس الخوارج وما [ ص: 74 ] يصيبهم عند قراءة القرآن ، فقال : يؤمنون بمحكمه ، ويضلون عند متشابهه . وقرأ : ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به ) .
فقد ظهر بهذا التفسير أنهم أهل البدع; لأن أبا أمامة رضي الله عنه جعل الخوارج داخلين في عموم الآية ، وأنها تتنزل عليهم ، وهم من أهل البدع عند العلماء : إما على أنهم خرجوا ببدعتهم عن أهل الإسلام ، وإما على أنهم من أهل الإسلام لم يخرجوا عنهم; على اختلاف العلماء فيهم . وجعل هذه الطائفة ممن في قلوبهم زيغ فزيغ بهم ، وهذا الوصف موجود في أهل البدع كلهم .
مع أن لفظ الآية عام فيهم وفي غيرهم ممن كان على صفاتهم ، ألا ترى أن صدر هذه السورة إنما نزل في نصارى نجران ومناظرتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم في اعتقادهم في عيسى عليه السلام ، حيث تأولوا عليه أنه الإله أو أنه ابن الله أو أنه ثالث ثلاثة ، بأوجه متشابهة ، وتركوا ما هو الواضح في عبوديته حسبما نقله أهل السير ؟ !
ثم تأوله العلماء من السلف الصالح على قضايا دخل أصحابها تحت حكم اللفظ; كالخوارج فهي ظاهرة في العموم .
ثم تلا أبو أمامة الآية الأخرى ، وهي قوله سبحانه : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ) إلى قوله : ( ففي رحمة الله هم فيها خالدون ) ، وفسرها بمعنى ما فسر به الآية الأخرى ، [ ص: 75 ] فهي الوعيد والتهديد لمن تلك صفته ، ونهى المؤمنين أن يكونوا مثلهم .
ونقل عبيد عن حميد بن مهران قال : سألت الحسن كيف يصنع أهل هذه الأهواء الخبيثة بهذه الآية في آل عمران : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ) قال : نبذوها ورب الكعبة وراء ظهورهم .
وعن أبي أمامة أيضا قال : هم الحرورية .
وقال ابن وهب : سمعت مالكا يقول : ما آية في كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية : ( يوم تبيض وجوه ) إلى قوله : ( بما كنتم تكفرون ) قال مالك : فأي كلام أبين من هذا ؟ ! فرأيته يتأولها لأهل الأهواء .
ورواه ابن القاسم ، وزاد : قال لي مالك : إنما هذه الآية لأهل القبلة .
وما ذكره في الآية قد نقل عن غير واحد; كالذي تقدم للحسن .
وعن قتادة في قوله تعالى : ( كالذين تفرقوا واختلفوا ) يعني أهل البدع .
وعن ابن عباس في قوله : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) قال : " تبيض وجوه أهل السنة ، وتسود وجوه أهل البدعة .
ومن الآيات قوله تعالى : [ ص: 76 ] ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) .
فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه ، وهو السنة ، والسبل هي سبل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم ، وهم أهل البدع ، وليس المراد سبل المعاصي; لأن المعاصي من حيث هي معاص لم يضعها أحد طريقا تسلك دائما على مضاهاة التشريع ، وإنما هذا الوصف خاص بالبدع المحدثات .
ويدل على هذا ما روى إسماعيل عن سليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله قال :
" خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا طويلا ، وخط لنا سليمان خطا طويلا ، وخط عن يمينه وعن يساره ، فقال : هذا سبيل الله ثم خط لنا خطوطا عن يمينه ويساره وقال : هذه سبل وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم تلا هذه الآية : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ) يعني الخطوط ( فتفرق بكم عن سبيله ) .
قال بكر بن العلاء : " أحسبه أراد شيطانا من الإنس ، وهي البدع ، والله أعلم " .
وعن عمر بن سلمة الهمداني ; قال : " كنا جلوسا في حلقة [ ص: 77 ] ابن مسعود في المسجد وهو بطحاء قبل أن يحصب ، فقال له عبيد الله بن عمر بن الخطاب ، وكان أتى غازيا : ما الصراط المستقيم يا أبا عبد الرحمن ؟ قال : هو ورب الكعبة الذي ثبت عليه أبوك حتى دخل الجنة .
ثم حلف على ذلك ثلاث أيمان ولاء ، ثم خط في البطحاء خطا بيده ، وخط بجنبيه خطوطا ، وقال : ترككم نبيكم صلى الله عليه وسلم على طرفه ، وطرفه الآخر في الجنة ، فمن ثبت عليه ، دخل الجنة ، ومن أخذ في هذه الخطوط هلك .
وفي رواية : " يا أبا عبد الرحمن ! ما الصراط المستقيم ؟ قال : تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أدناه ، وطرفه في الجنة ، وعن يمينه جواد وعن يساره جواد ، وعليها رجال يدعون من مر بهم : هلم لك ! هلم لك ! فمن أخذ منهم في تلك الطرق; انتهت به إلى النار ، ومن استقام إلى الطريق الأعظم; انتهى به إلى الجنة ، ثم تلا ابن مسعود : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ) الآية كلها .
وعن مجاهد في قوله : ( ولا تتبعوا السبل ) ، قال : البدع والشبهات .
وعن عبد الرحمن بن مهدي : " قد سئل مالك بن أنس عن السنة ؟ قال : هي ما لا اسم له غير السنة ، وتلا : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) .
قال بكر بن العلاء : يريد إن شاء الله حديث ابن مسعود أن النبي [ ص: 78 ] صلى الله عليه وسلم خط له خطا ، وذكر الحديث .
فهذا التفسير يدل على شمول الآية لجميع طرق البدع ، لا تختص ببدعة دون أخرى .
ومن الآيات قول الله تعالى : ( وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين ) .
فالسبيل القصد هو طريق الحق ، وما سواه جائر عن الحق; أي : عادل عنه ، وهي طرق البدع والضلالات ، أعاذنا الله من سلوكها بفضله ، وكفى بالجائر أن يحذر منه ، فالمساق يدل على التحذير والنهي .
وذكر ابن وضاح ; قال : " سئل عاصم بن بهدلة ، وقيل له : أبا بكر ! ، هل رأيت قول الله تعالى : ( وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين ) ؟ قال : حدثنا أبو وائل عن عبد الله بن مسعود ; قال : خط عبد الله خطا مستقيما ، و خط خطوطا عن يمينه وخطوطا عن شماله ، فقال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا ، فقال للخط المستقيم : هذا سبيل الله ، وللخطوط التي عن يمينه وشماله : هذه سبل متفرقة ، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ; والسبيل مشتركة; قال الله تعالى : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ) إلى آخرها .
عن التستري : ( قصد السبيل ) : طريق السنة ، ( ومنها جائر ) ;يعني : إلى النار ، وذلك الملل والبدع " .
وعن مجاهد : ( قصد السبيل ) ; أي المقتصد منها بين الغلو [ ص: 79 ] والتقصير ، وذلك يفيد أن الجائر هو الغالي أو المقصر ، وكلاهما من أوصاف البدع .
وعن علي رضي الله عنه أنه كان يقرؤها : " فمنكم جائر " ; قالوا : يعني هذه الأمة ، فكأن هذه الآية مع الآية قبلها يتواردان على معنى واحد .
ومنها قوله تعالى : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ) .
هذه الآية قد جاء تفسيرها في الحديث من طريق عائشة رضي الله عنها ، قالت :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ) من هم ؟
قلت : الله ورسوله أعلم .
قال : " هم أصحاب الأهواء ، وأصحاب البدع ، وأصحاب الضلالة; من هذه الأمة ، يا عائشة إن لكل ذنب توبة ، ما خلا أصحاب الأهواء والبدع ، ليس لهم توبة ، وأنا بريء منهم وهم مني برآء . ؟ .
قال ابن عطية : " هذه الآية تعم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في [ ص: 80 ] الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدال والخوض في الكلام ، هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد .
ويريد والله أعلم بأهل التعمق في الفروع ما ذكره أبو عمر بن عبد البر في فصل ذم الرأي من " كتاب العلم " له ، وسيأتي ذكره بحول الله .
وحكى ابن بطال في شرح البخاري عن أبي حنيفة أنه قال : لقيت عطاء بن أبي رباح بمكة ، فسألته عن شيء ؟ فقال : من أين أنت ؟ قلت : من أهلالكوفة ، قال : أنت من أهل القرية الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ؟ قلت : نعم ، قال : من أي الأصناف أنت ؟ ، قلت : ممن لا يسب السلف ، ويؤمن بالقدر ولا يكفر أحدا بذنب ، فقال عطاء : عرفت فالزم .
وعن الحسن ، قال : خرج علينا عثمان بن عفان رضي الله عنه يوما يخطبنا ، فقطعوا عليه كلامه ، فتراموا بالبطحاء ، حتى جعلت ما أبصر أديم السماء .
قال : وسمعنا صوتا من بعض حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل : هذا صوت أم المؤمنين !
قال : فسمعتها وهي تقول : ألا إن نبيكم قد برئ ممن فرق دينه واحتزب ، وتلت : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) .
قال القاضي إسماعيل : " أحسبه يعني بقوله : أم المؤمنين : أم سلمة ، وأن ذلك قد ذكر في بعض الحديث ، وقد كانت عائشة في ذلك [ ص: 81 ]الوقت حاجة .
وعن أبي هريرة أنها نزلت في هذه الأمة .
وعن أبي أمامة : هم الخوارج .
قال القاضي : " ظاهر القرآن يدل على أن كل من ابتدع في الدين بدعة من الخوارج وغيرهم; فهو داخل في هذه الآية; لأنهم إذا ابتدعوا تجادلوا وتخاصموا وتفرقوا وكانوا شيعا .
ومنها قوله تعالى : ( ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) . قرئ : " فارقوا دينهم " .
وفسر عن أبي هريرة أنهم الخوارج . ورواه أبو أمامة مرفوعا .
وقيل : هم أصحاب الأهواء والبدع .
قالوا : روته عائشة رضي الله عنها مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
وذلك لأن هذا شأن من ابتدع; حسبما قاله إسماعيل القاضي ، وكما تقدم في الآي الأخر .
ومنها قوله تعالى : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) .
[ ص: 82 ] فعن ابن عباس أن لبسكم شيعا هو الأهواء المختلفة .
ويكون على هذا قوله : ( ويذيق بعضكم بأس بعض ) : تكفير البعض للبعض حتى يتقاتلوا ، كما جرى للخوارج حين خرجوا على أهل السنة والجماعة .
وقيل : معنى ( أو يلبسكم شيعا ) : ما فيه إلباس من الاختلاف .
وقال مجاهد وأبو العالية : " إن الآية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم " .
قال أبو العالية : " هن أربع ، ظهر اثنتان بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة : فألبسوا شيعا ، وأذيق بعضكم بأس بعض ، وبقيت اثنتان ، فهما ولا بد واقعتان ، الخسف من تحت أرجلكم ، والمسخ من فوقكم " .
وهذا كله صريح في أن اختلاف الأهواء مكروه غير محبوب ، ومذموم غير محمود .
وفيما نقل عن مجاهد في قول الله : ( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) :
قال في المختلفين : إنهم أهل الباطل .
( إلا من رحم ربك ) ; قال : " فإن أهل الحق ليس فيهم اختلاف " .
وروي عن مطرف بن الشخير : أنه قال : " لو كانت الأهواء كلها [ ص: 83 ] واحدا; لقال القائل : لعل الحق فيه ! فلما تشعبت وتفرقت; عرف كل ذي عقل أن الحق لا يتفرق .
وعن عكرمة ( ولا يزالون مختلفين ) يعني في الأهواء ( إلا من رحم ربك ) هم أهل السنة .
ونقل أبو بكر ثابت الخطيب عن منصور بن عبد الله بن عبد الرحمن ; قال : كنت جالسا عند الحسن ورجل خلفي قاعد ، فجعل يأمرني أن أسأله عن قول الله : ( ولا يزالون مختلفين ) قال : نعم ( لا يزالون مختلفين ) على أديان شتى ( إلا من رحم ربك ) ، فمن رحم غير مختلف .
وروى ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز ، ومالك بن أنس : أن أهل الرحمة لا يختلفون .
ولهذه الآية بسط يأتي بعد إن شاء الله .
وفي البخاري عن عمرو عن مصعب ; قال : " سألت أبي عن قوله تعالى : ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ) ; هم الحرورية ؟ قال : لا ; هم اليهودوالنصارى ، أما اليهود ; فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم ، وأما النصارى فكذبوا بالجنة ، وقالوا : لا طعام فيها ولا شراب . والحرورية ( الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ) .
[ ص: 84 ] وكان شعبة يسميهم الفاسقين .
وفي تفسير سعيد بن منصور ، عن مصعب بن سعد ، قال : قلت لأبي : ( الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) ; أهمالحرورية ؟ قال : لا ! أولئك أصحاب الصوامع ، ولكن الحرورية الذين قال الله فيهم : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) .
وخرج عبد بن حميد في ( تفسيره ) هذا المعنى بلفظ آخر عن مصعب بن سعد ، فأتى على هذه الآية : ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ) إلى قوله : (يحسنون صنعا ) ، قلت : أهم الحرورية ؟ قال : لا ; هم اليهود والنصارى ، أما اليهود فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وأما النصارى ; فكفروا بالجنة ، وقالوا : ليس فيها طعام ولا شراب ، ولكن الحرورية : ( الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض )
فالأول : لأنهم خرجوا عن طريق الحق بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنهم تأولوا التأويلات الفاسدة ، وكذا فعل المبتدعة وهو بابهم الذي دخلوا فيه .
والثاني : لأنهم تصرفوا في أحكام القرآن والسنة هذا التصرف .
فأهل حروراء وغيرهم من الخوارج قطعوا قوله تعالى : ( إن الحكم إلا لله ) [ ص: 85 ] عن قوله : ( يحكم به ذوا عدل ) وغيرهما ، وكذا فعل سائر المبتدعة حسبما يأتيك بحول الله .
ومنه [ ما ] روى عمرو بن مهاجر ; قال : " بلغ عمر بن عبد العزيز رحمه الله أن غيلان القدري يقول في القدر ، فبعث إليه ، فحجبه أياما ، ثم أدخله عليه فقال : يا غيلان ! ما هذا الذي بلغني عنك ؟ " .
قال عمرو بن مهاجر : " فأشرت إليه ألا يقول شيئا " .
قال : " فقال : نعم يا أمير المؤمنين : إن الله عز وجل يقول : ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ) .
قال عمر : اقرأ إلى آخر السورة : ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما ) .
ثم قال : ما تقول يا غيلان ؟
قال أقول : قد كنت أعمى فبصرتني ، وأصم فأسمعتني ، وضالا فهديتني .
[ ص: 86 ] فقال عمر : اللهم إن كان عبدك غيلان صادقا ، وإلا فاصلبه " .
قال فأمسك عن الكلام في القدر ، فولاه عمر بن عبد العزيز دار الضرب بدمشق ، فلما مات عمر بن عبد العزيز وأفضت الخلافة إلى هشام ; تكلم في القدر ، فبعث إليه هشام ، فقطع يده ، فمر به رجل والذباب على يده ، فقال : يا غيلان ! هذا قضاء وقدر . قال : كذبت - لعمر الله - ما هذا قضاء ولا قدر; فبعث إليه هشام فصلبه " .
والثالث : لأن الحرورية جردوا السيوف على عباد الله ، وهو غاية الفساد في الأرض ، وذلك كثير من أهل البدع شائع ، وسائرهم يفسدون بوجوه من إيقاع العداوة والبغضاء بين أهل الإسلام .
وهذه الأوصاف الثلاثة تقتضيها الفرقة التي نبه عليها الكتاب والسنة :
كقوله تعالى : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ) وقوله تعالى : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ) .
وأشباه ذلك .
وفي الحديث : " إن الأمة تتفرق على بضع وسبعين فرقة " .
وهذا التفسير في الرواية الأولى لمصعب بن سعد أيضا ، فقد وافق أباه على المعنى المذكور .
ثم فسر سعد بن أبي وقاص في رواية سعيد بن منصور : أن ذلك بسبب [ ص: 87 ] الزيغ الحاصل فيهم ، وذلك قوله تعالى : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) ، وهو راجع إلى آية آل عمران في قوله : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ) . الآية; فإنه رضي الله عنه أدخل الحرورية في الآيتين بالمعنى ، وهو الزيغ في إحداهما ، والأوصاف المذكورة في الأخرى; لأنها فيهم موجودة .
فآية الرعد تشمل [ الحرورية ] بلفظها; لأن اللفظ فيها يقتضي العموم لغة ، وإن حملناها على الكفار خصوصا; فهي تعطي أيضا فيهم حكما من جهة ترتيب الجزاء على الأوصاف المذكورة حسبما هو مبين في الأصول .
وكذلك آية الصف; لأنها خاصة بقوم موسى عليه السلام ، ومن هنا كان شعبة يسميهم الفاسقين أعني : الحرورية لأن معنى الآية واقع عليهم ، وقد جاء فيها : ( والله لا يهدي القوم الفاسقين ) ، والزيغ أيضا كان موجودا فيهم ، فدخلوا في معنى قوله : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) ، ومن هنا يفهم أنها لا تختص من أهل البدعة بالحرورية ، بل تعم كل من اتصف بتلك الأوصاف التي أصلها الزيغ ، وهو الميل عن الحق اتباعا للهوى .
وإنما فسرها سعد رضي الله عنه بالحرورية ; لأنه إنما سئل عنهم على الخصوص ، والله أعلم; لأنهم أول من ابتدع في دين الله ، فلا يقتضي ذلك تخصيصا .
[ ص: 88 ] وأما المسئول عنها أولا وهي آية الكهف فإن سعدا نفى أن تشمل الحرورية .
وقد جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه فسر ( الأخسرين أعمالا ) بالحرورية أيضا .
فروى عبد بن حميد عن أبي الطفيل ; قال : " قام ابن الكواء إلى علي ، فقال : يا أمير المؤمنين ! من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ؟
قال : منهم أهل حروراء " .
وهو أيضا منقول في " تفسير سفيان الثوري " .
وفي " جامع ابن وهب " : " أنه سأله عن الآية ؟ فقال له : ارق إلي أخبرك وكان على المنبر فرقي إليه درجتين ، فتناوله بعصا كانت في يده ، فجعل يضربه بها ، ثم قال له علي : أنت وأصحابك " .
وخرج عبد بن حميد أيضا عن محمد بن جبير بن مطعم ; قال : أخبرني رجل من بني أود : " أن عليا خطب الناس بالعراق وهو يسمع ، فصاح به ابن الكواء من أقصى المسجد ، فقال : يا أمير المؤمنين ! من ( الأخسرين أعمالا ) ؟ قال : أنت ، فقتل ابن الكواء يوم الخوارج " .
ونقل بعض أهل التفسير : " أن ابن الكواء سأله ؟ فقال : أنتم أهل حروراء ، وأهل الرياء ، والذين يحبطون الصنيعة بالمنة " .
فالرواية الأولى تدل على أن أهل حروراء بعض من شملته الآية .
[ ص: 89 ] ولما قال سبحانه في وصفهم : ( الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ) ; وصفهم بالضلال مع ظن الاهتداء ، دل على أنهم المبتدعون في أعمالهم عموما ، كانوا من أهل الكتاب أولا ، من حيث قال النبي : كل بدعة ضلالة وسيأتي شرح ذلك بعون الله .
فقد يجتمع التفسيران في الآية ، تفسير سعد بأنهم اليهود والنصارى ، وتفسير علي بأنهم أهل البدعة; لأنهم قد اتفقوا على الابتداع ، ولذلك فسر كفرالنصارى بأنهم تأولوا في الجنة غير ما هي عليه ، وهو التأويل بالرأي .
فاجتمعت الآيات الثلاث على ذم البدعة وأهلها ، وأشعر كلام سعد بن أبي وقاص بأن كل آية اقتضت وصفا من أوصاف المبتدعة ، فهم مقصدون بما فيها من الذم والخزي وسوء الجزاء ، إما بعموم اللفظ ، وإما بمعنى الوصف .
وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بكتاب في كتف فقال : " كفى بقوم حمقا أو قال : ضلالا أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى غير نبيهم ، أو كتاب إلى غير كتابهم " فنزلت : ( أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ) .
وخرج عبد الحميد عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من [ ص: 90 ] رغب عن سنتي فليس مني " ، ثم تلا هذه الآية : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) إلى آخر الآية .
وخرج هو وغيره عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه في قول الله : ( علمت نفس ما قدمت وأخرت ) ; قال : " ما قدمت من عمل خير أو شر ، وما أخرت من سنة يعمل بها من بعده " .
وهذا التفسير قد يحتاج إلى تفسير ، فروي عن عبد الله ; قال : " ما قدمت من خير ، وما أخرت من سنة صالحة يعمل بها من بعدها ، فإن له مثل أجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، وما أخرت من سنة سيئة ، كان عليه مثل وزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا " .
خرجه ابن مبارك وغيره .
وجاء عن سفيان بن عيينة و أبي قلابة وغيرهما أنهم قالوا : " كل صاحب بدعة أو فرية ذليل " ، واستدلوا بقول الله تعالى : ( إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين ) .
وخرج ابن وهب عن مجاهد في قول الله : ( إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم ) ; يقول : " ما قدموا من خير ، وآثارهم التي [ ص: 91 ]أورثوا الناس بعدهم من الضلالة .
وخرج أيضا عن ابن عون ، عن محمد بن سيرين أنه قال : إني أرى أسرع الناس ردة ، أصحاب الأهواء " .
قال ابن عون : " وكان ابن سيرين يرى أن هذه الآية في أصحاب الأهواء : ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ) .
وذكر الآجري عن أبي الجوزاء أنه ذكر أصحاب الأهواء فقال : " والذي نفس أبي الجوزاء بيده; لأن تمتلئ داري قردة وخنازير أحب إلي من أن يجاورني رجل منهم ، ولقد دخلوا في هذه الآية : ( ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله ) إلى قوله : ( إن الله عليم بذات الصدور ) .
والآيات المصرحة والمشيرة إلى ذمهم والنهي عن ملابسة أحوالهم كثيرة ، فلنقتصر على ما ذكرنا ، ففيه إن شاء الله الموعظة لمن اتعظ ، والشفاء لما في الصدور=========الوجه الثاني من النقل : ما جاء في الأحاديث المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
وهي كثيرة تكاد تفوت الحصر; إلا أنا نذكر منها ما تيسر مما يدل على [ ص: 92 ] الباقي ونتحرى في ذلك بحول الله ما هو أقرب إلى الصحة .
فمن ذلك ما في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه; فهو رد . وفي رواية لـ مسلم : من عمل عملا ليس عليه أمرنا; فهو رد .
وهذا الحديث عده العلماء ثلث الإسلام ، لأنه جمع وجه المخالفة لأمره عليه السلام ، ويستوي في ذلك ما كان بدعة أو معصية .
وخرج مسلم ، عن جابر بن عبد الله : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته : " أما بعد ، فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة " .
وفي رواية; قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس ، يحمد الله ، ويثني عليه بما هو أهله ، ثم يقول : من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وخير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة .
وفي رواية للنسائي : " وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة في النار " .
وذكر أن عمر رضي الله عنه كان يخطب بهذه الخطبة .
[ ص: 93 ] وعن ابن مسعود موقوفا ومرفوعا : أنه كان يقول : " إنما هما اثنتان : الكلام ، والهدى ، فأحسن الكلام كلام الله ، وأحسن الهدى هدىمحمد ، ألا وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن شر الأمور محدثاتها ، إن كل محدثة بدعة " .
وفي لفظ : " غير أنكم ستحدثون ويحدث لكم ، فكل محدثة ضلالة ، وكل ضلالة في النار " .
وكان ابن مسعود يخطب بهذا كل خميس .
وفي رواية أخرى عنه : " إنما هما اثنتان : الهدى ، والكلام ، فأفضل الكلام أو أصدق الكلام كلام الله ، وأحسن الهدى هدى محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، ألا لا يتطاولن عليكم الأمر فتقسو قلوبكم ، ولا يلهينكم الأمل ، فإن كل ما هو آت قريب ، ألا إن بعيدا ما ليس آتيا .
وفي رواية أخرى عنه : " أحسن الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدى هدى محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، و ( إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين ) .
وروى ابن ماجه مرفوعا عن ابن مسعود : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إياكم ومحدثات الأمور ، فإن شر الأمور محدثاتها ، وإن كل محدثة بدعة وإن كل بدعة ضلالة .
[ ص: 94 ] والمشهور أنه موقوف على ابن مسعود .
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من دعا إلى الهدى; كان له من الأجر مثل أجور من يتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة ، كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه ، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا .
وفي الصحيح أيضا عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : من سن سنة خير فاتبع عليها; فله أجره ، ومثل أجور من اتبعه غير منقوص من أجورهم شيئا ومن سن سنة شر فاتبع عليها; كان عليه وزره ومثل أوزار من اتبعه غير منقوص من أوزارهم شيئا .
أخرجه الترمذي .
وروى الترمذي أيضا وصححه ، وأبو داود وغيرهما عن العرباض بن سارية قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب . فقال قائل : يا رسول الله ؟ كأن هذا موعظة مودع ، فماذا تعهد إلينا ؟
فقال : " أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة ، وإن كان عبدا [ ص: 95 ] حبشيا; فإنه من يعيش منكم بعدي; فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة .
وروي على وجوه من طرق .
وفي الصحيح عن حذيفة : أنه قال : يا رسول الله ! هل بعد هذا الخير شر ؟ قال : " نعم; قوم يستنون بغير سنتي ، ويهتدون بغير هديي " .
قال : فقلت : هل بعد ذلك الشر من شر ؟
قال : " نعم دعاة على نار جهنم ، من أجابهم ، قذفوه فيها " .
قلت : يا رسول الله ، صفهم لنا .
قال : " نعم; هم من جلدتنا ، ويتكلمون بألسنتنا " .
قلت : فما تأمرني إن أدركت ذلك ؟
قال : " تلزم جماعة المسلمين وإمامهم " .
قلت : فإن لم يكن إمام ولا جماعة ؟
قال : " فاعتزل تلك الفرق كلها ، ولو أن تعض بأصل شجرة ، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك " .
وخرجه البخاري على نحو آخر .
[ ص: 96 ] وفي حديث الصحيفة : المدينة حرم ما بين عير إلى ثور ، من أحدث فيها حدثا ، أو آوى محدثا; فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ،لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا " .
وهذا الحديث في سياق العموم ، فيشمل كل حدث أحدث فيها مما ينافي الشرع ، والبدع من أقبح الحدث ، وقد استدل به مالك في مسألة تأتي في موضعها بحول الله ، وهو وإن كان مختصا بالمدينة ; فغيرها أيضا يدخل في المعنى .
وفي الموطأ من حديث أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة : فقال : " السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " الحديث إلى أن قال فيه فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال ، أناديهم ألا هلم ، ألا هلم ، فيقال : إنهم قد بدلوا بعدك . فأقول : فسحقا فسحقا فسحقا .
حمله جماعة من العلماء على أنهم أهل البدع ، وحمله آخرون على المرتدين عن الإسلام .
[ ص: 97 ] والذي يدل على الأول ما خرجه خيثمة بن سليمان عن يزيد الرقاشي ; قال : سألت أنس بن مالك ، فقلت : إن هاهنا قوما يشهدون علينا بالكفر والشرك ، ويكذبون بالحوض والشفاعة ، فهل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئا ؟ قال : نعم; سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : بين العبد والكفر أو الشرك ترك الصلاة ، فإذا تركها فقد أشرك ، وحوضي كما بين أيلة إلى مكة ، أباريقه كنجوم السماء أو قال : كعدد نجوم السماء ، له ميزابان من الجنة ، كلما نضب أمداه ، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا ، وسيرده أقوام ذابلة شفاههم ، فلا يطعمون منه قطرة واحدة . من كذب به اليوم ، لم يصب منه الشراب يومئذ .
فهذا الحديث على أنهم من أهل القبلة ، فنسبتهم أهل الإسلام إلى الكفر من أوصاف الخوارج ، والتكذيب بالحوض من أوصاف أهل الاعتزال وغيرهم .
مع ما في حديث " الموطأ " من قول النبي صلى الله عليه وسلم : ألا هلم لأنه عرفهم بالغرة والتحجيل الذي جعله من خصائص أمته ، وإلا; فلو لم يكونوا من الأمة; لم يعرفهم بالعلامة المذكورة .
[ ص: 98 ] وصح من حديث ابن عباس رضي الله عنه ، قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموعظة ، فقال : " إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا ، كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ) .
قال : أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ، وإنه يستدعى برجال من أمتي ، فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول كما قال العبد الصالح : ( وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) ، فيقال : هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم " .
ويحتمل هذا الحديث أن يراد به أهل البدع ، كحديث " الموطأ " ، ويحتمل أن يراد به من ارتد بعد النبي صلى الله عليه وسلم .
وفي الترمذي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة .
حسن صحيح ، وفي الحديث روايات أخر ، سيأتي ذكرها والكلام عليها إن شاء الله . ولكن الفرق فيها عند أكثر العلماء فرق أهل البدع .
وفي الصحيح : أنه صلى الله عليه وسلم قال : إن الله لا يقبض العلم انتزاعا [ ص: 99 ] ينتزعه من الناس ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا ، فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا .
وهو آت على وجوه كثيرة في البخاري وغيره .
وفي مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : من سره أن يلقى الله غدا مسلما; فليحافظ على هؤلاء الصلوات ، حيث ينادى بهن ، فإن الله عز وجل شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى ، وإنهن من سنن الهدى ، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته; لتركتم سنة نبيكم ، ولو تركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم لضللتم الحديث .
فتأملوا كيف جعل ترك السنة ضلالة !
وفي رواية : لو تركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ، لكفرتم ، وهو أشد في التحذير .
وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
إني تارك فيكم ثقلين ، أولهما كتاب الله ، فيه الهدى والنور وفي رواية : فيه الهدى من استمسك به وأخذ به; كان على الهدى ، ومن أخطأه; ضل وفي رواية : من اتبعه كان على الهدى ، ومن تركه كان على ضلالة .
ومما جاء في هذا الباب أيضا ما خرج ابن وضاح ونحوه لابن وهب [ ص: 100 ] عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم; قال : سيكون في أمتي دجالون كذابون ، يأتونكم ببدع من الحديث ، لم تسمعوه أنتم ولا آباؤكم ، فإياكم إياهم لا يفتنونكم .
وفي الترمذي أنه عليه الصلاة والسلام قال : من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي ، فإن له من الأجر مثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله ، كان عليه مثل وزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا ، حديث حسن .
ولابن وضاح وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها : من أتى صاحب بدعة ليوقره فقد أعان على هدم الإسلام .
وعن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن أحببت أن لا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة ، فلا تحدث في دين الله حدثا برأيك .
وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : من اقتدى بي ، فهو مني ، [ ص: 101 ] ومن رغب عن سنتي; فليس مني .
وخرج الطحاوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ستة ألعنهم لعنهم الله وكل نبي مجاب : الزائد في دين الله ، والمكذب بقدر الله ، والمتسلط بالجبروت يذل به من أعز الله ويعز به من أذل الله ، والتارك لسنتي ، والمستحل لحرم الله ، والمستحل من عترتي ما حرم الله .
وفي رواية أبي بكر بن ثابت الخطيب : ستة لعنهم الله ولعنتهم ، وفيه : والراغب عن سنتي إلى بدع .
وفي الطحاوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن لكل عابد شرة ، ولكل شرة فترة ، فإما إلى سنة وإما إلى بدعة ، فمن كانت فترته إلى سنتي ، فقد اهتدى ، ومن كانت فترته إلى غير ذلك ، فقد هلك .
[ ص: 102 ] وفي معجم البغوي عن مجاهد ، قال : دخلت أنا وأبو يحيى بن جعدة على رجل من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم; قال : ذكروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مولاة لبني عبد المطلب ، فقالوا : إنها قامت الليل وصامت النهار ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لكني أنام وأصلي ، وأصوم وأفطر ، فمن اقتدى بي فهو مني ، ومن رغب عن سنتي ، فليس مني ، إن لكل عامل شرة ثم فترة ، فمن كانت فترته إلى بدعة ، فقد ضل ، ومن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى .
وعن أبي وائل ، عن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن أشد الناس عذابا يوم القيامة : رجل قتل نبيا أو قتله نبي ، وإمام ضلالة وممثل من [ ص: 103 ] الممثلين .
وفي " منتقى حديث خيثمة " عن سليمان ، عن عبد الله : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سيكون من بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها ، فيحدثون البدعة ، قال عبد الله بن مسعود : فكيف أصنع إذا أدركتهم ؟ قال : تسألني يا ابن أم عبد الله كيف تصنع ؟ لا طاعة لمن عصى الله .
وفي الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أكل طيبا ، وعمل في سنة ، وأمن الناس بوائقه ، دخل الجنة ، فقال رجل : يا رسول الله ! إن هذا اليوم في الناس لكثير ، قال : وسيكون في قرون بعدي ، حديث غريب .
وفي كتاب الطحاوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول [ ص: 104 ] الله صلى الله عليه وسلم قال : كيف بكم وبزمان أو قال : يوشك أن يأتي زمان يغربل الناس فيه غربلة ، وتبقى حثالة من الناس ، قد مرجت عهودهم وأماناتهم ، اختلفوا فصارت هكذا وشبك بين أصابعه قالوا : وكيف بنا يا رسول الله ؟ قال : تأخذون بما تعرفون ، وتذرون ما تنكرون ، وتقبلون على أمر خاصتكم ، وتذرون أمر عامتكم .
وخرج ابن وهب مرسلا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إياكم والشعاب ، قالوا : وما الشعاب يا رسول الله ؟ قال : الأهواء .
وخرج أيضا : إن الله ليدخل العبد الجنة بالسنة يتمسك بها .
وفي كتاب السنة للآجري من طريق الوليد بن مسلم عن معاذ بن جبل ; قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا حدث في أمتي البدع ، وشتم أصحابي ، فليظهر العالم علمه ، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .
قال عبد الله بن الحسن : فقلت للوليد بن مسلم : ما إظهار العلم ؟
[ ص: 105 ] قال : إظهار السنة . والأحاديث كثيرة .
وليعلم الموفق أن بعض ما ذكر من الأحاديث يقصر عن رتبة الصحيح ، وإنما أتي بها عملا بما أصله المحدثون في أحاديث الترغيب والترهيب ، وإذ قد ثبت ذم البدع وأهلها بالدليل القاطع القرآني والدليل السني الصحيح ، فما زيد من غيره ، فلا حرج في الإتيان به إن شاء الله=====الوجه الثالث من النقل ما جاء عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم في ذم البدع وأهلها :
وهو كثير .
فما جاء عن الصحابة :
ما صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أنه خطب الناس ، فقال : " أيها الناس ! قد سنت لكم السنن ، وفرضت لكم الفرائض ، وتركتم على الواضحة ، إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا " .
وصفق بإحدى يديه على الأخرى ، ثم قال : " إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم ، أن يقول قائل : لا نجد حدين في كتاب الله ، فقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا " إلى آخر الحديث .
وفي الصحيح عن حذيفة رضي الله عنه : أنه قال : " يا معشر [ ص: 106 ] القراء ! استقيموا; فقد سبقتم سبقا بعيدا ، ولئن أخذتم يمينا وشمالا ، لقد ضللتم ضلالا بعيدا .
وروي عنه من طريق آخر : أنه كان يدخل المسجد ، فيقف على الحلق ، فيقول : " يا معشر القراء ! اسلكوا الطريق ، فلئن سلكتموها; لقد سبقتم سبقا بعيدا ، ولئن أخذتم يمينا وشمالا ، لقد ضللتم ضلالا بعيدا " .
وفي رواية ابن المبارك : فوالله لئن استقمتم; لقد سبقتم سبقا بعيدا . الحديث
وعنه أيضا : " أخوف ما أخاف على الناس اثنتان : أن يؤثروا ما يرون على ما يعملون ، وأن يضلوا وهم لا يشعرون " . قال سفيان : وهو صاحب البدعة .
وعنه أيضا : أنه أخذ حجرين ، فوضع أحدهما على الآخر ، ثم قال لأصحابه : " هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور " ؟ قالوا : يا أبا عبد الله ، ما نرى بينهما من النور إلا قليلا .
قال : " والذي نفسي بيده; لتظهرن البدع حتى لا يرى من الحق إلا قدر ما بين هذين الحجرين من النور ، والله لتفشون البدع حتى إذا ترك منها شيء; قالوا : تركت السنة " .
وعنه أنه قال : " أول ما تفقدون من دينكم الأمانة ، وآخر ما تفقدون الصلاة ، ولتنقضن عرى الإسلام عروة عروة ، وليصلين نساؤكم وهن حيض ، ولتسلكن طريق من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ، وحذو النعل بالنعل ، لا تخطئون طريقهم ، ولا تخطئ بكم ، وحتى تبقى فرقتان من [ ص: 107 ] فرق كثيرة تقول إحداهما : ما بال الصلوات الخمس ؟ ، لقد ضل من كان قبلنا إنما قال الله : ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ) ، لا تصلون إلا ثلاثا . وتقول الأخرى : إنما المؤمنون بالله كإيمان الملائكة ، ما فيها كافر ولا منافق . حق على الله أن يحشرهما مع الدجال .
وهذا المعنى موافق لما ثبت من حديث أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه قال : لألفين أحدكم متكئا على أريكته ، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه ، فيقول : لا أدري ، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ; فإن السنة جاءت مفسرة للكتاب ، فمن أخذ بالكتاب من غير معرفة بالسنة ; زل عن الكتاب كما زل عن السنة ، فلذلك يقول القائل : " لقد ضل من كان قبلنا " إلى آخره .
وهذه الآثار عن حذيفة من تخريج ابن وضاح .
وخرج أيضا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : " اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا; فقد كفيتم " .
وخرج عنه ابن وهب أيضا : أنه قال : " عليكم بالعلم قبل أن يقبض ، وقبضه بذهاب أهله . عليكم بالعلم; فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إلى ما عنده . وستجدون أقواما يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم ، فعليكم بالعلم ، وإياكم والتبدع والتنطع والتعمق ، [ ص: 108 ]وعليكم بالعتيق " .
وعنه أيضا : " ليس عام إلا والذي بعده شر منه ، لا أقول : عام أمطر من عام ، ولا عام أخصب من عام ، ولا أمير خير من أمير ، ولكن ذهاب علمائكم وخياركم ، ثم يحدث قوم يقيسون الأمور بآرائهم ، فيهدم الإسلام ويثلم .
وقال أيضا : " كيف أنتم إذا ألبستم فتنة ، يهرم فيها الكبير ، وينشأ فيها الصغير ، تجري على الناس ، يحدثونها سنة ، وإذا غيرت ، قيل : هذا منكر ؟ ! .
وقال أيضا : " أيها الناس ! لا تبتدعوا ، ولا تنطعوا ، ولا تعمقوا ، وعليكم بالعتيق ، خذوا ما تعرفون ، ودعوا ما تنكرون " .
وعنه أيضا : " القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة " .
وقد روي معناه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم : عمل قليل في سنة خير من عمل كثير في بدعة .
وعنه أيضا خرجه قاسم بن أصبغ أنه قال : أشد الناس عذابا يوم القيامة : إمام ضال يضل الناس بغير ما أنزل الله ، ومصور ، ورجل قتل نبيا أو قتله نبي .
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه; قال : " لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به ، إني أخشى إن تركت شيئا من أمره [ ص: 109 ] أن أزيغ " .
خرج ابن المبارك عن ابن عمر ; قال : " بلغ عمر بن الخطاب أن يزيد بن أبي سفيان يأكل ألوان الطعام ، فقال عمر لمولى له يقال له يرفأ : إذا علمت أنه قد حضر عشاؤه فأعلمني ، فلما حضر عشاؤه ، أعلمه ، فأتاه عمر ، فسلم عليه ، فاستأذن فأذن له فدخل ، فقرب عشاءه فجاء بثريد لحم ، فأكلعمر معه منها ، ثم قرب شواء ، فبسط يزيد يده ، وكف عمر يده ثم قال : والله يا يزيد بن أبي سفيان ، أطعام بعد طعام ؟ ! والذي نفس عمر بيده ، لئن خالفتم عن سنتهم ، ليخالفن بكم عن طريقهم .
وعن ابن عمر قال : " صلاة السفر ركعتان ، من خالف السنة كفر " .
وخرج الآجري عن السائب بن يزيد; قال : " أتى عمر بن الخطاب [ رجال ] ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ! إنا لقينا رجلا يسأل عن تأويل القرآن ، فقال : اللهم أمكني منه " .
قال : " فبينما عمر ذات يوم يغدي الناس; إذ جاءه عليه ثياب وعمامة ، فتغدى ، حتى إذا فرغ قال : يا أمير المؤمنين ( والذاريات ذروا فالحاملات وقرا ) فقال عمر : أنت هو ؟ فقام إليه محسرا عن ذراعيه فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته ، فقال : والذي نفسي بيده; لو وجدتك محلوقا; لضربت رأسك .
ألبسوه ثيابه ، واحملوه على قتب ، ثم أخرجوه حتى تقدموا به بلاده ، [ ص: 110 ] ثم ليقم خطيبا ثم ليقل : إن صبيغا طلب العلم ، فأخطأ فلم يزل وضيعا في قومه حتى هلك ، وكان سيد قومه .
وخرج ابن المبارك وغيره عن أبي بن كعب : أنه قال : " عليكم بالسبيل والسنة ، فإنه ما على الأرض من عبد على السبيل والسنة ذكر الله ، ففاضت عيناه من خشية الله فيعذبه الله أبدا . وما على الأرض من عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه ، فاقشعر جلده من خشية الله ، إلا كان مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها ، فهي كذلك إذا أصابتها ريح شديدة ، فتحات عنها ورقها; إلا حط الله عنه خطاياه كما تحات عن الشجرة ورقها ، فإن اقتصادا في سبيل الله وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة ، وانظروا أن يكون عملكم إن كان اجتهادا واقتصادا أن يكون على منهاج الأنبياء وسنتهم .
وخرج ابن وضاح عن ابن عباس ; قال : " ما يأتي على الناس من عام; إلا أحدثوا فيه بدعة ، وأماتوا سنة ، حتى تحيا البدع ، وتموت السنن " .
وعنه أنه قال : " عليكم بالاستفاضة والأثر ، وإياكم والبدع " .
وخرج ابن وهب عنه أيضا; قال : " من أحدث رأيا ليس في كتاب الله ، ولم تمض به سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم; لم يدر ما هو عليه إذا لقي الله عز وجل .
وخرج أبو داود وغيره عن معاذ بن جبل رضي الله عنه : أنه قال [ ص: 111 ] يوما : " إن من ورائكم فتنا ، يكثر فيها المال ، ويفتح فيها القرآن ، حتى يأخذه المؤمن والمنافق ، والرجل والمرأة ، والصغير والكبير ، والعبد والحر ، فيوشك قائل أن يقول : ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن ؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره ، وإياكم وما ابتدع ، فإن ما ابتدع ضلالة ، وأحذركم زيغة الحكيم ، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم ، وقد يقول المنافق كلمة الحق .
قال الراوي : قلت لمعاذ : وما يدريني يرحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة ضلالة ، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق ؟
قال : " بلى ! اجتنب من كلام الحكيم ( غير ) المشتهرات التي يقال فيها : ما هذه ؟ ولا يثنينك ذلك عنه ، فإنه لعله أن يراجع ، وتلق الحق إذا سمعته ، فإن على الحق نورا " .
وفي رواية مكان ( المشتهرات ) : المشتبهات ، وفسر بأنه ما تشابه عليك من قول ، حتى يقال : ما أراد بهذه الكلمة ؟
ويريد والله أعلم ما لم يشتمل ظاهره على مقتضى السنة ، حتى تنكره القلوب ، ويقول الناس : ما هذه ؟ وذلك راجع إلى ما يحذر من زلة العالم حسبما يأتي بحول الله .
ومما جاء عمن بعد الصحابة رضي الله عنهم :
ما ذكر ابن وضاح عن الحسن ; قال : صاحب البدعة لا يزداد اجتهادا - صياما وصلاة - إلا ازداد من الله بعدا .
[ ص: 112 ] وخرج ابن وهب عن أبي إدريس الخولاني : أنه قال : " لأن أرى في المسجد نارا لا أستطيع إطفاءها ، أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها " .
وعن الفضيل بن عياض : " اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين ، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين " .
وعن الحسن : " لا تجالس صاحب هوى فيقذف في قلبك ما تتبعه عليه فتهلك ، أو تخالفه فيمرض قلبك " .
وعنه أيضا في قول الله تعالى : ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ) ; قال : " كتب الله صيام رمضان على أهل الإسلام كما كتبه على من كان قبلهم ، فأما اليهود; فرفضوه ، وأما النصارى; فشق عليهم الصوم ، فزادوا فيه عشرا ، وأخروه إلى أخف ما يكون عليهم فيه الصوم من الأزمنة " .
فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث; قال : " عمل قليل في سنة خير من عمل كثير في بدعة " .
وعن أبي قلابة : " لا تجالسوا أهل الأهواء ، ولا تجادلوهم; فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم ، ويلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون " .
قال أيوب : " وكان والله من الفقهاء ذوي الألباب " .
وعنه أيضا : أنه كان يقول : " إن أهل الأهواء أهل ضلالة ، ولا أرى مصيرهم إلا إلى النار " .
[ ص: 113 ] وعن الحسن : " لا تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك " .
وعن أيوب السختياني أنه كان يقول : " ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا ، إلا ازداد من الله بعدا " .
وعن أبي قلابة : " ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف " .
وكان أيوب يسمي أصحاب البدع خوارج ، ويقول : " إن الخوارج اختلفوا في الاسم ، واجتمعوا على السيف " .
وخرج ابن وهب عن سفيان ، قال : " كان رجل فقيه يقول : ما أحب أني هديت الناس كلهم وأضللت رجلا واحدا " .
وخرج عنه أنه كان يقول : " لا يستقيم قول إلا بعمل ، ولا قول وعمل إلا بنية ، ولا قول ولا عمل ولا نية ، إلا موافقا للسنة " .
وذكر الآجري أن ابن سيرين كان يرى أسرع الناس ردة أهل الأهواء .
وعن إبراهيم : " ولا تكلموهم إني أخاف أن ترتد قلوبكم " .
وعن هشام بن حسان قال : " لا يقبل الله من صاحب بدعة صياما ولا صلاة ولا حجا ولا جهادا ولا عمرة ولا صدقة ولا عتقا ولا صرفا ولا عدلا " .
زاد ابن وهب عنه : " وليأتين على الناس زمان يشتبه فيه الحق والباطل ، فإذا كان ذلك; لم ينفع فيه دعاء إلا كدعاء الغرق " .
وعن يحيى بن أبي كثير ; قال : " إذا لقيت صاحب بدعة [ ص: 114 ] في طريق; فخذ في طريق آخر .
وعن بعض السلف : " من جالس صاحب بدعة ، نزعت منه العصمة ، ووكل إلى نفسه .
وعن العوام بن حوشب : أنه كان يقول لابنه : " يا عيسى ، أصلح قلبك وأقلل مالك " .
وكان يقول : " والله لأن أرى عيسى في مجالس أصحاب البرابط والأشربة والباطل أحب إلي من أن أراه يجالس أصحاب الخصومات " .
قال ابن وضاح : " يعني : أهل البدع " .
وقال رجال لـ أبي بكر بن عياش : يا أبا بكر ، من السني ؟ [ قال ] : " الذي إذا ذكرت الأهواء لم يغضب لشيء منها " .
وقال يونس بن عبيد : " إن الذي تعرض عليه السنة فيقبلها الغريب ، وأغرب منه صاحبها " .
وعن يحيى بن أبي عمر الشيباني ; قال : " كان يقال : يأبى الله لصاحب بدعة بتوبة ، وما انتقل صاحب بدعة إلا إلى شر منها " .
وعن أبي العالية : " تعلموا الإسلام ، فإذا تعلمتموه; فلا ترغبوا عنه ، وعليكم بالصراط المستقيم; فإنه الإسلام ، ولا تحرفوا يمينا ولا شمالا ، وعليكم بسنة نبيكم وما كان عليه أصحابه من قبل أن يقتلوا صاحبهم ومن قبل أن يفعلوا الذي فعلوا ، قد قرأنا القرآن من قبل أن يقتلوا [ ص: 115 ] صاحبهم ومن قبل أن يفعلوا الذي فعلوا ، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء " .
فحدث الحسن بذلك فقال : " رحمه الله ، صدق ونصح " .
خرجه ابن وضاح وغيره .
وكان مالك كثيرا ما ينشد :
وخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائعوعن مقاتل بن حيان ؛ قال : " أهل هذه الأهواء آفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، إنهم يذكرون النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته ، فيتصيدون بهذا الذكر الحسن عند الجهال من الناس ، فيقذفون بهم في المهالك ، فما أشبههم بمن يسقي الصبر باسم العسل ، ومن يسقي السم القاتل باسم الترياق ، فأبصرهم; فإنك إن لا تكن أصبحت في بحر الماء ، فقد أصبحت في بحر الأهواء الذي هو أعمق غورا ، وأشد اضطرابا ، وأكثر صواعق ، وأبعد مذهبا من البحر وما فيه ، فتلك مطيتك التي تقطع بها سفر الضلال ، اتباع السنة " .
وعن ابن المبارك قال : " اعلم أي أخي أن الموت كرامة لكل مسلم لقي الله على السنة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، فإلى الله نشكو وحشتنا ، وذهاب الإخوان ، وقلة الأعوان ، وظهور البدع . وإلى الله نشكو [ ص: 116 ] عظيم ما حل بهذه الأمة من ذهاب العلماء وأهل السنة وظهور البدع " .
وكان إبراهيم التيمي يقول : " اللهم اعصمني بدينك وبسنة نبيك ، من الاختلاف في الحق ، ومن اتباع الهوى ، ومن سبل الضلالة ، ومن شبهات الأمور ، ومن الزيغ والخصومات " .
وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله : كان يكتب في كتبه : " إني أحذركم ما مالت إليه الأهواء والزيغ البعيدة " .
ولما بايعه الناس; صعد على المنبر ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : " أيها الناس ! إنه ليس بعد نبيكم نبي ، ولا بعد كتابكم كتاب ، ولا بعد سنتكم سنة ، ولا بعد أمتكم أمة ، ألا وإن الحلال ما أحل الله في كتابه على لسان نبيه حلال إلى يوم القيامة ، ألا وإن الحرام ما حرم الله في كتابه على لسان نبيه حرام إلى يوم القيامة ، ألا وإني لست بمبتدع ولكني متبع ، ألا وإني لست بقاض ولكني منفذ ، ألا وإني لست بخازن ولكني أضع حيث أمرت ، ألا وإني لست بخيركم ولكني أثقلكم حملا . ألا ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " . ثم نزل .
وفيه قال عروة بن أذينة عن أذينة يرثيه بها :
وأحييت في الإسلام علما وسنة ولم تبتدع حكما من الحكم أضجعا ففي كل يوم كنت تهدم بدعة وتبني لنا من سنة ما تهدما
ومن كلامه الذي عني به ويحفظه العلماء وكان يعجب مالكا جدا ، [ ص: 117 ] وهو أن قال : " سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا ، الأخذ بها تصديق لكتاب الله ، واستكمال لطاعة الله ، وقوة على دين الله ، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفه ، من عمل بها مهتد ، ومن انتصر بها منصور ، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين ، وولاه الله ما تولى ، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا " .
وبحق ما كان يعجبهم; فإنه كلام مختصر ، جمع أصولا حسنة من السنة :
منها ما نحن فيه; لأن قوله : " ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها " ، قطع لمادة الابتداع جملة .
وقوله : " من عمل بها مهتد إلى آخر الكلام مدح لمتبع السنة ، وذم لمن خالفها بالدليل الدال على ذلك ، وهو قول الله سبحانه وتعالى : ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ) .
ومنها ما سنه ولاة الأمر من بعد النبي صلى الله عليه وسلم; فهو سنة; لا بدعة فيه ألبتة ، وإن لم يعلم في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم نص عليه على الخصوص ، فقد جاء ما يدل عليه في الجملة ، وذلك نص حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه حيث قال فيه :
فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، تمسكوا بها ، [ ص: 118 ] وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور .
فقرن عليه السلام كما ترى سنة الخلفاء الراشدين بسنته ، وإن من اتباع سنته اتباع سنتهم ، وإن المحدثات خلاف ذلك ، ليست منها في شيء ، لأنهم رضي الله عنهم فيما سنوه : إما متبعون لسنة نبيهم عليه السلام نفسها ، وإما متبعون لما فهموا من سنته صلى الله عليه وسلم في الجملة والتفصيل على وجه يخفى على غيرهم مثله ، لا زائد على ذلك .
وسيأتي بيانه بحول الله .
على أن أبا عبد الله الحاكم نقل عن يحيى بن آدم قول السلف الصالح : " سنة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما " ، أن المعنى فيه : " أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم مات وهو على تلك السنة ، وأنه لا يحتاج مع قول النبي صلى الله عليه وسلم إلى قول أحد " .
وما قال صحيح في نفسه ، فهو مما يحتمله حديث العرباض رضي الله عنه ، فلا زائد إذا على ما ثبت في السنة النبوية; إلا أنه قد يخاف أن تكون منسوخة بسنة أخرى ، فافتقر العلماء إلى النظر في عمل الخلفاء بعده ، ليعلموا أن ذلك هو الذي مات عليه النبي صلى الله عليه وسلم; من غير أن يكون له ناسخ ، لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمره .
وعلى هذا المعنى بنى مالك بن أنس في احتجاجه بالعمل ، ورجوعه إليه عند تعارض السنن .
[ ص: 119 ] ومن الأصول المضمنة في أثر عمر بن عبد العزيز : أن سنة ولاة الأمر وعملهم تفسير لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، لقوله : " الأخذ بها تصديق لكتاب الله ، واستكمال لطاعة الله ، وقوة على دين الله " .
وهو أصل مقرر في غير هذا الموضع ، فقد جمع كلام عمر بن عبد العزيز رحمه الله أصولا حسنة وفوائد مهمة .
ومما يعزى لـ أبي إلياس الألباني : " ثلاث لو كتبن في ظفر; لوسعهن ، وفيهن خير الدنيا والآخرة : اتبع لا تبتدع ، اتضع لا ترتفع ، ومن ورع لا يتسع " . والآثار هنا كثيرة =============لوجه الرابع من النقل ما جاء في ذم البدع وأهلها عن الصوفية المشهورين عند الناس :
وإنما خصصنا هذا الموضع بالذكر ، وإن كان فيما تقدم من النقل كفاية ، لأن كثيرا من الجهال يعتقدون فيهم أنهم متساهلون في الاتباع ، وأن اختراع العبادات والتزام ما لم يأت في الشرع التزامه مما يقولون به ويعملون عليه ، وحاشاهم من ذلك أن يعتقدوه أو يقولوا به ، فأول شيء بنوا عليه طريقتهم : اتباع السنة ، واجتناب ما خالفها ، حتى زعم مذكرهم ، وحافظ مأخذهم ، وعمود نحلتهم ، ( أبو القاسم القشيري ) أنهم إنما اختصوا باسم التصوف انفرادا به عن أهل البدع ، فذكر أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتسم أفاضلهم في [ ص: 120 ] عصرهم باسم علم سوى الصحبة ، إذ لا فضيلة فوقها ، ثم سمي من يليهم التابعين ، ورأوا هذا الاسم أشرف الأسماء ، ثم قيل لمن بعدهم أتباع التابعين ، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب ، فقيل لخواص الناس ممن له شدة عناية من الدين : الزهاد والعباد .
قال : ثم ظهرت البدع ، وادعى كل فريق أن فيهم زهادا وعبادا ، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله الحافظون قلوبهم عن الغفلة باسم التصوف .
هذا معنى كلامه ، فقد عد هذا اللقب مخصوصا باتباع السنة ومباينة البدعة ، وفي ذلك ما يدل على خلاف ما يعتقده الجهال ومن لا عبرة به من المدعين للعلم .
وفي غرضي إن فسح الله في المدة ، وأعانني بفضله ، ويسر لي الأسباب أن ألخص في طريقة القوم أنموذجا يستدل به على صحتها وجريانها على الطريقة المثلى ، وأنه إنما داخلتها المفاسد وتطرقت إليها البدع من جهة قوم تأخرت أزمانهم عن عهد ذلك السلف الصالح ، وادعوا الدخول فيها من غير سلوك شرعي ، ولا فهم لمقاصد أهلها ، وتقولوا عليهم ما لم يقولوا به ، حتى صارت في هذا الزمان الأخير كأنها شريعة أخرى غير ما أتى بهامحمد صلى الله عليه وسلم .
[ ص: 121 ] وأعظم من ذلك أنهم يتساهلون في اتباع السنة ، ويرون اختراع العبادات طريقا للتعبد صحيحا ، وطريقة القوم بريئة من هذا الخباط بحمد الله .
فقد قال الفضيل بن عياض : " من جلس مع صاحب بدعة ، لم يعط الحكمة " .
وقيل لـ إبراهيم بن أدهم : إن الله يقول في كتابه : ( ادعوني أستجب لكم ) ، ونحن ندعوه منذ دهر فلا يستجيب لنا ! فقال : ماتت قلوبكم في عشرة أشياء : أولها : عرفتم الله فلم تؤدوا حقه ، والثاني : قرأتم كتاب الله ولم تعملوا به ، والثالث : ادعيتم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركتم سنته ، والرابع : ادعيتم عداوة الشيطان ووافقتموه ، والخامس : قلتم نحب الجنة وما تعملون لها . إلى آخر الحكاية .
وقال ذو النون المصري : " من علامة حب الله متابعة حبيب الله صلى الله عليه وسلم في أخلاقه وأفعاله وأمره وسنته " .
وقال : " إنما دخل الفساد على الخلق من ستة أشياء ، الأول : ضعف النية بعمل الآخرة ، والثاني : صارت أبدانهم مهيئة لشهواتهم ، والثالث : غلبهم طول الأمل مع قصر الأجل ، والرابع : آثروا رضاء المخلوقين على رضاء الله ، والخامس : اتبعوا أهواءهم ونبذوا سنة نبيهم [ ص: 122 ] صلى الله عليه وسلم ، والسادس : جعلوا زلات السلف حجة لأنفسهم ودفنوا أكثر مناقبهم .
وقال لرجل أوصاه : " ليكن آثر الأشياء عندك وأحبها إليك : إحكام ما افترض الله عليك ، واتقاء ما نهاك عنه ، فإن ما تعبد الله به خير لك مما تختاره لنفسك من أعمال البر التي [ لا ] تجب عليك ، وأنت ترى أنها أبلغ لك فيما تريد ، كالذي يؤدب نفسه بالفقر والتقلل وما أشبه ذلك ، وإنما للعبد أن يراعي أبدا ما وجب عليه من فرض يحكمه على تمام حدوده ، وينظر إلى ما نهي عنه فيتقيه على إحكام ما ينبغي ، فإن الذي قطع العباد عن ربهم ، وقطعهم عن أن يذوقوا حلاوة الإيمان ، وأن يبلغوا حقائق الصدق ، وحجب قلوبهم عن النظر إلى الآخرة : تهاونهم بأحكام ما فرض عليهم في قلوبهم ، وأسماعهم ، وأبصارهم ، وألسنتهم ، وأيديهم ، وأرجلهم ، وبطونهم وفروجهم ، ولو وقفوا على هذه الأشياء وأحكموها; لأدخل عليهم البر إدخالا تعجز أبدانهم وقلوبهم عن حمل ما رزقهم الله من حسن معونته وفوائد كرامته ، ولكن أكثر القراء والنساك حقروا محقرات الذنوب ، واستهانوا بالقليل مما هم فيه من العيوب ، فحرموا ثواب لذة الصادقين في العاجل " .
وقال بشر الحافي : " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، فقال لي : يا بشر ! تدري لم رفعك الله بين أقرانك ؟ قلت : لا يا رسول الله ، قال : لاتباعك سنتي ، وحرمتك للصالحين ، ونصيحتك لإخوانك ، ومحبتك لأصحابي وأهل بيتي ؛ هو الذي بلغك منازل الأبرار " .
وقال يحيى بن معاذ الرازي : " اختلاف الناس كلهم يرجع إلى ثلاثة أصول ، فلكل واحد منها ضد ، فمن سقط عنه ، وقع في ضده : التوحيد [ ص:123 ] وضده الشرك ، والسنة وضدها البدعة ، والطاعة وضدها المعصية " .
وقال أبو بكر الدقاق وكان من أقران الجنيد : " كنت مارا في تيه بني إسرائيل ، فخطر ببالي أن علم الحقيقة مباين لعلم الشريعة ، فهتف بي هاتف : كل حقيقة لا تتبعها الشريعة فهي كفر " .
وقال أبو علي الحسن بن علي الجوزجاني : " من علامات السعادة على العبد : تيسير الطاعة عليه ، وموافقة السنة في أفعاله ، وصحبته لأهل الصلاح ، وحسن أخلاقه مع الإخوان ، وبذل معروفه للخلق واهتمامه للمسلمين ، ومراعاته لأوقاته " .
وسئل كيف الطريق إلى الله ؟ فقال : " الطرق إلى الله كثيرة ، وأوضح الطرق وأبعدها عن الشبه : اتباع السنة قولا وفعلا وعزما وعقدا ونية ، لأن الله يقول : ( وإن تطيعوه تهتدوا ) .
فقيل له : كيف الطريق إلى السنة ؟ فقال : " مجانبة البدع ، واتباع ما أجمع عليه الصدر الأول من علماء الإسلام ، والتباعد عن مجالس الكلام وأهله ، ولزوم طريقة الاقتداء ، وبذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم ) .
وقال أبو بكر الترمذي : " لم يجد أحد تمام الهمة بأوصافها إلا أهل المحبة ، وإنما أخذوا ذلك باتباع السنة ومجانبة البدعة ، فإن محمدا صلى الله عليه وسلم كان أعلى الخلق كلهم همة ، وأقربهم زلفى " .
[ ص: 124 ] وقال أبو الحسن الوراق : " لا يصل العبد إلى الله إلا بالله ، وبموافقة حبيبه صلى الله عليه وسلم في شرائعه ، ومن جعل الطريق إلى الوصول في غير الاقتداء ، يضل من حيث أنه مهتد " .
وقال : " الصدق : استقامة الطريق في الدين ، واتباع السنة في الشرع " .
وقال : " علامة محبة الله متابعة حبيبه صلى الله عليه وسلم " .
ومثله عن إبراهيم القمار ، قال : " علامة محبة الله : إيثار طاعته ، ومتابعة نبيه " .
وقال أبو محمد بن عبد الوهاب الثقفي : " لا يقبل الله من الأعمال إلا ما كان صوابا ، ومن صوابها إلا ما كان خالصا ، ومن خالصها إلا ما وافق السنة " . وإبراهيم بن شيبان القرميسيني صحب أبا عبد الله المغربي وإبراهيم الخواص ، وكان شديدا على أهل البدع ، متمسكا بالكتاب والسنة ، لازما لطريق المشايخ والأئمة ، حتى قال فيه عبد الله بن منازل : إبراهيم بن شيبان حجة الله على الفقراء وأهل الآداب والمعاملات .
وقال أبو بكر بن سعدان - وهو من أصحاب الجنيد - وغيره : الاعتصام بالله هو الامتناع من الغفلة والمعاصي والبدع والضلالات .
وقال أبو عمر الزجاجي وهو من أصحاب الجنيد والثوري وغيرهما : " كان الناس في الجاهلية يتبعون ما تستحسنه عقولهم [ ص: 125 ] وطبائعهم ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فردهم إلى الشريعة والاتباع ، فالعقل الصحيح الذي يستحسن ما يستحسنه الشرع ، ويستقبح ما يستقبحه " .
وقيل لإسماعيل بن محمد السلمي جد أبي عبد الرحمن السلمي ، ولقي الجنيد وغيره : ما الذي لا بد للعبد منه ؟ فقال : " ملازمة العبودية على السنة ، ودوام المراقبة " .
وقال أبوعثمان المغربي التونسي : " هي الوقوف مع الحدود لا يقصر فيها ولا يتعداها ، قال الله تعالى : ( ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ) .
وقال أبو يزيد البسطامي : " عملت في المجاهدة ثلاثين سنة ، فما وجدت شيئا أشد من العلم ومتابعته ، ولولا اختلاف العلماء لشقيت . واختلاف العلماء رحمة إلا في تجريد التوحيد ، ومتابعة العلم هي متابعة السنة لا غيرها " .
وروي عنه أنه قال : " قم بنا ننظر إلى هذا الرجل الذي قد شهر نفسه بالولاية كان رجلا مقصودا مشهورا بالزهد " .
قال الراوي : " فمضينا ، فلما خرج من بيته ودخل المسجد; رمى ببصاقه تجاه القبلة ، فانصرف أبو يزيد ، ولم يسلم عليه ، وقال : هذا غير مأمون على أدب من آداب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكيف يكون مأمونا على ما يدعيه ؟ !
وهذا أصل أصله أبو يزيد رحمه الله للقوم ، وهو أن الولاية لا [ ص: 126 ] تحصل لتارك السنة ، وإن كان ذلك جهلا منه ، فما ظنك به إذا كان عاملا بالبدعة كفاحا ؟ !
وقال : " هممت أن أسأل الله أن يكفيني مؤنة الأكل ومؤنة النساء ، ثم قلت : كيف يجوز أن أسأل الله هذا ؟ ولم يسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أسأله ، ثم إن الله سبحانه كفاني مؤنة النساء حتى لا أبالي استقبلتني امرأة أم حائط " .
وقال : " لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء; فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي ، وحفظ الحدود وآداب الشريعة " .
وقال سهل التستري : " كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء : طاعة كان أو معصية ، فهو عيش النفس يعني : باتباع الهوى ، وكل فعل يفعله العبد بالاقتداء; فهو عتاب على النفس يعني لأنه لا هوى له فيه " .
واتباع الهوى هو المذموم ، ومقصود القوم تركه ألبتة .
وقال : " أصولنا سبعة أشياء : التمسك بكتاب الله ، والاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأكل الحلال ، وكف الأذى ، واجتناب الآثام ، والتوبة ، وأداء الحقوق " .
وقال : " قد أيس الخلق من هذه الخصال الثلاث : ملازمة التوبة ، ومتابعة السنة ، وترك أذى الخلق " .
وسئل عن الفتوة ؟ فقال : " اتباع السنة " .
وقال أبو سليمان الداراني : " ربما تقع في قلبي النكتة من نكت [ ص: 127 ] القوم أياما ، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين : الكتاب والسنة " .
وقال أحمد بن أبي الحواري : " من عمل عملا بلا اتباع سنة; فباطل عمله " .
وقال أبو حفص الحداد : " من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة ، ولم يتهم خواطره ، فلا تعده في ديوان الرجال " .
وسئل عن البدعة ؟ فقال : " التعدي في الأحكام ، والتهاون في السنن ، واتباع الآراء والأهواء ، وترك الاتباع والاقتداء " .
قال : " وما ظهرت حالة عالية; إلا من ملازمة أمر صحيح " .
وسئل حمدون القصار : متى يجوز للرجل أن يتكلم على الناس ؟ فقال : " إذا تعين عليه أداء فرض من فرائض الله في عمله ، أو خاف هلاك إنسان في بدعة يرجو أن ينجيه الله منها " .
وقال : " من نظر في سير السلف; عرف تقصيره ، وتخلفه عن درجات الرجال " .
وهذه والله أعلم إشارة إلى المثابرة على الاقتداء بهم ، فإنهم أهل السنة .
وقال أبو القاسم الجنيد لرجل ذكر المعرفة وقال : أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله فقال الجنيد : " إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال عن الله تعالى ، وإليه يرجعون فيها " .
قال : ولو بقيت ألف عام; لم أنقص من أعمال البر ذرة ، إلا أن [ ص: 128 ] يحال بي دونها " .
وقال : " الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم " .
وقال : " مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة " .
وقال : " من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث ، لا يقتدى به في هذا الأمر; لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة " .
وقال : " هذا مشيد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
وقال أبو عثمان الجبري : " الصحبة مع الله تعالى بحسن الأدب ودوام الهيبة والمراقبة ، والصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع سنته ، ولزوم ظاهر العلم ، والصحبة مع أولياء الله بالاحترام والخدمة " . إلى آخر ما قال .
ولما تغير عليه الحال ، مزق ابنه أبو بكر قميصا على نفسه ، ففتح أبو عثمان عينيه وقال : " خلاف السنة يا بني في الظاهر ، علامة رياء في الباطن " .
وقال : " من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا; نطق بالحكمة ، ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا; نطق بالبدعة; قال الله تعالى : ( وإن تطيعوه تهتدوا ) .
قال أبو الحسين النووي : " من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد العلم الشرعي ، فلا تقربن منه " .
وقال محمد بن الفضل البلخي : " ذهاب الإسلام من أربعة : لا [ ص: 129 ] يعملون بما يعلمون ، ويعملون بما لا يعلمون ، ولا يتعلمون ما لا يعلمون ، ويمنعون الناس من التعلم .
هذا ما قال ، وهو وصف صوفيتنا اليوم ، عياذا بالله .
وقال : " أعرفهم بالله أشدهم مجاهدة في أوامره ، وأتبعهم لسنة نبيه " .
وقال شاة الكرماني : " من غض بصره عن المحارم ، وأمسك نفسه عن الشبهات ، وعمر باطنه بدوام المراقبة وظاهره باتباع السنة ، وعود نفسه أكل الحلال ، لم تخطئ له فراسة " .
وقال أبو سعيد الخراز : " كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل " .
وقال أبو العباس بن عطاء وهو من أقران الجنيد : " من ألزم نفسه آداب الله; نور الله قلبه بنور المعرفة ، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب صلى الله عليه وسلم في أوامره وأفعاله وأخلاقه " .
وقال أيضا : " أعظم الغفلة : غفلة العبد عن ربه عز وجل ، وغفلته عن أوامره ، وغفلته عن آداب معاملته " .
وقال إبراهيم الخواص : " ليس العلم بكثرة الرواية ، وإنما العالم من اتبع العلم ، واستعمله ، واقتدى بالسنن ، وإن كان قليل العلم " .
وسئل عن العافية ؟ فقال : " العافية أربعة أشياء : دين بلا بدعة ، وعمل بلا آفة ، وقلب بلا شغل ، ونفس بلا شهوة " .
وقال : " الصبر : الثبات على أحكام الكتاب والسنة " .
وقال بنان الحمال وسئل عن أصل أحوال الصوفية ؟ فقال : [ ص: 130 ] " الثقة بالمضمون ، والقيام بالأوامر ، ومراعاة السر ، والتخلي عن الكونين " .
وقال أبو حمزة البغدادي : " من علم طريق الحق سهل عليه سلوكه ، ولا دليل على الطريق إلى الله إلا متابعة سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في أحواله وأفعاله وأقواله .
وقال أبو إسحاق الرقاشي : " علامة محبة الله إيثار طاعته ومتابعة نبيه " اهـ .
ودليله قوله تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) .
وقال ممشاد الدينوري : " آداب المريد في : التزام حرمات المشايخ ، وحرمة الإخوان ، والخروج عن الأسباب ، وحفظ آداب الشرع على نفسه " .
وسئل أبو علي الروذباري عمن يسمع الملاهي ويقول : هي لي حلال لأني قد وصلت إلى درجة لا يؤثر في اختلاف الأحوال . فقال : نعم ، قد وصل ، ولكن إلى سقر " .
وقال أبو محمد عبد الله بن منازل : " لم يضيع أحد فريضة من الفرائض; إلا ابتلاه الله بتضييع السنن ، ولم يبتل بتضييع السنن أحد; إلا يوشك أن يبتلى بالبدع " .
وقال أبو يعقوب النهرجوري : " أفضل الأحوال ما قارن العلم " .
وقال أبو عمرو بن نجيد : " كل حال لا يكون عن نتيجة علم; فإن [ ص: 131 ] ضرره على صاحبه أكثر من نفعه " .
وقال بندار بن الحسين : " صحبة أهل البدع تورث الإعراض عن الحق " .
وقال أبو بكر الطمستاني : " الطريق واضح ، والكتاب والسنة قائمان بين أظهرنا ، وفضل الصحابة معلوم لسبقهم إلى الهجرة ولصحبتهم ، فمن صحب منا الكتاب والسنة ، وتغرب عن نفسه والخلق ، وهاجر بقلبه إلى الله ، فهو الصادق المصيب " .
وقال أبو القاسم النصراباذي : " أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة ، وترك البدع والأهواء ، وتعظيم حرمات المشايخ ، ورؤية أعذار الخلق ، والمداومة على الأوراد ، وترك ارتكاب الرخص والتأويلات " .
وكلامهم في هذا الباب يطول ، وقد نقلنا عن جملة ممن اشتهر منهم ينيف على الأربعين شيخا ، جميعهم يشير أو يصرح بأن الابتداع ضلال والسلوك عليه تيه ، واستعماله رمي في عماية ، وأنه مناف لطلب النجاة ، وصاحبه غير محفوظ ، وموكول إلى نفسه ، ومطرود عن نيل الحكمة ، وأن الصوفية الذين نسبت إليهم الطريقة; مجمعون على تعظيم الشريعة ، مقيمون على متابعة السنة ، غير مخلين بشيء من آدابها ، أبعد الناس عن البدعوأهلها .
ولذلك لا نجد منهم من ينسب إلى فرق من الفرق الضالة ، ولا من يميل إلى خلاف السنة .
وأكثر من ذكر منهم علماء وفقهاء ومحدثون وممن يؤخذ عنه الدين [ ص: 132 ] أصولا وفروعا ، ومن لم يكن كذلك ، فلا بد من أن يكون فقيها في دينه بمقدار كفايته .
وهم كانوا أهل الحقائق والمواجد والأذواق والأحوال والأسرار التوحيدية ، فهم الحجة لنا على كل من ينتسب إلى طريقهم ولا يجري على منهاجهم ، بل يأتي ببدع محدثات ، وأهواء متبعات ، وينسبها إليهم ، تأويلا عليهم . من قول محتمل ، أو فعل من قضايا الأحوال ، أو استمساكا بمصلحة شهد الشرع بإلغائها ، أو ما أشبه ذلك .
فكثيرا ما ترى المتأخرين ممن يتشبه بهم ، يرتكب من الأعمال ما أجمع الناس على فساده شرعا ، ويحتج بحكايات هي قضايا أحوال ، إن صحت; لم يكن فيها حجة ، لوجوه عدة ، ويترك من كلامهم وأحوالهم ما هو واضح في الحق الصريح ، والاتباع الصحيح ، شأن من اتبع من الأدلة الشرعية ما تشابه منها .
ولما كان أهل التصوف في طريقهم بالنسبة إلى إجماعهم على أمر كسائر أهل العلوم في علومهم ، أتيت من كلامهم بما يقوم منه دليل على ( مدعي ) السنة وذم البدعة في طريقتهم ، حتى يكون دليلا لنا من جهتهم على أهل البدع عموما ، وعلى المدعين في طريقهم خصوصا ، وبالله التوفيق ==========الوجه الخامس من النقل ما جاء منه في ذم الرأي المذموم :
وهو المبني على غير أس ، والمستند إلى غير أصل من كتاب ولا سنة ، لكنه وجه تشريعي ، فصار نوعا من الابتداع ، بل هو الجنس فيها; فإن جميع البدع إنما هي رأي على غير أصل ، ولذلك وصف بوصف الضلال .
ففي الصحيح ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ; قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله لا ينتزع العلم من الناس بعد إذ أعطاهموه انتزاعا ، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم ، فيبقى ناس جهال ، يستفتون ، فيفتون برأيهم ، فيضلون ويضلون .
فإذا كان كذلك ، فذم الرأي عائد على البدع بالذم لا محالة .
وخرج ابن المبارك وغيره ، عن عوف بن مالك الأشجعي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة ، أعظمها فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم ، يحرمون به ما أحل الله ، ويحلون به ما حرم .
قال ابن عبد البر : " هذا هو القياس على غير أصل ، والكلام في الدين بالتخرص والظن ، ألا ترى إلى قوله في الحديث : " يحلون الحرام ويحرمون الحلال " ؟ ومعلوم أن الحلال ما في كتاب الله وسنة رسوله تحليله ، والحرام ما كان في كتاب الله وسنة رسوله تحريمه ، فمن جهل [ ص: 134 ]ذلك وقال فيما سئل عنه بغير علم ، وقاس برأيه ما خرج ( منه ) عن السنة ، فهذا الذي قاس برأيه فضل وأضل ، ومن رد الفروع في علمه إلى أصولها; فلم يقل برأيه " .
وخرج ابن المبارك حديثا : " إن من أشراط الساعة ثلاثا ، وإحداهن : " أن يلتمس العلم عند الأصاغر " .
قيل لابن المبارك : من الأصاغر ؟ قال : " الذين يقولون برأيهم ، فأما صغير يروي عن كبير; فليس بصغير " .
وخرج ابن وهب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أنه قال : " أصبح أهل الرأي أعداء السنن ، أعيتهم الأحاديث أن يعوها ، وتفلتت منهم " .
قال سحنون : " يعني : البدع " .
[ ص: 135 ] وفي رواية : " إياكم وأصحاب الرأي ، فإنهم أعداء السنن ، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها ، فقالوا بالرأي ، فضلوا وأضلوا " .
وفي رواية لـ ابن وهب : " إن أصحاب الرأي أعداء السنة ، أعيتهم أن يحفظوها ، وتفلتت منهم أن يعوها ، واستحيوا حين يسألوا أن يقولوا : لا نعلم ، فعارضوا السنن برأيهم ، فإياكم وإياكم " .
قال أبو بكر بن أبي داود : " أهل الرأي هم أهل البدع " .
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : " من أحدث رأيا ليس في كتاب الله ، ولم تمض به سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يدر ما هو عليه إذا لقي الله عز وجل " .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه : " قراؤكم يذهبون ، ويتخذ الناس رؤساء جهالا يقيسون الأمور برأيهم " .
وخرج ابن وهب وغيره عن عمر بن الخطاب : أنه قال : " السنة ما سنه الله ورسوله ، لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة " .
وخرج أيضا عن هشام بن عروة عن أبيه ، قال : " لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيما حتى أدرك فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم ، فأخذوا فيهم بالرأي ، فأضلوا بني إسرائيل " .
وعن الشعبي : " إنما هلكتم حين تركتم الآثار وأخذتم بالمقاييس " .
وعن الحسن : " إنما هلك من كان قبلكم حين شعبت بهم السبل ، وحادوا عن الطريق فتركوا الآثار ، وقالوا في الدين برأيهم ، فضلوا [ ص: 136 ]وأضلوا .
وعن دراج بن السمح قال : " يأتي على الناس زمان; يسمن الرجل راحلته حتى تعقد شحما ، ثم يسير عليها في الأمصار حتى تعود نقضا ، يلتمس من يفتيه بسنة قد عمل بها فلا يجد إلا من يفتيه بالظن " .
وقد اختلف العلماء في الرأي المقصود بهذه الأخبار والآثار :
فقد قالت طائفة : المراد به رأي أهل البدع المخالفين للسنن ، لكن في الاعتقاد كمذهب جهم وسائر مذاهب أهل الكلام ، لأنهم استعملوا آراءهم في رد الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بل وفي رد ظواهر القرآن; لغير سبب يوجب الرد ويقتضي التأويل ، كما قالوا بنفي الرؤية نفيا للظاهر بالمحتملات ، ونفي عذاب القبر ، ونفي الميزان والصراط . وكذلك ردوا أحاديث الشفاعة والحوض إلى أشياء يطول ذكرها وهي مذكورة في كتب الكلام .
وقالت طائفة : إنما الرأي المذموم المعيب الرأي المبتدع ، وما كان مثله من ضروب البدع ، فإن حقائق جميع البدع رجوع إلى الرأي ، وخروج عن الشرع .
وهذا هو القول الأظهر ، إذ الأدلة المتقدمة لا تقتضي بالقصد الأول من البدع نوعا دون نوع ، بل ظاهرها تقتضي العموم في كل بدعة ، حدثت أو تحدث إلى يوم القيامة ، كانت من الأصول أو الفروع ، كما قاله القاضي إسماعيل في قوله تعالى : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) ; بعدما حكى أنها نزلت في الخوارج .
[ ص: 137 ] وكأن القائل بالتخصيص والله أعلم لم يقل به بالقصد الأول ، بل أتى بمثال مما تتضمنه الآية ، كالمثال المذكور; فإنه موافق لما كان مشتهرا في ذلك الزمان ، فهو أول ما يمثل به ، ويبقى ما عداه مسكوتا عن ذكره عند القائل به ، ولو سئل عن العموم لقال به .
وهكذا كل ما تقدم من الأقوال الخاصة ببعض أهل البدع إنما تحصل على التفسير بحسب الحاجة ، ألا ترى أن الآية الأولى من سورة آل عمران إنما أنزلت في قصة نصارى نجران ، ثم نزلت على الخوارج حسبما تقدم إلى غير ذلك مما يذكر في التفسير ، إنما يحملونه على ما يشمله الموضع بحسب الحاجة الحاضرة لا بحسب ما يقتضيه اللفظ لغة .
وهكذا ينبغي أن تفهم أقوال المفسرين المتقدمين ، وهو الأولى لمناصبهم في العلم ، ومراتبهم في فهم الكتاب والسنة .
ولهذا المعنى تقرير في غير هذا الموضع .
وقالت طائفة وهم فيما زعم ابن عبد البر جمهور أهل العلم : الرأي المذكور في هذه الآثار هو القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون ، والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات ، ورد الفروع والنوازل بعضها إلى بعض قياسا دون ردها إلى أصولها والنظر في عللها واعتبارها ، فاستعمل فيها الرأي قبل أن تنزل ، وفرعت قبل أن تقع ، وتكلم فيها قبل أن تكون بالرأي المضارع للظن .
قالوا : لأن في الاشتغال بهذا والاستغراق فيه : تعطيل السنن ، والبعث على جهلها ، وترك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها ، ومن كتاب الله تعالى ومعانيه .
[ ص: 138 ] واحتجوا على ذلك بأشياء ، منها : أن عمر رضي الله عنه لعن من سأل عما لم يكن ، وما جاء من النهي عن الأغلوطات ، وهي صعاب المسائل ، وعن كثرة السؤال ، وأنه كره المسائل وعابها ، وإن كثيرا من السلف لم يكن يجيب إلا عما نزل من النوازل دون ما لم ينزل .
وهذا القول غير مخالف لما قبله ، لأن من قال به; قد منع من الرأي وإن كان غير مذموم ، لأن الإكثار منه ذريعة إلى الرأي المذموم ، وهو ترك النظر في السنن اقتصارا على الرأي .
وإذا كان كذلك; اجتمع مع ما قبله ، فإن من عادة الشرع أنه إذا نهى عن شيء وشدد فيه; منع ما حواليه ، وما دار به ورتع حول حماه ، ألا ترى إلى قوله عليه السلام : الحلال بين ، والحرام بين ، وبينهما أمور مشتبهة ، وكذلك جاء في الشرع أصل سد الذرائع ، وهو منع الجائز; لأنه يجر إلى غير الجائز ، وبحسب عظم المفسدة في الممنوع يكون اتساع المنع في الذريعة وشدته .
وما تقدم من الأدلة يبين لك عظم المفسدة في الابتداع ، فالحوم حول حماه يتسع جدا ، ولذلك تنصل العلماء من القول بالقياس وإن كان جاريا على الطريقة ، فامتنع جماعة من الفتيا به قبل نزول المسألة ، وحكوا في ذلك حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه قال :
لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها فإنكم إن تفعلوا تشتت بكم الطرق [ ص: 139 ] هاهنا وهاهنا .
وصح نهيه عليه السلام عن كثرة السؤال .
وقال : إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها ، وعفا عن أشياء رحمة لكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها .
وأحال بها جماعة على الأمراء ، فلم يكونوا يفتون حتى يكون الأمير هو الذي يتولى ذلك ، ويسمونها : صوافي الأمراء .
وكان جماعة يفتون على الخروج عن العهدة ، وأنه رأي ليس بعلم : كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذ سئل في الكلالة : " أقول فيها برأيي ، فإن كان صوابا فمن الله ، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان " ، ثم أجاب .
وجاء رجل إلى سعيد بن المسيب ، فسأله عن شيء فأملاه عليه ، ثم سأله عن رأيه ، فأجابه ، فكتب الرجل ، فقال رجل من جلساء سعيد : أتكتب يا أبا محمد رأيك ؟ فقال سعيد للرجل : " ناولنيها " ، فناوله [ ص: 140 ] الصحيفة ، فخرقها .
وسئل القاسم بن محمد عن شيء ؟ فأجاب ، فلما ولى الرجل; دعاه ، فقال له : " لا تقل : إن القاسم زعم أن هذا هو الحق ، ولكن إن اضطررت إليه عملت به " .
وقال مالك بن أنس : " قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تم هذا الأمر واستكمل ، فإنما ينبغي أن نتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نتبع الرأي ، فإنه متى اتبع الرأي; جاء رجل آخر أقوى في الرأي منك فاتبعته ، فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته ، أرى هذا لا يتم " .
ثم ثبت أنه كان يقول برأيه ، ولكن كثيرا ما كان يقول بعد أن يجتهد رأيه في النازلة : ( إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ) .
ولأجل الخوف على من كان يتعمق فيه ، لم يزل يذمه ويذم من تعمق فيه ، فقد كان ينحى على أهل العراق ، لكثرة تصرفهم به في الأحكام ، فحكي عنه في ذلك أشياء ، من أخفها قوله :
" الاستحسان تسعة أعشار العلم ، ولا يكاد المغرق في القياس إلا يفارق السنة " .
والآثار المتقدمة ليست عند مالك مخصوصة بالرأي في الاعتقاد ، فهذه كلها تشديدات في الرأي ، وإن كان جاريا على الأصول ، حذرا من الوقوع في الرأي غير الجاري على أصل .
ولابن عبد البر هنا كلام كثير كرهنا الإتيان به .
[ ص: 141 ] والحاصل من جميع ما تقدم : أن الرأي المذموم ما بني على الجهل واتباع الهوى من غير أن يرجع إليه ، وما كان منه ذريعة إليه ، وإن كان في أصله محمودا ، وذلك راجع إلى أصل شرعي :
فالأول : داخل تحت حد البدعة ، وتتنزل عليه أدلة الذم .
والثاني : خارج عنه ، ولا يكون بدعة أبدا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق