شبهات حول التوحيد -وهو كتاب
كشف الشبهات لإمام هذه الدعوة الإمام المصلح المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه
الله تعالى وأجزل له المثوبة- معقود لبيان الشبهات التي احتج بها أعداء الدعوة على
الإمام فيما أوردوه، وقد بينت لكم فيما سلف أن تلك الاحتجاجات وذلك العلم الذي عند
المشركين احتجاجات باطلة وعلم غير نافع؛ لأن الله جل وعلا بيّن أن مجادلة أولئك
إنما هي عليهم كما قال حل وعلا ?وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ
مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ?[الشورى:16]، فلو
سموها حججا ولو سموا ها عندهم أدلة وبراهين، فإنها حجج داحضة وأدلة راجعة بالإبصار
على مقالهم، وبراهين لا تستقيم لهم إلا بما عندهم من الفساد في التصور أو الفساد في
التعلق بغير الله جل وعلا، كذلك ذكرنا أن من أعظم السبل التي يدين لك بها دين
المرسلين عليهم صلوات الله وسلامه أنْ تعلم حال أهل الجاهلية قبل بعثة الرسول - صلى
الله عليه وسلم -، فإن حال أهل الجاهلية معروف بيّن، وطريق معرفته ما جاء في القرآن
من وصف مقالهم ووصف فعالهم ووصف اعتقاداتهم ووصف أحوالهم، فهذا فيه تقرير للحال
التي كانوا عليها، كذلك من سبل معرفة ما كانوا عليه من الأحوال والاعتقادات الباطلة
معرفة أشعار العرب؛ لأن فيها ما كانوا عليه، ومن سبل ذلك معرفة قصص العرب والتاريخ
الذي نقله المؤرخون عنهم.ومن الأمر المقرر الواضح في الكتاب والسنة عن حال
المشركين من أهل الجاهلية ومما بينه المؤرخون بما هو واضح أنّ أولئك الذين بعث
إليهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - كانوا يعبدون الله جل جلاله وكانوا يصلون
وكانوا يتصدقون وكانوا يحجون البيت ويعتمرون وكانوا يتنزهون من بعض النجاسات وكانوا
يغتسلون من الجنابة كما سبق أن ذكرت لكم أدلة هذه الجملة مفصلة في أول الشرح عند
قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أول الرسالة (وآخر الرسل محمد - صلى الله عليه
وسلم - وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين أرسله الله إلى قوم يتعبدون ويحجون
ويتصدقون ويذكرون الله كثيرا ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله،
يقولون نريد منهم التقرب إلى الله).(1/83)
إذن فمدار الصواب في
العبادة أنْ لا يعبد إلا الله الملك الحق المبين، وأنّ دعوة غيره باطلة ?ذَلِكَ
بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ
وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ?[الحج:62]، وإقرار المشركين بأن لهم
ربا خالقا رازقا ويقولون ما شاء الله ويقولون لا حول ولا قوة إلا بالله وما شاكل
ذلك الكلام، ويدعون ويتصدقون ويحجون ويعتمرون، لم يجعلهم ذلك مسلمين بل كانوا
مشركين؛ لأنهم لم يوحدوا الله جل وعلا في العبادة، وهو الذي نقول إن معناه لم
يفردوا الله بأفعالهم التي يتقربون بها يرجون الثواب ويخافون بها العقاب، وإنما
توجهوا بها إلى آلهتهم المختلفة، ولما جاءهم محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام
وبيّن لهم الدين، وبيّن لهم توحيد الإلهية لم ينكروا أحقية الله جل وعلا بالعبادة،
ولكن أنكروا إبطال استحقاق تلك الآلهة بشيء من العبادة، كما قال جل وعلا عنهم في
سورة الصافات ?إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
يَسْتَكْبِرُونَ(35)وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ
مَجْنُونٍ(36)بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ?[الصافات:37]، وقال
جل وعلا في سورة ص ?أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ
عُجَابٌ?[ص:5].إذن هذه القاعدة هي أعظم ما يكون به تكون المقدمة لردّ أي شبهة
يحتج بها المشركون ويحتج بها علماء المشركين في التعلق بغير الله جل وعلا بأي نوع
من التعلقات، فإنهم استعظموا أن الذين يعبدون الموتى ويعمرون المشاهد بالذبح والنذر
للأموات وما أشبه ذلك، يستبعدون بل يتعاظمون أن يكون أولئك مشركين، وإذا قلت لهم:
لم؟ قالوا لأنهم يذكرون الله ويصلون وهم إنما أرادوا بذلك الله جل وعلا، اتخذوا
هؤلاء واسطة فقط، ولم يريدوا الاستقلالية، وإلا فإنهم يعلمون أن الرازق على الحقيقة
هو الله، ولكن هؤلاء الأموات واسطة.(1/84)
فهذه المقدمة من
الشيخ رحمه الله وما ذكرتُ لك من بيانها تُبين لك أن هذه الحجة من المشركين هي
الحجة التي سلفت، فهي احتجاج قوم نوح على نوح، وهي احتجاج أقوام المرسلين على
المرسلين، وهي احتجاج قريش العرب على محمد - صلى الله عليه وسلم -، كما قال سبحانه
وتعالى ?وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا
لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى?[الزمر:3]، إذا عرفتَ أنهم أرادوا الواسطة،
عرفتَ أنهم كانوا مُقرين بتوحيد الربوبية، مُقرين بأنه لا خالق إلا الله، لا رازق
إلا الله ولا يحيي ولا يميت إلا الله جل جلاله، وأنهم كانوا يذكرون الله ويتعبدون
ويصلون الصلاة على حسبها ويحجون ويعظمون البيت، وربما كان من بعضهم إخبات وإنابة،
لكن لما لم يكونوا مفردين الله جل وعلا بالعبادة قاتلهم محمد - صلى الله عليه وسلم
-.إذن فالعبرة في تحقيق كلمة التوحيد لا إلا الله، ومشركوا العرب يعلمون معنى
هذه الكلمة، ولهذا لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم قولوا كلمة، كلمة
واحدة قولوا كلمة واحدة، فقالوا: نقول وربك عشر كلمات. قال: قولوا لا إله إلا الله.
فأبوا؛ لأنهم يعلمون أن هذه الكلمة إذا قالوها وشهدوا بها أنّ فيها إبطال كل
التعلقات بالآلهة؛ لأنه معنى لا إله إلا الله: لا معبود حق إلا الله جل جلاله.
ومعنى ذلك أنّ كل من عَبد غير الله جل وعلا فإنما عُبد بغير الحق عبد بالبغي بالظلم
بالعدوان من الناس على حق الله جل جلاله.(1/85)
لهذا لما ذكر الشيخ
هذه المقدمات قال في هذا المقطع الذي وقفنا عنده (وتحققت أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، والنذر كله لله، والذبح كله لله،
والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادات كلها لله) هذا من جهة التمثيل مثل
بالنذر والذبح والاستغاثة؛ لأن الشرك بالله جل وعلا في هذه الأشياء كان أكثر شيوعا
في زمن إمام الدعوة رحمه الله تعالى، وإلا فإن أصناف شرك المشركين وصرفهم العبادة
لغير الله جل وعلا كثيرة، ويجمعها قوله في آخر الكلام (وجميع أنواع العبادات كلها
لله، وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام) هذا احتجاجهم أننا
موحدون لله، لا نقول إن ثم رازق إلا الله وليس ثم محيي إلا الله، نحن مؤمنون بالله
بأنه يرزق ويخلق ويعطي وأنه يجيب دعوة المضطر وأنه وأنه، لكنهم لم يبطلوا الوسائط،
لم يبطلوا قصد غير الله جل وعلا بالعبادة، ولهذا قال سبحانه وتعالى ?وَمَا يُؤْمِنُ
أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ?[يوسف:106]، قال السلف في
تفسيرها لهذه الآية في آخر سورة يوسف معنى قوله (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ
بِاللَّهِ) يعني وما يؤمن أكثرهم بالله بأنه هو المتفرد بالخلق والرَّزق والإحياء
والإماتة إلا وهم مشركون به في العبادة، فقد جمعوا إيمانا وشركا، فلا تتصور أنّ
المشرك الذي يُحكم عليه بأنه مشرك أنه خِلْوُ الوثاق وخلو القلب من الإيمان بالله
أصلا، هذا لا يتصور، وإلا لكان المشرك هو الذي يجحد كل أنواع الإيمان يعني الذي
يجحد الربوبية ويجحد وجود الله جل وعلا، وهذا ليس هو الذي احتج القرآنُ على أصحابه،
بل القرآن فيه إقامة الحجج على أن الله جل وعلا واحد وأنّه هو المستحق للعبادة وحده
دون ما سواه، ?قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ
اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ?[النمل:59] إلى آخر الآيات في سورة
النمل، وفي كل آية? أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ
يَعْدِلُونَ?[النمل:60]، ?أَإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ?[النمل:61] إلى آخر ذلك.(1/86)
فإذن نسأل ونقول بما
صار أولئك مشركين؟ قال الشيخ رحمه الله هنا (وأنَّ قصدهم الملائكة أو الأنبياء أو
الأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم) يعني
أنّ سبب كفر المشركين وسبب الحكم عليهم بأنهم كفار مشركون حلَّت دماؤهم وحلت
أموالهم هذه الأشياء، قصد غير الله جل وعلا، قصد الملائكة قصد الأنبياء قصد
الأولياء.أما قصد الملائكة فإنهم كانوا يقصدون الملائكة بطلب الحاجات، كما قال
جل وعلا في آخر سورة سبأ عنهم ?وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ
لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ(40) قَالُوا
سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ
أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ?[سبإ:40-41] فكانت الملائكة تُعبد، لكن في الحقيقة
الذي عبد هو؛ الذي عبد هم الجن لأنهم طلبوا من الملائكة والذي أجابهم بطلبهم الجن
ليبقوا على الشرك.وكذلك الأنبياء سئلت الأنبياء في قبورها واستغيث بها وذبح لها
ونذر ومن سئل ربما أجيب سؤاله، وإجابة السؤال من جهة الجن، فيكون الجن ربما أحضر
شياطين الجن؛ أحضر لذلك السائل بعض الأشياء أو عرفه ببعض الأشياء لتقع المصيبة وهذا
في أكثر الأحوال وإلا فإنه من المقرر أن إجابة الدعاء من فروع الربوبية وليس من
فروع الإلهية؛ لأن المشرك قد يدعو الله جل وعلا ويستجيب الله جل وعلا لدعائه كما
قال سبحانه وتعالى ?فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ
لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ?[العنكبوت:65]، فإجابة الدعاء من
جنس إعطاء الرِّزق، من جنس إعطاء المآكل والمشارب والأولاد، فإنه قد يدعو الكافر
ويستجاب له لأن إجابة الدعاء ليست خاصة بإجابة المسلم بل هذا عدو الله إبليس سأل
الله وقد أبى واستكبر وكان من الكافرين أن يؤخره إلى يوم الدين فأجاب الله دعاءه
وسؤاله فأخره.فإذن هنا حينما يسأل نبي من الأنبياء أو يسأل ولي من الأولياء عند
القبر فيُجاب السؤال أو يحصل له ما طلب، فسبب حصول ما طلب أحد شيئين:الأول: أن
يكون شياطين الجن أحضرت له ما طلب، أو كان ثم سبب فأزالته الجن؛ يعني بسبب من جهة
الجن إما امرأة ما تحمل بسبب شياطين الجن، أو شيء مفقود كان بسبب شياطين الجن، أو
نحو ذلك، أو أراد أن يكلم هذا الميت فكلمه شيطان، وما أشبه ذلك يعني مما تقدر عليه
الجن هذا نوع.(1/87)
والنوع الثاني: أن
يكون سأل متوسطا بصاحب القبر لكنه قام بقلبه حين السؤال اضطرار وحاجة ملحة فأجاب
الله جل وعلا لأجل الاضطرار، والله جل وعلا أطلق إجابة المضطر فقال سبحانه ?أَمَّنْ
يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ?[النمل:62]، فالمشرك إذا كان مضطرا يجاب، ولو
كان في سؤاله بعض الشرك؛ لأنه يكون هنا غلب عليه جهة الاضطرار.ولهذا حقق
العلماء أنّ إجابة سؤال المشرك عند القبر ليس السر فيه القبر كما يقوله المشركون،
وإنما يكون ثم شيء آخر إما جهة شياطين الجن وإما أمر آخر قام بالقلب منه مثلا
الاضطرار وإنزال الحاجة والانكسار بين يدي الله جل وعلا، فيظن الظان أن سبب إجابة
الدعاء بركة القبر، وإنما هو من جهة ما قام بالقلب من الاضطرار لأن إجابة الدعاء من
فروع الربوبية، والربوبية ليست خاصة لمسلم دون كافر، إعطاء الأرزاق ليس خاصا
بالموحدين، بل يعطي الله جل وعلا الجميع كما قال جل وعلا في جواب سؤال إبراهيم قال
?وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ?[البقرة:126].قال (وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء )
الأنبياء قصدتها العرب وقصدها المشركون من أهل الملل، عُبد موسى، وعُبد عزير، وعُبد
المسيح من دون الله جل وعلا، وقُصد أولئك لأجل الوساطة، لأجل التقرب إلى الله جل
وعلا به فصار من قصدهم مشركا حلال الدم والمال لا لأنه طلب منهم استقلالا ولكن لأنه
طلب منهم بالوساطة.قال (أو الأولياء) والأولياء أشرك بهم كما قال جل وعلا
?أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى(19)وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ
الْأُخْرَى?[النجم:19-20].قصدوا هؤلاء الملائكة والأنبياء والأولياء، يريدون
ماذا؟ هل قصدوهم يعني العرب يريدون أن يجيب هؤلاء استقلالا؟ أم قصدوا أولئك
بالعبادة يريدون الوساطة، يريدون الزلفى، يريدون الشفاعة؟ قال الشيخ رحمه الله هنا
(يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بذلك).إذن فشرك الأولين من جهة الوساطة، شرك
قوم نوح من جهة التوسط بالصالحين، وشرك قوم إبراهيم من جهة التوسط بما زعموه
رَوحانية للكوكب، وشرك العرب فيه هذا وفيه هذا وإن كان الغالب عليه بأنه شرك
بالصالحين.(1/88)
قال (هو الذي أحلّ
دماءهم وأموالهم) إذن مع كونهم يُقرون بالربوبية، ومع كونهم يتعبدون ولهم أذكار
ونحو ذلك، لكن لما قصدوا غير الله بالعبادة ولو كان على جهة التوسط، فإن ذلك أحل
دماءهم وأموالهم؛ لأنّ عندنا مقدمة يقينية ونتيجة متيقنة:المقدمة اليقينية
الأولى: أنهم قصدوا الملائكة والأنبياء والأولياء، هذا بيقين من القرآن، ومن حال
العرب.المقدمة الثانية: أنهم قصدوا الملائكة والأنبياء والأولياء وغير هذه
الأشياء، يريدون التقرب إلى الله زلفى، ولا يريدون الاستقلال؛ لا يريدون الطلب على
جهة الاستقلال، وإنما أرادوا الطلب على جهة التوسط.فهذه المقدمة الأولى يقينية،
والثانية أيضا يقينية، لقول الله جل وعلا ?وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ
أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ
زُلْفَى?[الزمر:3]. قد ذكرت لكم أن قوله (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا
إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) هذا حصر العلة في عبادتهم لإنتاج المعلول وهو التقرب إلى
الله زلفى؛ يعني أنه ما توجهوا لهم لأجلهم لذاتهم، ولكن لأجل أن يوصلوهم إلى الله
جل وعلا فهاتان المقدمتان يقينيتان.والنتيجة أيضا يقينية: وهو أن دمائهم حلت
وأموالهم حلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه بإحلال الله جل وعلا ذلك لهم
وأن سبب الحِلّ، سبب جعل هذه الأشياء حلالا هو شركهم بالله جل جلاله.قال بعد
ذلك (عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون) وهذه
النتيجة من دخلت إلى قلبه بالبراهين السابقة فقد أوتي حضا عظيما لأن الشبهة إذا
تكسرت في البداية فما بعدها أهون أن يتقرر ما ذكرنا وأن يبطل استبعاد شرك المشرك
لأجل أنه يصلي أو يزكي أو يحج أو يعتمر أو أنه يذكر الله أوْ أو إلى
آخره.(1/89)
إذن مدار الحكم
بالشرك واضح؛ وهو صرف العبادة أو صرف شيء من العبادة لغير الله جل جلاله، فمن أتى
به فهو حابط العمل مشرك ولو كان أرفع الخلق ولهذا قال جل وعلا ?وَلَقَدْ أُوحِيَ
إِلَيْكَ? للنبي - صلى الله عليه وسلم - ?وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ
مِنْ الْخَاسِرِينَ(65)بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ
الشَّاكِرِينَ?[الزمر:65-66]، (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) ولو كان سيد الخلق؛ لأن مقام
الخالق جل وعلا مقام الرب العظيم أعظم وأعظم وأعظم، وحقه أعظم من أن يحابى فيه لأجل
إنسان كائنا من كان، قال (لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ
الْخَاسِرِينَ(65)بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ) يعني وحده دونما سواه (وَكُنْ مِنْ
الشَّاكِرِينَ)، ونحو هذا في غير هذه الآية.فإذن إذا صرف أحد العبادة أو صرف
شيئا من العبادة لغير الله فهو مشرك وعمله حابط ولو كان أثر السجود في وجهه؛ لأنه
أشرك، وليس المدار هنا موازنة أشرك بشيء وتعبد بشيء، ولو كان في الموازنة هنا قائمة
بين السيئات والحسنات كما في حال الموحّد فإنّها يكون ثم موازنة في حال المشركين
الذين قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم
يقبل من مشرك صرفا ولا عدلا، لم يقبل منهم إلا التوحيد، إلا أن يأتي بلا إله إلا
الله التي يعلمون معناها.إذن بهذه المقدمة إلى هنا يسهل الدخول إلى ما بعده في
الكتاب، وأنّ التوحيد هو أعظم المهمات وأعظم الواجبات وأول واجب وآخر واجب، وأنّ من
صرف شيئا من العبادة لغير الله فإنه حابط العمل ولو كان ما كان في عمله، هذه إذا
دخلت في القلب ولم يكن في القلب تردّد لأجلها، صار إبطال أي شبهة احتج بها المشركون
راجعا إلى هذا المحكم.(1/90)
ولهذا يقرر الشيخ بعد
ذلك أن ما ذكرنا من وصف حال المشركين والمقدمات هذه والنتيجة اليقينية المقدمات
اليقينية والنتيجة اليقينية، أنّ هذا محكم إذا احتج أحد من المشركين بحديث أو بآية
وأولها على غير تأويلها فلك أن ترجع إلى هذا المحكم وأن تترك ما اشتبه عليك علمه؛
لأن هذا يقيني كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، فهذه المقدمة مهمة للغاية،
وهي أساس محكم يمكن أنْ تحتج به في أي مقام على من عاند وأشرك بالله جل وعلا أو
حسّن الشرك أو لم يكفر بالطاغوت. نعم¹[المتن]وهذا التوحيد هو معنى قولك
لا إله إلا الله، فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور، سواء كان ملكا أو
نبيا أو وليا أو شجرة أو قبرا أو جنيا، لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر
فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده كما قدمت لك، وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في
زماننا بلفظ السيد، فأتاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم إلى كلمة التوحيد
وهي لا إله إلا الله، والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها والكفار الجهال
يعلمون أن مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى
بالتعلق به والكفر بما يعبد من دونه والبراءة منه، فإنه لما قال لهم قولوا لا إله
إلا الله قالوا: ? أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ
عُجَابٌ?[ص:5].فإذا عرفت أن جُهال الكفار يعرفون ذلك فالعجب ممن يدعي الإسلام
وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ
بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني، والحاذق منهم يظن أن معناها لا يخلق
ولا يرزق إلا الله ولا يدبر الأمر إلا الله، فلا خير في رجل جهال الكفارأعلم منه
بمعنى لا إله إلا الله.[الشرح]قال رحمه الله (وهذا التوحيد هو معنى قولك لا
إله إلا الله) هذا التوحيد الذي سبق بيانه وهو إفراد الله جل وعلا بالقصد بالذبح
بالنذر بالاستغاثة بجميع أنواع العبادة، هذا هو التوحيد، وهو معنى (لا إله إلا
الله)؛ لأن كلمة (لا إله إلا الله) مشتملة على نفي وعلى إثبات:"النفي
بـ(لا)."والإثبات بـ(إلا).(1/91)
والذي نُفي بـ(لا) هو
استحقاق العبادة، أو أن يكون ثَم إله حق غير الله جل وعلا، فلا إله إلا الله معناها
لا معبود حق إلا الله؛ لأن كلمة إله هذه معناها معبود، وهذا هو المعروف في العربية
وهو المعروف بحال العرب أيضا؛ لأن إله هذه فعال بمعنى مفعول، مثل فراش بمعنى مفروش
وأشباه ذلك، وبناء بمعنى مبني، فإله بمعنى مألوه، وأله يأله إلهة معناها عبد يعبد
عبادة مع الحب والتعظيم.فإذن يكون معنى الألوهية العبودية، ومعنى توحيد
الألوهية توحيد العبودية، توحيد الإلهية توحيد العبادة، يكون معنى الإله المعبود،
ولهذا اسم الله الذي ترجع إليه أو تجتمع فيه صفات الكمال الله هذا معناه المعبود
الحق، قال بعضهم الله علم على المعبود بحق، فالله أصلها الإله -على الصحيح- لأنها
مشتقة، وإنما أُطلق عليها يعني خففت الهمزة في الإله فصارت الله لكثرة دعائه ورجائه
والتوسل إليه باسمه هذا، ونحو ذلك.المقصود أن كلمة (لا إله) هذه فيها العبودية
وهذا هو المتقرر في العربية وفي القرآن كما قال جل وعلا في سورة النمل فيما ذكرنا
?أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ?(1) يعني أمعبود مع الله؟ لأنهم إنما جعلوا معبودا مع الله
ولم يجعلوا ربا مع الله جل جلاله، ومن ذلك ما جاء في قراءة ابن عباس المشهورة في
سورة الأعراف ?أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ
وَإِِلهَتَكَ?[الأعراف:127] يعني وعبادتك، ومنه أيضا قول الراجز في شعر ذكرناه لكم
مرارا:لله درّ الغانيات المُدّهِ سبّحن واسترجعن من تألهييعني من عبادتي،
فالتأله وأله يأله والإلهة والألوهة إلى ما يُشتق من هذا المصدر هذا كله راجع إلى
معنى التعبد العبادة، فإذن هذه المادة مادة العبادة، وليست مادة للسيادة والتصرف في
الأمر، وهذا هو المعروف عند العرب، وهو المعروف عند الصحابة والتابعين، إلى أن
تُرجمت كتب اليونان، وصار هناك خلط بين ما جاءت به الشريعة وما في علوم اليونان،
فالذين ترجموا هذه الكتب، قرأها من قرأها، وجعلوا القصد الأعظم أن ينظر المرء بهذا
الملكوت ويثبت ربوبية الله جل وعلا، لهذا قالوا المقصود الأول هو الربوبية، فإذا
أثبت المرء بالنظر أنّ الله جل وعلا هو الموجب لهذا الملكوت صار مقرا ومؤمنا،
فالمتكلمون حين تأثروا باليونان في مدارسهم في النظر وفي الفلسفة جعلوا معنى الإله
راجع للربوبية، والمتكلمون في ذلك على قولين:__________(1) النمل:60، 61،
62، 63، 64.(1/92)
"منهم من يقول الإله
هو القادر على الاختراع، وهذا في كثير في كتب المتكلمين."ومنهم من يقول الإله
هو المستغني عما سواه المفتقر إليه كل ما عداه.والأول والثاني وكل منهما قول
لطائفة من المتكلمين والأشاعرة والماتريدية إلى غير هذه الفئات، فعلى كل قول منها
يكون الإله مفسر بالربوبية؛ لأن القادر على الاختراع، القدرة على الخلق هذه ربوبية،
والمستغني عما سواه المفتقر إليه كل ما عداه هذه أيضا ربوبية، فهي من صفات الربوبية
لا من صفات الألوهية، لَمّا حصل لهذا في المسلمين وتدوّل هذا القول، صار معلم
الإيمان عند أولئك ألا يقر بوجود رَبَّيْنِ، ويعبرون عن ذلك ألا يقر بوجود إلهين،
ولهذا في آية صورة الأنبياء ?لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ
لَفَسَدَتَا?[الأنبياء:22] يجعلون هذه الآية دليلا على إثبات تفرد الله جل وعلا
بالربوبية، فيقولون هذه الآية هي دليل التمانع، ومعنى ذلك عندهم أن وجود إلهين
يقاضي أن يتصرف هذا في ملكوته؛ وأن يتصرف هذا في جزء من الملكوت وهذا في جزء من
الملكوت، ولابد أن يحصل تمانع لا بد أن يحصل اضطراب؛ لأن هذا له إرادة وهذا له
إرادة وجعلوا الإله هنا هو الرب في نفسه، ولهذا جعلوها دليلا على توحيد الربوبية
الذي هو الغاية عندهم، فدخل هذا في المسلمين، ولما دخل وتوسع الناس في اتباع مذهب
الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة وطرق المتكلمين صارت الغاية عندهم هي توحيد
الربوبية، فلهذا لم يصر أولئك عندهم مشركين هذه أعظم فتنة حصلت في الصد عن لا إله
إلا الله وتفسيرها بتوحيد الربوبية.ولهذا تجد في عقائد الأشاعرة كما في
السنوسية الكبرى المسماة عندهم بأم البراهين يقول فيها ما ذكرتهم لكم قبل ذلك يقول:
الإله هو المستغني عما سواه المفتقر إليه كل ما عداه. فمعنى لا إله إلا الله لا
مستغنيا عما سواه ولا مفتقرا إليه كل ما عداه إلا الله، هذا التفسير وهذه الكلمة
على هذا النحو ليست هي كلمة لا إله إلا الله، إنما هي كلمة لا رب في الوجود إلا
الله، والإله غير الرب الألوهية مادة والربوبية مادة، ولهذا صاغ نعت اسم الله برب
العالمين في قوله جل وعلا ?الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ?(1) ولو كانت
الربوبية هي الألوهية أو كانت الألوهية هي الربوبية هي الألوهية لكان نعتا للشيء في
نفسه، وهذا زيادة في الكلام ننزه عنها القرآن.__________(1) الفاتحة:2،
يونس:10، الزمر:75، غافر:65.(1/93)
المقصود من ذلك أن
معنى الإلهية عند المتكلمين ومن نحى نحوهم هو الربوبية، ولهذا دعا المشركون وعلماء
المشركين إلى التوسط بهؤلاء الأموات بأنّ هذا لا يقدح في التوحيد؛ لأن التوحيد
عندهم هو الربوبية، فالقاعدة التي بني عليها استحسان الشرك والتساهل فيه هو الخلاف
في تفسير كلمة التوحيد، وذلك لأنهم جعلوا كلمة التوحيد معناها القدرة على الاختراع
وأنه لا قادر على الاختراع وعلى الخلق إلا الله جل وعلا، وهذا يؤمن به أبو جهل وأبو
لهب وكلّ من قتلهم النبي عليه الصلاة والسلام. (1)قال الشيخ رحمه الله (وهذا
التوحيد هو معنى قولك لا إله إلا الله ) يعني الذي سبق ذكره قبل ذلك، (فإن الإله
عندهم)يعني عند العرب (هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور سواء كان ملكا أو نبيا أو وليا
أو شجرة أو قبرا أو جنيا، لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر، فإنهم
يعلمون أن ذلك لله وحده) وهذا بيقين؛ لأن الله جل وعلا قال ?وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ
مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ
الْعَلِيمُ?[الزخرف:9]، وقال ?وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ
اللَّهِ?[الزمر:38] الآية، وقال ?قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ
وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ
مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ?[يونس:31].فإذن كل مفرادات أو نقول جل مفردات الربوبية
نسبوها لله جل وعلا وحده ولم يجعلوا لآلهتهم منها شيئا، لم يجعلوا لآلهتهم شيئا،
ولهذا لما ركبوا في الفلك دعوا الله وحده لأنهم يعلمون أن هذا المطلب العظيم إنما
يستقل به الله وحده ولا يحب إلا أن يكون إلا الإقبال عليه وحده فيه، ولأن آلهتهم
بعدت عنهم، وهذا مخالف لقول المتكلمين ومن نحى نحوهم: إنّ لا إله إلا الله هي لا
قادر على الاختراع إلا الله. لأن أولئك لم يشكُّوا في أن هذه الكلمة يعني بأن العرب
لم يشكوا بأن هذه الكلمة إنما جاءت للألوهية لا للقدرة على الاختراع، وإلا لقالوا
نحن نؤمن بهذا، ولكن قالوا ? أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا ?[ص:5] فهذا
بيقين.__________(1) انتهى الوجه الأول من الشريط الرابع.(1/94)
قال الشيخ رحمه الله
(لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده كما
قدمت لك وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد)، (السيد) في
لغة العرب هو المتصرف المطاع في ملكه، المتصرف المطاع في ملكه، والسيادة تختلف مثل
الرب، فتكون مضافة هذا سيد فلان، سيد البيت، وهذا سيد القبيلة وهذا رب الإبل، وهذا
رب المال وأشباه ذلك، فلفظ السيد هو بمعنى لفظ الرب مع اختلاف بينهما.فمعنى
السيد في لغة العرب المتصرف الذي يدبر الأمر ويرجع إليه تدبير ما يملك، هذا هو
السيد له السيادة في الملكوت، له السيادة في ملكه.لكن في العرف الذي عليه الناس
في زمن الشيخ وما قبله إلى وقتنا هذا أطلق لفظ السيد على خلاف معناه في العربية،
ويُراد بالسيد الذي بيده التوسط أو بيده [....] والمنع أو الذي فيه السر ولهذا
يستعملون في السادة الذين يقصدون لأجل العبادات والتوسط يقولون فيهم قدس الله سر
فلان، فلان قدس الله سره؛ لأنهم يجعلون لروحه سرا ويطلقون على هؤلاء لفظ السيد،
فمثلا السيد البدوي، السيدة زينب، السيد الحسين، السيد العيدروس، السيد المرغني،
السيد فلان، السيد فلان، السيد عبد القادر الجيلاني وأشابه هذا.فيطلقون على
الإله لفظ السيد، الإله في العربية الذي ذكرنا عند الناس في هذا الزمان وزمن الشيخ
هو ما يسمونه بالسيد، ومن المتقرر أن العبرة بالحقائق لا بالألفاظ، العبرة كما حرره
وقرره وهو معروف لكن أطال عليه في هذا الموضع الشوكاني والصنعاني قالوا إنّ تغير
الأسماء ومدلولاتها لا يغير الحقائق فإنهم إذا سموا السيد، سموا هؤلاء بالسيد وعنوا
بالسيد الإله فإنهم يحاسبون على ما قصدوا لا على أصل اللفظ الذي لم يخطر لهم على
بال أو لم يعنوه.(1/95)
فإذن كلمة السيد يراد
منها الإله، يراد منها ما يفهم من معنى كلمة الإله عند أهل العربية، لهذا قال هنا
(وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد) من هو السيد؟ الذي
يُقصد لأجل التوسط عند الله، بل زاد بعضهم وجعل لهؤلاء السادة نصيبا في الملك من
جهة التفويض، فيقولون هناك أوتاد في الأرض أُعطوا بعض التصرف في ملكه؛ في الملك،
وبعد الأوتاد هناك أقطاب لهم تصرف، هؤلاء يرجعون إليهم، والأقطاب ترجع إلى الغوث
الأكبر في البلد، والأرض قسموها قسمة رباعية وجعلوا لها أربعة أشخاص هم الملاذ
والغوث الأعظم، ففي قسم البدوي، وفي قسم عبد القادر وفي قسم فلان وفلان؛ يعني أنهم
زادوا على شرك العرب في أن جعلوا لهؤلاء تصرفا في الملك، وهذا شرك في الربوبية مع
كونه شركا في الإلهية.قال (فأتاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم إلى
كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله، والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرَّد لفظها)
قوله (والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرَّد لفظها) لأن الإجماع منعقد على أن من
بَلَغَ مجنونا فقال لا إله إلا الله فإنه لا يحكم له بالإسلام؛ يعني إذا كان مشركا
قبل ذلك، أو من وُلد مجنونا ثم استمر وقال لا إله إلا الله فإنه لا يحكم له
بالإسلام بهذه الكلمة، وإنما يكون تبع لأبويه بتفصيل معروف، فالمشرك الذي كان على
الشرك ثم جُنّ وقال لا إله إلا الله في جنونه مائة مرة أو أكثر، بالإجماع عند أولئك
المخالفين وعند أهل الحق أنه لا يدخل في الإسلام؛ لأنه تكلم بكلام لم يقصد معناه؛
لأنه لا يعقل المعنى. لهذا فالعبرة فيما تعبد فيه من الألفاظ العبرة بالإقرار
بالمعنى لا بمجرد اللفظ، وذلك لأنّ المنافقين قالوا هذه الكلمة ظاهرا وهم بنص
القرآن والسنة هم كفار في الدرك الأسفل من النار، فلم ينفعهم قول لا إله إلا الله
لأنهم لم يقصدوا معناها أو لأنهم خالفوا ما دلت عليه.(1/96)
إذن فهذه الكلمة
دليلها أنواع من الإجماع هي قوله (والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرّد لفظها)
وهذه الإشارة منه رحمه الله لأجل أنّ كثيرين قالوا هؤلاء الذين كفرتموهم أو قلتم هم
مشركون يشهدون أو يقولون لا إله إلا الله ويتكلمون بذلك ويذكرون الله في اليوم ألف
مرة بلا إله إلا الله، فكيف تقولون ذلك والنبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالكف
على من قال لا إله إلا الله وقال لخالد "قتلته بعد ما قال لا إله إلا الله" إلى آخر
ذلك، فيقال إنّ قول الكلمة مع مخالفة المعنى هذا غير نافع بالإجماع فيما ذكرنا في
المنافقين وفي حال من بلغ مجنونا.قال (والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي -
صلى الله عليه وسلم - بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق به والكفر بما يعبد
من دونه والبراءة منه) المراد بهذه الكلمة ثلاثة أشياء في كلمة الشيخ هذه:الأمر
الأول: إفراد الله تعالى بالتعلق به، وهذا مأخوذ من النفي والإثبات بأنّ لا إله إلا
الله معناها لا معبود حق إلا الله، لا أحد يستحق العبادة والتعلق والقصد لأجل
العبادة إلا الله جل وعلا. فإذن المراد بهذه الكلمة أولا إفراد الله تعالى بالتعلق
به يعني حين التعبد.(1/97)
والثاني: والكفر بما
يعبد من دونه، والكفر بما يعبد من دون الله هذا نفهمه من النفي؛ لأن النفي معناه ما
جاء في سورة الزخرف في قول الله جل وعلا ?وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ
وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ(26)إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي
فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ?[الزخرف:26-27], بضميمة قول الله جل وعلا في سورة الممتحنة
عن إبراهيم ?قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ
مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ?، (فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ) يعني من
المرسلين الذين معه على التوحيد من المرسلين والأنبياء ?إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ
? كل نبي قال لقومه ?إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا
تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ
وَحْدَهُ?[الممتحنة:4]، إذن في آية الزخرف قال جل وعلا الزخرف ?وَإِذْ قَالَ
إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ(26)إِلَّا
الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ(27)وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي
عَقِبِهِ?[الزخرف:26-28]، هذه الكلمة قال المفسرون هي كلمة لا إله إلا الله، فتكون
كلمة لا إله إلا الله معناها (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ(26)إِلَّا
الَّذِي فَطَرَنِي)، ومعنى البراءة هنا هو ما دلت عليه آية سورة الممتحنة، فشمل ذلك
الكفر بما يُعبد من دون الله؛ الكفر بما يعبد من دون الله وشمل البراءة منه، ولاحظ
تعلق الكفر والبراءة بما يُعبد وليس بالعابدين لأن الكفر بالعابدين من اللوازم،
وليس من معنى الكلمة، والبراءة من العابدين هذا من اللوازم وليس من معنى
الكلمة.الكلمة معناها: كلمة التوحيد يشمل الأمور الثلاثة التي ذكرها الشيخ رحمه
الله هنا:"إفراد التعلق بالله."البراءة من كل معبود سوى الله جل وعلا، أو
البراءة من كل عبادة لغير الله جل وعلا."والثالث: الكفر بكل معبود أو بكل عبادة
إلا عبادة الله جل وعلا، الكفر بعبادة مَن دون الله جل وعلا، وهو كله راجع للعبادة
نفسها، أما العابدون فهذا له حكم آخر وتفاصيل أخر.إذن ظهر لك وجه الحجة من كون
هذه الثلاثة أشياء التي ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى من معنى الكلمة وهو مراد النبي
- صلى الله عليه وسلم - لهذه الكلمة.(1/98)
قال رحمه الله (فإنه
لما قال لهم قولوا لا إله إلا الله قالوا: ? أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا
إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ?[ص:5]) هذا ظاهر في أنهم يعبدون آلهة ولا يقرون بأن
العبادة والقصد يتوجه به إلى واحد بل يتوجه به إلى متعدد، وما بعده واضح حيث قال
(فإذا عرفت أن جُهال الكفار يعرفون ذلك فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من
تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفرة) إذا كان الكفرة مع علمهم بالمعنى كفروا فكيف
يكون حال الذي لا يعلم المعنى أصلا يعني لم يعلم المعنى أصلا ولم يأتِ على باله هو
يقع في الشرك مع عدم العلم بالمعنى، لا شك أنه أسوأ حالا من الذي يقع في الشرك مع
علمه بالمعنى، فهذا يقع في الشرك وهو غير آمن بالمعنى لأن هذا فرط في واجب وهو أن
كلمة التوحيد لا إله إلا الله لا تنفع إلا من علمها فعمل بمقتضاها، وأولئك علموا
فخالفوا وهؤلاء المشركون في الأزمنة المتأخرة جهلوا وخالفوا، فقالوا كلمة لم يعلموا
معناها فلم تنفعهم من هذه الجهة، ثم خالفوها من جهة العمل فلم تنفعهم أيضا من هذه
الجهة، ولو كان هؤلاء تنفعهم الكلمة لكان المنافقون الذين قالوا لا إله إلا الله
ينفعهم قولها؛ لأنهم يعلمون المعنى وتلفظوا بها ومع ذلك لما أبطنوا الكفر وعملوا به
كانوا أشرّ من الكفار.(1/99)
قال (بل يظن أن ذلك
هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني) وهذا فيه إبطال التقليد في
التوحيد فإن توحيد الله جل وعلا لا يصلح على جهة التقليد، بل لابد أن يعتقد المرء
الحق بدليله مع علمه بمعنى كلمة التوحيد ومعنى ما دلت عليه، وهذا الاعتقاد يكفيه أن
يكون في عمره مرة بدليله؛ يعني لو علمه لحين دخوله في الإسلام وعلم واستمر على
المقتضى واستمر على ما دلت عليه، ثم لو سألته نسي ما عرفه واعتقده بدليله فإنه غير
مؤاخذ، مثله المسلم الصغير المميز فإنه إذا عُلِّمَ هذه الكلمة وأخبر بمعناها وفهم
ذلك وحفظه دليله أوعرف دليله من الكتاب أو من السنة واستمر على ذلك، فإنه يكفيه
لأنه اعتقد الحق واعتقد معنى هذه الكلمة بالدليل غير مقلِّد في ذلك مرة في عمره ثم
لم يأتِ بناقض لذلك الشيء، ولهذا عندنا في المدارس في الابتدائي يدرَّس الطالب أو
الطالبة ثلاثة الأصول فيها معنى كلمة التوحيد والدليل عليها، وكذلك أركان الإيمان
يعني مسائل القبر الثلاثة المعروفة، والعلماء من قديم جعلوا ذلك للمتعلمين الصغار؛
لأنهم إذا عرفوا ذلك بدليله مرَّة في العمر صار إيمانهم بما دل عليه التوحيد عن
دليل لا عن تقليد، ولو نسوا بعد ذلك فإنه لا يؤثر ذلك؛ لأن نسيانهم ليس من جهة ترك
العمل بما دلت عليه، ولكن من جهة نسيان تفسير الذي يُفصح لك به، لكن لو سألته قلت:
هل يُدعا غير الله جل وعلا؟ فيقول لا. لأنه علم معنى الكلمة لو سألته هل يستغاث
بغير الله؟ قال: لا، لأنه يعلم معنى الكلمة، بخلاف من خالف المعنى وما دلت عليه
بشيء حدث له، يعني تسأله فيجيب بخلاف ما تعلم سابقا هذا يكون لابد له من تجديد علم
بدليله، حتى يصبح خالصا من التقليد.المقصود من هذا أن التقليد في التوحيد لا
يجوز، ومن قلد في التوحيد فإنه لا ينفعه؛ لأن الله جل وعلا لام وذم أهل الشرك
بقولهم ? إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ
مُهْتَدُونَ ?[الزخرف:22]، وفي الآية الأخرى ?مُقْتَدُونَ?[الزخرف:23]، فلا بد في
التوحيد من دليل ولا ينفع فيه التقليد، وقد أوضحت ذلك مع زيادة بيان وضوابط في شرح
ثلاثة الأصول لأن هذا إنما أتى عَرَضا.(1/100)
قال(والحاذق منهم يظن
أن معناها لا يخلق ولا يرزق إلا الله، ولا يدبر الأمر إلا الله) هذا الحاذق من أهل
هذا الوقت من المشركين نسأل الله العافية وما قبله بأزمان، [...] عن كلمة التوحيد
يفسرها بالربوبية لماذا؟ لأنه هو الذي درسه في مذهب الأشعرية ومذهب الماتريدية أو
مذاهب المتكلمين، معنى كلمة التوحيد عندهم لا قادر على الاختراع إلا الله لا رازق
إلا الله لا محيي إلا الله لا مميت إلا الله، هذا هو الحاذق المتعلم فيهم، (فلا خير
في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله) ولو كان صاحب عمامة وجبة ولو
كان ما كان فإن علمه غير مناسب لأن هذه الكلمة هي أساس كل خير، فإذا كان يجهل
معناها فإنه لا خير فيه ولو ادّعى فيه الناس ما يدعون.نقف عند هذا ونجيب على
بعض الأسئلة.[الأسئلة]1/ هذا يقول من فسّر كلمة التوحيد بقوله لا حاكمية
إلا لله متعلقا بقوله تعالى ?إِن الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ?(1) وهل هذا التفسير
مستقيم أم هو غير ذلك نرجو التوضيح؟__________(1) الأنعام:57، يوسف:40،
يوسف:67.(1/101)
من فسر كلمة التوحيد
بقوله لا حاكمية إلا لله، ويقول هذا هو معناها فهذا من جنس قول الخوارج؛ لأنهم هم
فسروا التوحيد بتوحيد الحكم لقول الله جل وعلا ?فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ
الْكَبِيرِ?[غافر:12]، ولقوله جل وعلا (إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) والحكم يجب
إفراد الله جل وعلا به، وهو من مفردات توحيد الإلهية؛ لأنّ الحكم يعني في الشرع
الحكم بالقرآن هذا تحكيم لله، فهو قصد لله جل وعلا طلبا للحكم، فهو من هذه الجهة
فيه القصد، قصد القلب والعمل لطلب حكمه فيها، فمن قال معنى لا إله إلا الله لا
معبود حق إلا الله كما هو تفسير أهل العلم فإنه يدخل فيه هذا المفرد من المفردات
وهو إفراد الله جل وعلا بأنه هو المستحق للتحاكم إليه، لهذا إمام هذه الدعوة جعل من
أبواب كتاب التوحيد أبوابا تخصّ هذه المسألة وهي مسألة التحاكم تحليل الحلال وتحريم
الحرام وعدم طاعة أحد في تحليل الحرام أو تحريم الحلال في أبواب معروفة، فالمقصود
أنّ تفسير لا إله إلا الله بلا حاكمية إلا الله هذا من جنس تفاسير المبتدعة؛ لأنّ
لا حاكمية مساوية لـ: لا إله؛ فيعني أنّ الإله هو الحاكم وهذا غلط لأنّ الإله لا في
اللغة ولا في العرف ولا في ما جاء به القرآن أن الإله هو الحاكم، وإنما الإله هو
الذي يستحق العبادة، ومن العبادة القصد لأحدٍ لتحكيمه بغير شرع الله أو بشرع الله
إذا قصد أحدا لتحكيمه راضيا بذلك مختارا فإنه قد عبده، وهذا هناك فرق بين مسألة
الحكم والتحكيم قال جل وعلا في سورة النساء ? أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا
بِهِ?[النساء:60] قال طائفة من أهل العلم قوله هنا (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا)
فيه اعتبار الإرادة وذلك أن يتحاكم عن رغبة ورضا بحكم الطاغوت، بخلاف ما لو أكره
عليه أو أجبر أو أضطر إلى ذلك غير راغب ولا مريد في أشباه هذه الحالات.المقصود
من هذا أنه يكون عابدا لغير الله إذا تحاكم راغبا في ذلك مُعظِّما له كحال العابد
المحكم في الله جل وعلا في ذلك، فالحكم لله تبارك وتعالى تحكيم القرآن تحكيم لله،
تحكيم السنة تحكيم لله جل وعلا، ولهذا لا يطلق الحاكم إلا على من حكم بشرع الله جل
جلاله.(1/102)
2/ هذا سؤال عرضنا له
مرارا: هل هناك فرق بين أهل الحديث والفرقة الناجية المنصورة، وما حجة من فرق
بينهما؟مرّ علينا عدة مرات.3/ من وقع في شرك الأولياء وكان كما ذكرت مصليا
عابدا يظن نفسه موحدا مؤمنا، وكان في بلاد علماؤها يلبسون على العوام، ولا يبينون
أن هذا شرك بل يفعلون ما يدل على إقرارهم على هذا الشرك من شهود الموالد وإقامة
الدروس في المساجد التي بها قبور الأولياء فهل يعذر هؤلاء العوام بجهلهم وعدم وجود
من يبين لهم؟هذه المسألة معروفة بمسألة العذر بالجهل، ونرجئ الكلام عليها إلى
مقام آخر إن شاء الله تعالى.4/ هناك بعض الناس في بلاد أخرى يأتون إلى بعض
الناس يزعمون أنهم أولياء فيطلبون منهم أن يدعوا لهم الله عز وجل فما حكم هذا
العمل؟إذا أتى إلى ميت؛ ولي أو نبي أو نحو ذلك فطلب منه أن يدعو الله له؛ يعني
قال: يا فلان أدعو الله لي. هذا ميت، هذا هو معنى الشفاعة فمعنى طلب الشفاعة من
الميت طلب أن يدعو الله له، أن يسأل الله، فإذن قول القائل للميت أدعو الله لي، أو
يأتي للنبي - صلى الله عليه وسلم - خارج الحجرة والأسوار ويقول يا رسول الله أدعو
الله لي أن يرزقني بكذا، ومعنى هذا اشفع لي بهذا المطلب، لهذا معنى أدعو الله لي
اشفع، وحكمها حكم الشفاعة وقد مر معنا في هذا الكتاب أنّ أولئك ما قصدوا إلا
الشفاعة، وهم حين يتقربون للموتى يريدون في النهاية أن الموتى يشفعون لهم إذا طلبوا
ومنهم شيئا، فيأتي يذبح له ينذر له في المواسم وبين الحين والآخر لظنه أن هذا الميت
أو هذا الولي أو هذا النبي أو هذا الجني أو إلى آخره يعرفه بأنه يتقرب إليه، فإذا
سأله عند حاجته فإنه مباشرة يرفع حاجته ويدعوا له ويطلب له ما سأل؛ لأنه يتقرب
إليه، فهم ما عبدوا إلا للقربى، ولا ذبحوا ولا نذروا ولا استغاثوا ولا عملوا هذه
الأشياء بأنواع العبادات إلا لأجل أن يُشفع لهم يعني أن يشفع لهم من سئل.فإذن
من طلب من الميت أن يدعو له هذا معناه أنه طلب منه أن يشفع له والشفاعة لا تصلح إلا
لله.5/ هل يصح ما يقال أنه أشرف من عبد من دون الله هم الملائكة؟ما لها
حاجة العبارة هذه أصلا؛ أشرف من عبد من دون الله الملائكة، لا حاجة للعبارة أصلا،
والملائكة على الصحيح يفضُلُهم الأنبياء والمرسلون، فالأنبياء والمرسلون والأولياء
أفضل من الملائكة على الصحيح في هذه المسألة.(1/103)
هذه هي المسألة
المعروفة بالتفضيل بين الملائكة والبشر، عفوا البشر عن الملائكة، هناك أقوال فيها
والتحقيق أن صالحي البشر الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين من عباد الله أفضل
من الملائكة لأدلة كثيرة في هذا المقام، وقد بسطها العلماء في مواطنها.شيخ
الإسلام كان إذا سئل عن هذه المسألة يسكت، يقول كنت أظن أن الكلام فيها محدث وأن
السلف سكتوا عنها كنت أسكت عن الكلام فيها كما سكت السلف، حتى وجدت أن الكلام في
التفضيل بين الملائكة والبشر سلفيٌّ أثري ثم ساق أقوال الصحابة والتابعين فيما وقف
عليه في هذه المسألة.6/ هل إجابة دعاء من كان يدعو عند القبر فيه ابتلاء لهذا
الداعي؛ لأنه سوف يظن أن المجيب له صاحب القبر؟هذا لاشك والابتلاء وقع في هذه
المسألة وفي غيرها، فإذا أجيب دعاء من دعا عند القبر فإنه وقع له هنا المخالفة
وابتلي بسببها بأنه لو أجيب لظن أن سبب الإجابة صاحب القبر أو بركة المكان، وهذا
ابتلاء وشبهة وقع فيها لأنه فرّط في الحق، وكما ذكرتُ لك أنه يكون الإجابة لسِرٍّ؛
لسبب تعلّق بدعائه، وهو يظن أن السبب هو القبر، هذه المسألة مذكروة في شرح الطحاوية
في أواخرها.7/ ذكرت أن المنافقين قالوا لا إله إلا الله مع أنها لا تقبل منهم،
ولكن يمكن أن يجيب عليها فيقول لا تقل له إنه كافر في الدنيا بل نقول إنه مسلم ونرد
علمه إلى الله، هؤلاء الذين يصلون إلى القبر ويعبدون عبد القادر مثلا لا نطلق عليهم
لفظ الكفار بل هم مسلمون، ونرد أمرهم إلى الله؟(1/104)
هذا يعطينا دخول في
بحث نريد أن تتنبهوا له فيما تسمعون أو تقرؤون، يكون هناك تنظير شيء بشيء لمعنى من
المعاني أو لقدر من الاحتجاج، فلا توسع أنت ذاك إلى شيء أوسع مما كان الكلام فيه،
لأن هذا يعطيك لبسا في الفهم وأيضا يوقعك في إشكالات علمية دائما، فالتنظير لا يكون
دائما على جهة التكامل أو التماثل ما بين الأول والثاني، وإنما قد يكون لجهة من
الجهات مثل ما ذكرنا في ورود الشبه بين المنافقين وبين من يقول لا إله إلا الله
ويريد الاكتفاء بلفظها، وجه المشابهة قلنا إنه بالإجماع المنافق لم تُفده كلمة لا
إله إلا الله، لم تفده في الظاهر أو في الباطن؟ الكلام معروف أنها لم تفده في
الباطن، لكن هي لم تفده، ولو أفادته لنجى بها من النار، لكن لم تفده، كذلك من قالها
ولم يعلم معناها فإنها لا تفيده من باب أولى؛ لأنه اشترك مع المنافق في القول،
والمنافق زاد عليه في العلم، وذاك جهل فهذا قال لفظا ظاهرا وجهل المعنى، وذاك قال
لفظا وعلم المعنى ومع ذلك في الدرك الأسفل من النار، لا يعني هذا أن ترتب جميع
اللوازم على هذا التنظير من أن تقول أن هؤلاء مسلمون ظاهرا فهل نحكم لهؤلاء
بالإسلام الظاهر إلى أشباه هذه الكلمة وإنما القصد أن نمثل للقول بالقول.8/ ما
معنى البراءة والكفر بما عُبد من دون الله؟ذكرنا هذا.9/ هل إجابة الله دعاء
الحي من صاحب القبر من الاستدراج؟ …لا، هو من الفتنة له.10/ نسمع في كتب
العقيدة كثيرا ما يُكررون قولهم هذه المسألة شرك أصغر لأنها اعتقاد السببية فيما لم
يجعله الله سببا لا قدرا ولا شرعا كحال في التمائم والطيرة، فهل هذه الحالة
مطردة؟هذه مسألة طويلة والجواب عليها يحتاج على وقت، لكن تلخيصها أن في مسائل
الشرك الأصغر نُرجع كثيرا ما يُحكم عليه بأنه شرك أصغر بالتعلق
بالأسباب.الأسباب منها شيء أذن الله جل وعلا به ومنها شيء لم يأذن الله به
شرعا، هذا واحد.والأسباب منها ما جعله الله جل وعلا كونا وقدرا في كونه وما جعل
سنته عليه -الأشياء-، ما جعله يعطي المسبب؛ ينتج النتيجة ومنها ما جعله لا ينتج
النتيجة التي يظنها الظان.مثلا الماء سبب لإزالة العطش أليس كذلك؟ الماء الحلو،
لكن الماء المالح لم يجعله الله سببا كونيا لإزالة العطش، وإنما جعل الله جل وعلا
الماء العذب هو سبب إزالة العطش.الماء والنار، الماء تطفئ النار، فإذا احتجت
إلى إطفاء النار لا تأتي بنار أخرى وإنما تأتي بماء.(1/105)
يعني جعل الله جل
وعلا لكل شيء سببا، وجعل هذه الأسباب تُنتج المسبَّبات، فمن جعل شيئا من الأشياء
سببا لشيء آخر لم يكن في الشرع سببا له، فهذا مشرك الشرك الأصغر، بمعنى في الشرع
ليس هذا السبب جائزا أو لم يُجعل في الشرع التعلق بهذا السبب أو استعماله جائزا،
فإنه يكون ذلك منه تعلق بسبب ليس بسبب شرعي، فيكون شركا أصغر مع ضميمة الشيء الثاني
وهو أن يكون هذا السبب لا ينتج المسبب كونا؛ لأن الأسباب قد تكون تنتج المسببات
قدَرا ولكنها ممنوعة شرعا مثل الشفاء أو الاستشفاء بالمحرمات يشرب الخمر فيتداوى
بها، يسمع موسيقى فينتفع بها في الدواء، هذه أسباب كونية قد تكون تؤثر في إنتاج
مسبَّباتها، لكنها شرعا ممنوعة.فمن استعمل سببا كونيا في إنتاج المسبَّب -الذي
هو النتيجة- فيما نعلمه كونا أنه ينتج هذا السبب، نقول هذا لا يجوز شرعا وليس
بشرك.ولكن من جعل سببا ليس بسبب كوني ولا شرعي وتعلق به فإنه يكون مشركا الشرك
الأصغر .نرجع في تلخيص هذا أن الأسباب منها ما ينتج المسبب، ومنها ما لا ينتجه،
فإذا كان ينتج المسبب كونا يعني فيما تعارفه الناس فتنظر، هل أباحته الشريعة أم لم
تبحه؟فإن أباحته الشريعة فهذا جائز استعماله لأنه سبب شرعي وقدري هذا
نوع.إذا لم تجزه الشريعة فيكون سببا كونيا مثل التداوي بالمحرمات، ولكنه ليس
بسبب شرعي فهذا نقول غير جائز.والحالة الثالثة ما ليس بسبب لا شرعي ولا كوني
فإن هذا يكون التعلق به شركا أصغر؛ مثل تعليق خيط، يعلق خيط ويتعلق قلبه به فيدفع
عنه العين، ما علاقة خيط من حبال أو قطن ما علاقتها بدفع العين؟ هذا ليس في الكون
ما يثبت السببية، وليس في الشرع أيضا ما يجعل هذا السبب مأذونا به، فيكون التعلق به
شركا. كذلك التميمة، تميمة طلاسم أو تميمة بها أشياء أو تميمة وضع خرز أو تميمة وضع
جلد أو إلى آخره، هل هذا السبب ينتج المسبب قدرا لا ينتجه، وهو غير مأذون به شرعا،
فإذن اجتمع فيه أنه ليس بمأذون به شرعا وأنه لا ينتج المسبَّب قدرا فصار التعلق به
شركا أصغر.(1/106)
يوضحه
التميمة من القرآن، تميمة من القرآن هل هي شرك؟ ليست بشرك مع أنها تميمة، لكن اختلف
العلماء هل يجوز تعليق التميمة من القرآن أم لا؟ وبالاتفاق لا تسمى شركا لأنّ
التعلق بالقرآن من جهة كونه شفاء سبب كوني وسبب شرعي -صحيح؟ - التعلق بالقرآن، لكن
تعليق القرآن وإن كان سببا كونيا لكنه ليس بسبب شرعي، فلهذا لا يصح أن يطلق على
تعليق التمائم من القرآن أنها شرك، ولكن نقول الصحيح أنها لا تجوز، و ...
(1)¹[المتن]إذا عرفت ما ذكرت لك معرفة قلب وعرفت الشرك بالله الذي قال
الله فيه ?إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ? (2) وعرفت دين الله الذي أرسل به الرسل من أولهم إلى آخرهم
الذي لا يقبَل الله من أحد سواه، وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا أفادك
فائدتين:الأولى الفرح فضل الله ورحمته كما قال تعالى ?قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ
وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ?
[يونس:58].وأفادك أيضا الخوف العظيم؛ فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة
يُخرجها من لسانه وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها وهو يظن أنها
تقربه إلى الله تعالى كما ظنّ المشركون، خصوصا إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى مع
صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين ?اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ?
[الأعراف:138].فحينئذ يعظم حرصك وخوفك على ما يخلصك من هذا
وأمثاله.[الشرح]بسم الله الحكيم، الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له تعظيما لمجده، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه
وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.أما بعد:قال إمام الدعوة
الإصلاحية السّلفية في هذه القرون المتأخرة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه
الله تعالى بعد أنْ ذكر أصولا ومحكمات في فهم التوحيد وفهم الشرك وما كان عليه أهل
الجاهلية من الإشراك بالله جل وعلا وصفة ذلك الشرك وما يتصل بذلك، قال (إذا عرفتَ
ما ذكرتُ لك معرفة قلب) يعني أنّ الذي سلف يحتاج إلى العلم، فالعلم منه ما يُعلم
بإدراكٍ لأول وهلة ثم يترك، ومنه ما يُعرف معرفة قلب، فيكون مدركا ومستقرا في القلب
ومعلوما بأدلته وبراهينه.====
قوله هنا رحمه الله
(إذا عرفتَ ما ذكرتُ لك معرفة قلب) المعرفة هي العلم في هذا الموضع يعني إذا علمت
ما ذكرت لك علم قلبٍ، والعلم والمعرفة في ابن آدم متقاربان، أما في حق الله جل وعلا
فإنما يوصف سبحانه وتعالى بالعلم دون المعرفة، والمعرفة في القرآن أكثر ما جاءت في
سبيل التهجين لها وأنها لا تنفع؛ لأنها معرفة بالظاهر لا معرفة القلب، كما قال جل
وعلا ? يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا?[النحل:83]، وكما قال
?الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ
أَبْنَاءَهُمْ?(1) فأتت المعرفة لا في مقام المدح في القرآن بل في مقام الذّم، وهذا
لأجل أن المعرفة لا يتبعها العلم بالحق دائما والإذعان له والعمل به، وإنما قد تكون
قائدة لذلك وقد لا تكون وهو الأغلب، وعامة العلماء على أن المعرفة والعلم في ابن
آدم متقاربان؛ لكن يختلفان في أن المعرفة قد يسبقها؛ بل المعرفةُ يسبقها جهل بالشيء
أو ضياع لمعالمه، فجهل ثم عرف أو ضاعت معالم الشيء عليه ثم اهتدى إليه وعرفه، كما
قال جل وعلا في قصة يوسف ?فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ?[يوسف:58] هذا من
جهة العلامات والصفات.
فإذن المعرفة والعلم بمعنى واحد، ولهذا جاء في حديث معاذ
حين بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن أنّه قال عليه الصلاة والسلام
"فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أنْ يعرفوا الله، فإذا هم عرفوا الله فاعلمهم أن
الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة" في بعض ألفاظ ذلك الحديث، نعم
المحفوظ فيه "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول
الله" لكن عُبّر عن ذلك تارة بالتوحيد وتارة بالمعرفة، وهذا يدل على أن المعنى عند
التابعين الذين رووا بهذا وهذا متقارب، لهذا يستعمل العلماء كلمة المعرفة وكلمة
العلم متقاربة، وهذا هو الذي درج عليه الشيخ رحمه الله تعالى هنا؛ لأنه مخاطب من
ليس عنده ذلك التفريق الدقيق بين المعرفة والعلم.
قال (إذا عرفت ما ذكرت لك معرفة قلب) وهذا المقصود به علم القلب؛ لأن المعرفة معرفة اللسان أو معرفة الظاهر قد لا تقود للإذعان للحق، لكن معرفة القلب معها الاستسلام لذلك الحق.
__________
(1) البقرة:146، الأنعام:20.
قال (إذا عرفت ما ذكرت لك معرفة قلب) وهذا المقصود به علم القلب؛ لأن المعرفة معرفة اللسان أو معرفة الظاهر قد لا تقود للإذعان للحق، لكن معرفة القلب معها الاستسلام لذلك الحق.
__________
(1) البقرة:146، الأنعام:20.
(1/108)
قال (وعرفت الشرك
بالله الذي قال الله فيه ?إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ?(1)) هذه المعرفة الثانية عرفت الشرك
من حيث دلالته وصفته وحكمه وما كان عليه المشركون في إشراكهم بالله جل وعلا، فإذن
هذا النوع الثاني من المقدمات، والشيخ رحمه الله في هذا الكلام يقدم بمقدمات
للنتيجة التي يصل إليها وهي قوله بعد ذلك (أفادك فائدتين)، قال (وعرفت الشرك بالله
الذي قال الله فيه ?إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا
دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ?) الشرك اتخاذ الشريك، واتخاذ الشريك قد يكون على جهة
التنديد الأعظم، وقد يكون على جهة التنديد الأصغر، حقيقة الشرك أن يُتخذ النّدّ مع
الله جل وعلا واتخاذ الند مع الله قسمان:
إتخاذ للند فيما يستحقه الله جل وعلا على العبد من توحيده بالعبادة، وهذا التنديد هو الشرك الأكبر، كما جاء في حديث ابن مسعود حين سأله أي الذنب أعظم؟ قال عليه الصلاة والسلام "أن تجعل لله ندا وهو خلقك"، وكما قال جل وعلا ?فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ?[البقرة:22] ونحو ذلك.
وهناك تنديد أقل يعني أن يجعل للمخلوق شيء من الندية ولكن لا تصل إلى صرف العبادة لغير الله، وهذا من جهة التعلق ببعض الأسباب التي لم يأذن الله جل وعلا بها، أو تعظيم بعض الأشياء تعظيم الذي لا يوصل إلى ما يناسب مقام الربوبية مثل الحلف بغير الله، ومثل قول لولا الله وفلان وأشباه ذلك.
فإذن الشرك هو التنديد، وهو اتخاذ الشريك مع الله جل وعلا، والتنديد قسمان:
"تنديد أعظم: وهو أن يجعل ما هو محض حق الله جل وعلا للمخلوق.
"وتنديد أصغر: وهو أن يجعل للمخلوق شيئا مما يجب أن يكون لله، لكن لا يبلغ أن يصل إلى درجة الشرك الأكبر.
ولهذا اختلف العلماء في تعريف الشرك الأصغر وفي ضابط الشرك الأصغر ما هو، كما سبق أن مرّ معكم في كتاب التوحيد:و
منهم من قال الشرك الأصغر هو ما دون الشرك الأكبر مما لم يوصف بالنصوص بأنه مخرج من الملة أو أنه فيه صرف العبادة لغير الله جل جلاله.
وقال آخرون الشرك الأصغر هو كل وسيلة إلى الشرك الأكبر.
والثاني ينضبط في أشياء ولا ينضبط في أشياء أخر.
__________
(1) النساء:38، 116.
إتخاذ للند فيما يستحقه الله جل وعلا على العبد من توحيده بالعبادة، وهذا التنديد هو الشرك الأكبر، كما جاء في حديث ابن مسعود حين سأله أي الذنب أعظم؟ قال عليه الصلاة والسلام "أن تجعل لله ندا وهو خلقك"، وكما قال جل وعلا ?فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ?[البقرة:22] ونحو ذلك.
وهناك تنديد أقل يعني أن يجعل للمخلوق شيء من الندية ولكن لا تصل إلى صرف العبادة لغير الله، وهذا من جهة التعلق ببعض الأسباب التي لم يأذن الله جل وعلا بها، أو تعظيم بعض الأشياء تعظيم الذي لا يوصل إلى ما يناسب مقام الربوبية مثل الحلف بغير الله، ومثل قول لولا الله وفلان وأشباه ذلك.
فإذن الشرك هو التنديد، وهو اتخاذ الشريك مع الله جل وعلا، والتنديد قسمان:
"تنديد أعظم: وهو أن يجعل ما هو محض حق الله جل وعلا للمخلوق.
"وتنديد أصغر: وهو أن يجعل للمخلوق شيئا مما يجب أن يكون لله، لكن لا يبلغ أن يصل إلى درجة الشرك الأكبر.
ولهذا اختلف العلماء في تعريف الشرك الأصغر وفي ضابط الشرك الأصغر ما هو، كما سبق أن مرّ معكم في كتاب التوحيد:و
منهم من قال الشرك الأصغر هو ما دون الشرك الأكبر مما لم يوصف بالنصوص بأنه مخرج من الملة أو أنه فيه صرف العبادة لغير الله جل جلاله.
وقال آخرون الشرك الأصغر هو كل وسيلة إلى الشرك الأكبر.
والثاني ينضبط في أشياء ولا ينضبط في أشياء أخر.
__________
(1) النساء:38، 116.
(1/109)
فمدار ضابط الشرك
الأصغر على أشياء ورد النص بتسميتها شركا أو أن حقيقتها تشريك ولا تبلغ التنديد
الأعظم في صرف العبادة لغير الله جل جلاله، فقوله جل وعلا ?إِنَّ اللَّهَ لَا
يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ?، ظاهر في
التحذير والتخوف من الشرك لأن الشرك لا يغفر (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ
يُشْرَكَ بِهِ) وأما الذنوب فهي على رجاء الغفران كما قال هنا جل وعلا ويغفر ما دون
ذلك لمن يشاء وكما قال جل وعلا ?قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى
أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعًا?[الزمر:53]، أجمع العلماء على قوله (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعًا) نزلت في حق من تاب، فإذن قوله جل وعلا (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) في حق من مات على غير التوبة مصرا على معصية فهو على رجاء
الغفران تحت المشيئة إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه بذنبه، وأما من تاب فإنه لا
يدخل تحت المشيئة لقوله جل وعلا (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا)
ولقوله جل وعلا ?وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ
اهْتَدَى?[طه:82]، في آيات كثيرة في هذا المقام.
وهاهنا في هذه الآية بحث وهو أن قوله جل وعلا (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) فيه النكرة في سياق النفي، ومن المتقرر في الأصول؛ أصول الفقه وفي علم العربية أن النكرة في سياق النفي تعم، وهنا وقعت النكرة في سياق النفي، والنكرة هي المصدر المنسبك من (أنْ) والفعل المضارع يشرك؛ لأن معنى الكلام إن الله لا يغفر شركا به والمصدر نكرة، وهذا يعني العموم؛ عموم الشرك، فيكون المراد هنا أن الله جل وعلا لا يغفر أي نوع من أنواع الشرك، فالشرك على هذا لا يدخل تحت الغفران سواء أكان أكبر أم كان أصغر أم كان في شرك الألفاظ وأشباه ذلك، بل إنما يقع فيه من الموازنة بين الحسنات والسيئات، وإما يؤخذ العبد به فيعذب عليه، وهذا اختيار جمع من المحققين منهم شيخ الإسلام بن تيمية، ومنهم أكثر أئمة الدعوة رحمهم الله تعالى، بناء على القاعدة الشرعية على ذلك.
وهاهنا في هذه الآية بحث وهو أن قوله جل وعلا (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) فيه النكرة في سياق النفي، ومن المتقرر في الأصول؛ أصول الفقه وفي علم العربية أن النكرة في سياق النفي تعم، وهنا وقعت النكرة في سياق النفي، والنكرة هي المصدر المنسبك من (أنْ) والفعل المضارع يشرك؛ لأن معنى الكلام إن الله لا يغفر شركا به والمصدر نكرة، وهذا يعني العموم؛ عموم الشرك، فيكون المراد هنا أن الله جل وعلا لا يغفر أي نوع من أنواع الشرك، فالشرك على هذا لا يدخل تحت الغفران سواء أكان أكبر أم كان أصغر أم كان في شرك الألفاظ وأشباه ذلك، بل إنما يقع فيه من الموازنة بين الحسنات والسيئات، وإما يؤخذ العبد به فيعذب عليه، وهذا اختيار جمع من المحققين منهم شيخ الإسلام بن تيمية، ومنهم أكثر أئمة الدعوة رحمهم الله تعالى، بناء على القاعدة الشرعية على ذلك.
(1/110)
قال آخرون من أهل
العلم إن قوله جل وعلا (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) هو عام لأن
أن يشرك نكرة أتت في سياق النفي فهي دالة على العموم، لكن العموم تارة يراد به
الخصوص لأن العموم عند الأصوليين على ثلاثة:
"مراتب عموم باق على عمومه.
"وعموم مخصوص.
"وعموم مراد به الخصوص.
فيكون اللفظ عاما ولكن المراد به شيء خاص، كما في قوله جل وعلا ?الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ?[الأنعام:82]، فهنا قوله (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) هذه نكرة أيضا في سياق النفي بـ(لم) وهذه تدل على عموم الظلم، ولهذا فهم الصحابة ذلك فقالوا: يا رسول الله أيّنا لم يظلم نفسه؟ قال "ليس الذي تذهبون إليه فإنما الظلم الشرك ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح ?إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ?[لقمان:13]"، فأفهمهم عليه الصلاة والسلام أنّ المراد هنا بالظلم خصوص الشرك، فإذن يكون اللفظ عاما ولكن المراد به خصوص الشرك، وهذا ما يسميه الأصوليون عموم مراد به الخصوص، ففي هذه الآية قال طائفة من أهل العلم اللفظ عام ولكن المراد به خصوص الشرك الأكبر؛ لأنه هو الذي نعلم من النصوص أنه لا يُغفر وأنّ صاحبه متوعد بالنار كما قال جل وعلا مثلاً في سورة الحج إنه ?وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ?[الحج:31]، وكما قال جل وعلا في سورة المائدة ?وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ?[المائدة:72]، قوله في سورة المائدة (مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) (مَنْ) هذه شرطية و(يُشْرِكْ) فعل فيه الحدث فيه المصدر وهي نكرة هذا يدل على العموم، لكن لما رتب الأثر وهو أن الله حرم عليه الجنة ومأواه النار علمنا أن المراد خصوص الشرك الأكبر، فقالوا هذه الآية مثل تلك.
"مراتب عموم باق على عمومه.
"وعموم مخصوص.
"وعموم مراد به الخصوص.
فيكون اللفظ عاما ولكن المراد به شيء خاص، كما في قوله جل وعلا ?الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ?[الأنعام:82]، فهنا قوله (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) هذه نكرة أيضا في سياق النفي بـ(لم) وهذه تدل على عموم الظلم، ولهذا فهم الصحابة ذلك فقالوا: يا رسول الله أيّنا لم يظلم نفسه؟ قال "ليس الذي تذهبون إليه فإنما الظلم الشرك ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح ?إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ?[لقمان:13]"، فأفهمهم عليه الصلاة والسلام أنّ المراد هنا بالظلم خصوص الشرك، فإذن يكون اللفظ عاما ولكن المراد به خصوص الشرك، وهذا ما يسميه الأصوليون عموم مراد به الخصوص، ففي هذه الآية قال طائفة من أهل العلم اللفظ عام ولكن المراد به خصوص الشرك الأكبر؛ لأنه هو الذي نعلم من النصوص أنه لا يُغفر وأنّ صاحبه متوعد بالنار كما قال جل وعلا مثلاً في سورة الحج إنه ?وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ?[الحج:31]، وكما قال جل وعلا في سورة المائدة ?وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ?[المائدة:72]، قوله في سورة المائدة (مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) (مَنْ) هذه شرطية و(يُشْرِكْ) فعل فيه الحدث فيه المصدر وهي نكرة هذا يدل على العموم، لكن لما رتب الأثر وهو أن الله حرم عليه الجنة ومأواه النار علمنا أن المراد خصوص الشرك الأكبر، فقالوا هذه الآية مثل تلك.
(1/111)
قال الأولون هذه
الآية فيها عدم المغفرة وعدم المغفرة لا يستلزم الخلود في النار، وهذا غير الآيات
التي فيها الخلود في النار، فتلك الآيات دالة على أن المراد بالشرك الخصوص؛ خصوص
الشرك الأكبر لأن السياق يقتضيه، وأما هذه فلا دليل عليها.
وعلى العموم كما ذكرنا القول الأول هو قول الأكثرين، وعليه يتم الاستدلال هنا، وهو أن من عرف من الشرك الأكبر والأصغر في قول الأكثرين من أهل العلم لا يدخل تحت المغفرة أفاده الخوف من الشرك بالله جل وعلا؛ لأنه ليس ثَم شركا على هذا القول يدخل تحت المغفرة، بل إن الله جل جلاله لا بد أن يؤاخذ بالشرك، فإنْ كان شركا أكبر فالخوف عظيم منه فلا بد من معرفته ومعرفة وسائله ومعرفة أفراده حتى يحذره العبد، وإن كان شركا أصغر فلا بد أيضا من معرفته ومعرفة أفراده ومعرفة وسائله حتى يحذره العبد؛ لأن الجميع لا يدخل تحت المغفرة.
فإذن قول الشيخ رحمه الله تعالى هنا (وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه ?إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ?) يريد منه وضوح صورة الشركن ثم الخوف من الشرك، وأثر ذلك الخوف وهو أن يسعى العبد في تعلم التوحيد وتعلم ضده الذي هو الشرك الأكبر والأصغر حتى لا يخاطر بدينه وبنفسه وبمستقبله في الآخرة لأشياء يتساهل فيها في هذه الدار الفانية.
هذه النقطة الثانية التي تكلم عليها الشيخ.
الثالثة من المقدمات قال (وعرفت دين الله الذي أرسل به الرسل من أولهم إلى آخرهم الذي لا يقبل الله من أحد سواه) دين الله الذي أرسل به الرسل هو الإسلام، الإسلام المراد به هنا الإسلام العام الذي يشترك في الدعوة إليه كل رسول، فكل رسول أتى بالإسلام العام، وأما محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام فأتى بالإسلام العام والإسلام الخاص الذي هو شريعة الإسلام، والرسل من قبل مسلمون وأتباع محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام مسلمون، وإسلام من قبلنا دخول بالإسلام العام، وأما إسلام هذه الأمة فهو إسلام من جهة العقيدة ومن جهة الشريعة.
وما هو الإسلام العام؟ الإسلام العام هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله.
هذا التعريف للإسلام دعا إليه الرسل جميعا، أن يُستسلم لله بالتوحيد وأن يُنقاد له بالطاعة والطاعة هنا بحسبها طاعة لكل رسول جاء كل أمة بحسب الرسول الذي جاءها والبراءة من الشرك وأهله.
وعلى العموم كما ذكرنا القول الأول هو قول الأكثرين، وعليه يتم الاستدلال هنا، وهو أن من عرف من الشرك الأكبر والأصغر في قول الأكثرين من أهل العلم لا يدخل تحت المغفرة أفاده الخوف من الشرك بالله جل وعلا؛ لأنه ليس ثَم شركا على هذا القول يدخل تحت المغفرة، بل إن الله جل جلاله لا بد أن يؤاخذ بالشرك، فإنْ كان شركا أكبر فالخوف عظيم منه فلا بد من معرفته ومعرفة وسائله ومعرفة أفراده حتى يحذره العبد، وإن كان شركا أصغر فلا بد أيضا من معرفته ومعرفة أفراده ومعرفة وسائله حتى يحذره العبد؛ لأن الجميع لا يدخل تحت المغفرة.
فإذن قول الشيخ رحمه الله تعالى هنا (وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه ?إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ?) يريد منه وضوح صورة الشركن ثم الخوف من الشرك، وأثر ذلك الخوف وهو أن يسعى العبد في تعلم التوحيد وتعلم ضده الذي هو الشرك الأكبر والأصغر حتى لا يخاطر بدينه وبنفسه وبمستقبله في الآخرة لأشياء يتساهل فيها في هذه الدار الفانية.
هذه النقطة الثانية التي تكلم عليها الشيخ.
الثالثة من المقدمات قال (وعرفت دين الله الذي أرسل به الرسل من أولهم إلى آخرهم الذي لا يقبل الله من أحد سواه) دين الله الذي أرسل به الرسل هو الإسلام، الإسلام المراد به هنا الإسلام العام الذي يشترك في الدعوة إليه كل رسول، فكل رسول أتى بالإسلام العام، وأما محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام فأتى بالإسلام العام والإسلام الخاص الذي هو شريعة الإسلام، والرسل من قبل مسلمون وأتباع محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام مسلمون، وإسلام من قبلنا دخول بالإسلام العام، وأما إسلام هذه الأمة فهو إسلام من جهة العقيدة ومن جهة الشريعة.
وما هو الإسلام العام؟ الإسلام العام هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله.
هذا التعريف للإسلام دعا إليه الرسل جميعا، أن يُستسلم لله بالتوحيد وأن يُنقاد له بالطاعة والطاعة هنا بحسبها طاعة لكل رسول جاء كل أمة بحسب الرسول الذي جاءها والبراءة من الشرك وأهله.
(1/112)
فإذن هذا الأصل هو
الدين عند الله جل وعلا الذي قال الله فيه ?إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ
الْإِسْلَامُ?[آل عمران:19]، وبقوله ?وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا
فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ?[آل عمران:85]،
قبل بعثة محمد عليه الصلاة والسلام كل مخاطب بالإسلام الذي بعث به الرسول الذي أرسل
إلى تلك الطائفة، وبعد محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام لا يُقبل من أحد لا
الإسلام الذي بعث به محمد عليه الصلاة والسلام.
فإذن دين الله الذي أرسل به الرسل مشتمل تحقيق التوحيد لله وخلع الأنداد والكفر بالطاغوت، كما قال جل وعلا في سورة النحل ?وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ?[النحل:36]، وقال ?وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ?[فاطر:24] ونحو ذلك من الآيات.
فإذن العلم بدين الرسل هذا مهم للغاية، وتعلم دين نوح عليه السلام، وتعلم دين إبراهيم عليه السلام، وما خالف به نوح قومه وما خالف به إبراهيم قومه، وكذلك دين موسى عليه السلام ودين عيسى وما خالفوا به أقوامهم، وكذلك الدين الذي بُعث به سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام وما خالف به أقوامهم.
إذا عرفت حقيقة دين المرسلين فإنه يسهل عليك أن تعرف ما عليه الناس في الأزمان التي غلب فيها الجهل.
قال -هذه الأخيرة؛ الرابعة من المقدمات- (وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا أفادك فائدتين) التوحيد ترْكه ممن تركه راجع إلى أحد شيئين أو هما معا في بعض الأحوال:
"الأول: الجهل به.
"والثاني: العناد.
والجهل قد يكون لعدم وجود من ينبه وقد يكون للإعراض عن البحث فيه.
والعناد والاستكبار هذا يكون مع العلم وإقامة الحجة.
وكل من الأمرين مُكَفِّر؛ فمن لم يأتِ بالتوحيد عن إعراض منه وجهل فهو كافر، ومن لم يأتِ بالتوحيد ويترك الشرك بالله جل وعلا عن عناد واستكبار فهو كافر، لهذا قال العلماء الكفر كفران:
1.كفر إباء واستكبار كقوله جل وعلا ?إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ?[البقرة:34].
2.والنوع الثاني الإعراض كما قال جل وعلا ?بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ?[الأنبياء:24].
فإذن دين الله الذي أرسل به الرسل مشتمل تحقيق التوحيد لله وخلع الأنداد والكفر بالطاغوت، كما قال جل وعلا في سورة النحل ?وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ?[النحل:36]، وقال ?وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ?[فاطر:24] ونحو ذلك من الآيات.
فإذن العلم بدين الرسل هذا مهم للغاية، وتعلم دين نوح عليه السلام، وتعلم دين إبراهيم عليه السلام، وما خالف به نوح قومه وما خالف به إبراهيم قومه، وكذلك دين موسى عليه السلام ودين عيسى وما خالفوا به أقوامهم، وكذلك الدين الذي بُعث به سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام وما خالف به أقوامهم.
إذا عرفت حقيقة دين المرسلين فإنه يسهل عليك أن تعرف ما عليه الناس في الأزمان التي غلب فيها الجهل.
قال -هذه الأخيرة؛ الرابعة من المقدمات- (وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا أفادك فائدتين) التوحيد ترْكه ممن تركه راجع إلى أحد شيئين أو هما معا في بعض الأحوال:
"الأول: الجهل به.
"والثاني: العناد.
والجهل قد يكون لعدم وجود من ينبه وقد يكون للإعراض عن البحث فيه.
والعناد والاستكبار هذا يكون مع العلم وإقامة الحجة.
وكل من الأمرين مُكَفِّر؛ فمن لم يأتِ بالتوحيد عن إعراض منه وجهل فهو كافر، ومن لم يأتِ بالتوحيد ويترك الشرك بالله جل وعلا عن عناد واستكبار فهو كافر، لهذا قال العلماء الكفر كفران:
1.كفر إباء واستكبار كقوله جل وعلا ?إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ?[البقرة:34].
2.والنوع الثاني الإعراض كما قال جل وعلا ?بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ?[الأنبياء:24].
(1/113)
فليس كل من كفر كَفر
عن عناد واستكبار، بل قد يكون كُفره عن الإعراض، ولهذا جاء في أواخر نواقض الإسلام
التي كتبها إمام الدعوة رحمه الله؛ الناقض العاشر الإعراض عن دين الله لا يتعلمه
ولا يعمل به. لا يهمه أن يعلم التوحيد ولا يهمه أن يعرف الشرك ولا يهمه هذه
المسائل، يُعرض عن دين الله أصلا.
وإذا تقرر ذلك فهنا ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بذلك، هذا من جهة الحكم على الواقع ذاك الذي تكلمنا عليه من جهة التأصيل؛ أنّ الكفر قد يكون من جهة الإعراض والجهل، وقد يكون من جهة الإباء والاستكبار، ومن جهة الواقع يعني الحكم على الناس فإن المتلبس بالشرك يُقال له مشرك سواءً أكان عالما أم كان جاهلا، والحكم عليه بالكفر يتنوع:
فإن أُقيمت عليه الحجة؛ الحجة الرسالية من خبير بها ليزيل عنه الشبهة وليُفهمه بحدود ما أنزل الله على رسوله التوحيد وبيان الشرك فترك ذلك مع إقامة الحجة عليه فإنه يعد كافرا ظاهرا وباطنا.
وأما المعرض فهنا يعمل في الظاهر معاملة الكافر، وأما باطنه فإنه لا نحكم عليه بالكفر الباطن إلا بعد قيام الحجة عليه؛ لأنه من المتقرر عند العلماء أن من تلبس بالزنا فهو زان، وقد يؤاخذ وقد لا يؤاخذ، إذا كان عالما بحرمة الزنا فزنى فهو مؤاخذ، وإذا كان أسلم للتو وزنى غير عالم أنه محرم فالاسم باق عليه؛ لكن -يعني اسم الزنا باق أنه زانٍ واسم الزنا عليه باق- لكن لا يؤاخذ بذلك لعدم علمه.
وهذا هو الجمع بين ما ورد في هذا الباب من أقوال مختلفة.
فإذن يفرق في هذا الباب بين الكفر الظاهر والباطن، والأصل أنه لا يُكَفَّر أحد إلا بعد قيام الحجة عليه لقول الله جل وعلا ?وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا?[الإسراء:15]، والعذاب هنا إنما يكون بعد إقامة الحجة على العبد في الدنيا أو في الآخرة، قد يُعامل معاملة الكافر استبراء للدين وحفظا له، من جهة الاستغفار له، ومن جهة عدم التضحية له، وألاّ يزوج وأشباه ذلك من الأحكام.
وإذا تقرر ذلك فهنا ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بذلك، هذا من جهة الحكم على الواقع ذاك الذي تكلمنا عليه من جهة التأصيل؛ أنّ الكفر قد يكون من جهة الإعراض والجهل، وقد يكون من جهة الإباء والاستكبار، ومن جهة الواقع يعني الحكم على الناس فإن المتلبس بالشرك يُقال له مشرك سواءً أكان عالما أم كان جاهلا، والحكم عليه بالكفر يتنوع:
فإن أُقيمت عليه الحجة؛ الحجة الرسالية من خبير بها ليزيل عنه الشبهة وليُفهمه بحدود ما أنزل الله على رسوله التوحيد وبيان الشرك فترك ذلك مع إقامة الحجة عليه فإنه يعد كافرا ظاهرا وباطنا.
وأما المعرض فهنا يعمل في الظاهر معاملة الكافر، وأما باطنه فإنه لا نحكم عليه بالكفر الباطن إلا بعد قيام الحجة عليه؛ لأنه من المتقرر عند العلماء أن من تلبس بالزنا فهو زان، وقد يؤاخذ وقد لا يؤاخذ، إذا كان عالما بحرمة الزنا فزنى فهو مؤاخذ، وإذا كان أسلم للتو وزنى غير عالم أنه محرم فالاسم باق عليه؛ لكن -يعني اسم الزنا باق أنه زانٍ واسم الزنا عليه باق- لكن لا يؤاخذ بذلك لعدم علمه.
وهذا هو الجمع بين ما ورد في هذا الباب من أقوال مختلفة.
فإذن يفرق في هذا الباب بين الكفر الظاهر والباطن، والأصل أنه لا يُكَفَّر أحد إلا بعد قيام الحجة عليه لقول الله جل وعلا ?وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا?[الإسراء:15]، والعذاب هنا إنما يكون بعد إقامة الحجة على العبد في الدنيا أو في الآخرة، قد يُعامل معاملة الكافر استبراء للدين وحفظا له، من جهة الاستغفار له، ومن جهة عدم التضحية له، وألاّ يزوج وأشباه ذلك من الأحكام.
(1/114)
فإذن كلام أئمة
الدعوة في هذه المسألة فيه تفصيل ما بين الكفر الظاهر والكفر الباطن، ومن جهة
التطبيق في الواقع يفرقون، فإذا أتى للتأصيل قالوا هو كفر سواء أكان كفره عن إعراض
وجهل أو كان كفره عن إباء واستكبار، وإذا أتى للتطبيق على المعين أطلقوا على من
أقيمت عليه الحجة الرّسالية البينة الواضحة أطلقوا عليه الكفر، وأما من لم تقم عليه
الحجة فتارة لا يطلقون عليه الكفر كما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في موضع: وإن
كنا لا نكفر من عند قبة الكوّاز وقبة البدوي لأجل عدم وجود من ينبههم. الشيخ ما كفر
أهل [الجبيلة] ونحوهم ممن عندهم بعض الأوثان في أول الأمر لأجل عدم بلوغ الحجة
الكافية لهم، وقد يطلق بعضهم على هؤلاء الكفر ويراد به أن يعاملوا معاملة أهل الكفر
حرزا ومحافظة لأمر الشريعة والإتباع، حتى لا يستغفر لمشرك، وحتى لا يضحي عن مشرك،
أو أن يتولى مشركا ونحو ذلك من الأحكام.
فإذن نخلص من ذلك (وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا ) أنّ هذا الجهل بالتوحيد مذموم غاية الذم، سواء أطلقنا عليه حكم الكفر ونعني به الظاهر، لا الكفر الكامل الذي هو ردة مخرج من الدين أصلا، وإنما الكفر الظاهر الذي تترتب عليه الأحكام الظاهرة في الدنيا، أو قلنا أنه في هذا أتى بخطر عظيم في جهله بالتوحيد، فهذا ينبئك عن أن غالب الناس اليوم كما قال الله جل وعلا ?وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ?[يوسف:106]، وكما قال بل أكثرهم ?بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ?[الأنبياء:24]، فالحق بين وواضح وجلي من أراده أدركه ولكن سبب علمهم بالحق ليس هو خفاء الحق في نفسه ولكن سببه إعراض من أعرض، قال( بل أكثرهم لا يعلمون الحق) لم؟ هل لأدل أن الحق خافٍ أو يحتاج إلى معلومات خاصة بل السبب أنهم معرضون، بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون ذلك سبب عدم علمهم بالحق الإعراض.
فإذن نخلص من ذلك (وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا ) أنّ هذا الجهل بالتوحيد مذموم غاية الذم، سواء أطلقنا عليه حكم الكفر ونعني به الظاهر، لا الكفر الكامل الذي هو ردة مخرج من الدين أصلا، وإنما الكفر الظاهر الذي تترتب عليه الأحكام الظاهرة في الدنيا، أو قلنا أنه في هذا أتى بخطر عظيم في جهله بالتوحيد، فهذا ينبئك عن أن غالب الناس اليوم كما قال الله جل وعلا ?وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ?[يوسف:106]، وكما قال بل أكثرهم ?بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ?[الأنبياء:24]، فالحق بين وواضح وجلي من أراده أدركه ولكن سبب علمهم بالحق ليس هو خفاء الحق في نفسه ولكن سببه إعراض من أعرض، قال( بل أكثرهم لا يعلمون الحق) لم؟ هل لأدل أن الحق خافٍ أو يحتاج إلى معلومات خاصة بل السبب أنهم معرضون، بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون ذلك سبب عدم علمهم بالحق الإعراض.
(1/115)
فهذا الإعراض عن
الدين والإعراض عن التوحيد وعدم تعلم التوحيد والجهل به، هذا قد تجده في أناس من
الخاصة، وقد تجده في دعاة وقد تجده في بعض طلبة العلم، فمن أنعم الله جل وعلا عليه
بمعرفة التوحيد ومعرفة ضده ومعرفة أنواع التوحيد وبيان ذلك والأدلة عليه، وعرفتَ ما
أصبح غالب الناس فيه، بل أكثر وأكثر الناس فيه من الجهل بالتوحيد حتى وإن زعموا
أنهم من أهله (أفادك فائدتين الأولى الفرح فضل الله ورحمته) فإنه لا شيء يعدل العلم
بالتوحيد والعلم بضده والاستجابة لأمر الله بالتوحيد والاستجابة لنهي الله جل ولا
عن الشرك ووسائله، فإن العلم بذلك هو أصل الاعتقاد، والعمل بذلك هو أصل الملة فأصل
بعثة الأنبياء والمرسلين وزبدة الرسالات الإلهية، فمن رأى ما من الله به عليه من
الإقبال على هذا العلم وفهمه وفهم حدوده وفهم أدلته وكلام أهل العلم فيه أفاده هذه
الفائدة العظمى ?قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا
هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ?[يونس:58]، ولهذا الفرح (بِفَضْلِ اللَّهِ
وَبِرَحْمَتِهِ) يعني بالدين وبالتوحيد وبتعلمه وبالإقبال عليه، هذا خير من كل ما
يغشاه الناس من أمور الدنيا ومن الأمور التي يظنون أنها فاضلة لأمور الدين
كالاهتمام بالعلوم المختلفة أو الاهتمام بأشياء متنوعة، فأصل الملة أن تعلم التوحيد
وتتعلمه، لهذا خاف إبراهيم على نفسه من عبادة الأصنام فدعا ربه بقوله ?وَاجْنُبْنِي
وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ?[إبراهيم:35] خاف على نفسه وخاف على بنيه،
قال إبراهيم التيمي رحمه الله: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم. لهذا بوب الشيخ في
كتاب التوحيد باب الخوف.
فهنا إذا عرفت المقدمات الأربع، وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا التوحيد والجهل بالشرك وعدم إعارة ذلك أو الاهتمام بذلك الاهتمام الواجب الذي يليق به لعظم مسألة التوحيد، أفادك فائدتين الأولى الفرح بفضل الله ورحمته، والحق أننا إذا تدبرنا ذلك فإننا نرى أنه لا شيء لنا، وإنما هو فضل الله جل جلاله، فالله ساق لنا هذا الفضل ويسر لنا ذلك بفضله وبرحمته، ثم نفرح بفضل الله وبرحمته كما قال ابن القيم رحمه الله في النونية:
واجعل في قلبك مقلتين كلاهما من خشية الرحمن باكيتان
لو شاء ربُّك كنت أيضا مثلهم القلب بين أصابع الرحمن
فهنا إذا عرفت المقدمات الأربع، وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا التوحيد والجهل بالشرك وعدم إعارة ذلك أو الاهتمام بذلك الاهتمام الواجب الذي يليق به لعظم مسألة التوحيد، أفادك فائدتين الأولى الفرح بفضل الله ورحمته، والحق أننا إذا تدبرنا ذلك فإننا نرى أنه لا شيء لنا، وإنما هو فضل الله جل جلاله، فالله ساق لنا هذا الفضل ويسر لنا ذلك بفضله وبرحمته، ثم نفرح بفضل الله وبرحمته كما قال ابن القيم رحمه الله في النونية:
واجعل في قلبك مقلتين كلاهما من خشية الرحمن باكيتان
لو شاء ربُّك كنت أيضا مثلهم القلب بين أصابع الرحمن
(1/116)
إذا عرفت هذا الفضل
وهذه الرحمة التي غشيت بها ومن الله عليك بها فلا تتركنها إلى غيرها حتى يأتينك
اليقين؛ لأن هذه أعظم نعمة تنعم بها على العبد أن يكون عالما بالتوحيد عالما بالرسل
مخالفا لأهل الجهل والجهالة.
قال (أفادك فائدتين الأولى الفرح بفضل الله ورحمته كما قال تعالى ?قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ?[يونس:58])، وفضل الله ورحمته الدّين والقرآن وفقه الدين وفقه القرآن والتوحيد والإسلام ونحو ذلك، ولهذا روى ابن أبي حاتم وغيره عن عمر رضي الله عنه أنه دعا غلامه يوما إلى أن يخرج إلى إبل الصدقة الزكاة جُمعت له خارج المدينة فلما ذهب إليها اهتال غلامه من كثرتها فقال لعمر فقال لأمير المؤمنين: يا أمير المؤمنين هذا فضل الله ورحمته. فغضب عمر وقال: كذبت ولكن فضل الله ورحمته القرآن، قال تعالى (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ) -يعني القرآن في نزوله وتشريعه وما حبى الله هذه الأمة به- (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) فإن كان ثم فرح فليفرح المرء بهداية الله جل وعلا له بالالتزام بدين الله وبمعرفة التوحيد والعلم به وما يتصل بذلك وهذا هو الفضل، وبه تعلم أن المحروم من حرم وأكثر الخلق حرموا هذا الفضل العظيم.
ثم الفائدة الثانية قال (وأفادك أيضا الخوف العظيم فإنك إذا عرفت...) إلى آخره، والخوف العظيم ملازم لن الشيطان أضل الأكثرين، فتفرح بفضل الله وبرحمته وتخاف:
فالفرح بفضل الله وبرحمته يعني بمعرفة التوحيد والعلم به ومعرفة الشرك ووسائله والابتعاد عن ذلك والدعوة إلى التوحيد والدعوة إلى النهي عن الشرك إجمالا وتفصيلا، هذا الفرح بفضل الله وبرحمته يفيد الثبات على ذلك، فكلما استحضرت الفرح هذا وكنت فرحا به كنت مستمسكا به.
ثم الخوف أو الفائدة الثانية يجعلك لا تلتفت عنه يمينا ولا شمالا، فكلما التفت كلما رجعت لأجل شدة الخوف، مستحضرا خوف إبراهيم وخوف عباد الله الصالحين، والخوف من الشرك لأجل ألا يقع العبد فيه، وأنتَ ترى اليوم أن أهل هذه البلاد مثلا مع ما هم عليه من أثر هذه الدعوة الإصلاحية العظيمة التي قربتهم إلى الله جل جلاله بالتوحيد وبالبعد عن الشرك ووسائله، لكن لأجل عدم الخوف من الشرك وقعوا في شركيات؛ من شركيات الألفاظ وبعضها من الشرك الأصغر وبعضها قد يكون من الشرك الأكبر في حق بعض الناس.
قال (أفادك فائدتين الأولى الفرح بفضل الله ورحمته كما قال تعالى ?قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ?[يونس:58])، وفضل الله ورحمته الدّين والقرآن وفقه الدين وفقه القرآن والتوحيد والإسلام ونحو ذلك، ولهذا روى ابن أبي حاتم وغيره عن عمر رضي الله عنه أنه دعا غلامه يوما إلى أن يخرج إلى إبل الصدقة الزكاة جُمعت له خارج المدينة فلما ذهب إليها اهتال غلامه من كثرتها فقال لعمر فقال لأمير المؤمنين: يا أمير المؤمنين هذا فضل الله ورحمته. فغضب عمر وقال: كذبت ولكن فضل الله ورحمته القرآن، قال تعالى (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ) -يعني القرآن في نزوله وتشريعه وما حبى الله هذه الأمة به- (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) فإن كان ثم فرح فليفرح المرء بهداية الله جل وعلا له بالالتزام بدين الله وبمعرفة التوحيد والعلم به وما يتصل بذلك وهذا هو الفضل، وبه تعلم أن المحروم من حرم وأكثر الخلق حرموا هذا الفضل العظيم.
ثم الفائدة الثانية قال (وأفادك أيضا الخوف العظيم فإنك إذا عرفت...) إلى آخره، والخوف العظيم ملازم لن الشيطان أضل الأكثرين، فتفرح بفضل الله وبرحمته وتخاف:
فالفرح بفضل الله وبرحمته يعني بمعرفة التوحيد والعلم به ومعرفة الشرك ووسائله والابتعاد عن ذلك والدعوة إلى التوحيد والدعوة إلى النهي عن الشرك إجمالا وتفصيلا، هذا الفرح بفضل الله وبرحمته يفيد الثبات على ذلك، فكلما استحضرت الفرح هذا وكنت فرحا به كنت مستمسكا به.
ثم الخوف أو الفائدة الثانية يجعلك لا تلتفت عنه يمينا ولا شمالا، فكلما التفت كلما رجعت لأجل شدة الخوف، مستحضرا خوف إبراهيم وخوف عباد الله الصالحين، والخوف من الشرك لأجل ألا يقع العبد فيه، وأنتَ ترى اليوم أن أهل هذه البلاد مثلا مع ما هم عليه من أثر هذه الدعوة الإصلاحية العظيمة التي قربتهم إلى الله جل جلاله بالتوحيد وبالبعد عن الشرك ووسائله، لكن لأجل عدم الخوف من الشرك وقعوا في شركيات؛ من شركيات الألفاظ وبعضها من الشرك الأصغر وبعضها قد يكون من الشرك الأكبر في حق بعض الناس.
(1/117)
وهذا ونسأل من الله
جل وعلا السلامة والعافية لأجل عدم الخوف من الشرك، فيكثر عند الناس أن يقولون نحن
على الفطرة، والناس في هذا البلد أهل فطرة يستمرون أهل الفطرة إلى متى؟ الأجيال
التي بعد آدم التي بعد آدم عليه السلام كانوا على الفطرة ثم أتتهم الشياطين
فاجتالتهم عن دينهم.
إذن ما أمن أحد على دينه وهو عالم بحقيقة عداوة الشيطان، بل لا يأمن إلا من يخاف، من يستحضر الخوف دائما يحذر ويحذر ويستحذر الحذر فإذا غابت عنه مسائل التوحيد راجع وتأكد، وهكذا إذا تفهم وحفظ وراجع ودعا حتى يثبت وحتى يستقيم له دينه.
قال (وأفادك أيضا الخوف العظيم، فإنك إذا عرفتَ أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه وقد يقولها وهو جاهل) يُشير الشيخ رحمه الله بذلك إلى ما جاء بالحديث الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام "وإنّ الرّجل ليتكلم بالكلمة من سَخَطِ الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا" فقول الشيخ رحمه الله (يخرجها من لسانه وقد يقولها وهو جاهل) من جهة أنه لا يلقي لها بالا؛ لأنه لا يعلم أنها مكفرة فقوله عليه الصلاة والسلام لا يلقي لها بالا تهوي به في النار سبعين خريفا يعلم أنه منهي عنها لكن لا يلقي لها بالا من شدة الخوف منها، لهذا قال (فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه) بكلمة يحصل الكفر، سواء كان معتقدا لها؛ يعني لما دلت عليه، أو كان قوله لهذه الكلمة من الكفر بالله ناتج عن الإعراض عن دين الله وهو متمكن من معرفته.
فإذن الإعراض لا يُعذر به العبد إذا كان إعراضا مع التمكن من المعرفة؛ عنده أهل العلم يمكنه أن يسألهم، عنده أهل الديانة يستطيع أن يبحث عن الحق، ثم هو لا يبحث عن ذلك، فهذا يدخل في قوله عليه الصلاة والسلام (لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا) .
قال (وقد يقولها وهو جاهل فلا يُعذر بالجهل) لأنه أعرض مع تمكّنه من المعرفة، أعرض مع قرب الحجة منه، فجهله لا بسبب خفاء الحق أو بسبب وجود من ينبهه وإنما جهله بها لأجل الإعراض.
فإذن هنا نلحظ التفريق في الجهل ما بين الجهل الذي سببه عدم وجود من ينبه بالحق، والجهل الذي سببه الإعراض.
"فالجهل الذي سببه الإعراض مع وجود من ينبه هذا لا يعذر به العبد.
"وأما الجهل الذي يكون لأجل عدم وجود من ينبه فإنه يعذر به حكما في الآخرة حتى يأتي من يقيم عليه الحجة، ولا يعذر به في أحكام الدنيا، فهو على كل حال متوعد هذا التوعد العظيم.
إذن ما أمن أحد على دينه وهو عالم بحقيقة عداوة الشيطان، بل لا يأمن إلا من يخاف، من يستحضر الخوف دائما يحذر ويحذر ويستحذر الحذر فإذا غابت عنه مسائل التوحيد راجع وتأكد، وهكذا إذا تفهم وحفظ وراجع ودعا حتى يثبت وحتى يستقيم له دينه.
قال (وأفادك أيضا الخوف العظيم، فإنك إذا عرفتَ أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه وقد يقولها وهو جاهل) يُشير الشيخ رحمه الله بذلك إلى ما جاء بالحديث الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام "وإنّ الرّجل ليتكلم بالكلمة من سَخَطِ الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا" فقول الشيخ رحمه الله (يخرجها من لسانه وقد يقولها وهو جاهل) من جهة أنه لا يلقي لها بالا؛ لأنه لا يعلم أنها مكفرة فقوله عليه الصلاة والسلام لا يلقي لها بالا تهوي به في النار سبعين خريفا يعلم أنه منهي عنها لكن لا يلقي لها بالا من شدة الخوف منها، لهذا قال (فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه) بكلمة يحصل الكفر، سواء كان معتقدا لها؛ يعني لما دلت عليه، أو كان قوله لهذه الكلمة من الكفر بالله ناتج عن الإعراض عن دين الله وهو متمكن من معرفته.
فإذن الإعراض لا يُعذر به العبد إذا كان إعراضا مع التمكن من المعرفة؛ عنده أهل العلم يمكنه أن يسألهم، عنده أهل الديانة يستطيع أن يبحث عن الحق، ثم هو لا يبحث عن ذلك، فهذا يدخل في قوله عليه الصلاة والسلام (لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا) .
قال (وقد يقولها وهو جاهل فلا يُعذر بالجهل) لأنه أعرض مع تمكّنه من المعرفة، أعرض مع قرب الحجة منه، فجهله لا بسبب خفاء الحق أو بسبب وجود من ينبهه وإنما جهله بها لأجل الإعراض.
فإذن هنا نلحظ التفريق في الجهل ما بين الجهل الذي سببه عدم وجود من ينبه بالحق، والجهل الذي سببه الإعراض.
"فالجهل الذي سببه الإعراض مع وجود من ينبه هذا لا يعذر به العبد.
"وأما الجهل الذي يكون لأجل عدم وجود من ينبه فإنه يعذر به حكما في الآخرة حتى يأتي من يقيم عليه الحجة، ولا يعذر به في أحكام الدنيا، فهو على كل حال متوعد هذا التوعد العظيم.
(1/118)
إذا كان الإنسان قد
يعوي في النار سبعين خريفا يعني يكون في قعرها، هذا يعني أنه فارق نار الموحدين
بكلمة يقولها، هذا من خاف هذا الشيء يلزمه أن يتعلم أسباب الرّدة وأسباب الكفر
والكلمات التي قد يكفر بها وهو لا يشعر بذلك، وهذا مضبوط بضوابطه الشرعية، فإنه ليس
كل من قال كلمة الكفر كفر، ولهذا الشيخ قال هنا (إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة
يخرجها من لسانه وقد يقولها وهو جاهل) قد يقول ذلك (وهو جاهل فيعذر بالجهل) يعني في
بعض أحواله (وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله تعالى كما ظن المشركون) المشرك
في أي زمان ومكان ما أشرك محادّة لله ولرسله قصدا في المحادّة وإنما حصلت المحادّة
نتيجة لشركه، فهو إن أشرك محادّ، ولكن إذا قلت للوثني المشرك الجاهل أنت مبغض لله
كاره لله جل وعلا محادّ لله يقول لا؛ لأنه يقول أنا ما فعلت هذه الأفعال إلا بقصد
التقرب إلى الله حتى يرتفع مقامي عند الله.
فإذن لا يتصور في المشرك أنه أشرك للبعد عن الله بل أشرك ليتقرب إلى الله، كما قال جل وعلا ?وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى?[الزمر:3].
قال رحمه الله بعد ذلك (خصوصا إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين ?اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ?[الأعراف:138]) قوم موسى مروا على قوم يعبدون آلهة ويعبدون معبودات، فنظروا إلى ذلك فظنوا أنه محمود؛ لأنه مخالف لدين فرعون فقالوا لموسى ?اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(138)إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ?[الأعراف:138-139]، وفي حديث أبي واصب المعروف أنه قال: مررنا ونحن حدثاء عهد بكفر بسدرة(1) وكان للمشركين سدرة ينوطون بها أسلحتهم فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال النبي عليه الصلاة والسلام "الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قال أصحاب موسى لموسى: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ".
قال العلماء أصحاب موسى لم يكفروا وأصحاب محمد عليه الصلاة والسلام الذين كانوا حدثاء عهد بكفر لم يكفروا بتلك الكلمة، ولكن لو تبعها عمل لكفروا؛ لأنهم طلبوا شيئا عن جهل فلما بُيِّن لهم انتهوا.
__________
(1) انتهى الوجه الأول من الشريط الخامس.
فإذن لا يتصور في المشرك أنه أشرك للبعد عن الله بل أشرك ليتقرب إلى الله، كما قال جل وعلا ?وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى?[الزمر:3].
قال رحمه الله بعد ذلك (خصوصا إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين ?اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ?[الأعراف:138]) قوم موسى مروا على قوم يعبدون آلهة ويعبدون معبودات، فنظروا إلى ذلك فظنوا أنه محمود؛ لأنه مخالف لدين فرعون فقالوا لموسى ?اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(138)إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ?[الأعراف:138-139]، وفي حديث أبي واصب المعروف أنه قال: مررنا ونحن حدثاء عهد بكفر بسدرة(1) وكان للمشركين سدرة ينوطون بها أسلحتهم فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال النبي عليه الصلاة والسلام "الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قال أصحاب موسى لموسى: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ".
قال العلماء أصحاب موسى لم يكفروا وأصحاب محمد عليه الصلاة والسلام الذين كانوا حدثاء عهد بكفر لم يكفروا بتلك الكلمة، ولكن لو تبعها عمل لكفروا؛ لأنهم طلبوا شيئا عن جهل فلما بُيِّن لهم انتهوا.
__________
(1) انتهى الوجه الأول من الشريط الخامس.
(1/119)
وهذا يفيد -يعني قصة
قوم موسى وقصة ذات أنواط- تفيد أنّ الموحد قد يخفى عليه بعض أفراد التوحيد، وهذا
يفيده الخوف؛ لأن قوم موسى وهم خاصّة أصحاب موسى منهم من قال تلك الكلمة، وأصحاب
محمد عليه الصلاة والسلام ممن أسلم حديثا منهم من قال تلك الكلمة، مع أنهم يعلمون
معنى لا إله إلا الله ويعلمون ما يدخل تحتها من الأفراد، لكن جهلوا بعض الأفراد،
هذا يفيد أن من دونهم لا بد أن يخاف الخوف الشديد؛ لأن جهله ببعض الأفراد أولى من
جهل أولئك، فإن أنعم الله عليه بمنبِّه له بعد الكلام يحجزه عن العمل وينبهه، فهذا
من نعمة الله عليه وإن لم يجد بل قال ذلك الكلام واتخذ إلها مع الله فإنه يكون قد
ناقض بفعله توحيده.
قال (فحينئذ يعظم حرصُكَ وخوفك على ما يخلصك من هذا وأمثاله) وهذا لاشك أن يوجب الخوف الشديد.
إذن هذا المقطع من كلام الإمام رحمه الله تعالى فيه تهيئة نفس الموحد لكشف الشبهات التي يأتي بيانها، فهيأ نفسه لبيان حال المشركين الذين أشركوا من أقوام كل رسول، وبيّن ديانة كل رسول، بيّن معنى التوحيد ومعنى ضده، وبيّن أن أكثر الناس مخالفون للتوحيد معرضون عنه جهال به، وبيّن أن هذه المقدمات تفيدك أولا الفرح والثاني الخوف، وهذا تهيئة لنفسيتك حين تتلقى كشف تلك الشبه، فكشف الشبه إذن الذي سيأتي يكون مع فرحك بالتوحيد وخوفك من الشرك، وهذا يقيم حاجزا قويا نفسيا من أن تتلقى الشبهة تلقيا عقليا بحتا، كما عليه علماء الكلام وأشباههم دون وضعٍ تعبدي نفسي من الوجل والخوف والفرح والرضا، ثم أنْ تكون حين تعرض لك جواب الشبه يكون في نفس الفرح بفضل الله بالتوحيد والفرح بفضل الله جل وعلا ورحمته أن كُشفت لك الشبه.
فإذن الشبه مَزَلَّة أقدام من جهة عرضها ومن جهة كشفها، فلابد لها من قاعدة تقوم عليها نفس الموحد، وهذه القاعدة هي التي قدمها الشيخ رحمه الله فأول الكلام قواعد علمية، والآن هذا الفرح والخوف قواعد نفسية حتى تكون فيما تستقبل من عرض الشبه ونقدها وكشفها، تكون ما بين قواعد علمية محكمات لا تزول بعدها، وما بين تحسينات نفسية لا تتأثر بالشبه مهما جاءت، فإذا جاءت الشبهة صار عنك خوف من ضد التوحيد وفرح لما أنت عليه من التوحيد، وهذا يجعلك في قوة وتحصن وأمان بفضل الله وبرحمته.
قال (فحينئذ يعظم حرصُكَ وخوفك على ما يخلصك من هذا وأمثاله) وهذا لاشك أن يوجب الخوف الشديد.
إذن هذا المقطع من كلام الإمام رحمه الله تعالى فيه تهيئة نفس الموحد لكشف الشبهات التي يأتي بيانها، فهيأ نفسه لبيان حال المشركين الذين أشركوا من أقوام كل رسول، وبيّن ديانة كل رسول، بيّن معنى التوحيد ومعنى ضده، وبيّن أن أكثر الناس مخالفون للتوحيد معرضون عنه جهال به، وبيّن أن هذه المقدمات تفيدك أولا الفرح والثاني الخوف، وهذا تهيئة لنفسيتك حين تتلقى كشف تلك الشبه، فكشف الشبه إذن الذي سيأتي يكون مع فرحك بالتوحيد وخوفك من الشرك، وهذا يقيم حاجزا قويا نفسيا من أن تتلقى الشبهة تلقيا عقليا بحتا، كما عليه علماء الكلام وأشباههم دون وضعٍ تعبدي نفسي من الوجل والخوف والفرح والرضا، ثم أنْ تكون حين تعرض لك جواب الشبه يكون في نفس الفرح بفضل الله بالتوحيد والفرح بفضل الله جل وعلا ورحمته أن كُشفت لك الشبه.
فإذن الشبه مَزَلَّة أقدام من جهة عرضها ومن جهة كشفها، فلابد لها من قاعدة تقوم عليها نفس الموحد، وهذه القاعدة هي التي قدمها الشيخ رحمه الله فأول الكلام قواعد علمية، والآن هذا الفرح والخوف قواعد نفسية حتى تكون فيما تستقبل من عرض الشبه ونقدها وكشفها، تكون ما بين قواعد علمية محكمات لا تزول بعدها، وما بين تحسينات نفسية لا تتأثر بالشبه مهما جاءت، فإذا جاءت الشبهة صار عنك خوف من ضد التوحيد وفرح لما أنت عليه من التوحيد، وهذا يجعلك في قوة وتحصن وأمان بفضل الله وبرحمته.
(1/120)
الحمد لله جل جلاله
على ما أنعم به علينا من نعمة التوحيد ودراسته وتعلمه ونبذ الشرك والبراءة منه
وبُغض الشرك وبغض أهله ومعاداة أولئك والتبرِّئ منهم قولا وعملا واعتقادا، ونسأله
جل وعلا بكل اسم له حسن وبصفاته العلا أن يديم علينا هذا الفضل وهذه الرحمة، وأن
يجعلنا فرحين بذلك خائفين من ضده ما حيينا، نسأله جل وعلا أن لا يزيغ قلوبنا إذ
هدانا، وأن ينعم علينا ويتم نعمه ذلك بأن يتوفانا وهو راض عنا غير مغيرين ولا
مبدلين، نعوذ بك اللهم من كل فتنة، نعوذ بك اللهم من كل فتنة تصدنا عن هذا الأمر
الجلل في التوحيد ودعوة الأنبياء والمرسلين.
هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[الأسئلة] نأخذ بعض الأسئلة.
بالمناسبة في مواقف السيارات، أهل المسجد يودون من الإخوة أن يقفوا في المواقف الشرقية أو في الجنوبية في هذه الجهة؛ لأن الوقوف في الجهات الضيقة قد تضيق على من يريد أن يخرج من بيته ونحو ذلك من بعض الإخوة.
هنا فيه سيارتين تضيق على أصحابها تقول سيارة [...] رقمها مائتين وخمسة، صفر ثلاثة وخمسين و[...] سبعمائة وعشرين أربعة وخمسين سبعة وتسعين استحضر دائما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "لا ضرر ولا ضرار" لا تضر إخوانك، قد يكون أحدهم عنده موعد يريد أن يستفيد بعض الوقت من العمل ثم يذهب إلى موعد مهم له إما لمستشفى أو ضروري بمصالحه أو لأهله أو نحو ذلك، فلا تفترض أن الذي يحضر يحضر كل الفترة، وأنهم جميعا سيخرجون خروجا واحدا، لا تفترض هذا، بل استحضر أن منهم من سيخرج مبكرا منهم من عنده كذا ولا يفترض أن الذي سيحضر يتخلص من كل المشاغل، يحضر نصف ساعة يستفيد بعض الشيء ثم أذهب إلى بعض الأعمال فيعين بعضكم بعضا على أمر دينه ودنياه.
1/ هل صفة العلو ذاتية أم فعلية ؟
صفة علو الله جل وعلا ذاتية، هو جل وعلا لم يزل عاليا على خلقه سبحانه وتعالى، له علو الذات وعلو الصفات.
2/ نسأل الله بكل اسم له حسن، فهل هناك لله بعض الأسماء السيئة؟
أعوذ بالله، أعوذ بالله، فأسماء الله جل وعلا حسنى حسنة، والشر ليس إلى الله جل وعلا لا في ذاته ولا في أسمائه ولا صفاته ولا أفعاله؛ يعني لو قال الداعي أسألك اللهم بأسمائك الحسنى هل يفهم منه أنه ثم أسماء غير حسنى؟ لا يفهم ذلك.
3/ هذا السؤال فيه طول بعض الشيء نقل قول بعضهم.
هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[الأسئلة] نأخذ بعض الأسئلة.
بالمناسبة في مواقف السيارات، أهل المسجد يودون من الإخوة أن يقفوا في المواقف الشرقية أو في الجنوبية في هذه الجهة؛ لأن الوقوف في الجهات الضيقة قد تضيق على من يريد أن يخرج من بيته ونحو ذلك من بعض الإخوة.
هنا فيه سيارتين تضيق على أصحابها تقول سيارة [...] رقمها مائتين وخمسة، صفر ثلاثة وخمسين و[...] سبعمائة وعشرين أربعة وخمسين سبعة وتسعين استحضر دائما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "لا ضرر ولا ضرار" لا تضر إخوانك، قد يكون أحدهم عنده موعد يريد أن يستفيد بعض الوقت من العمل ثم يذهب إلى موعد مهم له إما لمستشفى أو ضروري بمصالحه أو لأهله أو نحو ذلك، فلا تفترض أن الذي يحضر يحضر كل الفترة، وأنهم جميعا سيخرجون خروجا واحدا، لا تفترض هذا، بل استحضر أن منهم من سيخرج مبكرا منهم من عنده كذا ولا يفترض أن الذي سيحضر يتخلص من كل المشاغل، يحضر نصف ساعة يستفيد بعض الشيء ثم أذهب إلى بعض الأعمال فيعين بعضكم بعضا على أمر دينه ودنياه.
1/ هل صفة العلو ذاتية أم فعلية ؟
صفة علو الله جل وعلا ذاتية، هو جل وعلا لم يزل عاليا على خلقه سبحانه وتعالى، له علو الذات وعلو الصفات.
2/ نسأل الله بكل اسم له حسن، فهل هناك لله بعض الأسماء السيئة؟
أعوذ بالله، أعوذ بالله، فأسماء الله جل وعلا حسنى حسنة، والشر ليس إلى الله جل وعلا لا في ذاته ولا في أسمائه ولا صفاته ولا أفعاله؛ يعني لو قال الداعي أسألك اللهم بأسمائك الحسنى هل يفهم منه أنه ثم أسماء غير حسنى؟ لا يفهم ذلك.
3/ هذا السؤال فيه طول بعض الشيء نقل قول بعضهم.
(1/121)
الكفر الظاهر والباطن
هو الذي ذكرت لكم تفصيله، وأما الجاهل قد يكفر قد يكون جهله عن إعراض مع وجود من
ينبه، مثل مثلا واحد في هذه البلاد يجهل التوحيد ويعمل الشرك مع قيام الحجة وقيام
الدعوة ووكل يبلغ ومن يبلغون هم موجودون في المجلات وفي الصحف وفي مناهج التعليم
وفي كلماتهم وفي الإذاعة إلى آخره، فهذا من أعرض من قيام تمكنه، مع تمكنه من السؤال
وطلب الحق هذا لا شك أنه لا يعذر بجهله في هذه المسألة؛ لأنّ جهله لا بسبب عدم وجود
من ينبهه، ولكن بسبب إعراضه أصلا عن هذا الأمر، لأنه هناك من ينبهه.
أما إذا جهل لأجل أنه لم يأتِ من ينبهه هو الذي ذكرنا لكم قول الشيخ رحمه الله فيه وإن كنا لا نكفر من عند قبة الكوّاز لأجل عدم وجود من ينبههم، والكفر إنما قلنا كفر ظاهر وباطن تبع لقول بعض أئمة الدعوة كالشيخ ابن معمر وغيره، وهو ظاهر كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في بعض المواضع، وتفصيل هذه المسألة يأتي إن شاء الله تعالى في مسألة الإباء والإعراض وأشباه ذلك.
4/ هل هناك فرق بين المشرك والكافر؟
نعم، الكافر قد يكون كافرا بلا شرك؛ يكون كافرا بلا شرك، يكون كافر بلا شرك، مثل من ارتكب شيئا من الأمور التي يرتد بها غير الشرك فإنه يكون كافرا وإن لم يحصل منه شرك فالشرك تشريك في العبادة، والكفر قد يكون ببعض ما يحكم عليه بالكفر والردة لكن ليس ثم تشريك.
إذن إذا راجعت باب حكم المرتد في كتب أهل العلم لوجدت أنّ من أحوال الردة الشرك قد يكفر بغير ذلك.
5/ هذا ينبه على أن الشيخ محمد العثيمين حفظه الله قد نقل اللقاء اليومي والدرس اليومي من مسجد علي بن المديني إلى جامع ذي النورين.... اعتبارا من غد يوم الأحد
¹
[المتن]
واعلم أن الله سبحانه من حكمته لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداءً كما قال الله تعالى ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ?[الأنعام:112]، وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج كما قال الله تعالى ?فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ ?[غافر:83].
أما إذا جهل لأجل أنه لم يأتِ من ينبهه هو الذي ذكرنا لكم قول الشيخ رحمه الله فيه وإن كنا لا نكفر من عند قبة الكوّاز لأجل عدم وجود من ينبههم، والكفر إنما قلنا كفر ظاهر وباطن تبع لقول بعض أئمة الدعوة كالشيخ ابن معمر وغيره، وهو ظاهر كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في بعض المواضع، وتفصيل هذه المسألة يأتي إن شاء الله تعالى في مسألة الإباء والإعراض وأشباه ذلك.
4/ هل هناك فرق بين المشرك والكافر؟
نعم، الكافر قد يكون كافرا بلا شرك؛ يكون كافرا بلا شرك، يكون كافر بلا شرك، مثل من ارتكب شيئا من الأمور التي يرتد بها غير الشرك فإنه يكون كافرا وإن لم يحصل منه شرك فالشرك تشريك في العبادة، والكفر قد يكون ببعض ما يحكم عليه بالكفر والردة لكن ليس ثم تشريك.
إذن إذا راجعت باب حكم المرتد في كتب أهل العلم لوجدت أنّ من أحوال الردة الشرك قد يكفر بغير ذلك.
5/ هذا ينبه على أن الشيخ محمد العثيمين حفظه الله قد نقل اللقاء اليومي والدرس اليومي من مسجد علي بن المديني إلى جامع ذي النورين.... اعتبارا من غد يوم الأحد
¹
[المتن]
واعلم أن الله سبحانه من حكمته لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداءً كما قال الله تعالى ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ?[الأنعام:112]، وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج كما قال الله تعالى ?فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ ?[غافر:83].
(1/122)
إذا عرفت ذلك وعرفت
أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلم وحجج، فالواجب
عليك أن تتعلم من دين الله ما يصير لك سلاحا تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال
إمامهم ومقدمهم لربك عز وجل ?لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ
الْمُسْتَقِيمَ(16)ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ
وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ
شَاكِرِينَ?[الأعراف:16-17]، ولكن إذا أقبلت على الله وأصغيت إلى حججه وبيناته فلا
تخف ولا تحزن?إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا?[النساء:76]، والعامي من
الموحدين يغلب الألف من علماء هؤلاء المشركين كما قال الله تعالى ?وَإِنَّ جُندَنَا
لَهُمْ الْغَالِبُونَ?[الصافات:173] فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان كما هم
الغالبون بالسيف والسنان، وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح،
وقد من الله علينا بكتابه الذي جعله تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، فلا
يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها كما قال تعالى ?وَلَا
يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ
تَفْسِيرًا?[الفرقان:33]، قال بعض المفسرين هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل
الباطل إلى يوم القيامة.
[الشرح]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حق الحمد وأوفاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هو ولي من تولاه، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
اللهم إنا نسألك عما نافعا وعملا صالحا وقلبا خاشعا ودعاء مسموعا، اللهم أعِنا على الحق، اللهم أعنا على الحق، اللهم أعنا على الحق، اللهم لا تجعلنا إلى الباطل سبيلا، نعوذ بك من الحور بعد الكور، نعوذ بك من الضلال بعد الهداية، نعوذ بك أن نضل أو نضل أو نزل أو نزل أو نجهل أو يجهل علينا.
قال الإمام رحمه الله تعالى في مقدماته العظيمة في الفائدة بين يدي كشف شبهات المشركين التي لبَّسوا بها أهل عقول الجهلة في توحيد الله جل جلاله وما يستحقه سبحانه وتعالى من إفراده بالعبادة وحده دونما سواه وأن يكون الأمر كله له وأن يكون الحكم كله لله جل وعلا فيما يختص بالشرعيات وفيما يختص بما يعمله المكلف.
[الشرح]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حق الحمد وأوفاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هو ولي من تولاه، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
اللهم إنا نسألك عما نافعا وعملا صالحا وقلبا خاشعا ودعاء مسموعا، اللهم أعِنا على الحق، اللهم أعنا على الحق، اللهم أعنا على الحق، اللهم لا تجعلنا إلى الباطل سبيلا، نعوذ بك من الحور بعد الكور، نعوذ بك من الضلال بعد الهداية، نعوذ بك أن نضل أو نضل أو نزل أو نزل أو نجهل أو يجهل علينا.
قال الإمام رحمه الله تعالى في مقدماته العظيمة في الفائدة بين يدي كشف شبهات المشركين التي لبَّسوا بها أهل عقول الجهلة في توحيد الله جل جلاله وما يستحقه سبحانه وتعالى من إفراده بالعبادة وحده دونما سواه وأن يكون الأمر كله له وأن يكون الحكم كله لله جل وعلا فيما يختص بالشرعيات وفيما يختص بما يعمله المكلف.
(1/123)
فالحكم جميعا لله جل
وعلا، فالواجب على العبد أن يجعل الفيصل فيما يطلبه وفيما يريد الصواب فيه أن يجعل
الفيصل كلام الله جل وعلا وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - كما قال سبحانه ?إِن
الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ?[يوسف:40]،
فكما أنه سبحانه الحكم بأمره في ملكوته، كذلك هو الحكم فيما يختلف الناس فيه وفيما
يطلبون العلم فيه والصواب والحق فيه في الشرعيات والعمليات.
قال رحمه الله بعد أن ذكر المقدمات التي سلفت (واعلم أن الله سبحانه من حكمته لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداءً كما قال تعالى ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ?[الأنعام:112]) قد يأتي الشيطانُ للعبد بشبهة أن التوحيد والدين إذا كان من عند الله حقا وإذا كان ذلك فيه مرضاة الله جل وعلا والله ينصر أولياءه ويعز أولياءه ويخذل أعداءه فالمفترض أن يكون -يعني في إيقاع الشيطان في النفوس- أن يكون أهل التوحيد هم الغالبين، وأن يكون الرسل ليس لهم أعداء لأنهم من عند الله جل وعلا، وهذا الظّن قد ظنه طائفة من المشركين فرغبوا في إنزال ملك حتى يُتفق عليه، ورغبوا في أن يكون للنبي كذا وكذا من الأشياء التي يكون معها الاتفاق وعدم المعاداة له وعدم الجحود ما جاء به، كما قال جل وعلا ?وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا?[الإسراء:90] الآيات في سورة الإسراء، وكذلك الآيات في سورة الفرقان ?وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا(7)أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا(8)انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا?[الفرقان:9]، فمن حكمة الله جل جلاله أنه بعث الرسل وجعل لكل رسول أعداء، وأعداء الرسل من الإنس والجن؛ لأن بَعثة الرسل للإنس أقوامهم وللجن الذين يسمعون حديثهم، إلاّ محمدا عليه الصلاة والسلام فإن بعثته للعالمين جميعا للإنس كافة وللجن كافة، فلكل رسول أعداء وهؤلاء الأعداء جعلهم الله جل وعلا أعداء
قال رحمه الله بعد أن ذكر المقدمات التي سلفت (واعلم أن الله سبحانه من حكمته لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداءً كما قال تعالى ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ?[الأنعام:112]) قد يأتي الشيطانُ للعبد بشبهة أن التوحيد والدين إذا كان من عند الله حقا وإذا كان ذلك فيه مرضاة الله جل وعلا والله ينصر أولياءه ويعز أولياءه ويخذل أعداءه فالمفترض أن يكون -يعني في إيقاع الشيطان في النفوس- أن يكون أهل التوحيد هم الغالبين، وأن يكون الرسل ليس لهم أعداء لأنهم من عند الله جل وعلا، وهذا الظّن قد ظنه طائفة من المشركين فرغبوا في إنزال ملك حتى يُتفق عليه، ورغبوا في أن يكون للنبي كذا وكذا من الأشياء التي يكون معها الاتفاق وعدم المعاداة له وعدم الجحود ما جاء به، كما قال جل وعلا ?وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا?[الإسراء:90] الآيات في سورة الإسراء، وكذلك الآيات في سورة الفرقان ?وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا(7)أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا(8)انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا?[الفرقان:9]، فمن حكمة الله جل جلاله أنه بعث الرسل وجعل لكل رسول أعداء، وأعداء الرسل من الإنس والجن؛ لأن بَعثة الرسل للإنس أقوامهم وللجن الذين يسمعون حديثهم، إلاّ محمدا عليه الصلاة والسلام فإن بعثته للعالمين جميعا للإنس كافة وللجن كافة، فلكل رسول أعداء وهؤلاء الأعداء جعلهم الله جل وعلا أعداء
(1/124)
لحكمة؛ لأن أمر
التوحيد عظيم، فلهذا قال سبحانه (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا
شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ)، وقال جل وعلا في الآية الأخرى ?وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ
هَادِيًا وَنَصِيرًا?[الفرقان:31]، فحكمة الله جل وعلا اقتضت أنْ يجعل لكل نبي
أعداء، وهكذا لكل أتباع الرسل والأنبياء جعل لهم أعداء؛ لأن حكمة الله سبحانه
وتعالى اقتضت أن يُفْرَق بين حزب الله وحزب الشيطان، هذا الفرق بين حزب الله وحزب
الشيطان قد يكون فرْقا بالعلوم وقد يكون فرْقا بالسيف والسنان، لهذا القرآن فرقان
فَرَقَ الله جل وعلا فيه بين علوم الحق وبين علوم المشركين.
المقصود أن حكمة الله اقتضت أن يكون لكل نبي عدوا، فلا ينظر الموحد في زمن ما إلى أنّ أهل التوحيد قلة، أو إلى أنهم مزدرَوْن، أو إلى أنهم لا يؤبه لهم، أو إلى أنهم مكثوا زمنا طويلا لم يُنصروا، أو نحو ذلك من الأشياء، أو أنهم يُعذبون، أو أنهم يُطردون، أو ما يفعله الأعداء بأهل التوحيد، لا ينظر إلى ذلك وإنما ينظر إلى الحق في نفسه، وحكمة الله عرفها أهل السنة بأنها وضع الأشياء في مواضعها الموافقة للغايات المحمودة منها، وضع الأشياء في مواضعها الموافقة للغايات المحمودة منها، والله جل وعلا أَذِنَ بالشر في ملكه والشر ليس إليه ليظهر طيب الطيب وليظهر طيب أهل الحق على خبث غيرهم، فأذِن به جل وعلا أذِن بالشر فِداءً بالخير حتى يظهر، فلولا هذه العداوة ما ظهر المستمسك بالتوحيد من غيره ما ظهر الذي على قناعة تامة من توحيد الله جل وعلا من المتردد الذين هم في ريبهم يترددون، ونحو ذلك من الحِكم العظيمة.
المقصود أن حكمة الله اقتضت أن يكون لكل نبي عدوا، فلا ينظر الموحد في زمن ما إلى أنّ أهل التوحيد قلة، أو إلى أنهم مزدرَوْن، أو إلى أنهم لا يؤبه لهم، أو إلى أنهم مكثوا زمنا طويلا لم يُنصروا، أو نحو ذلك من الأشياء، أو أنهم يُعذبون، أو أنهم يُطردون، أو ما يفعله الأعداء بأهل التوحيد، لا ينظر إلى ذلك وإنما ينظر إلى الحق في نفسه، وحكمة الله عرفها أهل السنة بأنها وضع الأشياء في مواضعها الموافقة للغايات المحمودة منها، وضع الأشياء في مواضعها الموافقة للغايات المحمودة منها، والله جل وعلا أَذِنَ بالشر في ملكه والشر ليس إليه ليظهر طيب الطيب وليظهر طيب أهل الحق على خبث غيرهم، فأذِن به جل وعلا أذِن بالشر فِداءً بالخير حتى يظهر، فلولا هذه العداوة ما ظهر المستمسك بالتوحيد من غيره ما ظهر الذي على قناعة تامة من توحيد الله جل وعلا من المتردد الذين هم في ريبهم يترددون، ونحو ذلك من الحِكم العظيمة.
(1/125)
فالله جل وعلا أنزل
العداوة في موضعها، وهذه العداوة موافقة لغاية محمودة منها، فَجَعْلُ بعض الجن
والإنس بل الأكثر من شياطين الإنس والجن أعداء للرسل هذا فيه غايات محمودة، ومن هذه
الغايات المحمودة التي هي حكمة الله جل وعلا أنْ يظهر أنصار الله جل وعلا الذين
يستحقون فضله ومِنَّتَه ودار كرامته، ومنها أن يظهر الفرقان بين أهل الحق وأهل
الباطل بشيء بشري وليس سماوي، وربما يُنعم الله جل وعلا بشيء من عنده من السماء
كتأييد بملائكة أو نحو ذلك، ومنها أن يظهر أن هؤلاء الذين نصروا دينه ليس عندهم شك
ولا شبهة مع كثرة المعادين ومع كثرة الشبه ومع كثرة ما يَرِد فإن استمساكهم بالحق
دليل على صحة التوحيد، فالرسل مع قلة من استجاب لهم استمسكوا بالحق وبعضهم مكث مدة
طويلة، فظهر أنّ هؤلاء الذين استمسكوا بالحق وثبتوا عليه، حتى إن أحدهم ليؤخذ فينشر
بالمنشار نصفين ما يَرُدُّه ذلك عن دينه هذا شهادة عظيمة بأنّ هذا الذي حملوه حق
لأن الله جل جلاله جعلهم مكرمين بهذا الأمر ومكرمين باتباع الرسل يعني باتباع الحق،
فيه حكم شتى.
والشيخ رحمه الله هنا (لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء) وهذا الحصر مأخوذ من الآية ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا?(1) فلفظ (كل) ظاهر في العموم وهو بمعنى لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء.
وأعداء التوحيد أعداء الأنبياء والرسل على قسمين: أعداء رؤساء، وأعداء تبع.
"فالرؤساء: إما أهل الرئاسة والتدبير في أمور الدنيا، وإما أهل الرئاسة في أمور الفكر والدين، هؤلاء هم الذين تزعموا العدواة وصدوا الناس عن الدين، هذا الصنف من أصناف الأعداء.
"والصنف الثاني منهم الأتباع الرّعاع: الذين أعرضوا عن الحق، أو الذين أخذتهم الحمية والعصبية في ألا يقبلوا التوحيد وأن ينصروا رؤساءهم.
__________
(1) الأنعام:112، الفرقان:31.
والشيخ رحمه الله هنا (لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء) وهذا الحصر مأخوذ من الآية ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا?(1) فلفظ (كل) ظاهر في العموم وهو بمعنى لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء.
وأعداء التوحيد أعداء الأنبياء والرسل على قسمين: أعداء رؤساء، وأعداء تبع.
"فالرؤساء: إما أهل الرئاسة والتدبير في أمور الدنيا، وإما أهل الرئاسة في أمور الفكر والدين، هؤلاء هم الذين تزعموا العدواة وصدوا الناس عن الدين، هذا الصنف من أصناف الأعداء.
"والصنف الثاني منهم الأتباع الرّعاع: الذين أعرضوا عن الحق، أو الذين أخذتهم الحمية والعصبية في ألا يقبلوا التوحيد وأن ينصروا رؤساءهم.
__________
(1) الأنعام:112، الفرقان:31.
(1/126)
فلا يوصف بالعداوة
العلماء فقط أي الرؤساء فقط، بل أعداء التوحيد العامة والرؤساء جميعا؛ لأن من لم
يستجب للتوحيد فقد سب الله جل جلاله كل مشرك بالله فهو متنقص الرب جل وعلا ساب له،
فمن ادعى أن مع الله إله آخر يتوسط به ويزدلف به إلى الله جل وعلا عن طريقه بوساطته
وشفاعته سواء كان ذلك عالما أو لم يكن عالما وإنما يكن تبعا لرؤسائه فإنه عدو
للتوحيد، وربما كان هؤلاء من جهة انتشارهم في الناس أبلغ في إحياء عداوة التوحيد
وبثها من الخاصة، وهذا ظاهر بيّن؛ لأن العامة ينشرون من الأقوال والأكاذيب أعظم مما
يبثه الخاصة.
وإذا نظرت إلى دعوة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، فإن الذي نشر أنه صابئ والذي نشر أنه ساحر والذي نشر أنه مجنون أتباع الكبار أتباع الرؤساء والملأ في العرب.
وكذلك إذا نظرت إلى دعوة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فإنّ الذي نشر في الناس مقالة أعداء الشيخ من علماء زمانه إنما هم العامة، فالعامة عداوتهم تأتي من جهة التعصب ومن جهة نصرة الباطل لقناعتهم بمن قال لهم ذلك، فعندهم علماء معظمون ورؤساء معظمون فيقتدون بهم ويحتجبون لمقالهم دون نظر وتدبر، فهؤلاء أعداء لتوحيد الله جل وعلا.
وكلٌّ من هذين الصنفين يجب الحذر منه ويجب على الموحد أن يعاديه، فليست عداوة الموحد لعلماء المشركين خاصة، أو الذين أعلنوا الحرب على التوحيد خاصة هؤلاء لهم نصيب من العداوة أكبر، وكلّ من لم يوحد الله جل وعلا وانغمس في براثن الشرك وأشرك بالله فهو عدو لله جل وعلا، فكلّ مشرك عدو لله جل وعلا، كما قال سبحانه وتعالى ?وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ?[التوبة:114].
وإذا نظرت إلى دعوة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، فإن الذي نشر أنه صابئ والذي نشر أنه ساحر والذي نشر أنه مجنون أتباع الكبار أتباع الرؤساء والملأ في العرب.
وكذلك إذا نظرت إلى دعوة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فإنّ الذي نشر في الناس مقالة أعداء الشيخ من علماء زمانه إنما هم العامة، فالعامة عداوتهم تأتي من جهة التعصب ومن جهة نصرة الباطل لقناعتهم بمن قال لهم ذلك، فعندهم علماء معظمون ورؤساء معظمون فيقتدون بهم ويحتجبون لمقالهم دون نظر وتدبر، فهؤلاء أعداء لتوحيد الله جل وعلا.
وكلٌّ من هذين الصنفين يجب الحذر منه ويجب على الموحد أن يعاديه، فليست عداوة الموحد لعلماء المشركين خاصة، أو الذين أعلنوا الحرب على التوحيد خاصة هؤلاء لهم نصيب من العداوة أكبر، وكلّ من لم يوحد الله جل وعلا وانغمس في براثن الشرك وأشرك بالله فهو عدو لله جل وعلا، فكلّ مشرك عدو لله جل وعلا، كما قال سبحانه وتعالى ?وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ?[التوبة:114].
(1/127)
قال جل
وعلا?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ
وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ
غُرُورًا?[الأنعام:112]، و(شَيَاطِينَ الْإِنسِ) جمع شيطان والشيطان هو البعيد عن
الخير مأخوذ من شَطَنَ إذا بَعُدَ، فالشَّاطِن هو البعيد، والشيطان -النون فيه
أصلية- وهو البعيد من الخير، والخير بما يناسبه، ولهذا قيل لبعض الحيوانات شيطان
لما يناسبه من بعده عن الخير وما يلائمه، وقيل للحمامة في الحديث شيطانة في قوله
"شيطان" حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي رواه أبو داوود وغيره "شيطان يتبع
شيطانة" فالشيطان هو البعيد عن الخير، والخير في كلٍّ ما يناسبه، وقد قال الشاعر في
ذلك:
أيام كنا يدعونني من الشيطان من غزل وكنا يهوينني إذ كنت شيطان
يعني كنت بعيدا عن الخير مع بقاء اسم الإسلام عليه، لكن يكمن البعد عن الخير في الكفر، فالكافر والمشرك شيطان من شياطين الإنس، ولابد أن يمدَّه شيطان من شياطين الجن لأنه ما من أحد إلا وابتلى به القرين.
قال (عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ) شياطين الإنس يرون وشياطين الجن لا يرون، وهم الذين يلقون أيضا بعض الشبه في نفوس شياطين الإنس من جهة الوسواس والقرين.
أيام كنا يدعونني من الشيطان من غزل وكنا يهوينني إذ كنت شيطان
يعني كنت بعيدا عن الخير مع بقاء اسم الإسلام عليه، لكن يكمن البعد عن الخير في الكفر، فالكافر والمشرك شيطان من شياطين الإنس، ولابد أن يمدَّه شيطان من شياطين الجن لأنه ما من أحد إلا وابتلى به القرين.
قال (عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ) شياطين الإنس يرون وشياطين الجن لا يرون، وهم الذين يلقون أيضا بعض الشبه في نفوس شياطين الإنس من جهة الوسواس والقرين.
(1/128)
قال(يُوحِي
بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) في قوله (زُخْرُفَ
الْقَوْلِ) ما ينبئ على أنّ علوم المشركين وشبه المشركين.... (1) الشيء الناصع
البيّن الجيد ومنه قيل للذهب زخرف؛ لأنه ناصع واضح، فزخرف القول الذي له مشروع
وضياء يبصره ببصيرته المتأمل له فيخدعه، فقال جل وعلا هنا (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى
بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ) لهذا أنّ ما عند المشركين من العلوم لها زخرف فليُحذر
منه، لا يتصور في هذا المقام مقام كشف الشبهات أن شبهة المشرك ليس لها وجه البتة،
لا تتصور هذا، فإن المشرك يوحي بعضهم يوحي بعض المشركين إلى بعض بزخرف القول حتى
تزين الشبهة، فلا يقال هذه الشبهة فيها نصيب من الحق فتكون حقا، أو أن يظن أن شبهة
المشرك ليس لها نصيب من النظر البتة، بل يكون لها زخرف ويكون لها نظر، فإذا تأملها
أهل العلم وجدوها داحضة، كما قال جل وعلا ?وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ
مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ?[الشورى:16]، فالحجج التي يدلي بها
أهل الشرك فيها زخرف وفيها تدليس وفيها تلبيس، ولها بعض الشبه لها بعض ما يجعلها
ملتبسة بالحق.
ولهذا لا تتصور أن الشبه التي تأتي، التي أدلى بها أعداء التوحيد أن كل واحدة لا تدخل العقل أصلا، بل منها أشياء خدع بها الشياطين هؤلاء من خدعوا من أمم الإنس والجن، ولكن هذا القول غرور يعني أنه يُظهر و[...] ويتزخرف عند سماعه أو عند رؤيته، ولكنه عند التحصيل ليس بشيء وهذا لأنه إذا تدبر وفحص وجد أن حججهم داحضة.
__________
(1) الظاهر وجود قطع في الشريط.
ولهذا لا تتصور أن الشبه التي تأتي، التي أدلى بها أعداء التوحيد أن كل واحدة لا تدخل العقل أصلا، بل منها أشياء خدع بها الشياطين هؤلاء من خدعوا من أمم الإنس والجن، ولكن هذا القول غرور يعني أنه يُظهر و[...] ويتزخرف عند سماعه أو عند رؤيته، ولكنه عند التحصيل ليس بشيء وهذا لأنه إذا تدبر وفحص وجد أن حججهم داحضة.
__________
(1) الظاهر وجود قطع في الشريط.
(1/129)
قال (وقد يكون لأعداء
التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج) وهذه مقدمة مهمة في سبيل كشف الشبهات التي أدلى بها
علماء المشركين، (قد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج)، العدو للتوحيد لا
تتصور خاصة من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من العلماء الذين جاؤوا في هذه
الأمة لا يتصور أن عدو التوحيد لا يكون عنده البتة لا يتصور أن عدو التوحيد لا يكون
فقيها لا يكون محدثا لا يكون مفسرا لا يكون مؤرخا بل قد يكون مبرزا في فن من هذه أو
في فنون كثيرة، كحال الذين ردوا على إمام هذه الدعوة فإنهم كان يشار إليهم بالبنان
فيما اختصوا فيه من العلوم، منهم من كان فقيها، منهم من كان مؤرخا، وهذا حال أيضا
من رد عليهم أئمة الدعوة فلا تتصور أن عدو التوحيد لا يكون عالما، وهذه شبهة ألقاها
الضُّلال في نفوس الناس، فجعلوا اعتراض العالم على العالم دال على صحة كل من
المذهبين، هذا وهذا [والمعنى] واسع، ولهذا بعضهم يقول في مسائل التوحيد هذا أصح من
القول الثاني أو في أصح قولي العلماء هو كذا وكذا، هذا لا يسوغ أن يقال في مسائل
التوحيد؛ لأن من خالف في مسائل التوحيد فإنه ليس من علماء التوحيد ولا علماء السنة
الذين يصح أن تنسب لهم مقالة أو أن يؤخذ بقولهم في الخلاف، بل التوحيد دلت عليه
الدلائل الكبيرة من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وبينه الأئمة فمن خالف ولو كان
من العلماء الكبار في الفقه أو في التاريخ أو في الحديث أو غيره فإنّ مخالفته
لنفسه، ولا يقال إن في المسألة خلافا.
(1/130)
لهذا لا بد أن تنتبه
إلى أن عدوّ التوحيد من علماء المشركين ليس من صفته أن يكون غير عالم، بل قد يكون
عالما وإمام في فن من الفنون؛ إمام في التفسير، وإمام في الفقه، مرجع في القضاء
ونحو ذلك مثل أعداء الدعوة الذين عارضوا الشيخ رحمه الله وعارضوا الدعوة كحال مثلا
من المتأخرين داوود بن جرجيش، فإنه كان على علم واسع ولكن من علماء المشركين، وكحال
محمد بن حميد الشرقي صاحب كتاب السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة أيضا كان من أعداء
التوحيد فصنف ردا على المشايخ فيما تكلموا فيه على منظومة البوصيري المعروفية
الميمية وأبطل أن يكون ذلك شركا وقرر ما قاله البوصيري إلى آخر ذلك، وللشيخ عبد
الرحمن بن حسن صاحب كتاب فتح المجيد المجدّد الثاني رحمه الله له في ذلك رسالة ردّ
بها على صاحب هذا الكتاب، فهو بارز في الفقه وأشير إليه في التفسير وبالتراجم إلى
آخره ولكنه من علماء أعداء التوحيد من علماء المشركين؛ لأنهم نافحوا عن الشرك،
وردوا على أهل التوحيد [........] في تعريف التوحيد والشرك [....] المسلم مشركا
مرتدا فأضلوا الناس في ذلك.
فإذن المقدمة المهمة بين يدي هذه الرسالة: ألاّ تظن أن العلماء الذين يشار إليهم بالبنان أنّ هؤلاء لا يكونون مشركين، بل في زمن الشيخ رحمه الله وما بعده كان هناك علماء يشار إليهم ولكنهم كانوا مشركين مثل مفتي الشافعية أيضا في مكة أحمد بن زيني دحلان وأشباه هؤلاء، فالناس يرجعون إليهم ويستفتونهم فيصدرون عنهم، فلا يتصور أن الشرك ليس له علماء تحميه.
فإذن المقدمة المهمة بين يدي هذه الرسالة: ألاّ تظن أن العلماء الذين يشار إليهم بالبنان أنّ هؤلاء لا يكونون مشركين، بل في زمن الشيخ رحمه الله وما بعده كان هناك علماء يشار إليهم ولكنهم كانوا مشركين مثل مفتي الشافعية أيضا في مكة أحمد بن زيني دحلان وأشباه هؤلاء، فالناس يرجعون إليهم ويستفتونهم فيصدرون عنهم، فلا يتصور أن الشرك ليس له علماء تحميه.
(1/131)
فإذن كمقدمة لا تقل
في مسألة من المسائل التي يأتي كشف الشبهة فيها قالها العالم الفلاني، وقالها
الإمام الفلاني، وكيف يفعلها الإمام الفلاني، فهذا إما أن يكون جاهلا ما حرر
المسألة كبعض العلماء المشهورين المذكورين بالخير، وإما قد يكون قد علم فعاند وعارض
وصنف في تحسين الشرك، مثل ما فعل مثلا الرازي فخر الدين الرازي صاحب التفسير المسمى
بمفاتيح الغيب، حيث صنف في تحسين دين الصابئة ومخاطبتهم للنجوم كتابا سماه: سرّ
المكتوم في أسرار الأفلاك ومخاطبة النجوم. وبه كفره طائفة من أهل العلم، فيحسن كيف
تخاطب النجوم وكيف يستغاث بها وكيف تستنبط إلى آخره، وصنف في ذلك ليدل صابئة حران
على ذلك، وهذا لا شك أنه من الضلال البعيد، فلا يقال في أي شبهة يأتي ردها أو رد
عليها أئمة السنة والتوحيد، لا يقال كيف العالم الفلاني قالها؟ كيف راجت على هذا
العالم الفلاني؟ وهؤلاء إما أن يكونوا جُهالا فلا يصنفون في أعداء التوحيد، وإما أن
يكونوا صنّفوا في الشرك وتحسينه، هؤلاء هم الذين عناهم الشيخ بقوله (وقد يكون
لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج)، إذا رأيت نقولهم قد تكون عن شيخ الإسلام وعن
ابن القيم كما فعل داوود بن جرجيش مثلا صنف كتابا سماه: صلح الإخوان. نقل فيه عن
شيخ الإسلام وابن القيم نقولا، ونقل عن أقوال المفسرين وأقوال كثير من العلماء، مثل
في هذا العصر ما صنف مثلا محمد بن علوي المالكي كتابا حشد فيه أقوال نحوا من مائتين
أو ثلاثمائة من العلماء الذين أقروا بعض الشركيات وبعض التوسلات ونحو ذلك في كتبهم،
هذا ليس هو العبرة.
(1/132)
فإذن القاعدة التي
يجب أن يكون عليها قدما الموحّد أن علماء المشركين قد يكون لهم علم كبير وحجج لأنه
ليس الشركُ سببا في انسلاخهم من العلم، كما قال جل وعلا عن أوائلهم ?فَلَمَّا
جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ
?[غافر:83]، وقد يكون هذا العلم بالإلهيات كما قالوا ?أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا
وَاحِدًا?[ص:5]، هذا اعتراض شبهة، وقالوا ?مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا
إِلَى اللَّهِ زُلْفَى?[الزمر:3]، وقد يكون في الفقهيات كما قالوا ?إِنَّمَا
الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا?[البقرة:275] ونحو ذلك، فجنس العلوم جنس العلوم التي
وجهت لهذه الأمة موجودة عند أعداء الرسل إما من جهة الإلهيات وإما من جهة الشرعيات،
فعارضوا الرسل بما عندهم من العلم بل إن الله جل جلاله سمى قولهم حجة فقال وذلك
تعظيما له من جهة قوة الشبهة فيه قال ?وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ
بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ
رَبِّهِمْ?[الشورى:16].
(وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج) هل هذه الكتب الكثيرة التي له والفقهيات والتراجم والتفسير وما أشبه ذلك، يجعله ليس عدوا للتوحيد إذا صنف في عداوة التوحيد، وصنف في تحسين الشرك، ودعا الناس إلى ذلك؟ لا، فإنه يكون عدوا للتوحيد ناصرا للشرك ولا كرامة، ولو كان أثر السجود في جبهته، ولو كان عنده من المؤلفات أكثر مما عند المكثرين كالسيوطي وغيره، فهذا ليس بعبرة، وكلامه بالتالي ليس بعبرة؛ لأنه ليس من علماء التوحيد فعلومه ضارة وليست نافعة.
(وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج) هل هذه الكتب الكثيرة التي له والفقهيات والتراجم والتفسير وما أشبه ذلك، يجعله ليس عدوا للتوحيد إذا صنف في عداوة التوحيد، وصنف في تحسين الشرك، ودعا الناس إلى ذلك؟ لا، فإنه يكون عدوا للتوحيد ناصرا للشرك ولا كرامة، ولو كان أثر السجود في جبهته، ولو كان عنده من المؤلفات أكثر مما عند المكثرين كالسيوطي وغيره، فهذا ليس بعبرة، وكلامه بالتالي ليس بعبرة؛ لأنه ليس من علماء التوحيد فعلومه ضارة وليست نافعة.
(1/133)
قال بعد
ذلك رحمه الله (إذا عرفت ذلك) يعني ما تقدم من أنّ أعداء الرسل قد يكون لهم علوم
وكتب يصنفونها وحجج يُدلون بها قد يكون يحتجون بالكتاب، قد يكون يحتجون بالسنة
وأشباه ذلك، وبأقوال المحققين من أهل العلم مثل ما ينقلون عن أحمد ببعض الأشياء،
ينقلون عن شيخ الإسلام، ينقلون عن ابن القيم، ينقلون عن ابن حجر، ينقلون وينقلون،
وهذا كله من العلوم الضارة ليست من العلوم النافعة، قال (إذا عرفت ذلك وعرفت أن
الطريق إلى الله لا بد له من (1) أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلم وحجج) انتبه
لهذه الكلمة (لا بد له) لا بد لطريق التوحيد طريقة التوحيد لابد لها من أعداء كما
ذكرنا، وهؤلاء الأعداء قد يكونون علماء، وهؤلاء العلماء أهل فصاحة وعلم وحجج، لا بد
أن تكون حاجزا من أن يصدوك عن الهدى ويدخلوك في الضلال، أو أن يلبسوا عليك الدين،
أليست الفصاحة هي المعيار، فإبليس كان فصيحا، وليس العلم في نفسه هو المعيار، بل
لابد أن العلم هو العلم النافع وليست الحجج وإيرادات وجواب هو المعيار، فإذا كان
هذا موجودا فانتبه إلى وصية الشيخ رحمه الله في مقدمة هذه الرسالة العظيمة كشف
الشبهات.
قال (فالواجب عليك) إذا علمت أن ثَم أعداء والأعداء قد يكونون علماء وعندهم فصاحة وعلم وحجج، معناه العداوة استحكمت وتوجه التصديرات عليه، وتوجه الأسلحة عليك أعظم، فما الذي واجب عليك؟ هنا يجب عليك أن تصون نفسك وأن تحمي نفسك أعظم حماية في هذا الأمر الجلل الذي من ضل فيه كان من الخاسرين أبد الدهر، قال (فالواجب عليك) وجوبا شرعيا (أن تتعلم من دين الله ما يصير لك سلاحا)، وقوله (من دين الله) هذا للتبعيض؛ لأن العلم منه واجب عيني ومنه واجب كفائي، وقوله (الواجب عليك أن تتعلم من دين الله) يعني به ما كان من الدين فرضا عينيا على كل أحد، وهو الذي لا يُعذر أحد بالتقليد فيه وذلك في معنى الشهادتين وتحقيق مسائل القبر الثلاث من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فهذا العلم واجب بأدلته، وهو الذي وصف لك وصنّف فيه الشيخ الرسالة العظيمة ثلاثة الأصول لنجاتك في هذا الأمر الخطير بين علماء المشركين.
__________
قال (فالواجب عليك) إذا علمت أن ثَم أعداء والأعداء قد يكونون علماء وعندهم فصاحة وعلم وحجج، معناه العداوة استحكمت وتوجه التصديرات عليه، وتوجه الأسلحة عليك أعظم، فما الذي واجب عليك؟ هنا يجب عليك أن تصون نفسك وأن تحمي نفسك أعظم حماية في هذا الأمر الجلل الذي من ضل فيه كان من الخاسرين أبد الدهر، قال (فالواجب عليك) وجوبا شرعيا (أن تتعلم من دين الله ما يصير لك سلاحا)، وقوله (من دين الله) هذا للتبعيض؛ لأن العلم منه واجب عيني ومنه واجب كفائي، وقوله (الواجب عليك أن تتعلم من دين الله) يعني به ما كان من الدين فرضا عينيا على كل أحد، وهو الذي لا يُعذر أحد بالتقليد فيه وذلك في معنى الشهادتين وتحقيق مسائل القبر الثلاث من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فهذا العلم واجب بأدلته، وهو الذي وصف لك وصنّف فيه الشيخ الرسالة العظيمة ثلاثة الأصول لنجاتك في هذا الأمر الخطير بين علماء المشركين.
__________