الخميس، 26 مارس 2015
ظهور دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب :
ومن هنا بدأت ردود الأفعال من خصومه من أهل البدع والأهواء والغوغاء ، والحساد ، وأهل المطامع والمنتفعين مما عليه الحال السيئة الذين شرعوا بالدعاية المضادة ، وراسلوا واستعدوا الناس في الداخل والخارج ، لا سيما أمراء الأحساء ، ثم ولاة الحجاز ونجران الذين استجابوا للمحرضين وبدأت مرحلة المقاومة المباشرة ، والتي تمثلت بإعلان المعارضة الجادة للدعوة ، وإعلان الحرب ضدها من كل وجه : دينيا وسياسيا وإعلاميا وعسكريا واقتصاديا ، مما سنتعرض لشيء منه في هذا
نشأته وشمائله : ظهر الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - المولود سنة ( 1115هـ ) المتوفى سنـة ( 1206هـ ) بدعوته في قلب نجد ، وكانت أحوج ما تكون إلى الإنقاذ من براثن البدع والخرافات والتشتت والجهل والإهمال ، وكانت البواعث للإصلاح قوية وضرورية ، كما سيأتي بيانه بعد قليل . وقد ولد هذا الإمام ونشأ في بيئة علم وصلاح واستقامة ، فكان أبوه وجده وكثيرون من أفراد أسرته من العلماء والوجهاء ، ولهم باع في الفتيا والقضاء والتدريس ، مما ساعد هذا الناشئ على استغلال مواهبه الفذة وتوجيهها على منهج شرعي متين وأصيل وفي جو علمي مأمون . ولعل من المفيد أن أشير هنا إلى أهم مقومات الصلاح والإصلاح والزعامة والإمامة في شخصية هذا المصلح الكبير : فهو منذ نشأته قد ظهرت عليه سمات العبقرية والمواهب الفذة والنبوغ من الذكاء والفطنة والحفظ ، والقوة في الفهم ، والعمق في التفكير ، مما أهله في وقت مبكر للتلقي والرسوخ في العلم والفقه ، مع قوة التدين والإيمان والعبادة والخصال الحميدة من الأمانة والصدق والرحمة والإشفاق والسخاء والحلم والصبر وبعد النظر وقوة العزيمة ، وغيرها من الصفات القيادية التي قل أن توجد إلا في الأفذاذ والنوادر من رجال التاريخ . وذلك بخلاف ما يشيعه عنه خصومه وما يصورونه به لأتباعهم من الغوغاء والجهلة والمحجوبين عن الحقائق من أنه جاهل وغبي وشرير وعنيف وقليل التدين والورع ! ، ونحو ذلك من الأوصاف التي يربأ العاقل بنفسه عن ذكرها فضلا عن اعتقادها أو تصديقها . وهل يعقل من جاهل وغبي أن يقوم بهذه الأعمال الجليلة وأن يثير حفيظة هؤلاء الخصوم ويحرك جيوشهم ويقض مضاجعهم ؟ ! وهل يمكن لقليل الورع والتدين أن يقوم بهذه الحركة الإصلاحية التي ملأت سمع العالم وبصره إلى اليوم ؟ ! وينصره الله ويؤيده ويعلي به الدين ؟ !
إسلامية لا هابية
تأليف أ. د / ناصر بن عبد الكريم العقل - ص 4 -
بسم الله الرحمن الرحيم - ص 5 -
مقدمة
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كمآ يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله، ورضي الله عن صحابته الكرام، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بفضلك اللهم. وبعد: فقد ثبت في الخبر الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين، على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي وعد الله وهم كذلك 
وبين أنهم يقاتل آخرهم الدجال
وينزل فيهم عيسى ابن مريم - عليه السلام -. عند قيام الساعة وعلم يقينا آن هذة الطائفة هم من كان على منهاج النبوة، فعمل بالسنة ولزم الجماعة وسار على نهج السلف الصالح، وأن هذه الطائفة (أهل السنة والجماعة) لا يحصرهم زمان ولا مكان، لكنهم قد يكثرون في زمان ويقلون في آخر، وقد يكثرون في مكان ويقلون في آخر كذلك. والمتأمل لحال المسلمين في القرون الأخيرة يجد أن أبرز أنموذج لهذه المسيرة الخيرة هي تلكم الدعوة الإصلاحية المباركة، ودعوة التوحيد والسنة، التي قام بها الإمام المجدد (محمد بن عبد الوهاب ت 1206 ه)، وأيدها الأمير الصالح (محمد بن سعود ت 1179 ه) ( رحمهما الله) التي ظهرت في منتصف القرن الثاني عشر الهجري في قلب نجد، ثم سائر جزيرة العرب، ثم امتدت آثارها الطيبة إلى كل أقطار العالم الإسلامي، بل إلى كل أرجاء المعمورة. ولا تزال بحمد الله كذلك. وقد لوحظ، لا سيما مع الأحداث الأخيرة، حروب الخليج، وسقوط الاتحاد السوفييتي وأحداث (11 سبتمبر) بأمريكا وما أعقبه من تداعيات، لوحظ بصورة ملفتة ومريبة انبعاث كثير من المفتريات والأوهام والأساطير حول ما يسمونه: (الوهابية) - ص 6 -
. وشاعت هذه المفتريات وهذه الأكاذيب حول الدعوة وأتباعها وعلمائها ودولتها (الدولة السعودية)، وأسهم في ترويجها الحاسدون والمناوئون والكائدون وربما صدقها الجاهلون بحقائق الأمور وان الباحث في حقيقة هذة الدعوة ومفتريات خصومها، وتحفظات بعض ناقديها، والكم الهائل مما قيل في ذلك وكتب، وما حشي في أذهان الناس تجاهها من تنفير وتضليل، سيصاب بالذهول والحيرة - لأول وهلة. لكن ما إن يلج المنصف في عمق القضية فسيجد الأمر أيسر وأبين مما يتصوره، وحين يتجرد من الهوى والعصبية ستنكشف له الحقيقة، وهي: أن هذه الدعوة الإصلاحية الكبرى، إنما تمثل الإسلام الحق، ومنهاج النبوة، وسبيل المؤمنين والسلف الصالح في الجملة. كما سيظهر له جليا أن ما يثار حولها وضدها من الشبهات، إنما هو من قبيل الشائعات والمفتريات، والأوهام والخيالات، والبهتان. ومن الزبد الذي يذهب جفاء عند التحاكم إلى القرآن والسنة، والأصول العلمية المعتبرة، والنظر العقلي السليم. وما أظن حركة من الحركات الإصلاحية واجهت من التحديات، والظلم والبهتان، كما واجهت هذه الدعوة، ومع ذلك علت وانتصرت وآتت ثمارها الطيبة (ولا تزال بحمد الله) في كل مكان. وما ذلك إلا لأنها قامت على ثوابت الدين الحق (الإسلام) لكن هذه الحقيقة خفيت على كثير من الناس، فكان لا بد من تجليتها. لذا فقد لزم الإسهام - في هذا المؤلف -
- ص 9 -
والدجل والسحر. وهذا يتصادم مع مصالح أهل الأهواء والمنتفعين من شيوع البدع والجهل والتخلف. هذه هي الحقيقة ولا شك. وكل رسائل الدعوة وكتبها وأعمالها وتعاملاتها تدور على هذا الأصل: العودة للإسلام والسنة، كما هي في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وسيرة السلف الصالح، نقية صافية من شوائب الشركيات والبدع والأهواء والجهالات والطرق والفرق، والدجل. وهذا منبع الخلاف ومنشأ الصراع. نعم، لقد واجهت هذه الدعوة المباركة: إمامها وعلماؤها وقادتها ودولتها، وأتباعها وأنصارها ومؤيدوها حيثما كانوا - ولا تزال تواجه - أصنافا من الخصوم، وأنواعا من التحديات والمفتريات والدعايات المضادة والخصومات بالباطل. فهي إذن - كأي دعوة وحركة إصلاحية جادة - قد اصطدمت بقوى وتحديات وعقبات كبرى ومكائد عظيمة، وخصوم أقوياء، وأعداء أشداء من ديانات وفرق ومذاهب، ودول وجماعات، وعلماء ورؤساء وأمراء، بل وغوغاء وجهلة. ومع ذلك كله كانت هذه الدعوة - حين قامت على الحق والعدل - تنتصر وتنتشر، فقد قاوم إمامها وعلماؤها وأتباعها وأمراؤها كل هذه التحديات، بقوة الإيمان واليقين والعلم والحلم، والصبر والثبات. وإن الواقع ليشهد أن هذه الدعوة - رغم التحديات الكبيرة - كانت تظهر وتعلو وتؤتي ثمارها الطيبة حتى في فترات ضعف السلطة، بل وفي البلاد التي لا توجد فيها لها سلطان ولا قوة حين لا تملك إلا قوة الحجة، وما ذلك إلا لأنها تمثل الإسلام الحق الذي كتب الله له البقاء والظهور إلى قيام الساعة، ولأنها تملك عوامل البقاء والثبات ومقومات القوة والنصر، ولأنها تستمد القوة من نصرها لدين الله دين الحق والعدل، ومن وعد الله تعالى لكل من نصر هذا الدين كما قال تعالى: ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز . [سورة الحج، من الآية: 40]. ولأنها كانت تخاطب العقول السليمة والفطرة المستقيمة، والقلوب الواعية المتجردة من الهوى آن من أقوى الوسائل لفصل النزاع بين المختلفين بعد التحاكم ألى الأصول الشرعية
- ص 10 -
والبراهين العقلية: شهادات الآخرين، وقد شهد لهذه الدعوة المباركة، وإمامها وعلمائها ودولتها وأتباعها كثيرون من أهل العلم والفكر والفضل والإنصاف، من العلماء والأدباء والمفكرين والساسة والدعاة، وغيرهم من المؤيدين، والمعارضين، والمحايدين، من المسلمين وغير المسلمين، ومن كل بلاد العالم ومنذ نشأة الدعوة إلى يومنا هذا. وإن كل الذين شهدوا لهذه الدعوة وإمامها وعلمائها ودولتها وأتباعها، كانوا يستندون في شهادتهم لها إلى البراهين والدلائل القاطعة التي لا يمكن أن يتجاوزها المنصف إلا معترفا بها، ولا ينكرها إلا مكابر. فإن فيما قاله أهلها وكتبوه وفعلوه، وفي آثار هذه الدعوة الدينية والدنيوية العلمية والعملية، في العقيدة، والنظام والسياسية، وسائر مناحي الحياة ومناشطها، ما يشهد بالحق ويدحض الشبهات والمزاعم والتخرصات والاتهامات. علما بأن الدعوة ودولتها كانت في مراحلها الأولى لا تملك من وسائل الدعاية والإغراء المادي ما يملكه خصومها كالأتراك وأمراء الأحساء، وأشراف مكة والبلاد المجاورة، وغير المجاورة. ولو اقتصرنا في الدفاع عن الدعوة ودولتها على أقوال المحايدين وكثير من الخصوم في إنصافها والدفاع عنها لكان ذلك كافيا في بيان الحقيقة ورد الشبهات، وإقناع من كان قصده الحق والتجرد من الهوى. أما من كان دافعه الهوى والحسد أو العصبية أو المذهبية أو نحو ذلك من الدوافع الصارفة عن الحق فلا حيلة فيه، كما قال الله تعالى في هذه الأصناف وأمثالهم من أسلافهم: وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين [سورة الأنعام، الآية: 4]. فإذا كانت أحوال الدعوة، وأقوالها ومؤلفاتها، ومواقفها، وشهادات عقلاء الناس تشهد لها فهل بعد هذا البيان من بيان؟ والشهادات التي شهد بها كثيرون لهذه الدعوة المباركة كانت صادقة وطوعية، ونابعة من الضمير، فلم تكن نتيجة إغراءات ولا تضليل إعلامي، ولا ضغط سياسي، ولا تهديد ووعيد (لا رغبة ولا رهبة)؛ لأن أتباع الدعوة ورجالها لم يكونوا يملكون شيئا من ذلك، إلا الحجة والبرهان (الدليل الشرعي والعقلي) لكل من ألقى السمع وهو شهيد ولذلك جاءت
- ص 11 -
. شهادة المنصفين مفعمة بالصدق والشفافية والحماس البريء، وخالية من أساليب المجاملات واى من أشكال التكلف او دوافع الرغبة او الرهبة وكانوا يستندون ألى المنهج الذى قامت عليه والي الواقع الذى تعيشه في مجتمعها، لا سيما من البلاد التي تشملها الدولة السعودية المعاصرة، التي تميزت بحمد الله بصفاء العقيدة وظهور شعائر الدين، واختفاء البدع ومظاهرها. - وأنها حققت الغايات التي جاء بها الإسلام: من تعبيد الناس لله وحده لا شريك له، وطاعة الله، وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإقامة فرائض الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، وتطبيق الحدود، وتحكيم الشريعة الإسلامية في كل شؤون الحياة، وابتغاء مرضاة الله والدار الآخرة. - وأنها رفعت المظالم والمكوس، والضرائب التي تثقل كواهل الناس، وسعت إلى تحقيق العدل والأمن، بالتحاكم إلى شرع الله، وتطبيق نظام القضاء بمقتضى الشريعة الإلهية. - وأنها حررت العقول والنفوس من التعلق بغير الله، من التعلق بالبدع والأوهام، والدجل والشعوذة ونحو ذلك. - وأنها هي الرائد الأول في أسباب النهضة العلمية والفكرية والأدبية الحديثة في جزيرة العرب وما حولها، وسائر البلاد العربية والإسلامية. - وأنها تمثل الأنموذج الأسلم لحركات الإصلاح والتحرير الحديثة في العالم الإسلامي، وأنها تمثل الأنموذج الصحيح في الدعوة، في العصر الحديث في تحقيق الدين، وإصلاح الأفراد والمجتمعات، وتخليص الأمة من البدع والأهواء والفرقة ووسائلها، والتقليد والعصبية، والتزام منهج السلف الصالح في الدعوة ووسائله وأهدافه وغاياته. - كما رأى كثير منهم بأن هذه الدعوة بأصولها ومناهجها وتجاربها هي المؤهلة بأن تنهض بالأمة الإسلامية اليوم، وتعيدها إلى سابق مجدها، وتجمع شملها على الكتاب والسنة ونهج السلف الصالح. - وأوضحت أن من أكبر الردود على المفترين على هذه الدعوة وأتباعها ودولتها تلكم الثمار الطيبة والآثار الحسنة للدعوة حين قامت على أسس الدين الحق، وقواعد الملة الحنيفية واعتمدت على الوحي المعصوم (كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -) وسلكت سبيل المؤمنين - السلف الصالح أهل السنة والجماعة - فأعلنت راية التوحيد ورسخته في القلوب وأزالت مظاهر الشرك والبدعة، وحكمت بشرع الله تعالى: شاع بذلك الأمن والعدل والألفة، وانتشر العلم، واختفت - ص 12 -
مظاهر الظلم والشتات والجهل والبدعة والخرافة. - لقد كانت لهذه الدعوة المباركة آثار عظيمة وكبيرة غيرت معالم التاريخ، وعدلت مسار الحياة في الأمة الإسلامية كلها في جميع نواحي الحياة: الدينية والعلمية والسياسية والاجتماعية وغيرها ولم يقتصر أثرها الطيب على جزيرة العرب (ونجد بخاصة)، التي ارتفعت في ربوعها راية التوحيد خفاقة وعلت فيها معالم السنة، وزالت آثار البدعة والفرقة والجهل، وساد فيها الأمن والوفاق. بل تجاوز أثرها إلى بقية أقاليم الجزيرة العربية وإلى سائر أقطار المسلمين، فقام علماء ومصلحون، وقامت دعوات وحركات تسير على نهج هذه الدعوة السلفية النقية الصافية، في الحجاز وعسير واليمن والشام والعراق ومصر، والمغرب والسودان وكثير من البلاد الأفريقية، وفي باكستان وأفغانستان، والهند البنغال وجاوه، وسومطرة، وسائر الجزر الإندونيسية وغيرها. وكان من أبرز ثمار هذه الدعوة قيام دولة إسلامية قوية مهيبة احتلت موقعا مرموقا بين دول العالم كله، والعالم الإسلامي بخاصة هي (دولة آل سعود) منذ أن ناصر مؤسسها محمد بن سعود إمام الدعوة وآزره على إعلاء كلمة الله. فقد كتب الله لها التمكين، وأعلنت التوحيد وحكمت بشرع الله تعالى، ومع ما تعرضت له هذه الدعوة والدولة من تحديات كبيرة، وخصوم أشداء إلا أنها كانت تنتصر في النهاية. لقد تعرضت الدعوة والدولة (السعودية) في مراحلها الأولى لضربات موجعة لكنها كانت - حين قامت على التوحيد والدين والعدل والسنة - لا تلبث أن تنهض قوية فتية لأنها كانت تسكن القلوب، وقد ذاق الناس في حكمها طعم الإيمان، والأمن، والعلم والاجتماع. ولا يزال الأنموذج الحي للدعوة ودولتها قائما - بحمد الله - تحتله هذه البلاد المباركة (المملكة العربية السعودية) التي أرسى قواعدها الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه - على الأسس المتينة: التوحيد والشرع والعلم، وبناء دولة حديثة، تجمع بين الأصالة في تحكيم شرع الله وحمايته والدعوة إليه وتعظيم شعائره وخدمة مشاعره، وبين المعاصرة بالأخذ بأسباب القوة والنهضة والرقي، من غير إخلال بالدين والفضيلة. ونسأل الله لهذه الدعوة وهذه الدولة المزيد من التمكين والنصر والتوفيق في سبيل - ص 13 -
الإسلام، وأن يجمع بها كلمة المسلمين على الحق والسنة. إن هذه الآثار الطيبة والثمار اليانعة الممتدة طيلة قرنين ونصف، هي الرد العملي والعلمي، الشرعي والمنطقي، والواقعي على مفتريات الخصوم، ففي الحال ما يغني عن المقال، لكن حين عميت أبصار أهل الأهواء وبصائرهم عن إدراك الحقيقة والاعتراف بها، وحين حجبت الحقائق عن الجاهلين كان لا بد من تجلية الحقيقة، والله المستعان. ولا يزال كثيرون من الذين يجهلون الحقيقة عن المملكة أو يتجاهلونها، أو الذين يلمزونها أو يحسدونها يصفونها بأنها (دولة الوهابية) على سبيل اللمز. والطعن وقبل الدخول في رد هذا اللمز في آخر هذا المؤلف - إن شاء الله - ينبغي أن أؤكد أن وصف هذه الدعوة بالوهابية يعد تزكية لا تقدر بثمن، لأن الوهابية التي يعيرونها بها يقصدون بها دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، والتي هي في الحقيقة: الإسلام والسنة وسبيل السلف الصالح، والتزام كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أما الوهابية على الوصف الذي افتراه الخصوم، والتي تعني (بزعمهم) مذهبا خامسا، أو فئة خارجة عن السنة والجماعة، أو التي تعني عند أهل الأهواء والبدع والافتراق وأتباعهم من الغوغاء: (.. بغض النبي - صلى الله عليه وسلم - والأولياء) أو نحو ذلك من المفتريات التي سيأتي ذكرها والرد عليها، فهذه المفتريات لا تعدو أن تكون أكاذيب وأوهاما في خيالات القوم وعقولهم، أو شائعات صدقوها دون تثبت. وقد ذكرت أن كل الذين أطلقوا هذه المفتريات والبهتان والذين صدقوا هذه الشائعات ليس عندهم من الدليل والبرهان ما يثبت شيئا من مزاعمهم، بل المنصف والباحث عن الحقيقة يجد الأمر خلاف ما يفترون. فها هي المملكة العربية السعودية (حكومة وشعبا) كيان شامخ ملأ سمع العالم وبصره، ظاهرة بكيانها الديني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، والدولي وجميع أحوالها وإصداراتها العلمية والإعلامية والأدبية والثقافية، والفكرية وغير ذلك كله (إلا ما شذ) ينفي هذه المزاعم، إذن فالمثالب التي ينسبونها لما يسمونه (الوهابية) ودولتها وأتباعها لا حقيقة لها ولا يعني ذلك اننا نزكي أنفسنا مطلقا، فإن عمل البشر مهما بلغ لا بد أن يعتريه النقص والتقصير والخلل والخطأ، والناقد بصير. - ص 14 -
بل يجب أن نعترف أنه حصل في بلادنا ومجتمعنا كثير من التحولات السلبية في كل مناحي الحياة، وأصبنا بأدواء الأمم في بعض الأمور، لكن مع ذلك لا تزال الأصول والثوابت والمسلمات قائمة ومتينة ومعتبرة بحمد الله. والحق: أن الأمة الإسلامية، مع ما اعتراها من كثرة البدع والأهواء والجهل والإعراض والفرقة والشتات، إلا أنها لا تزال فيها بقايا خير، وولاء للإسلام، وهذا التصور الحق هو الذي دفع هذه الدعوة المباركة إلى السعي الجاد واستنهاض نزعة الخير في الأمة. ولذلك لو أن الأمة الإسلامية سلمت من تضليل الخصوم، ودعايات السوء التي حالت بينها وبين التعرف على طبيعة الحق الذي يحمله منهج هذه الدعوة التي يعيرونها ب (الوهابية) لاستجاب كثير من المسلمين لداعي الحق، وكان للمسلمين شأن آخر من العزة والقوة والاجتماع والهيبة. ولله الأمر من قبل ومن بعد. هذا. . . وقد حرصت خلال هذا البحث كله أن أركز على التأصيل وبيان المنهج الذي سارت عليه الدعوة وأتباعها ودولتها، وتوثيق ذلك من كتبهم وأقوالهم ومواقفهم، والواقع العلمي، والعملي الذي يعيشونه ويعتمدونه. لأن هذا أجدى في كشف الحقيقة، وأبلغ في رد الشبهات وكشف الزيوف والمفتريات عليهم. ولذا آثرت الإقلال من المجادلات والتمادي في النقاش، وأحسب أن هذا أبلغ في البيان وأقرب للإقناع، وأجمع للشمل، والله حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. ونسأل الله تعالى أن ينصر الحق وأهله، وأن يخذل الباطل وأهله ، وأن يجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى، وما فيه خيرهم وعزهم وصلاحهم في الدنيا والآخرة، وأن يقيهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن. وصلى الله وسلم وبارك على خير الخلق أجمعين نبينا وحبيبنا محمد وآله، وارض عن صحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وعنا معهم بفضل الله ورحمته آمين
في تجلية الحقيقة، ورفع الظلم، ودفع الباطل ورد المفتريات والمزاعم، بالحجة والبرهان، واستجلاء الحقيقة من خلال الواقع وشهادة المنصفين. فإنه من الحقائق الثابتة الجلية أن هذه الدعوة الإصلاحية إنما هي امتداد للمنهج الذي كان عليه السلف الصالح أهل السنة والجماعة على امتداد التاريخ الإسلامي، وهو منهج الإسلام الحق الذي كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام والتابعون وأئمة الدين من الأئمة الأربعة ونحوهم من أهل الحديث والفقه وغيرهم. - ص 7 -
. إذن فهذه الحركة المباركة لم تكن إلا معبرة عن الإسلام نفسه، مستهدفة إحياء ما اعترى تطبيقه من قبل كثير من المسلمين من غشاوة وجهل وإعراض وبدع وحيث قد اشتهرت عند غير أهلها، وعند الجاهلين بحقيقتها باسم (الوهابية) فإن هذا الوصف انطلق أولا من الخصوم، وكانوا يطلقونه على سبيل التنفير واللمز والتعيير، ويزعمون أنه مذهب مبتدع في الإسلام، أو مذهب خامس. وهذا ظلم. فهي ليست سوى الإسلام والسنة كما جاء بها النبي - صلى الله عليه وسلم -. وسار عليها السلف الصالح ولم يكن استعمال هذا الوصف مرضيا ولا شائعا عند أتباعها، ومع ذلك صار لقب (الوهابية) وتسمية الدعوة الإصلاحية السلفية الحديثة به هو السائد لدى الكثيرين من الخصوم وبعض الأتباع والمؤيدين والمحايدين (تنزلا). بل تعدى الأمر إلى التوسع في إطلاق (الوهابية) على أشخاص وحركات منحرفة عن المنهج السليم، وتخالف ما عليه السلف الصالح وما قامت عليه هذه الدعوة المباركة، وهذا بسبب تراكمات الأكاذيب والأساطير التي نسجت حول الدعوة وأهلها بالباطل والبهتان. إن أتباع هذه الحركة لا يرون صواب هذه التسمية (الوهابية) ولا ما انطوت عليه من مغالطات وأوهام، لاعتبارات مقنعة كثيرة شرعية وعلمية ومنهجية وموضوعية وواقعية، تتلخص فيما أشرت إليه من أنها تمثل تماما الإسلام الحق الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -. ومنهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن سلك سبيل الهدى، وأذن فحصره تحت مسمى غير الإسلام والسنة خطأ فادح وبدعة محدثة ومردودة كمآ ذكرت ووآن هذة الدعوة وأتباعها ودولتها (الدولة السعودية في مراحلها الثلاث) قد واجهت، ولا تزال تواجه، تحديات كبرى كلها ترتكز على المفتريات والاتهامات، والشائعات والأكاذيب والأساطير التي لا تصمد أمام البحث الشرعي العلمي الأصيل والمتجرد. وإن كان الناقدون قد يجدون في تجاوزات بعض المنتسبين للدعوة ما يتذرعون به في نقدها، لكن عند التحقيق تزول هذه التهم. إذ إن الناظر في المفردات الجزئية لكل دعوة أو مبدأ، قد يجد فيها الكثير من الأخطاء والتجاوزات والتصرفات الشاذة والأقوال النادة والأحكام الخاطئة، أو الأمور. المشكله والمشتبهة آلتي تحتاج لللالى تثبت او تفسير او تدقيق او استقراء للوصول ألى حكم علمي تطمئن إليه النفس ودعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب تخضع لهذه القاعده، إذ هي دعوة إسلامية محضة وسلفية خالصة، تسير على منهج السلف الصالح، فمرد الخلاف بينها وبين مخالفيها: الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، وقد بينت أن ما يتهمها به خصومها من الاتهامات على ثلاثة أنواع: النوع الأول: من الكذب الصريح والافتراء والبهتان، وقد ورد ذكر كثير منه في هذا البحث. النوع الثاني: مما يكون من اللوازم غير اللازمة، أو التلبيس، أو التفسير الخاطئ، ونحو ذلك مما يلتبس فيه الحق بالباطل ويجب رده إلى النصوص والأصول الشرعية والقواعد المعتبرة عند. العقلاء، والمنهج الذى عليه الدعوة النوع الثالث: . أخطاء وتجاوزات وزلات ليست على المنهج الذي عليه الدعوة، أو اجتهادات خاطئة أو مرجوحة، وقد تصدر من أي من العلماء أو الولاة أو العامة، والمنتسبين للدعوة وكثير من الشبهات والاتهامات آلتي يتعلق بها الخصوم للطعن في الإمام وأتباعه ودعوته من هذا النوع. وقد عرضت هذا المنهج بشيء من التفصيل في هذا البحث ليكون القاعدة والميزان في تقويم الدعوة، وبيان مدى الظلم والإجحاف الحاصل لها ولأهلها في الاتهامات التي قيلت وذاعت عند الكثيرين، بل ومدى البهتان والكذب من قبل بعض الخصوم الذين ظلموا هذه الدعوة، أو ممن صدقوهم دون تثبت ولا نظر في المنهج والأصول التي عليها المعول في النقد والتقويم، ودون اعتبار للحال والواقع الذي تعيشه الدعوة وأهلها. وقد واجهت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب - كسائر الدعوات الإصلاحية -. صورا عديدة من هذا الابتلاء والمواجهة والحرب الظالمة بجميع أنواعها من خصومها، وما هذا الصراع إلا حلقة من حلقات الصراع بين الحق الباطل ألى قيام الساعة كمآ آن الصراع بين الدعوة وبين خصومها انما كان صراعا عقديا بالدرجة الأولى، ومظاهر الصراع السياسي وغيره جاءت تباعا. لأن الدعوة أعلنت نشر التوحيد والسنة، ومحاربة الشركيات والبدع السائدة، وأعلنت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وتحقيق العدل ورفع الظلم، والعمل بشرع الله في أمور الحياة ونشر العلم، ومحاربة الجهل
-
.
... والوسط الاعتدال يرفضه بل يحارب أصحابه، لأنهم إن بقوا فإنهم سيضلون الناس فقد حاربهم علي بن أبي طالب وحاربهم ابن عباس رضي الله عنهما وحاربهم معاوية وحاربتهم الدولة الأموية وحاربتهم الدولة العباسية، إلى وقتنا الحاضر فكل أهل الحق يحاربون من يغلوا في الدين إلى الأمر ، ولو كان يتدين بعاطفة جياشة أو يقول من قول خير البرية فالنبي صلى الله عليه وسلم حذر من ذلك.
الوسطية مطلوبة في التفكير وفي الحكم على الأشياء وفي منهج التفكير بين نظر البدايات والمآلات:
كثير من الناس ينظر إلى الأمور باعتبار الحاضر، ينظر إلى الأمور باعتبار الواقع، لكن لا ينظر إلى المآلات، والعقلاء الذين يتبعون الشرع ويدركون أحكامه ونصوصه ومقاصده فإنهم ينظرون إلى البدايات كما ينظرون إلى المآلات، وقد قال بعض أهل العلم: من كانت بداياته محرقة كانت نهاياته مشرقة. من كان ينظر إلى البداية نظرا سليما في النظر في أسباب حدوث الأشياء وفي بواعثها لينظر كيف يحكم عليها فإنه سيكون في نظره إلى المآلات السليمة، أما إن كان لا ينظر إلى البدايات ولا ينظر إلى الأسباب والبواعث ولا ينظر إلى بعث الشيء أو كيف حصر، وإنما ينظر إلى المقصد منه وإذا كان ما سيتحقق منه سليما فإن بداياته عنده ستكون سليمة ولاشك هذا غلط في التفكير، لأن التفكير الصحيح أن تنظر إلى البداية وتنظر إلى المآل.
فمن فاته النظر في المآلات فإنه يفوته النظر السليم.
وكثير من ذوي العاطفة الجياشة وذوي النظر القاصر ينظرون إلى الأمور نظرا سطحيا بدون اعتبار للمآل والنهاية.
كذلك نطلب نظرا وسطيا في التفريق ما بين الواقع والتنظير.
كثير من الناس ينظر نظريات وخيالات، هي في نفس الأمر قد تكون سليمة. لكنها من حيث التطبيق شبه مستحيلة أو مستحيلة، فهل يسوغ أن يكون المتفقهة وأن يكون حملة الشرع، بل أن يكون الناس المحبون للخير أن يكونوا أسيرين لخيالات غير قابلة للتطبيق، أن يكونوا أسيرين لتنظيرات لا توافق الواقع؟
الذي يريد الإصلاح الصحيح فيجب أن يعمل من خلال الممكن من خلال الواقع لا أن يجانب الواقع فيعمل تنظيرات يكره ببسببها الواقع أو يجانب الواقع من أجل ذلك، كيف تعمل؟
النبي صلى الله عليه وسلم أتى إلى قوم أهل جاهلية فهل أبطل جميع ما كان عليه الجاهلية؟ ليس الأمر كذلك أخذ بأحكام الجاهلية في أشياء كثيرة، وجعل من أعمال أهل الجاهلية في كثير من الأمور ميدانا لانطلاق، هذا وهم هل جاهلية، فكيف الأمر إذا كان المسألة في بلد الإسلام أو بين أهل الإسلام أو بين أهل العلم أو في أمور مختلف فيها ما بين اجتهاد وآخر، فكيف يكون الأمر كذلك؟
إنكم مطالبون يا حملة الشريعة ويا دعاة الإسلام وخطباء المساجد وأئمة المساجد، بل ويا علماء الإسلام وفقهاء الإسلام أن تكونوا واقعيين في الطرح، فليس الأمر مقبولا إذا كانت أطروحاتنا خيالية أو كانت أطروحاتنا بعيدة عن قبول التطبيق، لا يمكنك أن تطبق على الناس ما لم يكن مقبولا لدى الناس، ما لم يكن مقبولا في مصالحهم، ويجب أن نرعى أحوال الناس وما يختلفون فيه، فالخيالات والتنظيرات ليست بمقبولة.
كذلك في ميدان الدعوة إذا كنا نريد من الناس في ميدان الدعوة أن يكونوا خياليين في ميدان الدعوة، يأتون للناس بكلمتهم وتنظيراتهم وتحميس الناس إلى ما ليس بميدانا في التحميس ويكونون خياليين كمن يدعو إلى الجهاد ولا ميدان صحيح للجهاد، كمن يدعو إلى الإنكار باليد ولا ميدان للإنكار باليد إلا من جهة الاختصاص، فيحمل ذلك الناس على الحماس وحينئذ يفرغون حماسهم في طرق غير شرعية، قد يكون من نتائجها ما حصل في الأسبوع الماضي وما قد يحصل مستقبلا.
فيجب أن ترعى كلمتك في أن لا تكون خياليا في تطرح، وأن لا تتكلم بكلام ينزله الناس على واقع ليس في ذهنك.
بعض المعلمين أو بعض الدعاة بعض الأساتذة بعض الخطباء يقول كلاما هو في نفسه صحيح، ويكون عند الخطيب أو عند الداعية أو عند المعلم أو عند أستاذ الجامعة يكون عنده ضوابط تحجزه عن أن يزيد في تطبيق ما ذكر عن الحد المأذون به شرعا لكن هو لا يأمن من يخاطب ومن يحدث عن أن يزيد في تطبيق ما ذكر الحد المأذون به شرعا، والحظ قول الله جل وعلا) يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا قولوا انظرنا واسمعوا ([البقرة: 104]، نهى الله جل وعلا أهل الإيمان على أن يقولوا راعنا، لماذا ؟ لأن كلمة راعنا تحتمل أن تفهم كما يقوله اليهود راعنا يعني من الرعونة والغلظة والشدة، يريد بها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لما كان الفهم يمكن أن يفهم سيئا نهى الله جل وعلا عن استعمال اللفظة وأمر باستعمال كلمة واضحة بينة لا لبس فيها ولا غموض .
كذلك الذين يتحدثون للناس عبر الخطبة عبر المسجد عبر حلقات الجامعة عير المحاضرات التي تكون في الجامعات أو عبر الدروس التي تكون في المدارس، ويقول كلمة ليسا صحيحة في نفسها، أو يمكن أن تكون تفهم على غير فهمها أو توقع المستمع في اللبس، ثم هو لا يوضح ، ثم حينئذ يكون شريكا في البعد عن الاعتدال ويكون شريكا في عدم الفهم الحسن.
كذلك يجب علينا أن ننظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم « إن الله يحب الرفق في الأمر كله ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف »وهذا الحديث في الصحيح كما هو معروف، ( يحب الرفق في الأمر كله ) في الأمر كله يعني في الكلمة تكون رفيقا، في التفكير تكون رفيقا، في الإرشاد تكون رفيقا، في الطرح تكون رفيقا، فالرفق مطلوب، الله جل وعلا رفيق يحب الرفق في الأمر كله، فهل نريد غير محبة الله جل وعلا؟ هل نريد غير ما يرضى الله جل وعلا عنه؟ فإذا كنت غير رفيق في أمرك، في تفكيرك، في مقاصدك، في أطروحاتك، في إرشادك، في ما تقول وما تذر، في أعمالك، في الحكم على الأشياء، والحكم على التصورات والحكم على الأشخاص، فحينئذ تكون قد فوت أعظم شيء وهو محبة الله جل وعلا لك.
الوسطية في الدعوة مطلوبة، الدعوة تحتاج منا إلى تنظيم، تحتاج منا إلى ترتيب، تحتاج منا على تعاون على البر والتقوى، لكن هذه الدعوة حيث إنه لا يصلح فيها الفوضوية بل يجب أن يتعاون فيها أهل الحق وأهل الخير يتعاونوا فيها، فإنه لا يجوز أن تكون فيها مغالين فنذهب في الدعوة إلى تنظيمات بدعية أو تنظيمات سرية أو إلى حزبية.
فالدعوة الحق بين التنظيم السري والحزبيات المقيتة وبين الموالاة والمعاداة وعلى رموز دعوة متوهمة، وما بين الفوضوية التي لا تنتج دعوة.
نحتاج إلى تعاون على البر والتقوى وفق منهج أهل السنة والجماعة ووفق التطاوع، فالطاعة لا تجوز في بلد الإسلام إلا لولي الأمر، الطاعة المتوهمة لجماعة أو لدعوة أو لحزب أو نحو ذلك هذه ليست شرعية.
النبي صلى الله عليه وسلم
حين أرسل عليا وصاحبه إلى اليمن، مع أن أحدهما كان أميرا للسفر، فحينما أتى أمر الدعوة قال لهما « تطاوعا ولا تختلفا ويسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا »فليس ثم مجال لطاعة مطلقة وفق تنظيم سري أو فق حزبية مغلقة، بل التنظيم يكون وفق تنظيم ولي الأمر، والطاعة تكون وفق طاعة الله جل وعلا وطاعة رسوله ثم طاعة ولي الأمر فيما ليس فيه معصية.
إذا كان الأمر كذلك فنحتاج إلى تعاون في الدعوة على البر والتقوى وإلى تكاتف، وإلى أن نكون في الإطار الذي أذن به ولي الأمر، والإطار الذي لا ينتج مفاسد، أما الإطارات الأخرى التي يتكلم فيها الناس أو قد تكون موجودة في بعض البلدان، ونخشى أن تكون موجودة عندنا أو تنتقل إلينا من تنظيمات سرية أو حزبيات مبتدعة، فإن هذا مخالف للمنهج الوسط ولطريقة أهل السنة والجماعة، فما كون إمام من الأئمة أئمة الإسلام -مع ما حصل في زمنهم- ما كونوا جماعة خلاف ما أقره ولي الأمر.
فهل كانت غير نوح عليه السلام التي لم ثم أعلى منها في زمانه هل كافية في أن يزول الشرك أو أن تزول الوثنية التي كانت في زمنه؟ لم يكن الأمر كذلك، هل كانت كافية لتنزل نصر الله جل وعلا عليه إذ ذاك؟ لم يكن الأمر كذلك، بل مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما) ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون ([العنكبوت: 14]، الصبر الطويل صبر تسعمائة وخمسين سنة مع وجود الغيرة العظيمة والعاطفة الجياشة منهج يجب أن نكون عليه.
من ينظر اليوم إلى مشاكل الأمة وما هي فيه في كثير من الأصقاع من جهل بدين الله من بعد عن توحيد الله جل وعلا الخالص من وجود لشركيات مختلفة، من وجود لبدع مختلفة، من وجود لمنكرات مختلفة، هل حلها يكون بغيرة متوهمة؟ هل حلها يكون بالإنكار باليد؟ هل حلها يكون بالسعي فيما لا يرضي الله جل وعلا من وجود مثل هذه الجرائم والتفجيرات التي حصلت؟ كيف تحل مشاكل الأمة بجهد أبناء الأمة لابد أن نكون في ذلك وسطا بين الذين كأن الأمر لا يعنيهم ولا يسعون في حل مشكلات الأمة وبين الذين يغالون فيذهبون إلى طريق الخوارج أو طرق بدعية ظالمة بما فيها من سلوكيات وسبل منحرفة.
الأمر وسط في أن نعمل جهدنا وفق المنهج الشرعي في أن نعمل متكاتفين متعاونين، وأن نحصر مشاكل الأمة وأن نسعى فيها وأن نبذل بالدعوة بالخير والإصلاح والمناصحة وفق المتاح ووفق الشرع المطهر ووفق المأذون به، فمن حل مشاكل الأمة بخيالات وتنظيرات فإنه سيكون أسير هذه الخيالات والمشكلات دون حل لها.
كذلك نكون وسطا في النوازل التي تقع في الأمة: بين تأزيم النوازل وبين الإسهام في حلها.
الأمة مستهدفة ولاشك، أمة الإسلام بعامة وبلدكم هذا بخاصة مستهدف بلا شك، فكيف تكونون تجاه ذلك؟
يجب أولا على مستوى هذا البلد المبارك الذي هو معقل الإسلام ومأرز الإيمان والمكان الذي انطلقت الرسالة الخالدة وانطلقت منه دعوة التصحيح والتجديد، والذي تنطلق منه اليوم بشائر الخير بما ترعاه الدولة وترعاه مؤسسات هذا البلد من وزارات وهيئات وجامعات ومؤسسات خيرية وما يرعاه علماء ودعاة ويرعاه الناصحون، الجميع يجب أن يتكاتف في رد الأزمات وعلاج الأزمات، لا أن نكون مؤثرين في الناس في أن نزيد من الأزمة، جاءت أزمات وكثير من الناس زاد من الأزمة بفعله أو يهيجانه أو بتحميسه أو بكونه كأن الأزمة لا تعنيه، وأن لا يؤثر فيها، الواجب علينا أن نكون مؤثرين بالمنهج الوسطي، وأن نعمل وفق المتاح وأن لا نكون متفاعلين مع الأمور بطريق غلط، أن نكون محمسين بطريق خاطئة أن نكون مغالين في الأمور فالمطلوب منا أن نحافظ أولا على توحيد الله جل وعلا، وأن نكون محافظين على وحدة الكلمة على طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم ثالثا على وحدة الكلمة واجتماع الصف.
مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية وألف فيها الإمام المصلح ابتدأها بثلاث مسائل هي أعظم المسائل التي خالف فيها أهل الإسلام أهل الجاهلية خالف فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية.
الأمر الأول التوحيد فكان أهل الجاهلية أهل شرك فدعاهم إلى التوحيد.
الثاني طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية ما يقيمون طاعة لمقدم فيهم فخالفهم بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
الثالث طاعة ولي الأمر، كان أهل الجاهلية يرون الفوضى، لم يكن في مكة أمير عليها ولم يكون هناك في البلد أمير عليها، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى طاعة ولي الأمر.
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بعد سرد هذه المسائل: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فعظم هذه المسائل الثلاث وأبدى وفيها وأعاد.
وهذا هو الذي يجب علينا أن نبدي فيها ونعيد، فالذين يؤزمون النوازل فإعطاء الشكوك والأوهام وطرح الشك وطرح سوء الظن ويذهبون بعيدا عن الدعوة إلى وحدة الكلمة واجتماع الصف، فإن هؤلاء يسعون إلى ما فيه خلاف الصالح شرعا وإلى الغلو فيما يطرحون.
فالواجب حينئذ في المسائل والنوازل أن نسعى في عدم تأزيم النوازل وأن نسعى في حلها، فالنوازل إذا وقعت تحل بالشرع تحل بالعقل والحكمة والأناة.
الوقت يضايقنا عن المضي في هذه المسائل، نحتاج إلى تنبيهكم إلى نقاط، ربما أنتم تبحثون فيها، وحبذا أن تكون بحوث في هذه الأمور التي سأذكرها باختصار، لأنها مهمة في توجيه الناس وتوجيه الشباب بل توجيه الأمة.
الاعتدال في السياسة بين المبالغة في النظر إلى السياسة وما بين الترك، كثير من الناس ينظر أنه بسماعه لقناة فضائية أو بقراءته لتقرير صحفي أنه مؤهل للنظر في السياسة.
السياسة صعبة حتى عند الذين عندهم مؤسسات كبيرة تدعمهم بالمعلومات وعندهم أجهزة تحري، فليست السياسة بالأمر السهل التي يحكم فيها أفراد الناس بأن هذا أمر حكمه كذا، وأن هذه قضية يجب أن ننظر فيها كذا.
والواجب حينئذ أن نكون متوسطين في السياسة، فهم الأمور السياسية مطلوب لكن يجب أن تثق في حل الأمور السياسية، أن تثق بولي الأمر، أن تثق بمن أعطي في ذلك، لأنه عنده من الأجهزة والنظر والإدراك لمصالح الأمة ما ليس عند الأفراد.
فمن كان عنده نظر في تقرير صحفي أو في رؤية قضاة فضائية وحينئذ يجعل نفسه قائما بأمر الأمور السياسية، وكأنه الذي عنده الغيرة على الأمة وغيره ليس عنده غيرة على الأمة فإنه قد بالغ وترك الاعتدال.
الاعتدال في السياسة بين الفهم والقناعة ليس كل الأمور يمكن أن تفهم لكن يجب أن تحاول الفهم قد لا تدرك القانعة التامة.
الاعتدال في السياسة بين الاتهام المطلق وما بين التبرير المطلق، هناك من يبالغون في الاتهام، يتهمون بأول خاطر، وهناك آخرون أيضا في الطرف الآخر يبالغون في التبرير لكل شيء والعاقل المدرك العالم طالب العلم صاحب الحق فإنه يكون وسطا بين الاتهام وما بين التبرير يكون متفهما مدركا يعرف الأمور ومآخذها.
الوسطية بين الوطن والأمة، الوسطية بين الأهم والمهم.
نحتاج إلى بحث في الوطن والأمة، منا من قد يفرق في وطنه الذي هو مخاطب أساسا لوجود الولاية عليه ولوجود مصالحه ومصالح من يكونون حوله فيه، يفرط في وطنه رعاية لمصالح الأمة كلها، وهذا ليس بسليم مصالح الأمة مطلوبة أن ترعى وأن يحافظ عليها، ولكن أولا أن يحافظ على مصالح الوطن لأن هذا أنت مخاطب فيه أولا ابدأ بنفسك ثم بمن تعول، ابدأ بنفسك أولا وبمن حولك في المحافظة فمن أضاع المحافظة على الوطن من جهة النظر إلى المحافظة على الأمة فإنه لن يدرك المحافظة على الأمة ولن يدرك المحافظة على الوطن.
فلابد أن تكون الأمور بمقدماتها تحافظ على وطنك، لأنه الأهم وتجتمع كلمتنا على ذلك، ونسعى في هذا، في أن نكون مؤثرين في الأمة ساعين في مصالحها.
كذلك الأهم والمهم هناك من لا يرعى الاعتدال في ذلك يقدم كل شيء عنده مهم لا، العقلاء من أهل العلم والدعوة وأهل التوجيه يرون أن تقديم الأهم مطلوب يرون حتى ولو فوت مهما أو مهمات كثيرة.
لابد أن ترعى الأولويات أن تبدأ بالأهم وأن تؤخر المهم، لابد من أن نكون أهل إدراك لأن شريعتنا أمرتنا بذلك أن نكون أهل فهم، أهل نظر، وأن لا نكون متعجلين متوانين في أمورنا، وأن نكون وسطا بين طرفي الإفراط والتفريط، بين طرفي الغلو والجفاء.
نسأل الله جل وعلا أن يوفقني وإياكم لما فيه رضاه، وأن يجعلنا من النمط الذين وصفهم علي بن أبي طالب الخليفة الراشد ورابع المبشرين بالجنة رضي الله عنه وأرضاه وصفهم بقوله: خير الناس والنمط الأوسط الذين يرجع إليهم الغالي والجافي وهذآ هو المطلوب منكم.
أسأل الله لي ولكم التوفيق اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق والرشد والسداد، اللهم وفق ولاة أمورنا إلى الخير واجعلنا وإياهم من المتعاونين على البر والتقوى واجزهم خيرا عن كل ما يقدمونه عن الإسلام والمسلمين، اللهم نسألك التوفيق في أمورنا كلها وأن تجعلنا من المتعاونين على البر والتقوى .
شاكرا مجددا لمعالي مدير الجامعة هذه الفرصة وهذا الإكرام بهذه الزيارة، ومقابلة إخوتي جميعا سائلا المولى جل وعلا لي ولكم الرشد والسداد في القول والعمل وأن يعيذنا من الزلل والزغل في الطريق والقول والمسار إنه جواد كريم.
وآخر دعواي أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محم
الاثنين، 16 مارس 2015
بسم الله الرحمن الرحيمالوسطية المطلوبة -قبل
أن ندخل في أهمية طرح هذا الموضوع- لها سمات، وهذه السمات موجودة في النصوص ومجودة
في سلوك الصحابة وفي سلوك أئمة الإسلام.أما سماتها فالوسطية
والاعتدال هي سمة الشريعة بنص القرآن...فيهم ممن ألهوهم وبين
النواصب الذين ذموا بعض الصحابة، فأهل السنة والجماعة يثنون على جميع الصحابة رسول
الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويقولون فيهم ما قال الله جل وعلا ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ
إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾[الفتح:18] وفي أبواب الإمامة والولاية أهل السنة
والجماعة بل دين الإسلام وسط بين الذين اختلقوا بين هذه المسألة العظيمة منم
الخوارج في القول والعمل الذين يرون الخروج على الولاة فيما يرون منهم من أخطاء أو
من منكرات، ووسط بين هؤلاء الغلاة الذين يرون الخروج، والطرف الآخر الذي لا يرى
نصيحة الإمام أصلا ويرى أن ما قاله ولي الأمر فهو صواب مطلقا لأنهم نواب الله جل
وعلا في أرضه.
وأهل السنة والجماعة
يرون الطاعة كما أخبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ بل أمر به في أنه
يجب على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره وألا ينازع الأمر أهله كما ثبت
في صحيح مسلم.فأمر الولاية عظيم وشأنه
عظيم لكن معه في منهج الوسطية النصح والبيان والتعاون مع ولاة الأمر على البر
والتقوى.كذلك منهج الوسطية
والاعتدال عدل ووسط في الفقه والأحكام:أولا مراعاة الاجتهاد،
فالاجتهاد ماض لم يغلق، وباب الاجتهاد منهم من فتحه على مصرعيه حتى دخله من ليس
بأهل له ومن لم يع النصوص ولا القواعد والأصول، ففتحوا على مصرعيه ونسمع اليوم من
يجتهد في المسائل الشرعية والنوازل العظيمة مما لو كان في عهد عمر رَضِيَ اللهُ
عنْهُ لجمع لها أهل البدر، واليوم تنزل المسائل العظيمة بالأمة فيفتي بها الواحد
ويفتي بها الاثنان من عامة طلبة العلم ممن ليسوا مؤهلين لذلك في رسوخ العلم مما
يجتنبه الجمهرة من العلماء إلا أن يجتمعوا جميعا لينظروا في هذه النازلة.فالاجتهاد مفتوح بابه
لكن هذا الفتح بين فئتين:بين من يرى غلق باب
الاجتهاد أصلا والبقاء على نصوص السابقين من أهل العلم.وبين من يرى باب
الاجتهاد مفتوحا لكل أحد حتى ولم يلم يكن أهلا لذلك.الاعتدال في الفقه
والأحكام والوسطية في ذلك تدعونا للوسطية بين جهتين: بين لزوم المذهبية ونزع
المذاهب.فهناك من يطلب نزع
المذاهب الفقهية وأن المذاهب ليست بحق على إطلاقها وإنما كانت لفترة مضت، والواجب
الرجوع إلى كتب الحديث والسنة ونبذ كتب المذاهب مهما كانت.وبين فرقة أخرى وفئة
أخرى ترى البقاء على نصوص المذاهب وأنهم أدرى في ذلك وأن نصوصهم وكلام علماء
المذاهب يصلح لما بقي من الزمان.والحق وسط بين الفئتين
لأن كلام علماء المذاهب مطلوب فهمه لأنهم الذين فهموا الشريعة وصوروها؛ لكن لكل
زمن أحكام، ولكل زمن فهم، والشريعة منوطة بالمقاصد ومنوطة وبتحقيق المصالح ودرء المفاسد.فالبقاء على نصوص علماء
سابقين ليسوا معنا في هذا الوقت وليسوا متطرقين إلى ما نعيشه وما عندنا من علل
ومقاصد يجب مراعاتها ومصالح يجب مراعاتها ومفاسد يجب درؤها هذا ليس من باب
الاعتدال؛ فالاعتدال الأخذ بأقوالهم فهم مراداتهم وأخذ أحكامهم ومعرفة مآخذهم؛ ولكن
يجب النظر في النصوص لأن النصوص واسعة تسع الأزمنة، والأخذ بكلام العلماء مطلوب في
فهم تلك النصوص.فالإسلام وسط في
المذهبية ما بين معطّلة المذهب وما بين الغلاة في المذهبية.كذلك الوسطية والاعتدال
سمة لهذا الدين وسمة لأهل السنة والجماعة فيما بين التشديد المفرط والتسير غير
المنضبط.النبي صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بالتيسير وحض عليه وكان إذا خُيّر بين أمرين لاختار
أيسرهما ما لم يكن إثما. وهذا فيه نفي للتشديد الذي هو إيقاع في الحرج، فالذين
يأخذون بالتشديد وأن الحق في الشدة وأن الحق في التغليظ ليس هذا بحق بل هو نوع من
الغلو في الأحكام يجب نبذه، وإنما الحق في أن نأخذ بالتشديد في مكانه الذي دل عليه
النص وحينئذ لا يسمى تشديدا ونأخذ بالتيسير حيث دل النص على ذلك أو حيث خُيرنا بين
أمرين لم يرد الدليل في أحدهما نصا فإننا نختار أيسرهما ما لم يكن إثما.وهذا يُهم جدا في البحوث
وفي المقالات وفي المحاضرات وفيما نوجه فيه الشباب نجتهد في أن نبتعد عن التشديد
الذي يضر وعن الأخذ بالغلظة وعن الأخذ بالشدة التي تجعل الناس الذين يوجهون ويحاضر
عليهم ويرشدون يأخذون بالمأخذ الأشد الذي يجعل في النفوس حرجا حتى من التعايش مع
الناس.والواجب أن يكون هناك
أخذ بالوسط والاعتدال فيذلك كله؛ لأن الشريعة جاءت بنفي الحرج «وإن المنْبَت لا أرض
انقطع ولا ظهرا أبقى».
كذلك الشريعة في أحكامها
وفقهها ومقاصدها وسط في المصالح والمفاسد:غلا أناس في المصالح حتى
قدموا المصلحة المتوهمة على النص، وحتى قال بعضهم: حيث وجدت المصلحة فثم شرع الله.وغلا آخرون حيث رأوا
إلغاء المصالح مطلقا والنظر في النصوص وأن النصوص فقط هي المصلحة والأخذ بظاهر
النصوص، والشريعة شريعة معللة، شريعة مبنية على مصالح وعلى درء المفاسد، شريعة
مبنية على تحقيق المقاصد، ومن فاته العلم بقواعد المصالح ودرء المفاسد، فاته العلم
بقواعد الشريعة ومقاصد الشريعة، فإنه يفوته تحقيق هذه الشريعة المباركة، فهذه
الشريعة المباركة شريعة الإسلام شريعة مبنية على علل مبنية على مقاصد، مبنية على
رعاية المصالح مبنية في الفقه على معرفة الفرق والجمع بين الأحكام، فمن فاته معرفة
المقاصد والمصالح والمفاسد وفاته معرفة العلل المتوخاة ومن الأحكام وفاته معرفة
الجمع والفرق في الأحكام المنصوص عليها أو التي اجتهد فيها العلماء فإنه لا مجال
له في الاجتهاد ولا مجال له في الحكم ولا مجال له في رؤية أحوال الناس.لهذا يجب علينا أن نرعى
الوسط ما بين الذين ينفون المصالح مطلقا، وما بين الذين يغلون فيها، فشريعتنا
معللة نأخذ بالمصالح ومقاصد الشريعة.ولهذا نرى كلام أهل العلم
الراسخين فيه من مثل الإمام أحمد وقبله الشافعي والإمام مالك وأبو حنيفة وكلام شيخ
الإسلام ابن تيمية وابن القيم في مسائل كثيرة يرون فيها المصالح المنوطة بالنص حتى
تكلموا في مسائل ربما خالفت ما عليه الفتوى اليوم لرعايتهم للمصالح المتوخاة من
الشريعة، فرعاية المقاصد والمصالح مطلب شرعي ضروري لتأصيل منهج الوسطية والاعتدال
في الأمور.من أنواع التطبيقات لهذا
الأمر وهو الوسطية والاعتدال وهذا المنهج القويم.الوسطية والاعتدال في
الحكم على الأشياء.الأشياء تتجدد والقضايا
تتنوع وكل يوم لنا جديد ولاشك، فالزمن له حركة، والمدنية ولادة والحضارة متوقدة،
ولن تقف عند حكم فقيه، ولن تقف عند حكم داعية أو عند تنظير منظر، الزمن يتحرك
والزمن ولاّد، والمدنية تتولد وتنمو كما هو مشاهد ومنظور في الزمن الحاضر والحضارة
والأزمنة الماضية.ولابد حينئذ من أن يكون
هناك منهج واضح معتدل:في الحكم على الأشياء.في الحكم على الأوضاع.في الحكم على الأشخاص.في الحكم على الأفكار
وما يطرح.في الحكم على النوايا
والمقاصد.في الحكم على المجتمعات.في الحكم على الدول.في الحكم على العلماء.في الحكم على الدعاة.في الحكم على الناس.وهذا المنهج الوسط يجب
أن يؤصل في أطروحات وفي رسائل حتى لا يكون الناس الذين يرومون الإصلاح ويرومون
الدعوة ويرومون الإرشاد، حتى لا يكون طلبة العلم في غيبة عن المنهج المعتدل في ذلك.من قواعد أهل العلم
الحكم على الشره فرع عن تصوره، والله جل وعلا يقول لنا ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ
عِلْمٌ﴾[الإسراء:36]، فمن أراد
أن يحكم على شيء دون علم كامل بهذا الشيء أو يحكم على وضع أو يحكم على شخص أو يحكم
على أفكار وأطروحات أو يحكم على نوايا ومقاصد دون معرفة شرعية بذلك فإنه حينئذ يقْف
ما ليس له به علم.
والواجب علينا أن تضع
هذه الآية نصب أعيننا، وأن نضع قول الله جل وعلا في النهي عن القول بلا علم وحيث
جعله قرينا للشرك بقوله ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة:169]، والنبي
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن القول بلا علم وأن من يفتي بغير علم فإنما
يتقحم النار، حينئذ فكيف نحكم على الأوضاع؟ الناس كما ترون يحكمون على كل شيء.
فهل يليق بأهل الفكر
والعلم وأهل المنهج الفكري والمنهج المستقيم في النظر والتأمل أن يكونوا مستعجلين وأن
يكونوا من غير ذوي الأناة في الحكم على الأشياء؟أنتم نخبة -سواء من
الطلاب من ذوي المستويات العالية أو من غيرهم- أنتم النخبة، فكيف يسوء أن يكون لكل
شيء منهج إلا التفكير والحكم على الأشياء بلا منهج، هل سوغ أن يترك الناس بكب أحد
طريقة في الحكم على الأشياء، حينئذ ستنتج أشياء وأشياء وأشياء من مثل ما رأينا
وسينتج هناك أفكار وآراء وأحكام على الأوضاع والأشخاص والمجتمعات والدول وحتى حكم
على النوايا وأهل العلم بما ترون وبما لا ترون في المستقبل، هل يسوغ أن يكون هناك
غياب لمنهج التفكير في الحكم على الأشياء، إنما نطالب بمنهج نفكر فيه ونفكر به،
بمنهج يكون قاطعة للتفكير، كيف يفكر كيف تبني النتائج على مقدماتها؟ هل يسوغ أن
يكون هناك حكم على النتائج حكم على الأشياء وحصول نتائج في الحكم أو في العمل بدون
مقدمات سليمة؟ كيف نصحح الأفكار؟ كيف نصحح منهج الحكم على الأشياء؟هذا من أهل المهمات،
الحكم على الشيء فرع عن تصوره.من القواعد أنه ليس لكل
أحد أن يقتحكم الحكم على كل مطلب، هناك أشياء عظيمة بجب أن تترك للناس الكبار؛
للناس الذين ينظرون للأمور بمنظار شامل، أنت لا تعرف كل شيء في الأمور، فكيف تحكم
على كل شيء، هل يسوغ لطالب علم أو منتسب أو حتى من المثقفين أو من عامة الناس أن
ينصب نفسه حكما على أوضاع، حكما على دولة، حكما على علماء، حكما على أفكار، دون
حصر ودون نظر ودون تطبيق للقواعد الشرعية.من الناس من يروم أن
يكون ديدنه في الحكم الأخذ ببعض الأشياء، فيرى نصا واحدا لديه كافيا في الحكم
الكلي على ذلك، ولو كان الأمر كذلك لما كان الفقهاء قليلين كيف تميز فقهاء الإسلام؟
لأنهم نظروا في النصوص جميعا، ثم نظروا في النصوص ونظروا في عللها، ونظروا في
المقاصد ونظروا في المصالح والمفاسد، فالحكم الشرعي لا يناط بشيء واحد ينظر فيه
المرء.فلابد من الاعتدال في
الحكم على الأشياء ما بين طرف يغلو فيحكم بمجرد خاطر وقع له، وما بين آخر يترك
الأمر وكأنه لا يعنيه.================================نحتاج إلى وسط ما بين
الغلاة الذين يحكمون دائما بالأسوء من الأحكام على الأشياء وعلى الأشخاص، ويحكمون
بالظن، ويسيئون النظر، ويسيئون الظن، ويحكمون على كلمة قالها شخص أو أمر تبنته جهة
على الحكم على تلك الجهة بكلها.
واجب أن يكون المرء
متوسطا موازنا بين الإيجابيات والسلبيات، موازيا بين المصالح والمفاسد، موازنا في
الحكم على الأشياء ما بين الغالي فيها والجافي عنها.فالذي يروم الحكم بدون
توسط فإنه يذهب إلى الخروج عن اعتدال الشريعة وعن الاعتدال في الأمور.الأشخاص، المسلم الأصل
فيه السلامة، الأصل في المسلم السلامة، ليس الأصل في المسلم الشك، ليس الأصل في
المسلم ظن السوء الأصل في المسلم، ولو كان عنده ما لا ينبغي من الأعمال والأقوال؛
لكن الأصل فيه السلامة، ليس الأصل فيه الشك والأصل فيه أنه يقول سوءا أو يذهب إلى
سوء، الأصل في الأفكار التي يطرحها مسلم أن يكون ديدنه فيها حب الشر أو حب
المخالفة أو الوقيعة أو الإفساد؛ ولكن ديدنه في ذلك الخير من حيث الأفكار إلا إن
ثبت خلاف ذلك من قول صريح أو عمل صريح، فإنه حينئذ يكون خلاف ذلك.
النوايا والمقاصد يجب
اعتبار الظاهر فيها، وأن لا نحكم على نوايا ومقاصد الناس باعتبار ظاهر سلوكي أو
ظاهر قولي؛ لأن النوايا والمقاصد علمها عند الله جل وعلا، ويجب علينا الحذر من أن
نظن سوءا بالناس والله جل وعلا يقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾[الحجرات:12]، وقال
أيضا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فيما جاء في الحديث لما جاءت الشهادة قال:« هل رأيت الشمس» قال: نعم. قال «على مثلها فاشهد أو فدع».
الوسطية في التفكير مطلوبة
تفكير الشباب اليوم؛ بل تفكير الناس بل حتى تفكير بعض الخاصة نراه متفرقا متشعبا
بين عقل جامد أو عاطفة جامحة، العقل والإدراك والعقل والالتزام مطلوب؛ لكن مع عدم إلغاء
العاطفة، والعاطفة مطلوبة، العاطفة الجياشة مطلوبة، التعاطف مطلوب، الحماس للدين
مطلوب؛ لكن مع عدم غياب العقل السليم ورعاية النص، فمن جعل عاطفته حكما عليه في كل
تصرفاته دون رجوع إلى علم، ودون رجوع إلى أهل العلم الراسخين فيه ودون رجوع إلى
توجيهات من ولي الأمر أو على قواعد شرعية مبنية فإنه حينئذ يروم عاطفة كما رامها
الخوارج أو كما رامها المعتزلة أو كما رامها أهل الهواء، فأهل الأهواء ما الذي أوقعهم
في أهوائهم؟ إلا العاطفة التي لم تنضبط بنص ولم تنضبط بمنهج.خالف الخوارج الصحابة
فقتلوا خير الناس في زمنهم وهو علي رَضِيَ اللهُ عنْهُ، من قتل علي؟ هل قتله أعداء
الإسلام؟ إنما فتله رجل يقوم الليل ويصوم النهار وهو عبد الرحمن بن ملجم الخارجي.عبد الرحمن بن ملجم
أرسله عمر بن الخطاب إلى مصر لما طلب عمر بن العاص قارئا للقرآن يقرئ الناس القرآن،
قال أهل مصر يحتاجون إلى قارئ يقرئ الناس القرآن، فقال عمر رَضِيَ اللهُ عنْهُ في
رسالة أرسلها إلى عمر بن العاص قال: أرسلت لك رجلا صالحا هو عبد الرحمن بن ملجم،
آثرتك به على نفسي إذا أتاك فأكرمه واجعل له دارا يقرئ الناس فيها القرآن.جلس عبد الرحمن بن ملجم
في مصر حتى ظهرت حركة الخوارج -وأول ما ظهرت في اليمن ثم في مصر- أو أخذت في مصر
فأثروا عليه لأنه كان كثير الصلاح كثير العاطفة لكنه قليل العلم والفقه وكان
منعزلا، فلذلك أتاه الأمر من حيث أتاه وقتل خير الناس علي بن أبي طالب، ولما قِيد
للقصاص وقيد منه وأُريد للقتل قال لهم: لا تقتلوني مرة واحدة إنما اقتلوني شيئا
فشيئا قطّعوا أطرافي أمامي لأنظر كيف تقطع أطرافي في سبيل الله جل وعلا وامتدحه
واحد من أصحابه.هل كونه خارجيا معنى ذلك
أن الناس نفوه بقيت دعوة الخوارج سرية متسلسلة في الناس...
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)