[ وقل له أيضًا: المشركون
الذين نزل فيهم القرآن هل كانوا يعبدون الملائكة والصّالحين واللات وغير ذلك؟ فلا
بد أن يقول: نعم فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء
ونحو ذلك. وإلا فهم مقرون أنهم عبيده وتحت قهره وأن الله هو الذي يدبّر الأمر ولكن
دعوهم والتجؤوا إليهم للجاه والشفاعة وهذا ظاهر جدًا ] أي أن المشركين الأولين ما
كان شركهم إلا في هذه الأمور وقد نزل القرآن في الإنكار عليهم والأمر بقتالهم
وإباحة أموالهم ودمائهم. ما كانوا مع أصنامهم يعتقدون أنها تخلق وترزق وتحيي وتميت
وما كانوا يدعونها إلا من أجل الشفاعة، فكذلك عبَّاد القبور اليوم يدعون الأضرحة
والأولياء والصالحين ولا يعتقدون فيهم أنهم يخلقون ويرزقون وأنهم خلقوا السماوات
والأرض وإنما اتخذوهم لقضاء الحاجات والتوسل بهم إلى الله ليشفعوا لهم ويقربوهم
إليه زلفى والالتجاء إليهم في كشف الكرب والشدائد.
[ فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله r وتبرأ منها. فقل لا أنكرها ولا أتبرأ منها.
بل هو r الشَّافع والمشفّع وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله تعالى كما
قال تعالى: { قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا }(1) ولا تكون
إلا بعد إذن الله كما قال تعالى: { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ
بِإِذْنِهِ }(2)
ولا يشفع النبي r في أحد إلا بعد أن يأذن الله فيه، كما قال
تعالى: { وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى }(3) وهو
سبحانه لا يرضى إلا التوحيد، كما قال تعالى: { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ
دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ }(4) فإذا كانت
الشفاعة كلها لله ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي r ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا
يأذن الله إلا لأهل التوحيد تبيّن لك أن الشفاعة كلها لله وأطلبها منه فأقول:
اللهمَّ لا تحرمني شفاعته اللهمَّ شفّعه فيّ، وأمثال هذا ] شفاعة النبي r لا
ينكرها إلا أهل الباطل، والفرق الضالة كالخوارج والمعتزلة، أما أهل السنة والجماعة
فإن من أصول عقيدتهم الإقرار بشفاعة النبي r وشفاعة
الأولياء والصالحين، ولكنها لا تطلب منهم وهم أموات وإنما تطلب من الله لأن أحدًا لا يشفع
عند الله إلا من بعد إذنه، ولا بد أن يكون المشفوع فيه ممن يرضى الله عنه من أهل
التوحيد، والنبي r وهو أعظم الشفعاء يوم القيامة، إذا تقدم له
أهل المحشر وطلبوا منه أن يشفع لهم عند الله في فصل القضاء بينهم، فإنه لا يشفع
ابتداء، وإنما يستأذن ربه ويطلب منه أن يأذن له بالشفاعة فيخرّ ساجدًا بين يدي ربه
ويدعوه ويتضرع إليه ويستمر حتى يقال له: يا محمد ارفع رأسك وسلْ تعطه واشفع تشفّع (5) ولكن كيف تطلب الشفاعة؟.
الشفاعة تطلب من الله ولا تطلب من المخلوق فتقول:
اللهم لا تحرمني شفاعة نبيك، اللهم شفّعه فيّ. وأمثال هذا. والنبي r بعد موته لا يطلب منه شيء لا شفاعة ولا
غيرها لأن طلب الأشياء من الأموات شرك أكبر.
[ فإن قال: النبي r أعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله
تعالى. فالجواب: أن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا فقال تعالى: { فَلا تَدْعُوا
مَعَ اللَّهِ أَحَدًا }(6) فإذا كنت تدعو الله أن
يشفّع نبيّه فيك فأطعه في قوله: { فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا }، وأيضًا،
فإن الشفاعة أعطيها غير النبي r فصح أن الملائكة يشفعون، والأفراط(7) يشفعون والأولياء يشفعون أتقول: إن الله أعطاهم
الشفاعة وأطلبها منهم فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها الله في
كتابه. وإن قلت لا بطل قولك: أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله ] أي
ليس من لازم إعطاء النبي r وغيره الشفاعة جواز طلبها منهم وهم أموات
بدليل أن الله سبحانه وتعالى نفي أن يشفع أحد عنده إلا بإذنه ورضاه عن المشفوع فيه
ولأن طلب الشفاعة من الأموات شرك والله قد حرم الشرك وأحبط عمل صاحبه وحرم عليه
الجنة، وقد أنكر سبحانه على الذين يدعون غيره ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله
ونزّه نفسه عن ذلك وسماه شركًا. وأيضًا إعطاء الله الشفاعة ليس خاصًا بالنبي r فهل كل من أعطي الشفاعة تطلب منه من دون
الله كما كان المشركون الأولون يفعلون ذلك، { يَقُولُونَ هَـؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا
عِندَ اللَّهِ }(1).
[ فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئًا حاشا وكلا ولكن
الالتجاء إلى الصّالحين ليس بشرك. فقل له: إذا كنت تقر أن الله حرّم الشرك أعظم من
تحريم الزنى، وتقرُّ أن الله لا يغفره، فما هذا الأمر الذي حرمه الله وذكر أنه لا
يغفره، فإنه لا يدري فقل له: كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ كيف يحرم الله
عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه؟ أتظن أن الله يحرّمه ولا
يبيّنه لنا؟ فإن قال: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام فقل له: ما معنى
عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبّر أمر من دعاها؟ فهذا
يكذّبه القرآن، وإن قال: هو من قصد خشبةً أو حجرًا أو بنية على قبرٍ أو غيره يدعون
ذلك ويذبحون له يقولون: إنه يقربنا إلى الله زلفى ويدفع الله عنا ببركته ويعطينا
ببركته فقل صدقت وهذا هو فعلكم عند الأحجار والأبنية التي على القبور وغيرها فهذا
أقر أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام فهو المطلوب.
ويقال له أيضًا: قولك: (الشرك عبادة الأصنام) هل
مرادك أن الشرك مخصوص بهذا، وأن الاعتماد على الصّالحين ودعاءَهم لا يدخل في ذلك؟
فهذا يردّه ما ذكر الله في كتابه من كفر من تعلق على الملائكة أو عيسى أو
الصّالحين، فلا بد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحدًا من الصّالحين فهذا هو
الشرك المذكور في القرآن وهذا هو المطلوب.
وسر المسألة أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله فقل
له: وما الشرك بالله، فسره لي؟ فإن قال: هو عبادة الأصنام فقل وما معنى عبادة
الأصنام فسرها لي: فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله فقل: ما معنى عبادة الله فسرها
لي؟ فإن فسّرها بما بيّنه القرآن فهو المطلوب، وإن لم يعرفه فكيف يدَّعي شيئًا وهو
لا يعرفه؟
وإن فسر ذلك بغير معناه، بيّنت له الآيات الواضحات
في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان وأنه الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه، وأن
عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرون علينا ويصيحون فيه كما صاح إخوانهم حيث
قالوا: { أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ }(2) ] يبيّن
الشيخ رحمه الله أن الشرك ليس مقصورًا على عبادة الأصنام لأن المشركين الأولين
منهم من يعبد الملائكة والملائكة أصلح الصالحين كما قال تعالى: { بَلْ عِبَادٌ
مُّكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ،
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ
ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ، وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي
إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ
}(1).
ومنهم من يعبد الصالحين وذلك في قوله تعالى: {
أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ
أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ }(2) قيل إنها نزلت فيمن يعبد عزيرًا والمسيح من
الأنبياء. وقيل نزلت في قوم كانوا يعبدون الجن فأسلم الجن، ولم يعلم من يعبدهم من
الإنس أنهم أسلموا.
والمقصود من ذلك أن الله ذكر أن المشركين الأولين
منهم من يعبد الأصنام والأشجار والأحجار ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين، وسوّى
بينهم في الحكم وحكم عليهم بالكفر والشرك. وأنت أيها المشبه تريد أن تفرق بين من
عبد الأصنام ومن عبد الصالحين فتفرق بين ما جمع الله وهذا من المحادّة لله سبحانه
وتعالى. هذا وجه رد هذه الشبهة حيث تبيّن أنه لا فرق بين شرك الأوّلين وشرك هؤلاء
الذين يدَّعون الإسلام وهم يعبدون القبور والأولياء والصالحين لأنهم لا يعرفون أن
هذا شرك وهذه نتيجة الجهل بعقيدة التوحيد الصحيحة والجهل بما يضادها من الشرك فإن من لا يعرف
الشرك يقع فيه وهو لا يدري. ومن هنا تتضح ضرورة العناية بدراسة العقيدة الصحيحة
وما يضادها.
[ فإذا عرفت أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا
الاعتقاد هو الشرك الذي نزل فيه القرآن وقاتل رسول الله r الناس عليه فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك
أهل زماننا بأمرين: أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء
والأوثان مع الله إلا في الرخاء وأما في الشّدَّة فيخلصون لله الدين كما قال
تعالى: { وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ
إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ
كَفُورًا }(3) وقوله: { قُلْ أَرَأَيْتَكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ
السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ
تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا
تُشْرِكُونَ}(4) وقال تعالى: { وَإِذَا
مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ }(5) وقوله: {
وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
}(6).]
يقول الشيخ رحمه الله: إذا عرفت مما سبق أنه لا فرق بين شرك أهل الجاهلية الذي نزل
فيه القرآن والذي قاتل رسول الله r وأصحابه وشرك هؤلاء المنتسبين إلى الإسلام من
عبَّاد القبور وأصحاب الطرق الصوفية المنحرفة ونحوهم لا فرق بين شرك هؤلاء وهؤلاء
إلا في الاسم حيث يسمونه الاعتقاد فقط، فاعلم أن شرك هؤلاء المتأخرين المنتسبين
إلى الإسلام أشد وأغلظ من شرك المتقدمين من أهل الجاهلية من وجهين:
الأول: أن شرك الأولين إنما يحصل في حال الرخاء
وأما في حال الشدة فإنهم يتركون الشرك ويخلصون الدعاء لله لعلمهم أنه لا ينجي من
الشدائد إلا الله سبحانه، كما ذكر الله عنهم في الآيات التي ساقها الشيخ وغيرها؛
وأما هؤلاء المشركون المنتسبون إلى الإسلام فشركهم دائم في الرخاء والشدة بل إن
شركهم في الشدة يزيد على شركهم في الرخاء ، بحيث إذا وقعوا في خطر وشدة، ارتفعت
أصواتهم بالشرك ودعاء غير الله.
هذا هو الوجه الأول من وجوه الفرق بين المشركين
الأولين ومشركي زماننا.
والوجه الثاني: سيأتي.
[ فمن
فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه وهي أن المشركين الذي قاتلهم رسول الله
يدعون الله تعالى ويدعون غيره في الرخاء وأما في الضر والشدة فلا يدعون إلا الله
وحده لا شريك له، وينسون ساداتهم تبيّن له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين
ولكن، أين من يفهم
قلبه هذه المسألة فهمًا راسخًا؟! والله المستعان ] يقول رحمه الله : إنه لا يدرك
الفرق بين شرك الأولين وشرك المتأخرين في أن شرك المتأخرين أغلظ وأشد، إلا من فهم
الآيات القرآنية التي توضح ذلك ومن لم يدرك الفرق فإنه راجع لسوء فهمه.
[ والأمر الثاني أن الأولين يدعون مع الله أناسًا
مقرّبين عند الله إما أنبياء وإما أولياء، وإما ملائكة، أو يدعون أشجارًا أو
أحجارًا مطيعة لله ليست عاصية وأهل زماننا يدعون مع الله أناسًا من أفسق الناس،
والذين يدعونهم هم الذين يحكمون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير
ذلك ] الوجه الثاني: من أوجه الفرق أن المشركين الأولين يدعون أناسًا فيهم صلاح
وتقرب إلى الله من الملائكة والأنبياء والصالحين أو يدعون أشجارًا أو أحجارًا ليست
عاصية لله. وأما المشركون المتأخرون فيدعون فجرة الخلق وأشدهم كفرًا وفسقًا ممن
يزعمون لهم الكرامات وسقوط التكاليف عنهم من ملاحدة الصوفية الذين يستحلون
المحرمات ويتركون الواجبات كالبدوي والحلاج وابن عربي وأضرابهم من أئمة الملاحدة،
فيعبدونهم وهم يشاهدونهم يفعلون الفواحش ويتركون الفرائض ويزعمون أن هذا من
كرامتهم وفضلهم حيث سقطت عنهم التكاليف.
[ والذي يعتقد في الصّالح أو الذي لا يعصي مثل الخشب
والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يُشاهد فسقه وفساده ويشهد به ] هذه نتيجة المقارنة بين
شرك الأولين وشرك المتأخرين المنتسبين إلى الإسلام وهي أن الشرك بعبادة الصالحين
والمخلوقات التي لا تعصي أخف من الشرك بعبادة الفجرة والملاحدة والعصاة لأن ذلك يدل
على تزكيتهم وموافقتهم على كفرهم وفجورهم واعتباره صلاحًا وكرامة وأي محادة لله
أشد من هذه المحادة نسأل الله العافية.
[ إذا تحقَّقت أن الذين قاتلهم رسول الله r أصح عقولاً وأخف شركًا من هؤلاء، فاعلم أن
لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا وهي من أعظم شبههم فأصغ سمعك لجوابها وهي أنهم
يقولون إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله ويكذّبون الرسول r وينكرون البعث ويكذّبون القرآن ويجعلونه سحرًا ونحن نشهد أن لا
إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ونصدق القرآن ونؤمن بالبعث ونصلي ونصوم فكيف
تجعلوننا مثل أولئك؟
فالجواب أن لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا
صدّق رسول الله r في شيء وكذّبه في شيء فإنه كافر لم يدخل في
الإسلام وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه، كمن أقرّ بالتّوحيد وجحد وجوب
الصلاة أو أقرّ بالتوحيد والصلاة وجحد وجوب الزكاة أو أقرّ بهذا كله وجحد الصوم أو
أقرّ بهذا كله وجحد الحج ولما لم ينقد أناس في زمن النبي r للحج أنزل الله في حقهم: { وَلِلَّهِ عَلَى
النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ
الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }(1).
ومن أقر بهذا كله وجحد البعث كفر بالإجماع وحل دمه
وماله كما قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ
وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ
بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً،
أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا }(2).
فإذا كان الله قد صرح في كتابه أن من آمن ببعض وكفر
ببعض فهو الكافر حقًا زالت هذه الشبهة وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الأحساء في
كتابه الذي أرسله إلينا.
ويقال أيضًا: إذا كنت تقرّ أن من صدّق الرسول r في كل شيء وجحد وجوب الصّلاة فهو كافر حلال الدم
والمال بالإجماع، وكذلك إذا أقرّ بكل شيء إلا البعث، وكذلك لو جحد وجوب صوم رمضان
وصدَّق بالباقي وهنا لا تختلف المذاهب فيه وقد نطق به القرآن كما قدمنا. فمعلوم أن
التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي r وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج.
فكيف إذا جحد الإنسان شيئًا من هذه الأمور؟ كفر ولو عمل بكل ما جاء به الرسول r ، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم
لا يكفر؟! سبحانه الله ما أعجب هذا الجهل!
ويقال أيضًا: هؤلاء أصحاب رسول الله r قاتلوا بني حنيفة وقد أسلموا مع النبي r وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا
رسول الله ويؤذّنون ويصلّون فإن قال إنهم يقولون إن مسليمة نبي قلنا هذا هو
المطلوب. إذا كان من رفع رجلاً إلى رتبة النبي r كفر وحل ماله ودمه ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة فكيف بمن رفع شمسان
أو يوسف أو صحابيًا أو نبيًا إلى رتبة جبار السماوات والأرض سبحان الله ما أعظم
شأنه: { كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ }(3).
ويقال أيضًا: الذين حرّقهم علي بن أبي طالب رضي
الله عنه بالنَّار كلهم يدّعون الإسلام وهم من أصحاب علي رضي الله عنه وتعلموا
العلم من الصحابة ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما،
فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟ أتظنون أن الصحابة يكفّرون المسلمين؟ أتظنون
أن الاعتقاد في تاج وأمثاله لا يضر والاعتقاد في علي بن أبي طالب يكفّر؟
ويقال أيضًا: بنو عبيد القداح الذين ملكوا المغرب
ومصر في زمان بني العباس كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله
ويدّعون الإسلام ويصلون الجمعة والجماعة، فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون
ما نحن فيه أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم وأن بلادهم بلاد حرب وغزاهم المسلمون
حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين.
ويقال أيضًا: إذا كان الأولون لم يكفروا إلا أنهم
جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول r والقرآن وإنكار البعث وغير ذلك فما معنى
الباب الذي ذكره العلماء في كل مذهب (باب حكم المرتد) وهو المسلم يكفر بعد إسلامه
ثم ذكروا أنواعًا كثيرة، كل نوع منها يكفّر ويحل دم الرجل وماله حتى إنهم ذكروا
أشياء يسيرة عند من فعلها مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه أو يذكرها على وجه
المزح واللعب.
ويقال
أيضًا: الذين قال الله فيهم : { يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ
قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ }(1).
أما سمعت الله كفّرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول
الله r ويجاهدون معهم ويصلّون معه ويزكّون ويحجّون ويوَحِّدون.
وكذلك الذين قال الله فيهم: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ
لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ
وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ، لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ
إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ
كَانُواْ مُجْرِمِينَ }(2) فهؤلاء الذي صرّح الله
أنهم كفروا بعد إيمانهم وهم مع رسول الله r في غزوة تبوك قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها
على وجه المزح(3) ، فتأمل هذه الشبهة هي قولهم تكفّرون من المسلمين أناسًا
يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون ويصومون ثم تأمل جوابها فإنه من أنفع ما في هذه
الأوراق ] ما زال الشيخ رحمه الله يواصل الرد على شبهات المشبهين في مسألة الشرك
والتوحيد، فانتهى إلى هذه الشبهة العظيمة التي هي من أعظم شبههم وأخطرها ألا وهي
قولهم إن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وصلى وصام وحج وأدى
الأعمال، فإنه لا يكفر ولو فعل ما فعل من أنواع الردة. أما الذين نزل فيهم القرآن
وهم المشركون الأولون فإنهم ليسوا مثل هؤلاء فهم لم يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن
محمدًا رسول الله ولم يدخلوا في الإسلام فهم لا يؤمنون بالله ولا بالرسول ولا بالإسلام ولا
بالقرآن، أما هؤلاء فأظهروا الإيمان بالبعث ويصلون ويصومون ويحجون ويزكون ويذكرون
الله كثيرًا. فالشيخ رحمه الله عند هذه الشبهة خاصة قال: أصغ سمعك لجوابها فإنها
من أعظم شبههم.
ثم ردَّ الشيخ على هذه الشبهة من سبعة وجوه مهمة:
الوجه الأول:
أنه من آمن ببعض الأحكام الشرعية وكفر ببعضها الآخر
فهو كافر بالجميع. وهؤلاء أنكروا التوحيد الذي جاءت به الرسل وهو إفراد الله
بالعبادة فهؤلاء لم يفردوا الله بالعبادة وإنما أشركوا معه غيره من الأولياء
والصالحين فالإسلام لا يقبل التجزئة ولا التفرقة وأعظم الإسلام التوحيد وهو دعوة
جميع الرسل، وهؤلاء جحدوا أعظم شيء وهو توحيد العبادة وقالوا لا بأس أن ينذر
الإنسان لفلان ويذبح لفلان لأنه ولي والوليّ ينفع ويضر مما هو مثل فعل المشركين
الأولين.
الوجه الثاني:
ذكر الشيخ رحمه الله وقائع في التاريخ الإسلامي تدل
على أن العلماء في كل زمان يكفّرون من آمن ببعض وكفر ببعض. منها أن الصحابة ومن
بعدهم قاتلوا الذين يتظاهرون بالشهادتين ويصلون ويصومون ويحجون لكن لما فعلوا
شيئًا من الشرك أو جحدوا شيئًا من الدين قاتلوهم واستحلّوا دماءهم وأموالهم وذلك
كما يلي:
أولاً: بنو حنيفة اعتقدوا أن مسيلمة رسول الله والذين جحدوا وجوب
الزكاة بعد وفاة النبي r .
وثانيًا: في عهد علي رضي الله عنه كفّروا الغلاة الذين قالوا إن عليًا
هو الله مع أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويصلون ويصومون
وهم في جند علي رضي الله عنه، لكن لما أظهروا الغلو حرَّقهم علي رضي الله عنه مع
أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله ولكنه حرَّقهم لما اعتقدوا أن شخصًا له حق في
الألوهية كفّرهم وحرقهم بالنار.
ثالثًا: في عهد العباسيين ظهرت فرقة العبيديين، وهم طائفة الشيعة
الإسماعيلية لأنهم ينتسبون إلى إسماعيل بن محمد بن جعفر، ولذلك سموا بالإسماعيلية
وسموا الفاطمية لأنهم يزعمون أنهم من ذرية فاطمة ولذلك يقال لهم الفاطميون، وفي
الحقيقة أنهم من اليهود أظهروا الإسلام ولكن ظهر منهم كفريات وفي النهاية ادعى
حكامهم الألوهية مثل الحاكم العبيدي.
فالصحابة قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله
إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويصومون ويحجون لكن لما ادعوا أن مسيلمة نبي
كفّروهم لأن من اعتقد في شخص بعد محمد r أنه نبي فقد كفر وإن كان يصلي ويصوم ولذلك
حكم المسلمون اليوم بكفر القاديانية الذين يدعون نبوة أحمد القادياني. فإذا كان من
رفع رجلاً إلى مرتبة النبي كفر فكيف لا يكفر من رفع رجلاً إلى مرتبة رب العالمين
وصرف له أنواعًا من العبادة كالذبح والنذر والدعاء والاستغاثة وغير ذلك؟ وقول
الشيخ كما رفع تاجًا وشمسان ويوسف ناس في زمانه غلا فيهم الناس بحجة أنهم أولياء ولهم شعوذات وخوارق وهم
على طريقة الحلاج وابن عربي.
الوجه الثالث:
أن العلماء رحمهم الله عقدوا بابًا في كتب الفقه
سموه باب الردة وذكروا فيه نواقض الإسلام وذكروا أشياء قد تكون صغيرة في أعين
الناس ولكن حكموا أن من فعلها أو اعتقدها يكفر مع أنه يصلي ويصوم ويعبد الله، ولم
يحصروا حصول الردة فيما ذكرتم.
الوجه الرابع:
أن الله حكم بكفر أناس لقولهم كلمة تكلموا بها
أبطلت إسلامهم وإيمانهم كما قال تعالى: { يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ
وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ }(1) فكفّرهم
بكلمة مع كونهم مع رسول الله يصلّون ويجاهدون.
(5) انظر صحيح البخاري 4/105، 106 كتاب أحاديث
الأنبياء باب قول الله تعالى: { إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ } ، وانظر مسلم 1/184-186 كتاب
الإيمان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها كلاهما من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق