والفائدة الثانية: أنك إذا عرفت التوحيد الصحيح وعرفت الشرك القبيح فإن ذلك
يُفيدك الخوف أن تقع فيما وقع فيه كثير من الناس بالمخالفة لهذا الأصل والوقوع في
الشرك وأنت لا تدري فلا تأمن على نفسك من الفتنة فلا تغتر بعملك أو بفهمك، ولكن قل
لا حول ولا قوة إلا بالله واسأل الله الثبات، فإن إبراهيم الخليل الذي أعطاه الله
من العلم واليقين ما لم يعط غيره إلا نبيًا يقول: { وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن
نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ } فإبراهيم لم يأمن على نفسه الفتنة مع علمه ويقينه
وهو الذي كسَّر الأصنام بيده وألقي في النار بسبب ذلك، ومع هذا يخاف على نفسه من
الفتنة، فلا تغتر بعلمك وتأمن على نفسك من الفتنة ولكن كن دائمًا على حذر من
الفتنة بأن لا تزلّ بك القدم وتغتر بشيء يكون سببًا لهلاكك وضلالك، فإن بعض
المغرورين اليوم يقول إن الناس تجاوزوا مرحلة الجهل والبدائية وصاروا مثقفين واعين
لا يتصور أن يعودوا للوثنية، أو نحوًا من هذا الكلام الفارغ، ولم يفطن لعبادة
الأضرحة التي تنتشر في كثير من البلاد الإسلامية ولم ينظر فيما وصل إليه كثير من
الناس من الجهل بالتوحيد. [ فإنك
إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر
بالجهل ] قد يقول الإنسان كلمة من الكفر تُحبط عمله كله كالرجل الذي قال: « والله
لا يغفر الله لفلان، فقال الله جل وعلا: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان.
إني قد غفرت له وأحبطت
عملك »
كلمة واحدة تجرأ فيها على الله وأراد أن يمنع الله أن يغفر لهذا المذنب،
فالله جل وعلا أحبط عمله وغضب عليه. والإنسان قد يتكلم بمثل هذه الكلمة ونحوها
فيخرج من دين الإسلام، فالذين مع النبي r لما قالوا ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب
بطونًا وأكذب ألسنًا وأجبن عند اللقاء يزعمون أنهم قالوها من باب المدح ويقطعون
بها الطريق بزعمهم قال الله فيهم: { قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ
كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ، لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } دل على أنهم مؤمنون في الأول فلما قالوا هذه
الكلمة كفروا والعياذ بالله مع أنهم يقولونها من باب المزح واللعب.
[ وقد
يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله تعالى كما كان يظن المشركون ] أي يقول كلمة
الكفر وهو يظن أنها تقربه إلى مثل ما يقول المشركون: { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ
لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } { هَـؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ }.
[ خصوصًا
إن ألهمك الله ما قصَّ عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم، أنهم أتوه قائلين: { اجْعَل
لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } فحينئذٍ
يعظم حرصك وخوفك على ما يخلّصك من هذا وأمثاله ] قوم موسى هم بنو إسرائيل الذين
آمنوا بموسى خرجوا معه من مصر حيث
أمره الله أن يخرج بهم فراراً من فرعون فخفي عليهم هذا الأمر مع أنهم علماء وفيهم
صلاح وتقوى وخرجوا مع موسى مقاطعين لفرعون وقومه فلما أتوا على قوم يعكفون على
أصنام لهم أرادوا تقليدهم في ذلك وطلبوا من موسى فقالوا: { اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا
كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } فأنكر
عليهم موسى هذه المقالة وأخبرهم أن عمل هؤلاء القوم شرك بالله عز وجل فانظر كيف
خفي عليهم هذا الأمر مما يدل على خطورة الجهل بالتوحيد وعدم معرفة حقيقة الشرك مما
يسبب أن الإنسان قد يقول الكلمة التي تقتضي الكفر والخروج من الدين وهو لا يدري.
ولا يخلصك من هذا وأمثاله إلا العلم النافع الذي به تعرف التوحيد من الشرك، وتحذر
به من القول أو الفعل اللذين يوقعانك في الشرك من حيث لا تدري. وهذا يدل على بطلان
قول من يقول: إن من قال كلمة الكفر أو عمل الكفر لا يكفر حتى يعتقد بقلبه ما يقول
ويفعل. ومن يقول: إن الجاهل يعذر مطلقًا ولو كان بإمكانه أن يسأل ويتعلم، وهي
مقالة ظهرت ممن ينتسبون إلى العلم والحديث في هذا الزمان.
[ واعلم
أن الله تعالى بحكمته لم يبعث نبيًا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء كما قال تعالى:
{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ
يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا } وقد
يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج كما قال تعالى: { فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ
رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ } ] حكمة
الله تعالى في هذا تتلخص في أمرين:
الأمر الأول: أنه ما بَعَثَ نبيًا من أنبيائه إلا جعل له أعداء من المشركين
كما في الآية التي ذكرها المؤلف وكما في الآية: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ
نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا }
ولله في ذلك الحكمة من أجل أن يتبين الصادق من الكاذب، ويتبين المطيع من
العاصي. إذا بعث الأنبياء يدعون إلى الهدى صار هناك دعاة للضلال من أجل أن يمتحن
الناس أيهم يتبع الأنبياء وأيهم يتبع دعاة الضلال، ولولا ذلك لكان الناس كلهم
يتبعون الأنبياء ولو في الظاهر ولا يتميز الصادق في اتِّباعه من المنافق لأن الأنبياء يتّبعهم
المؤمن الصادق ويتبعهم المنافق الكاذب، والذي يميز هذا من هذا هو الابتلاء
والامتحان، فالشدائد هي التي تبيّن الصادقين من المنافقين فالله جعل أعداءً
للأنبياء لحكمة من أجل الابتلاء والامتحان { لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ
الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ }
هذه هي الحكمة بأن الله جعل لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن، والشيطان هو
المارد العاصي فكل من تمرد عن طاعة الله فإنه شيطان سواء كان من الجن أو من الإنس،
حتى الدواب المتمردة تسمى شيطانًا وهو من شاط الشيء إذا اشتد أو من شطن إذا ابتعد،
فالشيطان يكون من عالم الجن ويكون من عالم الإنس، وقوله تعالى: { يُوحِي
بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ } الزخرف في الأصل الذهب وزخرف القول هو القول
المموّه المزوّر، لأجل أن يغر الناس. فالقول المزخرف هو الباطل المغلّف بشيء من
الحق وهذا من أعظم الفتنة لأن الباطل لو كان مكشوفًا ما قبله أحد لكن إذا غُطي
بشيء من الحق فإنه يقبله كثير من الناس وينخدعون بهذه الزخرفة، فهو باطل في صورة
الحق، { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } الله قادر على منعهم من ذلك لكنه
شاء أن يفعلوه من أجل الابتلاء والامتحان. وإذا كان هذا مع الأنبياء فكيف بغيرهم
من الدعاة إلى الله وعلماء التوحيد فأتباع الأنبياء أيضًا يكون لهم أعداء من دعاة
الباطل في كل زمان وفي كل مكان. هذا مستمر في الخلق وجود دعاة الحقّ وإلى جانبهم
دعاة الباطل في كل زمان ومكان.
الأمر الثاني: وهو العجيب أن دعاة الباطل يكون عندهم علوم وعندهم كتب وعندهم
حجج يجادلون بها أهل الحق كما قال تعالى: { فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم } يعني الكفار { بِالْبَيِّنَاتِ } الحقائق
البيّنة والعلم النافع { فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ } الذي توارثوه
عن أجدادهم وآبائهم والذي هو عبارة عن كتبهم وعن حججهم التي توارثوها، وهذا واقع
الآن، فكم في الساحة من كتب أهل الباطل ككتب الجهمية، وكتب المعتزلة، وكتب
الأشاعرة، وكتب الشيعة كم في الساحة من كتب هؤلاء! وعندهم حجج مركبة ومزيفة تغر
الإنسان الذي ليس عنده تمكن من العلم فعلم الكلام وعلم المنطق اعتمدوه وجعلوه هو
العلم الصحيح الذي يفيد اليقين.
[ إذا
عرفت ذلك وعرفت أن الطريق إلى الله تعالى لابد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة
وعلم وحجج، فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يصير سلاحًا تقاتل به هؤلاء
الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك عز وجل: { لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ
الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ
لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ
وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } ] أما أدلة القرآن والسنة فهي حجج ظنية بزعمهم لا
تفيد اليقين وهذا من تمام الفتنة والتزييف على الناس. لأن الواقع الصحيح هو العكس
وهو أن أدلة القرآن تفيد اليقين، وأدلة المنطق والجدل تفيد الشك والحيرة والاضطراب.
كما أقر بذلك كبراؤهم عند الموت أو عند توبتهم ورجوعهم عن علم الكلام.
إذا كان هؤلاء عندهم فصاحة وعندهم حجج وعندهم كتب
فلا يليق بك أن تقابلهم وأنت أعزل بل يجب عليك أن تتعلم من كتاب الله ومن سنة رسول
الله r ما تبطل به حجج هؤلاء الذين قال إبليس
إمامهم ومقدمهم لربك عز وجل: { لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ } أي لبني آدم { صِرَاطَكَ
الْمُسْتَقِيمَ } أي الطريق الموصل إليك { ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ
أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ
تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ }. تعهد
الخبيث أنه سيحاول إضلال بني آدم وكذلك أتباعه من شياطين الإنس من أصحاب الكتب
الضالة والأفكار المنحرفة يقومون بعمل إبليس في إضلال الناس.
[ ولكن
إذا أقبلت على الله وأصغيت إلى حججه وبيّناته فلا تخف ولا تحزن { إِنَّ كَيْدَ
الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } ] كما قال
الله سبحانه وتعالى: { فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ
الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } فهم مهما كان عندهم من القوة الكلامية والجدال
والبراعة في المنطق والفصاحة إلا أنهم ليسوا على حق وأنت على حق ما دمت متمسكًا
بالكتاب والسنة وفهمت الكتاب والسنة فاطمئن فإنهم لن يضروك أبدًا {
إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } لكن هذا يحتاج إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة
فإنك بذلك لا تخاف مهما كان معهم من الحجج والكتب لأنها سراب كما قال الشاعر:حجج تهافت كالزجاج تخالها حقًا؛ وكل منها كاسر مكسور فالسراب يزول كذلك هذه الحجج إذا طلعت عليها شمس
القرآن وبينات القرآن زال هذا الضباب الذي معهم وهذه سنة الله سبحانه وتعالى: {
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ
وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ }. { قُلْ
إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاّمُ الْغُيُوبِ } قذائف الحق تدمر الباطل مهما كان.
[ والعامي
من الموحّدين يغلب ألفًا من علماء هؤلاء المشركين، قال تعالى : { وَإِنَّ جُندَنَا
لَهُمُ الْغَالِبُونَ } ] هذا من العجائب أن
العامي غير المتعلم من الموحدين يغلب ألفًا من علماء المشركين، ذلك لأن العامي
عنده الفطرة السليمة التي لم تتلوث بالشكوك والأوهام وقواعد المنطق وعلم الكلام.
أما العالم المشرك فليس عنده فطرة سليمة ولا علم صحيح وصاحب الفطرة السليمة يتغلب
على الذي ليس عنده فطرة ولا علم لأن علمه جهل. إذًا فالناس ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من عنده علم صحيح وفطرة سليمة وهذا أعلى الطبقات وهذا هو الذي
أقبل على ربه وأصغى إلى حججه وبيّناته فصار عنده علم صحيح وفطرة سليمة.
القسم الثاني: من ليس عنده علم لكن عنده فطرة سليمة وهو العامي من الموحدين.
القسم الثالث: من ليس عنده فطرة سليمة ولا علم صحيح وإنما عنده سراب لا حقيقة
له، فهذا يُهزم أمام العامي فكيف أمام العالم الذي عنده علم صحيح وفطرة سليمة؟
فهذا مما يدلك على أن تعلّم العلم النافع يكون سلاحًا للمؤمن أمام أعداء الله
ورسوله.
[ فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان كما هم
الغالبون بالسيف والسنان ] قال تعالى: { وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } أضاف الجند إليه سبحانه وتعالى، وجند
الله هم المؤمنون، يقال لهم جند الله ويقال لهم حزب الله كما في قوله تعالى: { لا
تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ
حَادَّ اللَّهَ } إلى قوله: { أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ
اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }. فهم حزب الله وجند الله، والجند جمع جندي وهو المقاتل والمدافع
عن دين الله أضافهم إلى نفسه تشريفًا لهم، وجعل لهم الغلبة بالحجة والسلاح.
جند الله هم الغالبون بالحجة واللسان يعني بالعلم
والمعرفة ومجادلة أهل الباطل، فما تقابل أهل حق وأهل باطل في خصومة إلا تغلب أهل
الحق على أهل الباطل في الخصومات والمناظرات دائمًا وأبدًا. فهم الغالبون بالحجة
مع المبطلين كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان في المعارك، إذا تقابل الجندان
المسلمون والكفار فإنه ينتصر المسلمون على الكفار إذا توفرت شروط النصر فيهم بأن
توكلوا على الله واعتصموا بالله وأطاعوا الله ورسوله، فإن حصل فيهم خلل لحقت بهم
الهزيمة كما حصل للصحابة في وقعة أحد لما عصوا أمر الرسول r ونزلوا من الجبل الذي قال لهم لا تنزلوا منه
سواء انتصرنا أو هُزمنا فلما خالفوا ونزلوا من الجبل حلت الهزيمة بالمسلمين.
[ وإنما
الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح ] هذا هو الواقع فالموحد الذي
يسلك الطريق ويواجه الكفار ويقول أنا أدعو إلى الله وليس عنده علم لو يقف أمامه
واحد من عوامهم ويلقي عليه شبهة ما استطاع الجواب. فهذا مما يُوجب على طلبة العلم
وعلى الدعاة إلى الله خصوصًا أن يتفقهوا في دين الله وأن يتعلموا حجج الله
وبراهينه وأن يطّلعوا على ما عند الخصوم والكفار والمنافقين من الباطل من أجل أن
يدحضوه ويكونوا على معرفة به. والنبي r لما أرسل معاذًا إلى اليمن قال له: « إنك تأتي قومًا من أهل
الكتاب » من أجل أن يستعد لأن الذين أمامه أهل كتاب وأهل
علم وعندهم حجج وعندهم شبهات وعندهم تلبيس، فلا بد أن يكون معاذ رضي الله عنه على
استعداد من أجل أن يقوم بالدعوة ويرد الباطل ثم قال له: « فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا
الله وأن محمدًا رسول الله » فهذا مما يؤكد على الموحدين عمومًا وعلى طلبة العلم
خصوصًا وعلى الدعاة إلى الله بصفة أخص أن يتعلموا ما يدفعون به الباطل وينصرون به
الحق وإلا فإنهم سينهزمون أمام أي شبهة تعرض لهم. والمشكلة إذا عجز الداعية إلى
الله أن يُجيب على شبه الملبس أمام الناس أو أجابه بجهل، وهذا أشد. ولا يتعارض هذا
مع قول الشيخ: « والعامي من الموحدين يغلب ألفًا من علماء المشركين » لأن العامي
الموحد وإن كان كذلك فعليه الخوف من شرهم وأخذ الحذر منهم بتعلم العلم النافع. وقد
استشكل بعض الإخوان هذه العبارة. وهي قول الشيخ: (والعامي من الموحدين يغلب ألفًا
من علماء هؤلاء المشركين) مع قوله: (وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس
معه سلاح) والجواب عن هذا الإشكال أن الشيخ رحمه الله يقصد أن العامي عنده فطرة
سليمة يستنكر بها الباطل، أما علماء الضلال ففطرهم فاسدة وحججهم واهية فالعامي
يغلبهم بالفطرة السليمة من حيث الجملة لا من حيث التفاصيل.
فالعامي الموحد أحسن حالاً من علماء الكلام والمنطق
فكتاب الله ما ترك شيئًا نحتاج إليه من أمور ديننا إلا وبيّنه لنا لكن يحتاج منا
إلى تفقه وتعلم ولو كان عندك سلاح ولكن لا تعرف تشغيله فإنه لا يدفع عنك العدو
وكذلك القرآن لا ينفع إذا كان مهجورًا وكان الإقبال على غيره من العلوم.
[ وقد
منَّ الله تعالى علينا بكتاب الذي جعله { تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى
وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } . فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها
ويبيّن بطلانها. كما قال تعالى: { وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْنَاكَ
بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا }. قال بعض المفسرين: هذا الآية عامة في كل حجةٍ يأتي
بها أهل الباطل إلى يوم القيامة ] هذه قاعدة معروفة لأن الله جل وعلا يقول عن
القرآن: { تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ }
ويقول: { وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ
وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا } فلا يوجد شبهة في الدنيا أو باطل في الدنيا يُدلي به كافر
أو مُلحد إلا وفي القرآن ما يرد عليه لكن لا يتبين هذا إلا بمعرفة القرآن والتفقه
فيه ودراسته حق الدراسة حتى يعرف ما فيه من الكنوز وما فيه من السلاح وما فيه من
الذخيرة التي نقاوم بها أعداءنا فنقبل على كتاب الله حفظًا وتفهمًا وتلاوة وتدبرًا
وعملاً حتى نكون مسلحين بهذا السلاح. أما مجرد وجود القرآن عندنا من غير أن نعتني
به وندرسه فلا يكفي، وأهل الكتاب ضلوا وكفروا وعندهم التوراة والإنجيل لما تركوا
تعلمهما والعمل بهما.
لكن لابد من دراسة القرآن على ضوء السنة النبوية
وتفسير السلف الصالح، لا على ضوء الدراسات المعاصرة المبنية على التخرص والجهل أو
ما يسمونه بالإعجاز العلمي.
فليس هذا خاصًا بالرسول r وأهل زمانه مع القرآن بل هذا عام لكل أمته
إلى أن تقوم الساعة لكن يحتاج إلى عناية بالقرآن ودراسة للقرآن كما ينبغي، لأن فيه
بيان الحق والرد على أهل الباطل.
[ وأنا
أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جوابًا لكلام احتج به المشركون في زماننا
علينا ] لما ذكر لك هذه القاعدة العظيمة وهو أنه لا يأتي مبطل بشبهته إلا وفي
القرآن ما يبين بطلانها وأن ذلك مستمر إلى يوم القيامة، دخل في التمثيل من الواقع
الذي جرى للشيخ رحمه الله في وقته مع خصومه. ومن هنا إلى آخر الكتاب كله كشف شبهات
يعترضون بها على الشيخ وهو يُجيبهم عنها من كتاب الله ومن سنة رسوله r . ويدحض حججهم وبذلك نصره الله عليهم وأبطل
كيدهم. [ فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين مجمل ومفصّل. أما المجمل ] المجمل هو
القاعدة العامة في جواب أهل الباطل على اختلاف أصنافهم، وفي أي زمان ومكان.
والمفصل هو الرد على كل شبهة على حدة فإذا عرفت المجمل والمفصل في رد الشبهات صار
عندك سلاح لمنازلة المشركين والمبطلين. [ فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن
عقلها وذلك قوله تعالى: { هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ
آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا
الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء
الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ
}
] هذا هو الرد المجمل على الشبهات قال تعالى: { هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ
الْكِتَابَ } يعني القرآن { مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ }
المحكم هو الذي لا يحتاج في بيانه إلى غيره.
فالقرآن منه آيات على هذا الشكل { مُّحْكَمَاتٌ }
يعني بيّنات واضحات في معانيها لا تحتاج إلى غيرها { هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ } أم
الشيء هو الأصل الذي يرجع إليه فالآيات المحكمات هن الأصل الذي يرجع إليه { وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } المتشابه هو الذي
يحتاج لبيان معانيه إلى غيره فيرد إلى
المحكم، ومن المتشابه المحتمل لمعاني متعددة ويحتاج إلى غيره في بيان المراد منه،
ومنه المطلق ومنه المنسوخ. وقد ذكر تعالى موقف الناس من هذين القسمين المحكم
والمتشابه فقال: { فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ } يأخذون الآيات غير الواضحة أو
الآيات المحتملة ويستدلون بها على ما يريدون مع أنها محتملة ليست نصًا فيما يقولون
لكن هم يريدون التلبيس على الناس يقولون نحن استدللنا بالقرآن فيأخذون الآيات التي
لا يتضح معناها بنفسها أو الآيات المحتملة لعدة معان فيستدلون بها على ما يريدون {
ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ } أي التشكيك والتضليل أو { ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ }
التأويل يطلق على معنيين كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالته
التدمرية . المعنى الأول: أن المراد به التفسير وهذا هو المعروف عند المتقدمين. ولذلك
تجد ابن جرير الطبري في تفسيره يقول: القول في تأويل قوله تعالى أي في تفسيره فإن
كان هذا هو المقصود في الآية: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ } فإنه
يعطف الراسخون في العلم على لفظ الجلالة هكذا { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ
اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } يعني والراسخون في العلم يعلمون تأويله
وهو التفسير وذلك بردّه إلى المحكم الذي يبيّن المراد منه.
فتفسير القرآن على هذا الوجه لا يعلمه إلا الله
وأهل العلم المختصون وأمَّا العوام والجهّال فلا يعلمون تفسيره، وأهل الزيغ يأخذون
المتشابه ولا يردونه إلى المحكم ويقطعون بعض القرآن عن بعض فيأخذون بعض الآيات
ويتركون البعض الآخر.
أما المعنى الثاني: للتأويل فهو الحقيقة التي يؤول إليها الشيء. وما يصير إليه في
المستقبل، مثل حقائق ما في الجنة من أعناب ونخيل وفواكه ولبن وخمر وعسل وأشياء لا
يعلم حقائقها إلا الله سبحانه وتعالى، لأنها من علم الغيب، وكذلك كيفية أسماء الله
وصفاته لا يعلمها إلا
الله سبحانه وتعالى فالتأويل على هذا المعنى ما يؤول إليه الشيء في المستقبل فإذا
أريد هذا المعنى تَعَيّنَ الوقفُ في الآية على لفظ الجلالة. لأنه لا يعلم تأويله
على هذا الوجه إلا هو سبحانه.
[ وقد
صح عن رسول الله r ، أنه قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين
سمَّى الله، فاحذروهم»] صح عن النبي r في
الحديث الذي رواه البخاري ومسلم أنه قال: »إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه«
أي من القرآن والسنة ويأخذون بالنصوص المجملة ويتركون النصوص المفصلة « فأولئك
الذين سمى الله » في هذه الآية: { فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ } « فاحذروهم » أي احذروا أصحاب هذه
الطريقة لا يُلبسوا عليكم أمر دينكم فهذا فيه التحذير من علماء الضلال ومن
المبتدعة لئلا يلبسوا علينا أمر ديننا فهؤلاء من الذين { وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ
اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ }.
[ مثال
ذلك: إذا قال لك بعض المشركين: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } أو إن
الشفاعة حق، وأن الأنبياء لهم جاه عند الله، أو ذكر كلامًا للنبي r يستدل به على شيء من باطله وأنت لا تفهم
معنى الكلام الذي ذكره
فجاوبه بقولك: إن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم
ويتّبعون المتشابه، وما ذكرته لك من أن الله تعالى ذكر أن المشركين يقرّون
بالربوبية وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم: {
هَـؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ } هذا أمر محكم بيّن، لا يقدر أحد أن يغيّر معناه،
وما ذكرت لي أيها المشرك في القرآن أو كلام النبي r لا أعرف معناه ولكن أقطع أن كلام الله لا
يتناقض، وأن كلام النبي r لا يخالف كلام الله عز وجل، وهذا جواب سديد ولكن لا يفهمه إلا من
وفقه الله فلا تستهن به فإنه كما قال تعالى: { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ الَّذِينَ
صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } ] أي إذا قال لك واحد من علماء المشركين الذين
يتعلقون بالأولياء ويطلبون منهم المدد ويستغيثون بهم كما هو الحال والواقع الآن
عند عبَّاد القبور ويقولون إن الله جل وعلا يقول: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ
اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } . وهؤلاء أولياء والنبي r أخبر أن الصالحين يشفعون وأن الأولياء
يشفعون والرسل يشفعون فالجواب أن الشفاعة حق لا شك في ذلك، ولكنها كما ذكر الله
لابد لها من شرطين:
الإذن للشافع أن يشفع.
وأن يكون المشفوع فيه من أهل
التوحيد.
ولا شك أن الله سبحانه وعد الأولياء أنهم لا خوف
عليهم ولا هم يحزنون، لكن من الأولياء؟ هل الأولياء طائفة مخصوصة من الناس عليهم
عمائم ولباس خاص؟ أو الأولياء الذين بني على قبورهم قباب؟ ليس كذلك. لأن الله
سبحانه بيّنهم بعد هذه الآية مباشرة حيث قال: { الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ
يَتَّقُونَ }.
فكل مؤمن تقي فهو ولي لله ليست الولاية خاصة بطائفة
معينة أو أشخاص معيّنين لهم لباس خاص ولهم سمات خاصة أو على قبورهم قباب وزخرفات؛
الأولياء كل مؤمن تقي فإنه ولي الله بنص هذه الآية. والولاية تختلف باختلاف
الإيمان والتقوى، منهم من هو ولي كامل الولاية ومنهم من هو ولي دون ذلك بحسب
إيمانه وبحسب تقواه فليست الولاية خاصة بما تزعمون من هؤلاء الأشخاص أو هؤلاء
المقبورين والنبي r يقول: « رُبَّ أشعث مدفوع بالأبواب لو اقسم على الله لأبرّه » فقد
يكون الولي غير معروف ولا له مكانة عند الناس.
هذا من ناحية ومن الناحية الثانية لو ثبت أنه ولي
لله عز وجل فإن هذا لا يعطيه شيئًا من الربوبية ولا شيئًا من حق الله، لأنه عبد
الله محتاج إلى ربه عز وجل ولا يملك من الأمر شيئًا لا يخلق ولا يرزق فليس المعنى
أنه إذا كان وليًا أننا نتعلق به وننزل حاجاتنا به ونستغيث به ونطلب منه لأن الله
قال: { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ
لِمَن يَشَاء } وقال تعالى: { وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ
تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا } لا من الأولياء ولا غيرهم فالله لا يرضى بهذا
سبحانه وتعالى فليس معنى قوله تعالى: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } أنهم يملكون شيئًا من الربوبية وأنهم ينفعون
ويضرون وأنهم يعطون الشفاعة وأنهم وأنهم.. كما يزعم القبوريون. فمن تعلق بالأولياء
وطلب منهم الشفاعة وهم أموات أو طلب منهم الإغاثة وهم أموات أو طلب منهم قضاء
الحاجات وهم في قبورهم فإنه مثل المشركين الأولين الذين قال الله فيهم: {
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ
وَيَقُولُونَ هَـؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ }
هم يقولون نحن لا نعتقد أنهم يخلقون ويرزقون وإنما من أجل أن نجعلهم وسائط
بيننا وبين الله لأنهم أولياء ونحن مقصرون ونحن مذنبون فهؤلاء بصلاحهم وجاههم
ومكانتهم عند الله يشفعون لنا والله رد عليهم فقال:
{ سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } فسمّى هذا شركًا وقال في آية أخرى: { أَلا لِلَّهِ
الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا
نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى }
يريدون الوساطة فقط عند
الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنهم معترفون أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت
فيعترفون بتوحيد الربوبية تمامًا كما ذكر الله عنهم، وإنما قصدوا بفعلهم هذا وساطة
هؤلاء الصالحين عند الله فنذروا لهم وذبحوا لهم واستغاثوا بهم: يا سيدي اشفع لي
عند الله، افعل كذا، هذا الذي يقولونه عند القبور هل هذا يختلف عما قاله المشركون
من قبل، الذين رد عليهم جل وعلا بقوله: { إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ
كَاذِبٌ كَفَّارٌ } حكم عليهم بالكذب وحكم عليهم بالكفر فعملهم هذا
كفر وكذب. وفي سورة يونس نزّه نفسه عن ذلك فقال: { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
}
سماه شركًا.
فالأولياء عباد صالحون لهم قدرهم ونحترمهم ونحبهم
ونقتدي بهم في الأعمال الصالحة لكن ليس لهم شركة مع الله سبحانه وتعالى إنما هم
مثلنا محتاجون إلى الله عز وجل فقراء إلى الله عز وجل { يَا أَيُّهَا النَّاسُ
أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ } هذا عام { وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ
الْحَمِيدُ } كل الخلق فقراء إلى الله عز وجل بما فيهم
الأنبياء والرسل، بما فيهم الملائكة عليهم السلام كلهم فقراء إلى الله سبحانه
وتعالى، فهذا مما يزيل اللّبس لأن هؤلاء يأخذون بعض القرآن ويستدلون به ويتركون
البعض الآخر؛ يأخذون الآية التي تمدح الأولياء وتثني عليهم ويتركون الآية الأخرى
التي تبين أنهم لا يُعبَدُون من دون الله عز وجل وأنَّ مَن طلب منهم شيئًا وهم
أموات فإنه مشرك كافر، يتركون هذه الآيات، فهذا من الزيغ الذي ذكره الله سبحانه
وتعالى. فلتكن عندك هذه القاعدة أن الإنسان مهما بلغ من الصّلاح والكرامة والمنزلة عند الله فإنه
ليس له من الربوبية شيء وإنه لا يُدعى مع الله وإنه لا يكون له شيء من العبادة وهو
لا يرضى بذلك. فالأولياء والصّالحون على الحقيقة لا يرضون بذلك وينهون عنه أشد
النهي إنما يرضى بذلك الطواغيت الذين يدعون الناس إلى عبادة أنفسهم. أما أولياء
الله فحاشاهم من هذا لا يرضون به وإنما يرضى به أولياء الشيطان هذا معنى قول الشيخ
رحمه الله.
( لكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام الرسول r لا يخالف كلام الله) فيجب رد النصوص بعضها
إلى بعض وتفسير بعضها ببعض حتى يتضح المطلوب وهذا كما قال الشيخ جواب سديد تجب
العناية به لأنه مبني على كتاب الله فمن وفّق له فهو ذو حظ عظيم.
[ وأما
الجواب المفصّل: فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل، يصدّون بها
الناس عنه: منها
قولهم: نحن لا نشرك بالله، بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا
الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا r لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلاً عن عبد القادر أو غيره، ولكن
أنا مذنب، والصالحون لهم جاه عند الله وأطلب من الله بهم. فجاوبه بما تقدم وهو أن
الذين قاتلهم رسول الله r مقرّون بما ذكرت، ومقرّون أن أوثانهم لا تدبّر شيئًا وإنما أرادوا
الجاه والشّفاعة، واقرأ عليهم ما ذكر الله في كتابه ووضّحه. فإن قال: هذه الآيات
نزلت فيمن يعبد الأصنام، كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام أم تجعلون الأنبياء
أصنامًا؟ فجاوبه بما تقدم، فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله،
وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة، ولكن إذا أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله
بما ذكر فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الأصنام، ومنهم من يدعو الأولياء الذين
قال الله فيهم: { أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ
الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ } الآية، ويدعون عيسى بن مريم وأمه وقد قال الله
تعالى: { مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ
الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ
نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، قُلْ أَتَعْبُدُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } واذكر له قوله تعالى:
{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا
ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ، قَالُوا
سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ
أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} وقوله
سبحانه وتعالى: { وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ
لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ
سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ
قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي
نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ } فقل له:
أعرفت أن الله كفَّرَ من قصد الأصنام وكفَّر أيضًا من قصد الصّالحين، وقاتلهم رسول
الله r فإن
قال الكفار يريدون منهم، وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر، لا أريد إلا
منه والصّالحون ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم فالجواب:
أن هذا قول الكفار سواءً بسواء واقرأ عليه قوله تعالى: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا
مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ
زُلْفَى }
وقوله تعالى:{ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ }. واعلم أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم فإذا
عرفت أن الله وضّحها في كتابه، وفهمتها فهمًا جيدًا فما بعدها أيسر منها ] ذكر
الشيخ رحمه الله في هذا المقطع ثلاث شبهات للمشركين هي من أهم ما عندهم، فإذا عرفت
الإجابة الصحيحة عنها فما بعدها من الشبهات أيسر منها:
الشبهة الأولى: أنهم
يقولون نحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله r ونعلم أنه لا ينفع ولا يضر إلا الله سبحانه
وتعالى وأن النبي r لا يملك نفعًا ولا ضرًا فضلاً عن عبد القادر يعني عبد القادر
الجيلاني، لكن هؤلاء لهم جاه عند الله فنطلب من الله بهم يعني نجعلهم وسائط بيننا
وبين الله لما لهم من الفضل.
فالجواب سهل جدًا من كتاب الله بأن تقول إن
المشركين مع أصنامهم ما كانوا يعتقدون فيها أنها تخلق وترزق وتنفع وتضر وإنما
اتخذوها وسائط بينهم وبين الله وهذا واضح في قوله تعالى: { وَيَعْبُدُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاءِ
شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي
السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }.
نزّه نفسه عن فعلهم وسماه شركًا مع أنهم يقولون
هؤلاء شفعاؤنا عند الله ويعتقدون أنهم لا ينفعون ولا يضرون وإنما قصدهم التعلق بالجاه
فقط. فالآيات تدل على أن المشركين معترفون بأنه لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر الأمر
إلا الله سبحانه وتعالى وأن أصنامهم ومعبوداتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تدبر مع الله
وإنما اتخذوها وسائط. ولا فرق بينكم وبينهم.
وإذا كنت مذنبًا فلماذا لا تستغفر الله وتطلب من
الله ، والله جل وعلا أمرك بالاستغفار ووعدك بالتوبة وأن يقبل منك ويغفر ذنوبك ولم
يقل إذا أذنبت فاذهب إلى قبر الولي الفلاني أو العبد الصالح الفلاني وتوسل به
واجعله واسطة بيني وبينك.
وتقول أيضًا: هؤلاء إذا كان لهم جاه عند الله فإن
جاههم لهم وصلاحهم لهم وأنت ليس لك إلا عملك وصلاح الصالحين لهم وجاههم عند الله
لهم ما علاقتك بعمل فلان وصلاح فلان كل له عمله { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ
لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا
يَعْمَلُونَ } { وَلا تُجْزَوْنَ إِلاّ مَا كُنتُمْ
تَعْمَلُونَ } فجاههم وصلاحهم لهم ولا ينفعك إذا كنت مذنبًا
حتى والدك أقرب الناس إليك وولدك لا يستطيع ولو كان من أصلح الناس أن ينفعك {
يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ }، { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ
رَهِينَةٌ }. { وَاخْشَوْا يَوْمًا
لاّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ
شَيْئًا }. { يَوْمَ يَفِرُّ
الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ }.
الشبهة الثانية: إذا قرأت عليه قوله تعالى: { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ
اللَّهِ } وقوله تعالى: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن
دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ
لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } وبيّنت له أن المشركين ما أرادوا ممن عبدوهم
إلا الشفاعة وقال لك هذه الآيات نزلت في الذين يعبدون الأصنام وأنا لست أعبد
الأصنام وإنما أتوسل إليه بالصالحين فكيف تجعل الصالحين أصنامًا؟ والجواب عن هذا واضح جدًا وهو أن الله ذكر أن
المشركين منهم من يعبد الأصنام ومنهم من يعبد الأولياء والصالحين وسوّى الله بينهم
في الحكم ولم يفرّق بينهم وأنت فرّقت بينهم، في ظنك أن عبادة الأصنام لا تجوز وأن
عبادة الصالحين تجوز إذا كانت بقصد التوسط، والدليل على هذا أن الله ذكر أنواعًا
من المشركين فمنهم من يعبد الصالحين قال تعالى : { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا
ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ، قَالُوا
سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ
أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} في يوم القيامة الله جل وعلا يسأل الملائكة وهو
أعلم سبحانه وتعالى لكن لأجل إبطال حجة هؤلاء { أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا
يَعْبُدُونَ } فدل على أن منهم من يعبد الملائكة لكن الملائكة تتبرأ منهم يوم
القيامة وتقول نحن ما أمرناهم بذلك ولا رضينا بذلك { سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا
مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ } يعني الشياطين هي التي أمرتهم
بعبادة الملائكة لأن الملائكة لا تأمر إلا بعبادة الله { وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ
إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي
الظَّالِمِينَ } فدل على أن منهم من يعبد الملائكة، والملائكة
أصلح الصالحين، كما قال تعالى فيهم: { لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم
بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين كالمسيح ابن
مريم وأمه.
وإذا بطل التوسل بالملائكة والأنبياء ودعاؤهم من
دون الله بطل التوسل بغيرهم من الصالحين ودعاؤهم من دون الله كما قال تعالى: {
أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ
مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ
يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي
مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ } لأن
الواجب إخلاص العبادة لله عز وجل بجميع أنواعها من الدعاء والذبح والنذر وغير ذلك.
فمن ذبح لغير الله ودعا غير الله كان مشركًا خارجًا
من الدين.
الشبهة الثالثة: إذا سلّم بأن الدعاء لغير الله شرك ولكنه قال أنا لا أدعو
النبي r ولا غيره وهذا الذي أفعله ليس دعاءً وإنما
هو طلب لشفاعة النبي r وهل تنكر شفاعة النبي r فإنك حينئذٍ تدخل معه في خصومة أخرى وشبهة أخرى وهي أنه سمى دعاء
النبي r والاستغاثة به طلبًا للشفاعة ولم يُسمّه
دعاءً ويقول إن النبي r أُعطي الشفاعة فأنا أطلب منه الشفاعة التي أعطيها.
فتقول له أنا لا أنكر الشفاعة وأقر أن شفاعة النبي r حق وأنه شافع مشفّع أنا لا أنكر هذا ولكن
الشفاعة لا تطلب من النبي r وهو ميت وإنما تطلب من الله لأن الشفاعة ملك لله عز وجل، قال الله
تعالى: { قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ } فجميع أنواع الشفاعة ملك لله وما دامت ملكًا
لله فإنها لا تطلب إلا ممن يملكها وهو الله سبحانه وتعالى، والنبي r لا يملك الشفاعة ولا أحد يملك الشفاعة إلا
بإذن الله وإنما هي ملك لله عز وجل. وأيضًا الشفاعة لا تنفع كل أحد وإنما تنفع أهل
التوحيد وأنت لست من أهل التوحيد لأنك تدعو غير الله فالشفاعة لها شرطان:
الشرط الأول: أن تطلب من الله سبحانه وتعالى ولا تطلب من غيره.
الشرط الثاني: أن يكون المشفوع فيه من أهل التوحيد لا من أهل الشرك والكفر.
والدليل على الشرط الثاني قوله تعالى: { وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى }
وهو لا يرضى إلا عن أهل التوحيد ودليل الشرط الأول قوله : { مَن ذَا
الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } لا الملائكة ولا الرسل ولا
الأولياء ولا الصالحون لا أحد يشفع عند الله إلا بعد أن يأذن الله: { وَكَم مِّن
مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إلاَّ مِن بَعْدِ
أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى }.
فلا تطلب الشفاعة من المخلوق الميت، وإنما تطلب
الشفاعة من الله فتقول اللهم شفّع فيّ نبيك، لا تطلبها من الأموات. وهذا الذي تقول
إنه طلب للشفاعة هو الذي كفَّر الله به المشركين، فإن المشركين حينما لجؤوا إلى
الأولياء والصالحين وإلى الملائكة وإلى الأنبياء يطلبون منهم الشفاعة كفّرهم الله
بذلك فقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ
يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ
أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} فهذا الذي تقوله هو الذي كفّر الله به المشركين
وهو عبادة الأولياء والصالحين طلبًا لشفاعتهم.
[ فإن
قال: أنا لا أعبد إلا الله، وهذا الالتجاء إليهم ودعاؤهم ليس بعبادة ] يعني إذا
كان يعترف أن العبادة حق لله عز وجل وأنه لا يجوز عبادة غير الله ولكنه يقول
الالتجاء ليس من العبادة فهو جائز.
فإنك تقول له: الالتجاء إلى الله عبادة والالتجاء
إلى غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك لأن من التجأ إلى غير الله في
الشدائد فقد أشرك مع الله فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، لأنه هو الذي
يُجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء وهو الملجأ سبحانه ولذا لجأ إليه النبي r حيث يقول: «لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك» { قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ
أَحَدٌ } وقوله تعالى : { وَهُوَ
يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ }.
[ فقل
له: أنت تقر أن الله افترض عليك إخلاص العبادة لله وهو حقه عليك، فإنه لا يعرف
العبادة ولا أنواعها فبيّنها له بقولك: قال الله تعالى: { ادْعُواْ رَبَّكُمْ
تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ }.
فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت أن هذا عبادة
لله؟ فلا بد أن يقول: نعم. والدعاء مخ العبادة: فقل له: إذا أقررت أنه عبادة ودعوت
الله ليلاً ونهارًا خوفًا وطمعًا، ثم دعوت في تلك الحاجة نبيًا أو غيره هل أشركت
في عبادة الله غيره؟ فلا بد أن يقول نعم ] أي تسأله عن معنى العبادة وما الفرق
بينهما وبين الالتجاء.
وقل له: هل العبادة واجبة أو مستحبة؟ فلا بد أن
يعترف أن العبادة أمر واجب وحتم على العباد وأنها حق الله على العباد، فإذا اعترف
بهذا فقل له: فسّر لي العبادة ما معناها وبيّن لي ما أنواعها، ما دمت أنك اعترفت
أن العبادة لله وأنها واجبة على العبد فإنه يجب عليك أن تعرف معناها وأن تعرف
أنواعها وإلا فكيف يُوجب الله عليك شيئًا وأنت تجهله ولا تعرفه، فإنه لا يعرف
العبادة ولا يعرف أنواعها، وهذه آفة الجهل، ومن هنا يتعين على العباد أن يتعلموا
ما أوجب الله عليهم وما فرضه الله عليهم حتى يؤدوه على وجهه الصحيح ويتجنبوا ما
يُخل به وما يبطله، أما أن تعبد الله على جهل فإن هذه طريقة النصارى الضالين
يعبدون الله على جهل وضلال والله أمرك أن تسأله أن يُجنبك طريقهم فتقول: {
اهدِنَـا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ
المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ } فالضالون هم الذين يعبدون الله على غير علم
وعلى غير معرفة بالعبادة وإنما يعبدون الله بالعادات والتقاليد وما وجدوا عليه
آباءهم وأجدادهم دون أن يرجعوا إلى ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب وهذا هو سبب
الضلال. والالتجاء هو طلب الحماية من أمر مخوّف لا يدفعه إلا الله. فهو نوع من أنواع
العبادة، والله سبحانه يجير ولا يجار عليه ويعيذ من استعاذ به، فمن التجأ إلى ميت
فقد عبده من دون الله وكذلك من أعظم أنواع العبادة الدعاء حيث قال الله تعالى: {
ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } وأنت بالتجائك إلى غير الله قد دعوت
غير الله وهذا شرك.
[ فإذا
عملت بقول الله تعالى: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } وأطعت
الله ونحرت له، هل هذا عبادة؟ فلا بد أن يقول: نعم، فقل له: فإذا نحرت لمخلوق، نبي
أو جني أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلا بد أن يقر ويقول: نعم ]
أي لا بد إذا تلوت عليه
الآيات والأحاديث بأن الدعاء عبادة لابد أن يعترف فتقول له لو دعوت الله في الليل
والنهار لكنك في بعض الأحيان تدعو غير الله هل تكون مشركًا؟ فلا بد أن يعترف ويقول
إنه مشرك لأنه دعا غير الله ومن دعا غير الله فهو مشرك.
وإذا كان من دعا غير الله ولو مرة واحدة في العمر
يكون مشركًا مع أنه يدعو الله في الليل والنهار فكيف بالذي يلهج دائمًا بذلك ويقول
يا حسين، يا بدوي، يا عبد القادر، يا فلان فيصدر منه الشرك كثيرًا.
فإذا كان من ذبح لغير الله أو صلى لغير الله يكون
مشركًا فكيف بمن يلجأ إلى غير الله في كشف الشدائد ألا يكون مشركًا؟ بلى لأن الباب
واحد وأنواع العبادة كلها بابها واحد لا يجوز أن يخلص لله في بعضها ويشرك بالله في
البعض الآخر
(1) إبراهيم: 35-36
(2) رواه الإمام مسلم في صحيحه 4/2023 كتاب (45)
البر والصلة والآداب (39) باب النهي عن تقنيط الإنسان من رحمة الله تعالى حديث رقم
137 –(2621). من حديث جندب رضي الله عنه.
(3) التوبة: 65-66 ، انظر
جامع البيان في تفسير القرآن لابن جرير الطبري 10/19-20 وتفسير القرآن العظيم لابن
كثير 2/351-352، وأسباب النزول للواحدي 187-188.
(4:22(3) انظر صحيح الإمام
البخاري 48/26 كتاب الجهاد والسير باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب
وعقوبة من عصى إمامه وقال تعالى: { وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ
رِيحُكُمْ } وقال قتادة الريح الحرب من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.(4) رواه الإمام البخاري في صحيحه 2/125 كتاب الزكاة
باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه.
(1) النحل:89
(2) الفرقان:33
(1) آل عمران:7
(2) التدمرية ص809، وما بعدها: تحقيق الدكتور محمد
بن عودة السعوي. .
(1) رواه الإمام البخاري في صحيحه 5/165، 166 كتاب
التفسير (سورة آل عمران) باب منه آيات محكمات. ورواه الإمام مسلم في صحيحه 4/2053 كتاب العلم باب (1)
النهي عن اتباع متشابه القرآن، والتحذير من متبعيه، والنهي عن الاختلاف في القرآن،
حديث رقم (2665) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2) البقرة:27
(3:48
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق