الوجه الخامس:
أن الله كفّر أناسًا بسبب كلام قالواه على وجه المزاح واللعب
وأنزل في شأنهم: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ
وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ، لاَ
تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ }(1) مع أنهم يصلّون وقد غزوا مع الرسول r في غزوة تبوك لكن لما قالوا هذه الكلمة
كفروا بعد إيمانهم ولم ينفعهم أنهم يصلّون ويصومون ويجاهدون.
فهذه الوجوه فيها إبطال هذه الشبهة وفي الحقيقة أنها من أعظم
الشبه ولكن جوابها واضح ولله الحمد.
الوجه السادس:
إن قولهم إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله
ويكذّبون الرسول r وينكرون البعث ويكذبون القرآن ويجعلونه سحرًا ونحن نشهد أن لا إله
إلا الله وأن محمدًا رسول الله ونصدق القرآن ونؤمن بالبعث ونصلي ونصوم فكيف
تجعلوننا مثل أولئك.
يجاب عنه أن الرجل إذا صدق الله في شيء وكذبه في شيء فهو كافر
مرتد عن الإسلام، كمن آمن ببعض القرآن وجحد بعضه وكمن أقر بالتوحيد والصلاة وجحد
وجوب الزكاة أو أقر بهذا كله وجحد الصوم أو أقر بهذا كله وجحد الحج، وإن كان يشهد
أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
الوجه السّابع:
أن مَن جحد وجوب الحج كفر وإن كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن
محمدًا رسول الله ويصلي ويصوم قال تعالى: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ } إلى قوله: { وَلِلَّهِ
عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ
إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }(2)
فدلت الآيات على أن من جحد وجوب الحج كفر وإن كان يشهد أن لا إله إلا الله
فكيف بمن جحد التوحيد وأجاز عبادة القبور.
[ ومن
الدليل على ذلك أيضًا ما حكى الله تعالى عن بني إسرائيل مع علمهم وصلاحهم أنهم
قالوا لموسى: { اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } وقول أناس من
الصحابة « اجعل لنا ذات أنواط »(3) فحلف النبي r أن هذا مثل قول بني إسرائيل لموسى: { اجْعَل
لَّنَا إِلَـهًا }، ولكن للمشركين شبهة يُدلُون بها
عند هذه القصة وهي أنهم يقولون : إن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك وكذلك الذين قالوا
للنبي r : « اجعل لنا ذات
أنواط » لم يكفروا.
فالجواب أن تقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا وكذلك الذين سألوا
النبي r لم يفعلوا. ولا خلاف أن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك لكفروا. وكذلك
لا خلاف أن الذين نهاهم النبي r لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا وهذا هو المطلوب
] أي من الأدلة على أن من ارتكب ناقضًا
من نواقض الإسلام يكفر ولو كان يشهد أن لا إله إلا الله ويصلي ويصوم إلى غير ذلك
من الأعمال، ما قصّه الله عن بني إسرائيل حين طلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهًا
كآلهة المشركين، وقصة الذين طلبوا من النبي محمد r أن يجعل لهم ذات أنواط، وأن النبيين
الكريمين أنكرا ذلك واعتبراه شركًا يخرجهم من الملة لو فعلوه مع أنهم يؤمنون
بالنبيين الكريمين ويجاهدون معهما، ثم أورد الشيخ اعتراضًا على هذا الاستدلال وهو
أن بني إسرائيل الذين طلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهًا لم يكفروا، وكذلك الذين
طلبوا من محمد r أن يجعل لهم ذات أنواط لم
يكفروا، وأجاب عن هذا الاعتراض بأن الفريقين لم ينفذا ما قالا ولو فعلا لكفرا ولكن
لما نهيا عن ذلك وبيّن لهما أنه كفر تجنبوه وانتهوا عنه. ومحل الشاهد من القصتين
أن من فعل الشرك كفر وإن كان يشهد أن لا إله إلا الله ويؤمن بالأنبياء ويعمل
الأعمال الصالحة.
[ ولكن
هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري بها فتفيد
التعلم والتحرز ومعرفة أن قول الجهال: التوحيد فهمناه، أن هذا من أكبر الجهل
ومكايد الشيطان، وتفيد أيضًا أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري
فنبّه على ذلك وتاب من
ساعته فإنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي r ، وتفيد أيضًا أن لو لم يكفّر فإنه يغلّظ
عليه الكلام تغليظًا شديدًا كما فعل رسول الله r ] هذه القصة فيها فوائد: الأولى الحذر من
الشرك وأنه قد يدب إلى المسلمين عن طريق التقليد والتشبه بالكفار (اجعل لنا إلهًا
كما لهم آلهة) (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) ففي ذلك التحذير من مجاراة
الكفار والتحذير من الفتن التي تنجم عن ذلك. ومن ذلك عبادة القبور التي أحدثوها
وفتنوا بها وصاروا يدعون الناس إليها. والخليل عليه الصَّلاة والسلام الذي كسر
الأصنام بيده وأوذي وألقي في النار بسبب إنكار الشرك يقول: { وَاجْنُبْنِي
وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ 35 رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا
مِّنَ النَّاسِ }(1) خاف على نفسه عليه
الصلاة والسلام من الفتنة وخاف على ذريته من الفتنة إذًا كيف يقول جاهل: إن
التوحيد يمكن تعلمه في خمس دقائق والمهم عنده البحث في أمور السياسة والكلام في
الحكام وفقه الواقع كما يقولون، ومعناه رصد الوقائع الدولية وتحليلاتها والانشغال
بها عن التفقه في الدين.
ومنهم من ينتقد مقررات التوحيد في المدارس والمعاهد والكليات
ويقول: لا داعي لهذه الكثافة في مقررات التوحيد، الناس مسلمون وأولاد فطرة وبإمكان
الطلاب أن يتعلموا التوحيد من البيئة الاجتماعية.. إلخ هذيانهم الفارغ.. ولو سألت
واحدًا من هؤلاء عن أبسط مسألة في التوحيد ما أجابك بجواب صحيح. أعني الذين يقولون
هذه المقالة.
والفائدة الثانية: وهي فائدة عظيمة أن من نطق بكلمة الكفر عن
جهل وهو لا يدري ثم نبّه وتاب من ساعته فإنه لا يكفر بدليل قصة بني إسرائيل مع
موسى عليه السلام وبعض الصّحابة مع النبي r فهو لا يكفر بذلك لكن بهذين الشرطين:
الشرط الأول: أن يكون قال هذا الكلام عن جهل ولم يتعمد.
الشرط الثاني: أن يتوب من ساعته ويترك هذا الشيء إذا تبيّن له
أنه كفر.
فهذا لا يضره الكلام الذي قاله وهذا جواب عن شبهتهم التي سبقت
وهي أنهم يقولون إن بني إسرائيل لم يكفروا وأصحاب محمد r لم يكفروا بهذه الكلمة. نقول لهم إنهم لم
يكفروا لأنهم قالوها عن جهل ونبهوا وتركوها وتابوا إلى الله عز وجل، أما أنتم
فتنبّهون بالليل والنهار وتصرون على دعاء القبور والصالحين ولا تصغون أسماعكم لما
يقال لكم تكبرًا وعنادًا.
والفائدة الثالثة: تفيد هذه القصة أن من لم يكفر بكلمة الكفر
إذا قالها جهلاً فإنه لا يتساهل معه بل يغلَّظ عليه في الإنكار كما غلّظ موسى عليه
السلام على قومه وكما غلظ محمد r على أصحابه الذين قالوا هذه المقالة من باب الزجر والتحذير
لاجتناب ذلك والحذر منه.
[ ولهم
شبهة أخرى يقولون إن النبي r أنكر على أسامة قتل من قال لا إله إلا الله وقال: « أقتلته بعدما
قال لا إله إلا الله»(1) وكذلك قوله r: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله
إلا الله»(2) وأحاديث أخر في الكف عمن قالها.
ومراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يكفر ولا يقتل ولو فعل ما
فعل.
فيقال لهؤلاء المشركين الجهّال: معلوم أن رسول الله r قاتل اليهود وسباهم وهم يقولون لا إله إلا
الله وأن أصحاب النبي r قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول
الله ويصلّون ويدّعون الإسلام، وكذلك الذين حرَّقهم علي بن أبي طالب وهؤلاء الجهلة
مقرُّون أن من أنكر البعث كفّر وقتل ولو قال لا إله إلا الله وأن من جحد شيئًا من
أركان الإسلام كفّر وقتل ولو قال لا إله إلا الله. فكيف لا تنفعه إذا جحد شيئًا من الفروع وتنفعه إذا
جحد التوحيد الذي هو أصل دين الرسل وراسه؟ ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث.
فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلاً ادّعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه
ما ادّعاه إلا خوفًا على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى
يتبين منه ما يخالفه ذلك وأنزل الله في ذلك: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ }(3).
أي فتثبّتوا فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت. فإن تبين
منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله: (فتبيّنوا) ولو كان لا يقتل إذا قالها لم
يكن للتثبت معنى.
وكذلك الحديث الآخر وأمثاله معناه ما ذكرناه: أن من أظهر
الإسلام والتوحيد وجب الكف عنه إلا إن تبين منه ما يناقض ذلك. والدليل على هذا أن
رسول الله r الذي قال :
« أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله »(1) وقال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى
يقولوا لا إله إلا الله»(2) هو الذي قال في الخوارج : « أينما
لقيتموهم فاقتلوهم. لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد»(3) مع كونهم من أكثر
الناس عبادة وتهليلاً حتى إن الصحابة يحقّرون أنفسهم عندهم. وهم تعلموا العلم من
الصحابة فلم تنفعهم لا إله إلا الله ولا كثرة العبادة ولا ادعاء الإسلام لما ظهر
منهم مخالفة الشريعة. كذلك ما ذكرناه من قتال اليهود وقتال الصحابة بني حنيفة،
وكذلك أراد r أن يغزو بني
المصطلق لمَّا أخبره رجل أنهم منعوا الزكاة حتى أنزل الله تعالى: { يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا
قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }(4) وكان الرجل كاذبًا عليهم(5) ، فكل هذا يدل على أن مراد النبي r في الأحاديث ما ذكرناه ] هذه شبهة من شُبه
المشركين عباد القبور الذين يدّعون الإسلام ويزعمون أن عبادة القبور والاستغاثة
بالأموات ودعاء الغائبين لتفريج الكربات، أن هذه أمور لا تضر ولا تخرج من الإسلام
ما دام صاحبها يقول لا إله إلا الله بدليل أن النبي r أنكر على أسامة بن زيد رضي الله عنهما لما
قتل رجلاً من المشركين أظهر الإسلام وقال لا إله إلا الله فقتله أسامة بعد ذلك
ظانًا أنه إنما قالها ليسلم من القتل، فأنكر عليه النبي r ، فاستدلوا بهذه القصة على أن من قال لا إله
إلا الله فهو مسلم ولو فعل ما يناقضها من أنواع الشرك الأكبر وكذلك استدلوا أيضًا
بقول النبي r : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها
عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل»(6) قالوا فهذا دليل على أن من تلفظ بهذه
الكلمة لا يقتل ولو فعل ما فعل من أنواع الشرك في العبادة مع الأموات والأضرحة
وصرف العبادات لغير الله ما دام أنه يقول لا إله إلا الله. هذا حاصل شبهتهم وهي
شبهة خطيرة إذا سمعها الجاهل ربما تروج عليه لا سيما أنهم طلوها بطلاء خادع وهو
الاستدلال بالأحاديث الصحيحة لكن في غير موضعها. وقد أجاب الشيخ رحمه الله عن هذه
الشبهة بستة أجوبة مجملها:
الجواب الأول: أن النبي r قاتل أناسًا يقولون لا إله إلا الله، فقاتل
اليهود وهم يقولون لا إله إلا الله وقاتل الصحابة بني حنيفة وهم يقولون لا إله إلا
الله لما ظهر منهم ما ينافي هذه الكلمة، ولم تنفعهم هذه الكلمة ولم تكن مانعة من
قتلهم.
والجواب الثاني: في بيان تناقض هؤلاء لأنهم يقولون من أنكر
الصلاة أو الزكاة والحج أو أنكر البعث والنشور يكفر عندهم، وأما من أنكر التوحيد
فإنه لا يكفر عندهم.
والجواب الثالث: أن معنى حديث أسامة بن زيد ليس كما فهموا أن من
قال لا إله إلا الله يكون مسلمًا ولو فعل الشرك والكفر. وإنما معناه أن من قال لا
إله إلا الله وجب الكف عنه حتى يظهر منه ما يخالف مدلول هذه الكلمة من كفر أو شرك.
والجواب الرابع: أن الله سبحانه وتعالى قال: { إِن جَاءَكُمْ
فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا }(1).
فأمر سبحانه وتعالى بالتبيّن يعني التثبّت بشأن من قال لا إله
إلا الله فما فائدة التثبّت إذا كان لا يقتل إذا قالها.
والجواب الخامس: أن النبي r أمر بقتل الخوارج وهم من أشد الناس عبادةً
وخوفًا من الله وورعًا، بل هم تتلمذوا على الصحابة ومع هذا أمر بقتلهم لما فعلوا
أشياء تتنافى مع الإسلام وهم يقولون لا إله إلا الله وهم أشد الناس عبادة وصلاة
وتلاوة للقرآن.
والجواب السادس: قصة بني المصطلق وهم قبيلة دخلوا في الإسلام
وأرسل إليهم النبي r المصدق لجباية الزكاة ولكنه لم يذهب إليهم بل رجع إلى النبي r وقال إنهم منعوا الزكاة فهَمَّ النبي r بغزوهم فأنزل الله: { يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا
قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }(2).
فالنبي r همّ بغزوهم وقتالهم وهم يقولون لا إله إلا الله لماذا؟ لما بلغه
أنهم منعوا الزكاة فمنع الزكاة يتنافى مع قول لا إله إلا الله هذا ملخص أجوبة
الشيخ رحمه الله عن هذه الشبهة الخطيرة.
[ ولهم
شبهة أخرى وهي ما ذكر النبي r أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى
ثم بعيسى فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله r ، قالوا فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا.
فالجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه، فإن الاستغاثة
بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها كما قال في قصة موسى: { فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي
مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ }(3) وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب وغيرها من الأشياء التي
يقدر عليها المخلوق ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء
أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله.
إذا ثبت ذلك، فالاستغاثة بالأنبياء يوم القيامة يراد منها أن
يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، وهذا جائز في
الدنيا والآخرة أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك وتقول له: ادع الله
لي، كما كان أصحاب رسول الله r يسألونه ذلك في حياته، وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك
عند قبره، بل أنكر السَّلف على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعائه نفسه ] هذه
شبهة أخرى من شبههم وهي أنهم يقولون إنه ثبت في الحديث الصحيح حديث الشفاعة العظمى(1) ، أن الناس يوم القيامة إذا طال عليهم
الوقوف والقيام على أقدامهم خمسين ألف سنة والشمس قد دنت منهم فالخلائق كلهم
مجموعون من أولهم إلى آخرهم في زحام شديد والشمس على رؤوسهم قريبة منهم وهم واقفون
على أقدامهم، فعندما يحصل لهم هذا الكرب يتذاكرون الشفاعة عند الله عز وجل فيرون
أن الأنبياء هم أول الذين يشفعون عند الله فيأتون إلى آدم يطلبون منه أن يشفع عند
الله لهم ليريحهم من الموقف فيعتذر عليه الصَّلاة والسَّلام بسبب ما حصل منه من
الخطيئة مع أنه تاب منها وتاب الله عليه ولكن يستحي من الله عز وجل، ثم يأتون إلى
نوح أوَّل الرسل فيعتذر، ثم يأتون إلى موسى فيطلبون منه فيعتذر، ثم يأتون إلى عيسى
عليه السّلام آخر أنبياء بني إسرائيل فيعتذر لأن الموقف موقف عظيم أمام الله
سبحانه وتعالى، ثم يأتون إلى محمد r فيقول r: أنا لها أنا لها، ثم يأتي ويسجد بين يدي ربه ويحمدُ الله ويثني
عليه ويدعوه ويستمر ساجدًا بين يدي ربه حتى يقال له يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه
واشفع تشفّع(2) ،لأنه لا أحد يشفّع عند
الله إلا بإذنه والرسول ما ذهب إلى الله وشفع ابتداءً بل استأذن من ربه وسجد بين
يديه حتى أذن له وهذا كقوله تعالى: { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ
بِإِذْنِهِ }(3) فيطلب من الله أن يفصل
بين عباده ويريحهم من الموقف فيستجيب الله شفاعة محمد r وهذه تسمى الشفاعة العظمى والمقام المحمود
وهي قوله تعالى: { عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا }(4)
بمعنى أنه يحمدُه عليه الأولون والآخرون. قال القبوريون فهذا فيه جواز
الاستغاثة بالأنبياء والأولياء والصالحين وأنتم تقولون لا يستغاث إلا بالله وقالوا
فهذا يدل على أن طلب الشفاعة من الرسول
r جائز حيًا وميتًا وكذلك غيره.
والجواب عن هذا كما يقول الشيخ إن هذا طلب من إنسان حي قادر على
الدعاء وعلى الاستئذان بالشفاعة والطلب من الإنسان في حال حياته وقدرته ليس من
الممنوع كما في قصة موسى: { فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي
مِنْ عَدُوِّهِ }(5).
وكما يستغيث الإنسان بإخوانه في الحرب وغيرها.
فهذا فيه دليل على أن الاستغاثة بالحي فيما يقدر عليه جائزة
والذي يقع من الأمم يوم القيامة هو استغاثة بالحي وطلب الدعاء منه فيجوز أن تذهب
إلى إنسان حي قادر يسمع كلامك وتقول يا فلان ادع الله لي بكذا وكذا، والصحابة
كانوا يعملون هذا مع النبي r في حياته وليس هذا من الشرك، إنما الذي يكون شركًا وأنكرناه هو
الاستغاثة بالميت وهذا لا علاقة له بحديث الشفاعة لأنكم تستغيثون بأموات وتطلبون
الشفاعة منهم، والأموات لا يقدرون على شيء فلا يجوز أن يذهب إلى قبر يستنجد به
ويدعوه أو يطلب منه الدعاء أو الشفاعة أو غير ذلك ففيه فرق بين عمل هؤلاء المشركين وبين ما في الحديث الصحيح وفي قصة موسى
عليه الصّلاة والسّلام فبهذا التفصيل زالت هذه الشبهة والحمد لله.
[ ولهم
شبهة أخرى وهي قصة إبراهيم عليه السّلام لما ألقي في النّار اعترض له جبريل في
الهواء فقال له ألك حاجة؟ فقال إبراهيم: أما إليك فلا(1) فقالوا: فلو كانت
الاستغاثة بجبريل شركًا لم يعرضها على إبراهيم.
فالجواب: أن هذا من جنس الهيئة الأولى فإن جبريل عرض عليه أن
ينفعه بأمر يقدر عليه فإنه كما قال الله تعالى فيه: { شَدِيدُ الْقُوَى }(2) فلو أذن الله له أن
يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل،
ولو أمره أن يضع إبراهيم عليه السلام في مكان بعيد عنهم لفعل، ولو أمره أن يرفعه
إلى السماء لفعل. وهذا كرجل غني له مال كثير يرى رجلاً محتاجًا فيعرض عليه أن
يقرضه أو أن يهبه شيئًا يقضي به حاجته فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ ويصبر حتى
يأتيه الله برزق لا منّة فيه لأحد، فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا
يفقهون؟] هذه آخر الشبهات التي ذكرها الشيخ في هذه الرسالة العظيمة فأجاب عنها
بجواب سديد موفّق وهي أن عبَّاد القبور الذين يطلبون المدد من الأموات ويستغيثون
بهم يقولون إن هذه الاستغاثة ليست شركًا وذلك بدليل قصة جبريل عليه السلام مع
إبراهيم عليه السلام حينما ألقي في النار فإن جبريل جاء إلى إبراهيم كما يروى(3)
فقال جبريل لإبراهيم عليه السلام: هل لك من حاجة يعرض عليه المساعدة
لإنقاذه، وجبريل عليه السلام لا شك ذو قوة عظيمة. وعنده قدرة على إنقاذ إبراهيم.
وقد وصفه الله عز وجل فقال: { ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ }(4)
وفي الآية الأخرى { ذُو مِرَّةٍ } يعني قوة، فعرض جبريل على إبراهيم أن
يساعده في إخراجه من هذه الشدة، فلمّا كان إبراهيم عظيم الثقة بالله عز وجل قال
له: أما إليك فلا وأما إلى الله فنعم. فإبراهيم
عليه السلام لم يرد أن يطلب من مخلوق أن ينقذه من هذه الشدة وإنما توجه إلى ربه
كما صح في الحديث أنه قال: « حسبنا الله ونعم الوكيل»(5) فهذا من باب التوكل على الله عز وجل
وتفويض الأمر إليه وهذه صفة أكمل الخلق إيمانًا حيث إن إبراهيم رفض مساعدة المخلوق
وقبل مساعدة الخالق، لأن مساعدة المخلوق فيها منّة وحاجة إلى المخلوق ومساعدة
الخالق سبحانه وتعالى لا منّة فيها لغير الله، وهي فضل من الله سبحانه وتعالى،
وجبريل عرض على إبراهيم شيئًا يقدر عليه وهو عرض من حي حاضر قادر كما يعرض الغني
على الفقير مساعدته بالمال، وليس هذا من جنس الاستغاثة بالأموات أو الغائبين الذين
يستغيث بهم القبوريون، فإن الأموات لا يستغاث بهم ولا يقدرون على ما طلب منهم ولا
يسمعون دعاء من دعاهم كما قال تعالى: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن
دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي
الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ، وَلا
تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ }(1)
وقال تعالى : { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ
تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ، إِن تَدْعُوهُمْ لا
يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ }(2).
[ ولنختم
الكلام إن شاء الله تعالى بمسألة عظيمة مهمة جدًا تفهم مما تقدم ولكن نفرد لها
الكلام لعظم شأنها ولكثرة الغلط فيها فنقول: لا خلاف أن التوحيد لابد أن يكون
بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلمًا فإن عرف التوحيد
ولم يعمل به فهو كافر
معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما، وهذا يغلط فيه كثير من الناس، يقولون هذا حق ونحن
نفهم هذا ونشهد أنه الحق ولكن لا نقدر أن نفعله ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من
وافقهم، وغير ذلك من الأعذار ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق ولم
يتركوه إلا لشيء من الأعذار كما قال تعالى: { اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللَّهِ
ثَمَنًا قَلِيلاً }(3)
وغير ذلك من الآيات كقوله: { يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ
أَبْنَاءَهُمْ }(4).
فإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهرًا وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه
فهو منافق وهو شر من الكافر الخالص: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ
الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ }(5).
وهذه المسألة مسألة كبيرة طويلة تبيّن لك إذا تأملتها في ألسنة
النّاس، ترى من يعرف الحق ويترك العمل به لخوف نقص دُنيا أو جاه أو مداراة وترى من
يعمل به ظاهرًا لا باطنًا فإذا سألته عمّا يعتقد بقلبه فإذا هو لا يعرفه ] ختم
الشيخ رحمه الله هذه الرسالة بمسألة عظيمة مهمة يجب تفهمها وتعقُّلها لأنه إذا
فهمها الإنسان فإنه يدرك أخطاء الناس في العقيدة. وهذه المسألة هي: أن التوحيد
يكون بالقول والعمل والاعتقاد، لابد من هذه الأمور الثلاثة فإذا اجتمعت هذه الأمور
الثلاثة صار الإنسان موحدًا مؤمنًا بالله ورسوله وإذا اختل واحدٌ منها لم يكن
مؤمنًا ولا موحدًا. وهم في هذا أصناف: الصنف الأول من يعتقد التوحيد بقلبه ويعرف
أنه لا إله إلا الله وأن عبادة ما سواه باطلة ولكنه لا يعمل به بجوارحه ولا يقرُّ
به بلسانه لطمع دنيوي فهذا كافر مثل فرعون فإن فرعون كان معترفًا بالتوحيد في قلبه
وأن ما جاء به موسى هو الحق ولكنه ترك العمل به وتظاهر بخلافه وجحده تكبرًا
وعنادًا كما قال تعالى: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ
ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ }(1).
وقال موسى عليه السّلام لفرعون:{ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ
هَـؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ }(2)
لقد علمت أي عرفت بقلبك ما أنزل هذه الآيات التي جئتك بها إلا رب السماوات
والأرض بصائر للناس فهذا دليل على أن فرعون كان مستيقنًا بقلبه صدْق ما جاء به
موسى عليه السلام وإنما جحد ذلك وتظاهر بجحده كحال كفار قريش الذين قال الله فيهم:
{ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ
وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ }(3)
دلت الآية على أن كفار قريش يصدقون بالرسول بقلوبهم ولكن يجحدون ذلك
بظواهرهم وألسنتهم وكما قال الله سبحانه وتعالى في اليهود: { الَّذِينَ
آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ }(4)
يعرفون هذا بقلوبهم ويتظاهرون بالكتمان
والجحود مع تيقنهم في قلوبهم بأن محمدًا رسول الله، وأنه جاء بالحق من عند الله عز
وجل ولكن منعهم الكبر والحسد من اتباعه، واعتقادهم بقلوبهم لا ينفعهم فهم كفار
مخلّدون في النار. وكثير من عبَّاد القبور اليوم على هذا، يقولون: نعرف أن الذي
تقولون هو التوحيد ولكن ما نقدر أن نخالف أهل بلدنا لأن أهل بلدنا عندهم أضرحة
واستغاثة بالأموات ولا نقدر أن نخالفهم لأجل أن نعيش معهم ولا نقدر على مجابهة
الناس فهم يوافقون الكفار والمشركين على عقائدهم، إما أن يفعلوا مثل فعلهم وهم
يعتقدون بطلان ذلك وإما أن لا ينكروا عليهم ولا يبيّنوا الحق بل ربما يدافعون عنهم، وهذا هو واقعهم الآن.
ويقولون لمن دعاهم إلى الحق هذا الرجل خارجي وهذا الرجل جاء بمذهب خامس، وهم
يعتقدون أن ما جاء به هو ما جاء به الرسول r وهو مقتضى الكتاب والسنة، يعرفون هذا وإنما
حملهم الحسد أوالكبر أو الطمع في أمور الدنيا
لأنهم يظنون أنهم إذا وافقوا على هذا الحق وقبلوه سيخسرون رئاستهم ويخسرون أموالهم
ويخسرون جاههم عند الناس. والصنف الثاني من وافق في الظاهر ونطق بالتوحيد وقال هذا
هو الصحيح وهذا هو الحق وصلى وصام وصار مع المسلمين لكن في قلبه لا يعتقد هذا
ويعتقد أن هذا
خرافات وأنه تقاليد بالية،
فهو لم يعمل به ولم يتكلم به إيمانًا وإنما عمل به وتكلم به نفاقًا كحالة
المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار لأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في
قلوبهم: { إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ
اللَّهِ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ
إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ،
اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً }(5).
فالناس مع التوحيد ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من يعرفه ويؤمن به باطنًا ويجحده ظاهرًا وينكره.
القسم الثاني: من يتكلم به ويعمل به ظاهرًا وينكره ويكفر به
باطنًا. وهم المنافقون.
القسم الثالث: من يعتقده باطنًا ويعمل به ظاهرًا وباطنًا.
والقسمان الأولان كافران خاسران والقسم الثالث مؤمن مفلح.
[ ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله أولاهما ما تقدم
من قوله : { لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ }(1) فإذا تحققت أن بعض
الصحابة الذين غزوا الروم مع رسول الله r كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه اللعب
والمزح، تبيّن لك أن الذي يتكلم بالكفر أو يعمل به خوفًا من نقص مال أو جاه أو
مداراة لأحد، أعظم ممن تكلم بكلمة يمزح بها. والآية الثانية قوله تعالى: { مَن
كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ
مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ }(2)
فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان. وأما
غير هذا فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفًا أو مداراة أو مشحة بوطنه أو أهله أو
عشيرته أو ماله، أو فعله على وجه المزح أو لغير ذلك من الأغراض؛ إلا المكره.
والآية تدل على هذا من جهتين الأولى من قوله: { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ } فلم يستثن
الله إلا المكره ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على العمل أو الكلام وأما عقيدة
القلب فلا يكره أحد عليها.
والثانية قوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ
الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ }(3)
فصرّح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد أو الجهل أو البغض للدين
أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظًا من حظوظ الدنيا فآثره على الدين،
والله سبحانه وتعالى أعلم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه
أجمعين ] نعم إذا عرفت هذه القاعدة وهي معرفة ما يحصل به الإيمان الصحيح فإنه يجب
أن تعرف ما يضادها من الأقوال والأفعال ومن ذلك الكلام الذي يتكلم به الإنسان وهو
من نواقض الإسلام لكنه يمزح به فإنه يكفر ولو كان ليس جادًا في كلامه، فالدين ليس
فيه مزح والدليل على ذلك قصة هؤلاء النفر الذين خرجوا مع رسول الله r في غزوة تبوك لغزو الروم لما بلغ الرسول r أن الروم يجمعون على غزو المسلمين، فالنبي r بادر في وقت الحر وشدة القيظ والصيف ووقت
طيب
الثمار والمسافة بعيدة من
المدينة إلى تبوك. وإن ناسًا من الذين خرجوا مع الرسول r جلسوا في مجلس يمزحون قال واحد منهم ما
رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء يعنون
رسول الله r وأصحابه. وكان في المجلس غلام من الأنصار فأنكر عليهم وقال كذبت
ولكنّك منافق لأخبرن رسول الله، فلمّا ذهب هذا الفتى ليخبر الرسول r وجد الوحي قد سبقه ونزل على الرسول r قوله تعالى: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ
لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ
وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ، لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ
إِيمَانِكُمْ }(4) فجاء هؤلاء إلى الرسول r يعتذرون ويقولون يا رسول الله ما قصدنا إلا
المزح حديث الركب نقطع به عنّا الطريق ولا يزيد الرسول r على تلاوة الآية ولا يلتفت إليهم(1)
فإذا كان هؤلاء كفروا بالله وارتدوا وقد كانوا مسلمين من قبل بسبب كلمة
قالوها على وجه المزح واللعب فكيف بمن يقول كلام الكفر لا من باب المزح وإنما من
باب المحافظة على ماله وعلى جاهه وعلى مكانته وهذا شر من المازح لأنه اشترى الحياة
الدنيا بالآخرة؟ فالحاصل أن الذي يتكلم بكلمة الكفر لا يخلو من خمس حالات:
الحالة الأولى: أن يكون معتقدًا ذلك بقلبه فهذا لا شك في كفره.
الحالة الثانية: أن لا يكون معتقدًا ذلك بقلبه ولم يكره على ذلك
ولكن فعله من أجل طمع الدنيا أو مداراة الناس وموافقتهم فهذا كافر بنص الآية {
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ }(2).
الحالة الثالثة: من فعل الكفر والشرك موافقة لأهله وهو لا يحبه
ولا يعتقده بقلبه وإنما فعله شحًا ببلده أو ماله أو عشيرته.
الحالة الرابعة: أن يفعل ذلك مازحًا ولاعبًا كما حصل من النفر
المذكورين. وهذا يكون كافرًا بنص الآية الكريمة.
الحالة الخامسة: أن يقول ذلك مكرهًا لا مختارًا وقلبه مطمئن
بالإيمان فهذا مرخص له في ذلك دفعًا للإكراه، وأما الأحوال الأربع الماضية فإن
صاحبها يكفر كما صرحت به الآيات وفي هذا رد على من يقول إن الإنسان لا يحكم عليه
بالكفر ولو قال كلمة الكفر أو فعل أفعال الكفر حتى يُعلم ما في قلبه وهذا قول باطل
مخالف للنصوص وهو قول المرجئة الضُّلاَّل.
وذكر الشيخ رحمه الله قاعدة عظيمة في الإكراه الذي يعذر به
والذي لا يعذر به حيث قال: (ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على العمل أو الكلام،
وأما عقيدة القلب فلا يكره أحد عليها) وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
انتهى في 15/11/1418هـ
بقلم/ صالح بن فوزان بن عبد الله
الفوزان.
(3) رواه الترمذي في سننه 6/343-334 كتاب الفتن باب
ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم حديث رقم (2181) ورواه الإمام أحمد في مسنده 5/218
حديث رقم (21947-21950-21952) بألفاظ متقاربة، وانظر البداية والنهاية لابن كثير
4/325 كلهم من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه
(1) رواه الإمام البخاري في صحيحه 5/88 كتاب المغازي
باب بعث النبي r أسامة بن زيد إلى
الحرقات من جهينه من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما. .
(2) رواه الإمام البخاري في صحيحه 8/140-141 كتاب
الاعتصام باب الاقتداء بسنن رسول الله r ... من حديث أبي
هريرة رضي الله تعالى عنه. .
(3) رواه أبوداود في سننه 4/343، 344 كتاب السنة باب
في قتال الخوارج حديث رقم 4764-4767 من حديث أبي سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب،
ورواه النسائي في سننه 7/117-121 كتاب (37) تحريم الدين باب (26) من شهر سيفه ثم وضعه في الناس حديث رقم
(4101، 4102، 4103) من حديث أبي سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب وأبي برزة رضي الله
تعالى عنهم، وانظر مسند الإمام أحمد 1/404 حديث رقم (3831) من حديث عبد الله بن
مسعود بن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق