الخميس، 26 مارس 2015

ظهور دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب : 
في هذه الظروف الصعبة والأحوال السيئة ، والأزمان الحالكة ، بدأت أنوار الحق والخير تشع في الأفق ، حين شرع الإمام محمد بن عبد الوهاب بالنهوض بدعوة التوحيد والسنة ، في منتصف القرن الثاني عشر الهجري ، وكان ذلك في حياة والده ، وكان والده يشاطره هموم الدين والأمة ، لكنه كان بحكم الإشفاق عليه يأمره بالتؤدة والأناة ، وبعد أن توفي والده عام ( 1153هـ ) شرع الإمام في كشف الحقيقة ؛ يقرر التوحيد ، ويعلن السنة ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وينكر البدع والمحدثات في العقيدة والعبادات والعادات ، وينشر العلم ، ويفضح أحوال الجاهلين وأهل البدع والأهواء والشهوات ، ويقيم الحدود .
حينئذ اشتهر أمره ، وذاع صيته والتف حولـه المخلصون والمصلحون ، والغيورون ، لا سيما حين شرع يقطع الأشجار التي يقدسها الناس في العيينة ، ثم هدم القبة التي على قبر زيد بن الخطاب - رضي الله عنه - ورجم الزانية التي اعترفت عنده بعد أن توافرت عنده شروط الحد . ولما فعل هذه الأمور ذاع صيته ، واشتهرت دعوته ، وكثر مناصروه وخافه المرتابون ، وانقسم الناس عليه . 

ومن هنا بدأت ردود الأفعال من خصومه من أهل البدع والأهواء والغوغاء ، والحساد ، وأهل المطامع والمنتفعين مما عليه الحال السيئة الذين شرعوا بالدعاية المضادة ، وراسلوا واستعدوا الناس في الداخل والخارج ، لا سيما أمراء الأحساء ، ثم ولاة الحجاز ونجران الذين استجابوا للمحرضين وبدأت مرحلة المقاومة المباشرة ، والتي تمثلت بإعلان المعارضة الجادة للدعوة ، وإعلان الحرب ضدها من كل وجه : دينيا وسياسيا وإعلاميا وعسكريا واقتصاديا ، مما سنتعرض لشيء منه في هذا                                                                                                                                   - ص 23 - الإمام المجدد ودعوته 

نشأته وشمائله : ظهر الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - المولود سنة ( 1115هـ ) المتوفى سنـة ( 1206هـ ) بدعوته في قلب نجد ، وكانت أحوج ما تكون إلى الإنقاذ من براثن البدع والخرافات والتشتت والجهل والإهمال ، وكانت البواعث للإصلاح قوية وضرورية ، كما سيأتي بيانه بعد قليل . وقد ولد هذا الإمام ونشأ في بيئة علم وصلاح واستقامة ، فكان أبوه وجده وكثيرون من أفراد أسرته من العلماء والوجهاء ، ولهم باع في الفتيا والقضاء والتدريس ، مما ساعد هذا الناشئ على استغلال مواهبه الفذة وتوجيهها على منهج شرعي متين وأصيل وفي جو علمي مأمون . ولعل من المفيد أن أشير هنا إلى أهم مقومات الصلاح والإصلاح والزعامة والإمامة في شخصية هذا المصلح الكبير : فهو منذ نشأته قد ظهرت عليه سمات العبقرية والمواهب الفذة والنبوغ من الذكاء والفطنة والحفظ ، والقوة في الفهم ، والعمق في التفكير ، مما أهله في وقت مبكر للتلقي والرسوخ في العلم والفقه ، مع قوة التدين والإيمان والعبادة والخصال الحميدة من الأمانة والصدق والرحمة والإشفاق والسخاء والحلم والصبر وبعد النظر وقوة العزيمة ، وغيرها من الصفات القيادية التي قل أن توجد إلا في الأفذاذ والنوادر من رجال التاريخ . وذلك بخلاف ما يشيعه عنه خصومه وما يصورونه به لأتباعهم من الغوغاء والجهلة والمحجوبين عن الحقائق من أنه جاهل وغبي وشرير وعنيف وقليل التدين والورع ! ، ونحو ذلك من الأوصاف التي يربأ العاقل بنفسه عن ذكرها فضلا عن اعتقادها أو تصديقها . وهل يعقل من جاهل وغبي أن يقوم بهذه الأعمال الجليلة وأن يثير حفيظة هؤلاء الخصوم ويحرك جيوشهم ويقض مضاجعهم ؟ ! وهل يمكن لقليل الورع والتدين أن يقوم بهذه الحركة الإصلاحية التي ملأت سمع العالم وبصره إلى اليوم ؟ ! وينصره الله ويؤيده ويعلي به الدين ؟ !                                                                                      ص 24 - ركائز الدعوة : 
لقد قامت دعوته على المنهج الإسلامي السليم وأرست قواعد الدين وأصوله التي أهمها : تحرير العبادة لله وحده ، والتزام طاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وما يستلزمه ذلك من : 1 - ترسيخ التوحيد ونبذ الشرك والمحدثات . 2 - ومن إقامة فرائض الدين وشعائره بإقامة الصلاة والحسبة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . 3 - وتحقيق العدل ( القضاء وغيره ) وإقامة الحدود . 4 - وبناء مجتمع إسلامي يقوم على التوحيد والسنة والوحدة والفضيلة والأمن والعدل . وهذه الركائز كلها تحققت في المواطن التي تمكنت فيها الدعوة أو تأثرت بها تأثرا كبيرا ، وتتجلى هذه الصورة في البلاد التي شملتها الدولة السعودية المباركة التي حملت لواء الحركة الإصلاحية في مراحلها الثلاث ، فكانت كلما حلت في بلاد حل فيها التوحيد والإيمان والسنة والأمن والرخاء ، وذلك تحقيقا لوعد الله تعالى في قولـه :  ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز  الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور [سورة الحج ، الآيتان : 40 ، 41 . ] ، وقولـه تعالى :  ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين  [سورة القصص ، آية : 5 . ] .                                                                                                                             ميزات سيرة الإمام ودعوته : 
لقد تميزت سيرة الإمام ودعوته بميزات كثيرة منها : نقاء السيرة : 
إن سيرة الشيخ في شخصه وعلمه وتدينه وأخلاقه وتعامله مع الموافقين والمخالفين ، وفي سائر أحواله ، ما يجلي الحقيقة في فضله واستقامته وزعامته وإمامته من ناحية ، ومن ناحية أخرى إن في سيرته ما يبطل دعاوى الخصوم التي تطعن في شخصه أو دعوته ومنهجه ومنهج أتباعه كذلك .  - ص 25 - هذا وقد شرح دعوته ومنهجه ودافع عن ذلك في رسائله وكتبه وسلوكه - هو وأتباعه كذلك - بما فيه الكفاية لكل مريد للحق ومنصف للخلق ، وسنتناول في هذا الكتاب جملة من النقول في ذلك . صفاء المشرب : 
فإن المشارب التي تلقى منها الإمام علمه وأدبه وخلقه مشارب شرعية وفطرية وعرقية صافية تتمثل بالكتاب والسنة وآثار السلف الصالح ، بعيدا عن الفلسفة والتصوف والكلام ، وبالفطرة السليمة التي لم تحرفها المناهج البدعية ولا الشهوات ولا الشبهات ، وبالبيئة الأسرية النبيلة ذات الفقه والعلم والحسب والنسب . سلامة المنهج : 
لقد كان منهج الإمام في نفسه ودعوته وفي أتباعه ومع مخالفيه منهجا سلفيا شرعيا نقيا خاليا من الشوائب ، يتسم بالأصالة والثبات واليقين والوضوح والشمولية والواقعية والأهلية لإقامة مجتمع مسلم يتسم بالتدين والطهر والأصالة والحيوية والرقي والأمن . كما كان منهج التأليف وتقرير الدين وعرضه عند الإمام وأتباعه منهجا شرعيا سلفيا صافيا يعتمد على القرآن والسنة والألفاظ الشرعية النقية خاليا من التخرصات الفلسفية ، والمصطلحات الصوفية ، والمحاورات الكلامية ، والتميعات الأدبية . اعتماد منهج السلف الصالح : 
لقد اعتمد الإمام في دعوته منهج السلف الصالح في كل شيء ، وبذلك تميز منهجه بالأصالة والشمول والواقعية والثبات واليقين . وكان من ثمرة اعتماد هذا المنهج ، أن قامت شعائر الدين وأصوله على أتم وجه وأكمله من التوحيد والصلاة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحدود والقضاء والعدل والأمن ، وظهور الفضائل واختفاء الرذائل ، وشيوع الدين والعلم في كل بلاد وصلتها الدعوة واستقرت فيها دولتها ( الدولة السعودية ) .  - ص 26 - فالأسس التي قامت عليها الدعوة هي أسس الدين وثوابت الإسلام ، ولذلك آتت ثمارها اليانعة بحمد الله على صراط الله المستقيم ، وعلى منهاج النبوة . الطموح وبعد النظر : 
تميز منهج الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بالطموح واليقين في إعلاء كلمة الله ونصر الدين ونشر السنة ، ومعالجة أدواء الأمة من البدع والمحدثات والمنكرات ، والجهل ، والفرقة والظلم والتخلف . وبعد النظر والطموح في المنهج العلمي والعملي الذي سلكه في منهج الدعوة يتجلى ذلك بأمور كثيرة منها : 1 - تركيزه على الأصول الكبرى والأولويات كالتوحيد وفرائض الدين ، ومع ذلك لم يهمل ما دون ذلك . 2 - استعداده المبكر وتقديره لما ستواجهه الدعوة من الصعاب والعقبات على وجه يدل على بعد النظر وحسن التقدير للأمور والاستعداد لذلك . 3 - اهتمامه المبكر بالبحث عن سلطة قوية ومؤهلة لحمل أعباء الدعوة وحمايتها ، وحسن اختياره للأمير محمد بن سعود بعدما خذله ابن معمر . الجدارة والنجاح : 
كفى الشيخ مجدا وعزا وفخرا أن ينصر الله به الدين ويظهر به السنة ، ولم يمت بحمد الله إلا وهو قرير العين . فقد عاش ورأى ثمار دعوته وهو حي متمثلة براية السنة الخفاقة ، ودولة التوحيد في عهد الإمام عبد العزيز بن محمد وابنه سعود وهي ترفل بثياب العز والنصر والهيبة والقوة والأمن ، واستعلاء الدين وانكماش البدع حتى قامت خلافة مترامية الأطراف في سائر جزيرة العرب . وبمجتمع إسلامي يحاكي مجتمع السلف الصالح في القرون الفاضلة ولله الحمد والمنة . فكان بحق إماما مجددا ، وقد امتدت آثار دعوته إلى جميع بلاد المسلمين بل العالم كله ، ولا تزال بحمد الله هذه الدعوة قائمة حية . 

وهي قائمة أيضا في أتباعها أهل السنة والجماعة في بلادها وفي أي بلد كانوا ، وهم بحمد الله كثير   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق