قال رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم ] ابتدأ الرسالة ببسم الله الرحمن الرحيم وهذه هي السُّنَّة: أن تبدأ الكتب والرسائل ببسم الله الرحمن الرحيم كما ابتدأ الله تعالى بها في كتابه فأول ما ترون في المصحف الشريف { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم، الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }(1) وكذلك قبل كل سورة « بسم الله الرحمن الرحيم »، والنبي r كان إذا كتب يبدأ كتبه بـ« بسم الله الرحمن الرحيم »(2). وإذا تحدث إلى أصحابه يبدأ مجلسه ببسم الله الرحمن الرحيم. والحكمة في البدء ببسم الله الرحمن الرحيم التبرك بها لأنها كلمة مباركة فإذا ذكرت في أول الكتاب أو في أول الرسالة تكون بركة عليه. أما الكتب أو الرسائل التي لا تبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم فإنها تكون ناقصة لا خير فيها، ومن ناحية أخرى بسم الله الرحمن الرحيم فيها الاستعانة بالله جل وعلا فقوله: { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم } أي أستعين وأتبرك ببسم الله الرحمن الرحيم. فالجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره أستعين وأتبرك بـ{ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم}. والله عَلَم على الذات المقدسة. والرحمن الرحيم اسمان كريمان من أسمائه الحسنى يتضمنان الرحمة. [اعلم رحمك الله] اعلم: هذه الكلمة يبدأ بها في التنبيه إلى الأمور المهمة فإذا أردت أن تنبه شخصًا على شيء مهم من مسائل العلم تقول له: اعلم من أجل أن ينتبه. واعلم فعل أمر من العلم يعني تلعّم ما يأتي واهتم به وألق بالك لما يلقى عليك ولما يكتب لك. فهذه كلمة يُؤتى بها لأهمية ما يأتي بعدها قال تعالى: { لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا }(3) وقال تعالى: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ }(4) وقال تعالى: { اعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }(5) وقال تعالى: { فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ }(6).
فهذه كلمة عظيمة يؤتى بها للاهتمام. ثم قال: « رحمك
الله » هذا دعاء من الشيخ رحمه الله لكل من قرأ هذه الرسالة، وهذا من باب التّلطّف
لطالب العلم وتحسين الكلام له من أجل أن يُقبل على طلب العلم.
[ أن التوحيد هو إفراد الله سبحانه بالعبادة ]
أي اعلم هذه المسألة العظيمة واجعلها في ذاكرتك
واجعلها في اهتمامك دائمًا وأبدًا وهي « أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة » وليس
هو إفراد الله بالربوبية فإن هذا أقرَّ به المشركون ولم يكونوا موحّدين لأنهم لم
يفردوا الله بالعبادة، فإقرارهم بتوحيد الربوبية ليس هو التوحيد المطلوب وإنما
توحيد الربوبية دليل على توحيد الألوهية ولازم له فمن أقر بتوحيد الربوبية لزمه أن
يقر بتوحيد الألوهية والله تعالى يذكر في القرآن في كثير من الآيات توحيد الربوبية
دليلاً على توحيد الألوهية كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ
رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ
تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }(1)
هذا هو توحيد الربوبية وهو دليل توحيد الألوهية، فأقام سبحانه وتعالى الحجة عليهم
فيما أنكروه من توحيد الألوهية بما اعترفوا به من توحيد الربوبية ليلزمهم بذلك.
حيث
قال لهم كيف تعترفون أنه هو الخالق الرازق المحيي المميت وأنه لا شريك له في ذلك
ثم تشركون في عبادته. أما الذين يقولون إن التوحيد هو الإقرار بأن الله هو الخالق
الرازق المحيي المميت... إلخ فهم غالطون غلطًا فاحشًا، ولم يأتوا بالتوحيد المطلوب
الذي دعت إليه الرسل. وعلى هذا المنهج الباطل أغلب عقائد المتكلمين
التي تدرس الآن في كثير من المدارس الإسلامية. وقصد الشيخ رحمه الله بهذا التعريف
هو الرد على هؤلاء الذين ركّزوا على توحيد الربوبية وتركوا توحيد الألوهية، فهذه
أول شبهة وهي: أنهم جعلوا توحيد الربوبية هو التوحيد المطلوب، وأن من أفرد الله به
فهو الموحّد وألّفوا كتبهم فيه وبنوا منهجهم عليه وصرفوا همهم إلى تحقيقه.
(2) انظر صحيح الإمام البخاري 4/402 كتاب الجهاد باب
دعاء النبي إلى الإسلام والنبوة وأن لا يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله وقوله تعالى: {
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ } إلى آخر الآية. وفي الفتح 6/109،
وانظر تفاصيل ذلك في زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم 3/688-696، ذكر هديه
في مكاتباته إلى الملوك وغيرهم.
==============================================================================================================================================================================
[ وهو دين الرسل الذي أرسلهم
الله به إلى عباده ] فالرسل كلهم ما طلبوا من النّاس أن يقرروا بأن الله هو الخالق
الرازق المحيي المميت لأنهم معترفون بهذا وإنما طالبوا الأمم بإفراد الله
بالعبادة. قال تعالى: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ
اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ }(2) ما قال أن يقروا بأن الله هو الرب لأنهم مقرون بهذا بل قال: {
اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ } أي اتركوا الشرك بالله عز وجل في
الألوهية.
وقال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن
رَّسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ }(3) ما قال
أنه لا رب سواي ولا خالق إلا أنا، بل قال سبحانه: { أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ
أَنَاْ } أي لا معبود بحق سواي.
هذا الذي بعث به الله الرسل، ما بعث الرسل لتقرير
توحيد الربوبية لأن هذا موجود لكنه لا يكفي بل بعثهم لتوحيد الألوهية الذي هو
إفراد الله تعالى بالعبادة وهو دين الرسل كلهم من أوَّلهم إلى آخرهم.
[ فأوّلهم نوح عليه السَّلام ]
كما قال الله سبحانه وتعالى: { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا
إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ }(4) فدلّت الآية الكريمة على أن أول الرسل هو نوح عليه الصَّلاة
والسَّلام، فنوح هو أول رسول بعد حدوث الشرك في الأرض، وتتابعت بعده الرسل على هذا
المنهج الرباني وآخرهم محمد r وهو خاتمهم ولا نبي بعده إلى أن تقوم السَّاعة
قال الله سبحانه وتعالى: { مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ
وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ }(1) وقال r :
« أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي »(2) فهو
آخر الرسل عليهم الصّلاة والسَّلام وآخر الأنبياء لأن كل رسول نبي فلا يبعث بعده
لا رسول ولا نبي فمن اعتقد أنه يبعث بعده رسول أو نبي فهو كافر قال r : « وسيخرج بعدي كذابون ثلاثون كل منهم يدعي
أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي » فمن لم يعتقد ختم الرسالة بمحمد r وأجاز أن يبعث بعده نبي فهو كافر بالله عز وجل
مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين.
[ أرسله
الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين ] الغلو هو مجاوزة الحد. والغلو في الصَّالحين
هو اعتقاد أنهم ينفعون أو يضرون من دون الله، وود إلخ هذه أسماء رجال صالحين من
قوم نوح ماتوا في عام واحد، فحزن قومهم عليهم حزنًا شديدًا فجاء الشيطان إليهم
وقال لهم: صوّروا صورهم وانصبوها على مجالسهم من أجل أن تتذكروا أحوالهم فتنشطوا
على العبادة؛ جاءهم عن طريق النصيحة وهو يريد لهم الهلاك فخدعهم بهذه الحيلة
واعتبروا هذه وسيلة صحيحة لأنها تنشِّط على العبادة، فهذا فيه التحذير من فتنة
الصور وفتنة الغلو في الصالحين، وهؤلاء نظروا لمصلحة جزئية ولم ينتبهوا لما يترتب
عليها من المفاسد فالإنسان لا ينظر إلى المصلحة الجزئية وينسى المضار العظيمة التي
تترتب عليها في المستقبل. ثم أهلك قوم نوح بالطوفان فاندرست هذه الأصنام إلى أن
جاء عهد الطاغية وهو ملك من ملوك العرب يقال له عمرو بن لحي الخزاعي، وكان له
سلطان على الحجاز وكان في أول أمره رجلاً ناسكًا على دين قومه ولكن ذهب إلى الشام
للعلاج، فوجد أن أهل الشام يعبدون الأصنام فدخل في فكره هذا الشيء فجاء إلى أهل
الحجاز والجزيرة فدعاهم إلى الشرك وجاء الشيطان فأرشده إلى مواطن الأصنام التي
كانت تعبد عند قوم نوح والتي سفى(3) عليها الرمل بعد الطوفان، فحفرها ونقَّب عنها
فاستخرجها ووزعها على أحياء العرب فانتشر الشرك من ذلك الوقت. وكانت هذه الأصنام
الموروثة عن قوم نوح هي أكبر الأصنام وإلا فلهم أصنام كثيرة حتى إنه كان حول
الكعبة المشرفة ثلاثمائة وستون صنمًا اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى هي أكبر
أصنامهم[« ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر » ](4) [ وآخر الرسل محمد r وهو الذي كسر صور هؤلاء الصَّالحين ] كانت
حال العرب الدينية قبل بعث النبي محمد r هي
الوثنية ثم بعث الله نبيه محمدًا r
بملة إبراهيم الحنيفية السمحة ودعاهم إلى التوحيد بمكة وبقي ثلاث عشرة سنة
يدعوهم إلى التوحيد بمكة وبقي ثلاثة عشرة سنة يدعوهم إلى التوحيد وينكر عليهم
عبادة الأصنام. فاستجاب له من أراد الله له الهداية من الصَّحابة الذين أسلموا معه
في مكة. ثم إن الله أذن لهم بالهجرة إلى الحبشة ثم إلى المدينة وهاجر النبي r إلى المدينة. واجتمع حوله المهاجرون
والأنصار وكوّن جيوش التوحيد وصاروا يغزون المشركين.. إلى أن جاء في السنة الثامنة
من الهجرة إلى مكة فاتحًا وصارت مكة تحت سلطة الرسول r وعند ذلك كسر هذه الأصنام التي حول الكعبة
وغسل الصور التي في جوف الكعبة، وأرسل إلى الأصنام التي حول مكة (اللات والعزى
ومناة) من الصَّحابة من كسرها ومنها صور هؤلاء الصَّالحين من قوم نوح وانتشر
التوحيد واندحر الشرك ولله الحمد.
وهذا معنى قول الشيخ – رحمه الله – (كسر صور هؤلاء
الصَّالحين) وذلك يوم فتح مكة وطهّر الله به حرمه الشريف من هذه الأصنام.
وامتد التوحيد من بعثته r وعهد الخلفاء الراشدين وعهد القرون المفضلة
كلها خاليًا من الشرك فلما انتهت القرون المفضلة انتشر التصوّف والتشَيُّع وعند
ذلك حدث الشرك في الأمة بعبادة القبور والأضرحة وتقديس الأولياء والصالحين إلى
وقتنا هذا، وهذا الشرك موجود في الأمة ولكن يقيّض الله جل وعلا من يقيم الحجة على
العباد من الدعاة المخلصين، ويهدي الله على أيديهم من أراد الله هدايته.
وهكذا ينبغي ويجب على طلبة العلم والدعاة أن يهتموا بهذا
الأمر وأن يجعلوا الدعوة للتوحيد وإنكار الشرك ودحض الشبهات من أولويات دعوتم فهذا
هو الواجب وهذه دعوة الرسل عليهم الصّلاة والسّلام، لأن كل أمر يهون دون الشرك،
فما دام الشرك موجودًا فكيف تنكر الأمور الأخرى! لابد أن نبدأ بإنكار الشرك أولاً
ونخلّص المسلمين من هذه العقائد الجاهلية ونبيّن لهم بالحجة والبرهان وبالجهاد في
سبيل الله
(2) رواه
الترمذي في سننه بهذا اللفظ 6/368، 369 (34) كتاب الفتن (43) باب لا تقوم الساعة حتى
يخرج كذابون حديث رقم 220 من حديث ثوبان رضي الله عنه. وانظر صحيح الإمام البخاري
4/162، 163، وصحيح مسلم 4/1791، ومسند الإمام أحمد 2/398 حديث رقم 9157، وسنن أبي
داود 4/95، وسنن الدارمي 1/40.
(4) انظر صحيح الإمام البخاري 6/73 من حديث عبد الله
بن عباس رضي الله عنه، كتاب التفسير باب ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا (إنا
أرسلنا) بنحوه .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق