العبادة في اللغة
خضوع وتذلل معه حب عن طواعية ورغب ورهب وحسن ظن وما أشبه ذلك من أعمال القلوب،
وأصلها الذل؛ ذلل الشيء يعني جعله متطامنا، جعله ذليلا، جعله غير وعر غير مستكبر،
فيكون هذا في الناس، ويكون في الطريق ومنه سمي العبد الرقيق عبدا؛ لأنه جعل ذليلا
غير متكبر متطامن لسيده، وقيل أيضا للطريق معبد لأنه ذُلل للسير كما قال
طرفةتُبارِي عِتاقاً ناجِياتٍ وأَتْبَعَتْ وَضيفًا وَضيفًا فَوْقَ مَوْرٍ
مُعَبَّدِوقوله أيضا في البعيرإلى أنْ تحامَتْني العَشيرةُ كُلُّها
وأُفرِدْتُ إِفْرادَ البَعيرِ المُعَبَّدِإلى آخر شواهد هذه المادة.أما
العبادة في الشرع فالعلماء عرّفوها بعدة تعريفات نختار منها في هذا المقام
ثلاثة:"الأول: أن العبادة هي ما طُلب فعله في الشرع ورُتب الثواب على ذلك وهذا
ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية لما تكلم عن الوضوء، فإذا كان الشيء طلب فعله في الشرع
ولم يكن مطلوبا قبل ذلك ورتب على ذلك الفعل الثواب فهذا الفعل عبادة."التعريف
الثاني: أيضا كلي أيضا ذكره شيخ الإسلام في أول رسالة العبودية هي أن العبادة اسم
جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة."وعرفه
أيضا طائفة من العلماء ومنهم الأصوليون بأن العبادة هي ما أمر به من غير اضطراد
عرفي ولا اقتضاء عقلي.فنخلص من هذا إلى أن العبادة شيء جاء بالشرع لم يكن قبل
ذلك، لم يكن قبل ذلك ليس من جهة الفعل والحصول، ولكن من جهة كونه مأمورا به لهؤلاء
الناس المعينين، فجاء الشرع بالأمر بأشياء كانت موجودة عند العرب، ولكن كانوا
يفعلونها من غير أمر خاص شرعي بذلك، وإنما ورثوها هكذا فلما أمر بها الشرع ورتب
عليها الثواب كانت مما يحبه الله ويرضاه، وكانت مأمور بها من غير اقتضاء عقلي لها
ولا اطّراد عرفي بها(1)، وإنما كانت باطّراد أمر الشارع بها، فخرجت عن كون مقتضى
بها جاءت عرفا فقط.لهذا الأقوال هذه الثلاثة لتعريف العبادة تلتقي ولا
تختلف.__________(1) قال البهوتي في كشف القناع: قال الفخر إسماعيل وأبو
البقاء: العبادة ما أمر به شرعا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي. كتاب الصلاة
باب صلاة التطوع.(1/27)
فإفراد الله سبحانه
بالعبادة معناه أن يفرد الله سبحانه بكل ما أمر به الشرع؛ بكل ما أمر به الشرع من
الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فيدخل في ذلك أعمال القلوب مثل الإخلاص والرغب
والرهب والخوف والتوكل والإنابة والمحبة والرجاء والاستعاذة؛ استعاذة القلب إلى
آخره، ويدخل فيه أيضا الأفعال الظاهرة مثل الدعاء وأنواعه الاستعانة والاستغاثة
والاستسقاء والاستعانة الظاهرة إلى غير ذلك، ويدخل فيها الذبح والنذر والصلاة
والزكاة والدعاء والحج والعمرة والصلة؛ صلة الرحم وغير ذلك، فالعبادة اسم يعم هذا
جميعا، فكما أنه لا يصلي المصلي إلا لله كذلك لا يستغيث إلا بالله فيما لا يقدر
عليه المخلوق، وهكذا في مظاهرها كما أُوضح ذلك مفصلا في كتاب التوحيد وفي ثلاثة
الأصول.قال (وهو -يعني التوحيد- دين الرسل الذين أرسلهم الله به إلى
عباده)(هو دين الرسل) يعني جميعا فالرسل جميعا أرسلوا بالتوحيد وهو إفراد الله
بالعبادة، فلم ترسل الرسل أصلا بالشرائع، لم ترسل الرسل أصلا ببيان ما يجب من
الأعمال من الذي هو دون التوحيد، أو ما يحرم إنما أرسلت لتوحيد الله جل وعلا؛ لأن
توحيد الله جل وعلا هو العلة المطلوبة من خلق الجن والإنس، كما قال جل وعلا ?وَمَا
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ?[الذاريات:56]؛ يعني إلا
ليوحدونِ، فالعلة المطلوبة من خلقهم أنهم يوحدون الله جل وعلا لهذا أرسلت الرسل
بذلك.(1/28)
هذا التوحيد مفطور
عليه العباد للميثاق قال جل وعلا ?وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ
ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ
قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا?[الأعراف:172] وهذا الذي أخذ عليهم هو التوحيد وهو الفطرة،
فؤخذ على الناس جميعا هذا الميثاق وهو توحيد الله جل وعلا، ولكن هذا الميثاق خرجوا
عليه وهم في ظهور آبائهم أُخذ وعرفوا ذلك وشهدوا به، ثم خرجوا على هذا التوحيد
خرجوا على الفطرة، خرجوا وهم يوحدون الله جل وعلا؛ لكن تجتالهم الشياطين عن دينهم
كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق على صحته "كلّ مولودٍ يولَدُ على
الفِطرةِ, فأبَواهُ يُهوّدانهِ أو يُنصّرانِه أو يُمجّسانِه, كما تجرجُ البهيمةُ
جمعاء هل تحسون فيها من جَدْعاءَ"؟ يعني أن البهيمة تخرج سليمة، ثم بعد ذلك أهلها
يقطعون شيئا من أذنها أو شيئا من بدنها إلى آخره، الكمال يخرج المولود عليه، من جهة
التوحيد يعني على الفطرة، ثم تتغير هذه الفطرة، معلوم أن ذلك الميثاق الأول لا
يُذكر، وأن دلائل إقامة الحجة بذلك الميثاق موجودة في الآفاق وفي الأنفس، والرسل
جاءت لإقرار ذلك وجعل الناس يرجعون إلى هذا الأصل الذي ولدوا عليه وهو توحيد الله
جل وعلا ثم إضافة بعض الشرائع التي تختلف من رسول إلى رسول.المقصود من ذلك أن
دين الرسل جميعا هو التوحيد، والرسل جمع رسول وهو من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه
إلى قوم مخالفين له. أما إذا كانوا موافقين فيكون ذلك نبي من الأنبياء كأنبياء بني
إسرائيل ونحو ذلك، فالرسل الذين بُعثوا إلى قوم مخالفين هم على التوحيد أمروا
بالتوحيد ودعوا إليه قال جل وعلا ?وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا
أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ?[النحل:36]، وفي سورة الأعراف
في ذِكر نوح عليه السلام وذِكر هود وذِكر صالح وذِكر شعيب وذِكر موسى عليه السلام،
كلهم يدعون إلى توحيد الله جل وعلا ?اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ
غَيْرُهُ?(1) إذا كان كذلك فإن الدعوة تكون إلى هذا الأصل،الدعوة تكون إلى توحيد
الله لأن به صلاح القلوب وصلاح الأعمال.__________(1) الأعراف:59، 65، 73،
75، هود: 50، 61، 84، المؤمنون:23، 32.(1/29)
قال (وهو دين الرسل
الذين أرسلهم الله به إلى عباده)، (به) يعني بالتوحيد إلى عباده، فما هو دين الرسل
الذي أجمعوا عليه، اتفقوا عليه كل واحد بعث به؟هو توحيد الله جل وعلا وهو إفراد
الله سبحانه بالعبادة، لهذا نعلم أن كل من عبد غير الله جل وعلا فهو مخالف لكل رسول
ومن عبد غير الله بأي نوع من أنواع العبادة فإنه لم يوحد إنه مشرك وإنه مكذب بجميع
المرسلين، قال جل وعلا ?كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ?[الشعراء:105]، فمن
لم يوحد الله جل وعلا فقد كذب بالمرسلين جميعا؛ لأن الرسل جميعا أمروا بالتوحيد،
فإذا أشرك المشرك فلا يحتج يقول أنا على دين موسى أو على دين عيسى، نقول هو مكذب
بجميع الرسل وخارج عن دين جميع الرسل.قال (فأولهم نوح عليه السلام) نوح هو أول
الرسل، وهو من أولي العزم من الرسل، وهو عليه السلام الذي جَعل الله جل وعلا ذريته
هم الباقين في الأرض، أما آدم فإنه نبي مكلم وليس برسول، كما جاء في بعض الأحاديث
أنه عليه الصلاة والسلام قال "آدم نبي مكلم".نوح عليه السلام بعث إلى قوم
أشركوا بالله جل وعلا وشركهم كان في الصالحين.(1/30)
قال (أرسله الله إلى
قومه لما غلوا في الصالحين) الغلو هو مجاوزة الحد، غلا في الشيء جاوز الحد فيه،
وتأليه البشر مجاوزة للحد، وهؤلاء الصالحون أولهم ودّ، وودّ هذا من عباد الله
الصالحين، وهو أول من أُشرك به على الأرض لما مات صوَّروا صورته كما يأتي في حديث
ابن عباس، فقوم نوح هم تتابعوا من ذرية آدم وذرية آدم على التوحيد حتى أتى هؤلاء
الصالحون ودّ وسواع ويغوث ونسرا كانوا قوما صالحين، فهنا شاع في الناس الرغبة في
الدنيا والبعد عن تذكر الآخرة، فكانوا إذا أرادوا أن يتشجعوا في العبادة ذهبوا إلى
هؤلاء؛ إلى قبورهم إلى ود وإلى سواع وإلى يغوث وإلى يعوق وإلى نسر، فنظروا في
قبورهم وبكوا عندها، فتشجعوا في العبادة ورجعوا، فجاء الشيطان فتكلم عند قبرهم قال:
ألا تصنعون أو ألا أصنع لكم صورة تتذكرون بها ودّا وتتذكرون بها سواعا. فصنع لهم
صورة على هيئته، فجعلوها على قبورهم وثنا وصنما، ثم بعد ذلك يعني هم حينما جعل ذلك
أولا ليس معبودا ولكن للتذكر ينظرونه فيتذكرونه وأعمارهم كانت طويلة، ثم بعد ذلك
قال ألا تجعلون من كل واحد صورة في بيت كل واحد منكم حتى يتذكر، ثم نقلهم بعد ذلك
إلى أن يصحبوه في السفر إلى آخره، شاع في ذلك لأجل التذكر لأجل الحث على العبادة،
ولم يكن أول ذلك الجيل لم يكن مشركا، فيما بعدهم ذهب ذلك العلم، وقالوا ما اتخذ
آباؤنا هذه الصور إلا لأنها آلهة إلا لأنها معظمة، فتوجهوا إليها بطلب التوسط،
قالوا هؤلاء لهم مكانة عند الله؛ لأنهم صالحون، فنتوسط بهم فيما نريد فصار شرك قوم
نوح من جهة التوسط بالأرواح؛ أرواح صالحي بني آدم.(1/31)
ودّ وسواع ويغوث
ويعوق ونسر ذكرهم الله جل وعلا في القرآن في سورة نوح حيث قال جل وعلا ?وَقَالُوا
لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ
وَيَعُوقَ وَنَسْرًا(23)وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا?[نوح:23-24]، قال العلماء
(وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ) فيها أن ودّ هو الأول، وسواع هو الثاني،
ويغوث هو الثالث، وفيها أيضا تنبيه على أن هذه الآلهة متفاضلة عندهم؛ بأنه أتى في
الثالث الأول بحرف (لَا) وفي الآخرة بلا حرف (لَا) فقال (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ
آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ
وَنَسْرًا) فلم يأتِ بحرف (لَا) لأجل أن يفاضلوا بين أولئك وبين هذه، فهذه الآلهة
كانت متفاضلة عندهم، وهذا التفاضل عندهم الذي يُشعر به اللفظ كما ذكره طائفة من
المفسرين، هذا التفاضل إنما بتفاضل مصلحتهم من هذه الآلهة، والتوجه بها، وهذا هو
الموجود بهذا الزمن وفي زمن الشيخ وفي زمن انتشار الشركيات، فإنّ عباد القبور عباد
الأولياء أولئك ليسوا متساوين فبعضهم أقطاب وبعضهم أوتاد وبعضهم غوث وهكذا، فإذن
التفاضل من جهة الروحانيات من جهة التوسط كان موجودا في زمن نوح عليه السلام، فصرنا
على أنّ ما كان فير زمن نوح عليه السلام أنّ هؤلاء صالحون، وأنهم لم يعبدوا باتخاذ
قبورهم أوثانا من أول الأمر، وإنما عبدوا بعد زمن، لما نُسي أول الأمر من اتخاذ
صورهم للتنشيط في العبادة وعُبد بعد ذلك، ففيه أن الشيطان أتاهم بأن لا تسد الذرائع
في هذا الباب، فجاء الأمر شيئا فشيئا حتى عبدوا تلك الآلهة، وفيه أن هؤلاء متفاضلون
في الصلاح عندهم، وفيما ذكرنا أيضا أن تفاضلهم إنما هو من جهة أثر توسطهم بهذه
الآلهة على ما يريدون من إنجاح حوائجهم، ولهذا ذكر البخاري في كتاب التفسير في
تفسير صورة نوح قال باب ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وذكر الحديث المعروف حديث ابن
جريج عن عطاء عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح.
وهذا القدر -وهو أنهم أسماء رجال صالحين- هو الذي يعرض فيه كثير من المعارضين
اليوم، ويقولون إن هذه الأسماء أن تعدّ أسماء رجال صالحين لم تأتِ إلا في هذا
الحديث عن ابن عباس.(1/32)
وهذا الحديث رواه ابن
جريج عن عطاء عن ابن عباس، وابن جريج له تفسير معروف، وفي تفسيره ذكر التصريح بأن
عطاء هذا هو عطاء الخُرساني، كذلك ذكره عبد الرزاق في تفسيره وهو مطبوع؛ طبع مؤخرا،
قال: عن ابن جريج عن عطاء الخرساني عن ابن عباس. والعلماء يقولون -علماء الجرح
والتعديل-: إن عطاء الخُرساني لم يسمع عن ابن عباس. لهذا قال أولئك هذه الرواية
ضعيفة وليست بصحيحة وإن رواها البخاري؟والجواب عن ذلك أن ابن عباس رضي الله
عنهما حينما ذكر أنها أسماء رجال صالحين جعلها البخاري رحمه الله تعالى -يعني جعل
تلك الرواية- جعل البخاري رحمه الله تعالى تلك الرواية أصل في تفسير الآية، ورواها
بإسناده المتصل لابن عباس، وكون عطاء أتى عند البخاري بلا نسبة، لا يعني أنه عند
البخاري عطاء الخُرساني، ودلّلوا على ذلك بأن التفريق في روايات ابن جريج عن عطاء
بأن منها عن عطاء الخرساني خاصة بالتفسير إنما هو عن علي بن المديني، وعلي بن
المديني معروف بأنه إمام في العلل وله كتاب في العلل وكتبه مشهورة في ذلك والبخاري
رحمه الله تلميذه، فلا يخفى عليه تعليل علي ابن المديني لهذه الرواية -أنا أُفَصِّل
هذا لأن الدعاة إلى عبادة القبور أو إلى أن التوسط بالصالحين ليس هو شرك المشركين؛
الدعاة قالوا عمدتكم في ذلك هو رواية ابن عباس، ورواية ابن عباس ضعيفة، ولو رواها
البخاري في صحيحه، فهذا رد لهذه الشبهة- نقول: البخاري قال عن ابن جريج قال: قال
عطاء عن ابن عباس. ومن المتقرر في علم الرجال أن ابن جريج إذا قال: قال عطاء. وهو
يعني ابن جريج ممن عرف بالتدليس، فإن قوله قال عطاء محمول على السماع وسماعه إنما
هو من عطاء بن أبي رباح وليس من عطاء الخرساني، فنستدل بذلك على أن هذه الرواية عند
البخاري إنما هي عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس، وإسنادها متصل في
غاية الصحة، وابن حجر رحمه الله حينما عرض لهذه المسألة قال وهي عندي -يعني هذه
المسألة- عن عطاء الخرساني وعن عطاء ابن أبي رباح جميعا؛ لأن البخاري رحمه الله
مشترط في صحيحه أن لا يروي الحديث إلا إذا كان متصلا، وهو لا يخفى عليه أن ابن جريج
يروي عن عطاء الخرساني بانقطاع، وأن عطاء الخرساني راويته عن ابن عباس [منقطعة] لا
يخفى عنه ذلك؛ لأنه من مشاهير العلم، ولأنه لم يروِ بهذه الترجمة مما يظن أنه عن
عطاء الخرساني لم يروِ إلا حديثين، فهو رواها مسندة متصلة، فمن نازع في صحتها ينازع
البخاري(1/33)
رحمه الله في تصحيحه
له هذا واحد.الثاني أن عطاء في الرواية هو عطاء ابن أبي رباح ولو كان روي في
تفسير عبد الرزاق وتفسير ابن جريج التصريح بأنه عطاء الخرساني فإنّ ابن جريج قد
يسمع من هذا وهذا، يعني قد يأخذ من هذا وهذا؛ قد يأخذ من عطاء بن أبي رباح، وقد
يأخذ بواسطة عن عطاء الخرساني فهذا محتمل, وتغليط البخاري رحمه الله في تصحيحه
للحديث هذا غير وارد.الثالث أن الذين ذكروا هذه العلة ليسوا من المتقدمين من
حفاظ الأحاديث، وإنما هم من المتأخرين، والمتقدمون من أهل الحديث أدرى بالبيت؛ لأن
فهمهم بالعلل أعظم من فهم من بعدهم.فنخلص من ذلك إلى أن رواية ابن عباس هذه هي
الأصل في هذا الباب، وأنّ ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر أنها أسماء رجال صالحين صارت
في العرب، وأن أولئك لم يعبدوها أول الأمر وإنما آتاهم الشيطان فمثّل لهم -كما
ذكرتُ لكم- مثّل لهم صورا فلما تمسخ العلم وفي رواية فلما نسي العلم عبدت يعني لما
نسي التوحيد وتمسخ العلم ورثها أناس لم يعرفوا حقيقة الأمر فعبدت، يدل على ذلك أن
ودّا وسواع ويغوث ويعوق ونسرا هذه صارت في العرب معروفة وأبيات الشعر التي حفظت في
ذلك عن العرب في ذكر هذه الأصنام مشهورة، الله جل وعلا ذكرها عن قوم نوح وهي موجودة
العرب بهذه الأسماء والأشعار بها محفوظة، ويؤيد ذلك أيضا أنها في العرب أن العرب
فيهم التعبيد لهذه الآلهة، فيهم من اسمه عبد ودّ، وفيهم من اسمه عبد يغوث، وفيهم من
اسمه عبد نسر وهكذا، فالتعبيد لها يدل على أنها موجودة في العرب، وهي موجودة في قوم
نوح بنص القرآن، فلما كان كذلك صارت هذه الرواية متفقة مع ظاهر القرآن، ومتفقة مع
واقع العرب المعروف الذي حفظ، فمن طعن فيها فإنما هو من جهة عدم استيعابه
للمسألة.قال (وآخر الرسل محمد - صلى الله عليه وسلم - ) ذكرتُ لكم أن عبادة
أولئك كانت من جهة الأرواح، وكل شرك في العالم كان راجعا إلى أحد نوعين لا ثالث
لهما: الشرك بالله:الأول: راجع أرواح الناس؛ أرواح الصالحين.والثاني: راجع
إلى أرواح الكواكب.فالشرك بأرواح الصالحين كان في قوم نوح.(1/34)
والشرك بأرواح
الكواكب كان في قوم إبراهيم، وهل الكوكب له روح؟ الجواب: لا، ولكن جعلوا لكل كوكب
صورة وصنما صوروا فيه الكوكب فلما كان كذلك، زعموا أن روحانية الكوكب وروح الكوكب
تحل فيه فتتقبل مما يأتي لها ويطلب فترفع الحوائج إلى الكوكب، وعند هؤلاء الصابئة
أن الكواكب تُسَيَّر العالم، وأن كل كوكب له أثر في العالم والصابئة الذين هم قوم
إبراهيم كان شركهم من جهة الكواكب كما هو معروف، قال جل وعلا ?وَكَذَلِكَ نُرِي
إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ
الْمُوقِنِينَ(75)فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى
كَوْكَبًا?[الأنعام:65-66] الآيات، فشركهم كان من جهة الكواكب، لم أشركوا بالكواكب؟
لأنهم لما وضعوا الأوثان لهذه الكواكب جاءت الشياطين فتكلمت عند صورة الوثن عند
الوثن عند الصنم، فلما تكلمت طلبوا منها أشياء فتحقق لهم ذلك، فظنوا أن الكواكب
مسيرة لأحداث هذا العالم.فإذن نخلص من ذلك إلى أن الشرك وقع من جهة الشياطين في
الجهتين:"شياطين تكلّمت بلسان الصالحين، تكلمت على أنها روح الصالح، فطُلب منها
وأجابت وعملت أشياء."وشياطين تكلمت على لسان كما يزعم أصحابه لسان
الكوكب.وكل شرك متفرع على أحد هذين النوعين؛ إما شرك بالعلويات أو شرك
بالسفليات.حقيقة الأمر أن الشياطين حينما تقول ذلك هي عبادة الجن، حينما يُطلب
منها فإن المعبود هو الجني وليس هو الإنسي.قال (وآخر الرسل محمد - صلى الله
عليه وسلم - وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين)، (وهو الذي كسر) بنفسه أو بمن أَرسل،
محمد عليه الصلاة والسلام لما دخل مكة عام الفتح دخل وكان حول الفتح أصنام كثيرة
فجعل يمكُتُهم بعصاه عليه الصلاة والسلام ويقول ?جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ
الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا?[الإسراء:81] وكان من الأصنام إساف
ونائلة، صنم إساف ونائلة وكانت موجودة بجنب الكعبة، ومنها هبل وكان هبل من الأصنام
التي في داخل الكعبة؛ لأن الكعبة كانت بداخلها صور وأصنام، وكان أيضا بقربها يعني
على حافة الكعبة كانت ثَم أصنام وهناك أيضا أصنام بعيدة حول المطاف، فالنبي عليه
الصلاة والسلام كسر هذه جميعا.(1/35)
من العجائب في ذلك أن
المؤرخين اتفقوا على أن إساف ونائلة؛ إساف رجل ونائلة امرأة، وأن إساف كان يتعشق
نائلة وأنهما قدما حاجين وأنه لم يتمكن منها إلا في غفلة من الناس أتاها في الكعبة
-والعياذ بالله-، قال المؤرخون فمسخا حجرين في داخل الكعبة فلما نظر الناس إليهما
عرفوا أن هذه صورة إساف وصوره نائلة في الكعبة، فعلم أنهما أحدثا حدثا فأخرج الناس
الحجرين إلى خارج الكعبة ليعتبر الناس بحال من عصى في الحرم، يكون ذلك أبلغ في
إبعاده، أتى الزمان حتى عبد إساف وعبدت نائلة، هبل كان في داخل الكعبة وكان هو أعظم
الأصنام والصور التي في داخلها وهكذا.أما ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر فهذه لم
تكن من الأصنام التي حول الكعبة وكانت متفرقة في العرب فقوله (وهو الذي كسر صور
هؤلاء الصالحين) يعني بمن أرسل، فإنه لما انتشر الإسلام فكل قوم فيهم هذا الوثن أو
هذا الصنم كسره أصحابه بأمر النبي عليه الصلاة والسلام، وقولنا بأمر النبي ليس أمرا
خاصا بهذا الصنم ولكن أمرا عاما بكسر الأصنام والأوثان.ومن أصنامهم اللات
والعزى ومناة كما هو معروف.تعبير الشيخ بقوله (صور هؤلاء الصالحين) هذا مقصود؛
لأن أولئك جعلوا الصورة، وهل جعلهم الصورة لقصدها أم لأجل أنها توصل إلى صاحبها؟
معلوم أنّ المشركين ليسوا قاصدين للصور من حيث هي، بل يقصد الصنم من حيث هو، وإنما
عندهم الصنم وسيلة إلى روح صاحبه، الوثن وسيلة إلى ما يحل بالبقعة أو يحل بالشيء من
أرواح.فإذن هم قصدهم الأرواح التي تصعد إلى الملأ الأعلى فتوصل طلباتهم وتوصل
حوائجهم وما يريدون إلى الله جل وعلا، فيستجيب الله جل وعلا بهذه الوساطة، هذه
خلاصة شرك المشركين.وأولئك الذين أشركوا هذا الشرك لم يكونوا بعيدين عن التعبد،
بل كما ذكر الشيخ رحمه الله هنا قال (أرسله الله إلى أناس يتعبدون) نعم كان أهل
الجاهلية كانوا يتعبدون، كان منهم أهل الصيام، كان منهم أهل الصلاة، ومنهم أهل
الدعاء، ومنهم أهل الحج، منهم أهل الزكاة، منهم أهل الصدقة، منهم أهل الصلة، منهم
أهل الذبح، ومنهم أهل التقرب إلى الله بالطواف والتحنث والاعتكاف إلى آخره والطهارة
الكبرى وما أشبه ذلك، فأولئك لم يكونوا يقرّون بأن الله جل وعلا هو الخالق وحده
وأفراد الربوبية فحسب، بل كانوا مع ذلك يتعبدون لهم صلاة ولهم زكاة ولهم حج ولهم
صيام، وهذا ذكره الشيخ بعد ذلك بقوله ويحجون ويتصدقون.(1/36)
أما الطهارة فقد ذكر
من صنف في أديان العرب أنّ العرب كانت عندهم طهارة من الحدث، فكانوا يتطهرون من
الجنابة، وإذا أجنب المرء بمعنى أنزل الماء، فإنه يبعد عن مواقع العبادة ولهذا سموه
جنبا، سموه جنبا أي بعيدا ?وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ
الْجُنُبِ?[النساء:36] يعني البعيد، فسموا من أخرج الماء يعني من أنزل، سموه جنبا
لأنهم كانوا يأمرون بالابتعاد عن الكعبة، بالابتعاد عن مواطن العبادة حتى يتطهر،
وتطهره من الجنابة شائع معروف، أما التطهر من الحدث الأصغر فهذا إنما عند طائفة
قليلة منهم، حتى النساء كن يغتسلن من الحيض، وهذا معروف عنهم في عدة أحوال وعدة
أبيات، ومنها قصة امرأة كانت مع زوجها في سفر وكان معهما ماء قليل، فلما كانت في
السفر انقطع عنها الحيض فأرادت أن تغتسل، فأخذت الماء فاغتسلت به وكان قليلا فلم
يبلغ أن يعممها وبقيا عطاشا ليس معهما ماء، قيل إنهما هلك في ذلك، فضرب بهما مثل في
هذا، وقد قال في ذلك الفرزدق في بعض أبيان نسبت إليه، قال وكنت -يذم رجلا:وكنت
كذات الحيض لم تُبقِ ماءها ولا هي من ماء العذابة طائلفكان العرب يعتنون بمسألة
الطهارة؛ طهارة الجنب وطهارة الحائض، فهذا النوع تعبد منهم بذلك، كذلك الصيام، كان
منهم من يصوم وصيامهم مختلف منهم من يصوم يوما، كما كان أهل الجاهلية يصومون
عاشوراء، كما جاء في الصحيح "إن عاشوراء يوم كانت تصومه العرب في الجاهلية" وكان
لهم صيام من الفجر إلى غروب الشمس، أو من طلوع الشمس إلى غروبها، ومنهم من كان يصوم
أكثر من ذلك.هذه كلها ميراث مما ورثوه من الأديان الصحيحة قبلهم.وكان منهم
أيضا من يصلي وصلاته تكون بركوع وذكر ودعاء ويسمونها صلاة، معروفة عندهم في ذلك،
لكن هذه الهيئة والسجود لم يكن عندهم في ذلك.كذلك كانوا يعتكفون تعبدا، ومنهم
حديث عمر المعروف: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فقال له
النبي عليه الصلاة والسلام "أوفِ بنذرك".وكان طائفة منهم يتحنثون ويتخلَّون في
الخلاء يتأملون ويذكرون الله جل وعلا، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يتحنث في غار
حراء الليالي ذوات العدد والتحنث يعني العزلة عن الناس والتعبد بذلك والخلوة كانت
معروفة عندهم.(1/37)
وكذلك الصدقة مثل ما
ذكر الشيخ هنا (ويتصدقون) كان فيهم الصدقة كثيرا كما قالت خديجة لما جاءها النبي
عليه الصلاة والسلام وقد فاجأه الوحي بحراء فقالت له بعدما قصّ عليها ما حصل قالت:
كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتُقري الضيف وتعين الملهوف وتعين على
نوائب الحق. أو كما جاء في كلامها، فكانت الصلة والصدقة وتسمى عندهم أيضا زكاة كانت
موجودة كثيرا.وكذلك ذكر الله جل وعلا أيضا كانوا أهل ذكر لله جل وعلا، يذكرون
بأنواع من الذكر هذه محفوظة في أشعارهم، ومحفوظة في كتبهم؛ يعني في الكتب التي ذكرت
ذلك.واستقصاء ذلك يصعب في مثل هذا الشرح؛ لكن نذكر لك بعض الكتب التي ذكرت منها
كتاب بلوغ الأرب للألوسي، ومنها كتاب أديان العرب لعلي الجارم، ومنها تاريخ العرب
المفصل قبل الإسلام وغير هذا من الكتب التي شرحت ديانات العرب تطهرها وصلاتها
وزكاتها وحجها.أما الحج والعمرة فهذا معروف مشهور حجهم للبيت تعظيمهم إياه
وعمرتهم إليه.(1/38)
المقصود من هذا أن
العرب لم تكن بعيدة عن العبادة، يتعبدون بأشياء ورثوها من دين إبراهيم عليه السلام،
ومن بعض الأشياء من دين موسى عليه السلام، إذن هم مقرون بالربوبية لله جل وعلا وأن
الله هو الخالق وهو الرازق وهو الرّزّاق وحده، وهو الذي يحيي وهو الذي يميت ويقولون
"ما شاء الله" ويؤمنون بالله ولكن مع ذلك لم يكونوا مسلمين، بل بعث الله إليهم محمد
بن عبد الله يدعوهم إلى أن يوحدوا الله، كيف يكون الحال إذن؟ الحال أننا لا بد أن
ننظر فيما كان أولئك على الشرك؟ بما كان أولئك مشركين؟ موحدون في الربوبية؛ الله
الخالق وهو الرزاق وهو الذي يحيي ويميت ونحو ذلك، فهل هذا جعلهم مسلمين؟ كذلك عندهم
صدقات ودعاء وذكر لله، فهل هذا جعلهم مسلمين؟ إنما الذي جعلهم مشركون أنهم يعبدون
الله ويعبدون معه غيره، لم يفردوا الله بالعبادة، يتقربون إلى تلك الأوثان وتلك
الأوثان منها صور الصالحين فحصل من هذا برهان عظيم ومقدمة(1) مهمة لهذا الكتاب، وهي
أن المشرك الذي كان في زمن النبوة لم يكن بعيدا من التعبد تماما؛ بل كان يتعبد، كان
عنده نوع تعبد، نوع صلاح، من جهة أنه في الناس صاحب خير وصاحب صدقة، صاحب ذكر إلى
آخره؛ لكنه صار مشركا لأنه عبد مع الله جل وعلا غيره، فإذا كان الأمر كذلك كان قتال
النبي عليه الصلاة والسلام لأولئك وكان تكفيرهم لأجل أنهم أشركوا تلك الآلهة
الباطلة مع الله جل جلاله فعبدوا الله وعبدوها.__________(1) انتهى الوجه
الأول من الشريط الثاني.(1/39)
إذا وصلنا إلى هذه،
جاء السؤال المهم وهو كيف عبدوا تلك الآلهة؟ هل ادعوا في اللاّت وفي العُّزى ومناة
وهبل وودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسرا وإساف ونائلة، هل ادعوا أنها تخلق ؟ فالجواب لا،
هل ادعى أنه ترزق استقلالا؟ الجواب:لا، قال جل وعلا?قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ
الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ
الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ?[يونس:31] بلا جدال، يقولون الذي يرزق ويحيي
ويميت هو الله، فإذن حين يسألون تلك الآلهة الباطلة الرّزق، حين يسألونها أن ترزقهم
هل يعتقدون فيهم أنها تملك الرِّزق استقلالا؟ الجواب: لا؛ لأن الله جل وعلا أخبرنا
بأنهم لو سئلوا من يرزقكم من السماء والأرض لقالوا الله يرزقنا، فإذن لم صاروا
مشركين؟ لأنهم جعلوا تلك الآلهة وسائط في طلب الرزق، شفعاء في طلب الرزق ولهذا قال
الشيخ رحمه الله بعدها (ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله) هذه
الوساطة لها جهات:الجهة الأولى جهة التوجه يعني نوع التقرب لها
بالعبادة.والجهة الثانية مكانتها عند الله حتى ترفع الحاجات.سيأتي تفصيلها
في الكتاب بعد ذلك.قال (ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات) ما هذا البعض؟ سيأتي
تفصيله إن شاء الله.(وسائط بينهم وبين الله) لفظ الوساطة هذا دقيق من الشيخ
رحمه الله، وهو الموافق لما جاء في القرآن في أول سورة الزمر حيث قال جل وعلا
?وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا
لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى?[الزمر:3]، قال العلماء قوله (مَا
نَعْبُدُهُمْ إِلَّا) هذا حصر قلب إضافي -معلوم في علم المعاني في علم البلاغة-
يعني ما نعبدهم لعلة من العلل أبدا فيهم وأنهم متصفون بأشياء من صفات الإله أبدا،
لكن نعبدهم ليقربونا إلى زلفى فقط، وهذا يستفاد من قوله (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا
لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) فهو حصر قلب إضافي؛ يعني ما نعبدهم لعلة من
العلل إلا لأجل التقريب، فليس لهم شيء وليس من صفاتهم أنهم يرزقون وأنهم يحيون أو
أنهم يميتون أو أنهم يفيضون الخير، وإنما لأجل التقرب، وهذا هو معنى اتخاذ أولئك
شفعاء عند الله جل وعلا.(1/40)
فإذن حصرت المسألة في
أن اعتقاد المشركين في أوثانهم وفي أصنافهم وفي أصنامهم من جهة الأرواح الشيطانية،
ومن جهة التوجه لها لأجل أن ترفع الحاجات إلى الله جل وعلا، فما كانوا يطلبون منها
استقلالا، فالتشفع كان هو ديدنهم، فطلب الشفاعة كان هو ديدنهم كان هو بغيتهم، كان
كل واحد عنده في بيته وثن أو صنم يزعم أنه إذا توجه له بالعبادة حلّ روح صاحب هذه
الصورة فيها فقَبل الطلب ورفعه إلى مكانه في الملأ الأعلى، يعني أن فائدة الصورة،
وجود الصورة في البيت أنها تحل فيها الروح روح صاحب هذه الصورة فتقبل الطلب، وليست
هي عندهم أصنام محضة؛ لأنهم أعقل من أن يعبدوا حجرا محضا؛ لكن هم عبدوا حجرا معه
الروح فصار أيضا ذلك قدح، صار ذلك أيضا قدح في عقلهم من جهة أنهم توجهوا إلى خشب أو
إلى تمر أو إلى حجر، إلى آخره زعما بأنّ الروح تحل فيهم فهو قدح في عقلهم لكن أخص
من أن يعتقدوا في صنم مجرد يعني في حجر مجرد ليس فيه حلول الروح لتُناجَى ويطلب
منها التوسط، فإذن قول الإمام رحمه الله هنا (ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط
بينهم وبين الله) هذا هو حقيقة الوصف.(1/41)
قال (يقولون نريد
منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده) ماذا يريدون؟ التقرب إلى الله، ليسوا
ملاحدة، إنما في ألسنتهم ذكر الله جل وعلا، وعندهم صدقة وتعبد، لكن يريدون بذلك
التقرب إلى الله، من هذا تعلم جهل طائفة ممن ظنّ أن تعبد المتعبد وصلاته وصيامه
وزكاته يمنع من الحكم عليه بالشرك؛ لأنّ أولئك كانوا على دين إبراهيم، يعني لأن
المشركين في زمن النبي عليه الصلاة والسلام كانوا على دين إبراهيم، وقد ثبت عنه
عليه الصلاة والسلام أنه قال "إنما بعثت لأتمم محاسن الأخلاق" هم كانوا على خلق،
كانوا على حسن في التعامل وكانوا وكانوا، ولكن لم يكونوا موحدين، فإذن العبرة كل
العبرة في التوحيد، وليست في أنهم يحجون أو لا يحجون، يعتمرون أو لا يعتمرون،
يتصدقون أو لا يتصدقون، في ألسنتهم ذكر الله أو ليس في ألسنتهم ذكر الله، ليس هذا
هو البرهان، لهذا في بعض هذا الزمن تجد أنه لما فشى الجهل بالتوحيد، تجد أن كثيرين
إذا وجدوا ومن يتكلم وفي لسانه ذكر الله جل وعلا، أو أنه يقول الحمد لله أو يقول
الله أكبر أو يقول ما شاء الله، أو يذكر الله بلسانه أو يتصدق أو يحضر المسجد أو
يقرأ القرآن يزعمون أنه مسلم ولو عبد غير الله جل وعلا، وهذا ليس هو المقصود، وإنما
هذه الشرائع جاءت بعد التوحيد، فإذا كان التوحيد لم يقم في قلب صاحبه، فلا تقبل هذه
الشرائع.قال (يقولون نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده) وهذه
سيأتي بسط الكلام عليها في أثناء الرسالة في مسألة الشفاعة.قال (مثل الملائكة
وعيسى ومريم وأناس غيرهم من الصالحين) هذا نرجئه إلى الدرس القادم.(1/42)
أنا أريد من هذه
الجملة التي مرّت معنا التأصيلية المهمة أن يتوسّع طالب العلم في معرفة أديان العرب
في الجاهلية،كيف كانت؟ لأن هذا من العلم المهم الذي به يتضح قيمة التوحيد، تنظر في
تفاسير المفسرين حين يتكلمون عن أحوال العرب وشرك المشركين ونحو ذلك، يتعرضون
لأحوال العرب، كذلك في الكتب التي ذكرنا، في كتب الحديث إذا مرت مثل الأحوال التي
ذكرنا، منهم من يصلي، ومنهم من يتصدق، أظن في حديث أيضا الذي رواه مسلم أظنه عن أبي
ذر أنه كان في الجاهلية قبل أن يبعث النبي عليه الصلاة والسلام هكذا لفظه "كنتُ
أصلي ثلاث سنين قبل بعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" فهذه المسائل تقعيدية
حتى إذا جاءت شبه المشبهة فيما سيأتي يكون عند طالب العلم فرقان، يكون عنده فرقان
بيّن بما تميزت به بعثة النبي عليه الصلاة والسلام ودينُه عن دين المشركين الذين
بعث إليهم وقاتلهم وكفَّرهم ولم يقبل منهم صرفا ولا عدلا، فتوسَّع في ذلك وانظر فيه
فإنه تقعيد تنتفع به في رد كثير من الشبه التي يشبه بها أعداء التوحيد.نكتفي
بهذا القدر، وأسأل الله جل وعلا لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح وصلى الله وسلم
وبارك على نبينا محمد.¹[المتن]يقولون نريد منهم التقرب إلى الله ونريد
شفاعتهم عنده مثل الملائكة، وعيسى ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين فبعث الله محمد -
صلى الله عليه وسلم - يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد
محض حق الله لا يصلح منه شيء لغير الله لا لملَك مقرب ولا لنبي مرسل فضلا عن غيرهما
وإلا فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يرزق إلا
هو، ولا يحيي إلا هو، ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السموات
ومن فيهن والأراضين ومن فيها كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره .[الشرح]بسم الله
الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
إلى يوم الدين.اللهم نسألك علما نافعا وعملا صالحا، وقلبا خاشعا، ودعاء مسموعا،
اللهم لا تكلنا لأنفسنا طرفة عين، واغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين لا إله
إلا أنت سبحانك إنا كنا ظالمين، اللهم وفقنا إلى ما وفقت به عبادك الصالحين، أما
بعد:(1/43)
فهذه صلة لما تقدم من
الكلام على أول هذه الرسالة العظيمة كشف الشبهات، وقد ذكرنا فيما مضى في بيان كلام
المصنف رحمه الله أن مشركي العرب كانوا يتعبدون بأنواع من العبادات، كانوا يتصدقون
في أنواع من الصدقات العظيمة في الحج وفي غيره، وكانوا أيضا يغتسلون من الجنابة،
وكانت المرأة أيضا تتطهر من الحيض، وكانوا يصلون بعض الصلوات على طريقة ما، وكانوا
يدعون الله جل وعلا في الضراء وأحيانا في السراء، وكان لهم أنواع من العبادات، ولم
يكونوا غير متعبدين أصلا بل كان لهم عبادة وتقرب على الله جل وعلا، ولكنهم أشركوا
بالله جل وعلا وعبدوا مع الله جل وعلا غيره؛ اتخذوا آلهة من دون الله جل وعلا أو
معه، فتوجهوا إليهم ببعض أنواع العبادة، فاتخذوا اللاتّ وهو رجل صالح كان يلتّ
السويق فمات وهو يوزعه على الحاج، فرأوا من صلاحه، فمات فعكفوا على قبره، أو أنها
صخرة كان يتعبد عندها ذلك الرجل، فرأوا أن ذلك المكان مبارك فتعبدوا عندها وعظموها
وتبركوا بها، وكذلك العزى ومناة وكذلك الأصنام الأخر والأوثان ودّ وسواع ويغوث
وبعوق ونسر إلى آخر ما يتصل بعبادات المشركين وتوجهاتهم إلى الآلهة
المختلفة.قرر الشيخ رحمه الله فيما سبق أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة،
وأنّ أول الرسل هو نوح عليه الصلاة والسلام وأن آخر الرسل هو محمد - صلى الله عليه
وسلم -، وهؤلاء مع بقية الرسل جاءوا بالتوحيد يأمرون الناس بعبادة الله وحده
ويبطلون التعلق بالعبادة بغير الله جل وعلا.بعدما ذكر ذلك ذكر حقيقة شرك
المشركين، فقال (ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون نريد
منهم التقرب إلى الله ونريد شفاعتهم عنده) وهذا سبق بيان صفاته وأن شرك المشركين
كان على نوعين:"إما شرك بأرواح الكواكب على حد زعمهم."وإما شرك بالأصنام
التي تحل فيها أرواح الصالحين بحسب زعمهم، أو الأوثان كالقبور ونحوها بحسب زعمهم
أنها تتصل أرواحهم بأرواح الموتى فينفعون أو يضرون.مثل للمعبودين بقوله (مثل
الملائكة، وعيسى، ومريم):(1/44)
أما الملائكة: فإن
طائفة من العرب وغير العرب كانت تعتقد في الملائكة أنها بنات الله جل جلاله سبحانه
وتعالى عما يقولون علوا كبيرا، ويقولون إن أرواح الملائكة منتشرة فإذا طلب من
الملائكة أجابت، والملائكة عندهم لم يكن لها أوثان وأصنام كما جعلوا للكواكب، أو
كما جعلوا للموتى أو للصالحين، وإنما أرواح الملائكة عندهم منتشرة، والاتصال بهذه
الأرواح يكون بندائها وبعبادتها إذا احتاجت، فتجيبهم الجن إذا نادوا الملائكة،
وتغيثهم الجن فيما أقدرهم الله عليه وظنوا أن ذلك من جهة الملائكة، قال جل جلاله
?وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ
إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ(40)قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ
دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ
مُؤْمِنُونَ?[سبإ:40-41]، فكانت حقيقة عبادة الملائكة هي عبادة الجن؛ لأنهم ظنوا
ذلك ظنا، قال جل وعلا ?وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ
عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ?[الصافات:158]، وفي قوله هنا
(وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا) وجهان من التأويل:"إما أن
يكون الجنة هنا الملائكة، والنسب كون الملائكة بنات الله جل جلاله، وسميت الملائكة
جِنَّة لما في صفتهم من الإجتنان وهو الاستتار."والوجه الثاني أن يكون الجنة
هنا هم الجن كما قال ?مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ?(1) يعني الجن، والجن يقال لهم
جِنّة لأنهم مستترون، فيكون حقيقة قول المشركين أنهم جعلوا بين الله جل جلاله وبين
الجن نسبا لأنهم جعلوا بين الله وبين الملائكة نسبا.وفي الحقيقة إنما أوقعهم في
ذلك الجن، كما قال جل وعلا ?بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ
مُؤْمِنُونَ?[سبإ:41]، فدل ذلك على أن عبادة الملائكة كانت موجودة وأن اعتقادهم في
الملائكة لأجل أن الملائكة أرواح ظاهرة فاستغاثوا بها وطلبوا منها فأغاثتهم الجن
فعظم تعلقهم بالملائكة وعظم تصحيح اعتقادهم في الملائكة أنها بنات الله جل
جلاله.__________(1) هود:119، السجدة:13، الناس:6.(1/45)
المقصود من ذلك أن
تعلمَ أن سبب الشرك؛ شرك المشركين بالملائكة هو التعلق بالأرواح الطاهرة، الملائكة
أرواح طاهرة بالاتفاق، وذلك عند الأمم جميعا، فجعلوا تلك الأرواح الطاهرة وسيلتهم
إلى الله جل جلاله والله جل وعلا بين أن حقيقة عبادة الملائكة إنما هي عبادة للجن
لأنهم لما تعلقوا بالملائكة واستغاثوا بها ليست للملائكة في الحقيقة وإنما هي للجن؛
لأن الجن هي التي أضلتهم بذلك كما ذكر في سورة سبإ في الآية التي ذكرتها لكم قوله
جل وعلا ?وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ
أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ(40)قَالُوا سُبْحَانَكَ?[سبإ:40-41],
يعني ننزهك عن جميع ما لا يليق بجلالك وعظمتك، ننزهك عن أن نعبد معك ونعظمك جل وعلا
بما أنت أهله ?أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ?[سبإ:41] تبرؤوا من أولئك ثم قالت
الملائكة ?بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ?[سبإ:41] (بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ
الْجِنَّ) هذه هي الحقيقة، وإذا نظرت في حال الذين تعلقوا بالصالحين أو تعلقوا
بالموتى، فإنهم لهم شبه من جنس شبه المشركين في عبادتهم للملائكة وعبادتهم للاتّ أو
لودّ وسواع إلى آخر أوثانهم، وذلك أنهم يخاطبون ذلك الميت فإذا خاطبوه ظهر لهم إما
في سورة أو سمعوا صوته الذي يعلمونه، فإذا سمعوا صوته ظنوا أن هذا هو غوث ذلك
الآدمي، أو ظنوا أن المخاطِب لهم الملائكة، أو المجيب لهم الملائكة، فعظم تعلقهم
بتلك الأرواح، وفي الحقيقة إنما كان ذلك من جهة الجن؛ لأنّ شياطين الجن تعهد أبوهم
إبليس بأن يُضِلَّ ذرية آدم إلا القليل، قال جل وعلا مخبرا عن قول إبليس
?لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ?[الإسراء:62]، وقال جل وعلا
?إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ?(1) فاستثنى أهل الإخلاص الذين خَلَصوا
من الشرك، فأخلصوا عملهم لله جل وعلا.__________(1) الحجر:40،
ص:83.(1/46)
فإذن حقيقة الشرك
متماثلة، ليس ثَم فرق بين الشرك في الملائكة والشرك بالأموات والشرك بروحانية
الكواكب، الحقيقة واحدة وهي أنه تعلقٌ من بني آدم بأرواح غائبة، وهذه الأرواح
الغائبة عظُمت الشبهة بها لمَّا كلمتهم، والشياطين؛ الجن لهم القدرة على التكليم،
وعلى أن يتشبهوا بصورة ابن آدم، كما جاء إبليس للمشركين في سورة رجل نجدي، ويسمع
الآدمي صوتا يظنه صوت آدمي وهو صوت جني؛ يقلد صوت الآدمي، ومعلوم أنّ مثل هذه
الغائبات إذا تعلق بها المرء وقع في إضلال نفسه؛ لأنه تعلّق بشيء ما يدري ما
حقيقته، والمعلوم المتقرر عند أهل الشرائع جميعا وعند أهل العقول الصالحة؛ العقول
السليمة أنّ الميت لا تخاطب روحه روح الآدمي، حتى في هذا العصر فيما يسمونه تحضير
الأرواح في أرواح الموتى ونحو ذلك هذا إنما من جهة شياطين الجن يخدمون ذلك الساحر
المحضر للأرواح، فإذا خدموه بعد خدمته لهم وتعبده لهم، فإنهم يتشكلون له بالصورة
التي يريد ويسمعونه الصوت الذي يريد، ومعلوم أن أعمار الجن أطول من أعمار الإنس
كثيرا بل الموت فيهم بالنسبة لابن آدم قليل، لهذا قال جماعة من الجن لأحد العرب
وسمع صوتهم قالوا له:لقد فُضِّلْتُم بالأكل فينا ولكن ذاك يعقبكم سقامايعني
أن حقيقة الآدمي غير حقيقة الجني، الجني خُلق من نار وابن آدم خلق مما وصف لكم،
فالجني له مقدرة، فالتعلق بالملائكة، التعلق بالصالحين، التعلق بالموتى، كان بعد
أشياء سمعوها، كان بعد أشياء أجيبت لهم، فاستغاثوا بالميت فأغاثهم، استغاثوا
بالملائكة فأغاثتهم فيما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا، وكان في الحقيقة أن الذي
أعطاهم الجن، وأن الذي يسّر لهم ذلك أو أغاثهم إنما هم الجن، وذلك ليوقعوا الشرك
والبلاء العظيم فيهم بعد إذن الله جل جلاله.قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
الله في أكثر من موضع في كتبه: إن الشياطين شياطين الجن تتشكل بصورة الآدمي، يقول
حتى إنها تتشكل بصور الأحياء والأموات، ومرة وقع بعض أصحابي في شدة؛ طائفة من
تلامذة ابن تيمية يقول وقعوا في شدة فكانوا بعيدين عني، قال فظهرت لهم فيما قالوا
فاستغاثوا بي، فلما أتوني وأخبروني الخبر قالوا استغثنا بك فأغثتنا فقال إني لم
أبرح مكاني، ذاك شيطان تمثل في صورتي.(1/47)
وهذا يحصل أيضا عند
كثيرين حيث يزعمون أن فلانا رئي في دمشق، أو رئي في مصر، أو رئي في بغداد، أو رئي
في المدينة وفي الوقت نفسه رئي حاجا في مكة ورئي معتمرا، ومن المعلوم القطعي عند
أهل العقول الصحيحة أنّ الجسم الواحد لا يكون في مكانين متباعدين في الزمن نفسه،
ومن قال إنه رآهم هنا ورآهم هنا فهو صادق؛ رآهم في المدينة ورآهم في مكة في الوقت
نفسه، يقول رأيناه حاجا، وهل البلد الفلاني يقولون يوم عرفة رأيناه عندنا، فيكون
هؤلاء صادقون وهؤلاء صادقون ولكن جاء الاشتباه من جهة تمثل الجني بالإنسي، فمن أخبر
بالرؤية فهو صادق، ولكن لا يمكن أن يكون ابن آدم في مكانين متباعدين في وقت واحد،
ولكن الجني تمثل بصورته ليضل الناس.إذن فهذا الباب باب الشرك يدخل منه شياطين
الجن الذين قال إمامهم ومقدَّمهم لله جل وعلا ?لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا
قَلِيلًا?[الإسراء:62]، فالجن أعني شياطين الجن مهمتهم أن يقع بهم الابتلاء في هذا
الأمر، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال"قال الله تعالى
إني خلقت عبادي حنفاء فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم".(1/48)
قال بعدها (وعيسى
ومريم) يعني مثل عيسى ومريم، عيسى عليه السلام ومريم أمه وقع بهما الشرك واتخذ
إلهين مع الله جل وعلا قال سبحانه وتعالى في سورة المائدة ?وَإِذْ قَالَ اللَّهُ
يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي
إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا
لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي
نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ
الْغُيُوبِ(116)مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا
اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ
فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ شَهِيدٌ(117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ
لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ?[المائدة:116-118]، وهذا تبرُّؤ من
عيسى عليه السلام وإثبات من الله جل وعلا أنه عبد واتخذ إلها مع الله جل وعلا،
فطائفة من الأنبياء والمرسلين ضل أتباعهم فاتخذوهم آلهة من جهة الغلو والإطراء، قال
عليه الصلاة والسلام "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا
عبد الله ورسوله" قال عيسى عليه السلام لاتباعه ?يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا
اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ
اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ
أَنصَارٍ?[المائدة:72]، فالأنبياء والرسل تحذر من هذا الشرك وتنهى عنه بل رسالاتهم
في هذا الأمر العظيم، وإخلاص القلب لله وتوجهه لله وحده هو زبدة الرسالات الإلهية
وهو مدار بعثة الأنبياء والمرسلين، فعيسى ومريم أتخذا إلهين من دون الله جل وعلا،
فكيف أُتخذ عيسى إلها؟ الألوهية غير الربوبية أتخذ معبودا بأن يستغاث به بأن يطلب
منه بأن يسأل بأن يدعا، والله جل وعلا كفر النصارى باتخاذهم عيسى إلها وجعلهم عيسى
ابنا لله أو ثالث ثلاثة، ?لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ
ثَلَاثَةٍ?[المائدة:73]، ?لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ
الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ?[المائدة:72]، وهذا كله لأجل أنهم اتخذوا المسيح وأمه
إلهين، ?مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ(1/49)
قَدْ خَلَتْ مِنْ
قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ
الطَّعَامَ?[المائدة:75] فالآيات في القرآن في هذا الأمر كثيرة، الذي حصل في هذه
الأمة أنهم ما نظروا في كيف صار عيسى عند أتباعه المنحرفين عن سبيله كيف صار إلها؟
اتخاذ عيسى إلها من جنس اتخاذ الأوثان آلهة، ومن جنس اتخاذ الصالحين هذه الأمة
آلهة، فالذين اتخذوا عبد القادر الجيلاني إلها أو معبودا من جنس تلك الشبهة، الذين
اتخذوا العيدروس إلها ومعبودا هو من جنس تلك العبادات، الذين اتخذوا البدوي أو
الحسين أو زينب أو سكينة أو غير هؤلاء من جنس شرك أولئك؛ لأنه تعلقٌ بالأرواح
واعتقاد أن هؤلاء لهم مقامات عظيمة عند الله جل وعلا، وحصل لهم ما يريدون في بعض
استغاثاتهم من جهة الجن، فصارت الشبهة في الشرك في هذه الأمة من جنس الشبهة التي
أحدثت حصول الشرك من جنس الشبهة عند المشركين فضل المتأخرون بما ضل به الأولون،
والقرآن من أولهم إلى آخره في رد هذا وبيان ضلال المشركين وبعدهم عن ما يرضي الله
جل جلاله وما يحبه سبحانه وتعالى.(1/50)
قال (وأناس غيرهم من
الصالحين) عُبد صالحون كثير، وعبادة الصالحين من جهة أنّ أرواح الصالحين طاهرة لها
المقام العظيم الله جل جلاله، وأنّ الله جل وعلا لا يرد لهم طلبا، يظنون أن مقام
الصالح عند الله من جنس مقام المقرب عند الملوك، والملوك؛ ملوك الأرض إذا صار عندهم
من هو مقرب ويحترمونه ولهم فيه مصلحة يكون إجابة لطلبه، إذا توسط وطلب أجابوا طلبه
لأنهم يرهبونهم لأنهم يريدون أن يبقى على صلته بهم ولأن لهم فيه مصلحة، فاعتقاد
المشركين في الصالحين من جنس هذا الاعتقاد، ظنّوا أن العباد مع الله جل وعلا من جنس
الوزراء عند الملوك أو المقربين عند الملوك، فجعلوا هذا هو هذا، والله جل وعلا في
سورة سبإ أبطل ذلك بقوله ?قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا
لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ(22)وَلَا تَنفَعُ
الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ
قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ
الْكَبِيرُ?[سبإ:22-23]، وقال جل وعلا في سورة الإسراء ?قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ
زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا
تَحْوِيلًا(56)أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ
الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ
عَذَابَهُ?[الإسراء:56-57]، فالصالحون عند الله جل وعلا يرجون الرحمة ويخافون
العذاب، والله جل وعلا هو مالك الملك.(1/51)
فإذن الشبهة التي من
أجلها أشرك من أشرك بالصالحين من جهة التعلق بالأرواح، والظن بأن هذه الأرواح مقربة
فإذا كانت مقربة عند الله فإنها إذا سئلت فتسأل الله جل وعلا فيجيب الله طلبها ولا
يرد طلبها ولهذا من الأدعية البدعية أن يقول القائل أسألك بحرمة نبيك أو بحرمة
الولي الفلاني أو بجاه أهل بدر عندك أن تعطيني كذا وكذا، والله جل جلاله ليس لأحد
عنده حق بحيث لا يرد ما سأل، حتى الأنبياء عليهم السلام ربما رُدّت أسئلتهم وردت
دعواتهم في حياتهم، فالله جل وعلا رد دعاءً إبراهيم ردّ دعاء لإبراهيم وردّ دعاء
لنوح إن ابني من أهلي وردّ أيضا دعاء للنبي عليه الصلاة والسلام "سألت ربي ثلاثا
فأعطاني واحدة ومنعني اثنتين"ونحو ذلك، فدعواتهم في الحياة على رجاء الإجابة هم
أعظم من تجاب لهم الدعوة لكن ليس لأحد المقام عند الله جل وعلا بحيث أنه إذا طلب
فإنه لا يُرد سؤاله خلاف ما عليه كل [....] بالقبور والصالحين والأرواح
المختلفة.قال (يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم) وهذا فيه أن مشركي العرب كانوا على
أثر من الرسالة، وأنهم لم يكونوا بلا رسول قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - بل كانت
رسالة إبراهيم عليه السلام فيهم، لهذا كان فيهم بقايا من دين إبراهيم كما ذكرنا من
أمور الفطرة من الغسل من الجنابة وغسل المرأة من الحيض والصدقات وبعض الأدعية
والصلوات ونحو ذلك، (فبعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - يجدد لهم دين أبيهم
إبراهيم) قول الشيخ رحمه الله (يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم ) أخذه من قوله جل وعلا
?إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ(120)شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ(121)وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ
لَمِنْ الصَّالِحِينَ(122)ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ
إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ?[النحل:120-123]، فالنبي
عليه الصلاة والسلام يجدد للعرب دين أبيهم إبراهيم، والله جل وعلا قال ?لِتُنذِرَ
قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ?[يس:6]، وقوله جل وعلا
(لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ)، (مَا أُنذِرَ) فيها
وجهان من التفسير في هذه الآية:"إما أن تكون موصولة يعني لتنذر قوما الذي أنذر
آباؤهم فهم غافلون عما أنذر آباؤهم.(1/52)
"والثانية (مَا) نافية (لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ) يعني
لتنذر قوما لم ينذر آباؤهم، والمقصود يكون هنا بآبائهم الآباء القريبون المقصود
الآباء القريبون؛ لأن أولئك غفلوا عن دين إبراهيم وملة إبراهيم إلا بقايا من العرب
أفراد كانوا يسمون الحنفاء اتبعوا ملة إبراهيم في كثير منها.فإذن لفظ التنديد
هنا لأجل ما ذكرت، وهذا يدل على أن مشركي العرب كانت لهم رسالة قبل محمد - صلى الله
عليه وسلم -، وذلك ظاهر بين والحجة عليهم قائمة به، ووجود الكعبة عندهم وبإقرارهم
أنهم من نسل إبراهيم عليه السلام، ورسالة إسماعيل ورسالة إبراهيم عليهما السلام
فيهم، والنبي عليه الصلاة والسلام جدد لهم دينهم.قال (فبعث الله محمد - صلى
الله عليه وسلم - يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم) دين إبراهيم هو التوحيد والقنوت لله
جل جلاله قال سبحانه وتعالى في سورة الزخرف ?وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ
وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي
فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ? [الزخرف:26 - 28] (عَقِبِهِ) من نسل إسحاق، و (عَقِبِهِ)
أيضا من نسل إسماعيل وهم العرب، (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) يعني إلى هذه الكلمة
فدين إبراهيم عليه السلام هو التوحيد والبراءة من الشرك والإخلاص العمل والدين لله
جل جلاله، وهو الذي بعث الله به محمدا - صلى الله عليه وسلم -، كما قال ?ثُمَّ
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ
مِنْ الْمُشْرِكِينَ? [النحل:128]، وكما قال جل وعلا ?أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى
اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ? [الأنعام:90] في سورة الأنعام.المقصود من ذلك
أن العرب قامت عليهم الحجة، وبُيِّن لهم الأمر ببعثة إبراهيم عليه السلام، ومحمد -
صلى الله عليه وسلم - بعث مجددا لهم دين أبيهم إبراهيم، ولكن الشريعة مختلفة
فإبراهيم عليه السلام جاء بدين الإسلام العام، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - (1)
جاء بدين الإسلام الخاص.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق