الأحد، 19 أبريل 2015

شرح المسألة الأولى: "العلم": العلم لغة واصطلاحا، العلم والمعرفة بمعنى واحد.
* لم عبر المصنف ب "معرفة نبيه" ولم يعبر ب "معرفة رسوله".
* الإسلام له معنيان: إسلام عام، إسلام خاص، وتعريفهما
* العلاقة بين . "معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام" هي التلازم
* هل يصح إيمان المقلد؟
* شرح المسألة الثانية: "العمل به".
* المسألة الثالثة: "الدعوة إليه"، معنى الدعوة
؟ * متى تجب الدعوة، ومتى تستحب
* حكم دعوة الجاهل لغيره.
* المسألة الرابعة: "الصبر على الأذى فيه"، ولم ذكرها المصنف بعد الدعوة
. * تفسير سورة العصر، قول الشافعي فيها
. * ذكر قول لقول الشافعي من باب الاستئناس وليس للاحتجاج به
* تبويب البخاري، والحكمة من ذكره هنا .

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
سنشرع في هذا اليوم بإذن الله تعالى في شرح ((الأصول الثلاثة)) لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد من بني تميم. وتوفي هذا العالم الجدير سنة ست ومائتين بعد الألف من الهجرة النبوية. وهو غني عن التعريف لديكم إن شاء الله تعالى.
وهذه الرسالة رسالة مشهورة مستفيضة تعلمها العامي وطالب العلم، بل قد فرضت وكان في زمان أهل العلم زمن الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى ومن بعده كان يحفظ هذه العوام هذه ((الأصول الثلاثة)) وتشرح لهم في المساجد لأنها مشتملة على أهم مسائل الدين وأصول مسائل الدين من تقرير التوحيد، توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وما يناقض ذلك من الشرك الأكبر، ويدخل فيه الشرك الأصغر. هذه الرسالة قد يشكل على البعض إنها مبدوءة ببعض المسائل التي علق عليها المصنف رحمه الله تعالى ب إيجاب تعلمها والعمل بها حيث بدأ بأربع مسائل، ثم ثلاث مسائل، ثم بعد ذلك بيان ملة إبراهيم عليه السلام، ثم شرع في ((الأصول الثلاثة)) وعليه لا بد من بيان ما يتعلق بهذا الكتاب أولا من أجل أن يستقيم أوله وآخره، فنقول اسم الرسالة كتاب سماه المصنف ب ((الأصول الثلاثة)). ولذلك سيأتي قوله: (فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها ..) إلى آخر كلامه، سماها بعض الشراح ابن القاسم في حاشيته ((ثلاثة الأصول)) الأصول الثلاثة: ثلاثة الأصول. ولذلك العنوان المشهور المطبوع ((حاشية ثلاثة الأصول)) وكذا ابن عثيمين، وابن باز حاشية أو شرح ((ثلاثة الأصول)) والظاهر عند المصنف أنه لا يفرق بين التسميتين، حيث قال: قررت في ((ثلاثة الأصول)) توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية والولاء والبراء، وهذا هو حقيقة الإسلام. إذا ما اشتهر أنها ((ثلاثة الأصول)) أو ((الأصول الثلاثة)) كلاهما اسمان لمسمى واحد. وذكر بعضهم أن ((ثلاثة الأصول)) هذه مختصرة من الأصل.
وصف الكتاب ومحتواه: رسالة مؤلفة من ثلاثة أقسام تقريبا:
القسم الأول: مقدمة مكونة من ثلاثة أمور، كل واحد منها يصدره بقوله: (اعلم رحمك الله)، (اعلم أرشدك الله لطاعته) وهي كما ذكرنا ثلاث.
أولى: بيان وجوب أربع مسائل على كل مكلف.
ثانيا: بيان وجوب ثلاث مسائل على كل مكلف، هذا من جهة التقسيم فحسب وإلا المسائل بعضها مندرج في بعض.
ثالثا: بيان وإيضاح حقيقة دعوة وملة إبراهيم عليه وعلى نبينا . أفضل الصلاة والسلام
هذة ثلاث مقدمات هي من صلب الكتاب أم إنهآ ملحقة بالكتاب؟
قيل: هذا. وقيل: ذاك. قيل أصل الأصول الثلاثة وتبدأ من قوله:  ...  (فإذا قيل لك) .. إلى آخره (ما الأصول الثلاثة). وقيل أنها من صلب الكتاب، ولذا سردها كما هي في ((الدرر السنية)) وفي مصنفات الشيخ رحمه الله تعالى، وهذا هو الظاهر أنها مؤلفة من هذه المجموعات الثلاث قبل الدخول في صلب الكتاب.
وأما موضوع الكتاب وهو الحديث عن ((الأصول الثلاثة) )                                                                          الأصل الأول: معرفة الله.

الأصل الثاني: معرفة الدين ومراتبه الثالث.
والأصل الثالث: معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - وشيء من سيرته باختصار شديد
. هذا ما يتعلق بموضع الكتاب، الحديث عن الأصول الثلاثة
ثم ذكر رحمه الله تعالى خاتمة وهي عبارة عن بعض قضايا الآخرة كالإيمان بالبعث والحساب، ثم بين وجوب الكفر بالطاغوت، وما المراد به، ورؤوسه الخمس، والرسالة مختصرة وبأسلوب واضح بين يهتم بذكر المسألة مقرونة بدليلها كما هو عادة الشيخ رحمه الله تعالى، أنه يذكر المسألة بدليلها كما هو الشأن في هذه الرسالة المختصرة، وكذلك في كتاب (( التوحيد))، و ((كشف الشبهات)) وغيرها من كتبه المهمة النافعة.
وقدم كما ذكرنا المقدمة الأولى في بيان وجوب أربع مسائل على كل مكلف، وهي الني نفتتح بها الدرس بإذن الله تعالى.
وهذه المقدمة تمهيدية يحث فيها الناظر لهذه الرسالة على لزوم الطريق العام الذي تحصل به النجاة، فهي تمهيد وتوطئة لما يريد بيانه في رسالته العامة  ...  ((الأصول الثلاثة)).
و ((الأصول الثلاثة)) أو ((ثلاثة الأصول)) هذا أو ذاك أصول جمع أصل والأصل في لسان العرب ما يبنى عليه غيره، كما قاله الأكثر.
فالأصل ما عليه غيره بني  ...  والفرع ما على سواه ينبني

إذآ الأصل في اللغة ما يبنى عليه غيره، وفي الاصطلاح: ما له فرع. لأن الفرع لا ينشأ إلا عن أصل، والثلاثة لفظ الثلاثة من جهة الصيغة اسم جمع لا مفرد له مع دلالته على أكثر من اثنين، ومن حيث المعنى هو اسم عدد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم) يعني:  ...  (بسم الله) أؤلف حال كوني مستعينا بذكره متبركا به، والبداءة هنا بالبسملة للتبرك والاستعانة على ما يهتم به، وهذه هي عادة أهل العلم. قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى: وقد استقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بالتسمية، وكذا معظم كتب الرسائل، كان من عادة النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه إذا افتتح رسالة إلى ملك من الملوك أو نحوه افتتحها ب "" بسم الله الرحمن الرحيم "كما جاء في صحيح البخاري:". بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم "فهي سنة، وسنة قد تكفي عن الحمدلة كما هو صنيع المصنف هنا رحمه الله تعالى، ولذلك يختصر على البسملة لأنها من أبلغ الثناء والذكر. قد ذكر ابن القاسم رحمه الله تعالى أنها للخبر وهو «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر« ». لكن الحديث ضعيف لا يعول عليه، وإنما تكون هنا السنة هي السنة الفعلية، وأما السنة القولية فلم يثبت في ذلك شيء، وإنما هو في الحمدلة في كون النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا افتتح خطبه قال: "" إن الحمد لله نحمده ونستعين ".. إلى آخره، وهذا قول وهو ذكر للحمدلة.                                                                                                                                 (بسم الله الرحمن الرحيم)، (اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل). (اعلم) هذا فعل أمر وهو أمر بتحصيل العلم، (اعلم) أمر بتحصيل العلم، والعلم صفة يميز المتصف بها تمييزا جازما مطابقا هذا هو المشهور عند كثير من المتأخرين، أو هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكا جازما، وهذا فيه نظر من حيث الإطلاق لأن الصحيح أن العلم في لسان العرب: هو إدراك المعاني
العلم إدراك المعاني مطلقا  ...  وحصره في طرفين حققا

. يعني فيه قسمين، وهما التصور والتصديق، حينئذ العلم هو إدراك المعاني، وهذه المعاني تكون مفردة، وقد تكون مركبة
إدراك الأول وهو المعنى المفرد هو المسمى تصورا.
وإدراك الثاني: الذي هو المعنى المركب هو الذي يسمى تصديقا.
(اعلم) هذا كلمة يؤتى بها عند ذكر الأشياء المهمة أشبه ما يكون بأداة استفتاح في قوله: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم} [يونس: 62 ] (اعلم) لكي ينتبه السامع أو الطالب إلى ما بعده، أي كن متهيئا لما يلقى إليك من العلوم.
(اعلم رحمك الله) هذا من عادة المصنف رحمه الله تعالى أن يأتي بمثل هذه العبارات التي فيها دعاء للطالب أو للقارئ، وهذا فيه تلطف من المصنف رحمه الله تعالى وتنبيه إلى أن مبنى هذا العلم هو التلطف والرحمة بالمتعلم، وهذه الجملة (رحمك الله) فعل وفاعل ومفعول به (رحمك الله) وهي خبرية لفظا إنشائية معنى، وهي دعاء للمتعلم بالرحمة، يعني: غفر اللهم لك ما مضى من ذنوبك ووفقك وعصمك فيما يستقبل. (اعلم) ماذا؟ قال: (أنه يجب علينا)، (أنه) يعني أن الحالة والشأن، الضمير هنا ضمير القصة والشأن (أنه يجب) هذا حكم شرعي وهو مأخوذ من الوجوب.
والواجب في اللغة هو الساقط والثابت،.
وأما في الاصطلاح: فهو ما طلب الشارع فعله طلبا جازما.
حينئذ حكم المصنف هنا رحمه الله تعالى بأن هذه المسائل التي سيذكرها من حيث الحكم الشرعي الوجوب، فإذا كان كذلك حينئذ لا بد من دليل يستند عليه لأن هذا حكم شرعي، وكل حكم شرعي لا بد أن يكون موقوفا على دليل صحيح، ودليل الوجوب حديث طلب الإجماع: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". والفرض والواجب بمعنى واحد على الصحيح عند الأصوليين، كذلك أجمع أهل العلم على أن هذا المسائل مما يجب العلم بها، فهي من العلم العيني كما سيأتي.                                                                                                                                               (أنه يجب) إذا عرفنا الوجوب، والوجوب قد يكون عينيا وقد يكون كفائيا، والمراد به هنا الواجب العيني (أنه يجب علينا): (علينا)، ال (نا) دالة على كل فرض من أفراد المكلفين ويشمل الكفار، لأن معرفة الله تعالى يخاطب بها المؤمن المسلم كما يخاطب بها الكافر، ولذلك جاء قوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] {يا أيها الناس} {ولفظ الناس} عام يشمل المسلم والكافر، فاتفق أهل العلم وأجمع العلماء على أن الكفار مخاطبون بأصول الشريعة ، هذا محل إفاق بينهم، إنما الخلاف في الفروع كالصلاة وغيرها، والصحيح الذي عليه جمهور السلف أنهم مخاطبون كذلك بفروع الشريعة. إذا (علينا) ليس خاصا بالمسلم بل يشمل الكفار ويشمل المؤمنين (علينا) يعني على كل فرض من أفراد المكلفين، والمكلفين جمع مكلف وهو العاقل البالغ الذي ليس بمكره ولا ملجئ ولا غافل. (يجب علينا تعلم أربع مسائل)، (تعلم) تفعل والمراد به تحصيل العلم، لأن التفعل يأتي بمعنى إيجاد الشيء (تعلم أربع مسائل)، (أربع مسائل) يعني: مسائل أربعة، ومسائل جمع مسألة مشتقة من السؤال على وزن مفعلة، والمراد به ما يبرهن عنه بالعلم، مطلوب خبري يبرهن عنه بالعلم يعني: يطلب له دليل، والمسألة ليست كلمة مفردة، وإنما هي جملة، إما جملة اسمية وإما جملة فعلية تطلب لها دليل في الشرع. (تعلم أربع مسائل):                                                                                                                           المسألة الأولى هي: (العلم) وقد ذكره بقوله: (الأولى) يعني من المسائل (العلم). ثم عرف العلم (وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة). العلم مراد به هنا علم خاص، والعلم هو معرفة الهدى بدليله، عرفنا (العلم) فيما سبق أنه إدراك المعاني، وهنا نعرفه بأنه معرفة الهدى بدليله، والفرق بينهما أن العلم هناك المراد به العلم اللغوي، يعني كل علم، والمراد هنا بالعلم هو العلم الشرعي ، يعني علم الكتاب والسنة. معرفة الهدى بدليله ولذلك إذا أطلق العلم في الشرع في نصوص الوحيين ومدح أهله أو أثبت له ثواب أو نحو ذلك إنما المراد به العلم الشرعي، ولا يشمل الصناعات البتة باتفاق أهل العلم، ولذلك قال العلماء: بأن الصناعات التي هي غير علم شرعي الحكم فيها أنها من فروض الكفايات، ولأنها مقصودة لغيرها وهي إقامة المعايش بين الناس، وليست مقصودة لذاتها كما هو الشأن في الوحيين. يعني الكتاب والسنة، إنما يتعلم تفسير لذات التفسير، ويتعلم الحديث لذت الحديث، أما هذه الصناعات فإنما تتعلم لغيرها، المراد هنا إذا أطلق لفظ العلم في الشرع يعني في آية أو أثني على أهله، أو رتب عليه مدح أو ثواب فإنما المراد به العلم الشرعي، وليس المراد به العلم الدنيوي. إذا معرفة الهدى هو ما جاء به نبينا - صلى الله عليه وسلم - بدليله يعني مع دليله، والدليل هو الذي تثبت به الأحكام، وأما معرفة الهدى لا مع دليله هو الذي يسمى تقليدا، وهذا ليس بعلم، المقلد ليس من أهل العلم بإجماع أهل العلم، حكى ذلك ابن عبد البر رحمه الله تعالى، فكل مقلد لا يعد من أهل العلم البتة، وإن عرف كثيرا من المسائل فإنما يكون ناقلا للعلم لا عالما به، وفرق بين النوعين، من كان ناقلا للعلم، ومن كان عالما. من كان عالما فهو مدرك للمسائل بأدلتها الشرعية، ومن كان عارف للمسائل دون ذكر للأدلة وعلم بالأدلة فهو مقلد. إذا العلم هو معرفة الهدي بدليله وهو قسمان:
. فرض عين
. وفرض كفاية
وهذآ التحديد هنا بين قسمين في هذا المقام مهم جدا لتعرف عنا العلم الذى سيذكره المصنف هو من قبيل القسم الأول، فإذا كنت لا تميز بين النوعين حينئذ لا تعرف ما الذي يجب ابتداء العلم به وما الذي يكون تابعا. إذا فرض عين وفرض كفاية، وما ذكره هنا المصنف رحمه الله تعالى هو من الأول وهو فرض العين، وهذا حكمه أنه لا يعذر أحد بالجهل به البتة، العلم الذي هو فرض عين لا يعذر أحد بجهله البتة.                                                                                                                         وفروض العين من العلم الشرعي كأصول الإيمان، أصول الإيمان أركان الإيمان الستة، وشرائع الإسلام، وما يجب اجتنابه من المحرمات، وما يحتاج إليه في المعاملات، ونحو ذلك مما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب عليه العلم به، فمن تاجر بالذهب والفضة وجب عليه أن يعرف أحكام الربا بخلاف من لم يتاجر، من كان عنده مال وحال عليه الحول وبلغ النصاب حينئذ يجب عليه أن يتعلم أحكام الزكاة، ما لا يجب على غيره من لم يكن عنده نصاب ولا غيره. إذا ما لا يتم الواجب إلى به فهو واجب عليه العلم به، كذلك ما يجب أداؤه على كل مكلف حينئذ لا بد من معرفته ذلك العلم والحكم الشرعي المتعلق به، وسمي عينا لتعلقه بكل عين بكل شخص، لا ينوب فيه شخص عن شخص، بخلاف فرض الكفاية فإنه يتعلق بالبعض دون الآخرين، فإن فعله البعض حينئذ سقط عن الآخرين، ولذلك قال الإمام أحمد: يجب أن يطلب من العلم ما يقوم به دينه، يعني كل مسلم. طلب العلم ليس خاصا بطلاب العلم، إنما المراد به أن يحصل ما يقوم به عبادته، حينئذ المكلف يجب عليه من المعتقد ما يجب، ويجب عليه من العمل ما يجب، حينئذ ثم أمران:
. عقيدة تحتاج إلى تصحيح
. وعمل ويحتاج ألى تقويم
فكيف يصحح عقيدته دون علم وكيف يقوم عمله دون علم. حينئذ دل على أن العلم لا بد منه. قال الإمام أحمد: يجب أن يطلب من العلم ما يقوم به دينه. قيل له مثل أي شيء؟ قال: الذي لا يسعه جهله، صلاته وصيامه .. ونحو ذلك. يعني الأركان أركان الإيمان الست، وكذلك أركان الإسلام، أو ما بني عليه الإسلام.
إذا الأولى العلم، والمراد بالعلم هنا العلم الذي هو فرض عين، وعرفنا أن فرض العين هنا عام يشمل أصول الإيمان، وشرائع الإسلام، وما يجب اجتنابه من المحرمات، وما يجب فعله من الواجبات، لكن ما المراد به هنا المراد به ما عينه المصنف. ف (أل) حينئذ في قوله: (العلم) للعهد الحضوري، يعني العلم الخاص الذي فسره بقوله: (وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة) هذا الذي أراد المصنف بمفهوم العلم، وليس كل العلم الذي هو الشرعي، وإنما المراد به هذه المعارف الثلاث: معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة. فالعلم هنا (أل) للعهد، والمراد بالعهد العهد الحضوري الذي ذكر معهوده في السياق، فهو علم خاص ولا يعني به جميع العلم الشرعي لأنه عرفه فقال: (وهو معرفة الله) .. إلى آخره. إذا المراد هنا العلم العيني، والمراد باللعلم العيني ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى بقوله: (معرفة الله).                                                                                                                  (معرفة الله) هذا تعريف للعلم حينئذ يكون المصنف يرى أن العلم والمعرفة بمعنى واحد، لأن العلم ما هو عنده؟ قال العلم: (وهو معرفة الله) إذا المعرفة والعلم عند المصنف رحمه الله تعالى بمعنى واحد، فجعل العلم بمعنى المعرفة وهذا هو الصحيح عند أهل اللغة وإن فرق بينهما بعض المتأخرين. قال الله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} [البقرة: 146] فالأول قال: يعرفون ثم قال: {وهم يعلمون} فأصدق أو أخبر عن المعرفة بالعلم، فدل على أنهما بمعنى واحد. (وهو معرفة الله) عز وجل ولا يكون العبد على حقيقة من دينه إلا بعد العلم بالله سبحانه وتعالى، وهذه المعرفة هي معرفة للرب جل وعلا بذاته وأسمائه وصفاته، ويشترط في هذه المعرفة لأن تكون مجزئة وقائمة مقام المطلوب الذي أوجبه الله عز وجل بأن تكون مستلزمة للعمل الظاهر، وأما معرفة لا تستلزم العمل الظاهر فوجودها وعدمها سواء، فالمراد هنا المعرفة معرفة شرعية، وهي التي يترتب عليها العمل الظاهر، وأما مجرد معرفة فإبليس يعرف ربه ولكن هذه المعرفة ليست كافية، لماذا؟ لتخلف المقتضى وهو العمل بمدلول هذه أو ما تقتضيه هذه المعرفة. إذا معرفة الله عز وجل بقلب وهذه المعرفة تستلزم قبول ما شرعه والإذعان والانقياد له وتحكيم شريعته التي جاء بها رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -.                                                                                                                          (ومعرفة نبيه) هذا الجزء الثاني من العلم العيني الذي أراده المصنف رحمه الله تعالى، (ومعرفة نبيه) معرفة مرادفة العلم والعلم هو الإدراك المطلق، (نبيه) ولم يقل رسوله لأنهما مترادفان في هذا الموضع، وإن كان المشهور عند أهل العلم أن النبي أعم من الرسول، فكل رسول نبي من غير عكس، (ومعرفة نبيه) أطلق النبي هنا والمراد به خاتم الأنبياء والمرسلين وهو محمد - صلى الله عليه وسلم -، والإضافة هنا للعهد (ومعرفة نبيه) يعني نبي هذه الأمة وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وكما تأتي (أل) للعهد كذلك تأتي الإضافة للعهد فيكون المعهود هو ما أريد بالإضافة، فإن الواسطة بيننا وبين الله تعالى في تبليغ رسالة الله إلينا هو محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومعرفته فرض عين على كل مكلف، ويقال في المعرفة هنا ما قيل في المعرفة السابقة، لأن كفار ومشركي العرب وبعض اليهود يعرفون محمد - صلى الله عليه وسلم - لكن هذه المعرفة لم تستلزم قبول ما جاء به من الشرع والحكم بشرعه والتحاكم إليه، فنقول: هذه المعرفة وجودها وعدمها سواء، وإنما المعرفة التي أوجب الله عز وجل إيقاعها في قلب العبد هي المعرفة التي تستلزم قبول ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -. (ومعرفة نبيه) قال الله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65]، وقال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59] فأوجب طاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - طاعة مطلقة لأنها تابعة لطاعة الله عز وجل، فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله، وأما من ادعى محبة الرب جل وعلا ومعرفته ولم يطع رسوله حينئذ نقول: تلك المعرفة وتلك المحبة ناقصة أو معدومة. إذا (ومعرفة نبيه) المعرفة التي تستلزم قبول ما جاء به من الهدي ودين الحق وتصديقه فيما أخبر وامتثال أمره فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر تحكيم شريعته والرضا بحكمه كما ذكرنا في الآيات السابقة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق