السبت، 25 أبريل 2015

فلما جاء من قوله عليه الصلاة والسلام : إن الله حجر التوبة على كل صاحب بدعة 

وعن يحيى بن أبي عمرو الشيباني ، قال : " كان يقال : يأبى الله لصاحب بدعة بتوبة ، وما انتقل صاحب بدعة; إلا إلى أشر منها " 

ونحوه عن طريق علي بن أبي طالب رضي الله عنه; قال : " ما كان رجل ص: 163 ] على رأي من البدعة فتركه ، إلا إلى ما هو شر منه " 

خرج هذه الآثار ابن وضاح 

وخرج ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول : " اثنان لا نعاتبهما : صاحب طمع ، وصاحب هوى ، فإنهما لا ينزعان " . 

وعن ابن شوذب; قال : " سمعت عبد الله بن القاسم وهو يقول : ما كان عبد على هوى تركه; إلا إلى ما هو شر منه " . 

قال : " فذكرت ذلك لبعض أصحابنا ، فقال : تصديقه في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، ثم لا يرجعون إليه حتى يرجع السهم على فوقه 

وعن أيوب; قال : " كان رجل يرى رأيا ، فرجع عنه ، فأتيت محمدا فرحا بذلك أخبره ، فقلت : أشعرت أن فلانا ترك رأيه الذي كان يرى ؟ فقال : انظر إلام يتحول ؟ إن آخر الحديث أشد عليهم من أوله : يمرقون من الدين . . . . . . ثم لا يعودون 

وهو حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سيكون من أمتي قوم يقرءون القرآن ولا يجاوز حلاقيمهم ، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ، ثم لا يعودون فيه ، هم شر الخلق والخليقة 

فهذه شهادة الحديث الصحيح لمعنى هذه الآثار ، وحاصلها : أن لا ] توبة لصاحب البدعة عن بدعته ، فإن خرج عنها; فإنما يخرج إلى ما هو شر منها; كما في حديث أيوب ، أو يكون ممن يظهر الخروج عنها وهو مصر ص: 164 ] عليها بعد; كقصة غيلان مع عمر بن عبد العزيز 

ويدل على ذلك أيضا حديث الفرق إذ قال فيه : وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه ، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله 

وهذا النفي يقتضي العموم بإطلاق ، ولكنه قد يحمل على العموم العادي ، إذ لا يبعد أن يتوب عما رأى ويرجع إلى الحق ، كما نقل عن عبد الله بن الحسن العنبري ، وما نقلوه في مناظرة ابن عباس الحرورية الخارجين على علي رضي الله عنه ، وفي مناظرة عمر بن عبد العزيز لبعضهم . 

ولكن الغالب في الواقع الإصرار ، ومن هنالك قلنا : يبعد أن يتوب بعضهم; لأن الحديث يقتضي العموم بظاهره ، وسيأتي بيان ذلك بأبسط من هذا إن شاء الله . 

وسبب بعده عن التوبة : أن الدخول تحت تكاليف الشريعة صعب على النفس; لأنه أمر مخالف للهوى ، وصاد عن سبيل الشهوات ، فيثقل عليها جدا; لأن الحق ثقيل ، والنفس إنما تنشط بما يوافق هواها لا بما يخالفه ، وكل بدعة فللهوى فيها مدخل ، لأنها راجعة إلى نظر مخترعها لا إلى نظر الشارع ، [ فإن تعلقت بحكم الشارع ] فعلى حكم التبع لا بحكم الأصل ، مع ضميمة أخرى ، وهي أن المبتدع لا بد له من تعلق بشبهة دليل ص: 165 ] ينسبها إلى الشارع ، ويدعي أن ما ذكره هو مقصود الشارع ، فصار هواه مقصودا بدليل شرعي في زعمه ، فكيف يمكنه الخروج عن ذلك وداعي الهوى مستمسك بحسن ما يتمسك به وهو الدليل الشرعي في الجملة ؟ ! . 

ومن الدليل على ذلك ما روي عن الأوزاعي; قال : " بلغني أن من ابتدع بدعة ضلالة آلفه الشيطان العبادة ، أو ألقى عليه الخشوع والبكاء; كي يصطاد به " 

وقال بعض الصحابة : " أشد الناس عبادة مفتون " ، واحتج بقوله عليه الصلاة والسلام : يحقر أحدكم صلاته في صلاته وصيامه في صيامه إلى آخر الحديث . 

ويحقق ما قاله الواقع; كما نقل في الأخبار عن الخوارج وغيرهم . 

فالمبتدع يزيد في الاجتهاد; لينال في الدنيا التعظيم والمال والجاه وغير ذلك من أصناف الشهوات ، بل التعظيم على شهوات الدنيا ، ألا ترى إلى انقطاع الرهبان في الصوامع والديارات عن جميع الملذوذات ، ومقاساتهم في أصناف العبادات والكف عن الشهوات ، وهم مع ذلك خالدون في جهنم ؟ ! . 

قال الله : ( وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية ) . 

ص: 166 ] وقال : ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) . 

وما ذاك إلا لخفة يجدونها في ذلك الالتزام ، ونشاط بداخلهم; يستسهلون به الصعب ، بسبب ما داخل النفس من الهوى ، فإذا بدا للمبتدع ما هو عليه ، رآه محبوبا عنده; لاستبعاده للشهوات وعمله من جملتها ، ورآه موافقا للدليل عنده ، فما الذي يصده عن الاستمساك به والازدياد منه ؟ وهو يرى أن أعماله أفضل من أعمال غيره ، واعتقاداته أوفق وأعلى ؟ ! أفيفيد البرهان مطلبا ؟ ( كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ) .                                                                                                                                                                                 وأما أن المبتدع يلقى عليه الذل في الدنيا والغضب من الله تعالى 
فلقوله تعالى : ( إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين ) ; حسبما جاء في تفسوصدق ذلك الواقع باليهود حيثما حلوا; في أي مكان وزمان كانوا ، لا يزالون أذلاء مقهورين : ( ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ، ومن جملة الاعتداء اتخاذهم العجل . 
هذا بالنسبة إلى الذلة ، وأما الغضب; فمضمون بصادق الأخبار ، فيخاف أن يكون المبتدع داخلا في حكم الغضب ، والله الواقي بفضله . ير الآية عن بعض السلف ، وقد تقدم ، ووجهه ظاهر; لأن المتخذين للعجل إنما ضلوا به حتى عبدوه ، لما سمعوا من خواره ، ولما ألقى إليهم السامري فيه ، فكان في حقهم شبهة خرجوا بها عن الحق الذي كان في أيديهم . 
قال الله تعالى : ( وكذلك نجزي المفترين ) ; فهو عموم فيهم وفيمن أشبههم ، من حيث كانت البدع كلها افتراء على الله; حسبما أخبر في كتابه في قوله تعالى : ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله ) . 
ص: 167 ] فإذا كل من ابتدع في دين الله ، فهو ذليل حقير بسبب بدعته ، وإن ظهر لبادي الرأي عزه وجبروته ، فهم في أنفسهم أذلاء . 
وأيضا فإن الذلة الحاضرة بين أيدينا موجودة في غالب الأحوال ، ألا ترى أحوال المبتدعة في زمان التابعين ، وفيما بعد ذلك ؟ حتى تلبسوا بالسلاطين ، ولاذوا بأهل الدنيا ، ومن لم يقدر على ذلك; استخفى ببدعته ، وهرب بها عن مخالطة الجمهور ، وعمل بأعمالها على التقية . 
وقد أخبر الله أن هؤلاء الذين اتخذوا العجل سينالهم ما وعدهم ، فأنجز الله وعده ، فقال : ( وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ) . ىىىى                                                                                             وأما البعد عن حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم 


فلحديث ( الموطأ ) : فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال . . الحديث . 

ص: 168 ] وفي البخاري ، عن أسماء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أنا على حوضي أنتظر من يرد علي ، فيؤخذ بناس من دوني ، فأقول : أمتي ! فيقال : إنك لا تدري ، مشوا القهقرى 

وفي حديث عبد الله أنا فرطكم على الحوض ، ليرفعن إلي رجال منكم ، حتى إذا تأهبت لأتناولهم ، اختلجوا دوني ، فأقول : أي رب ! أصحابي ، يقول : لا تدري ما أحدثوه بعدك 

والأظهر أنهم من الداخلين في غمار هذه الأمة; لأجل ما دل على ذلك فيهم ، وهو الغرة والتحجيل ، لأن ذلك لا يكون لأهل الكفر المحض ، كان كفرهم أصلا أو ارتدادا ، ولقوله : قد بدلوا بعدك ، ولو كان الكفر; لقال : قد كفروا بعدك ، وأقرب ما يحمل عليه تبديل السنة ، وهو واقع على أهل البدع ، ومن قال : إنه النفاق; فذلك غير خارج عن مقصودنا ، لأن أهل النفاق إنما أخذوا الشريعة تقية لا تعبدا ، فوضعوها في غير مواضعها ، وهو عين الابتداع . 

ويجري هذا المجرى كل من اتخذ السنة والعمل بها حيلة وذريعة إلى نيل حطام الدنيا ، لا على التعبد بها لله تعالى ، لأنه تبديل لها ، وإخراج لها عن وضعها الشرعي .                                        وأما الخوف عليه من أن يكون كافرا : 
فلأن العلماء من السلف الأول وغيرهم اختلفوا في تكفير كثير من فرقهم; مثل : الخوارج ، والقدرية ، وغيرهم . ى : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) . ص: 169 ] ودل على ذلك ظاهر قوله تعالوقوله : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه الآية . 
وقد حكم العلماء بكفر جملة منهم كالباطنية وسواهم ، لأن مذهبهم راجع إلى مذهب الحلولية القائلين بما يشبه قول النصارى في اللاهوت والناسوت . 
والعلماء إذا اختلفوا في أمر : هل هو كفر أم لا ؟ فكل عاقل يربأ بنفسه أن ينسب إلى خطة خسف كهذه; بحيث يقال له : إن العلماء اختلفوا : هل أنت كافر أم ضال غير كافر ؟ أو يقال : إن ج


ومن مات مصرا على المعصية; فيخاف عليه ، فربما إذا كشف الغطاء ، وعاين علامات الآخرة استفزه الشيطان ، وغلبه على قلبه ، حتى يموت على التغيير والتبديل ، وخصوصا حين كان مطيعا له فيما تقدم من ص: 170 ] زمانه ، مع حب الدنيا المستولي عليه . 

قال عبد الحق الإشبيلي : " إن سوء الخاتمة لا يكون لمن استقام ظاهره ، وصلح باطنه ، ما سمع بهذا قط ، ولا علم به ، والحمد لله ، وإنما يكون لمن كان له فساد في العقد ، أو إصرار على الكبائر ، وإقدام على العظائم ، أو لمن كان مستقيما ثم تغيرت حاله وخرج عن سننه ، وأخذ في طريق غير طريقه ، فيكون عمله ذلك سببا لسوء خاتمته وسوء عاقبته ، والعياذ بالله " . 

قال الله تعالى : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) . 

وقد سمعت بقصة بلعام بن باعوراء حيث آتاه الله آياته ( فانسلخ منها فأتبعه الشيطان . . . ) إلى آخر الآيات . 

فهذا ظاهر إذا اغتر بالبدعة من حيث هي معصية ، فإذا نظرنا إلى كونها بدعة ، فذلك أعظم ، لأن المبتدع مع كونه مصرا على ما نهي عنه ، يزيد على المصر بأنه معارض للشريعة بعقله ، غير مسلم لها في تحصيل أمره ، معتقدا في المعصية أنها طاعة ، حيث حسن ما قبحه الشارع ، وفي الطاعة أنها لا تكون طاعة إلا بضميمة نظره فهو قد قبح ما حسنه الشارع ، ومن كان هكذا ، فحقيق بالقرب من سوء الخاتمة إلا ما شاء الله . 

وقد قال تعالى في جملة من ذم : ( أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) . 

ص: 171 ] والمكر : جلب السوء من حيث لا يفطن له ، وسوء الخاتمة من مكر الله ، إذ يأتي الإنسان من حيث لا يشعر به ، اللهم إنا نسألك العفو والعافية . ماعة من أهل العلم قالوا بكفرك ، وأنت حلال الدم .                                                                                              وأما أنه يخاف على صاحبها سوء الخاتمة والعياذ بالله : 


فلأن صاحبها مرتكب إثما ، وعاص لله تعالى حتما ، ولا نقول الآن : هو عاص بالكبائر أو بالصغائر ، بل نقول : هو مصر على ما نهى الله عنه ، والإصرار يعظم الصغيرة إن كانت صغيرة حتى تصير كبيرة ، وإن كانت كبيرة فأعظم .                                                                                    وأما اسوداد وجهه في الآخرة 
فقد تقدم في ذلك معنى قوله : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) . 
وفيها أيضا الوعيد بالعذاب لقوله : ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ، وقوله قبل ذلك : ( وأولئك لهم عذاب عظيم ) . 
حكى عياض عن مالك من رواية ابن نافع عنه قال : " لو أن العبد ارتكب الكبائر كلها ، دون الإشراك بالله شيئا ، ثم نجا من هذه الأهواء ، لرجوت أن يكون في أعلى جنات الفردوس ، لأن كل كبيرة بين العبد وربه هو منها على رجاء ، وكل هوى ليس هو منه على رجاء; إنما يهوي بصاحبه في نار جهنم "                                                                                                     


وأما البراءة منه : 

ففي قوله : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) . 

ص: 172 ] وفي الحديث : أنا بريء منهم وهم براء مني وقال ابن عمر رضي الله عنه في أهل القدر : " إذا لقيت أولئك; فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني " . 

وجاء عن الحسن : " لا تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك " . 

وعن سفيان الثوري : " من جالس صاحب بدعة; لم يسلم من إحدى ثلاث : إما أن يكون فتنة لغيره ، وإما أن يقع بقلبه شيء يزل به فيدخله النار ، وإما أن يقول : والله لا أبالي ما تكلموا به ، وإني واثق بنفسي ، فمن أمن الله طرفة عين على دينه; سلبه إياه " 

وعن يحيى بن أبي كثير قال : " إذا لقيت صاحب بدعة في طريق; فخذ في طريق آخر " . وعن أبي قلابة قال : " لا تجالسوا أهل الأهواء ، ولا تجادلوهم; فإني لا آمن أن يغمروكم في ضلالتهم ، ويلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون " . وعن إبراهيم قال : " لا تجالسوا أصحاب الأهواء ، ولا تكلموهم; فإني أخاف أن ترتد قلوبكم ، والآثار في ذلك كثيرة . 

ويعضدها ما روي عنه عليه السلام أنه قال : المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل 

ووجه ذلك ظاهر منبه عليه في كلام أبي قلابة ، إذ قد يكون المرء ص: 173 ] على يقين من أمر من أمور السنة ، فيلقي له صاحب الهوى فيه هوى مما يحتمله اللفظ لا أصل له ، أو يزيد له فيه قيدا من رأيه ، فيقبله قلبه ، فإذا رجع إلى ما كان يعرفه; وجده مظلما; فإما أن يشعر به; فيرده بالعلم ، أو لا يقدر على رده ، وإما أن لا يشعر به; فيمضي مع من هلك . 

قال ابن وهب : " وسمعت مالكا إذ جاءه بعض أهل الأهواء يقول : أما أنا; فعلى بينة من ربي ، وأما أنت فشاك ، فاذهب إلى شاك مثلك فخاصمه ، ثم قرأ : ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة 

فهذا شأن من تقدم من عدم تمكين زائغ القلب أن يسمع كلامه . 

ومثل رده بالعلم : جوابه لمن سأله في قوله : ( الرحمن على العرش استوى كيف استوى ؟ فقال له : " الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والسؤال عنه بدعة ، وأراك صاحب بدعة " ، ثم أمر بإخراج السائل . 

ومثل ما لا يقدر على رده : ما حكى الباجي قال : قال مالك : " كان يقال : لا تمكن زائغ القلب من أذنك ، فإنك لا تدري ما يعلقك من ذلك " . 

ولقد سمع رجل من الأنصار من أهل المدينة شيئا من بعض أهل القدر ، فعلق قلبه ، فكان يأتي إخوانه الذين يستنصحهم ، فإذا نهوه; قال : " فكيف بما علق قلبي لو علمت أن الله يرضى أن ألقي نفسي من فوق هذه المنارة; فعلت " . 

ثم حكي أيضا عن مالك أنه قال : " لا تجالس القدري ولا تكلمه; ص: 174 ] إلا أن تجلس إليه ، فتغلظ عليه ، لقوله : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ، فلا توادوهم " .ى                                                                                                                                                                                         وأما أنه يخشى عليه الفتنة : فلما حكى عياض عن سفيان بن عيينة أنه قال : " سألت مالكا عمن أحرم من المدينة وراء الميقات ؟ فقال : هذا مخالف لله ورسوله ، أخشى عليه الفتنة في الدنيا ، والعذاب الأليم في الآخرة ، أما سمعت قوله تعالى : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ؟ ! وقدأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يهل من المواقيت " . وحكى ابن العربي عن الزبير بن بكار ، قال : " سمعت مالك بن أنس ، وأتاه رجل ، فقال : يا أبا عبد الله من أين أحرم ؟ قال : من ذي الحليفة ، من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إني أريد أن أحرم من المسجد . فقال : لا تفعل ، قال : فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر ، قال : لا تفعل; فإني أخشى عليك الفتنة ، فقال : وأي فتنة هذه ؟ ! إنما هي أميال أزيدها ، قال : وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! إني سمعت الله يقول : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )وهذه الفتنة التي ذكرها مالك رحمه الله تفسير الآية هي شأن أهل البدع وقاعدتهم التي يؤسسون عليها بنيانهم ، فإنهم يرون أن ما ذكره الله في كتابه وما سنه نبيه صلى الله عليه وسلم دون ما اهتدوا إليه بعقولهم . ص: 175 ] وفي مثل ذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه فيما روي عن ابن وضاح : " لقد هديتم لما لم يهتد له نبيكم ! وإنكم لتمسكون بذنب ضلالة " ; إذ مر بقوم كان رجل يجمعهم ، يقول : رحم الله من قال كذا وكذا مرة : سبحان الله ، فيقول القوم . ويقول : رحم الله من قال كذا وكذا مرة : الحمد لله فيقول القوم ثم إن ما استدل به مالك من الآيات الكريمة نزلت في شأن المنافقين حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق ، وهم الذين كانوا يتسللون لواذا . وقد تقدم أن النفاق من أصله بدعة ، لأنه وضع بدعة في الشريعة على غير ما وضعها الله تعالى ، ولذلك لما أخبر تعالى عن المنافقين; قال : (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ، فمن حيث كانت عامة في المخالفين عن أمره يدخلون أيضا من باب أحرى . فهذه جملة يستدل بها على ما بقي ، إذ ما تقدم من الآيات والأحاديث فيها مما يتعلق بهذا المعنى كثير ، وبسط معانيها طويل ، فلنقتصر على ما ذكرنا وبالله التوفيق 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق