السبت، 25 أبريل 2015

وأما أن صاحب البدعة تنزع منه العصمة ويوكل إلى نفسه : 

فقد تقدم نقله ، ومعناه ظاهر جدا : 

فإن الله تعالى بعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين حسبما أخبر في كتابه ، وقد كنا قبل طلوع ذلك النور الأعظم لا نهتدي سبيلا ، ولا نعرف من مصالحنا الدنيوية إلا قليلا على غير كمال ، ولا من مصالحنا الأخروية قليلا ولا كثيرا ، بل كان كل أحد يركب هواه وإن كان فيه ما فيه ، ويطرح هوى غيره فلا يلتفت إليه . 

فلا يزال الاختلاف بينهم والفساد فيهم يخص ويعم حتى بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم ، لزوال الريب والالتباس ، وارتفاع الخلاف الواقع بين الناس : 

كما قال الله تعالى : ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين إلى قوله : ( فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ) . 

وقوله : ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ) . 

وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ) . 

ص: 150 ] ولم يكن حاكما بينهم فيما اختلفوا فيه; إلا وقد جاءهم بما ينتظم به شملهم ، وتجتمع به كلمتهم ، وذلك راجع إلى الجهة التي من أجلها اختلفوا ، وهو ما يعود عليهم بالصلاح في العاجل والآجل ، ويدرأ عنهم الفساد على الإطلاق ، فانخفضت الأديان والدماء والعقل والأنساب والأموال ، من طرق يعرف مآخذها العلماء ، وذلك [ من ] القرآن المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم قولا وعملا وإقرارا ، ولم يردوا إلى تدبير أنفسهم; للعلم بأنهم لا يستطيعون ذلك ، ولا يستقلون بدرك مصالحهم ولا تدبير أنفسهم . 

فإذا ترك المبتدع هذه الهبات العظيمة والعطايا الجزيلة ، وأخذ في استصلاح نفسه أو دنياه بنفسه بما لم يجعل الشرع عليه دليلا ، فكيف له بالعصمة والدخول تحت هذه الرحمة ؟ وقد حل يده من حبل العصمة إلى تدبير نفسه ، فهو حقيق بالبعد عن الرحمة . قال الله تعالى : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا بعد قوله : ( اتقوا الله حق تقاته ، فأشعر أن الاعتصام بحبل الله هو تقوى الله حقا ، وأن ما سوى ذلك تفرقة ، لقوله : ( ولا تفرقوا، والفرقة من أخس أوصاف المبتدعة ، لأنه خرج عن حكم الله وباين جماعة أهل الإسلام . 

روى عبد بن حميد بن عبد الله أن حبل الله الجماعة 

وعن قتادة : " حبل الله المتين : هذا القرآن وسننه ، وعهده إلى عباده الذي أمر أن يعتصم بما فيه من الخير ، والثقة أن يتمسكوا به ويعتصموا ص:151 ] بحبله . . . " إلى آخر ما قال . 

ومن ذلك قوله تعالى : ( واعتصموا بالله هو مولاكم ) .                                                                                                          وأما أن الماشي إلى المبتدع والموقر له معين على هدم الإسلام : 


فقد تقدم نقله . 

وروي أيضا مرفوعا : من أتى صاحب بدعة ليوقره ، فقد أعان على هدم الإسلام 

وعن هشام بن عروة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام 

ويجامعها في المعنى ما صح من قوله عليه الصلاة والسلام : من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين . الحديث . 

فإن الإيواء يجامع التوقير ، ووجه ذلك ظاهر لأن المشي إليه والتوقير له تعظيم له لأجل بدعته ، وقد علمنا أن الشرع يأمر بزجره وإهانته وإذلاله بما هو أشد من هذا ، كالضرب والقتل ، فصار توقيره صدودا عن العمل بشرع الإسلام ، وإقبالا على ما يضاده وينافيه ، والإسلام لا ينهدم إلا بترك العمل به ، والعمل بما ينافيه . 

وأيضا فإن توقير صاحب البدعة مظنة لمفسدتين تعودان على ص: 152 ] الإسلام بالهدم : 

إحداهما : التفات الجهال والعامة إلى ذلك التوقير ، فيعتقدون في المبتدع أنه أفضل الناس ، وأن ما هو عليه خير مما عليه غيره ، فيؤدي ذلك إلى اتباعه على بدعته; دون اتباع أهل السنة على سنتهم . 

والثانية : أنه إذا وقر من أجل بدعته; صار ذلك كالحادي المحرض له على إنشاء الابتداع في كل شيء . 

وعلى كل حال ، فتحيا البدع ، وتموت السنن ، وهو هدم الإسلام بعينه . 

وعلى ذلك دل حديث معاذ : " فيوشك قائل أن يقول : ما لهم لا يتبعوني وقد قرأت القرآن ؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره ، وإياكم وما ابتدع ، فإن ما ابتدع ضلالة " . 

فهو يقتضي أن السنن تموت إذا أحييت البدع ، وإذا ماتت [ السنن ] ; انهدم الإسلام . 

وعلى ذلك دل النقل عن السلف; زيادة إلى صحة الاعتبار ، لأن الباطل إذا عمل به لزم ترك العمل بالحق كما في العكس ، لأن المحل الواحد لا يشتغل إلا بأحد الضدين . 

وأيضا; فمن السنة الثابتة ترك البدع ، فمن عمل ببدعة واحدة; فقد ترك تلك السنة . 

فمما جاء من ذلك ما تقدم ذكره عن حذيفة رضي الله عنه : " أنه أخذ ص: 153 ] حجرين فوضع أحدهما على الآخر ثم قال لأصحابه : هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور ؟ قالوا : يا أبا عبد الله ما نرى بينهما إلا قليلا ، قال : والذي نفسي بيده لتظهرن البدع حتى لا يرى من الحق إلا قدر ما بين هذين الحجرين من النور ، والله لتفشون البدع حتى إذا ترك منها شيء ، قالوا : تركت السنة " . 

وله آخر قد تقدم . 

وعن أبي إدريس الخولاني أنه كان يقول : " ما أحدثت أمة في دينها بدعة; إلا رفع الله بها عنهم سنة " 

وعن حسان بن عطية; قال : " ما أحدث قوم بدعة في دينهم; إلا نزع الله من سنتهم مثلها ، ثم لم يعدها إليهم إلى يوم القيامة 

وعن بعض السلف يرفعه : لا يحدث رجل في الإسلام بدعة; إلا ترك من السنة ما هو خير منها 

وعن ابن عباس رضي الله عنه; قال : " ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة ، وأماتوا فيه سنة ، حتى تحيا البدع ، وتموت السنن                                                                                                                                                                




وأما أن صاحبها ملعون على لسان الشريعة 

فلقوله عليه الصلاة والسلام : من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين 

وعد من الإحداث : الاستنان بسنة سوء لم تكن . 

وهذه اللعنة قد اشترك فيها صاحب البدعة مع من كفر بعد إيمانه وقد ص: 154 ] شهد أن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حق لا شك فيها ، وجاءه الهدى من الله والبيان الشافي ، وذلك قول الله تعالى : ( كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق إلى قوله : ( أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إلى آخرها . 

واشترك أيضا مع من كتم ما أنزل الله وبينه في كتابه ، وذلك قوله تعالى : ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلى آخرها . 

فتأملوا المعنى الذي اشترك المبتدع فيه مع هاتين الفرقتين ، وذلك مضادة الشارع فيما شرع; لأن الله تعالى أنزل الكتاب وشرع الشرائع ، وبين الطريق للسالكين على غاية ما يمكن من البيان ، فضادها الكافر بأن جحدها جحدا ، وضادها كاتمها بنفس الكتمان ، لأن الشارع يبين ويظهر وهذا يكتم ويخفي ، وضادها المبتدع بأن وضع الوسيلة لترك ما بين وإخفاء ما أظهر ، لأن من شأنه أن يدخل الإشكال في الواضحات ، من أجل اتباع المتشابهات ، لأن الواضحات تهدم له ما بنى عليه من المتشابهات ، فهو آخذ في إدخال الإشكال على الواضح ، حتى يرتكب ما جاءت اللعنة في الابتداع به من الله والملائكة والناس أجمعين . 

قال أبو مصعب صاحب مالك : " قدم علينا ابن مهدي يعني : المدينة فصلى ووضع رداءه بين يدي الصف ، فلما سلم الإمام; رمقه الناس بأبصارهم ورمقوا مالكا ، وكان قد صلى خلف الإمام ، فلما سلم; ص: 155 ] قال : من هاهنا من الحرس ؟ فجاءه نفسان ، فقال : خذا صاحب هذا الثوب ، فاحبساه ، فحبس ، فقيل له : إنه ابن مهدي; فوجه إليه ، وقال له : أما خفت الله واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف ، وشغلت المصلين بالنظر إليه ، وأحدثت في مسجدنا شيئا ما كنا نعرفه ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : من أحدث في مسجدنا حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ؟ ! فبكى ابن مهدي ، وآلى على نفسه أن لا يفعل ذلك أبدا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في غيره " . 

وهذا غاية في التوقي والتحفظ في ترك إحداث ما لم يكن; خوفا من تلك اللعنة ، فما ظنك بما سوى وضع الثوب ؟ ! 

وتقدم حديث الطحاوي : " ستة ألعنهم ، لعنهم الله ، فذكر فيهم التارك لسنته عليه الصلاة والسلام أخذا بالبدعة .                                                                                                                                                                               وأما أنه يزداد من الله بعدا 

فلما روي عن الحسن أنه قال : " صاحب البدعة; ما يزداد من الله اجتهادا صياما وصلاة ، إلا ازداد من الله بعدا " 

وعن أيوب السختياني قال : " ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا ، إلا ازداد من الله بعدا " 

ويصحح هذا النقل ما أشار إليه الحديث الصحيح في قوله عليه الصلاة والسلام في الخوارج يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقرون ص: 156 ]صلاتكم مع صلاتهم ، وصيامكم مع صيامهم إلى أن قال : " يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية 

فبين أولا اجتهادهم ، ثم بين آخرا بعدهم من الله تعالى . 

وهو بين أيضا من جهة أنه لا يقبل منه صرف ولا عدل كما تقدم ، فكل عمل يعمله على البدعة ، فكما لو لم يعمله . 

ويزيد على تارك العمل بالعناد الذي تضمنه ابتداعه ، والفساد الداخل على الناس به في أصل الشريعة وفي فروع الأعمال والاعتقادات ، وهو يظن مع ذلك أن بدعته تقربه من الله وتوصله إلى الجنة . 

وقد ثبت بالنقل ( الصحيح الصريح ) بأنه لا يقرب إلى الله إلا العمل بما شرع ، وعلى الوجه الذي شرع وهو تاركه ، وأن البدع تحبط الأعمال وهو ينتحلها                                                                                                                                   أما أن البدع مظنة إلقاء العداوة والبغضاء بين أهل الإسلام 
فلأنها تقتضي التفرق شيعا ، وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم; حسبما تقدم في قوله تعالى : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ) . 
وقوله : ( ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) . 
ص: 157 ] وقوله : ( ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) . 
وقوله : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) . 
وما أشبه ذلك من الآيات في هذا المعنى . 
وقد بين عليه الصلاة والسلام أن فساد ذات البين هي الحالقة ، وأنها تحلق الدين ، وجميع هذه الشواهد تدل على وقوع الافتراق والعداوة عند وقوع الابتداع . 
وأول شاهد عليه في الواقع قصة الخوارج ، إذ عادوا أهل الإسلام حتى صاروا يقتلونهم ويدعون الكفار; كما أخبر عنه [ الحديث ] الصحيح . 
ثم يليهم كل من كان له صولة منهم بقرب الملوك; فإنهم تناولوا أهل السنة بكل نكال وعذاب وقتل أيضا ، حسبما بينه جميع أهل الأخبار . 
ثم يليهم كل من ابتدع بدعة ، فإن من شأنهم أن يثبطوا الناس عن اتباع الشريعة ، ويذمونهم ، ويزعمون أنهم الأرجاس الأنجاس المكبين على الدنيا ، ويضعون عليهم شواهد الآيات في ذم الدنيا وذم المكبين عليها : 
ص: 158 ] كما يروى عن عمرو بن عبيد أنه قال : " لو شهد عندي علي وعثمان وطلحة والزبير على شراك نعل; ما أجزت شهادتهم " 
وعن معاذ بن معاذ; قال : قلت لعمرو بن عبيد كيف حدث الحسن عن عثمان أنه ورث امرأة عبد الرحمن بعد انقضاء عدتها ؟ فقال : " إن فعل عثمانلم يكن سنة " 
وقيل له : كيف حدث الحسن عن سمرة في السكتتين ؟ فقال : " ما تصنع بسمرة ؟ ! قبح الله سمرة اهـ . 
بل قبح الله عمرو بن عبيد 
وسئل يوما عن شيء ؟ فأجاب فيه . قال الراوي : قلت : ليس هكذا يقول أصحابنا . قال : " ومن أصحابك لا أبا لك ؟ " ، قلت : أيوب ، ويونس ، وابن عون ، والتيمي قال : " أولئك أنجاس أرجاس ، أموات غير أحياء " . 
فهكذا أهل الضلال يسبون السلف الصالح; لعل بضاعتهم تنفق ، ( ويأبى الله إلا أن يتم نوره ) . 
وأصل هذا الفساد من قبل الخوارج ، فهم أول من لعن السلف الصالح ، وتكفير الصحابة رضي الله عن الصحابة ، ومثل هذا كله يورث العداوة والبغضاء . 

وأيضا; فإن فرقة النجاة وهم أهل السنة مأمورون بعداوة أهل البدع ، والتشريد بهم ، والتنكيل بمن انحاش إلى جهتهم بالقتل فما دونه ، ص: 159 ]وقد حذر العلماء من مصاحبتهم ومجالستهم حسبما تقدم ، وذلك مظنة إلقاء العداوة والبغضاء ، لكن الدرك فيها على من تسبب في الخروج عن الجماعة بما أحدثه من اتباع غير سبيل المؤمنين ، لا على التعادي مطلقا . كيف ونحن مأمورون بمعاداتهم وهم مأمورون بموالاتنا والرجوع إلى الجماعة ؟                                                                                                                            وأما أنها مانعة من شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم 
فلما روي : أنه عليه السلام قال : حلت شفاعتي لأمتي; إلا صاحب بدعة 
ويشير إلى صحة المعنى فيه ما في الصحيح; قال : أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ، وأنه سيؤتى برجال من أمتي ، فيؤخذ بهم ذات الشمال إلى قوله : فيقال : لم يزالوا مرتدين على أعقابهم . الحديث ، وقد تقدم . 
ففيه أنه لم يذكر لهم شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما قال : فأقول لهم : سحقا; كما قال العبد الصالح 
ويظهر من أول الحديث أن ذلك الارتداد لم يكن ارتداد كفر; لقوله : ص: 160 ] وإنه سيؤتى برجال من أمتي ، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لما نسبوا إلى أمته ، ولأنه عليه السلام أتى بالآية ، وفيها : ( وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ، ولو علم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم خارجون عن الإسلام جملة ، لما ذكرها ، لأن من مات على الكفر لا غفران له ألبتة ، وإنما يرجى الغفران لمن لم يخرجه عمله عن الإسلام; لقول الله تعالى : (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) . 
ومثل هذا الحديث حديث ( الموطأ ) لقوله فيه : فأقول فسحقا فسحقا 


فقد تقدم الاستشهاد عليه في أن الموقر لصاحبها معين على هدم الإسلام .                                                   وأما أن على مبتدعها إثم من عمل بها إلى يوم القيامة : 
فلقوله تعالى : ( ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ) . 
ولما في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام : من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها الحديث . 
ص: 161 ] وإلى ذلك أشار الحديث الآخر : ما من نفس تقتل ظلما; إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها ، لأنه أول من سن القتل 
وهذا التعليل يشعر بمقتضى الحديث قبله ، إذ علل تعليق الإثم على ابن آدم لكونه أول من سن القتل ، فدل على أن من سن ما لا يرضاه الله ورسوله ، فهو مثله ، إذ لم يتعلق الإثم بمن سن القتل; لكونه قتلا دون غيره ، بل لكونه سن سنة سوء وجعلها طريقا مسلوكة . 
ومثل هذا ما جاء في معناه مما تقدم أو يأتي كقوله : ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله; كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا 
وغير ذلك من الأحاديث . 
فليتق الله امرؤ ربه ، ولينظر قبل الإحداث في أي مزلة يضع قدمه في مصون أمره ، [ أم ] يثق بعقله في التشريع ، ويتهم ربه فيما شرع ! ولا يدري المسكين ما الذي يوضع له في ميزان سيئاته ، مما ليس في حسابه ، ولا شعر أنه من عمله . 
فما من بدعة يبتدعها أحد فيعمل بها من بعده ، إلا كتب عليه إثم ذلك العامل ، زيادة إلى إثم ابتداعه أولا ، ثم عمله ثانيا . 
وإذا ثبت أن كل بدعة تبتدع ، فلا تزداد على طول الزمان إلا مضيا ص: 162 ] حسبما تقدم واشتهارا وانتشارا ، فعلى وزن ذلك يكون إثم المبتدع لها ، كما أن من سن سنة حسنة; كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة . 
وأيضا ، فإذا كانت كل بدعة يلزمها إماتة سنة تقابلها; كان على المبتدع إثم ذلك أيضا ، فهو إثم زائد على إثم الابتداع ، وذلك الإثم يتضاعف تضاعف إثم البدعة بالعمل بها ، لأنها كلما تجددت في قول أو عمل; تجددت في قول إماتة السنة كذلك . 

واعتبروا ذلك ببدعة الخوارج ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عرفنا بأنهم : يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية . . . . . الحديث إلى آخره ، ففيه بيان أنهم لم يبق لهم من الدين إلا ما إذا نظر فيه الناظر; شك فيه وتمارى : هل هو موجود فيهم أم لا ؟ وإنما سببه الابتداع في دين الله ، وهو الذي دل عليه قوله : يقتلون أهل الإسلام ، ويدعون أهل الأوثان ، وقوله : يقرءون القرآن لا يتجاوز تراقيهم فهذه بدع ثلاث ، إعاذة بالله من ذلك بفضله . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق