الجمعة، 24 أبريل 2015

الرد على الا شعرية الفلاسفة=لا خفاء أن البدع من حيث تصورها يعلم العاقل ذمها ، لأن اتباعها خروج عن الصراط المستقيم ورمي في عماية . 

وبيان ذلك : من جهة النظر ، والنقل الشرعي العام . 

أما النظر فمن وجوه : 

أحدهما : أنه قد علم بالتجارب والخبرة السارية في العالم من أول الدنيا إلى اليوم أن العقول غير مستقلة بمصالحها ، استجلابا لها ، أو مفاسدها ، استدفاعا لها . لأنها إما دنيوية أو أخروية . 

فأما الدنيوية; فلا يستقل باستدراكها على التفصيل ألبتة ، لا في ابتداء وضعها أولا ، ولا في استدراك ما عسى أن يعرض في طريقها ، إما في السوابق ، وإما في اللواحق ، لأن وضعها أولا لم يكن إلا بتعليم الله تعالى; لأن آدم عليه السلام لما أنزل إلى الأرض علم كيف يستجلب مصالح دنياه ، إذ لم يكن ذلك من معلومه أولا ، إلا على قول من قال : إن ذلك داخل تحت مقتضى قول الله تعالى : ( وعلم آدم الأسماء كلها ، وعند ذلك يكون تعليما غير عقلي ، ثم توارثته ذريته كذلك في الجملة ، لكن ص: 62 ] فرعت العقول من أصولها تفريعا تتوهم استقلالها به ، ودخل في الأصول الدواخل حسبما أظهرت ذلك أزمنة الفترات ، إذ لم تجر مصالح الفترات على استقامة; لوجود الفتن والهرج ، وظهور أوجه الفساد . 

فلولا أن من الله على الخلق ببعثة الأنبياء ، لم تستقم لهم حياة ، ولا جرت أحوالهم على كمال مصالحهم ، وهذا معلوم بالنظر في أخبار الأولين والآخرين . 

وأما المصالح الأخروية ، فأبعد عن مصالح المعقول من جهة وضع أسبابها ، وهي العبادات مثلا; فإن العقل لا يشعر بها على الجملة ، فضلا عن العلم بها على التفصيل . 

ومن جهة تصور الدار الأخرى وكونها آتية ، فلا بد وأنها دار جزاء على الأعمال; فإن الذي يدرك العقل من ذلك مجرد الإمكان أن يشعر بها . 

ولا يغترن ذو الحجى بأحوال الفلاسفة المدعين لإدراك الأحوال الأخروية بمجرد العقل قبل النظر في الشرع ، فإن دعواهم بألسنتهم في المسألة بخلاف ما عليه الأمر في نفسه ، لأن الشرائع لم تزل واردة على بني آدم من جهة الرسل ، والأنبياء أيضا لم يزالوا موجودين في العالم وهم أكثر ، وكل ذلك من لدن آدم عليه السلام إلى أن انتهت بهذه الشريعة المحمدية . 

غير أن الشريعة كانت إذا أخذت في الدروس; بعث الله نبيا من أنبيائه يبين للناس ما خلقوا لأجله ، وهو التعبد لله ، فلا بد أن يبقى من الشريعة المفروضة ، ما بين زمان أخذها في الاندراس وبين إنزال الشريعة ص: 63 ] بعدها بعض الأصول المعلومة . 

فأتى الفلاسفة إلى تلك الأصول ، فتلقفوها أو تلقفوا منها ، فأرادوا أن يخرجوه على مقتضى عقولهم ، وجعلوا ذلك عقليا لا شرعيا . 

وليس الأمر كما زعموا ، فالعقل غير مستقل ألبتة ، ولا ينبني على غير أصل ، وإنما ينبني على أصل متقدم مسلم على الإطلاق ، ولا يمكن في أحوال الآخرة قبلهم أصل مسلم إلا من طريق الوحي ، ولهذا المعنى بسط سيأتي إن شاء الله . 

فعلى الجملة : العقول لا تستقل بإدراك مصالحها دون الوحي ، فالابتداع مضاد لهذا الأصل ، لأنه ليس له مستند شرعي بالفرض ، فلا يبقى إلا ما ادعوه من العقل . 

فالمبتدع ليس على ثقة من بدعته أن ينال بسبب العمل بها ما رام تحصيله من جهتها ، فصارت كالعبث . 

هذا إن قلنا : إن الشرائع جاءت لمصالح العباد . 

وأما على القول الآخر; فأحرى أن لا يكون صاحب البدعة على ثقة منها; لأنها إذ ذاك مجرد تعبد وإلزام من جهة الآمر للمأمور ، والعقل بمعزل عن هذه الخطة حسبما تبين في علم الأصول . 

وناهيك من نحلة ينتحلها صاحبها في أرفع مطالبة لا ثقة بها ، ويلقي من يده ما هو على ثقة منه . 

والثاني : أن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان : 

ص: 64 ] لأن الله تعالى قال فيها : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) . 

وفي حديث العرباض بن سارية وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها الأعين ووجلت منها القلوب ، فقلنا : يا رسول الله ! إن هذه موعظة مودع ، فما تعهد إلينا ؟ 

قال : تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها ، ولا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ، ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الراشدين من بعدي 
الحديث . 

وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى أتى ببيان جميع ما يحتاج إليه في أمر الدين والدنيا ، وهذا لا مخالف عليه من أهل السنة 

فإذا كان كذلك ، فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله : إن الشريعة لم تتم ، وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها; لأنه لو كان معتقدا لكمالها وتمامها من كل وجه; لم يبتدع ، ولا استدرك عليها ، وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم . 

قال ابن الماجشون سمعت مالكا يقول : " من ابتدع في الإسلام ص: 65 ] بدعة يراها حسنة ، زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة ، لأن الله يقول : ( اليوم أكملت لكم دينكم ، فما لم يكن يومئذ دينا ، فلا يكون اليوم دينا . 

والثالث : أن المبتدع معاند للشرع ، ومشاق له; لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقا خاصة على وجوه خاصة ، وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد ، وأخبر أن الخير فيها ، وأن الشر في تعديها إلى غير ذلك ، لأن الله يعلم ونحن لا نعلم ، وأنه إنما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين . فالمبتدع راد لهذا كله ، فإنه يزعم أن ثم طرقا أخر ، ليس ما حصره الشارع بمحصور ، ولا ما عينه بمتعين ، كأن الشارع يعلم ونحن أيضا نعلم ، بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع ، أنه علم ما لم يعلمه الشارع ، وهذا إن كان مقصودا للمبتدع; فهو كفر بالشريعة والشارع ، وإن كان غير مقصود; فهو ضلال مبين . 

وإلى هذا المعنى أشار عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، إذ كتب له عدي بن أرطأة يستشيره في بعض القدرية ؟ فكتب إليه : 

أما بعد; فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره ، واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وترك ما أحدث المحدثون فيما قد جرت سنته وكفوا مؤنته . 

فعليك بلزوم السنة ; فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق . 

فارض لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم; فإنهم على علم وقفوا ، ص: 66 ] وببصر نافذ قد كفوا وهم كانوا على كشف الأمور أقوى ، وبفضل كانوا فيه أحرى . فلئن قلتم : أمر حدث بعدهم ، ما أحدثه بعدهم إلا من اتبع غير سننهم ، ورغب بنفسه عنهم ، إنهم لهم السابقون ، فقد تكلموا منه بما يكفي ، ووصفوا منه ما يشفي ، فما دونهم مقصر ، وما فوقهم محسر ، لقد قصر عنهم آخرون [ فجفوا ، وطمح عنهم ] فغلوا وأنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم 

ثم ختم الكتاب بحكم مسألته . 

فقوله : " فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها " ; فهو مقصود الاستشهاد . 

والرابع : أن المبتدع قد نزل نفسه منزلة المضاهي للشارع لأن الشارع وضع الشرائع ، وألزم الخلق الجري على سننها ، وصار هو المنفرد بذلك ، لأنه حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون ، وإلا فلو كان التشريع من مدركات الخلق لم تنزل الشرائع ، ولم يبق الخلاف بين الناس ، ولا احتيج إلى بعث الرسل عليهم السلام . 

فـ ] هذا الذي ابتدع في دين الله قد صير نفسه نظيرا ومضاهيا للشارع ، حيث شرع مع الشارع ، وفتح للاختلاف بابا ، ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع ، وكفى بذلك . 

ص: 67 ] والخامس : أنه اتباع للهوى; لأن العقل إذا لم يكن متبعا للشرع ، لم يبق له إلا الهوى والشهوة ، وأنت تعلم ما في اتباع الهوى وأنه ضلال مبين . 

ألا ترى قول الله تعالى : ( ياداود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ) . 

فحصر الحكم في أمرين لا ثالث لهما عنده ، وهو الحق والهوى ، وعزل العقل مجردا إذ لا يمكن في العادة إلا ذلك . 

وقال : ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه ، فجعل الأمر محصورا بين أمرين : اتباع الذكر ، واتباع الهوى . 

وقال : ( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ) . وهي مثل ما قبلها . 

وتأملوا هذه الآية; فإنها صريحة في أن من لم يتبع هدى الله في هوى نفسه ، فلا أحد أضل منه . وهذا شأن المبتدع ، فإنه اتبع هواه بغير هدى من الله . وهدى الله هو القرآن . 

وما بينته الشريعة وبينته الآية أن اتباع الهوى على ضربين : 

أحدهما : أن يكون تابعا للأمر والنهي ، فليس بمذموم ولا صاحبه ص: 68 ] بضال ، كيف وقد قدم الهدى فاستنار به في طريق هواه ؟ وهو شأن المؤمن التقي . 

والآخر : أن يكون هواه هو المقدم بالقصد الأول ، كان الأمر والنهي تابعين بالسنة إليه أو غير تابعين وهو المذموم . 

والمبتدع قدم هوى نفسه على هدى ربه ، فكان أضل الناس ، وهو يظن أنه على هدى . 

وقد انجر هنا معنى يتأكد التنبيه عليه ، وهو أن الآية المذكورة عينت للاتباع في الأحكام الشرعية طريقين : 

أحدهما : الشريعة ، ولا مرية في أنها علم وحق وهدى . 

والآخر : الهوى ، وهو المذموم; لأنه لم يذكر في القرآن إلا في مساق الذم . 

ولم يجعل ثم طريقا ثالثا ، ومن تتبع الآيات; ألفى ذلك كذلك . 

ثم العلم الذي أحيل عليه والحق الذي حمد إنما هو القرآن وما نزل من عند الله : 

كقوله تعالى : ( قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ) . 

وقال بعد ذلك : ( أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم ص: 69 ] وقال : ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين ) . وهذا كله لاتباع أهوائهم في التشريع بغير هدى من الله . 
وقال : ( ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ، وهو اتباع الهوى في التشريع ، إذ حقيقته افتراء على الله . وقال : ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أي لا يهديه دون الله شيء . وذلك بالشرع لا بغيره ، وهو الهدى . 
وإذا ثبت هذا ، وأن الأمر دائر بين الشرع والهوى ، تزلزلت قاعدة حكم العقل المجرد ، فكأنه ليس للعقل في هذا الميدان مجال إلا من تحت نظر الهوى ، فهو إذا اتباع الهوى بعينه في تشريع الأحكام . 
ودع النظر العقلي في المعقولات المحضة ، فلا كلام فيه هنا ، وإن كان أهله قد زلوا أيضا بالابتداع; فإنما زلوا من حيث ورود الخطاب ومن حيث التشريع . 
ولذلك عذر الجميع قبل إرسال الرسل ، أعني : في خطئهم في التشريعات والعقليات ، حتى جاءت الرسل ، فلم يبق لأحد حجة يستقيم ص: 70 ]إليها ( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) ( فلله الحجة البالغة 
فهذه قاعدة ينبغي أن تكون من بال الناظر في هذا المقام ، وإن كانت أصولية ، فهذه نكتتها مستنبطة من كتاب الله ، انتهى .                                                                                                                                                                                                         
أحدهما : ما جاء في القرآن الكريم مما يدل على ذم من ابتدع في دين الله في الجملة : 
فمن ذلك قول الله تعالى : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ) . 
فهذه الآية أعظم الشواهد ، وقد جاء في الحديث تفسيرها : 
فصح من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ؟ قال : فإذا رأيتهم فاعرفيهم 
وصح عنها أنها قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب إلى آخر الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ص: 71 ] إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله; فاحذروهم 
وهذا التفسير مبهم . 
ولكنه جاء في رواية عن عائشة أيضا ، قالت : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات الآية قال : فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه ، فهم الذين عنى الله ، فاحذروهم 
وهذا أبين ، لأنه جعل علامة الزيغ الجدال في القرآن ، وهذا الجدال مقيد باتباع المتشابه . 
فإذا ، الذم إنما لحق من جادل فيه بترك المحكم - وهو أم الكتاب ومعظمه ، والتمسك بمتشابهه . 
ولكنه بعد مفتقر إلى تفسير أظهر . 
فجاء عن أبي غالب واسمه حزور قال : كنت بالشام ، فبعث المهلب سبعين رأسا من الخوارج ، فنصبوا على درج دمشق ، فكنت على ظهر بيت لي فمر أبو أمامة فنزلت فاتبعته ، فلما وقف عليهم دمعت عيناه وقال : سبحان الله ! ما يصنع السلطان ببني آدم ! قالها ثلاثا كلاب جهنم ، كلاب جهنم ، شر قتلى تحت ظل السماء ثلاث مرات ، ص: 72 ] خير قتلى من قتلوه ، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه . 

ثم التفت إلي ، فقال : أبا غالب إنك بأرض هم بها كثير ، فأعاذك الله منهم . 

قلت : رأيتك بكيت حين رأيتهم . 

قال : بكيت رحمة حين رأيتهم كانوا من أهل الإسلام ، هل تقرأ سورة آل عمران ؟ قلت : نعم . 

فقرأ : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب حتى بلغ : ( وما يعلم تأويله إلا الله وإن هؤلاء كان في قلوبهم زيغ ، فزيغ بهم . 

ثم قرأ : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات إلى قوله ( ففي رحمة الله هم فيها خالدون ) . 

قلت : هم هؤلاء يا أبا أمامة ؟ 

قال : نعم . 

قلت : من قبلك تقول أو شيء سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ 

قال : إني إذا لجريء ، بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا مرة ، ولا مرتين حتى عد سبعا . 

ص: 73 ] ثم قال : إن بني إسرائيل تفرقوا على إحدى وسبعين فرقة ، وإن هذه الأمة تزيد عليها فرقة ، كلها في النار; إلا السواد الأعظم . 

قلت : يا أبا أمامة ألا ترى ما فعلوا ؟ 

قال : ( عليه ما حمل وعليكم ما حملتم الآية 

ثم التفت إلي ، فقال : أبا غالب إنك بأرض هم بها كثير ، فأعاذك الله منهم . 
قلت : رأيتك بكيت حين رأيتهم . 
قال : بكيت رحمة حين رأيتهم كانوا من أهل الإسلام ، هل تقرأ سورة آل عمران ؟ قلت : نعم . 
فقرأ : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب حتى بلغ : ( وما يعلم تأويله إلا الله وإن هؤلاء كان في قلوبهم زيغ ، فزيغ بهم . 
ثم قرأ : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات إلى قوله ( ففي رحمة الله هم فيها خالدون ) . 
قلت : هم هؤلاء يا أبا أمامة ؟ 
قال : نعم . 
قلت : من قبلك تقول أو شيء سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ 
قال : إني إذا لجريء ، بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا مرة ، ولا مرتين حتى عد سبعا . 
ص: 73 ] ثم قال : إن بني إسرائيل تفرقوا على إحدى وسبعين فرقة ، وإن هذه الأمة تزيد عليها فرقة ، كلها في النار; إلا السواد الأعظم . 
قلت : يا أبا أمامة ألا ترى ما فعلوا ؟ 
قال : ( عليه ما حمل وعليكم ما حملتم الآية 
خرجه إسماعيل القاضي وغيره . 
وفي رواية; قال : قال : ألا ترى ما فيه السواد الأعظم وذلك في أول خلافة عبد الملك والقتل يومئذ ظاهر ؟ قال : ( عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ) . 
وخرجه الترمذي مختصرا ، وقال فيه : " حديث حسن " . 
وخرجه الطحاوي أيضا باختلاف في بعض الألفاظ وفيه : " فقيل له : يا أبا أمامة تقول لهم هذا القول ثم تبكي يعني قوله : شر قتلى إلى آخره ؟ ! قال : رحمة لهم; إنهم كانوا من أهل الإسلام ، فخرجوا منه ، ثم تلا : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب حتى ختمها ، ثم قال : هم هؤلاء ، ثم تلا هذه الآية : (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه حتى ختمها . ثم قال : هم هؤلاء . 
وذكر الآجري عن طاوس قال : " ذكر لابن عباس الخوارج وما ص: 74 ] يصيبهم عند قراءة القرآن ، فقال : يؤمنون بمحكمه ، ويضلون عند متشابهه . وقرأ : ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به 
فقد ظهر بهذا التفسير أنهم أهل البدع; لأن أبا أمامة رضي الله عنه جعل الخوارج داخلين في عموم الآية ، وأنها تتنزل عليهم ، وهم من أهل البدع عند العلماء : إما على أنهم خرجوا ببدعتهم عن أهل الإسلام ، وإما على أنهم من أهل الإسلام لم يخرجوا عنهم; على اختلاف العلماء فيهم . وجعل هذه الطائفة ممن في قلوبهم زيغ فزيغ بهم ، وهذا الوصف موجود في أهل البدع كلهم . 
مع أن لفظ الآية عام فيهم وفي غيرهم ممن كان على صفاتهم ، ألا ترى أن صدر هذه السورة إنما نزل في نصارى نجران ومناظرتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم في اعتقادهم في عيسى عليه السلام ، حيث تأولوا عليه أنه الإله أو أنه ابن الله أو أنه ثالث ثلاثة ، بأوجه متشابهة ، وتركوا ما هو الواضح في عبوديته حسبما نقله أهل السير ؟ ! 
ثم تأوله العلماء من السلف الصالح على قضايا دخل أصحابها تحت حكم اللفظ; كالخوارج فهي ظاهرة في العموم . 
ثم تلا أبو أمامة الآية الأخرى ، وهي قوله سبحانه : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات إلى قوله : ( ففي رحمة الله هم فيها خالدون ، وفسرها بمعنى ما فسر به الآية الأخرى ، ص: 75 ] فهي الوعيد والتهديد لمن تلك صفته ، ونهى المؤمنين أن يكونوا مثلهم . 
ونقل عبيد عن حميد بن مهران قال : سألت الحسن كيف يصنع أهل هذه الأهواء الخبيثة بهذه الآية في آل عمران : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات قال : نبذوها ورب الكعبة وراء ظهورهم 
وعن أبي أمامة أيضا قال : هم الحرورية 
وقال ابن وهب سمعت مالكا يقول : ما آية في كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية : ( يوم تبيض وجوه إلى قوله : ( بما كنتم تكفرون قال مالك فأي كلام أبين من هذا ؟ ! فرأيته يتأولها لأهل الأهواء . 
ورواه ابن القاسم ، وزاد : قال لي مالك إنما هذه الآية لأهل القبلة . 
وما ذكره في الآية قد نقل عن غير واحد; كالذي تقدم للحسن 
وعن قتادة في قوله تعالى : ( كالذين تفرقوا واختلفوا يعني أهل البدع 
وعن ابن عباس في قوله : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه قال : " تبيض وجوه أهل السنة ، وتسود وجوه أهل البدعة 
ومن الآيات قوله تعالى : ص: 76 ] وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) . 
فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه ، وهو السنة ، والسبل هي سبل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم ، وهم أهل البدع ، وليس المراد سبل المعاصي; لأن المعاصي من حيث هي معاص لم يضعها أحد طريقا تسلك دائما على مضاهاة التشريع ، وإنما هذا الوصف خاص بالبدع المحدثات . 
ويدل على هذا ما روى إسماعيل عن سليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله قال : 
خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا طويلا ، وخط لنا سليمان خطا طويلا ، وخط عن يمينه وعن يساره ، فقال : هذا سبيل الله ثم خط لنا خطوطا عن يمينه ويساره وقال : هذه سبل وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم تلا هذه الآية : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل يعني الخطوط ( فتفرق بكم عن سبيله 
قال بكر بن العلاء : " أحسبه أراد شيطانا من الإنس ، وهي البدع ، والله أعلم " . 
وعن عمر بن سلمة الهمداني قال : " كنا جلوسا في حلقة ص: 77 ] ابن مسعود في المسجد وهو بطحاء قبل أن يحصب ، فقال له عبيد الله بن عمر بن الخطاب ، وكان أتى غازيا : ما الصراط المستقيم يا أبا عبد الرحمن ؟ قال : هو ورب الكعبة الذي ثبت عليه أبوك حتى دخل الجنة . 
ثم حلف على ذلك ثلاث أيمان ولاء ، ثم خط في البطحاء خطا بيده ، وخط بجنبيه خطوطا ، وقال : ترككم نبيكم صلى الله عليه وسلم على طرفه ، وطرفه الآخر في الجنة ، فمن ثبت عليه ، دخل الجنة ، ومن أخذ في هذه الخطوط هلك 
وفي رواية : " يا أبا عبد الرحمن ما الصراط المستقيم ؟ قال : تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أدناه ، وطرفه في الجنة ، وعن يمينه جواد وعن يساره جواد ، وعليها رجال يدعون من مر بهم : هلم لك ! هلم لك ! فمن أخذ منهم في تلك الطرق; انتهت به إلى النار ، ومن استقام إلى الطريق الأعظم; انتهى به إلى الجنة ، ثم تلا ابن مسعود : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه الآية كلها 
وعن مجاهد في قوله : ( ولا تتبعوا السبل ، قال : البدع والشبهات . 
وعن عبد الرحمن بن مهدي : " قد سئل مالك بن أنس عن السنة ؟ قال : هي ما لا اسم له غير السنة ، وتلا : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله 
قال بكر بن العلاء يريد إن شاء الله حديث ابن مسعود أن النبي ص: 78 ] صلى الله عليه وسلم خط له خطا ، وذكر الحديث . 
فهذا التفسير يدل على شمول الآية لجميع طرق البدع ، لا تختص ببدعة دون أخرى . 
ومن الآيات قول الله تعالى : ( وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين ) . 
فالسبيل القصد هو طريق الحق ، وما سواه جائر عن الحق; أي : عادل عنه ، وهي طرق البدع والضلالات ، أعاذنا الله من سلوكها بفضله ، وكفى بالجائر أن يحذر منه ، فالمساق يدل على التحذير والنهي . 
وذكر ابن وضاح قال : " سئل عاصم بن بهدلة ، وقيل له : أبا بكر ، هل رأيت قول الله تعالى : ( وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين ؟ قال : حدثنا أبو وائل عن عبد الله بن مسعود قال : خط عبد الله خطا مستقيما ، و خط خطوطا عن يمينه وخطوطا عن شماله ، فقال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا ، فقال للخط المستقيم : هذا سبيل الله ، وللخطوط التي عن يمينه وشماله : هذه سبل متفرقة ، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ; والسبيل مشتركة; قال الله تعالى : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه إلى آخرها 
عن التستري : ( قصد السبيل ) : طريق السنة ، ( ومنها جائر ) ;يعني : إلى النار ، وذلك الملل والبدع " 
وعن مجاهد : ( قصد السبيل ) ; أي المقتصد منها بين الغلو ص: 79 ] والتقصير ، وذلك يفيد أن الجائر هو الغالي أو المقصر ، وكلاهما من أوصاف البدع 
وعن علي رضي الله عنه أنه كان يقرؤها : " فمنكم جائر " ; قالوا : يعني هذه الأمة ، فكأن هذه الآية مع الآية قبلها يتواردان على معنى واحد . 
ومنها قوله تعالى : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ) . 
هذه الآية قد جاء تفسيرها في الحديث من طريق عائشة رضي الله عنها ، قالت : 
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا من هم ؟ 
قلت : الله ورسوله أعلم . 
قال : " هم أصحاب الأهواء ، وأصحاب البدع ، وأصحاب الضلالة; من هذه الأمة ، يا عائشة إن لكل ذنب توبة ، ما خلا أصحاب الأهواء والبدع ، ليس لهم توبة ، وأنا بريء منهم وهم مني برآء . ؟ . 
قال ابن عطية : " هذه الآية تعم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في ص: 80 ] الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدال والخوض في الكلام ، هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد . 
ويريد والله أعلم بأهل التعمق في الفروع ما ذكره أبو عمر بن عبد البر في فصل ذم الرأي من " كتاب العلم " له ، وسيأتي ذكره بحول الله . 
وحكى ابن بطال في شرح البخاري عن أبي حنيفة أنه قال : لقيت عطاء بن أبي رباح بمكة ، فسألته عن شيء ؟ فقال : من أين أنت ؟ قلت : من أهلالكوفة ، قال : أنت من أهل القرية الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ؟ قلت : نعم ، قال : من أي الأصناف أنت ؟ ، قلت : ممن لا يسب السلف ، ويؤمن بالقدر ولا يكفر أحدا بذنب ، فقال عطاء عرفت فالزم 
وعن الحسن ، قال : خرج علينا عثمان بن عفان رضي الله عنه يوما يخطبنا ، فقطعوا عليه كلامه ، فتراموا بالبطحاء ، حتى جعلت ما أبصر أديم السماء . 

قال : وسمعنا صوتا من بعض حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل : هذا صوت أم المؤمنين ! 

قال : فسمعتها وهي تقول : ألا إن نبيكم قد برئ ممن فرق دينه واحتزب ، وتلت : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء 

قال : وسمعنا صوتا من بعض حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل : هذا صوت أم المؤمنين ! 
قال : فسمعتها وهي تقول : ألا إن نبيكم قد برئ ممن فرق دينه واحتزب ، وتلت : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء 
قال القاضي إسماعيل : " أحسبه يعني بقوله : أم المؤمنين : أم سلمة ، وأن ذلك قد ذكر في بعض الحديث ، وقد كانت عائشة في ذلك ص: 81 ]الوقت حاجة . 
وعن أبي هريرة أنها نزلت في هذه الأمة . 
وعن أبي أمامة هم الخوارج 
قال القاضي : " ظاهر القرآن يدل على أن كل من ابتدع في الدين بدعة من الخوارج وغيرهم; فهو داخل في هذه الآية; لأنهم إذا ابتدعوا تجادلوا وتخاصموا وتفرقوا وكانوا شيعا . 
ومنها قوله تعالى : ( ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) . قرئ : " فارقوا دينهم " . 
وفسر عن أبي هريرة أنهم الخوارج ورواه أبو أمامة مرفوعا . 
وقيل : هم أصحاب الأهواء والبدع . 
قالوا : روته عائشة رضي الله عنها مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم . 
وذلك لأن هذا شأن من ابتدع; حسبما قاله إسماعيل القاضي ، وكما تقدم في الآي الأخر . 
ومنها قوله تعالى : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) . 
ص: 82 ] فعن ابن عباس أن لبسكم شيعا هو الأهواء المختلفة . 
ويكون على هذا قوله : ( ويذيق بعضكم بأس بعض ) : تكفير البعض للبعض حتى يتقاتلوا ، كما جرى للخوارج حين خرجوا على أهل السنة والجماعة . 
وقيل : معنى ( أو يلبسكم شيعا ) : ما فيه إلباس من الاختلاف . 
وقال مجاهد وأبو العالية : " إن الآية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم " . 
قال أبو العالية : " هن أربع ، ظهر اثنتان بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة : فألبسوا شيعا ، وأذيق بعضكم بأس بعض ، وبقيت اثنتان ، فهما ولا بد واقعتان ، الخسف من تحت أرجلكم ، والمسخ من فوقكم " 
وهذا كله صريح في أن اختلاف الأهواء مكروه غير محبوب ، ومذموم غير محمود . 
وفيما نقل عن مجاهد في قول الله : ( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) : 
قال في المختلفين : إنهم أهل الباطل . 
إلا من رحم ربك ) ; قال : " فإن أهل الحق ليس فيهم اختلاف " . 
وروي عن مطرف بن الشخير أنه قال : " لو كانت الأهواء كلها ص: 83 ] واحدا; لقال القائل : لعل الحق فيه ! فلما تشعبت وتفرقت; عرف كل ذي عقل أن الحق لا يتفرق . 
وعن عكرمة ( ولا يزالون مختلفين يعني في الأهواء ( إلا من رحم ربك هم أهل السنة 
ونقل أبو بكر ثابت الخطيب عن منصور بن عبد الله بن عبد الرحمن قال : كنت جالسا عند الحسن ورجل خلفي قاعد ، فجعل يأمرني أن أسأله عن قول الله : ( ولا يزالون مختلفين قال : نعم ( لا يزالون مختلفين على أديان شتى ( إلا من رحم ربك ، فمن رحم غير مختلف . 
وروى ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز ، ومالك بن أنس أن أهل الرحمة لا يختلفون 
ولهذه الآية بسط يأتي بعد إن شاء الله . 
وفي البخاري عن عمرو عن مصعب قال : " سألت أبي عن قوله تعالى : ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ) ; هم الحرورية ؟ قال : لا ; هم اليهودوالنصارى ، أما اليهود فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم ، وأما النصارى فكذبوا بالجنة ، وقالوا : لا طعام فيها ولا شراب . والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ) . 
ص: 84 ] وكان شعبة يسميهم الفاسقين . 
وفي تفسير سعيد بن منصور ، عن مصعب بن سعد ، قال : قلت لأبي : ( الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) ; أهمالحرورية ؟ قال : لا ! أولئك أصحاب الصوامع ، ولكن الحرورية الذين قال الله فيهم : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) . 
وخرج عبد بن حميد في ( تفسيره ) هذا المعنى بلفظ آخر عن مصعب بن سعد ، فأتى على هذه الآية : ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا إلى قوله : (يحسنون صنعا ، قلت : أهم الحرورية ؟ قال : لا ; هم اليهود والنصارى ، أما اليهود فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وأما النصارى فكفروا بالجنة ، وقالوا : ليس فيها طعام ولا شراب ، ولكن الحرورية : ( الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض 
فالأول : لأنهم خرجوا عن طريق الحق بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنهم تأولوا التأويلات الفاسدة ، وكذا فعل المبتدعة وهو بابهم الذي دخلوا فيه . 
والثاني : لأنهم تصرفوا في أحكام القرآن والسنة هذا التصرف . 
فأهل حروراء وغيرهم من الخوارج قطعوا قوله تعالى : ( إن الحكم إلا لله ص: 85 ] عن قوله : ( يحكم به ذوا عدل وغيرهما ، وكذا فعل سائر المبتدعة حسبما يأتيك بحول الله . 
ومنه [ ما ] روى عمرو بن مهاجر قال : " بلغ عمر بن عبد العزيز رحمه الله أن غيلان القدري يقول في القدر ، فبعث إليه ، فحجبه أياما ، ثم أدخله عليه فقال : يا غيلان ما هذا الذي بلغني عنك ؟ " . 
قال عمرو بن مهاجر : " فأشرت إليه ألا يقول شيئا " . 
قال : " فقال : نعم يا أمير المؤمنين : إن الله عز وجل يقول : ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ) . 
قال عمر اقرأ إلى آخر السورة : ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما ) . 
ثم قال : ما تقول يا غيلان ؟ 
قال أقول : قد كنت أعمى فبصرتني ، وأصم فأسمعتني ، وضالا فهديتني . 
ص: 86 ] فقال عمر اللهم إن كان عبدك غيلان صادقا ، وإلا فاصلبه " . 
قال فأمسك عن الكلام في القدر ، فولاه عمر بن عبد العزيز دار الضرب بدمشق ، فلما مات عمر بن عبد العزيز وأفضت الخلافة إلى هشام تكلم في القدر ، فبعث إليه هشام ، فقطع يده ، فمر به رجل والذباب على يده ، فقال : يا غيلان هذا قضاء وقدر . قال : كذبت - لعمر الله - ما هذا قضاء ولا قدر; فبعث إليه هشام فصلبه " . 
والثالث : لأن الحرورية جردوا السيوف على عباد الله ، وهو غاية الفساد في الأرض ، وذلك كثير من أهل البدع شائع ، وسائرهم يفسدون بوجوه من إيقاع العداوة والبغضاء بين أهل الإسلام . 
وهذه الأوصاف الثلاثة تقتضيها الفرقة التي نبه عليها الكتاب والسنة : 
كقوله تعالى : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا وقوله تعالى : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ) . 
وأشباه ذلك . 
وفي الحديث : " إن الأمة تتفرق على بضع وسبعين فرقة " . 
وهذا التفسير في الرواية الأولى لمصعب بن سعد أيضا ، فقد وافق أباه على المعنى المذكور . 
ثم فسر سعد بن أبي وقاص في رواية سعيد بن منصور أن ذلك بسبب ص: 87 ] الزيغ الحاصل فيهم ، وذلك قوله تعالى : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ، وهو راجع إلى آية آل عمران في قوله : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ) . الآية; فإنه رضي الله عنه أدخل الحرورية في الآيتين بالمعنى ، وهو الزيغ في إحداهما ، والأوصاف المذكورة في الأخرى; لأنها فيهم موجودة . 
فآية الرعد تشمل [ الحرورية بلفظها; لأن اللفظ فيها يقتضي العموم لغة ، وإن حملناها على الكفار خصوصا; فهي تعطي أيضا فيهم حكما من جهة ترتيب الجزاء على الأوصاف المذكورة حسبما هو مبين في الأصول . 
وكذلك آية الصف; لأنها خاصة بقوم موسى عليه السلام ، ومن هنا كان شعبة يسميهم الفاسقين أعني : الحرورية لأن معنى الآية واقع عليهم ، وقد جاء فيها : ( والله لا يهدي القوم الفاسقين ، والزيغ أيضا كان موجودا فيهم ، فدخلوا في معنى قوله : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ، ومن هنا يفهم أنها لا تختص من أهل البدعة بالحرورية ، بل تعم كل من اتصف بتلك الأوصاف التي أصلها الزيغ ، وهو الميل عن الحق اتباعا للهوى . 
وإنما فسرها سعد رضي الله عنه بالحرورية لأنه إنما سئل عنهم على الخصوص ، والله أعلم; لأنهم أول من ابتدع في دين الله ، فلا يقتضي ذلك تخصيصا . 
ص: 88 ] وأما المسئول عنها أولا وهي آية الكهف فإن سعدا نفى أن تشمل الحرورية 
وقد جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه فسر ( الأخسرين أعمالا ) بالحرورية أيضا . 
فروى عبد بن حميد عن أبي الطفيل قال : " قام ابن الكواء إلى علي ، فقال : يا أمير المؤمنين ! من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ؟ 
قال : منهم أهل حروراء 
وهو أيضا منقول في " تفسير سفيان الثوري " . 
وفي " جامع ابن وهب " : " أنه سأله عن الآية ؟ فقال له : ارق إلي أخبرك وكان على المنبر فرقي إليه درجتين ، فتناوله بعصا كانت في يده ، فجعل يضربه بها ، ثم قال له علي أنت وأصحابك " . 
وخرج عبد بن حميد أيضا عن محمد بن جبير بن مطعم قال : أخبرني رجل من بني أود : " أن عليا خطب الناس بالعراق وهو يسمع ، فصاح به ابن الكواء من أقصى المسجد ، فقال : يا أمير المؤمنين ! من ( الأخسرين أعمالا ) ؟ قال : أنت ، فقتل ابن الكواء يوم الخوارج " . 
ونقل بعض أهل التفسير : " أن ابن الكواء سأله ؟ فقال : أنتم أهل حروراء ، وأهل الرياء ، والذين يحبطون الصنيعة بالمنة " . 
فالرواية الأولى تدل على أن أهل حروراء بعض من شملته الآية . 
ص: 89 ] ولما قال سبحانه في وصفهم : ( الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ) ; وصفهم بالضلال مع ظن الاهتداء ، دل على أنهم المبتدعون في أعمالهم عموما ، كانوا من أهل الكتاب أولا ، من حيث قال النبي : كل بدعة ضلالة وسيأتي شرح ذلك بعون الله . 
فقد يجتمع التفسيران في الآية ، تفسير سعد بأنهم اليهود والنصارى ، وتفسير علي بأنهم أهل البدعة; لأنهم قد اتفقوا على الابتداع ، ولذلك فسر كفرالنصارى بأنهم تأولوا في الجنة غير ما هي عليه ، وهو التأويل بالرأي . 
فاجتمعت الآيات الثلاث على ذم البدعة وأهلها ، وأشعر كلام سعد بن أبي وقاص بأن كل آية اقتضت وصفا من أوصاف المبتدعة ، فهم مقصدون بما فيها من الذم والخزي وسوء الجزاء ، إما بعموم اللفظ ، وإما بمعنى الوصف . 
وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بكتاب في كتف فقال : " كفى بقوم حمقا أو قال : ضلالا أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى غير نبيهم ، أو كتاب إلى غير كتابهم " فنزلت : ( أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم 
وخرج عبد الحميد عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ص: 90 ] رغب عن سنتي فليس مني " ، ثم تلا هذه الآية : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله إلى آخر الآية 
وخرج هو وغيره عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه في قول الله : ( علمت نفس ما قدمت وأخرت ) ; قال : " ما قدمت من عمل خير أو شر ، وما أخرت من سنة يعمل بها من بعده " 
وهذا التفسير قد يحتاج إلى تفسير ، فروي عن عبد الله قال : " ما قدمت من خير ، وما أخرت من سنة صالحة يعمل بها من بعدها ، فإن له مثل أجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، وما أخرت من سنة سيئة ، كان عليه مثل وزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا " 
خرجه ابن مبارك وغيره . 
وجاء عن سفيان بن عيينة و أبي قلابة 
وغيرهما أنهم قالوا : " كل صاحب بدعة أو فرية ذليل " ، واستدلوا بقول الله تعالى : ( إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين ) . 
وخرج ابن وهب عن مجاهد في قول الله : ( إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم ) ; يقول : " ما قدموا من خير ، وآثارهم التي ص: 91 ]أورثوا الناس بعدهم من الضلالة 
وخرج أيضا عن ابن عون ، عن محمد بن سيرين أنه قال : إني أرى أسرع الناس ردة ، أصحاب الأهواء " 
قال ابن عون : " وكان ابن سيرين يرى أن هذه الآية في أصحاب الأهواء : ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ) . 
وذكر الآجري عن أبي الجوزاء أنه ذكر أصحاب الأهواء فقال : " والذي نفس أبي الجوزاء بيده; لأن تمتلئ داري قردة وخنازير أحب إلي من أن يجاورني رجل منهم ، ولقد دخلوا في هذه الآية : ( ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله إلى قوله : ( إن الله عليم بذات الصدور ) . 
والآيات المصرحة والمشيرة إلى ذمهم والنهي عن ملابسة أحوالهم كثيرة ، فلنقتصر على ما ذكرنا ، ففيه 
إن شاء الله الموعظة لمن اتعظ ، والشفاء لما في الصدور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق