الرد على الا شعرية الفلاسفة=لا خفاء أن البدع من حيث تصورها يعلم العاقل ذمها ، لأن اتباعها خروج عن الصراط المستقيم ورمي في عماية .
وبيان ذلك : من جهة النظر ، والنقل الشرعي العام .
أما النظر فمن وجوه :
أحدهما : أنه قد علم بالتجارب والخبرة السارية في العالم من أول الدنيا إلى اليوم أن العقول غير مستقلة بمصالحها ، استجلابا لها ، أو مفاسدها ، استدفاعا لها . لأنها إما دنيوية أو أخروية .
فأما الدنيوية; فلا يستقل باستدراكها على التفصيل ألبتة ، لا في ابتداء وضعها أولا ، ولا في استدراك ما عسى أن يعرض في طريقها ، إما في السوابق ، وإما في اللواحق ، لأن وضعها أولا لم يكن إلا بتعليم الله تعالى; لأن آدم عليه السلام لما أنزل إلى الأرض علم كيف يستجلب مصالح دنياه ، إذ لم يكن ذلك من معلومه أولا ، إلا على قول من قال : إن ذلك داخل تحت مقتضى قول الله تعالى : ( وعلم آدم الأسماء كلها ) ، وعند ذلك يكون تعليما غير عقلي ، ثم توارثته ذريته كذلك في الجملة ، لكن [ ص: 62 ] فرعت العقول من أصولها تفريعا تتوهم استقلالها به ، ودخل في الأصول الدواخل حسبما أظهرت ذلك أزمنة الفترات ، إذ لم تجر مصالح الفترات على استقامة; لوجود الفتن والهرج ، وظهور أوجه الفساد .
فلولا أن من الله على الخلق ببعثة الأنبياء ، لم تستقم لهم حياة ، ولا جرت أحوالهم على كمال مصالحهم ، وهذا معلوم بالنظر في أخبار الأولين والآخرين .
وأما المصالح الأخروية ، فأبعد عن مصالح المعقول من جهة وضع أسبابها ، وهي العبادات مثلا; فإن العقل لا يشعر بها على الجملة ، فضلا عن العلم بها على التفصيل .
ومن جهة تصور الدار الأخرى وكونها آتية ، فلا بد وأنها دار جزاء على الأعمال; فإن الذي يدرك العقل من ذلك مجرد الإمكان أن يشعر بها .
ولا يغترن ذو الحجى بأحوال الفلاسفة المدعين لإدراك الأحوال الأخروية بمجرد العقل قبل النظر في الشرع ، فإن دعواهم بألسنتهم في المسألة بخلاف ما عليه الأمر في نفسه ، لأن الشرائع لم تزل واردة على بني آدم من جهة الرسل ، والأنبياء أيضا لم يزالوا موجودين في العالم وهم أكثر ، وكل ذلك من لدن آدم عليه السلام إلى أن انتهت بهذه الشريعة المحمدية .
غير أن الشريعة كانت إذا أخذت في الدروس; بعث الله نبيا من أنبيائه يبين للناس ما خلقوا لأجله ، وهو التعبد لله ، فلا بد أن يبقى من الشريعة المفروضة ، ما بين زمان أخذها في الاندراس وبين إنزال الشريعة [ ص: 63 ] بعدها بعض الأصول المعلومة .
فأتى الفلاسفة إلى تلك الأصول ، فتلقفوها أو تلقفوا منها ، فأرادوا أن يخرجوه على مقتضى عقولهم ، وجعلوا ذلك عقليا لا شرعيا .
وليس الأمر كما زعموا ، فالعقل غير مستقل ألبتة ، ولا ينبني على غير أصل ، وإنما ينبني على أصل متقدم مسلم على الإطلاق ، ولا يمكن في أحوال الآخرة قبلهم أصل مسلم إلا من طريق الوحي ، ولهذا المعنى بسط سيأتي إن شاء الله .
فعلى الجملة : العقول لا تستقل بإدراك مصالحها دون الوحي ، فالابتداع مضاد لهذا الأصل ، لأنه ليس له مستند شرعي بالفرض ، فلا يبقى إلا ما ادعوه من العقل .
فالمبتدع ليس على ثقة من بدعته أن ينال بسبب العمل بها ما رام تحصيله من جهتها ، فصارت كالعبث .
هذا إن قلنا : إن الشرائع جاءت لمصالح العباد .
وأما على القول الآخر; فأحرى أن لا يكون صاحب البدعة على ثقة منها; لأنها إذ ذاك مجرد تعبد وإلزام من جهة الآمر للمأمور ، والعقل بمعزل عن هذه الخطة حسبما تبين في علم الأصول .
وناهيك من نحلة ينتحلها صاحبها في أرفع مطالبة لا ثقة بها ، ويلقي من يده ما هو على ثقة منه .
والثاني : أن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان :
وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى أتى ببيان جميع ما يحتاج إليه في أمر الدين والدنيا ، وهذا لا مخالف عليه من أهل السنة .
فإذا كان كذلك ، فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله : إن الشريعة لم تتم ، وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها; لأنه لو كان معتقدا لكمالها وتمامها من كل وجه; لم يبتدع ، ولا استدرك عليها ، وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم .
قال ابن الماجشون : سمعت مالكا يقول : " من ابتدع في الإسلام [ ص: 65 ] بدعة يراها حسنة ، زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة ، لأن الله يقول : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) ، فما لم يكن يومئذ دينا ، فلا يكون اليوم دينا .
والثالث : أن المبتدع معاند للشرع ، ومشاق له; لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقا خاصة على وجوه خاصة ، وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد ، وأخبر أن الخير فيها ، وأن الشر في تعديها إلى غير ذلك ، لأن الله يعلم ونحن لا نعلم ، وأنه إنما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين . فالمبتدع راد لهذا كله ، فإنه يزعم أن ثم طرقا أخر ، ليس ما حصره الشارع بمحصور ، ولا ما عينه بمتعين ، كأن الشارع يعلم ونحن أيضا نعلم ، بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع ، أنه علم ما لم يعلمه الشارع ، وهذا إن كان مقصودا للمبتدع; فهو كفر بالشريعة والشارع ، وإن كان غير مقصود; فهو ضلال مبين .
أما بعد; فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره ، واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وترك ما أحدث المحدثون فيما قد جرت سنته وكفوا مؤنته .
فعليك بلزوم السنة ; فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق .
فارض لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم; فإنهم على علم وقفوا ، [ ص: 66 ] وببصر نافذ قد كفوا وهم كانوا على كشف الأمور أقوى ، وبفضل كانوا فيه أحرى . فلئن قلتم : أمر حدث بعدهم ، ما أحدثه بعدهم إلا من اتبع غير سننهم ، ورغب بنفسه عنهم ، إنهم لهم السابقون ، فقد تكلموا منه بما يكفي ، ووصفوا منه ما يشفي ، فما دونهم مقصر ، وما فوقهم محسر ، لقد قصر عنهم آخرون [ فجفوا ، وطمح عنهم ] فغلوا وأنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم .
ثم ختم الكتاب بحكم مسألته .
فقوله : " فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها " ; فهو مقصود الاستشهاد .
والرابع : أن المبتدع قد نزل نفسه منزلة المضاهي للشارع ; لأن الشارع وضع الشرائع ، وألزم الخلق الجري على سننها ، وصار هو المنفرد بذلك ، لأنه حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون ، وإلا فلو كان التشريع من مدركات الخلق لم تنزل الشرائع ، ولم يبق الخلاف بين الناس ، ولا احتيج إلى بعث الرسل عليهم السلام .
[ فـ ] هذا الذي ابتدع في دين الله قد صير نفسه نظيرا ومضاهيا للشارع ، حيث شرع مع الشارع ، وفتح للاختلاف بابا ، ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع ، وكفى بذلك .
[ ص: 67 ] والخامس : أنه اتباع للهوى; لأن العقل إذا لم يكن متبعا للشرع ، لم يبق له إلا الهوى والشهوة ، وأنت تعلم ما في اتباع الهوى وأنه ضلال مبين .
وتأملوا هذه الآية; فإنها صريحة في أن من لم يتبع هدى الله في هوى نفسه ، فلا أحد أضل منه . وهذا شأن المبتدع ، فإنه اتبع هواه بغير هدى من الله . وهدى الله هو القرآن .
وما بينته الشريعة وبينته الآية أن اتباع الهوى على ضربين :
أحدهما : أن يكون تابعا للأمر والنهي ، فليس بمذموم ولا صاحبه [ ص: 68 ] بضال ، كيف وقد قدم الهدى فاستنار به في طريق هواه ؟ وهو شأن المؤمن التقي .
والآخر : أن يكون هواه هو المقدم بالقصد الأول ، كان الأمر والنهي تابعين بالسنة إليه أو غير تابعين وهو المذموم .
والمبتدع قدم هوى نفسه على هدى ربه ، فكان أضل الناس ، وهو يظن أنه على هدى .
وقد انجر هنا معنى يتأكد التنبيه عليه ، وهو أن الآية المذكورة عينت للاتباع في الأحكام الشرعية طريقين :
أحدهما : الشريعة ، ولا مرية في أنها علم وحق وهدى .
والآخر : الهوى ، وهو المذموم; لأنه لم يذكر في القرآن إلا في مساق الذم .
ولم يجعل ثم طريقا ثالثا ، ومن تتبع الآيات; ألفى ذلك كذلك .
ثم العلم الذي أحيل عليه والحق الذي حمد إنما هو القرآن وما نزل من عند الله :
قلت : من قبلك تقول أو شيء سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم ؟
قال : إني إذا لجريء ، بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا مرة ، ولا مرتين حتى عد سبعا .
[ ص: 73 ] ثم قال : إن بني إسرائيل تفرقوا على إحدى وسبعين فرقة ، وإن هذه الأمة تزيد عليها فرقة ، كلها في النار; إلا السواد الأعظم .
قلت : يا أبا أمامة ! ألا ترى ما فعلوا ؟
قال : ( عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ) الآية ثم التفت إلي ، فقال : أبا غالب ! إنك بأرض هم بها كثير ، فأعاذك الله منهم . قلت : رأيتك بكيت حين رأيتهم . قال : بكيت رحمة حين رأيتهم كانوا من أهل الإسلام ، هل تقرأ سورة آل عمران ؟ قلت : نعم . فقرأ : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ) حتى بلغ : ( وما يعلم تأويله إلا الله ) وإن هؤلاء كان في قلوبهم زيغ ، فزيغ بهم . ثم قرأ : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ) إلى قوله ( ففي رحمة الله هم فيها خالدون ) . قلت : هم هؤلاء يا أبا أمامة ؟ قال : نعم . قلت : من قبلك تقول أو شيء سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : إني إذا لجريء ، بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا مرة ، ولا مرتين حتى عد سبعا . [ ص: 73 ] ثم قال : إن بني إسرائيل تفرقوا على إحدى وسبعين فرقة ، وإن هذه الأمة تزيد عليها فرقة ، كلها في النار; إلا السواد الأعظم . قلت : يا أبا أمامة ! ألا ترى ما فعلوا ؟ قال : ( عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ) الآية . خرجه إسماعيل القاضي وغيره . وفي رواية; قال : قال : ألا ترى ما فيه السواد الأعظم وذلك في أول خلافة عبد الملك والقتل يومئذ ظاهر ؟ قال : ( عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ) . وخرجه الترمذي مختصرا ، وقال فيه : " حديث حسن " . وخرجه الطحاوي أيضا باختلاف في بعض الألفاظ وفيه : " فقيل له : يا أبا أمامة ! تقول لهم هذا القول ثم تبكي يعني قوله : شر قتلى إلى آخره ؟ ! قال : رحمة لهم; إنهم كانوا من أهل الإسلام ، فخرجوا منه ، ثم تلا : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب ) حتى ختمها ، ثم قال : هم هؤلاء ، ثم تلا هذه الآية : (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) حتى ختمها . ثم قال : هم هؤلاء . وذكر الآجري عن طاوس ; قال : " ذكر لابن عباس الخوارج وما [ ص: 74 ] يصيبهم عند قراءة القرآن ، فقال : يؤمنون بمحكمه ، ويضلون عند متشابهه . وقرأ : ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به ) . فقد ظهر بهذا التفسير أنهم أهل البدع; لأن أبا أمامة رضي الله عنه جعل الخوارج داخلين في عموم الآية ، وأنها تتنزل عليهم ، وهم من أهل البدع عند العلماء : إما على أنهم خرجوا ببدعتهم عن أهل الإسلام ، وإما على أنهم من أهل الإسلام لم يخرجوا عنهم; على اختلاف العلماء فيهم . وجعل هذه الطائفة ممن في قلوبهم زيغ فزيغ بهم ، وهذا الوصف موجود في أهل البدع كلهم . مع أن لفظ الآية عام فيهم وفي غيرهم ممن كان على صفاتهم ، ألا ترى أن صدر هذه السورة إنما نزل في نصارى نجران ومناظرتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم في اعتقادهم في عيسى عليه السلام ، حيث تأولوا عليه أنه الإله أو أنه ابن الله أو أنه ثالث ثلاثة ، بأوجه متشابهة ، وتركوا ما هو الواضح في عبوديته حسبما نقله أهل السير ؟ ! ثم تأوله العلماء من السلف الصالح على قضايا دخل أصحابها تحت حكم اللفظ; كالخوارج فهي ظاهرة في العموم . ثم تلا أبو أمامة الآية الأخرى ، وهي قوله سبحانه : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ) إلى قوله : ( ففي رحمة الله هم فيها خالدون ) ، وفسرها بمعنى ما فسر به الآية الأخرى ، [ ص: 75 ] فهي الوعيد والتهديد لمن تلك صفته ، ونهى المؤمنين أن يكونوا مثلهم . ونقل عبيد عن حميد بن مهران قال : سألت الحسن كيف يصنع أهل هذه الأهواء الخبيثة بهذه الآية في آل عمران : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ) قال : نبذوها ورب الكعبة وراء ظهورهم . وعن أبي أمامة أيضا قال : هم الحرورية . وقال ابن وهب : سمعت مالكا يقول : ما آية في كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية : ( يوم تبيض وجوه ) إلى قوله : ( بما كنتم تكفرون ) قال مالك : فأي كلام أبين من هذا ؟ ! فرأيته يتأولها لأهل الأهواء . ورواه ابن القاسم ، وزاد : قال لي مالك : إنما هذه الآية لأهل القبلة . وما ذكره في الآية قد نقل عن غير واحد; كالذي تقدم للحسن . وعن قتادة في قوله تعالى : ( كالذين تفرقوا واختلفوا ) يعني أهل البدع . وعن ابن عباس في قوله : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) قال : " تبيض وجوه أهل السنة ، وتسود وجوه أهل البدعة . ومن الآيات قوله تعالى : [ ص: 76 ] ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) . فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه ، وهو السنة ، والسبل هي سبل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم ، وهم أهل البدع ، وليس المراد سبل المعاصي; لأن المعاصي من حيث هي معاص لم يضعها أحد طريقا تسلك دائما على مضاهاة التشريع ، وإنما هذا الوصف خاص بالبدع المحدثات . ويدل على هذا ما روى إسماعيل عن سليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله قال : " خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا طويلا ، وخط لنا سليمان خطا طويلا ، وخط عن يمينه وعن يساره ، فقال : هذا سبيل الله ثم خط لنا خطوطا عن يمينه ويساره وقال : هذه سبل وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم تلا هذه الآية : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ) يعني الخطوط ( فتفرق بكم عن سبيله ) . قال بكر بن العلاء : " أحسبه أراد شيطانا من الإنس ، وهي البدع ، والله أعلم " . وعن عمر بن سلمة الهمداني ; قال : " كنا جلوسا في حلقة [ ص: 77 ] ابن مسعود في المسجد وهو بطحاء قبل أن يحصب ، فقال له عبيد الله بن عمر بن الخطاب ، وكان أتى غازيا : ما الصراط المستقيم يا أبا عبد الرحمن ؟ قال : هو ورب الكعبة الذي ثبت عليه أبوك حتى دخل الجنة . ثم حلف على ذلك ثلاث أيمان ولاء ، ثم خط في البطحاء خطا بيده ، وخط بجنبيه خطوطا ، وقال : ترككم نبيكم صلى الله عليه وسلم على طرفه ، وطرفه الآخر في الجنة ، فمن ثبت عليه ، دخل الجنة ، ومن أخذ في هذه الخطوط هلك . وفي رواية : " يا أبا عبد الرحمن ! ما الصراط المستقيم ؟ قال : تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أدناه ، وطرفه في الجنة ، وعن يمينه جواد وعن يساره جواد ، وعليها رجال يدعون من مر بهم : هلم لك ! هلم لك ! فمن أخذ منهم في تلك الطرق; انتهت به إلى النار ، ومن استقام إلى الطريق الأعظم; انتهى به إلى الجنة ، ثم تلا ابن مسعود : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ) الآية كلها . وعن مجاهد في قوله : ( ولا تتبعوا السبل ) ، قال : البدع والشبهات . وعن عبد الرحمن بن مهدي : " قد سئل مالك بن أنس عن السنة ؟ قال : هي ما لا اسم له غير السنة ، وتلا : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) . قال بكر بن العلاء : يريد إن شاء الله حديث ابن مسعود أن النبي [ ص: 78 ] صلى الله عليه وسلم خط له خطا ، وذكر الحديث . فهذا التفسير يدل على شمول الآية لجميع طرق البدع ، لا تختص ببدعة دون أخرى . ومن الآيات قول الله تعالى : ( وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين ) . فالسبيل القصد هو طريق الحق ، وما سواه جائر عن الحق; أي : عادل عنه ، وهي طرق البدع والضلالات ، أعاذنا الله من سلوكها بفضله ، وكفى بالجائر أن يحذر منه ، فالمساق يدل على التحذير والنهي . وذكر ابن وضاح ; قال : " سئل عاصم بن بهدلة ، وقيل له : أبا بكر ! ، هل رأيت قول الله تعالى : ( وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين ) ؟ قال : حدثنا أبو وائل عن عبد الله بن مسعود ; قال : خط عبد الله خطا مستقيما ، و خط خطوطا عن يمينه وخطوطا عن شماله ، فقال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا ، فقال للخط المستقيم : هذا سبيل الله ، وللخطوط التي عن يمينه وشماله : هذه سبل متفرقة ، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ; والسبيل مشتركة; قال الله تعالى : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ) إلى آخرها . عن التستري : ( قصد السبيل ) : طريق السنة ، ( ومنها جائر ) ;يعني : إلى النار ، وذلك الملل والبدع " . وعن مجاهد : ( قصد السبيل ) ; أي المقتصد منها بين الغلو [ ص: 79 ] والتقصير ، وذلك يفيد أن الجائر هو الغالي أو المقصر ، وكلاهما من أوصاف البدع . وعن علي رضي الله عنه أنه كان يقرؤها : " فمنكم جائر " ; قالوا : يعني هذه الأمة ، فكأن هذه الآية مع الآية قبلها يتواردان على معنى واحد . ومنها قوله تعالى : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) . هذه الآية قد جاء تفسيرها في الحديث من طريق عائشة رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ) من هم ؟ قلت : الله ورسوله أعلم . قال : " هم أصحاب الأهواء ، وأصحاب البدع ، وأصحاب الضلالة; من هذه الأمة ، يا عائشة إن لكل ذنب توبة ، ما خلا أصحاب الأهواء والبدع ، ليس لهم توبة ، وأنا بريء منهم وهم مني برآء . ؟ . قال ابن عطية : " هذه الآية تعم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في [ ص: 80 ] الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدال والخوض في الكلام ، هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد . ويريد والله أعلم بأهل التعمق في الفروع ما ذكره أبو عمر بن عبد البر في فصل ذم الرأي من " كتاب العلم " له ، وسيأتي ذكره بحول الله . وحكى ابن بطال في شرح البخاري عن أبي حنيفة أنه قال : لقيت عطاء بن أبي رباح بمكة ، فسألته عن شيء ؟ فقال : من أين أنت ؟ قلت : من أهلالكوفة ، قال : أنت من أهل القرية الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ؟ قلت : نعم ، قال : من أي الأصناف أنت ؟ ، قلت : ممن لا يسب السلف ، ويؤمن بالقدر ولا يكفر أحدا بذنب ، فقال عطاء : عرفت فالزم . وعن الحسن ، قال : خرج علينا عثمان بن عفان رضي الله عنه يوما يخطبنا ، فقطعوا عليه كلامه ، فتراموا بالبطحاء ، حتى جعلت ما أبصر أديم السماء .
قال : وسمعنا صوتا من بعض حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل : هذا صوت أم المؤمنين !
قال : فسمعتها وهي تقول : ألا إن نبيكم قد برئ ممن فرق دينه واحتزب ، وتلت : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) قال : وسمعنا صوتا من بعض حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل : هذا صوت أم المؤمنين ! قال : فسمعتها وهي تقول : ألا إن نبيكم قد برئ ممن فرق دينه واحتزب ، وتلت : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) . قال القاضي إسماعيل : " أحسبه يعني بقوله : أم المؤمنين : أم سلمة ، وأن ذلك قد ذكر في بعض الحديث ، وقد كانت عائشة في ذلك [ ص: 81 ]الوقت حاجة . وعن أبي هريرة أنها نزلت في هذه الأمة . وعن أبي أمامة : هم الخوارج . قال القاضي : " ظاهر القرآن يدل على أن كل من ابتدع في الدين بدعة من الخوارج وغيرهم; فهو داخل في هذه الآية; لأنهم إذا ابتدعوا تجادلوا وتخاصموا وتفرقوا وكانوا شيعا . ومنها قوله تعالى : ( ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) . قرئ : " فارقوا دينهم " . وفسر عن أبي هريرة أنهم الخوارج . ورواه أبو أمامة مرفوعا . وقيل : هم أصحاب الأهواء والبدع . قالوا : روته عائشة رضي الله عنها مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وذلك لأن هذا شأن من ابتدع; حسبما قاله إسماعيل القاضي ، وكما تقدم في الآي الأخر . ومنها قوله تعالى : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) . [ ص: 82 ] فعن ابن عباس أن لبسكم شيعا هو الأهواء المختلفة . ويكون على هذا قوله : ( ويذيق بعضكم بأس بعض ) : تكفير البعض للبعض حتى يتقاتلوا ، كما جرى للخوارج حين خرجوا على أهل السنة والجماعة . وقيل : معنى ( أو يلبسكم شيعا ) : ما فيه إلباس من الاختلاف . وقال مجاهد وأبو العالية : " إن الآية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم " . قال أبو العالية : " هن أربع ، ظهر اثنتان بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة : فألبسوا شيعا ، وأذيق بعضكم بأس بعض ، وبقيت اثنتان ، فهما ولا بد واقعتان ، الخسف من تحت أرجلكم ، والمسخ من فوقكم " . وهذا كله صريح في أن اختلاف الأهواء مكروه غير محبوب ، ومذموم غير محمود . وفيما نقل عن مجاهد في قول الله : ( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) : قال في المختلفين : إنهم أهل الباطل . ( إلا من رحم ربك ) ; قال : " فإن أهل الحق ليس فيهم اختلاف " . وروي عن مطرف بن الشخير : أنه قال : " لو كانت الأهواء كلها [ ص: 83 ] واحدا; لقال القائل : لعل الحق فيه ! فلما تشعبت وتفرقت; عرف كل ذي عقل أن الحق لا يتفرق . وعن عكرمة ( ولا يزالون مختلفين ) يعني في الأهواء ( إلا من رحم ربك ) هم أهل السنة . ونقل أبو بكر ثابت الخطيب عن منصور بن عبد الله بن عبد الرحمن ; قال : كنت جالسا عند الحسن ورجل خلفي قاعد ، فجعل يأمرني أن أسأله عن قول الله : ( ولا يزالون مختلفين ) قال : نعم ( لا يزالون مختلفين ) على أديان شتى ( إلا من رحم ربك ) ، فمن رحم غير مختلف . وروى ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز ، ومالك بن أنس : أن أهل الرحمة لا يختلفون . ولهذه الآية بسط يأتي بعد إن شاء الله . وفي البخاري عن عمرو عن مصعب ; قال : " سألت أبي عن قوله تعالى : ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ) ; هم الحرورية ؟ قال : لا ; هم اليهودوالنصارى ، أما اليهود ; فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم ، وأما النصارى فكذبوا بالجنة ، وقالوا : لا طعام فيها ولا شراب . والحرورية ( الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ) . [ ص: 84 ] وكان شعبة يسميهم الفاسقين . وفي تفسير سعيد بن منصور ، عن مصعب بن سعد ، قال : قلت لأبي : ( الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) ; أهمالحرورية ؟ قال : لا ! أولئك أصحاب الصوامع ، ولكن الحرورية الذين قال الله فيهم : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) . وخرج عبد بن حميد في ( تفسيره ) هذا المعنى بلفظ آخر عن مصعب بن سعد ، فأتى على هذه الآية : ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ) إلى قوله : (يحسنون صنعا ) ، قلت : أهم الحرورية ؟ قال : لا ; هم اليهود والنصارى ، أما اليهود فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وأما النصارى ; فكفروا بالجنة ، وقالوا : ليس فيها طعام ولا شراب ، ولكن الحرورية : ( الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض ) فالأول : لأنهم خرجوا عن طريق الحق بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنهم تأولوا التأويلات الفاسدة ، وكذا فعل المبتدعة وهو بابهم الذي دخلوا فيه . والثاني : لأنهم تصرفوا في أحكام القرآن والسنة هذا التصرف . فأهل حروراء وغيرهم من الخوارج قطعوا قوله تعالى : ( إن الحكم إلا لله ) [ ص: 85 ] عن قوله : ( يحكم به ذوا عدل ) وغيرهما ، وكذا فعل سائر المبتدعة حسبما يأتيك بحول الله . ومنه [ ما ] روى عمرو بن مهاجر ; قال : " بلغ عمر بن عبد العزيز رحمه الله أن غيلان القدري يقول في القدر ، فبعث إليه ، فحجبه أياما ، ثم أدخله عليه فقال : يا غيلان ! ما هذا الذي بلغني عنك ؟ " . قال عمرو بن مهاجر : " فأشرت إليه ألا يقول شيئا " . قال : " فقال : نعم يا أمير المؤمنين : إن الله عز وجل يقول : ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ) . قال عمر : اقرأ إلى آخر السورة : ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما ) . ثم قال : ما تقول يا غيلان ؟ قال أقول : قد كنت أعمى فبصرتني ، وأصم فأسمعتني ، وضالا فهديتني . [ ص: 86 ] فقال عمر : اللهم إن كان عبدك غيلان صادقا ، وإلا فاصلبه " . قال فأمسك عن الكلام في القدر ، فولاه عمر بن عبد العزيز دار الضرب بدمشق ، فلما مات عمر بن عبد العزيز وأفضت الخلافة إلى هشام ; تكلم في القدر ، فبعث إليه هشام ، فقطع يده ، فمر به رجل والذباب على يده ، فقال : يا غيلان ! هذا قضاء وقدر . قال : كذبت - لعمر الله - ما هذا قضاء ولا قدر; فبعث إليه هشام فصلبه " . والثالث : لأن الحرورية جردوا السيوف على عباد الله ، وهو غاية الفساد في الأرض ، وذلك كثير من أهل البدع شائع ، وسائرهم يفسدون بوجوه من إيقاع العداوة والبغضاء بين أهل الإسلام . وهذه الأوصاف الثلاثة تقتضيها الفرقة التي نبه عليها الكتاب والسنة : كقوله تعالى : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ) وقوله تعالى : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ) . وأشباه ذلك . وفي الحديث : " إن الأمة تتفرق على بضع وسبعين فرقة " . وهذا التفسير في الرواية الأولى لمصعب بن سعد أيضا ، فقد وافق أباه على المعنى المذكور . ثم فسر سعد بن أبي وقاص في رواية سعيد بن منصور : أن ذلك بسبب [ ص: 87 ] الزيغ الحاصل فيهم ، وذلك قوله تعالى : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) ، وهو راجع إلى آية آل عمران في قوله : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ) . الآية; فإنه رضي الله عنه أدخل الحرورية في الآيتين بالمعنى ، وهو الزيغ في إحداهما ، والأوصاف المذكورة في الأخرى; لأنها فيهم موجودة . فآية الرعد تشمل [ الحرورية ] بلفظها; لأن اللفظ فيها يقتضي العموم لغة ، وإن حملناها على الكفار خصوصا; فهي تعطي أيضا فيهم حكما من جهة ترتيب الجزاء على الأوصاف المذكورة حسبما هو مبين في الأصول . وكذلك آية الصف; لأنها خاصة بقوم موسى عليه السلام ، ومن هنا كان شعبة يسميهم الفاسقين أعني : الحرورية لأن معنى الآية واقع عليهم ، وقد جاء فيها : ( والله لا يهدي القوم الفاسقين ) ، والزيغ أيضا كان موجودا فيهم ، فدخلوا في معنى قوله : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) ، ومن هنا يفهم أنها لا تختص من أهل البدعة بالحرورية ، بل تعم كل من اتصف بتلك الأوصاف التي أصلها الزيغ ، وهو الميل عن الحق اتباعا للهوى . وإنما فسرها سعد رضي الله عنه بالحرورية ; لأنه إنما سئل عنهم على الخصوص ، والله أعلم; لأنهم أول من ابتدع في دين الله ، فلا يقتضي ذلك تخصيصا . [ ص: 88 ] وأما المسئول عنها أولا وهي آية الكهف فإن سعدا نفى أن تشمل الحرورية . وقد جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه فسر ( الأخسرين أعمالا ) بالحرورية أيضا . فروى عبد بن حميد عن أبي الطفيل ; قال : " قام ابن الكواء إلى علي ، فقال : يا أمير المؤمنين ! من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ؟ قال : منهم أهل حروراء " . وهو أيضا منقول في " تفسير سفيان الثوري " . وفي " جامع ابن وهب " : " أنه سأله عن الآية ؟ فقال له : ارق إلي أخبرك وكان على المنبر فرقي إليه درجتين ، فتناوله بعصا كانت في يده ، فجعل يضربه بها ، ثم قال له علي : أنت وأصحابك " . وخرج عبد بن حميد أيضا عن محمد بن جبير بن مطعم ; قال : أخبرني رجل من بني أود : " أن عليا خطب الناس بالعراق وهو يسمع ، فصاح به ابن الكواء من أقصى المسجد ، فقال : يا أمير المؤمنين ! من ( الأخسرين أعمالا ) ؟ قال : أنت ، فقتل ابن الكواء يوم الخوارج " . ونقل بعض أهل التفسير : " أن ابن الكواء سأله ؟ فقال : أنتم أهل حروراء ، وأهل الرياء ، والذين يحبطون الصنيعة بالمنة " . فالرواية الأولى تدل على أن أهل حروراء بعض من شملته الآية . [ ص: 89 ] ولما قال سبحانه في وصفهم : ( الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ) ; وصفهم بالضلال مع ظن الاهتداء ، دل على أنهم المبتدعون في أعمالهم عموما ، كانوا من أهل الكتاب أولا ، من حيث قال النبي : كل بدعة ضلالة وسيأتي شرح ذلك بعون الله . فقد يجتمع التفسيران في الآية ، تفسير سعد بأنهم اليهود والنصارى ، وتفسير علي بأنهم أهل البدعة; لأنهم قد اتفقوا على الابتداع ، ولذلك فسر كفرالنصارى بأنهم تأولوا في الجنة غير ما هي عليه ، وهو التأويل بالرأي . فاجتمعت الآيات الثلاث على ذم البدعة وأهلها ، وأشعر كلام سعد بن أبي وقاص بأن كل آية اقتضت وصفا من أوصاف المبتدعة ، فهم مقصدون بما فيها من الذم والخزي وسوء الجزاء ، إما بعموم اللفظ ، وإما بمعنى الوصف . وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بكتاب في كتف فقال : " كفى بقوم حمقا أو قال : ضلالا أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى غير نبيهم ، أو كتاب إلى غير كتابهم " فنزلت : ( أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ) . وخرج عبد الحميد عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من [ ص: 90 ] رغب عن سنتي فليس مني " ، ثم تلا هذه الآية : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) إلى آخر الآية . وخرج هو وغيره عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه في قول الله : ( علمت نفس ما قدمت وأخرت ) ; قال : " ما قدمت من عمل خير أو شر ، وما أخرت من سنة يعمل بها من بعده " . وهذا التفسير قد يحتاج إلى تفسير ، فروي عن عبد الله ; قال : " ما قدمت من خير ، وما أخرت من سنة صالحة يعمل بها من بعدها ، فإن له مثل أجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، وما أخرت من سنة سيئة ، كان عليه مثل وزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا " . خرجه ابن مبارك وغيره . وجاء عن سفيان بن عيينة و أبي قلابة وغيرهما أنهم قالوا : " كل صاحب بدعة أو فرية ذليل " ، واستدلوا بقول الله تعالى : ( إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين ) . وخرج ابن وهب عن مجاهد في قول الله : ( إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم ) ; يقول : " ما قدموا من خير ، وآثارهم التي [ ص: 91 ]أورثوا الناس بعدهم من الضلالة . وخرج أيضا عن ابن عون ، عن محمد بن سيرين أنه قال : إني أرى أسرع الناس ردة ، أصحاب الأهواء " . قال ابن عون : " وكان ابن سيرين يرى أن هذه الآية في أصحاب الأهواء : ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ) . وذكر الآجري عن أبي الجوزاء أنه ذكر أصحاب الأهواء فقال : " والذي نفس أبي الجوزاء بيده; لأن تمتلئ داري قردة وخنازير أحب إلي من أن يجاورني رجل منهم ، ولقد دخلوا في هذه الآية : ( ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله ) إلى قوله : ( إن الله عليم بذات الصدور ) . والآيات المصرحة والمشيرة إلى ذمهم والنهي عن ملابسة أحوالهم كثيرة ، فلنقتصر على ما ذكرنا ، ففيه إن شاء الله الموعظة لمن اتعظ ، والشفاء لما في الصدور .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق