السبت، 18 يونيو 2016

اسباب تفرق الفرق شرح الاعتصام=العزيز رضى الله عنه تحدث للناس أقضية بقدر ما احدثوا من الفجور فكذلك تحدث لهم مرغبات في الخير بقدر ما أحدثوا من الفتور
وهذا الاستدلال غير جار على الاصول أما أولا فإنه في مقابلة النص وهو ما اشار إليه مالك في مسألة العتبية فذلك من باب فساد الاعتبار وأما ثانيا فإنه قياس على نص لم يثبت بعد من طريق مرضى وهذا ليس كذلك وأما ثالثا فإن كلام عمر بن عبد العزيز فرع اجتهادى جاء عن رجل مجتهد يمكن أن يخطىء فيه كما يمكن أن يصيب وإنما حقيقة الأصل أن يأتى عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) أو عن أهل الإجماع وهذا ليس عن واحد منهما
وأما رابعا فإن قياس بغير معنى جامع أو بمعنى جامع طردى
ولكن الكلام فيه سيأتى - إن شاء الله - في الفرق بين المصالح المرسلة والبدع
وقوله إن السلف عملوا بما لم يعمل به من قبلهم حاش لله أن يكونوا ممن يدخل تحت هذه الترجمة
وقوله مما هو خير أما بالنسبة إلى السلف فما عملوا خير وأما فرعه المقيس فكونه خيرا دعوى لان كون الشىء خيرا أو شرا لا يثبت إلا بالشرع أو لان الدعاء على تلك الهيئة خير شرعا


"""" صفحة رقم 4 """"
وأما قياسه على قوله تحدث للناس أقضية فمما تقدم وفيه أمر آخر وهو التصريح بأن إحداث العبادات جائز قياسا على قول عمر وإنما كلام عمر بعد تسليم القياس عليه في معنى عادى يختلف فيه مناط الحكم الثابت فيما تقدم كتضمين الصناع أو الظنة في توجيه الأيمان دون مجرد الدعاوى فيقول إن الأولين توجهت عليهم بعض الأحكام لصحة الأمانة والديانة والفضيله فما حدثت أضدادها اختلف المناط فوجب اختلاف الحكم وهو حكم رادع أهل الباطل عن باطلهم فأثر هذا المعنى ظاهر مناسب بخلاف ما نحن فيه
فإنه على الضد من ذلك ألا ترى ان الناس إذا وقع فيهم الفتور عن الفرائض فضلا عن النوافل - وهى ما هي من القلة والسهولة - فما ظنك بهم إذا زيد عليهم اشياء أخرى يرغبون فيها ويرخصون على استعمالها فلا شك أن الوظائف تتكاثر حتى يؤدى إلى أعظم من الكسل الأول وإلى ترك الجميع فإن حدث للعامل بالبدعة هو في بدعته أو لمن شايعه فيها فلا بد من كسله مما هو اولى
فنحن نعلم أن ساهر ليلة النصف من شعبان لتلك الصلاة المحدثة لا يأتيه الصبح إلا وهو نائم أو في غاية الكسل فيخل بصلاة الصبح وكذلك سائر


"""" صفحة رقم 5 """"
المحدثات فصارت هذه الزيادة عائدة على ما هو أولى منها بالإبطال أو الإخلال وقد مر أن ما من بدعة تحدث إلا ويموت من السنة ما هو خير منها
وأيضا فإن هذا القياس مخالف لأصل شرعى وهو طلب النبى ( صلى الله عليه وسلم ) السهولة والرفق والتيسير وعدم التشديد وزيادة وظيفة لم تشرع فتظهر ويعمل بها دائما في مواطن السنن فهو تشديد بلا شك وإن سلمنا ما قال فقد وجد كل مبتدع من العامة السبيل إلى إحداث البدع وأخذ هذا الكلام بيده حجة وبرهانا على صحة ما يحدثه كائنا ما كان وهو مرمى بعيد
ثم استدل على جواز الدعاء إثر الصلاة في الجملة ونقل في ذلك عن مالك وغيره أنواعا من الكلام وليس محل النزاع بل جعل الأدلة شاملة لتلك الكيفية المذكورة وعقب ذلك بقوله وقد تظاهرت الأحاديث والآثار وعمل الناس وكلام العلماء على هذا المعنى كما قد ظهر - قال - ومن المعلوم أنه عليه السلام كان الإمام في الصلوات وأنه لم يكن ليخص نفسه بتلك الدعوات إذ قد جاء من سنته لا يحل لرجل أن يؤم قوما إلا بإذنهم ولا يخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم
فتأملوا يا أولى الألباب فإن عامة النصوص فيما سمع من أدعيته في أدبار الصلوات إنما كان دعاء لنفسه وهذا الكلام يقول فيه إنه لم يكن ليخص نفسه بالدعاء دون الجماعة وهذا تناقض ومن الله نسأل التوفيق
وإنما حمل الناس الحديث على دعاء الإمام في نفس الصلاة من السجود وغيره لا فيما حمله عليه هذا المتأول ولما لم يصح العمل بذلك الحديث عند مالك أجاز


"""" صفحة رقم 6 """"
للإمام أن يخص نفسه بالدعاء دون المأمومين
ذكره في النوادر ولما اعترضه كلام العلماء وكلام السلف مما تقدم ذكره أخذ يتأول ويوجه كلامهم على طريقته المرتكبة ووقع له في كلام على غير تأمل لايسلم ظاهره من التناقض والتدافع لوضوح أمره وكذلك في تأويل الاحاديث التى نقلها لكن تركت هنا استيفاء الكلام عليها لطوله وقد ذكرته في غير هذا الموضع والحمد لله على ذلك
فصل
ويمكن أن يدخل في البدع الإضافية كل عمل اشتبه أمره فلم يتبين أهو بدعة فينهى عنه أم غير بدعة فيعمل به فإنا إذا اعتبرناه بالأحكام الشرعية وجدناه من المشتبهات التي قد ندبنا إلى تركها حذرا من الوقوع في المحظور والمحظور هنا هو العمل بالبدعة فإذا العامل به لا يقطع أنه عمل ببدعة كما أنه لا يقطع أنه عمل بسنة فصار من جهة هذا التردد غير عامل ببدعة حقيقية ولا يقال أيضا إنه خارج عن العمل بها جملة
وبيان ذلك أن النهى الوارد في المشتبهات إنما هو حماية أن يقع في ذلك الممنوع الواقع فيه الاشتباه فإذا اختلطت الميتة بالذكية نهيناه عن الإقدام فإن أقدم أمكن عندنا أن يكون آكلا للميتة في الأشتباه فالنهى الأخف إذا منصرف نحو الميتة في الاشتباه كما انصرف إليها النهى الأشد في التحقق
وكذلك اختلاط الرضيعة بالأجنبية النهى في الاشتباه منصرف إلى الرضيعة كما انصرف إليها في التحقق وكذلك سائر المشتبهات إنما ينصرف نهى الإقدام


"""" صفحة رقم 7 """"
على المشتبه إلى خصوص الممنوع المشتبه فإذا الفعل الدائر بين كونه سنة أو بدعة إذا نهى عنه في باب الاشتباه نهى عن البدعة في الجملة فمن أقدم على منهى عنه في باب البدعة لانه محتمل أن يكون بدعة في نفس الأمر فصار من هذا الوجه كالعامل بالبدعة المنهى عنها وقد مر أن بالبدعة الإضافية هي الواقعة ذات وجهين - فلذلك قيل إن هذا القسم من قبيل البدع الإضافية ولهذا النوع أمثلة أحدها إذا تعارضت الأدلة على المجتهد في ان العمل الفلانى مشروع يتعبد به أو غير مشروع فلا يتعبد به ولم يتبين له جمع بين الدليلين أو إسقاط أحدهما بنسخ أو ترجيح أو غيرهما - فقد ثبت في الاصول ان فرضه التوقف فلو عمل بمقتضى دليل التشريع من غير مرجح لكان عاملا بمتشابه لإمكان صحة الدليل بعدم المشروعية فالصواب الوقوف عن الحكم رأسا وهو الفرض في حقه
والثاني إذا تعارضت الأقوال على المقلد في المسألة بعينها فقال بعض العلماء يكون العمل بدعة وقال بعضهم ليس ببدعة ولم يتبين له الأرجح من العالمين بأعلمية أو غيرها فحقه الوقوف والسؤال عنهما حتى يتبين له الأرجح فيميل إلى تقليده دون الآخر فإن أقدم على تقليد أحدهما من غير مرجح كان حكمه حكم المجتهد إذا أقدم على العمل بأحد الدليلين من غير ترجيح فالمثالان في المعنى واحد
والثالث أنه ثبت في الصحاح عن الصحابة رضى الله عنهم أنهم يتبركون بأشياء من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ففى البخارى عن ابى جحيفة رضى الله


"""" صفحة رقم 8 """"
عنه قال خرج علينا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالهاجرة فأتى بوضوء فتوضأ فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به الحديث وفيه كان إذا توضأ يقتتلون على وضوئه وعن المسور رضى الله عنه في حديث الحديبية وما انتخم النبى ( صلى الله عليه وسلم ) نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فذلك بها وجهه وجلده وخرج غيره من ذلك كثيرا في التبرك بشعره وثوبه وغيرهما حتى انه مس بإصبعه أحدهم بيده فلم يحلق ذلك الشعر الذي مسه عليه السلام حتى مات
وبالغ بعضهم في ذلك حتى شرب دم حجامته - إلى أشياء لهذا كثيرة فالظاهر في مثل هذا النوع أن يكون مشروعا في حق من ثبتت ولايته واتباعه لسنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأن يتبرك بفضل وضوئه ويتدلك بنخامته ويستشفى بآثاره كلها ويرجى نحو مما كان في آثار المتبوع الأصل ( صلى الله عليه وسلم )
إلا أنه عارضنا في ذلك أصل مقطوع به في متنه مشكل في تنزيله وهو أن الصحابة رضى الله عنهم بعد موته عليه السلام لم يقع من أحد منهم شىء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه إذ لم يترك ( صلى الله عليه وسلم ) بعده في الأمة افضل من أبى بكرالصديق رضى الله عنه فهو كان خليفته ولم يفعل به شىء من ذلك ولا عمر رضى الله عنهما وهو كان أفضل الأمة بعده ثم كذلك عثمان ثم على ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة ثم لم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح معروف أن متبركا تبرك به على أحد تلك الوجوه


"""" صفحة رقم 9 """"
أو نحوها بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا فيها النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فهو إذا إجماع منهم على ترك تلك الأشياء
وبقى النظر في وجه ترك ما تركوا منه ويحتمل وجهين أحدهما أن يعتقدوا في الاختصاص وان مرتبة النبوة يسع فيها ذلك كله للقطع بوجود ما التمسوا من البركة والخير لأنه عليه السلام كان نورا كله في ظاهره وباطنه فمن التمس منه نورا وجده على أي جهة التمسه بخلاف غيره من الأمة - وإن حصل له من نور الاقتداء به والاهتداء بهديه ما شاء الله - لا يبلغ مبلغه على حال توازيه في مرتبه ولا تقاربه فصار هذا النوع مختصا به كاختصاصه بنكاح ما زاد على الأربع وإحلال بضع الواهبة نفسها له وعدم وجوب القسم على الزوجات وشبه ذلك فعلى هذا المأخذ لا يصح لمن بعده الاقتداء به في التبرك على أحد تلك الوجوه ونحوها ومن اقتدى به كان اقتدؤه بدعة كما كان الاقتداء به في الزيادة على أربع نسوة بدعة
الثاني أن لا يعتقدوا الاختصاص ولكنهم تركوا ذلك من باب الذرائع خوفا من أن يجعل ذلك سنة - كما تقدم ذكره في اتباع الآثار - والنهى عن ذلك أو لان العامة لا تقتصر في ذلك على حد بل تتجاوز فيه الحدود وتبالغ بجهلها في التماس البركة حتى يداخلها المتبرك به تعظيم يخرج به عن الحد فربما اعتقد في المبترك به ما ليس فيه وهذا التبرك هو أصل العبادة ولأجله قطع عمر رضى الله عنه الشجرة التى بويع تحتها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بل هو كان اصل عبادة الأوثان في الأمم الخالية - حسبما ذكره أهل السير - فخاف


"""" صفحة رقم 10 """"
عمر رضى الله عنه أن يتمادى الحال في الصلاة إلى تلك الشجرة حتى تعبد من دون الله
فكذلك يتفق عند التوغل في التعظيم
ولقد حكى الفرغانى مذيل تاريخ الطبرى عن الحلاج أن أصحابه بالغوا في التبرك به حتى كانوا يتمسحون ببوله ويتبخرون بعذرته حتى أدعوا فيه الإلهية تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا
ولأن الولاية وإن ظهر لها في الظاهر آثار فقد يخفى أمرها لانها في الحقيقة راجعة إلى أمر باطن لا يعلمه إلا الله فربما ادعيت الولاية لمن ليس بولى أو ادعاها هو لنفسه أو أظهر خارقة من خوارق العادات هي من باب الشعوذة لا من باب الكرامة أو من باب
أو الخواص أو غير ذلك والجمهور لا يعرف الفرق بين الكرامة والسحر فيعظمون من ليس بعظيم ويقتدون بمن لا قدوة فيه - وهو الضلال البعيد - إلى غير ذلك من المفاسد
فتركوا العمل بما تقدم - وإن كان له أصل - لما يلزم عليه من الفساد في الدين
وقد يظهر باول وهلة أن هذا الوجه الثاني راجح لما ثبت في الأصول العلمية أن كل قربة أعطيها النبى صلى الله عليه فإن لأمته أنموذجا منها ما لم يدل دليل على الاختصاص
إلا أن الوجه الأول أيضا راجع من جهة أخرى وهو إطباقهم على الترك إذ لو كان اعتقادهم التشريع لعمل به بعضهم بعده أو عملوا به ولو في بعض الأحوال إما وقوفا مع أصل المشروعية وإما بناء على اعتقاد انتقاء العلة الموجبة للامتناع
وقد خرج ابن وهب في جامعه من حديث يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال حدثنى رجل من الأنصار أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان إذا توضأ


"""" صفحة رقم 11 """"
أو تنخم ابتدر من حوله من المسلمين وضوءه ونخامته فشربوه ومسحوا به جلودهم فلما رآهم يصنعون ذلك سألهم لم تفعلون هذا قالوا نلتمس الطهور والبركة بذلك
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من كان منكم يحب أن يحبه الله ورسوله فليصدق الحديث وليؤد الأمانة ولا يؤذ جاره فإن صح هذا النقل فهو مشعر بأن الأولى تركه وأن يتحرى ما هو الآكد والاحرى من وظائف التكليف ولا يلزم الإنسان في خاصة نفسه ولم يثبت من ذلك كله إلا ما كان من قبيل الرقية وما يتبعها أو دعاء الرجل لغيره على وجه سيأتى بحول الله
فقد صارت المسئلة من أصلها دائرة بين أمرين أن تكون مشروعة فدخلت تحت حكم المتشابه والله أعلم
فصل
ومن البدع الإضافية التي تقرب من الحقيقية أن يكون اصل العبادة مشروعا إلا انه تخرج عن اصل شرعيتها بغير دليل توهما أنها باقية على اصلها تحت مقتضى الدليل وذلك بان يقيد إطلاقها بالرأى أو يطلق تقييدها وبالجملة فتخرج عن حدها الذي حد لها


"""" صفحة رقم 12 """"
ومثال ذلك أن يقال إن الصوم في الجملة مندوب إليه لم يخصه الشارع بوقت دون وقت ولا حد فيه زمانا ما عدا ما نهى عن صيامه على الخصوص كالعيدين وندب إليه على الخصوص كعرفة وعاشوراء بقول فإذا خص منه يوما من الجمعة بعينه أو أياما من الشهر بأعيانها - لا من جهة ما عينه الشاعر - فإن ذلك ظاهر بانه من جهة اختيار المكلف كيوم الأربعاء مثلا في الجمعة والسابع والثامن في الشهر وما أشبه ذلك بحيث لا يقصد بذلك وجها بعينه مما لا ينثنى عنه فإذا قيل له لم خصصت تلك الأيام دون غيرها لم يكن له بذلك حجة غير التصميم أو يقول إن الشيخ الفلانى مات فيه أو ما اشبه ذلك فلا شك أنه رأى محض بغير دليل ضاهى به تخصيص الشاعر أيامها بأعيانها دون غيرها فصار التخصيص من المكلف بدعة إذ هي تشريع بغير مستند
ومن ذلك تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تشرع لها تخصيصا كتخصيص اليوم الفلانى بكذا وكذا من الركعات أو بصدقة كذا وكذا أو الليلة الفلانية بقيام كذا وكذا ركعة أو بختم القرآن فيها أو ما اشبه ذلك فإن ذلك التخصيص والعمل به إذا لم يكن بحكم الوفاق أو بقصد يقصد مثله أهل العقل والفراغ والنشاط كان تشريعا زائدا
ولا حجة له في ان يقول إن هذا الزمان ثبت فضله على غيره فيحسن فيه إيقاع العبادات لأنا نقول هذا الحسن هل ثبت له أصل أم لا فإن ثبت


"""" صفحة رقم 13 """"
فمسئلتنا كما ثبت الفضل في قيام ليالى رمضان وصيام ثلاثة ايام من كل شهر وصيام الأثنين والخميس فإن لم يثبت فما مستندك فيه والعقل لا يحسن ولا يقبح ولا شرع يستند إليه فلم يبق إلا انه ابتداع في التخصيص كإحداث الخطب وتحرى ختم القرآن في بعض ليالى رمضان
ومن ذلك التحدث مع العوام بما لا تفهمه ولا تعقل معناه فإنه من باب وضع الحكمة غير موضعها فسامعها إما أن يفهمها على غير وجهها - وهو الغالب - وهو فتنة تؤدى إلى التكذيب بالحق وإلى العمل بالباطل
وإما لايفهم منها شيئا وهو اسلم ولكن المحدث لم يعط الحكمة حقها من الصون بل صار في التحدث بها كالعابث بنعمة الله
ثم إن القاها لمن لا يعقلها في معرض الانتفاع بعد تعقلها كان من باب التكليف بما لا يطاق
وقد جاء النهى عن ذلك
فخرج أبو داود حديثا عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) أنه نهى عن الغلوطات
قالوا وهي صعاب المسائل أو شرار المسائل وفي الترمذي - أو غيره - أن رجلا أتى النبى صلى الله عليه وسم فقال يا رسول الله اتيتك لتعلمنى من غرائب العلم فقال عليه السلام ما صنعت في راس العلم قال وما رأس العلم قال هل عرفت الرب قال نعم قال فما صنعت في حقه قال ما شاء الله فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اذهب فأحكم ما هنالك ثم تعال أعلمك من غرائب العلم وهذا المعنى هو مقتضى الحكمة لا تعلم


"""" صفحة رقم 14 """"
الغرائب إلا بعد إحكام الأصول وإلا دخلت الفتنة وقد قالوا في العالم الربانى إنه الذى يربى بصغار العلم قبل كباره
وهذه الجملة شاهدها في الحديث الصحيح مشهور
وقد ترجم على ذلك البخارى فقال باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا ثم اسند عن علي ابن أبى طالب رضى الله عنه أنه قال حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله ثم ذكر حديث معاذ الذي أخبر به عند موته تأثما وإنما لم يذكره إلا عند موته لأنه النبى ( صلى الله عليه وسلم ) لم يأذن له في ذلك لما خشى تنزيله غير منزلته وعلمه معاذا لأنه من أهله
وفي مسلم مرفوعا عن ابن مسعود رضى الله عنه قال ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة قال ابن وهب وذلك أن يتأولوه غير تأويله ويحملوه إلى غير وجهه
وخرج شعبة عن كثير بن مرة الحضرمى أنه قال إن عليك في علمك حقا كما أن عليك في مالك حقا لاتحدث بالعلم غير اهله فتجهل ولا تمنع العلم أهله فتأثم ولا تحدث بالحكمة عند السفهاء فيكذبوك ولا تحدث بالباطل عند الحكماء فيمقتوك
وقد ذكر العلماء هذا المعنى في كتبهم وبسطوه بسطا شافيا والحمد لله
وإنما نبهنا عليه لأن كثيرا ممن لا يقدر قدر هذا الموضع يزل فيه فيحدث الناس بما لا تبلغه عقولهم وهو على خلاف الشرع وما كان عليه سلف هذه الأمة


"""" صفحة رقم 15 """"
ومن ذلك ايضا جميع ما تقدم في فضل السنة التى يكون العمل بها ذريعة إلى البدعة من حيث إنها عمل بها ولم يعمل بها سلف هذه الأمة
ومنه تكرار السورة الواحدة في التلاوة أو في الركعة الواحدة فإن التلاوة لم تشرع على ذلك الوجه ولا أن يخص من القرآن شيئا دون شىء لا في صلاة ولا في غيرها فصار المخصص لها عاملا برأيه في التعبد لله
وخرج ابن وضاح عن مصعب قال سئل سفيان عن رجل يكثر قراءة ) قل هو الله أحد ( ولا يقرأ غيرها كما يقرؤها فكرهه وقال إنما أنتم متبعون فاتبعوا الأولين ولم يبلغنا عنهم نحو هذا
وإنما أنزل القرآن ليقرأ ولا يخص شىء دون شىء
وخرج أيضا - وهو في العتبية من سماع ابن القاسم - عن مالك رحمه الله أنه سئل عن قراءة ) قل هو الله أحد ( مرارا في الركعة الواحدة فكره ذلك وقال هذا من محدثات الأمور التي أحدثوا
ومحمل هذا عند ابن رشد من باب الذريعة ولأجل ذلك لم يأت مثله عن السلف وإن كانت تعدل ثلث القرآن - كما في الصحيح - وهو صحيح فتأمله في الشرح
وفي الحديث أيضا ما يشعر بأن التكرار كذلك عمل محدث في مشروع الاصل بناء على ما قاله ابن رشد فيه
ومن ذلك قراءة القرآن بهيئة الاجتماع عشية عرفة في المسجد للدعاء تشبها بأهل عرفة ونقل الأذان يوم الجمعة من المنار وجعل قدام الإمام
ففي سماع ابن القاسم


"""" صفحة رقم 16 """"
وسئل عن القرى التي لا يكون فيها إمام إذا صلى بهم رجل منهم الجمعة أيخطب بهم قال نعم لا تكون الجمعة إلا بخطبة
فقيل له أفيؤذن قدامه قال لا واحتج على ذلك يفعل أهل المدينة
قال ابن رشد
الأذان بين يدى الإمام في الجمعة مكروه لانه محدث
قال وأول من أحدثه هشام بن عبد الملك وإنما كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا زالت الشمس وخرج رقى المنبر فإذا رآه المؤذنون - وكانوا ثلاثة - قاموا فأذنوا في المشرفة واحدا بعد واحد كما يؤذن في غير الجمعة فإذا فرغوا أخذ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في خطبته ثم تلاه أبو بكر وعمر رضى الله عنهما فزاد عثمان رضى الله عنه لما كثر الناس أذانا بالزوراء عند زوال الشمس يؤذن الناس فيه بذلك أن الصلاة قد حضرت وترك الاذان في المشرفة بعد جلوسه على المنبر على ما كان عليه فاستمر الأمر على ذلك إلى زمان هشام فنقل الاذان الذي كان بالزوراء إلى المشرفة ونقل الاذان الذى كان بالمشرفة بين يديه وأمرهم أن يؤذنوا صفا وتلاه على ذلك من بعده من الخلفاء إلى زماننا هذا
قال ابن رشد وهو بدعة قال والذي فعله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والخلفاء الراشدون بعده من السنة
وذكر ابن حبيب ما كان فعله عليه السلام وفعل الخلفاء بعده كما ذكر ابن رشد وكأنه نقله من كتابه وذكر قصة هشام
ثم قال والذي كان فعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هي السنة
وقد حدثنى أسد بن موسى عن يحيى بن سليم عن جعفر بن محمد بن جابر بن عبيد الله أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )


"""" صفحة رقم 17 """"
قال في خطبته أفضل الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة
وما قاله ابن حبيب من أن الأذان عند صعود الإمام على المنبر كان باقيا في زمان عثمان رضى الله عنه موافق لما نقله أرباب النقل الصحيح وأن عثمان لم يزد على ما كان قبله إلا ألأذان على الزوراء فصار إذا نقل هشام الاذان المشروع في المنار إلى ما بين يديه بدعة في ذلك المشروع
فإن قيل فكذلك أذان الزوراء محدث أيضا بل هو محدث من أصله غير منقول من موضعه فالذى يقال هنا يقال مثله في أذان هشام بل هو أخف منه
فالجواب أن أذان الزوراء وضع هنالك على أصله من الإعلام بوقت الصلاة وجعله بذلك الموضع لأنه لم يكن ليسمع إذا وضع بالمسجد كما كان في زمان من قبله فصارت كائنة أخرى لم تكن فيما تقدم فاجتهد لها كسائر مسائل الاجتهاد وحين كان مقصود الأذان الإعلام فهو باق كما كان فليس وضعه هنالك بمناف إذ لم تخترع فيه أقاويل محدثة ولا ثبت أن الأذان بالمنار أو في سطح المسجد تعبد غير معقول المعنى فهو الملائم من أقسام المناسب بخلاف نقله إلى المنار إلى ما بين يدى الإمام فإنه قد أخرج بذلك أولا عن أصله من الإعلام إذ لم يشرع لأهل المسجد إعلام بالصلاة إلا بالإقامة وإذان جمع الصلاتين موقوف على محله ثم أذانهم على صوت واحد زيادة في الكيفية


"""" صفحة رقم 18 """"
ومن ذلك الأذان والإقامة في العيدين فقد نقل ابن عبد البر اتفاق الفقهاء على أن لا أذان ولا إقامة فيهما ولا في شىء من الصلوات المسنونات والنوافل وإنما الأذان للمكتوبات وعلى هذا مضى عمل الخلفاء أبى بكر وعمر وعثمان وعلى وجماعة الصحابة رضى الله عنهم وعلماء التابعين وفقهاء الأمصار وأول من أحدث الاذان والإقامة في العيدين - فيما ذكر ابن حبيب - هشام بن عبد الملك أراد أن يؤذن الناس بالاذان بمجىء الإمام ثم بدأ بالخطبة قبل الصلاة كما بدأ بها مروان ثم أمر بالإقامة بعد فراغه من الخطبة ليؤذن الناس بفراغه من الخطبة ودخوله في الصلاة لبعدهم عنه
قال ولم يرد مروان وهشام الاجتهاد فيما رايا إلا أنه لا يجوز اجتهاد في خلاف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )
قال وقد حدثنى ابن الماجشون أنه سمع مالكا يقول من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خان الرسالة لأن الله يقول ) اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ( فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا
وقد روى أن الذى أحدث الأذان معاوية وقيل زياد وان ابن الزبير فعله آخر إمارته والناس على خلاف هذا النقل
ولقائل أن يقول إن الأذان هنا نظير أذان الزوراء لعثمان رضى الله عنه فما تقدم فيه من التوجيه الاجتهادى جار هنا ولا يكون بسبب ذلك مخالفا للسنة لأن قصة هشام نازلة لا عهد بها فيما تقدم لأن الأذان إعلام بمجىء الإمام لخفاء مجيئه عن الناس لبعدهم عنه ثم الإقامة للإعلام بالصلاة إذ لولا هي لم يعرفوا دخوله في ا لصلاة فصار ذلك أمرا لا بد منه كأذان الزوراء


"""" صفحة رقم 19 """"
والجواب أن مجىء الإمام لم يشرع في الأذان وإن خفى على بعض الناس لبعده بكثرة الناس فكذلك لا يشرع فيما بعد لأن العلة كانت موجودة ثم لم تشرع إذ لا يصح أن تكون العلة غير مؤثرة في زمان النبى ( صلى الله عليه وسلم ) والخلفاء بعده ثم تصير مؤثرة وأيضا فإحداث الأذان والإقامة انبنى على إحداث تقديم الخطبة على الصلاة وما انبنى على المحدث محدث ولأنه لما لم يشرع في النوافل أذان ولا إقامة على حال فهمنا من الشرع التفرقة بين النفل والفرض لئلا تكون النوافل كالفرائض في الدعاء إليها فكان إحداث الدعاء إلى النوافل لم يصادف محلا وبهذه الأوجه الثلاثة يحصل الفرق بين أذان الزوراء وبين ما نحن فيه فلا يصح أن يقاس أحدهما على الآخر والأمثلة في هذا المعنى كثيرة
ومن نوادرها التي لا ينبغى أن تغفل ما جرى به عمل جملة ممن ينتمى إلى طريقة الصوفية من تربصهم ببعض العبادات أوقاتا مخصوصة غير ما وقته الشرع فيها فيضعون نوعا من العبادات المشروعة في زمن الربيع ونوعا آخر في زمن الصيف ونوعا آخر في زمن الخريف ونوعا آخر في زمن الشتاء
وربما وضعوا الأنواع من العبادات لباسا مخصوصا وأشباه ذلك من الأوضاع الفلسفية يضعونها شرعية أي متقربا بها إلى الحضرة الإلهية في زعمهم وربما وضعوها على مقاصد غير شرعية كأهل التصريف بالأذكار والدعوات ليستجلبوا بها الدنيا من المال والجاه والحظوة ورفعة المنزلة بل ليقتلوا بها إن شاءوا أو يمرضوا أو يتصرفوا وفق أغراضهم
فهذه كلها بدع محدثات بعضها أشد من بعض لبعد هذاك الأغراض عن مقاصد الشريعة الإسلامية الموضوعة مبرأة عن مقاصد المتخرصين مظهرة لمن تمسك بها عن أوضار اتباع الهوى إذ كل متدين بها عارف بمقاصدها ينزهها عن أمثال هذه المقاصد الواهية فالاستدلال على


"""" صفحة رقم 20 """"
بطلان دعاويهم فيها من باب شغل الزمان بغير ما هو أولى
وقد تقرر - بحول الله - في أصل المقاصد من كتاب الموافقات ما يؤخذ منه حكم هذا النمط والبرهان على بطلانه لكن على وجه كلى مفيد وبالله التوفيق
وهذا كله إن فرضنا اصل العبادة مشروعا فإن كان اصلها غير مشروع فهى بدعة حقيقية مركبة كالأذكار والأدعية بزعم العلماء أنها مبنية على علم الحروف
وهو الذى اعتنى به البونى وغيره ممن حذا حذوه أو قاربه
فإن ذلك العلم فلسفة ألطف من فلسفة معلمهم الأول وهو أرسطا طاليس فردوها إلى أوضاع الحروف وجعلوها هي الحاكمة في العالم
وربما أشاروا عند العمل بمقتضى تلك الأذكار وما قصد بها إلى تحرى الأوقات والأحوال الملائمة لطبائع الكواكب ليحصل التأثير عندهم وحيا فحكموا العقول والطبائع - كما ترى - وتوجهوا شطرها وأعرضوا عن رب العقل والطبائع وإن ظنوا أنهم يقصدونه اعتقادا في استدلالهم لصحة ما انتحلوا على وقوع الأمر وفق ما يقصدون فإذا توجهوا بالذكر والدعاء المفروض على الغرض المطلوب حصل سواء عليهم أنفعا كان أم ضرا وخيرا كان أم شرا ويبنون على ذلك اعتقاد بلوغ النهاية في إجابة الدعاء
أو حصل نوع من كرامات الأولياء كلا ليس طريق
من مرادهم ولا كرامات الأولياء أو إجابة الدعاء من نتائج أورادهم فلا تلاقى بين الأرض والسماء ولا مناسبة بين النار والماء
فإن قلت فلم يحصل التأثير حسبما قصدوا فالجواب إن ذلك في الاصل من قبيل الفتنة التي اقتضاها في الخلق ) ذلك تقدير العزيز العليم ( فالنظر إلى وضع الأسباب والمسببات أحكام وضعها البارى تعالى في النفوس يظهر عندها


"""" صفحة رقم 21 """"
ما شاء الله من التأثيرات على نحو ما يظهر على المعيون عند الإصابة وعلى المسحور عند عمل السحر بل هو بالسحر أشبه لاستمدادهما من اصل واحد وشاهده ما جاء في الصحيح خرجه مسلم من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إن الله يقول أنا عند ظن عبدي بى وأنا معه إذا دعانى - وفي بعض الروايات - أنا عند ظن عبدى بن فليظن بى ما شاء وشرح هذه المعانى لا يليق بما نحن فيه
والحاصل أن وضع الأذكار والدعوات على نحو ما تقدم من البدع المحدثات لكن تارة كون البدعة فيها إضافية باعتبار أصل المشروعية
فصل
فإن قيل فالبدع الإضافية هل يعتد بها عبادات حتى تكون من تلك الجهة متقربا بها إلى الله تعالى أم لا تكون كذلك فإن كان الأول فلا تأثير إذا لكونها بدعة ولا فائدة في ذكره إذ لا يخلو من أحد الأمرين إما أن لايعتبر بجبهة الابتداع في العبادة المفروضة
فتقع مشروعة يثاب عليها فتصير جهة الابتداع مغتفرة فلا على المتبدع فيها أن يبتدع
وإما ان يعتبر بجهة الابتداع فقد صار للابتداع أثر في ترتب الثواب فلا يصح أن يكون منفيا عنه بإطلاق وهو خلاف ما تقرر من عموم الذم فيه
وإن كان الثانى فقد تحدث البدعة الإضافية الحقيقية بالتقسيم الذى انبنى عليه الباب الذي نحن في شرحه لا فائدة فيه
فالجواب أن حاصل البدعة الإضافية أنها لا ينحاز إلى جانب مخصوص في الجملة بل نيحاز بها الاصلان - اصل السنة واصل البدعة - لكن من وجهين


"""" صفحة رقم 22 """"
وإذا كان كذلك اقتضى النظر السابق للذهن أن يثاب العامل بها من جهة ما هو مشروع ويعاتب من جهة ما هو غير مشروع
إلا أن هذا النظر لا يتحصل لأنه مجمل
والذي ينبغى أن يقال في جهة البدعة في العمل لا يخلو أن تنفرد أو تلتصق وإن التصقت فلا تخلو ان تصير وصفا للمشروع غير منفك إما بالقصد أو بالوضع الشرعي العادي أولا تصير وصفا وإن لم تصر وصفا فإما أن يكون وضعها إلى أن تصير وصفا أولا
فهذه أربعة أقسام لا بد من بيانها في تحصيل هذا المطلوب بحول الله
فأما القسم الأول وهو أن تنفرد البدعة عن العمل المشروع فالكلام فيه ظاهر مما تقدم إلا إن كان وضعه على جهة التعبد فبدعة حقيقية وإلا فهو فعل من جملة الأفعال العادية لا مدخل له فيما نحن فيه فالعبادة سالمة والعمل العادي خارج من كل وجه
مثاله الرجل يريد القيام إلى الصلاة فيتنحنح مثلا أو يتمخط أو يمشى خطوات أو يفعل شيئا ولا يقصد بذا وجها راجعا إلى الصلاة وإنما يفعل ذلك عادة أو تقززا
فمثل هذا لا حرج فيه في نفسه ولا بالنسبة إلى الصلاة وهو من جملة العادات الجائزة إلا أنه يشترط فيه أيضا أن لا يكون بحيث يفهم منه الانضمام إلى الصلاة عملا أو قصدا فإنه إذ ذاك يصير بدعة
وسيأتى بيانه إن شاء الله
وكذلك أيضا إذا فرضنا أنه فعل قصد التقرب مما لم يشرع أصلا ثم قام بعده إلى الصلاة المشروعة ولم يقصد فعله لأجل الصلاة ولا كان مظنة لأن يفهم منه انضمامه إليها فلا يقدح في الصلاة وإنما يرجع الذم فيه إلى العمل به على الانفراد
ومثله لو أراد القيام إلى العبادة ففعل عبادة مشروعة من غير قصد


"""" صفحة رقم 23 """"
الانضمام ولا جعله عرضة لقصد انضمامه فتلك العبادتان على اصالتهما وكقول الرجل عند الذبح أو العتق اللهم منك وإليك
على غير التزام ولا قصد الانضمام وكقراءة القرآن في الطواف لا بقصد الطواف ولا على الالتزام فكل عبادة هنا منفردة عن صاحبتها فلا حرج فيها
وعلى ذلك نقول لو فرضنا أن الدعاء بهيئة الاجتماع وقع من أئمة المساجد في بعض الأوقات للأمر يحدث عن قحط أو خوف من ملم لكان جائزا لانه على الشرط المذكور إذ لم يقع ذلك على وجه يخاف منه مشروعية الانضمام ولا كونه سنة تقام في الجماعات ويعلن به في المساجد كما دعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دعاء الاستسقاء بهيئة الاجتماع وهو يخطب وكما انه دعا أيضا في غير أعقاب الصلوات على هيئة الاجتماع لكن في الفرط وفي بعض الأحايين كسائر المستحبات التي لا يتربص بها وقتا بعينه وكيفية بعينها
وخرج عن أبى سعيد مولى أسيد قال كان عمر رضى الله عنه إذا صلى العشاء أخرج الناس من المسجد فتخلف ليلة مع قوم يذكرون الله فأتى عليهم فعرفهم فألقى درته وجلس معهم فجعل يقول يا فلان ادع الله لنا يا فلان ادع الله لنا حتى صار الدعاء إلى غير فكانوا يقولون عمر فظ غليظ فلم أر أحدا من الناس تلك الساعة ارق من عمر رضى الله عنه لا ثكالى ولا أحدا
وعن سلم العلوى قال قال رجل لأنس رضى الله عنه يوما يا أبا حمزة لو دعوت لنا بدعوات فقال اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة - قال - فأعادها مرارا ثلاثا
فقال يا أبا حمزة لو دعوت فقال مثل ذلك لا يزيد عليه
فإذا كان الأمر على هذا فلا إنكار فيه حتى إذا دخل فيه أمر


"""" صفحة رقم 24 """"
زائد صار الدعاء فيه بتلك الزيادة مخالفا للسنة فقد جاء في دعاء الإنسان لغيره الكراهية عن السلف لا على حكم الأصالة بل بسبب ما ينظم إليه من الأمور المخرجة عن الأصل
ولنذكره هنا لاجتماع أطراف المسألة في التشبيه على الدعاء بهيئة الاجتماع بآثار الصلوات في الجماعات دائما
فخرج الطبرى عن مدرك بن عمران نقال كتب رجل إلى عمر رضى لله عنه فادع الله لى فكتب إليه عمر إنى لست بنبى ولكن إذا أقيمت الصلاة فاستغفر الله لذنبك
فإباية عمر رضى الله عنه في هذا الموضع ليس من جهة أصل الدعاء ولكن من جهة أخرى وإلا تعارض كلامه مع ما تقدم فكأنه فهم من السائل أمرا زائدا على الدعاء فلذلك قال
لست بنبى ويدلك على هذا ما روى عن سعد بن ابى وقاص رضى الله عنه أنه لما قدم الشام أتاه رجل فقال استغفر لى فقال غفر الله لك
ثم أتاه آخر فقال استفغر لى
فقال لا غفر الله لك ولا لذاك أنبى أنا
فهذا أوضح في أنه فهم من السائل أمرا زائدا وهو أن يعتقد فيه أنه مثل النبى أو انه وسيلة إلى أن يعتقد ذلك أو يعتقد أنه سنة تلزم أو يجرى في الناس مجرى السنن الملتزمة
ونحوه عن زيد بن وهب أن رجلا قال لحذيفة رضى الله عنه استغفر لى
فقال لا غفر الله لك
ثم قال هذا يذهب إلى نسائه فيقول استغفر لى حذيفة أترضين أن أدعو الله أن تكن مثل حذيفة فدل هذا على أنه وقع في قلبه أمر زائد يكون الدعاء له ذريعة حتى يخرج عن اصله لقوله بعد ما دعا على الرجل هذا يذهب إلى نسائه فيقول كذا
أي فيأتى نساؤه لمثلها ويشتهر الأمر حتى يتخذ سنة ويعتقد في حذيفة ما لا يحبه هو لنفسه وذلك يخرج المشروع عن كونه مشروعا ويؤدى إلى التشيع واعتقاد أكثر مما يحتاج إليه


"""" صفحة رقم 25 """"
وقد تبين هذا المعنى بحديث رواه ابن علية عن ابن عون قال جاء رجل إلى إبراهيم
فقال يا أبا عمران ادع الله أن يشفينى
فكره ذلك إبراهيم وقطب وقال جاء رجل إلى حذيفة فقال ادع الله ان يفغر لي
فقال لا غفر الله لك
فتنحى الرجل فجلس فلما كان بعد ذلك قال فأدخلك الله مدخل حذيفة أقد رضيت الآن يأتى أحدكم الرجل كأنه قد أحصر شأنه
ثم ذكر إبراهيم السنة فرغب فيها وذكر ما أحدث الناس فكرهه
وروى منصور عن إبراهيم قال كانوا يجتمعون فيتذاكرون فلا يقول بعضهم لبعض استغفر لنا
فتأملوا يا أولى الألباب ما ذكره العلماء من هذه هذا الأصنام المنظمة إلى الدعاء حتى كرهوا الدعاء إذا انضم إليه ما لم يكن عليه سلف الأمة فقس بعقلك ماذا كانوا يقولون في دعائنا اليوم بآثار الصلاة بل في كثير من المواطن وانظروا إلى اسبتارة إبراهيم ترغيبه في السنة وكراهيته ما أحدث الناس بعد تقرير ما تقدم
وهذه الآثار من تخريج الطبرى في تهذيب الآثار له وعلى هذا ينبنى ما خرجه ابن وهب عن الحارث بن نبهان عن أيوب عن أبى قلابة عن أبى الدرداء رضى الله عنه أن ناسا من أهل الكوفة يقرأون عليك السلام ويأمرونك أن تدعو لهم وتوصيهم فقال اقرأوا عليهم السلام ومروهم أن يعطوا القرآن حقه فإنه يحملهم أو يأخذ بهم على القصد والسهولة ويجنبهم الجود والحزونة ولم يذكر أنه دعا لهم
وأما القسم الثاني - وهو أن يصير العمل العادى أو غيره كالوصف للعمل المشروع إلا أن الدليل على أن العمل المشروع لم يتصف في الشرع بذلك الوصف


"""" صفحة رقم 26 """"
فظاهر الأمر انقلاب العمل المشروع غير مشروع
ويبين ذلك من الأدلة عموم قوله عليه الصلاة والسلام كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد وهذا العمل عند اتصافه بالوصف المذكور عمل ليس عليه أمرة عليه الصلاة واللام فهو إذا رد كصلاة الفرض مثلا إذا صلاها القادر الصحيح قاعدا أو سبح في موضع القراءة أو قرأ في موضع التسبيح وما أشبه ذلك
وقد نهى عليه الصلاة والسلام عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر ونهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها فبالغ كثير من العلماء في تعميم النهى حتى عدوا صلاة الفرض في ذلك الوقت داخلا تحت النهى فباشر النهى الصلاة لأجل اتصافها بأنها واقعة في زمان مخصوص كما اعتبر فيها الزمان باتفاق في الفرض فلا تصلى الظهر قبل الزوال ولا المغرب قبل الغروب
ونهى عليه الصلاة والسلام عن صيام الفطر والأضحى والاتفاق على بطلان الحج في غير أشهر الحج
فكل من تعبد لله تعالى بشىء من هذه العبادات الواقعة في غير أزمانها فقد تعبد ببدعة حقيقية لا إضافية فلا جهة لها إلى المشروع بل غلبت عليها جهة الابتداع فلا ثواب فيها على ذلك التقدير فلو فرضنا قائلا يقول بصحة الصلاة الواقعة في وقت الكراهية أو صحة الصوم الواقع يوم العيد فعلى فرض ان النهى راجع إلى أمر لم يصر للعبادة كالوصف بل الأمر منفك منفرد - حسبما تبين بحول الله


"""" صفحة رقم 27 """"
ويدخل في هذا القسم ما جرى به العمل في بعض الناس كالذى حكى القرافى عن العجم في اعتقاد كون صلاة الصبح يوم الجمعة ثلاث ركعات فإن قراءة سورة السجدة لما التزمت فيها وحوفظ
عليها اعتقدوا فيها الركنية فعدوها ركعة ثالثة فصارت السجدة إذا وصفا لازما وجزءا من صلاة صبح الجمعة فوجب أن تبطل
وعلى هذا الترتيب ينبغى أن تجرى العبادات المشروعة إذا خصت بأزمان مخصوصة بالرأى المجرد من حيث فهمنا أن للزمان تلبسا بالأعمال على الجملة فصيرورة ذلك الزائد وصفا للمزيد فيه مخرج له عن اصله وذلك أن الصفة مع الموصوف من حيث هي صفة له لا تفارقه هي من جملته
وذلك لأنا نقول إن الصفة مع غير الموصوف إذا كانت لازمة له حقيقة أو اعتبارا ولو فرضنا ارتفاعها عنه لارتفع الموصوف من حيث هو موصوف بها كارتفاع الإنسان بارتفاع الناطق أو الضاحك فإذا كانت الصفة الزائدة على المشروع على هذه النسبة صار المجموع منهما غير مشروع فارتفع اعتبار المشروع الأصل
ومن أمثلة ذلك أيضا قراءة القرآن بالإدارة على صوت واحد فإن تلك الهيئة زائدة على مشروعية القراءة وكذلك الجهر الذي اعتاده أرباب الزوايا وربما لطف اعتبار الصفة فيشك في بطلان المشروعية كما وقع في العتبية عن مالك في مسألة الاعتماد في الصلاة لا يحرك رجليه وأن أول من أحدثه رجل قد عرف - قال - وقد كان مساء أي يساء الثناء عليه فقيل له أفعيب قال قد عيب


"""" صفحة رقم 28 """"
عليه ذلك وهذا مكروه من الفعل ولم يذكر فيها أن الصلاة باطلة وذلك لضعف وصف الاعتماد أن يؤثر في الصلاة ولطفه بالنسبة إلى كمال هيئتها وهكذا ينبغى أن يكون النظر في المسألة بالنسبة إلى اتصاف العمل بما يؤثر فيه أو لا يؤثر فيه فإذا غلب الوصف على العمل كان أقرب إلى الفساد وإذا لم يغلب لم يكن أقرب وبقى في حكم النظر فيدخل ها هنا نظر الاحتياط للعبادة إذا صار العمل في الاعتبار من المتشابهات
واعلموا أنه من حيث قلنا إن العمل الزائد على المشروع يصير وصفا لها أو كالوصف - فإنما يعتبر باحد أمور ثلاثة إما بالقصد وإما بالعادة وإما بالشرع أو النقصان
أما بالعادة فكالجهر والاجتماع في الذكر المشهور بين متصوفة الزمان فإن بينه وبين الذكر المشروع بونا بعيدا إذ هما كالمتضادين عادة وكالذى حكى ابن وضاح عن الاعمش عن بعض أصحابه قال مر عبد الله برجل يقص في المسجد على اصحابه وهو يقول سبحوا عشرا وهللوا عشرا فقال عبد الله إنكم لأهدى من اصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) أو اضل بل هذه يعنى أضل وفي رواية عنه أن رجلا كان يجمع الناس فيقول رحم الله من قال كذا وكذا مرة سبحان الله - قال - فيقول القوم ويقول رحم الله من قال كذا وكذا مرة الحمد لله - قال - فيقول القوم - قال - فمر بهم عبد الله بن مسعود رضى الله عنه فقال لهم هديتم لما لم يهد نبيكم وإنكم لتمسكون بذنب ضلالة
وذكر له أن ناسا بالكوفة يسبحون بالحصى في المسجد فأتاهم وقد كوم كل رجل منهم بين يديه كوما من حصى - قال - فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد ويقول لقد أحدثتم بدعة وظلما وقد فضلتم أصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) علما فهذه أمور أخرجت الذكر المشروع كالذى تقدم


"""" صفحة رقم 29 """"
من النهى عن الصلاة في الأوقات المكروهة أو الصلوات المفروضة إذا صليت قبل أوقاتها فإنا قد فهمنا من الشرع القصد إلى النهى عنها والمنهى عنه لا يكون متعبدا وكذلك صيام يوم العيد
وخرج ابن وضاح من حديث أبان بن أبى عباس قال لقيت طلحة أبن عبيد الله الخزاعى فقلت له قوم من إخوانك من أهل السنة والجماعة لا يطعنون على أحد من المسلمين يجتمعون في بيت هذا يوما وفي بيت هذا يوما ويجتمعون يوم النيروز والمهرجان ويصومونها وقال طلحة بدعة من أشد البدع والله لهم تعظيما للنيروز والمهرجان من عبادتهم
ثم استيقظ انس بن مالك رضى الله عنه فرقيت إليه وسالته كما سألت طلحة فرد على مثل قو ل طلحة كأنهما كانا على ميعاد
فجعل صوم تلك الأيام من تعظيم ما تعظمه النصارى وذاك القصد لو كان أفسد العبادة فكذلك ما كان نحوه
وعن يونس بن عبيد أن رجلا قال للحسن يا أبا سعيد ما ترى في مجلسنا هذا قوم من أهل السنة والجماعة لا يطعنون على أحد نجتمع في بيت هذا يوما وفي بيت هذا يوما فنقرأ كتاب الله وندعوا لأنفسنا ولعامة المسلمين قال - فنهى الحسن عن ذلك أشد النهى
والنقل في هذا المعنى كثير فلو لم يبلغ العمل الزائد ذلك المبلغ كان أخف وانفرد العمل بحكمه والعمل المشروع بحكمه كما حكى ابن وضاح عن


"""" صفحة رقم 30 """"
عبد الرحمن ابن أبى بكرة قال كنت جالسا عند الاسود بن سريع وكان مجلسه في موخر المسجد الجامع فافتتح سورة بنى إسرائيل حتى بلغ وكبره تكبيرا فرفع أصواتهم الذين كانوا حوله جلوسا فجاء مجالد بن مسعود متوكئا على عصاه فلما رآه القوم قالوا مرحبا اجلس قال ما كنت لأجلس إليكم وإن كان مجلسكم حسنا ولكنكم صنعتم قبلى شيئا أنكره المسلمون فإياكم وما أنكر المسلمون فتحسينه المجلس كان لقراءة القرآن وأما رفع الصوت فكان خارجا عن ذلك فلم ينضم إلى العمل الحسن حتى إذا انضم إليه صار المجموع غير مشروع
ويشبه هذا ما في سماع ابن القاسم عن مالك في القوم يجتمعون جميعا فيقرأون في السورة الواحدة مثل ما يفعل أهل الإسكندرية فكره ذلك وأنكر أن يكون من عمل الناس
وسئل ابن القاسم أيضا عن نحو ذلك فحكى الكراهية عن مالك ونها عنها ورآها بدعة
وقال في رواية أخرى عن مالك وسئل عن القراءة بالمسجد فقال لم يكن بالأمر القديم وإنما هو شىء أحدث ولم يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها والقرآن حسن
قال أبن رشد يريد التزام القراءة في المسجد بإثر صلاة من الصلوات على وجه ما مخصوص حتى يصير ذلك كله سنة مثل ما بجامع قرطبة إثر صلاة الصبح
قال فرأى ذلك بدعة
فقوله في الرواية والقرآن حسن
يحتمل أن يقال إنه يعنى أن تلك الزيادة من الاجتماع وجعله في المسجد منفصل لا يقدح في حسن قراءة القرآن


"""" صفحة رقم 31 """"
ويحتمل - وهو الظاهر - انه يقول قراءة حسن على غير ذلك الوجه بدليل قوله في موضع آخر ما يعجبنى أن يقرأ القرآن إلا في الصلاة والمساجد لا في الأسواق والطرق فيريد أنه لا يقرأ إلا على النحو الذي كان يقرؤه السلف وذلك يدل على أن قراءة الإدارة مكروهة عنده فلا تفعل أصلا وتحرز بقوله والقرآن حسن من توهم أنه يكره قراءة القرآن مطلقا فلا يكون في كلام مالك دليل على انفكاك الاجتماع من القراءة والله أعلم
وأما القسم الثالث وهو أن يصير الوصف عرضة لأن ينضم إلى العبادة حتى يعتقد فيه انه من أوصافها أو جزء منها فهذا القسم ينظر فيه من جهة النهى عن الذرائع وهو إن كان في الجملة متفقا عليه ففيه في التفصيل نزاع بين العلماء إذ ليس كل ما هو ذريعة إلى ممنوع يمنع بدليل الخلاف الواقع في بيوع الآجال وما كان نحوها غير أن أبا بكر الطرطوشى يحكى الاتفاق فى هذا النوع استقراء من مسائل وقعت للعلماء منعوها سدا للذريعة وإذا ثبت الخلاف في بعض التفاصيل لم ينكر ان يقول به قائل في بعض ما نحن فيه ولنمثله أولا ثم نتكلم حكمه بحول الله
فمن ذلك ما جاء في الحديث من نهى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يتقدم شهر رمضان بصيام يوم أو يومين
ووجه ذلك عند العلماء مخافة أن يعد ذلك من جملة رمضان
ومنه ما ثبت عن عثمان رضى الله عنه أنه كان لا يقصر في السفر فيقال له


"""" صفحة رقم 32 """"
ألست قصرت مع النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فيقول بلى ولكنى امام الناس فينظر إلى الأعراب وأهل البادية أصلى ركعتين فيقول هكذا فرضت فالقصر في السفر سنة أو واجب ومع ذلك تركه خوف أو يتذرع به لأمر حادث في الدين غير مشروع
ومنه قصة عمر رضى الله عنه في غسله من الاحتلام حتى أسفر
وقوله لمن راجعه في ذلك وأن يأخذ من أثوابهم ما يصلى به ثم يغسل ثوبه على السعة لو فعلته لكانت سنة بل اغسل ما رأيت وأنضح مالم أر
وقال حذيفة بن أسيد شهدت أبا بكر وعمر رضى الله عنهما وكانا لايضحيان مخافة أن يرى أنها واجبة
ونحو ذلك عن ابن مسعود رضى الله عنه قال إنى لأترك أضحيتى - وإنى لمن ايسركم - مخافة أن يظن الجيران أنها واجبة
وكثير من هذا عن السلف الصالح
وقد كره مالك إتباع رمضان بست من شوال ووافقه أبو حنيفة فقال لا أستحبها مع ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح وأخبر مالك عن غيره ممن يقتدى به أنهم كانوا لا يصومونها ويخافون بدعنها
ومنه ما تقدم في اتباع الآثار كمجىء قبا ونحو ذلك
وبالجملة فكل عمل أصله ثابت شرعا إلا أن في إظهار العمل به والمداومة عليه ما يخاف أن يعتقد أنه سنة فتركه مطلوب في الجملة أيضا من باب سد الذرائع


"""" صفحة رقم 33 """"
ولذلك كره مالك دعاء التوجه بعد الإحرام وقبل القراءة وكره غسل اليد قبل الطعام وأنكر على من جعل ثوبه في المسجد أمامه في الصف
ولنرجع إلى ما كنا فيه فاعلموا أنه إن هذه مجتهد إلى عدم سد الذريعة في غير محل النص مما يتضمنه هذا الباب فلا شك أن العمل الواقع عنده مشروع ويكون لصاحبه أجره ومن ذهب إلى سدها - ويظهر ذلك من كثير من السلف من الصحابة و التابعين وغيرهم - فلا شك أن ذلك العمل ممنوع ومنعه يقتضى بظاهره أنه ملوم عليه وموجب للذم إلا أن يذهب إلى ان النهى فيه راجع إلى أمر مجاور فهو محل نظر واشتباه ربما يتوهم فيه انفكاك الأمرين بحيث يصح أن يكون العمل مأمورا به من جهة نفسه ومنهيا عنه من جهة مآله
ولنا فيه مسلكان أحدهما التمسك بمجرد النهى في اصل المسألة كقوله تعالى ) يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا ( وقوله تعالى ) ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ( وفي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام نهى أن يجمع بين المتفرق ويفرق المجتمع خشية الصدقة ونهى عن البيع والسلف
وعلله العلماء بالربا المتذرع إليه في ضمن السلف ونهى عن الخلوة بالأجنبيات وعن سفر المرأة مع غير ذى محرم وأمر النساء بالاحتجاب عن ابصار الرجال والرجال بغض الأبصار إلى اشباه ذلك مما عللوا الأمر فيه والنهى بالتذرع لا بغيره


"""" صفحة رقم 34 """"
والنهى اصله أن يقع على المنهى عنه وإن كان معللا وصرفه إلى أمر مجاور خلاف اصل الدليل فلا يعدل عن الأصل إلا بدليل فكل عبادة نهى عنها فليست بعبادة إذ لو كانت عبادة لم ينه عنها فالعامل بها عامل بغير مشروع فإذا اعتقد فيها التعبد مع هذا النهى كان مبتدعا بها
لا يقال إن نفس التعليل يشعر بالمجاورة وإن الذى نهى عنه غير الذى أمر به وانفكاكهما متصور
لانا نقول قد تقرر أن المجاور إذا صار كالوصف اللازم انتهض النهى عن الجملة لا عن نفس الوصف بانفراده وهو مبين في القسم الثاني
المسلك الثاني ما دل في بعض مسائل الذرائع على ان الذرائع في الحكم بمنزلة المتذرع إليه ومنه ما ثبت في الصحيح من قول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من أكبر الكبائر ان يسب الرجل والديه - قالوا يا رسول الله وهل يسب الرجل والديه قال نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه وأمه فجعل سب الرجل لولدى غيره بمنزلة سبه لوالديه نفسه حتى ترجمه عنها بقوله أن يسب الرجل والديه ولم يقل أن يسب الرجل والدي من يسب والديه أو نحو ذلك وهو غاية معنى ما نحن فيه
ومثله حديث عائشة رضى الله عنها مع أم ولد زيد بن أرقم رضى الله عنه وقولها أبلغى زيد بن ارقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن لم يبت وإنما يكون هذا الوعيد فيمن فعل ما لا يحل له لا ممن فعله كبيرة حتى ترغب آخرا بالآية ) فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف (


"""" صفحة رقم 35 """"
وهي نازلة في غير العمل بالربا فعدت العمل بما يتذرع به إلى الربا بمنزلة العمل بالربا مع أنا نقطع أن زيد بن ارقم وام ولده لم يقصدوا قصد الربا كما لا يمكن ذا عقل أن يقصد والديه بالسب
وإذا ثبت هذا المعنى في بعض الذرائع ثبت في الجميع إذ لا فرق فيما لم يدع مما لم ينص عليه إلا ألزم الخصم مثله في المنصوص عليه
فلا عبادة أو مباحا يتصور فيه أن يكون ذريعة إلى غير جائز لا وهو غير عبادة ولا مباح
لكن هذا القسم إنما يكون النهى بحسب ما يصير وسيلة إليه في مراتب النهى إن كانت البدعة من قبيل الكبائر فالوسيلة كذلك أو من قبيل الصغائر فهي كذلك والكلام في هذه المسألة يتسع ولكن هذه الإشارة كافية فيها
وبالله التوفيق


"""" صفحة رقم 36 """"
الباب السادس في أحكام البدع وأنها ليست على رتبة واحدة
اعلم أنا أذا بنينا على أن البدع منقسمة إلى الأحكام الخمسة فلا إشكال في اختلاف رتبتها لأن النهى من جهة انقسامه إلى نهى الكراهية ونهى التحريم يستلزم أن احدهما أشد في النهى من الآخر فإذا انضم إليهما قسم الإباحة ظهر الاختلاف في الأقسام فإذا اجتمع إليها قسم الندب وقسم الوجوب كان الاختلاف فيها أوضح - وقد مر من أمثلتها أشياء كثيرة - لكنا لا نبسط القول في هذا التقسيم ولا بيان رتبه بالأشد والأضعف لانه إما أن يكون حقيقيا فالكلام فيه عناء وإن كان غير حقيقى فقد تقدم أنه غير صحيح فلا فائدة في التفريع على مالا يصح وإن عرض في ذلك نظر أو تفريع فإنما يذكر بحكم التبع بحول الله
فإذا خرج عن هذا التقسيم ثلاثة أقسام قسم الوجوب وقسم الندب - وقسم الإباحة - انحصر النظر فيما بقى وهو الذي ثبت من التقسيم غير انه ورد النهى عنها على وجه واحد ونسبته إلى الضلالة واحدة في قوله إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وهذا عام في كل بدعة فيقع السؤال هل لها حكم واحد أم لا فنقول ثبت في الأصول أن الأحكام الشرعية خمسة نخرج عنها الثلاثة فيبقى حكم الكراهية وحكم التحريم فاقتضى النظر انقسام البدع إلى القسمين فمنها بدعة محرمة


"""" صفحة رقم 37 """"
ومنها بدعة مكروهة وذلك أنها داخلة تحت جنس المنهيات لا تعدو الكراهة والتحريم فالبدع كذلك
هذا وجه
ووجه ثان أن البدع إذا تومل معقولها وجدت رتبها متفاوتة فمنها ما هو كفر صراح كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن كقوله تعالى ) وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ( الآية وقوله تعالى ) وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ( وقوله تعالى ) ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ( وكذلك بدعة المنافقين حيث اتخذوا الدين ذريعة لحفظ النفس والمال وما اشبه ذلك مما لا يشك أنه كفر صراح
ومنها ما هو من المعاصى التي ليست بكفر أو يختلف هل هي كفر أم لا كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة ومن أشبههم من الفرق الضالة
ومنها ما هو معصية ويتفق عليها ليست بكفر كبدعة التبتل والصيام قائما في الشمس والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع
ومنها ما هو مكروه كما يقول مالك في إتباع رمضان بست من شوال وقراءة القرآن بالإدارة والاجتماع للدعاء عشية عرفة وذكر السلاطين في اخطبة الجمعة - على ما قاله ابن عبد السلام الشافعى - وما أشبه ذلك


"""" صفحة رقم 38 """"
فمعلوم أن هذه البدع ليست في رتبة واحدة فلا يصح مع هذا أن يقال إنها على حكم واحد هو الكراهة فقط أو التحريم فقط
وجه ثالث إن المعاصى منها صغائر ومنها كبائر ويعرف ذلك بكونها واقعة في الضروريات أو الحاجيات أو التكميليات فإن كانت في الضروريات فهي أعظم الكبائر وإن وقعت في التحسينات فهى أدنى رتبة بلا إشكال وإن وقعت في الحاجيات فمتوسطة بين الرتبتين
ثم إن كل رتبة من هذه الرتب لها مكمل ولا يمكن في المكمل ان يكون في رتبة المكمل فإن المكمل مع المكمل في نسبة الوسيلة مع المقصد ولا تبلغ الوسيلة رتبة المقصد فقد ظهر تفاوت رتب المعاصى والمخالفات
وأيضا فإن الضروريات إذا تؤملت وجدت على مراتب في التأكيد وعدمه فليست مرتبة النفس كمرتبة الدين وليس تستصغر حرمة النفس في جنب حرمة الدين فيبيح الكفر الدم والمحافظة على الدين مبيح لتعريض النفس للقتل والإتلاف في الأمر بمجاهدة الكفار والمارقين عن الدين
ومرتبة العقل والمال ليست كمرتبة النفس ألا ترى أن قتل النفس مبيح للقصاص فالقتل بخلاف العقل والمآل وكذلك سائر ما بقى وإذا نظرت في مرتبة النفس تباينت المراتب فليس قطع العضو كالذبح ولا الخدش كقطع العضو وهذا كله محل بيانه الأصول


"""" صفحة رقم 39 """"
فصل
وإذا كان كذلك فالبدع من جملة المعاصى وقد ثبت التفاوت في المعاصى فكذلك يتصور مثله في البدع
فمنها ما يقع في الضروريات أي أنه إخلال بها ومنها ما يقع في رتبة الحاجيات ومنها ما يقع في رتبة التحسينيات وما يقع في رتبة الضروريات منه ما يقع في الدين أو النفس أو النسل أو العقل أو المال
فمثال وقوعه في الدين ما تقدم من اختراع الكفار وتغييرهم ملة إبراهيم عليه السلام من نحو قوله تعالى ) ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ( فروى عن المفسرين فيها أقوال كثيرة وفيها عن ابن المسيب أن البحيرة من الإبل هي التي يمنح درها للطواغيت والسائبة هي التي يسيبونها لطواغيتهم والوصيلة هي الناقة تبكر بالأنثى ثم تثنى بالأنثى يقولون وصلت انثيين ليس بينهما ذكر فيجدعونها لطواغيتهم والحامى هو الفحل من الإبل كان يضرب الضراب المعدودة فإذا بلغ ذلك قالوا حمى ظهره فيترك فيسمونه الحامى
وروى إسماعيل القاضى عن زيد بن اسلم قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إنى لأعرف أول من يسبب السوائب وأول من غير عهد إبراهيم عليه السلام قال قالوا من هو يا رسول الله قال عمرو بن لحيى أبو بنى كعب لقد رأيته يجر قصبه فى النار يؤذى ريحه أهل النار وإنى لأعرف أول من بحر البحائر قالوا من هو يا رسول الله قال رجل من بنى مدلج وكانت له ناقتان فجدع أذنيهما وحرم ألبانهما ثم شرب البانهما بعد ذلك فلقد رأيته في النار هو وهما يعضانه بأفواههما ويخبطانه بأخفافهما
وحاصل ما في هذه الآية تحريم ما أحل الله على نية التقرب به إليه مع كونه


"""" صفحة رقم 40 """"
حلالا بحكم الشريعة المتقدمة
ولقد هم بعض أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يحرموا على أنفسهم ما أحل الله وإنما كان قصدهم بذلك الانقطاع إلى الله عن الدنيا وأسبابها وشواغلها فرد ذلك عليهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأنزل الله عز وجل ) يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (
وسيأتى شرح هذه الآية في الباب السابع إن شاء الله تعالى وهو دليل على أن تحريم ما أحل الله - وإن كان بقصد سلوك طريق الآخرة - منهى عنه وليس فيه اعتراض على الشرع ولا تغيير له ولا قصد فيه الابتداع فما ظنك به إذا قصد به التغيير والتبديل كما فعل الكفار أو قصد به الابتداع في الشريعة وتمهيد سبيل الضلالة
فصل
ومثال ما يقع في النفس ما ذكر من نحل الهند في تعذيبها أنفسها بانواع العذاب الشنيع والتمثيل الفظيع والقتل بالاصناف التى تفزع منها القلوب وتقشعر منها الجلود كل ذلك على جهة استعجال الموت لنيل الدرجات العلى - في زعمهم - والفوز بالنعيم الاكمل بعد الخروج عن هذه الدار العاجلة ومبنى على اصول لهم فاسدة اعتقدوها وبنوا عليها اعمالهم
حكى المسعودى وغيره من ذلك أشياء فطالعها من هنالك وقد وقع القتل في العرب الجاهلية ولكن على غير هذه الجهة وهو قتل الأولاد لشيئين أحدهما خوف الإملاق والاخر دفع العار الذى كان لاحقا لهم بولادة الإناث حتى أنزل الله في ذلك قوله تعالى ) ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم ( - وقوله تعالى - ) وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت ( - وقوله - ) وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ( الآية


"""" صفحة رقم 41 """"
وهذا القتل محتمل أن يكون دينا وشرعه ابتدعوها ويحتمل أن يكون عادة تعودوها بحيث لم يتخذوها شرعة إلا أن الله تعالى ذمهم عليها فلا يحكم عليها بالبدعة بل بمجرد المعصية فنظرنا هل نجد لأحد المحتملين عاضدا يكون هو الأولى في حمل الآيات عليه فوجدنا قوله سبحانه وتعالى ) وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ( فإن الآية صرحت أن لهذا التزين سببين أحدهما الإرداء وهو الإهلاك والآخر لبس الدين وهو قوله ) وليلبسوا عليهم دينهم ( ولا يكون ذلك إلا بتغيره وتبديله أو الزيادة فيه أو النقصان منه وهو الابتداع بلا إشكال ن وإنما كان دينهم أولا دين أبيهم إبراهيم فصار ذلك من جملة ما بدلوا فيه كالبحيرة والسائبة ونصب الاصنام وغيرها حتى عد من جملة دينهم الذي يدينون به
ويعضده قوله تعالى بعد ) فذرهم وما يفترون ( فنسبهم إلى الافتراء - كما ترى - والعصيان من حيث هو عصيان لا يكون افتراءا وإنما يقع الافتراء في نفس التشريع في أن هذا القتل من جملة ما جاء من الدين
ولذلك قال تعالى على إثر ذلك ) قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا ( فجعل قتل الأولاد مع تحريم ما أحل الله من جملة الافتراء ثم ختم بقوله ) قد ضلوا ( وهذه خاصية البدعة - كما تقدم - فإذا ما فعلت الهند نحو مما فعلت الجاهلية وسيأتى مذهب المهدي المغربى في شرعية القتل
على أن بعض المفسرين قال في قوله تعالى ) وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ( أنه قتل الأولاد على جهة النذر والتقرب به إلى الله كما فعل عبد المطلب في ابنه عبد الله أبى النبى ( صلى الله عليه وسلم )


"""" صفحة رقم 42 """"
وهذا القتل قد يشكل إذ يقال لعل ذلك من جملة ما اقتدوا فيه بأبيهم إبراهيم عليه السلام لان الله أمره بذبح أبنه فلا يكون ذلك اختراعا وافتراءا لرجوعها إلى أصل صحيح وهو عمل أبيهم عليه السلام وإن صح هذا القول وتؤول فعل إبراهيم عليه السلام على أنه لم يكن شريعة لمن بعده من ذريته فوجه اختراعه دينا ظاهر لا سيما عند عروض شبهة الذبح وهو شأن أهل البدع إذ لا بد لهم من شبهة يتعلقون بها - كما تقدم التنبيه عليه
وكون ما تفعل أهل الهند من هذا القبيل ظاهر جدا
ويجرى مجرى إتلاف النفس إتلاف بعضها كقطع عضو من الأعضاء أو تعطيل منفعة من منافعه بقصد التقرب إلى الله بذلك فهو من جملة البدع وعليه يدل الحديث حيث قال رد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) التبتل على عثمان ابن مظعون ولو أذن له لاختصينا
فالخصاء بقصد التبتل وترك الاشتغال بملابسة النساء واكتساب الاهل والولد مردود مذموم وصاحبه معتد غير محبوب عند الله حسبما نبه قوله تعالى ) ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ( وكذلك فقء العين لئلا ينظر إلى مالا يحل له
فصل
ومثال ما يقع في النسل ما ذكر من أنكحة الجاهلية التي كانت معهودة فيها ومعمولا بها ومتخذة فيها كالدين المنتسب والملة الجارية التي لا عهد بها في شريعة إبراهيم عليه السلام ولا غيره بل كانت من جملة ما اخترعوا وابتدعوا وهو على أنواع
فجاء عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء


"""" صفحة رقم 43 """"
الأول منها - نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها _
والثانى نكاح الاستبضاع كالرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلى إلى فلان فاستبضعى منه
ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى حملها من ذلك الرجل الذي يستبضع منه فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع
والثالث أن يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومرت ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع منهم رجل ان يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان فتسمى من أحبت باسمه فيلحق به ولدها فلا يستطيع أن يمتنع منه الرجل
والرابع أن يجتمع الناس الكثيرون فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا لها القافة ثم ألحقوا ولدها بالذى يرون فالتاط به ودعى ابنه لا يمتنع من ذلك فلما بعث الله نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) بالحق هدم نكاح الجاهلية إلا نكاح الناس اليوم
وهذا الحديث في البخارى مذكور
وكان لهم أيضا سنن أخر في النكاح خارجة عن المشروع كوراثة النساء كرها وكنكاح ما نكح الأب وأشباه ذلك جاهلية جارية مجرى المشروعات عندهم فمحا الإسلام ذلك كله والحمد لله
ثم أتى بعض من نسب إلى الفرق ممن حرف التأويل في كتاب الله فاجاز نكاح أكثر من أربع نسوة إما اقتداء - في زعمه - بالنبى ( صلى الله عليه وسلم )


"""" صفحة رقم 44 """"
حيث أحل له أكثر من ذلك أن يجمع بينهن ولم يلتفت إلى إجماع المسلمين أن ذلك خاص به عليه السلام وإما تحريفا لقوله تعالى ) فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ( فأجاز الجمع بين تسع نسوة في ذلك ولم يفهم المراد من الراوى ولا من قوله مثنى وثلاث ورباع فأتى ببدعة أجراها في هذه الامة لا دليل عليها ولا مستند فيها
ويحكى عن الشيعة أنها تزعم أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) أسقط عن أهل بيته ومن دان بحبهم جميع الاعمال وانهم غير مكلفين إلا بما تطوعوا وأن المحظورات مباحة لهم كالخنزير والزنا والخمر وسائر الفواحش وعندهم نساء يسمين النوابات يتصدقن بفروجهن على المحتاجين رغبة في الأجر وينكحون ما شاءوا من الأخوات والبنات والامهات لا حرج عليهم ولا في تكثير النساء
ومن هؤلاء هم العبيدية الذين ملكوا مصر وإفريقية
ومما يحكي عنهم في ذلك أنه يكون للمرأة ثلاثة أزواج وأكثر في بيت واحد يستولدونها وتنسب الولد لكل واحد منهم ويهنأ به كل واحد منهم كما التزمت الإباحية خرق هذا الحجاب بإطلاق وزعمت أن الأحكام الشرعية إنما هي خاصة بالعوام وأما الخواص منهم فقد ترقوا عن تلك المرتبة فالنساء بإطلاق حلال لهم كما أن جميع ما في الكون من رطب ويابس حلال لهم أيضا مستدلين على ذلك بخرافات عجائز لا يرضاها ذو عقل ) قاتلهم الله أنى يؤفكون (


"""" صفحة رقم 45 """"
) فصاروا أضر على الدين من متبوعهم إبليس لعنهم الله كقوله
وكنت امرءا من جند إبليس فانتهى
بى الفسق حتى صار إبليس من جندى
( فلو مات قبلى كنت أحسن بعده طرائق فسق ليس يحسنها بعدى
فصل
ومثال ما يقع في العقل أن الشريعة بينت ان حكم الله على العباد لا يكون إلا بما شرع في دينه على ألسنة أنبيائه ورسله ولذلك قال تعالى ) وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ( وقال تعالى ) فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ( وقال ) إن الحكم إلا لله ( واشباه ذلك من الآيات والأحاديث
فخرجت عن هذا الأصل فرقة زعمت أن العقل له مجال في التشريع وأنه محسن ومقبح فابتدعوا في دين الله ما ليس فيه
ومن ذلك أن الخمر لما حرمت ونزل من القرآن في شأن من مات قبل التحريم وهو يشربها قوله تعالى ) ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ( الآية
تأولها قوم - فيما ذكر - على أن الخمر حلال وأنها داخلة تحت قوله ) فيما طعموا (


"""" صفحة رقم 46 """"
فذكر إسماعيل بن إسحاق عن على رضى الله عنه قال شرب نفر من أهل الشام الخمر وعليهم يزيد بن أبى سفيان فقالوا هي لنا حلال
وتأولوا هذه الآية ) ليس على الذين آمنوا ( الآية
قال فكتب فيهم إلى عمر
قال فكتب عمر إليه أن ابعث بهم إلى قبل أن يفسدوا من قبلك فلما قدموا إلى عمر استشار فيهم الناس فقالوا يا أمير المؤمنين نرى أنهم قد كذبوا على الله وشرعوا في دينه ما لم يأذن به فاضرب أعناقهم وعلى رضى الله عنه ساكت قال فما تقول يا أبا الحسن فقال أرى أن تستتيبهم فإن تابوا جلدتهم ثمانين لشربهم الخمر وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم فإنهم قد كذبوا على الله وشرعوا في دين الله ما لم يأذن به
فاستتابهم فتابوا فضربهم ثمانين ثمانين
فهؤلاء استحلوا بالتأويل ما حرم الله وبنص الكتاب وشهد فيهم على رضى الله عنه وغيره من الصحابة بانهم شرعوا في دين الله وهذه هي البدعة بعينها فهذا وجه
وأيضا فإن بعض الفلاسفة الإسلاميين تأول فيها غير هذا وأنه إنما يشربها للنفع لا للهو وعاهد الله على ذلك فكأنها عندهم من الأدوية أو غذاء صالح يصلح لحفظ الصحة
ويحكى هذا العهد عن ابن سيناء
ورأيت في بعض كلام الناس ممن عرف عنه أنه كان يستعين في سهره للعلم والتصنيف والنظر بالخمر فإذا رأى من نفسه كسلا أو فترة شرب منها قدر ما ينشطه وينفى عنه الكسل بل ذكروا فيها أن لها حرارة خاصة تفعل أفعالا


"""" صفحة رقم 47 """"
كثيرة تطيب النفس وتصير الإنسان محبا للحكمة وتجعله حسن الحركة والذهن والمعرفة فإذا استعملها على الاعتدال عرف الأشياء وفهمها وتذكرها بعد النسيان
فلهذا - والله أعلم - كان ابن سينا لا يترك استعمالها - على ما ذكر عنه - وهو كله ضلال مبين عياذا بالله من ذلك
ولا يقال إن هذا داخل تحت مسألة التداوى بها
وفيها خلاف شهير لانا نقول إنما ثبت عن ابن سينا أنه كان يستعملها استعمال الأمور المنشطة من الكسل والحفظ للصحة والقوة على القيام بوظائف الأعمال أو ما يناسب ذلك لا في الأمراض المؤثرة في الأجسام
وإنما الخلاف في استعمالها في الأمراض لا في غير ذلك فهو ومن وافقه على ذلك متقولون على شريعة الله مبتدعون فيها وقد تقدم رأى أهل الإباحة في الخمر وغيرها ولا توفيق إلا بالله
فصل
ومثال ما يقع في المال أن الكفار قالوا ) إنما البيع مثل الربا ( فإنهم لما استحلوا العمل به احتجوا بقياس فاسد فقالوا إذا فسخ العشرة التي اشترى بها إلى شهر في خمسة عشر إلى شهرين فهو كما لو باع بخمسة عشر إلى شهرين فأكذبهم الله تعالى ورد عليهم فقال ) ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا (


"""" صفحة رقم 48 """"
) ليس البيع مثل الربا
فهذه محدثة أخذوا بها مستندين إلى رأى فاسد فكان من جملة المحدثاث كسائر ما أحدثوا في البيوع الجارية بينهم المبنية على الخطر والغرر
وكانت الجاهلية قد شرعت أيضا اشياء في الأموال كالحظوظ التي كانوا يخرجونها للأمير من الغنيمة حتى قال شاعرهم
لك المرباع فيها والصفايا
وحكمك والنشيطة والفضول
فالمرباع ربع المغنم يأخذه الرئيس والصفايا جمع صفى وهو ما يصطفيه الرئيس لنفسه من المغنم والنشيطة ما يغنمه الغزاة في الطريق قبل بلوغهم إلى الموضع الذي قصدوه فكان يختص به الرئيس دون غيره والفضول ما يفضل من الغنيمة عند القسمة
وكانت تتخذ الأرضين تحميها عن الناس أن لا يدخولها ولا يرعوها فلما نزل القرآن بقسمة الغنيمة في قوله تعالى ) واعلموا أنما غنمتم من شيء ( الآية ارتفع حكم هذه البدعة إلا بعض من جرى في الإسلام على حكم الجاهلية فعمل باحكام الشيطان ولم يستقم على العمل بأحكام الله تعالى
وكذلك جاء لا حمى إلا حمى الله ورسوله ثم جرى بعض الناس ممن آثر الدنيا على طاعة الله على سبيل حكم الجاهلية ) ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ( ولكن الآية والحديث وما كان في معناهما أثبت أصلا في الشريعة مطردا لا ينخرم وعاما لايتخصص ومطلقا لا يتقيد وهو أن الصغير من المكلفين والكبير والشريف والدنىء والرفيع والوضيع في احكام الشريعة


"""" صفحة رقم 49 """"
سواء فكل من خرج عن مقتضى هذا الاصل خرج من السنة إلى البدعة ومن الاستقامة إلى الاعوجاج
وتحت هذا الرمز تفاصيل عظيمة الموقع
لعلها تذكر فيما بعد ان شاء الله وقد اشير إلى جملة منها
فصل
إذا تقرر أن البدع ليست فى الذم ولا فى النهى على رتبة واحدة وأن منها ما هو مكروه كما أن منها ما هو محرم فوصف الضلالة لازم لها وشامل لانواعها لما ثبت من قوله ( صلى الله عليه وسلم ) كل بدعة ضلالة
لكن يبقى ها هنا إشكال وهو أن الضلالة ضد الهدى لقوله تعالى ) أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ( وقوله ) ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل ( واشباه ذلك مما قوبل فيه بين الهدى والضلال فانه يقتضى أنهما ضدان وليس بينهما واسطة تعتبر فى الشرع فدل على ان البدع المكروهة خروج عن الهدى
ونظيره فى المخالفات التى ليست ببدع المكروهة من الافعال كالالتفات اليسير فى الصلاة من غير حاجة والصلاة وهو يدافعه الأخبثان وما أشبه ذلك
ونظيره فى الحديث نهينا عن اتباع الجنائز ولم يحرم علينا فالمرتكب للمكروه لا يصح ان يقال فيه مخالف ولا عاص مع أن الطاعة ضدها المعصية
وفاعل المندوب مطيع لانه فاعل ما امر به فإذا اعتبرت الضد لزم أن يكون فاعل المكروه لا عاصيا لانه فاعل ما نهى عنه
لكن ذلك غير صحيح اذ فلا يطلق عليه عاص فكذلك لا يكون فاعل البدعة المكروهة ضالا والا فلا فرق بين اعتبار الضد فى الطاعة واعتباره فى الهدى فكما يطلق على البدعة المكروهة لفظ الضلالة


"""" صفحة رقم 50 """"
فكذلك يطلق على الفعل المكروه لفظ والا فلا يطلق على البدعة المكروهة لفظ الضلالة كما لا يطلق على الفعل المكروه لفظ المعصية
الا أنه قد تقدم عموم لفظ الضلالة لكل بدعة فليعم لفظ المعصية لكل فعل مكروه لكن هذا باطل فما لزم عنه كذلك
والجواب أن عموم لفظ الضلالة لكل بدعة ثابت - كما تقدم بسطة - وما التزمتم فى الفعل المكروه غير لازم فإنه لا يلزم فى الافعال أن تجرى على الضدية المذكورة إلا بعد استقراء الشرع ولما استقرينا موارد الاحكام الشرعية وجدنا للطاعة والمعصية واسطة متفقا عليها أو كالمتفق عليها وهى المباح وحقيقته أنه ليس بطاعة من حيث هو مباح
فالامر والنهى ضدان بينهما واسطة لا يتعلق بها أمر ولا نهى وأنما يتعلق بها التخيير
وإذا تأملنا المكروه - حسبما قرره الاصوليون - وجدناه ذا طرفين طرف من حيث هو منهى عنه فيستوى مع المحرم فى مطلق النهى فربما يتوهم أن مخالفة نهى الكراهية معصية من حيث اشترك مع المحرم فى مطلق المخالفة
غير أنه يصد عن هذا الاطلاق الطرف الآخر وهو أن يعتبر من حيث لا يترتب على فاعلة ذم شرعى ولا إثم ولا عقاب فخالف المحرم من هذا الوجه وشارك المباح فيه لأن المباح لا ذم على فاعله ولا إثم ولا عقاب فتحاموا أن يطلقوا على ما هذا شأنه عبارة المعصية
وإذا ثبت هذا ووجدنا بين الطاعة والمعصية واسطة يصح أن ينسب إليها


"""" صفحة رقم 51 """"
المكروه من البدع وقد قال الله تعالى ) فماذا بعد الحق إلا الضلال ( فليس إلا حق وهو الهدى والضلال وهو باطل فالبدع المكروهة ضلال
وأما ثانيا فإن إثبات قسم الكراهة في البدع على الحقيقة مما ينظر فيه فلا يغتر المغتر بإطلاق المتقدمين من الفقهاء لفظ المكروه على بعض وإنما حقيقة المسالة أن البدع ليست على رتبة واحدة في الذم - كما تقدم بيانه - وأما تعيين الكراهة التي معناها نفى إثم فاعلها وارتفاع الحرج البتة فهذا مما لا يكاد يوجد عليه دليل من الشرع ولا من كلام الأئمة على الخصوص
أما الشرع ففيه ما يدل على خلاف ذلك لأن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رد على من قال أما أنا فأقوم الليل ولا انام وقال الآخر أما أنا فلا أنكح النساء - إلى آخر ما قالوا فرد عليهم ذلك ( صلى الله عليه وسلم ) وقال من رغب عن سنتي فليس مني
وهذه العبارة أشد شىء في الإنكار ولم يكن ما التزموا إلا فعل مندوب أو ترك مندوب إلى فعل مندوب آخر وكذلك ما في الحديث أنه عليه السلام رأى رجلا قائما في الشمس فقال ما بال هذا نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس ويصوم
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مره فليجلس وليتكلم وليستظل وليتم صومه قال مالك أمره أن يتم ما كان لله عليه فيه طاعة ويترك ما كان عليه فيه معصية


"""" صفحة رقم 52 """"
ويعضد هذا الذي قاله مالك ما في البخاري عن قيس بن أبى حازم قال دخل على امرأة من قيس يقال لها زينب فرآها لا تتكلم فقال مالها فقال حجة مصمتة قال لها تكلمي فإن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية فتكلمت الحديث الخ
وقال مالك أيضا في قوله عليه الصلاة والسلام من نذر ان يعصى الله فلا يعصه إن ذلك أن ينذر لرجل أن يمشى إلى الشام وإلى مصر واشباه ذلك مما ليس فيه طاعة أو ان لا أكلم فلانا فليس عليه في ذلك شىء إن هو كلمه لانه ليس لله في هذه الأشياء طاعة وإنما يوفي لله بكل نذر فيه طاعة من مشى إلى بيت الله أو صيام أو صدقة أو صلاة فكل ما لله فيه طاعة فهو واجب على من نذره
فتأمل كيف جعل القيام في الشمس وترك الكلام ونذر المشى إلى الشام أو مصر معاصي حتى فسر فيها الحديث المشهور مع انها في أنفسها اشياء مباحات
لكنه لما أجراها مجرى ما يتشرع به ويدان لله به صارت عند مالك معاصى لله
وكليه قوله كل بدعة ضلالة شاهدة لهذا المعنى والجميع يقتضى التأثيم والتهديد والوعيد وهي خاصية المحرم
وقد مر ما روى الزبير بن بكار وأتاه رجل فقال يا أبا عبدالله من أين أحرم قال من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال إني اريد أن أحرم من المسجد
فقال لا تفعل
قال إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر
قال لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة
قال وأي فتنة في هذا إنما هي أميال أزيدها
قال وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إني سمعت الله تعالى


"""" صفحة رقم 53 """"
يقول ) فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (
فأنت ترى أنه خشى عليه الفتنة في الإحرام من موضع فاضل لا بقعة أشرف منه وهو مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وموضع قبره لكنه أبعد من الميقات فهو زيادة في التعب قصدا لرضا الله ورسوله فبين أن ما استسهله من ذلك الأمر اليسير في بادي الرأي يخاف على صاحبه الفتنة في الدنيا والعذاب في الآخرة واستدل بالآية
فكل ما كان مثل ذلك داخل - عند مالك - في معنى الآية فأين كراهية التنزيه في هذه الأمور التي يظهر بأول النظر أنها سهلة ويسيرة وقال ابن حبيب أخبرني ابن الماجشون أنه سمع مالكا يقول التثويب ضلال
قال مالك ومن أحدث في هذا الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خان الدين لأن الله تعالى يقول ) اليوم أكملت لكم دينكم ( فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا
وإنما التثويب الذي كرهه أن المؤذن كان إذا أذن فأبطأ الناس قال بين الأذان والإقامة قد قامت الصلاة حى على الصلاة حى على الفلاح وهو قول إسحاق ابن راهويه أنه التثويب المحدث
قال الترمذي لما نقل هذا عن سحنون وهذا الذي قال إسحاق هو التثويب الذي قد كرهه أهل العلم والذي أحدثوه بعد النبى ( صلى الله عليه وسلم )
وإذا اعتبر هذا اللفظ في نفسه فكل أحد يستسهله في بادى الرأي إذ ليس فيه زيادة على التذكير بالصلاة
وقصة صبيغ العراقي ظاهرة في هذا المعنى فحكى ابن وهب قال حدثنا مالك بن أنس قال جعل صبيغ يطوف بكتاب الله معه ويقول من يتفقه يفقهه الله من يتعلم يعلمه الله فأخذه عمر بن الخطاب رضى الله عنه فضربه


"""" صفحة رقم 54 """"
بالجريد الرطب ثم سجنه حتى إذا خف الذي به أخرجه فضربه فقال يا أمير المؤمنين إن كنت تريد قتلى فأجهز على وإلا فقد شفيتنى شفاك الله فخلاه عمر
قال ابن وهب قال مالك وقد ضرب عمر بن الخطاب رضى الله عنه صبيغا حين بلغه ما يسال عنه من القرآن وغير ذلك أ ه
وهذا الضرب إنما كان لسؤاله عن أمور من القرآن لا ينبنى عليها عمل وربما نقل عنه أنه كان يسأل عن السابحات سبحا والمرسلات عرفا وأشباه ذلك والضرب إنما يكون لجناية أربت على كراهية التنزيه إذ لا يستباح دم امرىء مسلم ولا عرضه بمكروه كراهية تنزيه ضربه إياه خوف الابتداع في الدين أن يشتغل منه بما لا ينبنى عليه عمل وأن يكون ذلك ذريعة لئلا يبحث عن المتشابهات القرآنية ولذلك لما قرأ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ) وفاكهة وأبا ( قال هذه الفاكهة فما الأب ثم قال ما أمرنا بهذا
وفي رواية نهينا عن التكلف
وجاء في قصة صبيغ من رواية ابن وهب عن الليث انه ضربه مرتين ثم اراد أن يضربه الثالثة فقال له صبيغ إن كنت تريد قتلى فاقتلنى قتلا جميلا وإن


"""" صفحة رقم 55 """"
كنت تريد أن تداويني فقد والله برئت
فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبى موسى الأشعري رضي الله عنه أن لا يجالسه أحد من المسلمين
فاشتد ذلك على الرجل فكتب أبو موسى إلى عمر أن قد حسنت سيئته فكتب إليه عمر أن يأذن للناس بمجالسته
والشواهد في هذا المعنى كثيرة وهي تدل على أن الهين عند الناس من البدع شديد وليس بهين ) وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (
وأما كلام العلماء فإنهم وإن أطلقوا الكراهية في الأمور المنهى عنها لا يعنون بها كراهية التنزيه فقط وإنما هذا اصطلاح للمتأخرين حين ارادوا أن يفرقوا بين القبلتين
فيطلقون لفظ الكراهية على كراهية التنزيه فقط ويخصون كراهية التحريم بلفظ التحريم والمنع وأشباه ذلك
وأما المتقدمون من السلف فإنهم لم يكن من شأنهم فيما لا نص فيه صريحا أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام
ويتحامون هذه العبارة خوفا مما في الآية من قوله ) ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ( وحكى مالك عمن تقدمه هذا المعنى
فإذا وجدت في كلامهم في البدعة أو غيرها أكره هذا ولا أحب هذا وهذا مكروه وما أشبه ذلك فلا تقطعن على أنهم يريدون التنزيه فقط فإنه إذا دل الدليل في جميع البدع على أنها ضلالة فمن أين يعد فيها ما هو مكروه كراهية التنزيه اللهم إلا أن يطلقوا لفظ الكراهية على ما يكون له أصل في الشرع ولكن يعارضه أمر آخر معتبر في الشرع فيكره لأجله لا لأنه بدعة مكروهة - على تفصيل يذكر في موضعه
وأما ثالثا فإنا إذا تأملنا حقيقة البدعة - دقت أو جلت - وجدناها مخالفة للمكروه من المنهيات المخالفة التامة
وبيان ذلك من أوجه


"""" صفحة رقم 56 """"
احدها أن مرتكب المكروه إنما قصده نيل غرضه وشهوته العاجلة متكلا على العفو اللازم فيه ورفع الحرج الثابت في الشريعة فهو إلى الطمع رحمة الله أقرب
وايضا فليس عقده الإيمانى يمتزحزح لأنه يعتقد المكروه مكروها كما يعتقد الحرام حراما وإن ارتكبه فهو يخاف الله ويرجوه والخوف والرجاء شعبتان من شعب الإيمان
فكذلك مرتكب المكروه يرى أن الترك اولى في حقه من الفعل وأن نفسه الأمارة زينب له الدخول فيه
ويود لو لم يفعل وايضا فلا يزال - إذا تذكر - منكسر القلب طامعا في الإقلاع سواء عليه أخذ في أسباب الإقلاع أم لا
ومرتكب أدنى البدع يكاد يكون على ضد هذه الأحوال فإنه يعد ما دخل فيه حسنا بل يراه أولى بما حد له الشارع فأين مع هذا خوفه أو رجاؤه وهو يزعم أن طريقه هدى سبيلا ونحلته أولى بالاتباع
هذا وإن كان زعمه شبهة عرضت فقد شهد الشرع بالآيات والأحاديث أنه متبع للهوى
وسيأتي لذلك تقرير إن شاء الله
وقد مر في اول الباب الثاني تقرير لجملة من المعاني التي تعظم أمر البدع على الإطلاق وكذلك مر في آخر الباب أيضا أمور ظاهرة في بعد ما بينهما وبين كراهية التنزيه فراجعها هنالك يتبين لك مصداق ما أشير إليه ها هنا وبالله التوفيق
والحاصل أن النسبة بين المكروه من الاعمال وبين أدنى البدع بعيد الملتمس


"""" صفحة رقم 57 """"
فصل إذا ثبت هذا انتقلنا منه إلى معنى آخر
وهو أن المحرم ينقسم في الشرع إلى ما هو صغيرة وإلى ما هو كبيرة - حسبما تبين في علم الأصول الدينية - فكذلك يقال في البدع المحرمة - إنها تنقسم إلى الصغيرة والكبيرة اعتبارا بتفاوت درجاتها - كما تقدم - وهذا على القول بأن المعاصي تنقسم إلى الصغيرة والكبيرة
ولقد اختلفوا في الفرق بينهما على أوجه وجميع ما قالوه لعله لا يوفى بذلك المقصود على الكمال فلنترك التفريع عليه
وأقرب وجه يلتمس لهذا المطلب ما تقرر في كتاب الموافقات ان الكبائر منحصرة في الإخلال بالضروريات المعتبرة في كل ملة
وهي الدين والنفس والنسل والعقل والمال وكل ما نص عليه راجع إليها وما لم ينص عليه جرت في الاعتبار والنظر مجراها وهو الذي يجمع أشتات ما ذكره العلماء وما لم يذكروه مما هو في معناه
فكذلك نقول في كبائر البدع ما اخل منها بأصل من هذه الضروريات فهو كبيرة ومالا فهي صغيرة
وقد تقدمت لذلك أمثلة وأول الباب
فكما انحصرت كبائر المعاصى أحسن انحصار - حسبما أشير إليه في ذلك الكتاب - كذلك تنحصر كبائر البدع ايضا وعند ذلك يعترض في المسألة إشكال عظيم على أهل البدع يعسر التخلص عنه في إثبات الصغائر فيها
وذلك أن جميع البدع راجعة إلى الإخلال بالدين إما اصلا وإما فرعا لأنها إنما أحدثت لتلحق بالمشروع زيادة فيه أو نقصانا منه أو تغييرا لقوافيه أو ما يرجع إلى ذلك وليس ذلك بمختص بالعبادات دون العادات إن قلنا بدخولها في العادات بل تمنع الجميع
وإذا كانت بكليتها إخلالا بالدين فهي إذا إخلال باول الضروريات


"""" صفحة رقم 58 """"
وهو الدين وقد أثبت الحديث الصحيح أن كل بدعة ضلالة وقال في الفرق كلها في النار إلا واحدة وهذا وعيد أيضا للجميع على التفصيل
هذا وإن تفاوتت مراتبها في الإخلال بالدين فليس ذلك بمخرج لها عن أن تكون كبائر كما أن القواعد الخمس أركان الدين وهي متفاوتة في الترتيب فليس الإخلال بالشهادتين كالإخلال بالصلاة ولا الإخلال بالصلاة كالإخلال بالزكاة ولا الإخلال بالزكاة كالإخلال برمضان وكذلك سائرها مع الإخلال فكل منها كبيرة
فقد آل النظر إلى ان كل بدعة كبيرة
ويجاب عنه بأن هذا النظر يدل على ما ذكر ففي النظر ما يدل من جهة أخرى على إثبات الصغيرة من أوجه أحدها أنا نقول الإخلال بضرورة النفس كبيرة بلا إشكال ولكنها على مراتب أدناها لا يسمى كبيرة فالقتل كبيرة وقطع الأعضاء من غير إجهاز كبيرة دونها وقطع عضو واحد كبيرة دونها وهلم جرا إلى أن تنتهي إلى اللطمة ثم إلى أقل خدش يتصور فلا يصح أن يقال في مثله كبيرة كما قال العلماء في السرقة إنها كبيرة لأنها إخلال بضرورة المال
فإن كانت السرقة في لقمة أو تطفيف بحبة فقد عدوه من الصغائر
وهذا في ضرروة الدين أيضا
فقد جاء في بعض الأحاديث عن حذيفة رضى الله عنه قال اول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة ولتنقضن عرى الإيمان عروة عروة وليصلين نساء وهن حيض - ثم قال - حتى تبقى فرقتان من فرق كثيرة تقول إحداهما ما بال الصلوات الخمس لقد ضل من كان قبلنا إنما قال الله أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل لا تصلن إلا ثلاثا
وتقول أخرى إنا لنؤمن بالله إيمان الملائكة ما فينا كافر حق على الله أن يحشرهما مع الدجال فهذا الأثر - وإن لم تلتزم عهدة صحته - مثال من الامثلة المسالة


"""" صفحة رقم 59 """"
فقد نبه على أن في آخر الزمان من يرى أن الصلوات المفروضة ثلاث لا خمس وبين أن من النساء من يصلين وهن حيض كأنه يعنى بسبب التعمق وطلب الاحتياط بالوساوس الخارج عن السنة
فهذه مرتبة دون الأولى
وحكى ابن حزم أن بعض الناس زعم أن الظهر خمس ركعات لا أربع ركعات ثم وقع في العتبية
قال ابن القاسم وسمعت مالكا يقول اول من أحدث الاعتماد في الصلاة - حتى لا يحرك رجليه - رجل قد عرف وسمى إلا أنى لا أحب أن أذكره وقد كان مساء أي يساء الثناء عليه قال - قد عيب ذلك عليه وهذا مكروه من الفعل
قالوا ومساء أي يساء الثناء عليه
قال ابن رشد جائز عند مالك أن يروح الرجل قدميه في الصلاة قاله في المدونة وإنما كره أن يقرنهما حتى لا يعتمد على إحداهما دون الأخرى لأن ذلك ليس من حدود الصلاة إذ لم يأت ذلك عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ولا عن أحد من السلف والصحابة المرضيين وهو من محدثات الأمور انتهى
فمثل هذا - إن كان يعده فاعله من محاسن الصلاة وإن لم يات به اثر فيقال في مثله إنه من كبار البدع
كما يقال ذلك في الركعة الخامسة في الظهر ونحوها بل إنما يعد مثله من صغائر البدع إن سلمنا أن لفظ الكراهية فيه ما يراد به التنزيه وإذا ثبت ذلك في بعض الأمثلة في قاعدة الدين فمثله يتصور في سائر البدع المختلفة المراتب فالصغائر في البدع ثابتة كما أنها في المعاصي ثابتة
والثاني أن البدع تنقسم إلى ما هي كلية في الشريعة وإلى جزئية ومعنى ذلك أن يكون الخلل الواقع بسب بالبدعة كليا في الشريعة كبدعة التحسين والتقبيح العقليين وبدعة إنكار الأخبار السنية اقتصارا على القرآن وبدعة الخوارج في قولهم لا حكم إلا لله
وما أشبه ذلك من البدع التي لا تختص فرعا من فروع الشريعة دون فرع يبل يجدها تنتظم ما لا ينحصر من الفروع


"""" صفحة رقم 60 """"
الجزئية أو يكون الخلل الواقع جزئيا إنما يأتى في بعض الفروع دون بعض كبدعة التثويب بالصلاة الذي قال فيه مالك التثوب ضلال وبدعة الأذان والإقامة في العيدين وبدعة الاعتماد في الصلاة على إحدى الرجلين وما أشبه ذلك
فهذا القسم لا تتعدى فيه البدعة محلها ولا تنتظم تحتها غيرها حتى تكون اصلا لها
فالقسم الأول إذا عد من الكبائر اتضح مغزاه وأمكن أن يكون منحصرا داخلا تحت عموم الثنتين والسبعين فرقة ويكون الوعيد الآتي في الكتاب والسنة مخصوصا به لا عاما فيه وفي غيره ويكون ما عدا ذلك من قبيل اللمم المرجو فيه العفو الذي لا ينحصر إلى ذلك العدد فلا قطع على أن جميعها من واحد وقد ظهر وجه انقسامها
والثالث أن المعاصي قد ثبت انقسامها إلى الصغائر والكبائر ولا شك أن البدع من جملة المعاصى - على مقتضى الأدلة المتقدمة - ونوع من أنواعها فاقتضى إطلاق التقسيم أن البدع تنقسم أيضا ولا يخصص وجوها بتعميم الدخول في الكبائر لأن ذلك تخصيص من غير مخصص ولو كان ذلك معتبرا لا ستثنى من تقدم من العلماء القائلين بالتقسيم قسم البدع فكانوا ينصون على أن المعاصى ما عدا البدع تنقسم إلى الصغائر والكبائر إلا أنهم لم يلتفتوا إلى الاستثناء وأطلقوا القول بالانقسام فظهر أنه شامل لجميع أنواعها
فإن قيل إن ذلك التفاوت لا دليل فيه على إثبات الصغيرة مطلقا وإنما يدل ذلك على نها تتفاضل فمنها ثقيل وأثقل ومنها خفيف وأخف والخفة هل تنتهى إلى حد تعد البدعة فيه من قبيل اللمم هذا فيه نظر وقد ظهر معنى الكبيرة والصغيرة في المعاصى غير البدع
وأما في البدع فثبت لها أمران احدهما أنها مضادة للشارع ومراغمة له


"""" صفحة رقم 61 """"
حيث نصب المبتدع نفسه نصب المستدرك على الشريعة لا نصب المكتفى بما حد له
والثاني أن كل بدعة - وإن قلت - تشريع زائد أو ناقص أو تغيير للأصل الصحيح وكل ذلك قد يكون على الانفراد وقد يكون ملحقا بما هو مشروع فيكون قادحا في المشروع
ولو فعل أحد مثل هذا في نفس الشريعة عامدا لكفر إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيير - قل أو كثر - كفر فلا فرق بين ما قل منه وما كثر
فمن فعل مثل ذلك بتأويل فاسد أو برأى غالظ رآه أو ألحقه بالمشروع إذا لم تكفره لم يكن في حكمه فرق بين ما قل منه وما كثر لأن الجميع جناية لا تحملها الشريعة بقليل ولا بكثير
ويعضد هذا النظر عموم الادلة في ذم البدع من غير استثناء فالفرق بين بدعة جزئية وبدعة كلية وقد حصل الجواب عن السؤال الأول والثاني
وأما الثالث فلا حجة فيه لأن قوله عليه السلام كل بدعة ضلالة وما تقدم من كلام السلف يدل على عموم الذم فيها
وظهر أنها مع المعاصى لا تنقسم ذلك الانقسام بل إنما ينقسم ما سواها من المعاصى
واعتبر بما تقدم ذكره في الباب الثاني يتبين لك عدم الفرق فيها
وأقرب منها عبارة تناسب هذا التقرير أن يقال كل بدعة كبيرة عظيمة بالإضافة إلى مجاوزة حدود الله بالتشريع إلا أنها وإن عظمت لما ذكرناه فإذا نسب بعضها إلى بعض تفاوتت رتبتها فيكون منها صغار وكبار إما باعتبار أن بعضها أشد عقابا من بعض فالأشد عقابا أكبر مما دونه وإما باعتبار فوت المطلوب في المفسدة فكما انقسمت الطاعة باتباع السنة إى الفاضل والأفضل لانقسام مصالحها إلى الكامل والأكمل انقسمت البدع لانقسام مفاسدها إلى الرذل والأرذل
والصغر والكبر
من باب النسب والإضافات فقد يكون الشىء كبيرا في نفسه لكنه صغير بالنسبة إلى ما هو أكبر منه


"""" صفحة رقم 62 """"
وهذه العبارة قد سبق إليها إمام الحرمين لكن في انقسام المعاصى إلى الكبائر والصغائر فقال المرضى عندنا أن كل ذنب كبيرة وعظيم بالإضافة إلى مخالفة الله ولذلك يقال معصية الله أكبر من معصية العباد - قولا مطلقا إلا أنها وإن عظمت لما ذكرناه فإذا نسب بعضها إلى بعض تفاوتت رتبها
ثم ذكر معنى ما تقدم ولم يوافقه غيره على ما قال وإن كان له وجه في النظر وقعت الإشارة إليه في كتاب الموافقات
ولكن الظاهر يأبى ذلك - حسبما ذكره غيره من العلماء - والظواهر في البدع لا تأبى كلام الإمام إذا نزل عليها - حسبما تقدم - فصار اعتقاد الصغائر فيها يكاد يكون من المتشابهات كما صار اعتقاد نفى الكراهية التنزيه عنها من الواضحات
فليتأمل هذا الموضع أشد التأمل ويعط من الإنصاف حقه ولا ينظر إلى خفة الأمر في البدعة بالنسبة إلى صورتها وإن دقت بل ينظر إلى مصادمتها للشريعة ورميها لها بالنقص والاستدارك وأنها لم تكمل بعد حتى يوضع فيها بخلاف سائر المعاصى فإنها لا تعود على الشريعة بتنقيص ولا غض من جانبها بل صاحب المعصية متنصل منها مقر لله بمخالفته لحكمها
وحاصل المعصية أنها مخالفة في فعل المكلف لما يعتقد صحته من الشريعة والبدعة حاصلها مخالفة في اعتقاد كمال الشريعة ولذلك قال مالك بن أنس من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خان الرسالة لأن الله يقول ) اليوم أكملت لكم دينكم ( إلى آخر الحكاية
وقد تقدمت
ومثلها جوابه لمن أراد أن يحرم من المدينة وقال أي فتنة فيها إنما هي أميال أزيدها
فقال واي فتنة أعظم من ان تظن أنك فعلت فعلا قصر عنه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) - إلى آخر الحكاية وقد تقدمت ايضا فإذا يصح أن يكون في البدع ما هو صغيرة
فالجواب أن ذلك يصح بطريقة يظهر إن شاء الله أنها تحقيق في تشقيق هذه المسألة


"""" صفحة رقم 63 """"
وذلك ان صاحب البدعة يتصور أن يكون عالما بكونها بدعة وان يكون غير عالم بذلك
وغير العالم بكونها بدعة على ضربين وهما المجتهد في استنباطها وتشريعها والمقلد له فيها
وعلى كل تقدير فالتأويل يصاحبه فيها ولا يفارقه إذا حكمنا له بحكم أهل الإسلام لأنه مصادم للشارع مراغم للشرع بالزيادة فيه أو النقصان منه أو التحريف له فلا بد له من تأويل كقوله هي بدعة ولكنها مستحسنة أو يقول إنها بدعة ولكنى رأيت فلانا الفاضل يعمل بها أو يقر بها ولكنه يفعلها لحظ عاجل كفاعل الذنب لقضاء حظه العاجل خوفا على حظه أو فرارا من خوف على حظه أو فرارا من الاعتراض عليه في اتباع السنة كما هو الشأن اليوم في كثير ممن يشار إليه وما اشبه ذلك
وأما غير العالم وهو الواضع لها فإنه لا يمكن أن يعتقدها بدعة بل هي عنده مما يلحق بالمشروعات كقول من جعل يوم الاثنين يصام لأنه يوم مولد النبى ( صلى الله عليه وسلم ) وجعل الثاني عشر من ربيع الأول ملحقا بأيام الأعياد لانه عليه السلام ولد فيه وكمن عد السماع والغناء مما يتقرب به إلى الله بناء على أنه يجلب الأحوال السنية أو رغب في الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلوات دائما بناء على ما جاء في ذلك حالة الوحدة أو زاد في الشريعة أحاديث مكذوبة لينصر في زعمه سنة محمد ( صلى الله عليه وسلم )
فلما قيل له إنك تكذب عليه وقد قال من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار قال لم أكذب عليه وإنما كذبت له
أو نقص منها تأويلا عليها لقوله تعالى في ذم الكفار ) إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ( فأسقط اعتبار الاحاديث المنقولة بالآحاد لذلك ولما أشبه لأن خبر الواحد ظنى فهذه كلها من قيل التأويل
وأما المقلد فكذلك أيضا لأنه يقول فلان المقتدى به يعمل بهذا العمل ويتنى كاتخاذ الغناء جزءا من أجزاء طريقة التصوف بناء منهم على أن شيوخ التصوف قد سمعوه وتواجدوا عليه ومنهم من مات بسببه وكتمزيق


"""" صفحة رقم 64 """"
الثياب عند التواجد بالرقص وسواه لأنهم قد فعلوه وأكثر ما يقع مثل هذا في هؤلاء المنتمين إلى التصوف
وربما احتجوا على بدعتهم بالجنيد والبسطامى والشبلى وغيرهم فيما صح عندهم أو لم يصح ويتركون أن يحتجوا بسنة الله ورسوله وهي التي لا شائبة فيها إذا نقلها العدول وفسرها أهلها المكبون على فهمها وتعلمها
ولكنهم مع ذلك لا يقرون بالخلاف للسنة بحتا بل يدخلون تحت أذيال التأويل إذ لا يرضى منتم إلى الإسلام بإبداء صفحة الخلاف للسنة أصلا
وإذا كان كذلك فقول مالك من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) خان الرسالة
وقوله لمن أراد أن يحرم من المدينة أي فتنة أعظم من أن تظن أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى آخر الحكاية - إنها إلزام للخصم على عادة أهل النظر كأنه يقول يلزمك في هذا القول كذا
لانه يقول قصدت إليه قصدا لأنه لا يقصد إلى ذلك مسلم ولازم المذهب هل هو مذهب أم لا هي مسألة مختلف فيها بين أهل الأصول والذي كان يقول به شيوخنا البجائيون والمغربيون ويرون أنه رأى المحققين أيضا ان لازم المذهب ليس بمذهب فلذلك إذا قرر على الخصم أنكره غاية الإنكار فإذا اعتبار ذلك المعنى على التحقيق لا ينهض وعند ذلك تستوى البدعة مع المعصية صغائر وكبائر فكذلك البدع
ثم إن البدع على ضربين كلية وجزئية فاما الكلية فهي السارية فيما لا ينحصر من فروع الشريعة ومثالها بدع الفرق الثلاث والسبعين فإنها مختصة بالكليات منها دون الجزئيات حسبما يتعين بعد إن شاء الله


"""" صفحة رقم 65 """"
وأما الجزئية فهي الواقعة في الفروع الجزئية ولا يتحقق دخول هذا الضرب من البدع تحت الوعيد بالنار وإن دخلت تحت الوصف بالضلال كما لا يتحقق ذلك في سرقة لقمة أو التطفيف بحبة وإن كان داخلا تحت وصف السرقة بل المتحقق دخول عظائمها وكلياتها كالنصاب في السرقة فلا تكون تلك الأدلة واضحة الشمول لها ألا ترى أن خواص البدع غير ظاهرة في أهل البدع الجزئية غالبا كالفرقة والخروج عن الجماعة وإنما تقع الجزئيات في الغالب كالزلة والفلتة ولذلك لا يكون اتباع الهوى فيها مع حصول التأويل في فرد من أفراد الفروع ولا المفسدة الحاصلة بالجزئية كالمفسدة الحاصلة بالكلية فعلى هذا إذا اجتمع في البدعة وصفان كونها جزئية وكونها بالتأويل صح أن تكون صغيرة والله أعلم
ومثاله مسالة من نذر أن يصوم قائما لا يجلس وضاحيا لا يستظل ومن حرم على نفسه شيئا مما أحل الله من النوم أو لذيذ الطعام أو النساء أو الأكل بالنهار وما اشبه ذلك مما تقدم ذكره أو يأتى غير أن الكلية والجزئية قد تكون ظاهرة وقد تكون خفية كما أن التأويل قد يقرب مأخذة وقد يبعد فيقع الإشكال في كثير من أمثلة هذا الفصل فيعد كبيرة ما هو من الصغائر وبالعكس فيوكل النظر فيها إلى الاجتهاد
ا ه
فصل
وإذا قلنا إن من البدع ما يكون صغيرة فذلك بشروط
أحدها أن لا يداوم عليها فإن الصغيرة من المعاصى لمن داوم عليها تكبر بالنسبة إليه لان ذلك ناشىء عن الإصرار عليها والإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة ولذلك قالوا لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع إستغفار


"""" صفحة رقم 66 """"
فكذلك البدعة من غير فرق إلا أن المعاصى من شأنها في الواقع أنها قد يصر عليها وقد لا يصر عليها وعلى ذلك ينبنى طرح الشهادة وسخطة الشاهد بها أو عدمه بخلاف البدعة فإن شأنها في المداومة والحرص على أن لا تزال من موضعها وان تقوم على تاركها القيامة وتنطلق عليه ألسنة الملامة ويرمى بالتسفيه والتجهيل وينبز بالتبديع والتضليل ضد ما كان عليه سلف هذه الأمة والمقتدى بهم من الأئمة والدليل على ذلك الاعتبار والنقل فإن أهل البدع كان من شأنهم القيام بالنكير على أهل السنة إن كان لهم عصبة أو لصقوا بسلطان تجرى أحكامه في الناس وتنفذ أوامره في الأقطار ومن طالع سير المتقدمين وجد من ذلك مالا يخفى
وأما النقل فما ذكره السلف من أن البدعة إذا أحدثت لا تزيد إلا مضيا وليست كذلك المعاصى فقد يتوب صاحبها وينيب إلى الله بل قد جاء ما يشد ذلك في حديث الفرق حيث جاء في بعض الروايات تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه ومن هنا جزم السلف بأن المبتدع لا توبة له منها حسبما تقدم
والشرط الثاني أن لا يدعو إليها فإن البدعة قد تكون صغيرة بالإضافة ثم يدعو مبتدعها إلى القول بها والعمل على مقتضاها فيكون إثم ذلك كله عليه فإنه الذى أثارها وسبب كثرة وقوعها والعمل بها فإن الحديث الصحيح قد أثبت ان كل من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا والصغيرة والغسية مع الكبيرة إنما تفاوتها بحسب كثرة الإثم وقلته فربما تساوي الصغيرة - من هذا الوجه - الكبيرة أو تربى عليها
فمن حق المبتدع إذا ابتلى بالبدعة أن يقتصر على نفسه ولا يحمل مع وزره وزر غيره


"""" صفحة رقم 67 """"
وفي هذا الوجه قد يتعذر الخروج فإن المعصية فيما بين العبد وربه يرجو فيها من التوبة والغفران ما يتعذر عليه مع الدعاء إليها وقد مر في باب ذم البدع وباقي الكلام في المسألة سيأتى إن شاء الله
والشرط الثالث أن لا تفعل في المواضع التي هي مجتمعات الناس أو المواضع التي تقام فيها السنن وتظهر فيها اعلام الشريعة فأما إظهارها في المجتمعات ممن يقتدى به أو ممن به الظن فذلك من أضر الأشياء على سنة الإسلام فإنها لا تعدو امرين إما أن يقتدى بصاحبها فيها فإن العوام أتباع كل ناعق ولا سيما البدع التي وكل الشيطان بتحسينها للناس والتي للنفوس في تحسينها هوى وإذا اقتدى بصاحب البدعة الصغيرة كبرت بالنسبة إليه لأن كل من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها فعلى حسب كثرة الأتباع يعظم عليه الوزر
وهذا بعينه موجود في صغائر المعاصى فإن العالم مثلا إذا أظهر المعصية - وإن صغرت - سهل على الناس ارتكابها فإن الجاهل يقول لو كان هذا الفعل كما قال من أنه ذنب لم يرتكبه وإنما ارتكبه لامر علمه دوننا
فكذلك البدعة إذا أظهرها العالم المقتدى فيها لا محالة فإنها في مظنة التقرب في ظن الجاهل لأن العالم يفعلها على ذلك الوجه بل البدعة اشد في هذا المعنى إذ الذنب قد لا يتبع عليه بخلاف البدعة فلا يتحاشى أحد عن اتباعه إلا من كان عالما بأنها بدعة مذمومة ن فحينئذ يصير في درجة الذنب فإذا كانت كذلك صارت كبيرة بلا شك فإن كان داعيا إليها فهو أشد وإن كان الإظهار باعثا على الاتباع فبالدعاء يصير أدعى إليه


"""" صفحة رقم 68 """"
وقد روى عن الحسن ان رجلا من بنى إسرائيل ابتدع بدعة فدعا الناس إليها فاتبع وأنه لما عرف ذنبه عمد إلى ترقوته فنقبها فأدخل فيها حلقة ثم جعل فيها سلسة ثم اوثقها في شجرة فجعل يبكى ويعج إلى ربه فأوحى الله إلى نبى تلك الأمة أن لا توبة له قد غفر له الذي اصاب
فكيف بمن ضل فصار من اهل النار
وأما اتخاذها في المواضع التي تقام فيها السنن فهو كالدعاء إليها بالتصريح لأن عمل إظهار الشرائع الإسلامية توهم أن كل ما أظهر فيها فهو من الشعائر فكأن المظهر لها يقول هذه سنة فاتبعوها
قال أبو مصعب قدم علينا ابن مهدى فصلى ووضع رداءه بين يدى الصف
فلما سلم الإمام رمقه الناس بأبصارهم ورمقوا مالكا - وكان قد صلى خلف الإمام - فلما سلم قال من هاهنا من الحرس فجاءه نفسان فقال خذا صاحب هذا الثوب فاحبساه
فحبس فقيل له إنه ابن مهدى فوجه إليه وقال له ما خفت الله واتقينه أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف وشغلت المصلين بالنظر إليه وأحدثت في مسجدنا شيئا ما كنا نعرفه وقد قال النبى ( صلى الله عليه وسلم ) من أحدث في مسجدنا حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين فبكى ابن مهدى وآلى على نفسه ان لا يفعل ذلك ابدا في مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا في غيره
وفي رواية عن ابن مهدى قال فقلت للحرسيين تذهبان بى إلى أبى عبد الله قالا إن شئت فذهبنا إليه
فقال يا عبد الرحمن تصلى مستلبا فقلت يا أبا عبد الله إنه كان يوما حارا - كما رايت - فثقل ردائى على
فقال


"""" صفحة رقم 69 """"
الله ما اردت بذلك الطعن على من مضى والخلاف عليه قلت الله قال خلياه
وحكى ابن وضاح قال ثوب المؤذن بالمدينة في زمان مالك فأرسل إليه مالك فجاءه فقال له مالك هذا الذي تفعل فقال اردت أن يعرف الناس طلوع الفجر فيقوموا فقال له مالك لا تفعل لا تحدث في بلدنا شيئا لم يكن فيه قد كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بهذا البلد عشر سنين وأبو بكر وعمر وعثمان فلم يفعلوا هذا فلا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه فكف المؤذن عن ذلك وأقام زمانا ثم إنه تنحنح في المنارة عند اطلوع الفجر فارسل إليه مالك فقال له ما الذي تفعل قال اردت أن يعرف الناس طلوع الفجر
فقال له الم أنهك أن لا تحدث عندنا ما لم يكن فقال إنما نهيتنى عن التثويب
فقال له لا تفعل فكف زمانا ثم جعل يضرب الأبواب فأرسل إليه مالك فقال ما هذا الذي تفعل فقال اردت أن يعرف الناس طلوع الفجر
فقال له مالك لا تفعل لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه
قال ابن وضاح وكان مالك يكره التثويب - قال - وإنما أحدث هذا بالعراق
قيل لابن وضاح فهل كان يعمل به بمكة أو المدينة أو مصر أو غيرها من الأمصار فقال ما سمعته إلا عند بعض الكوفيين والأباضيين
فتأمل كيف منع مالك من إحداث أمر يخف شانه عند الناظر فيه ببادى الراي وجعله أمرا محدثا وقد قال في التثويب إنه ضلال وهو بين لأن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ولم يسامح للمؤذن في التنحنح ولا في ضرب


"""" صفحة رقم 70 """"
الأبواب لان ذلك جدير بأن يتخذ سنة كما منع من وضع رداء عبد الرحمن بن مهدى خوف أن يكون حدثا احدثه
وقد أحدث بالمغرب المتسمى بالمهدى تثويبا عند طلوع الفجر وهو قولهم أصبح ولله الحمد إشعارا بان الفجر قد طلع لإلزام الطاعة ولحضور الجماعة
وللغد ولكل ما يومرون به
فيخصه هؤلاء المتأخرون تثويبا بالصلاة كالأذان
ونقل ايضا إلى اهل المغرب الحزب المحدث بالإسكندرية وهو المعتاد في جوامع الأندلس وغيرها فصار ذلك كله سنة في المساجد إلى الآن فإنا لله وإنا إليه راجعون
وقد فسر التثويب الذي أشار إليه مالك بأن المؤذن كان إذا اذن فأبطأ الناس قال بين الأذان والإقامة قد قامت الصلاة حى على الصلاة حى على الفلاح
وهذا نظير قولهم عندنا الصلاة - رحمكم الله
وروى عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه دخل مسجدا أراد أن يصلى فيه فثوب المؤذن فخرج عبدالله بن عمر من المسجد وقال اخرج بنا من عند هذا المبتدع ولم يصل فيه
قال ابن رشد وهذا نحو مما كان يفعل عندنا بجامع قرطبة من أن يفرد المؤذن بعد أذانه قبل الفجر النداء عند الفجر بقوله حى على الصلاة ثم ترك - قال - وقيل إنما عنى بذلك قول المؤذن في أذانه حى على خير العمل
لأنها كلمة زادها في الأذان من خالف السنة من الشيعة ووقع في المجموعة ان من سمع التثويب وهو في المسجد خرج عنه كفعل ابن عمر رضى الله عنهما


"""" صفحة رقم 71 """"
وفي المسألة كلام المقصود منه التثويب المكروه الذي قال فيه مالك انه ضلال والكلام يدل على التشديد في الأمور المحدثة أن تكون في مواضع الجماعة أو في المواطن التي تقام فيها السنن والمحافظة على المشروعات أشد المحافظة لأنها إذا أقيمت هنالك أخذها الناس وعملوا بها فكان وزر ذلك عائدا على الفاعل أولا فيكثر وزره ويعظم خطر بدعته
والشرط الرابع أن لا يستصغرها ولا يستحقرها - وإن فرضناها صغيرة - فإن ذلك استهانة بها والاستهانة بالذنب أعظم من الذنب به فكان ذلك سببا لعظم ما هو صغير وذلك ان الذنب له نظران نظر من جهة رتبته في الشرط ونظر من جهة مخالفة الرب العظيم به فأما النظر الأول فمن ذلك الوجه يعد صغيرا إذا فهمنا من الشرع أنه صغير لانا نضعه حيث وضعه الشرع وأما الآخر فهو راجع إلى اعتقادنا في العمل به حيث نستحرم جهة الرب سبحانه بالمخالفة والذى كان يجب في حقنا أن نستعظم ذلك جدا إذ لا فرق في التحقيق بين المواجهتين - المواجهة بالكبيرة والمواجهة بالصغيرة
والمعصية من حيث هي معصية لا يفارقها النظران في الواقع اصلا لان تصورها موقوف عليهما فالاستعظام لوقوعها مع كونها يعتقد فيها أنها صغيرة لا يتنافيان لانهما اعتباران من جهتين فالعاصى وإن يعمل المعصية لم يقصد بتعمده الاستهانة بالجانب العلي الرباني وإنما قصد اتباع شهوته مثلا فيما جعله الشارع صغيرا أو كبيرا فيقع الإثم على حسبه كما أن البدعة لم يقصد بها صاحبها منازعة الشارع ولا التهاون بالشرع وإنما قصد الجرى على مقتضاه لكن بتأويل زاده ورجحه على غيره بخلاف ما إذا تهاون بصغرها في الشرع فإنه


"""" صفحة رقم 72 """"
إنما تهاون بمخالفة الملك الحق لأن النهى حاصل ومخالفته حاصلة والتهاون بها عظيم ولذلك يقال لاتنظر إلى صغر الخطيئة وانظر إلى عظمة من واجهته بها
وفي الصحيح أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال في حجة الوداع أي يوم هذا قالوا ويم الحج الأكبر قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا لا يجنى جان إلا على نفسه ألا لا يجنى جان على ولده ولا مولود على والده الا وإن الشيطان قد يئس ألا يعبد في بلدكم هذا ابدا ولا تكون له طاعة فيما تحتقرون من اعمالكم فسيرضى به فقوله عليه الصلاة ولاسلام فسيرضى به دليل على عظم الخطب فيما يستحقر
وهذا الشرط مما اعتبره الغزالى في هذا المقام فإنه ذكر في الإحياء أن مما تعظم به الصغيرة أن يستصغرها
قال فإن الذنب كلما استعظمه العبد من نفسه صغر عند الله وكلما استصغره كبر عندالله ثم بين ذلك وبسطه
فإذا تحصلت هذه الشروط فإذا ذاك يرجى أن تكون صغيرتها صغيرة فإن تخلف شرط منها أو أكث صارت كبيرة أو خيف أن تصير كبيرة كما أن المعاصى كذلك والله أعلم


"""" صفحة رقم 73 """"
الباب السابع في الابتداع
هل يدخل في الأمور العادية أم يختص بالأمور العبادية
قد تقدم في حد البدعة ما يقتضى الخلاف فيه هل يدخل في الأمور العادية أم لا اما العبادية فلا إشكال في دخوله فيها وهي عامة الباب إذ الأمور العبادية إما أعمال قلبية وأمور اعتقادية وإما أعمال جوارح من قول أو فعل وكلا القسمين قد دخل فيه الابتداع كمذهب القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة وكذلك مذهب الإباحة واختراع العبادات على غير مثال سابق ولا أصل مرجوع إليه
وأما العادية فاقتضى النظر وقوع الخلاف فيها وأمثلتها ظاهرة مما تقدم في تقسيم البدع كالمكوس والمحدثة من المظالم وتقديم الجهال على العلماء في الولايات العلمية وتولية المناصب الشريفة من ليس لها بأهل بطريق الوراثة وإقامة صور الائمة وولاة الأمور والقضاة واتخاذ المناخل وغسل اليد بالاشنان ولبس الطيالس وتوسيع الاكمام وأشباه ذلك من الامور التي لم تكن في الزمن الفاضل والسلف الصالح فإنها أمور جرت في الناس وكثر العمل بها وشاعت وذاعت فلحقت بالبدع وصارت كالعبادات المخترعة الجارية في الأمة وهذا من الأدلة الدالة على ما قلنا وإليه مال القرافى وشيخه ابن عبد السلام وذهب إليه بعض السلف
فروى أبو نعيم الحافظ عن محمد بن أسلم أنه ولد له ولد - قال محمد بن القاسم الطوسى - فقال اشتر لي كبشين عظيمين ودفع إلى دراهم فاشتريت له وأعطانى عشرة أخرى وقال لي اشتر بها دقيقا ولا تنخله واخبزه - قال فنخلت الدقيق وخبزته ثم جئت به فقال نخلت هذا وأعطانى عشرة أخرى


"""" صفحة رقم 74 """"
وقال اشتر به دقيقا ولا تنخله واخبزه
فخبزته وحملته إليه فقال لى يا أبا عبد الله العقيقة سنة ونخل الدقيق بدعة ولا ينبغى أن يكون في السنة بدعة ولم أحب أن يكون ذلك الخبر في بيتى بعد أن كان بدعة
ومحمد بن اسلم هذا هو الذي فسر به الحديث إسحاق بن راهويه حيث سئل عن السواد الأعظم في قوله عليه الصلاة والسلام عليكم بالسواد الأعظم فقال محمد وأصحابه
حسبما يأتى - إن شاء الله - في موضعه من هذا الكتاب
وايضا فإن تصور في العبادات وقوع الابتداع وقع في العادات لانه لا فرق بينهما فالأمور المشروعة تارة تكون عبادية وتارة عادية فكلاهما مشروع من قبل الشارع فكما تقع المخالفة بالابتداع في أحدهما تقع في الآخر
ووجه ثالث وهو أن الشرع جاء بالوعد باشياء تكون في آخر الزمان هي خارجة عن سنته
فتدخل فيما تقدم تمثيله لأنها من جنس واحد
ففي الصحيح عن عبد الله رضى الله عنه قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إنكم سترون بعدى اثرة وأمورا تنكرونها - قالوا فما تأمرنا يا رسول الله قال أدوا إليهم حقهم وسلوا حقكم وعن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال من كره من أميره شيئا فليصبر وفي رواية من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات مات ميتة جاهلية
وفي الصحيح ايضا إذا اسند الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) قال يتقارب الزمان ويقبض العلم ويلقى الشح وتظهر الفتن ويكثر الهرج قال يا رسول الله


"""" صفحة رقم 75 """"
إيما هو قال القتل القتل وعن أبى موسى رضى الله عنه قال قال النبى ( صلى الله عليه وسلم ) إن بين يدى لأياما ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم ويكثر فيها الهرج والهرج القتل
وعن حذيفة رضى الله عنه
قال حدثنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حديثين رأيت أحدهما وأنا انتظر الآخر - حدثنا أن الأمانة نزلت في جدر قلوب الرجال ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة
وحدثنا عن رفعها ثم قال ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الولت ثم ينام النومة فتقبض فيبقى أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفص فتراه ينتثر وليس فيه شىء ويصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدى الأمانة
فيقال إن في بنى فلان رجلا أمينا
ويقال للرجل ما أعقله وما أظرفه وما اجلده وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان الحديث
وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة دعواهما واحدة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم زعم أنه رسول وحتى يقبض العلم - ثم قال وحتى يتطاول الناس في البنيان إلى آخر الحديث
وعن عبد الله رضى الله عنه قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تخرج في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يقولون من قول خير البرية يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية
ومن حديث أبى هريرة رضى الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال بادروا



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق