السبت، 18 يونيو 2016

الدعاء
وأمره أن يدعو فأبى وبقى على عادته في تركه في أعقاب الصلوات فلما كان في بعض الليالى صلى ذلك الرجل العتمة في المسجد فلما انقضت وخرج ذلك الرجل إلى داره قال لمن حضره من أهل المسجد قد قلنا لهذا الرجل يدعو إثر الصلوات فابى فإذا كان في غدوة غد اضرب رقبته بهذا السيف وأشار إلى سيف في يده فخافوا على ابن مجاهد من قوله لما عملوا منه فرجعت الجماعة بجملتها إلى دار ابن مجاهد فخرج إليهم وقال ما شأنكم فقالوا والله لقد خفنا من هذا الرجل وقد اشتد الآن غضبه عليك في تركك الدعاء
فقال لهم لا أخرج عن عادتى فاخبروه بالقصة
فقال لهم - وهو متبسم - انصرفوا ولا تخافوا فهو الذي تضرب رقبته في غدوة غد بذلك السيف بحول الله ودخل داره وانصرفت الجماعة على ذعر من قول ذلك الرجل فلما كان مع الصبح وصل إلى دار الرجل قوم من أهل المسجد ومن علم حال البارحة حتى وصلوا إليه إلى دار الإمامة بباب جوهر من أشبيلية وهناك أمر بضرب رقبته بسيفه فكان ذلك تحقيقا للإجابة وإثباتا للكرامة
وقد روى بعض الأشبيليين الحكاية بمعنى هذه لكن على نحو آخر
ولما رد ولد ابن الصقر على الخطيب في خطبته وذلك حين فاه باسم المهدى وعصمته أراد المرتضى من ذرية عبد المؤمن - وهو إذ ذاك خليفة - أن يسجنه على قوله فأبى الاشياخ والوزراء من فرقة الموحدين إلا قتله فغلبوا على أمره فتقلوه خوفا أن يقول ذلك غيره
فتختل عليهم القاعدة التي بنوا دينهم عليها


"""" صفحة رقم 277 """"
وقد لا تبلغ البدعة في الإشراب ذلك المقدار فلا يتفق الخلاف فيما بما يؤدى إلى مثل ذلك
فهذه الأمثلة بينت بالواقع مراد الحديث - على فرض صحته - فإن أخبار النبى ( صلى الله عليه وسلم ) إنما تكون ابتناء على وفق مخبره من غير تخلف البتة
ويشهد لهذا التفسير استقراء أحوال الخلق من انقسامها إلى الأعلى والأدنى والأوسط كالعلم والجهل والشجاعة والجبن والعدل والجور والجود والبخل والغنى والفقر والعز والذل غير ذلك من الأحوال والأوصاف فإنها تتردد مابين الطرفين فعالم في اعلى درجات العلم وآخر في أدنى درجاته وجاهل كذلك وشجاع كذلك إلى سائرها
فكذلك سقوط البدع بالنفوس إلا أن في ذكر النبى ( صلى الله عليه وسلم ) لها فائدة أخرى وهي التحذير من مقاربتها ومقاربة أصحابها وهي
المسألة الثانية والعشرون
وبيان ذلك أن داء الكلب فيه ما يشبه العدوى فإن اصل الكلب واقع بالكلب ثم إذا عض ذلك الكلب أحدا صار مثله ولم يقدر على الانفصال منه في الغالب إلا بالهلكة فكذلك المبتدع إذا أورد على أحد رأيه وإشكاله فقلما يسلم من غائلته بل إما أن يقع معه في مذهبه ويصير من شيعته وإما أن يثبت في قلبه شكا يطمع في الأنفصال عنه فلا يقدر
هذا بخلاف سائر المعاصى فإن صاحبها لا يضاره ولا يدخله فيها غالبا إلا مع طول الصحبة والأنس به والاعتياد لحضور معصيته
وقد أتى في الآثار ما يدل


"""" صفحة رقم 278 """"
على هذا المعنى
فإن السلف الصالح نهوا عن مجالستهم ومكالمتهم وكلام مكالمهم وأغلظوا في ذلك وقد تقدم منه في الباب الثانى آثار جمة
ومن ذلك ما روى عن ابن مسعود قال من أحب أن يكرم دينه فليعتزل مخالطة الشيطان ومجالسة أصحاب الأهواء فإن مجالستهم الصق من الجرب
وعن حميد الأعرج ثهى قدم غيلان مكة يجاور بها فأتى غيلان مجاهدا فقال يا أبا الحجاج بلغنى أنك تنهى الناس عنى وتذكرنى بلغك عنى شىء لا أقوله إنما أقول كذا فجاء بشىء لا ينكر فلما قام قال مجاهد لا تجالسوه فإنه قدرى
قال حميد - فإنه يوم في الطواف لحقنى غيلان خلفى يجذب ردائى فالتفت فقال كيف يقول مجاهد خرف وكذا فأخبرته فمشى معى فبصر بى مجاهد معه فأتيته فجعلت أكلمه فلا يرد على وأسأله فلا يجيبنى - فقال - فغدوت إليه فوجدته على تلك الحال فقلت يا أبا الحجاج ابلغك عنى شىء ما أحدثت حدثا مالى قال ألم أرك مع غيلان وقد نهيتكم أن تكلموه أو تجالسوه قال - قلت يا أبا الحجاج ما أنكرت قولك وما بدأته هو بدأنى
قال والله يا حميد لولا أنك عند مصدق ما نظرت لى في وجه منبسط ما عشت ولئن عدت لا تنظر لى في وجه منبسط ما عشت


"""" صفحة رقم 279 """"
وعن أيوب قال كنت يوما عند محمد بن سيرين إذ جاء عمرو بن عبيد فدخل فلما جلس وضع محمد يده في بطنه وقام فقلت لعمرو انطلق بنا - قال - فخرجنا فلما مضى عمرو رجعت فقلت يا أبا بكر قد فطنت إلى ما صنعت
قال أقد فطنت قلت نعم قال أما إنه لم يكن ليضمنى معه سقف بيت
وعن بعضهم قال كنت أمشى مع عمرو بن عبيد فرآنى ابن عون فأعرض عنى
وقيل دخل ابن عون فسكت ابن عون لما رآه وسكت عمرو عنه فلم يساله عن شىء فمكث هنيهة ثم قال ابن عون بم استحل أن دخل دارى بغير إذن - مرارا يرددها - أما إنه لو تكلم
وعن مؤمل بن إسماعيل قال قال بعض أصحابنا لحماد بن زيد مالك لم ترو عن عبد الكريم إلا حديثا واحدا قال
ما أتيته إلا مرة واحدة لمساقه في هذا الحديث وما أحب أن أيوب علم بإتيانى إليه وأن لي كذا وكذا وإني لأظنه لو علم لكانت الفصيلة بينى وبينه
وعن إبراهيم أنه قال لمحمد بن السائب لا تقربنا ما دمت على رأيك هذا وكان مرجئا
وعن حماد بن زيد قال لقينى سعيد بن جبير فقال أم أرك مع طلق قلت فلا فماله قال لا تجالسه فإنه مرجى
وعن محمد بن واسع قال رأيت صفوان بن محرز وقريب منه شيبة فرآهما يتجادلان فرأيته قائما ينفض ثيابه ويقول إنما أنتم جرب


"""" صفحة رقم 280 """"
وعن أيوب قال دخل رجل على ابن سيرين فقال يا أبا بكر أقرأ عليك آية من كتاب الله لا أزيد أن أقرأها ثم أخرج فوضع إصبعيه في أذنيه ثم قال أعزم عليك إن كنت مسلما إلا خرجت من بيتى - قال - فقاك يا أبا بكر لا أزيد على أن أقرأ آية ثم أخرج
فقام لإزاره يشده وتهيا للقيام فأقبلنا على رجل فقلنا قد عزم عليك إلا خرجت أفيحل لك ان تخرج رجلا من بيته قال - فخرج فقلنا يا أبا بكر ما عليك لو قرأ آية ثم خرج قال إنى والله لو ظننت أن قلبى ثبت على ما هو عليها ما باليت أن يقرا ولكن خفت أن يلقى في قلبى شيئا أجهد في إخراجه من قلبى فلا أستطيع
وعن الأوزاعي قال لا تكلموا صاحب بدعة من جدل فيورث قلوبكم من فتنته
فهذه آثار تنبهك على ما تقدمت إشارة الحديث إليه إن كان مقصودا والله أعلم
تأثير كلام صاحب البدعة في القلوب معلوم وثم معنى آخر قد يكون من فوائد تنبيه الحديث بمثال داء الكلب وهي
المسألة الثالثة والعشرون
وهو التنبيه على السبب في بعد صاحب البدعة عن التوبة إذ كان مثل المعاصى الواقعة بأعمال العباد قولا أو فعلا أو اعتقادا كمثل الأمراض النازلة بجسمه أو روحه فأدوية الأمراض البدنية معلومة وأدوية الأمراض العملية التوبة والأعمال الصالحة وكما أن من الأمراض البدنية ما يمكن فيه التداوي ومنه مالا يمكن فيه التداوي أو يعسر كذلك الكلب الذي في امراض الأعمال فمنها ما يمكن فيه التوبة عادة ومنها ما لا يمكن


"""" صفحة رقم 281 """"
فالمعاصى كلها - غير البدع - يمكن فيها التوبة من أعلاها - وهي الكبائر - إلى أدناه - وهي اللمم - والبدع أخبرنا فيها إخبارين كلهما يفيد أن لا توبة منها
الإخبار الأول ما تقدم في ذم البدع من أن المبتدع لا توبة له من غير تخصيص والآخر ما نحن في تفسيره وهو تشبيه البدع بما لا نجح فيه من الأمراض كالكلب فأفاد أن لا نجح من ذنب البدع في الجملة من غير اقتضاء عموم بل اقتضى ان عدم التوبة مخصوص بمن تجارى به الهوى كما يتجارى الكلب بصاحبه وقد مر أن من أولئك من يتجارى به الهوى على ذلك الوجه وتبين الشاهد عليه ونشأ من ذلك معنى زائد هو من فوائد الحديث - وهي
المسألة الرابعة والعشرون
وهو أن من تلك الفرق من لا يشرب هوى البدعة ذلك الإشراب فإذا يمكن فيه التوبة وإذا أمكن في أهل الفرق أمكن فيمن خرج عنهم وهم أهل البدع الجزئية
فإما أن يرجح ما تقدم من الأخبار على هذا الحديث لأن هذه الرواية في إسنادها شىء وأعلى ما يجرى في الحسان وفي الأحاديث الأخر ما هو صحيح كقوله يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون كما لا يعود السهم على فوقه وما أشبه
وأما أن يجمع بينهما فتجعل النقل الأول عمدة في عموم قبول التوبة ويكون هذا الإخبار أمرا آخر زائدا على ذلك إذ لا يتنافيان بسبب أن من شأن البدع مصاحبة الهوى وغلبة الهوى للإنسان في الشىء المفعول أو المتروك له ابدا اثر فيه والبدع كلها تصاحب الهوى ولذلك سمى اصحابها أهل الأهواء


"""" صفحة رقم 282 """"
فوقعت التسمية بها وهو الغالب عليهم إذ العمل المبتدع إنما نشأ عن الهوى مع شبهة دليل لا عن الدليل بالعرض فصار هوى يصاحبه دليل شرعى في الظاهر فكان أجرى في البدع من القلب موقع السويداء فاشرب حبه ثم إنه يتفاوت إذ ليس في رتبة واحدة ولكنه تشريع كله واستحق صاحبه أن لا توبة له عافان الله من النار بفضله ومنه
وإما أن يعمل هذا الحديث مع الأحاديث الأول - على فرض العمل به - ونقول إن ما تقدم من الأخبار عامة وهذا يفيد الخصوص كما تفيده ا يفيد معنى يفهم منه الخصوص وهو الإشراب في أعلى المراتب مسوقا مساق التبغيض لقوله وإنه سيخرج في أمتى أقوام إلى آخره فدل أن ثم أقواما أخر لا تتجارى بهم تلك الأهواء على ما قال بل هي أدنى من ذلك وقد لا تتجارى بهم ذلك
وهذا التفسير بحسب ما أعطاه الموضع وتمام المسألة قد مر في الباب الثانى والحمد لله
لكن على وجه لا يكون في الأحاديث كلها تخصيص وبالله التوفيق
المسألة الخامسة والعشرون
أنه جاء في بعض روايات الحديث أعظمها فتنة الذين يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال فجعل أعظم تلك الفرق فتنة على الأمة أهل القياس ولا كل قياس بل القياس على غير أصل فإن أهل القياس متفقون على أنه على غير أصل لا يصح وإنما يكون على اصل من كتاب أو سنة


"""" صفحة رقم 283 """"
صحيحة أو إجماع معتبر فإذا لم يكن للقياس أصل - وهو القياس الفاسد - فهو الذي لا يصح أن يوضع في الدين فإنه يؤدى إلى مخالفة الشرع وان يصير الحلال بالشرع حراما بذلك القياس والحرام حلالا فإن الرأى من حيث هو رأى لا ينضبط إلى قانون شرعى إذا لم يكن له اصل شرعى فإن العقول تستحسن مالا يستحسن شرعا وتستقبح ما لا يستقبح شرعا
وإذا كان كذلك صار القياس على غير اصل فتنة على الناس
ثم أخبر في الحديث أن المعلمين لهذا القياس أضر على الناس من سائل أهل الفرق وأشد فتنة
وبيانه أن مذاهب أهل الأهواء قد اشتهرت الأحاديث التي تردها واستفاضت وأهل الأهواء مقموعون في الأمر الغالب عند الخاصة والعامة بخلاف الفتيا فإن أدلتها من الكتاب والسنة لا يعرفها إلا الافراد ولا يميز ضعيفها من قويها إلا الخاصة وقد ينتصب للفتيا والقضاء ممن يخالفها كثير
وقد جاء مثل معناه محفوظا من حديث ابن مسعود أنه قال ليس عام إلا والذي بعده شر منه لا أقول عام أمطر من عام ولا عام أخصب من عام ولا أمير


"""" صفحة رقم 284 """"
خير من أمير
ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برايهم فيهدم الإسلام ويثلم
وهذا الذى في حديث ابن مسعود موجود في الحديث الصحيح حيث قال عليه الصلاة والسلام ولكن ينزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال يسفتون برأيهم فيضلون ويضلون


"""" صفحة رقم 285 """"
وقد تقدم في ذم الرأى آثار مشهورة عن الصحابة رضى الله عنهم والتابعين تبين فيها أن الأخذ بالرأى يحل الحرام يحرم الحلال
ومعلوم أن هذه الآثار الذامة للرأى لا يمكن أن يكون المقصود بها ذم الأجتهاد على الاصول في نازلة لم توجد في كتاب ولا سنة ولا إجماع ممن يعرف الاشباه والنظائر ويفهم معانى الأحكام فيقيس قياس تشبيه وتعليل قياسا لم يعارضه ما هو أولى منه فإن هذا ليس فيه تحليل وتحريم ولا العكس وإنما القياس الهادم للإسلام ما عارض الكتاب والسنة أو ما عليه سلف الأمة أو معانيها المعتبرة
ثم إن مخالفة هذه الأصول على قسمين أحدهما أن يخالف اصلا مخالفة ظاهرة من غير استمساك بأصل آخر فهذا لا يقع من مفت مشهور إلا إذا كان الاصل لم يبلغه كما وقع لكثير من الأئمة حيث لم يبلغهم بعض السنن فخالفوها خطأ وأما الاصول المشهورة فلا يخالفها مسلم خلافا ظاهرا من غير معارضة باصل آخر فضلا عن أن يخالفها بعض المشهورين بالفتيا


"""" صفحة رقم 286 """"
والثانى أن يخالف الأصل بنوع من التأويل هو فيه مخطىء بأن يضع الأسم على غير واضعه أو على بعض مواضعه أو يراعى فيه مجرد اللفظ
دون اعتبار المقصود أو غير ذلك من أنواع التأويل
والدليل على أن هذا هو المراد بالحديث وما في معناه أن تحليل الشيء إذا كان مشهورا فحرمه بغير تأويل أو التحريم مشهورا فحلله بغير تأويل كان كفرا وعنادا ومثل هذا لا تتخذه الأمة رأسا قط إلا أن تكون الأمة قد كفرت والأمة لا تكفر أبدا
وإذا بعث الله ريحا تقبض أرواح المؤمنين لم يبق حينئذ من يسال عن حرام أو حلال
وإذا كان التحليل أو التحريم غير مشهور فخالفه مخالف لم يبلغه دليله فمثل هذا لم يزل موجودا من لدن زمان أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هذا إنما يكون في آحاد المسائل فلا تضل الأمة ولا ينهدم الإسلام ولا يقال لهذا إنه محدث عند قبض العلماء
فظهر أن المراد إنما هو استحلال المحرمات الظاهرة أوالمعلومة عنده بنوع تأويل وهذا بين في المبتدعة الذين تركوا معظم الكتاب والذي تضافرت عليه أدلته وتواطأت على معناه شواهده وأخذوا في اتباع بعض المتشابهات وترك أم الكتاب
فإذا هذا - كما قال الله تعالى - زيغ وميل عن الصراط المستقيم فإن


"""" صفحة رقم 287 """"
تقدموا أئمة يفتون ويقتدى بهم بأقوالهم وأعمالهم سكنت إليهم الدهماء ظنا أنهم بالغوا لهم في الاحتياط على الدين وهم يضلونهم بغير علم ولا شىء أعظم على الأنسان من داهية تقع به من حيث لا يحتسب فإنه لو علم طريقها لتوقاها ما استطاع فإذا جاءته على غرة فهي أدهى وأعظم على من وقعت به وهو ظاهر فكذلك البدعة إذا جاءت العامى من طريق الفتيا لانه يستند في دينه إلى من ظهر في رتبة أهل العلم فيضل من حيث يطلب الهداية اللهم أهدنا الصراط المستقيم
صراط الذين أنعمت عليهم
المسألة السادسة والعشرون
إن ها هنا نظرا لفظيا في الحديث هو من تمام الكلام فيه وذلك أنه لما أخبر أخبر عليه الصلاة والسلام أن جميع الفرق في النار إلا فرقة واحدة وهي الجماعة المفسرة في الحديث الآخر فجاء في الرواية الأخرى السؤال عنها - سؤال التعيين فقالوا من هي يا رسول الله فأصل الجواب أن يقال أنا واصحابى ومن عمل مثل عملنا
أو ما أشبه ذلك مما يعطى تعيين الفرقة إما بالإشارة إليها أو بوصف من أوصافها إلا ذلك لم يقع وإنما وقع في الجواب تعيين الوصف لا تعيين الموصوف فلذلك أتى بما أتى فظاهرها الوقوع على غير العاقل من الأوصاف وغيرها والمراد هنا الأوصاف التي هو عليها ( صلى الله عليه وسلم ) واصحابه رضى الله عنهم فلم يطابق السؤال الجواب في اللفظ
والعذر عن هذا أن العرب لا تلتزم ذلك النوع إذا فهم المعنى لأنهم لما سألوا عن تعيين الفرقة الناجية بين لهم الوصف الذى به صارت ناجية فقال ما أنا عليه وأصحابى


"""" صفحة رقم 288 """"
ومما جاء غير مطابق في الظاهر وهو في المعنى مطابق قول الله تعالى ) قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ( - فإن هذا الكلام معناه هل أخبركم بما هو أفضل من متاع الدنيا فكأنه قيل نعم أخبرنا فقال الله تعالى - ) للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار ( الآية
أي للذين اتقوا استقر استقر لهم عند ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار - الآية
فأعطى مضمون الكلام معنى الجواب على غير لفظه
وهذا التقرير على قول جماعة من المفسرين
وقال تعالى ) مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار ( الآية
فقوله مثل الجنة يقتضى المثل لا المملثل - كما قال تعالى ) مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ( - ولأنه كلما كان المقصود الممثل جاء به بعينه
ويمكن أن يقال إن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) لما ذكر الفرق أن فيها فرقة ناجية - كان الأولى السؤال عن أعمال الفرقة الناجية لا عن نفس الفرقة
لأن التعريف فيها من حيث هي لا فائدة فيه إلا من جهة أعمالها التي نجت بها
فالمقدم في الاعتبار هو العمل لا العامل فلو سألوا ما وصفها أو ما عملها أو ما اشبه ذلك لكان أشد مطابقة في اللفظ والمعنى فلما فهم عليه الصلاة والسلام منهم ما قصدوا أجابهم على ذلك
ونقول لما تركوا السؤال عما كان الأولى في حقهم أتى به جوابا عن سؤالهم حرصا منه عليه الصلاة والسلام على تعليمهم ما ينبغى لهم تعلمه والسؤال عنه


"""" صفحة رقم 289 """"
ويمكن أن يقال إن ما سالوا عنه لا يتعين إذ لا تختص النجاة بمن تقدم دون من تأخر إذ كانوا قد اتصفوا بوصف التأخير
ومن شأن هذا السؤال التعيين وعدم انحصارهم بزمان أو مكان لا يقتضى التعيين وانصرف القصد إلى تعيين الوصف الضابط للجميع وهو ما كان عليه هو وأصحابه
وهذا الجواب بالنسبة إلينا كالمبهم وهو بالنسبة إلى السائل معين لأن أعمالهم كانت للحاضرين معهم راى عين فلم يحتج إلى أكثر من ذلك لأنه غاية التعيين اللائق بمن حضر فاما غيرهم ممن لم يشاهد أحوالهم ولم ينظر أعمالهم فليس مثلهم ولا يخرج الجواب بذلك عن التعيين المقصود
والله أعلم انتهى


"""" صفحة رقم 290 """"
الباب العاشر في بيان معنى الصراط المستقيم الذي انحرفت عنه سبل أهل الابتداع فضلت عن الهدى بعد البيان
قد تقدم قبل هذا أن كل فرقة وكل طائفة تدعى كأنها على الصراط المستقيم وأن ما سواها منحرف عن الجادة وراكب بنيات الطريق فوقع بينهم الاختلاف إذا في تعيينه وبيانه حتى أشكلت المسألة على كل من نظر فيها حتى قال من قال كل مجتهد في العقليات أو النقليات مصيب
فعدد الأقوال في تعيين هذا المطلب على عدد الفرق وذلك من أعظم الاختلاف إذ لا تكاد تجد في الشريعة مسألة يختلف العلماء فيها على بضع وسبعين قولا إلا هذه المسألة فتحرير النظر حتى تتضح الفرقة الناجية التي كان عليه النبى ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه من أغمض المسائل
ووجه ثان أن الطريق المستقيم لو تعين بالنسبة إلى من بعد الصحابة لم يقع اختلاف اصلا لأن الأختلاف مع تعيين محله محال والفرض أن الخلاف ليس بقصد العناد لأنه على ذلك الوجه مخرج عن الإسلام وكلامنا في الفرق
ووجه ثالث انه قد تقدم أن البدع لا تقع من راسخ في العلم وإنما تقع ممن لم يبلغ مبلغ أهل الشريعة المتصرفين في أدلتها والشهادة بأن فلانا راسخ في العلم وفلانا غير راسخ في غاية الصعوبة فإن كل من خالف وانحاز إلى فرقة يزعم أنه الراسخ وغير قاصر النظر فإن فرض على ذلك المطلب علامة وقع النزاع إما في العلامة وإما في مناطها


"""" صفحة رقم 291 """"
ومثال ذلك أن علامة الخروج من الجماعة الفرقة المنبه عليها بقوله تعالى ) ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ( والفرقة - بشهادة الجميع - وإضافية فكل طائفة تزعم أنها هي الجماعة ومن سواها مفارق للجماعة
ومن العلامات اتباع ما تشابه من الأدلة وكل طائفة ترمى صاحبتها بذلك وأنها هي التي اتبعت أم الكتاب دون الأخرى فتجعل دليلها عمدة وترد إليه سائر المواضع بالتأويل على عكس الأخرى
ومنها اتباع الهوى الذي ترمى به كل فرقة صاحبتها وتبرىء نفسها منه فلا يمكن في الظاهر مع هذا أن يتفقوا على مناط هذه العلامات وإذا لم يتفقوا عليها لم يمكن ضبطهم بها بحيث يشير إليهم بتلك العلامات وأنهم في التحصيل متفقون عليها وبذلك صارت علامات فكيف يمكن مع اختلافهم في المناط الضبط بالعلامات
ووجه رابع وهو ما تقدم من فهمنا من مقاصد الشرع في الستر على هذه الأمة وإن حصل التعيين بالاجتهاد فالاجتهاد لا يقتضى الاتفاق على محله
الا ترى أن العلماء جزموا القول بأن النظرين لا يمكن الاتفاق عليهما عادة فلوا تعينوا بالنص لم يبق إشكال
بل أمر الخوارج على ما كانوا عليه وإن كان النبى ( صلى الله عليه وسلم ) قد عينهم وعين علامتهم في المخدج حيث قال آيتهم


"""" صفحة رقم 292 """"
رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدى المرأة ومثل البضعة تدردر الحديث
وهم الذين قاتلهم على بن أبى طالب رضى الله عنه إذ لم يرجعوا عما كانوا عليه ولم ينتهوا - فما الظن بمن ليس له في النقل تعيين
فإذا تقرر هذا ظهر به أن التعيين للفرقة الناجية بالنسبة إليها اجتهادى لا ينقطع الخلاف فيه وإن ادعى فيه القطع دون الظن فهو نظرى لا ضروري ولكنا مع ذلك نسلك في المسألة - بحول الله - مسلكا وسطا يذعن إلى قبوله عقل المو ويقر بصحته العالم بكليات الشريعة وجزئياتها والله الموفق للصواب
فنقول


"""" صفحة رقم 293 """"
لا بد من تقديم مقدمة قبل الشروع في المطلوب وذلك أن الإحداث في الشريعة إنما يقع إما من جهة الجهل وإما من جهة تحسين الظن بالعقل وإما من جهة اتباع الهوى في طلب الحق وهذا الحصر بحسب الاستقراء من الكتاب والسنة وقد مر في ذلك ما يؤخذ منه شواهد المسألة إلا أن الجهات الثلاث قد تنفرد وقد تجتمع فإذا اجتمعت فتارة تجتمع منها اثنتان وتارة تجتمع الثلاث فأما جهة الجهل فتارة تتعلق بالأدوات التي بها تفهم المقاصد وتارة تتعلق بالمقاصد وأما جهة تحسين الظن فتارة يشرك في التشريع مع الشرع وتارة يقدم عليه وهذان النوعان يرجعان إلى نوع واحد وأما جهة اتباع الهوى فمن شأنه أن يغلب الفهم حتى يغلب صاحبه الأدلة أو يستند إلى غير دليل وهذان النوعان يرجعان إلى نوع واحد فالجميع أربعة أنواع وهي الجهل بأدوات الفهم والجهل بالمقاصد وتحسين الظن بالعقل واتباع الهوى
فلنتكلم على كل واحد منها وبالله التوفيق
النوع الأول
إن الله عز وجل أنزل القرآن عربيا لا عجمة فيه بمعنى أنه جار في ألفاظه ومعانيه وأساليبه على لسان العرب قال الله تعالى ) إنا جعلناه قرآنا عربيا ( وقا
ل تعالى ) قرآنا عربيا غير ذي عوج ( وقال تعالى ) نزل به الروح الأمين ( ) بلسان عربي مبين ( وكان المنزل عليه القرآن عربيا افصح من نطق بالضاد وهو محمد بن عبد الله ( صلى الله عليه وسلم ) وكان الذين بعث فيهم عربا ايضا فجرى الخطاب به على معتادهم في لسانهم فليس فيه شىء من الألفاظ والمعانى إلا وهو جار على ما اعتادوه ولم يداخله شىء بل نفى عنه أن يكون فيه شىء أعجمى فقال تعالى ) ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (


"""" صفحة رقم 294 """"
وقال تعالى في موضع آخر ) ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته (
هذا وإن كان بعث للناس كافة فإن الله جعل جميع الأمم وعامة الألسنة في هذا الأمر تبعا للسان العرب وإذا كان كذلك فلا يفهم كتاب الله تعالى إلا من الطريق الذي نزل عليه وهو اعتبار ألفاظها ومعانيها وأساليبها
أما الفاظها فظاهرة للعيان وأما معانيها وأساليبها فكان مما يعرف في معانيها اتساع لسانها وأن تخاطب بالشىء منه عاما ظاهرا يراد به العام ويدخله الخاص ويستدل على هذا ببعض الكلام وعاما ظاهرا يراد به الظاهر ويستغنى باوله عن آخره وعاما ظاهرا يراد به الخاص وظاهرا يعرف في سياقه أن المراد به غير ذلك الظاهر والعلم بهذا كله موجود في أول الكلام أو وسطه أو آخره
وتبتدىء الشىء من كلامها بين أول اللفظ فيه عن آخره أو بين آخره عن أوله ويتكلم بالشىء تعرفه بالمعنى دون اللفظ كما تعرف بالإشارة وهذا عندها من أفصح كلامها لانفراداها بعلمه دون غيرها ممن يجهله وتسمى الشىء الواحد بالأسماء الكثيرة وتوقع اللفظ الواحد للمعانى الكثيرة
فهذه كلها معروفة عندها وتستنكر عند غيرها إلى غير ذلك من التصرفات التي يعرفا من زاول كلامهم وكانت له به معرفة وثبت رسوخه في علم ذلك


"""" صفحة رقم 295 """"
فمثال ذلك أن الله تعالى خالق كل شىء وهو على كل شىء وكيل وقال تعالى ) وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ( فهذا من العام الظاهر الذي لا خصوص فيه فإن كل شىء من سماء وأرض وذي روح وشجر وغير ذلك فالله خالقه وكل دابة على الله رزقها ) ويعلم مستقرها ومستودعها (
وقال الله تعالى ) ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ( فقوله ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله إنما أريد به من أطاق ومن


"""" صفحة رقم 296 """"
لم يطق فهو عام المعنى وقوله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه عام فيمن أطاق ومن لم يطق فهو عام المعنى
وقوله تعالى ) حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما ( فهذا من العام المراد به الخاص لأنهما لم يستطعما جميع أهل القرية
وقال تعالى ) يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ( فهذا عام لم يخرج عنه أحد من الناس
وقال إثر هذا ) إن أكرمكم عند الله أتقاكم ( فهذا خاص لأن التقوى إنما تكون على من عقلها من البالغين
وقال تعالى ) الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ( فالمراد بالناس الثاني الخصوص لا العموم
وإلا فالمجموع لهم الناس ناس أيضا وهم قد خرجوا
لكن لفظ الناس يقع على ثلاثة منهم
وعلى جميع الناس وعلى ما بين ذلك فيصح أن يقال إن الناس قد جمعوا لكم
والناس الأول القائلون كانوا أربعة نفر
وقال تعالى ) يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ( فالمراد بالناس هنا الدين اتخدوا من دون الله إلها دون الأطفال والمجانين والمؤمنين


"""" صفحة رقم 297 """"
وقال تعالى ) واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ( فظاهر السوال عن القرية نفسها وسياق قوله تعالى ) إذ يعدون في السبت ( إلى آخر الآية يدل على أن المراد أهلها لأن القرية لا تعدو ولا تفسق
وكذلك قوله تعالى ) وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة ( الآية فإنه لما قال كانت ظالمة دل على ان المراد أهلها
وقال تعالى ) واسأل القرية التي كنا فيها ( الآية فالمعنى بين أن المراد أهل القرية ولا يختلف أهل العلم باللسان في ذلك لان القرية والعير لا يخبران بصدقهم
هذا كله معنى تقرير الشافعي رحمه الله في هذه التصرفات الثابتة للعرب
وهو بالجملة مبين أن القرآن لا يفهم إلا عليه وإنما أتى الشافعى بالنوع الأغمض من طرائق العرب لأن سائر أنواع التصرفات العربية قد بسطها أهلها وهم أهل النحو والتصريف وأهل المعانى والبيان وأهل الاشتقاق وشرح مفردات اللغة وأهل الأخبار المنقولة عن العرب لمتقضيات الأحوال فجميعه نزل به القرآن
ولذلك أطلق عليه عبارة العربي
فإذا ثبت هذا فعلى الناظر في الشريعة والمتكلم فيها أصولا وروعا أمران
أحدهما أن لا يتكلم في شىء من ذلك حتى يكون عربيا أو كالعربي في كونه عارفا بلسان العرب
بالغا فيه مبالغ العرب
أو مبالغ الائمة المتقدمين كالخليل وسيبويه والكسائي والفراء ومن أشبههم وداناهم
وليس المراد أن يكون حافظا كحفظهم وجامعا كجمعهم وإنما المراد أن يصير فهمه عربيا في الجملة


"""" صفحة رقم 298 """"
وبذلك امتاز المتقدمون من علماء العربية على المتأخرين
إذ بهذا المعنى أخذوا أنفسهم حتى صاروا ائمة فإن لم يبلغ ذلك فحسبه في فهم معانى القرآن التقليد ولا يحسن ظنه بفهمه دون أن يسال فيه أهل العلم به
قال الشافعى لما قرر معنى ما تقدم فمن جهل هذا من لسانها يعنى لسان العرب - وبلسانها نزل القرآن وجاءت السنة به - فتكلف القول في علمها تكلف ما يجهل لفظه ومن تكلف ما جهل وما يثبته معرفة كانت موافقته للصواب - إن وافقه - من حيث لا يعرفه غير محمودة وكان في تخطئته غير معذور إذ نظر فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الصواب والخطأ فيه
وما قاله حق فإن القول في القرآن والسنة بغير علم تكلف - وقد نهينا عن التكلف - ودخول تحت معنى الحديث حيث قال عليه الصلاة والسلام حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا الحديث لأنهم إذا لم يكن لهم لسان عربى يرجعون إليه في كتاب الله وسنة نبيه رجع إلى فهمه الأعجمى وعقله المجرد عن التمسك بدليل يضل عن الجادة


"""" صفحة رقم 299 """"
وقد خرج ابن وهب عن الحسن أنه قيل له أرايت الرجل يتعلم العربية ليقيم بها لسانه ويصلح بها منطقه قال نعم فليتعلمها فإن الرجل يقرأ فيعيا بوجهها فيهلك
وعن الحسن قال أهلكتهم العجمة يتأولون على غير تأويلة
والأمر الثانى أنه إذا اشكل عليه في الكتاب أو في السنة لفظ أو معنى فلا يقدم على القول فيه دون أن يستظهر بغيره ممن له علم بالعربية فقد يكون إماما فيها ولكنه يخفى عليه الأمر في بعض الأوقات فالأولى في حقه الاحتياط إذ قد يذهب على العربي المحض بعض المعانى الخاصة حتى يسأل عنها وقد نقل من هذا عن الصحابة - وهم العرب - فكيف بغيرهم
نقل عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال كنت لا أدرى ما فاطر السموات والأرض حتى أتانى أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما أنا فطرتها أي أنا ابتدأتها


"""" صفحة رقم 300 """"
وفيما يروى عن عمر رضى الله عنه أنه سأل وهو على المنبر عن معنى قوله تعالى ) أو يأخذهم على تخوف ( فأخبره رجل من هذيل أن التخوف عندهم هو التنقص وأشباه ذلك كثيرة
قال الشافعى لسان العرب أوسع الألسنة مذهبا وأكثرها ألفاظا
قال - ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبى
ولكنه لا يذهب منه شىء على عامتها حتى لا يكون موجودا فيها من يعرفه - قال - والعلم به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل العلم لا نعلم رجلا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شىء فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن وإذا فرق كل واحد منهم ذهب عليه الشىء منها ثم كان ما ذهب عليه منها موجودا عند غيره ممن كان في طبقته وأهل علمه قال - وهكذا لسان العرب عند خاصتها وعامتها لا يذهب منه شىء عليها ولا يطلب عند غيرها ولا يعلمه إلا من نقله عنها ولا يشركها فيه إلا من اتبعها في تعلمه منها ومن قبله منها فهو من أهل لسانها وإنما صار غيرهم من غير أهله لتركه فإذا صار إليه صار من أهله


"""" صفحة رقم 301 """"
هذا ما قال ولا يخالف فيه أحد فإذا كان الأمر على هذا لزم كل من أراد أن ينظر في الكتاب والسنة أن يتعلم الكلام الذي به أديت وأن لا يحسن ظنه بنفسه قبل الشهادة له من أهل علم العربية بأنه يستحق النظر وأن لا يستقل بنفسه في المسائل المشكلة التي لم يحط بها علمه دون أن يسأل عنها من هو من أهلها فإن ثبت على هذه الوصاة كان
إن شاء الله - موافقا لما كان عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام واصحابه الكرام
روى عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما انه قال قلنا يا رسول الله
من خير الناس قال ذو القلب المهموم واللسان الصادق - قلنا قد عرفنا اللسان الصادق فما ذو القلب المهموم قال - هو التقي النقى الذي لا إثم فيه ولا حسد - قلنا فمن على أثره قال - الذي ينسى الدينا ويحب الآخرة - قلنا ما نعرف هذا فينا إلا رافعا مولى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قلنا فمن على اثره قال - مؤمن في خلق حسن قلنا أما هذا فإنه فينا
ويروى أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جاءه رجل فقال يا رسول الله أيدا لك الرجل أمرأته قال نعم إذا كان ملفجا فقال له أبو بكر رضى الله عنه ما قلت وما قال لك رسول الله عليك وسلم فقال قال أيماطل الرجل امرأته قلت نعم إذا كان فقيرا فقال أبو بكر ما رأيت الذي هو أفصح منك يا رسول الله فقال وكيف لا وأنا من قريش وأرضعت في بنى سعد
فهذه أدلة تدل على أن بعض اللغة يعزب عن علم بعض العرب فالواجب السؤال كما سألوا فيكون على ما كانوا عليه وإلا زل فقال في الشريعة برايه لا بلسانها


"""" صفحة رقم 302 """"
ولنذكر لذلك ستة أمثلة أحدها قول جابر الجعفى في قوله تعالى ) فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي ( أن تأويل هذه الآية لم يجىء بعد - وكذب - فإنه أراد بذلك مذهب الرافضة فإنها تقول إن عليا في السحاب فلا يخرج مع من خرج من ولده حتى ينادى على من السماء اخرجو مع فلان فهذا معنى قوله تعالى ) فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي ( الآية عند جابر حسبما فسره سفيان من قوله لم يجىء بعد
بل هذه الآية كانت في إخوة يوسف وقع ذلك في مقدمة كتاب مسلم ومن كان ذا عقل فلا يرتاب في أن سياق القرآن دال على ما قال سفيان وأن ما قاله جابر لا ينساق
والثاني قول من زعم أنه يجوز للرجل نكاح تسع من الحلائل مستدلا بقوله تعالى ) فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ( لأن أربعا إلى ثلاث إلى اثنتين تسع ولم يشعر بمعنى فعال ومفعل في كلام العرب وأن معفى الآية فانكحو إن شئتم اثنتين اثنتين أو ثلاثا أو أربعا اربعا على التفصيل لا على ما قالوا
والثالث قول من زعم أن المحرم أن المحرم من الخنزير إنما هو اللحم وأما الشحم


"""" صفحة رقم 303 """"
فحلال لأن القرآن إنما حرم اللحم دون الشحم ولو عرف أن اللحم يطلق على الشحم أيضا بخلاف الشحم فإنه لا يطلق على اللحم - لم يقل ما قال
والرابع قول من قال إن كل شىء فإن حتى ذات البارى - تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا - ما عدا الوجه بدليل ) كل شيء هالك إلا وجهه ( وإنما المراد بالوجه هنا غير ما قال فإن للمفسرين فيه تأويلات وقصد هذا القائل ما يتجه لغة ولا يعنى
وأقرب قول لقصد هذا المسكين أن يراد به ذو الوجه كما تقول فعلت ذا لوجه فلان أي لفلان فكان معنى الآية كل شىء هالك إلا هو
وقوله تعالى ) إنما نطعمكم لوجه الله ( - ومثله قوله تعالى ) كل من عليها فان (


"""" صفحة رقم 304 """"
والسادس قوله من قال في قول النبى ( صلى الله عليه وسلم ) لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر إن هذا الذى في الحديث هو مذهب الدهرية ولم يعرف أن المعنى لا تسبوا الدهر إذا اصابتكم المصائب ولا تنسبوها إليه فإن الله هو الذى اصابكم بذلك لا الدهر فإنكم إذا سببتم الدهر وقع السب على الفاعل لا على الدهر لان العرب كان من عادتها في الجاهلية أن تنسب الأفعال إلى الدهر فتقول اصابه الدهر في ماله ونابته قوارع الدهر ومصائبه
فينسبون إلى كل شىء تجرى به أقدار الله تعالى عليهم إلى الدهر فيقولون لعن الله الدهر ومحا الله الدهر
وأشباه ذلك وإنما يسبونه لأجل الفعال المنسوبة إليه فكأنهم إنما سبوا الفاعل والفاعل هو الله وحده فكأنهم يسبونه سبحانه وتعالى
فقد ظهر بهذه الأمثلة كيف يقع الخطأ في العربية في كلام الله سبحانه وتعالى وسنة نبيه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وأن ذلك يؤدى إلى تحريف الكلم عن مواضعه والصحابة رضوان الله عليهم برآء من ذلك
لأنهم عرب لم يحتاجوا في فهم كلام الله تعالى إلى أدوات ولا تعلم ثم من جاء بعدهم ممن ليس بعربى اللسان تكلف ذلك حتى علمه وحينئد داخل القوم في فهم الشريعة وتنزيلها على ما ينبغى فيها كسلمان الفارسى وغيره فكل من اقتدى بهم في تنزيل الكتاب والسنة على العربية - إن أراد أن يكون من أهل الاجتهاد فهو - إن شاء الله - داخل في سوادهم الأعظم كائن على ما كانوا عليه فانتظم في سلك الناجية
فصل
النوع الثاني أن الله تعالى أنزل الشريعة على رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) فيها


"""" صفحة رقم 305 """"
تبيان كل شىء يحتاج إليه الخلق في تكاليفهم التى أمروا بها وتعبداتهم التي طوقوها في أعناقهم ولم يمت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى كمل الدين بشهادة الله تعالى بذلك حيث قال تعالى ) اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ( فكل من زعم أنه بقى في الدين شىء لم يكمل فقد كذب بقوله ) اليوم أكملت لكم دينكم (
فلا يقال قد وجدنا من النوازل والوقائع المتجددة ما لم يكن في الكتاب ولا في السنة نص عليه ولا عموم ينتظمه وأن مسائل الجد في الفرائض والحرام في الطلاق ومسألة الساقط على جريح محفوف بجرحى وسائر المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها من كتاب ولا سنة فأين - الكلام فيها
فيقال في الجواب أولا أن قوله تعالى ) اليوم أكملت لكم دينكم ( إن اعتبرت فيها الجزئيات من المسائل والنوازل فهو كما أوردتم ولكن المراد كلياتها فلم يبق للدين قاعدة يحتاج إليها في الضروريات والحاجيات أو التكميليات إلا وقد بينت غاية البيان نعم يبقى تنزيل الجزئيات على تلك الكليات موكولا إلى نظر المجتهد فإن قاعدة الاجتهاد أيضا ثابتة في الكتاب والسنة فلا بد من إعمالها ولا يسع تركها وإذا ثبت في الشريعة اشعرت بأن ثم مجالا للاجتهاد ولا يوجد ذلك إلا فيما لا نص فيه
ولو كان المراد بالآية الكمال بحسب تحصيل الجزئيات بالفعل فالجزئيات لا نهاية لها فلا تنحصر بمرسوم وقد نص العلماء على هذا المعنى فإنما المراد الكمال بحسب ما يحتاج إليه من القواعد الكلية التي يجرى عليها ما لا نهاية له من النوازل
ثم نقول ثانيا إن النظر في كمالها بحسب خصوص الجزئيات يؤدى إلى


"""" صفحة رقم 306 """"
الإشكال والالتباس وإلا فهو الذي ادى إلى إيراد هذا السؤال إذ لو نظر السائل إلى الحالة التي وضعت عليها الشريعة وهي حالة الكلية - لم يورد سؤاله لأنها موضوعة على الابدية وإن وضعت الدنيا على الزوال والنهاية
وأما الجزئية فموضوعة على النهاية المؤدية إلى الحصر في التفصيل وإذا ذاك قد يتوهم أنها لم تكمل فيكون خلافا لقوله تعالى ) اليوم أكملت لكم دينكم ( - وقوله تعالى - ) ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ( الآية ولا شك أن كلام الله هو الصادق وما خالفه فهو المخالف
فظاهر إذ ذاك أن الآية على عمومها وإطلاقها
وأن النوازل التي لا عهد بها لا تؤثر في صحة هذا الكمال إما محتاج إليها وإما غير محتاج إليها فإن كانت محتاج إليها فهي مسائل الاجتهاد الجارية على الاصول الشرعية فأحكامها قد تقدمت
ولم يبق إلا نظر المجتهد إلى أي دليل يستند خاصة وإما غير محتاج إليها فهي البدع المحدثات إذ لو كانت محتاجا إليها لما سكت عنها في الشرع لكنها مسكوت عنها بالفرض ولا دليل عليها فيه كما تقدم - فليست بمحتاج إليها
فعلى كل تقدير قد كمل الدين والحمد لله
ومن الدليل على أن هذا المعنى هو الذي فهمه الصحابة رضى الله عنهم أنهم لم يسمع عنهم قط
إيراد ذلك السؤال ولا قال أحد منهم لم لم ينص على حكم الجد مع الإخوة وعلى حكم من قال لزوجته أنت على حرام وأشباه ذلك مما لم يجدوا فيه عن الشارع نصا بل قالوا فيها وحكموا بالاجتهاد


"""" صفحة رقم 307 """"
صفحة فارغة


"""" صفحة رقم 308 """"
وقد صح أنه سهل ابن حنيف قال يوم صفين وحكم الحكمين يا أيها الناس اتهموا رايكم فلقد رايتنا مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم أبى جندل ولو نستطيع أن نرد على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أمره لرددناه وأيم الله وما ما وضعنا سيوفنا من على عواتقنا منذ أسلمنا لامر يفظعنا إلا اسهلن بنا امر نعرفه - الحديث
فوجد الشاهد منه أمران قوله اتهموا الرأى فإن معارضة الظواهر في غالب الامر رأى غير مبنى على اصل يرجع إليه وقوله في الحديث - وهو النكتة في الباب - والله ما وضعنا سيوفنا - إلى آخره فإن معناه ان كل ما ورد عليهم في شرع الله مما يصادم الرأى فإنه حق يتبين على التدريج حتى يظهر فساد ذلك الراى وأنه كان شبهة عرضت وإشكالا ينبغى أن لا يلتفت إليه بل يتهم أولا ويعتمد على ما جاء في الشرع فإنه إن لم يتبين اليوم تبين غدا ولو فرض انه لا يتبين أبدا فلا حرج فإنه متمسك بالعروة الوثقى
وفي الصحيح عن عمر رضى الله عنه قال سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فكدت اساوره في الصلاة فصبرت حتى سلم فلببته بردائه فقلت من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرا فقال أقرأنيها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )
فقلت كذبت فإن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد أقرأنيها على غير ما قرأت فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقلت إنى سمعت هذا


"""" صفحة رقم 309 """"
يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أرسله إقرأ يا هشام فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كذلك أنزلت - ثم قال - أقرأ يا عمر القرأة التي أقرأنى فقال - كذلك أنزلت إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه
وهذه المسألة إنما هي إشكال وقع لبعض الصحابة في نقل الشرع بين لهم جوابه النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يكن ذلك دليلا على أن فيه اختلافا فإن الاختلاف بين المكلفين في بعض معانيه أو مسائله لا يستلزم أن يكون فيه نفسه اختلاف فقد اختلفت الأمم في النبوات ولم يكن ذلك دليلا على وقوع الاختلاف في نفس النبوات
واختلفت في مسائل كثيرة من علوم التوحيد ولم يكن اختلافهم دليلا على وقوع الاختلاف فيما اختلفوا فيه فكذلك ما نحن فيه
وإذا ثبت هذا صح منه أن القرآن في نفسه لا اختلاف فيه ثم نبنى على هذا معنى آخر وهو أنه لما تبين تنزهه عن الاختلاف صح أن يكون حكما بين جميع المختلفين لانه إنما يقرر معنى هو الحق والحق لا يختلف في نفسه فكل اختلاف صدر من مكلف فالقرآن هو المهيمن عليه قال الله تعالى ) فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ( فهذه الآى وما اشبهها ضريحة في الرد إلى كتاب الله تعالى وإلى سنة نبيه لأن السنة بيان الكتاب وهو دليل على أن الحق فيه واضح وأن البيان فيه شاف لا شىء بعده يقوم مقامه وهكذا فعل


"""" صفحة رقم 310 """"
الصحابة رضى الله عنهم لأنهم كانوا إذا اختلفوا في مسالة ردوها إلى الكتاب والسنة وقضاياهم شاهدة بهذا المعنى لا يجهلها من زاول الفقه فلا فائدة في جلبها إلى هذا الموضع لشهرتها فهو إذا مما كان عليه الصحابة
فإذا تقرر هذا فعلى الناظر في الشريعة بحسب هذه المقدمة أمران أحدهما ان ينظر إليها بعين الكمال لا بعين النقصان ويعتبرها اعتبارا كليا في العبادات والعادات ولا يخرج عنها البتة لأن الخروج عنها تيه وضلال ورمى في عماية كيف وقد ثبت كمالها وتمامها فالزائد والمنقص في جهتها هو المبتدع بإطلاق والمنحرف عن الجادة إلى بنيات الطرق
والثانى أن يوقن أنه لا تضاد بين آيات القرآن و لا بين الأخبار النبوية ولا بين أحدهما مع الآخر بل الجميع جار على مهيع واحد ومنتظم إلى معنى واحد فإذا أداه بادى الرأى إلى ظاهر اختلاف فواجب عليه أن يعتقد انتفاء الاختلاف لأن الله قد شهد له أن لا اختلاف فيه فليقف وقوف المضطر السائل عن وجه الجمع أو المسلم من غير اعتراض فإن كان الموضع مما يتعلق به حكم عملى فليلتمس المخرج حتى يقف على الحق اليقين أو ليبق باحثا إلى الموت ولا عليه من ذلك فإذا اتضح له المغزى وتبينت له الواضحة فلا بد له من أن يجعلها حاكمة في كل ما يعرض له من النظر فيها
ويضعها نصب عينيه في كل مطلب دينى كما فعل من تقدمنا ممن أثنى الله عليهم


"""" صفحة رقم 311 """"
فأما الأمر الأول فهو الذي أغفله المبتدعون فدخل عليهم بسبب ذلك الاستدراك على الشرع وإليه مال كل من كان يكذب على النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فيقال له ذلك ويحذر ما في الكذب عليه من الوعيد
فيقول لم أكذب عليه وإنما كذبت له
وحكى عن محمد بن سعيد المعروف بالأردنى أنه قال إذا كان الكلام حسنا لم أر بأسا أن أجعل له إسنادا
فلذلك كان يحدث بالموضوعات وقد قتل في الزندقة وصلب وقد تقدم لهذا القسم أمثلة كثيرة


"""" صفحة رقم 312 """"
ولنذكر من ذلك عشرة أمثلة أحدها قول من قال إن قوله تعالى ) وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ( يتناقض مع قوله تعالى ) فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (
والثانى قول من قال في قوله تعالى ) فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ( مضاد لقوله ) وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون ( - وقوله تعالى ) ولتسألن عما كنتم تعملون (
والثالث قول من قال في قوله تعالى ) أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين ( - إلى قوله تعالى - ) ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ( ) رفع سمكها فسواها ( ) والأرض بعد ذلك دحاها ( فصرح بأن الأرض مخلوقة بعد السماء
ومن هذه الأسئلة ما أورده نافع بن الأزرق - أو غيره على ابن عباس رضى الله عنهما فخرج البخارى في المعلقات عن سعيد بن جبير قال - قال رجل لابن عباس إنى أجد في القرآن اشياء تختلف على وهي قوله تعالى ) فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ( - واقبل بعضهم على بعض يتساءلون


"""" صفحة رقم 313 """"
ولا يكتمون الله حديثا - والله ربنا ما كنا مشركين ) فقد كتموا في هذا الآية ) أم السماء بناها رفع سمكها فسواها ( - إلى قوله تعالى ) والأرض بعد ذلك دحاها ( فذكر خلق السماء قبل الأرض ثم قال ) أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ( - إلى قوله - ) ثم استوى إلى السماء وهي دخان ( - إلى قوله - ) طائعين ( فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء وقال ) وكان الله غفورا رحيما (
) عزيزا حكيما ( - ) سميعا بصيرا ( فكأنه كان ثم مضى فقال - يعنى ابن عباس ) فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ( في النفخة الأولى ) ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ( ) فلا أنساب بينهم ( عند ذلك ) ولا يتساءلون ( ثم في النفخة الأخرى ) وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (
وأما قوله ) ما كنا مشركين ( - ) ولا يكتمون الله حديثا ( فإن الله عز وجل يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم وقال المشركون تعالوا نقول لم نكن مشركين فختم على افواههم فتنطق ايديهم فعند ذلك عرفوا أن الله لا يكتم حديثا وعنده ) يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض (


"""" صفحة رقم 314 """"
وقوله عز وجل ) خلق الأرض في يومين ( - ) ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ( في يومين آخرين ثم دحا الأرض ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى
وخلق الجبال والجمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين فلذلك قوله دحاها وقوله تعالى ) خلق الأرض في يومين ( فخلقت الأرض وما فيها من شىء في أربعة أيام وخلقت السموات في يومين
) وكان الله غفورا رحيما ( سمى نفسه بذلك وذلك قوله أي لم يزل كذلك فإن الله عز وجل لم يرد شيئا إلا اصاب به الذي اراد فلا يختلف عليك القرآن فإن كلا من عند الله
والرابع قول من قال إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال إن الله لما خلق آدم مسح ظهره بيمينه فأخرج منه ذريته إلى يوم القيامة واشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى الحديث كما وقع مخالف لقول الله تعالى ) وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ( فالحديث أنه أخذهم من ظهر آدم والكتاب يخبر أنه أخذ من ظهور آدم وهذا إذا تؤمل لا خلاف فيه لأنه يمكن الجمع بينهما بأن يخرجوا من صلب آدم عليه السلام والصلاة دفعة واحدة على وجه لو خرجوا على الترتيب كما أخرجوا إلى الدنيا ولا محال في هذا بأن يتفطر في تلك الآخذة الأبناء عن الأبناء من غير ترتيب زمان وتكون النسبتان معا صحيحتين في الحقيقة لا على المجاز


"""" صفحة رقم 315 """"
والخامس قول من قال - فيما جاء في الحديث
أن رجلا قال يا رسول الله نشدتك الله إلا ما قضيت بيننا بكتاب الله فقال خصمه وكان أفقه منه صدق أقض بيننا بكتاب الله وائذن لى في أن أتكلم ثم أتى بالحديث
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما الوليدة والغنم فرد عليك وعلى ابنك هذا جلد مائة وتغريب عام وعلى امرأة هذا الرجم إلى آخر الحديث - هو مخالف لكتاب الله لأنه قد قال لأقضين بينكما بكتاب الله حسبما ساله السائل ثم قضى بالرجم والتغريب وليس لهما ذكر في كتاب الله
الجواب إن الذى أوجب الإشكال في المسألة اللفظ المشترك في كتاب الله فكما يطلق على القرآن يطلق على ما كتب الله تعالى عنده مما هو حكمه وفرضه على العباد كان مسطورا في القرآن أولا كما قال تعالى ) كتاب الله عليكم ( أي حكم لله فرضه وكل ما جاء في القرآن من قوله ) كتاب الله عليكم ( فمعناه فرضه وحكم به ولا يلزم أن يوجد هذا الحكم في القرآن
والسادس قول من زعم أن قوله تعالى في الإماء ) فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ( لا يعقل مع ما جاء في الحديث أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) رجم ورجمت الأئمة بعده لانه يقتضى أن الرجم ينتصف وهذا غير معقول فكيف يكون نصفه على الإماء ذهابا منهم


"""" صفحة رقم 316 """"
إلى أن المحصنات هن ذوات الأزواج وليس كذلك بل المحصنات هنا المراد بهن الحرائر بدليل قوله أول الآية ) ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ( وليس المراد هنا إلا الحرائر لان ذوات الأزواج لا تنكح
والسابع قولهم إن الحديث جاء بأن المرأة لا تنكح على عمتها ولا على خالتها وأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب والله تعالى لما ذكر المحرمات لم يذكر من الرضاع إلا الأم والأخت ومن الجمع إلا الجمع بين الأختين وقال بعد ذلك ) وأحل لكم ما وراء ذلكم ( فاقتضى أن المرأة تنكح على عمتها وعلى خالتها وإن كان رضاع سوى الأم والأخت حلالا
وهذه الاشياء من باب تخصيص العموم لا تعارض فيه على حال
والثامن قول من قال إن قوله عليه الصلاة و السلام غسل الجمعة واجب على كل محتلم مخالف لقوله من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت ومن اغتسل فالغسل افضل والمراد بالوجوب هنا بالتأكيد خاصة بحيث لا يكون تركا للفرض وبه يتفق معنى الحديثين فلا اختلاف
والتاسع قولهم جاء في الحديث صلة الرحم تزيد العمر والله تعالى يقول ) إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ( فكيف تزيد صلة الرحم في أجل لا يؤخر ولا يقدم البتة
وأجيب عنه بأجوبة منها أن يكون في علم الله أن هذا الرجل إن وصل رحمه عاش مائة سنة وإلا عاش ثمانين سنة مع ان في علمه أن يفعل بلا بد أو أنه لا يفعل أصلا


"""" صفحة رقم 317 """"
وعلى كلا الوجهين إذا جاء أجله لا يستأخر ساعة ولا يستقدم
قاله ابن قتيبة وتبعه عليه القرافى
والعاشر قال في الحديث إنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة ثم فيه كان عليه الصلاة والسلام ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء وهذا تدافع
والحديثان معا لعائشة رضى الله عنها
والجواب سهل
فالحديثان يدلان على أن الأمرين موسع فيهما لأنه إذا فعل أحد الأمرين وأكثر منه وفعل الآخر أيضا وأكثر منه على ما تقتضيه كان يفعل حصل منهما أنه كان يفعل ويترك وهذا شأن المستحب فلا تعارض بينهما
فهذه عشرة امثلة تبين لك مواقع الإشكال وإنى رتبتها مع ثلج اليقين فإن الذي عليه كل موفق بالشريعة أنه لا تناقض فيها ولا اختلاف
فمن توهم ذلك فيها فلم ينعم النظر ولا أعطى وحى الله حقه
ولذلك قال الله تعالى ) أفلا يتدبرون القرآن ( فحضهم على التدبر أولا ثم أعقبه ) ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ( فبين أنه لا اختلاف فيه
والتدبر يعين على تصديق ما أخبر به


"""" صفحة رقم 318 """"
فصل
النوع الثالث أن الله جعل للعقول في إدراكها حدا تنتهى إليه لا تتعداه ولم يجعل لها سبيلا إلى الإدراك في كل مطلوب
ولو كانت كذلك لاستوت مع البارى تعالى في إدارك جميع ما كان وما يكون وما لا يكون إذ لو كان كيف كان يكون فمعلومات الله لا تتناهى ومعلومات العبد متناهية والمتناهي لا يساوى ما لا يتناهى
وقد دخل في هذه الكلية ذوات الأشياء جملة وتفصيلا وصفاتها وأحوالها وأفعالها وأحكامها جملة وتفصيلا فالشىء الواحد من جملة الأشياء يعلمه البارى تعالى على التمام والكمال بحيث لا يعزب عن علمه مثقال ذرة لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أحواله أو أحكامه بخلاف العبد فإن علمه بذلك الشىء قاصر ناقص تعقل أو صفاته أو أحواله أو أحكامه وهو في الإنسان أمر مشاهد محسوس لا يرتاب فيه عاقل تخرجه التجربة إذا اعتبرها الإنسان في نفسه
وأيضا فأنت ترى المعلومات عند العلماء تنقسم إلى ثلاثة اقسام
قسم ضرورى لا يمكن التشكيك فيه كعلم الإنسان بوجوده وعلمه بأن الأثنين أكثر من الواحد وأن الضدين يجتمعان
وقسم لا يعلمه البتة إلا أن يعلم به أو يجعل له طريق إلى العلم به وذلك كعلم المغيبات عنه كانت من قبيل ما يعتاد علم العبد به أولا كعلمه بما تحت رجليه


"""" صفحة رقم 319 """"
إلا أن مغيبه عنه تحت الأرض بمقدار شبر
وعلمه بالبلد القاصى عنه الذي لم يتقدم له به عهد
فضلا عن علمه بما في السموات وما في البحار وما في الجنة أو النار على التفصيل فعلمه بما لم يجعله عليه دليل غير ممكن
وقسم نظرى يمكن العلم به ويمكن أن لا يعلم به - وهي النظريات - وذلك الممكنات التي تعلم بواسطة لا بأنفسها إلا ان يعلم بها إخبارا
وقد زعم أهل العقول ان النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة لاختلاف القرائح والأنظار
فإذا وقع الاختلاف فيها لم يكن بد من مخبر بحقيقتها في أنفسها إن احتيج إليها لانها لو لم تفتقر إلى الأخبار لم يصح العلم بها لأن المعلومات لا تختلف باختلاف الأنظار لأنها حقائق في أنفسها
فلا يمكن أن يكون كل مجتهد فيها مصيبا - كما هو معلوم في الاصول - وإنما المصيب فيها واحد وهو لا يتعين إلا بالدليل
وقد تعارضت الأدلة في نظر الناظر فنحن نقطع بأن أحد الدليلين دليل حقيقة
ولا الآخر شبهة ولا يعين
فلا بد من إخبار بالتعيين
ولا يقال إن هذا قول الإمامية لأنا نقول بل هو يلزم الجميع فإن القول بالمعصوم غير النبى ( صلى الله عليه وسلم ) يفتقر إلى دليل لأنه لم ينص عليه الشارع نصا يقطع العذر
فالقول بإثباته نظرى فهو مما وقع الخلاف فيها فكيف يخرج عن الخلاف بأمر فيه خلاف هذا لا يمكن
فإذا ثبت هذا رجعنا إلى مسألتنا فنقول الأحكام الشرعية من حيث تقع على أفعال المكلفين من قبيل الضروريات في الجملة
وإن اختلفوا في بعض التفاصيل فلتماسها


"""" صفحة رقم 320 """"
ونرجع إلى ما بقى من الأقسام فإنهم قد أقروا في الجملة - أعنى القائلين بالتشريع العقلى - أن منه نظريا ومنه ما لايعلم بضرورة ولا نظر وهما القسمان الباقيان مما لا يعلم له اصل إلا من جهة الإخبار فلا بد فيه من الإخبار لأن العقل غير مستقل فيه وهذا إذا راعينا قولهم وساعدناهم عليه فإنا إن لم نلتزم ذلك على مذاهب أهل السنة فعندنا أن لا نحكم العقل أصلا فضلا عن أن يكون له قسم لا حكم له وعندهم أنه لا بد من حكم فلأجل ذلك نقول لا بد من الافتقار إلى الخبر وحينئذ يكون العقل غير مستقل بالتفريغ
فإن قالوا بل هو مستقل لأن ما لم يقض فيه فإما أن يقولوا فيه بالوقوف - كما هو مذهب بعضهم - أو بأنه على الحظر أو الإباحة - كما ذهب إليه آخرون
فأن قالوا بالثانى فهو مستقل وإن قالوا بالأول فكذلك أيضا لأن قد ثبت استقلاله بالبعض فافتقاره في بعض الأشياء لا يدل على افتقاره مطلقا
قلنا بل هو مفتقر على الأطلاق لأن القائلين بالوقف اعترفوا بعدم استقلاله في البعض وإذا ثبت الافتقار في صورة ثبت مطلقا إذ ما وقف فيه العقل قد ثبت فيه ذلك وما لم يقف فيه فإنه نظرى فيرجع ما تقدم في النظر وقد مر أنه لا بد من حكم ولا يمكن إلا من جهة الإخبار
وأما القائلون بعدم الوقف فراجعة أقوالهم ايضا إلى ان المسألة نظرية فلا بد من الإخبار وذلك معنى كون العقل لا يستقل بإدراك الأحكام حتى يأتى المصدق للعقل أو المكذب له
فإن قالوا فقد ثبت فيها قسم ضروري فيثبت الاستقلال
قلنا إن ساعدناكم على ذلك فلا يضرنا في دعوى الافتقار لأن الأخبار قد تأتى بما يدركه


"""" صفحة رقم 321 """"
الإنسان بعقله تنبيها لغافل أو إرشادا لقاصر أو إيقاظا لمغمور بالعوائد يغفل عن كونه ضروريا فهو إذا محتاج إليه ولا بد للعقل من التنبيه من خارج وهي فائدة بعث الرسل فإنكم تقولون إن حسن الصدق النافع والإيمان وقبح الكذب ايضا والكفران معلوم ضرورة وقد جاء الشرع بمدح هذا وذم ذلك
وأمر بهذا ونهى عن ذلك
فلو كان العقل غير مفتقر إلى التنبيه لزم المحال وهو الإخبار بما لا فائدة فيه لكنه أتى بذلك فدلنا على أنه نبه على أمر يفتقر العقل إلى التنبيه عليه هذا وجه
ووجه آخر
وهو أن العقل لما ثبت أنه قاصر الإدراك في علمه فما ادعى علمه لم يخرج عن تلك الأحكام الشرعية التي زعم أنه أدركها لإمكان أن يدركها من وجه دون وجه وعلى حال دون حال والبرهان على ذلك أحوال أهل الفترات فإنهم وضعوا أحكاما على العباد بمقتضى السياسات لا تجد فيها اصلا منتظما وقاعدة مطردة على الشرع بعد ما جاء بل استحسنوا أمورا تجد العقول بعد تنويرها بالشرع تنكرها وترميها بالجهل والضلال والبهتان والحمق مع الاعتراف بأنهم أدركوا بعقولهم اشياء قد وافقت وجاء الشرع بإقرارها وتصحيحها ومع أنهم كانوا أهل عقول باهرة وأنظار صافية وتدبيرات لدنياهم غامضة لكنها بالنسبة إلى ما لم يصيبوا فيه قليلة فلأجل هذا كله وقع الإعذار والإنذار وبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل والله الحجة البالغة والنعمة السابغة


"""" صفحة رقم 322 """"
فا لانسان - وإن زعم فى الامر أنه أدركه وقتله علما - لا يأتى عليه الزمان إلا وقد عقل فيه ما لم يكن عقل وأدرك من علمه ما لم يكن أدرك قبل ذلك كل أحد يشاهد ذلك من نفسه عيانا ولا يختص ذلك عنده بمعلوم دون معلوم ولا بذات دون صفة ولا فعل دون حكم فكيف يصح دعوى الاستقلال في الأحكام الشرعية - وهي نوع من أنواع ما يتعلق به علم العبد لا سبيل له إلى دعوى الإستقلال البتة حتى يستظهر في مسألته بالشرع - إن كانت شرعية - لان أوصاف الشارع لا تختلف فيها البتة ولا قصور ولا نقص بل مباديها موضوعة على وفق الغايات وهي من الحكمة
ووجه ثالث
وهو أن ما ندعى علمه في الحياة ينقسم كما تقدم - إلى البديهى الضروري وغيره إلا من طريق ضروري إما بواسطة أو بغير واسطة إذ قد اعترف الجميع أن العلوم المكتسبة لا بد في تحصيلها من توسط مقدمتين معترف بهما فإن كانتا ضروريتين فذاك وإن كانتا مكتسبتين فلا بد في اكتساب كل واحدة منهما من مقدمتين وينظر فيهما ما تقدم وكذلك إن كانت واحدة ضرورية وأخرى مكتسبة فلا بد للمكتسبة من مقدمتين فإن انتهينا إلى ضروريتين فهو المطلوب وإلا لزم التسلسل أو الدور وكلاهما محال فإذا لا يمكن أن نعرف غير الضروري إلا بالضروري
وحاصل الأمر أنه لا بد من معرفتهما بمقدمتين حصلت لنا كل واحدة


"""" صفحة رقم 323 """"
منهما مما عقلناه وعلمناه من مشاهد باطنة كالألم واللذة أو بديهي للعقل كعلمنا بوجودنا وبأن الاثنين أكثر من الواحد وبأن الضدين لا يمكن اجتماعهما وما أشبه ذلك مما هو لنا معتاد في هذه الدار فإنا يتقدم لنا علم إلا بما هو معتاد في هذه الدار وأما ما ليس بمعتاد فقبل النبوات لم يتقدم لنا به معرفة فلو بقينا وذلك لم نحل ما لم نعرف إلا على ما عرفنا ولأنكرنا من أدعى جواز قلب الشجر حيوانا والحيوان حجرا وما أشبه ذلك لأن الذي نعرفه من المعتادات المتقدمة خلاف هذه الدعوى
فلما جاءت النبوات بخوارق العادات أنكرها من أصر على الأمور العادية واعتقادها سحرا أو غير ذلك كقلب العصا ثعبانا وفرق البحر وإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص ونبع الماء من بين اصابع اليد وتكليم الحجر والشجر وانشقاق القمر - إلى غير ذلك مما تبين به أن تلك العوائد اللازمة في العادات ليست بعقلية بحيث لا يمكن تخلفها بل يمكن أن تتخلف كما يجوز على كل مخلوق أن يصير من الوجود إلى العدم كما خرج من العدم إلى الوجود
فمبادى العادات إذا يمكن عقلا تخلفها
إذ لو كان عدم التخلف لها عقليا لم يمكن أن تتخلف لا لنبى ولا لغيره ولذلك لم يدع أحد من الانبياء عليهم الصلاة والسلام الجمع بين النقيضين ولا تحدى أحد بكون الاثنين أكثر من الواحد مع أن الجميع فعل الله تعالى
وهو متفق عليه بين أهل الإسلام


"""" صفحة رقم 324 """"
وإذا أمكن في العصا والبحر والأكمه والأبرص والاصابع والشجر وغير ذلك - أمكن في جميع الممكنات لأن ما وجب للشىء وجب لمثله
وايضا فقد جاءنا الشرع بأوصاف من أهل الجنة وأهل النار خارجة عن المعتاد الذي عندنا فإن كون الإنسان في الجنة يأكل ويشرب ثم لا يغوط ولا يبول غير معتاد وكون عرقه كرائحة المسك غير معتاد وكون الأزواج مطهرة من الحيض مع كونهن في حالة الصبا وسن من يحيض غير معتاد وكون الإنسان فيها لا ينام ولا يصيبه جوع ولا عطش وإن فرض أنه لا يأكل ولا يشرب أبد الدهر غير معتاد وكون الثمر فيها إذا قطف أخلف في الحال ويتدانى إلي يد القاطف إذا اشتهاه غير معتاد وكون اللبن والخمر والعسل فيها أنهارا من غير حلاب ولا عصر ولا نحل - وكون الخمر لا تسكر غير معتاد وكون ذلك كله بحيث لو استعمله دائما لا يمتلىء ولا يصيبه كظة ولا تخمة ولا يخرج من جسده لا في أذنه ولا أنفه ولا ارفاغه ولا سائر جسده أوساخ ولا اقذار غير معتاد وكون أحد من أهل الجنة لا يهرم ولا يشيخ ولا يموت ولا يمرض ولا غير معتاد
كذلك إذا نظرت أهل النار - عياذا بالله - وجدت من ذلك كثيرا ككون النار لا تأتى عليه حتى يموت كما قال تعالى ) لا يموت فيها ولا يحيى ( وسائر أنواع الأحوال التي هم عليها كلها خارق للعادة
فهذان نوعان شاهدان لتلك العوائد وأشباهها بانها ليست بعقلية
وإنما هي وضعية يمكن تخلفها وإنما لم نحتج بالكرامات لأن أكثر المعتزلة ينكرونها راسا


"""" صفحة رقم 325 """"
وقد اقر بها بعضهم
وإن ملنا إلى التعريف فلو اعتبر الناظر في هذا العالم لوجد لذلك نظائر جارية إلى غير المعتاد
وأسمع في ذلك أثرا غريبا حكاه ابن وهب من طريق إبراهيم بن نشيط قال سمعت شعيب بن أبى سعيد يحدث أن راهبا كان بالشأم من أعمالهم وكان ينزل مرة في السنة فتجتمع إليه الرهبان ليعلمهم ما اشكل عليهم من دينهم فأتاه خالد بن يزيد بن معاوية فيمن جاءه
فقال له الراهب أمن علمائهم أنت قال خالد إن فيهم لمن هو أعلم منى
قال الراهب أليس تقولون إنكم تأكلون في الجنة وتشربون ثم لا يخرج منكم أذى قال خالد بلى قال الراهب افلهذا مثل تعرفونه في الدنيا قال نعم الصبى يأكل في بطن أمه من طعامها
ويشرب من شرابها ثم لا يخرج منه أذى
قال الراهب لخالد اليس تقول إنك لست من علمائهم قال خالد إن فيهم لمن هو أعلم منى قال أفليس تقولون إن في الجنة فواكه تأكلون منها لا ينقص منها شىء قال خالد بلى قال أفلهذا مثل في الدنيا تعرفونه قال خالد نعم الكتاب يكتب منه كل شىء أحد ثم لا ينقص منه شىء قال الراهب اليس تقول إنك لست من علمائهم قال خالد إن فيهم لمن هو أعلم منى


"""" صفحة رقم 326 """"
قال خالد فتمعر وجهه ثم قال إن هذا من أمه بسط لها في الحسنات ما لم يبسط لأحد
أنتهى المقصود من الخبر
وهو ينبه على أن ذلك الاصل الذي يظهر من أول الأمر أنه غير معتاد له اصل في المعتاد وهو تنزل للمنكر غير لازم ولكنه مقرب لفهم من قصد فهمه عن إدارك الحقائق الواضحات
فعلى هذا يصح قضاء العقل في عادى بانخراقه مع أن كون العادي عاديا مطردا غير صحيح أيضا فكل عادى يفرض العقل فيه خرق العادة فليس للعقل فيه إنكار إذ قد ثبت في بعض الأنواع التي اختص البارى باختراعها والعقل لا يفرق بين خلق وخلق فلا يمكن إلا الحكم بذلك الإمكان على كل مخلوق ولذلك قال بعض المحققين من أهل الاعتبار سبحان من ربط الاسباب بمسبباتها وخرق العوائد ليتفطن العارفون
تنبيها على هذا المعنى المقرر
فهو أصل اقتضى للعاقل أمرين أحدهما أن لا يجعل العقل حاكما بإطلاق وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع بل الواجب عليه أن يقدم ما حقه التقديم - وهو الشرع ويؤخر ما حقه التأخير - وهو نظر العقل - لأنه لا يصح تقديم الناقص حاكما على الكامل لأنه خلاف المعقول والمنقول بل ضد القضية هو الموافق للأدلة


"""" صفحة رقم 327 """"
فلا معدل عنه ولذلك قال اجعل الشرع في يمينك والعقل في يسارك تنبيها على تقدم الشرع على العقل
والثانى أنه إذا وجد في الشرع أخبارا تقتضى ظاهرا خرق العادة الجارية المعتادة فلا ينبغى له أن يقدم بين يديه الإنكار بإطلاق بل له سعة في أحد أمرين إما أن يصدق به على حسب ما جاء ويكل علمه إلى عالمه
وهو ظاهر قوله تعالى ) والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ( يعنى الواضح المحكم والمتشابه المجمل إذ لا يلزمه العلم به ولو لزم العلم به لجعل له طريق إلى معرفته وإلا كان تكليفا بما لا يطاق
وإما أن يتأوله على ما يمكن حمله عليه مع الإقرار بمقتضى الظاهر لان إنكاره إنكار لخرق العادة فيه
وعلى هذا السبيل يجرى حكم الصفات التى وصف البارى بها نفسه لأن من نفاها نفى شبه صفات المخلوقين وهذا منفى عند الجمهور فبقى الخلاف في نفى عين الصفة أو إثباتها فالمثبت أثبتها صفة على شرط نفى التشبيه والمنكر لأن يكون ثم صفة غير شبيهة بصفات المخلوقين منكر لأن يثبت أمر إلا على وفق المعتاد
فإن قالوا هذا لازم فيما تنكره العقول بديهة كقوله رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فإن الجميع أنكروا ظاهره إذ العقل والمحسوس يشهدان بانها غير مرفوعة وأنت تقول اعتقدوا أنها مرفوعة وتأولوا الكلام


"""" صفحة رقم 328 """"
قيل لم نعن ما هو منكر ببداهة العقول وإنما عنينا ما للنظر فيه شك وارتياب كما نقول إن الصراط ثابت والجواز عليه قد أخبر الشارع به فنحن نصدق به لأنه إن كان كحد السيف وشبهه لا يمكن استقرار الإنسان فوقه عادة فكيف يمشى عليه فالعادة قد تخرق حتى يمكن المشى والاستقرار والذين ينكرونه يقفون مع العوائد وينكرون اصل الصراط ولا يلتفتون إلى إمكان انخراق العوائد فإن فرقوا صار ذلك تحكما لأنه ترجيح في أحد المثلين دون الآخر من غير مرجح عقلى وقد صادفهم النقل فالحق الإقرار دون الإنكار
ولنرشح هذا المطلب بأمثلة عشرة أحدها مسألة الصراط وقد تقدمت
والثانى مسألة الميزان إذ يمكن إثباته ميزانا صحيحا على ما يليق بالدار الآخرة وتوزن فيه الأعمال على وجه غير عادى نعم يقر العقل بأن أنفس الأعراض - وهي الأعمال - لا توزن وزن الموزونات عندنا في العادات - وهي الأجسام ولم يأت في النقل ما يعين أنه كميزاننا من كل وجه أو أنه عبارة عن الثقل أو أنفس الأعمال توزن بعينها
فالاخلق الحمل إما على التسليم - وهذه طريقة الصحابة رضى الله عنهم إذ لم يثبت عنهم إلا مجرد التصديق من غير بحث عن نفس الميزان أو كيفية الوزن
كما أنه لم يثبت عنهم في الصراط


"""" صفحة رقم 329 """"
إلا ما ثبت عنهم في الميزان
فعليك به فهو مذهب الصحابة رضى الله عنهم
فإن قيل فالتأويل إذا خارج عن طريقتهم فأصحاب التأويل على هذا من الفرق الخارج
قيل لا لأن الاصل في ذلك التصديق بما جاء التسليم محضا أو مع التأويل نظر لا يبعد إذ قد يحتاج إليه في بعض المواضع بخلاف من جعل اصله في تلك الأمور التكذيب بها
فإنه مخالف لهم
لسلك في الأحاديث مسلك التأويل أو عدمه لا أثر له لأنه تابع على كلتا الطريقتين لكن التسليم أسلم
والثالث مسألة عذاب القبر وهي اسهل
ولا بعد ولا نكير في كون الميت يعذب برد الروح إليه عارية
ثم تعذيبه على وجه لا يقدر البشر على رؤيته لذلك ولا سماعه
فنحن نرى الميت يعالج سكرات الموت ويخبر بآلام لا مزيد عليها ولا نرى عليه من ذلك أثرا
وكذلك أهل الأمراض المؤلمة
واشباه ذلك مما نحن فيه مثلها
فلماذا يجعل استبعاد العقل صادا في وجه التصديق باقوال الرسول ( صلى الله عليه وسلم )


"""" صفحة رقم 330 """"
والرابع مسألة سؤال الملكين للميت وإقعاده في قبره فإنه إنما يشكل إذا حكمنا المعتاد في الدنيا
وقد تقدم أن تحكيمه
بإطلاق غير صحيح لقصوره وإمكان خرق العوائد إما بفتح القبر حتى يمكن إقعاده أو بغير ذلك من الأمور التي لا تحيط بمعرفتها العقول
والخامس مسألة تطاير الصحف وقراءة من لم يقرأ قط وقراءته إياه وهو خلف ظهره كل ذلك يمكن فيه خرق العوائد فيتصوره العقل على وجه منها
والسادس مسألة إنطاق الجوارح شاهدة على صاحبها لا فرق بينها وبين الأحجار والأشجار التي شهدت لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالرسالة
والسابع روية الله في الآخرة جائزة إذ لا دليل في العقل يدل على أنه لا رؤية إلا على الوجه المعتاد عندنا إذ يمكن أن تصح الرؤية على أوجه صحيحة ليس فيها اتصال أشعة ولا مقابلة ولا تصور جهة ولا فضل جسم شفاف ولا غير ذلك والعقل لا يجزم بامتناع ذلك بديهة وهو إلى القصور في النظر أميل والشرع قد جاء بإثباتها فلا معدل عن الصديق
والثامن كلام البارى تعالى إنما نفاه من نفاه وقوفا مع الكلام الملازم للصوت والحرف وهو في حق البارى محال ولم يقف مع إمكان أن يكون كلامه تعالى خارجا عن مشابهة المعتاد على وجه صحيح لائق بالرب إذ لا ينحصر الكلام فيه عقلا ولا يجزم العقل بان الكلام إذا كان على غير الوجه المعتاد محال فكان من حقه الوقوف مع ظاهر الأخبار مجردا
والتاسع إثبات الصفات كالكلام إنما نفاه من نفاه للزوم التركيب عنده في ذات البارى تعالى - على القول بإثباتها - فلا يمكن أن يكون واحدا مع إثباتها
وهذا قطع من العقل الذي ثبت قصور إدراكه في المخلوقات فكيف لا يثبت


"""" صفحة رقم 331 """"
قصوره في إدراكه إذا دعى من التركيب بالنسبة إلى صفات البارى فكان من الصواب في حقه أن يثبت من الصفات ما اثبته الله لنفسه ويقر مع ذلك بالوحدانية له على الإطلاق والعموم
والعاشر تحكيم العقل على الله تعالى بحيث يقول يجب عليه بعثة الرسل ويجب عليه الصلاح والاصلح ويجب عليه اللطف ويجب عليه كذا - إلى آخر ما ينطق به في تلك الأشياء وهذا إنما نشأ من ذلك الاصل المتقدم وهو الاعتياد في الإيجاب على العباد
ومن أجل البارى وعظمه لم يجترىء على إطلاق هذه العبارة ولا ألم بمعناها في حقه لأن ذلك المعتاد إنما حسن في المخلوق من حيث هوعبد مقصور محصور ممنوع والله تعالى ما يمنعه شىء ولا يعارض احكامه حكم فالواجب الوقوف مع قوله ) قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ( - وقوله تعالى ) يفعل ما يشاء ( - وقوله تعالى - ) إن الله يحكم ما يريد ( ) ذو العرش المجيد فعال لما يريد (
فالحاصل من هذه القضية أنه لا ينبغى للعقل أن يتقدم بين يدى الشرع فإنه من التقدم بين يدى الله ورسوله بل يكون ملبيا من وراء وراء
ثم نقول إن هذا هو المذهب للصحابة رضى الله عنهم وعليه دأبوا وإياه اتخذوا طريقا إلى الجنة فوصلوا
ودل على ذلك من سيرهم اشياء
منها أنه لم ينكر أحد منهم ما جاء من ذلك بل اقروا وأذعنوا لكلام الله وكلام رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يصادموه ولا عارضوه بإشكال ولو


"""" صفحة رقم 332 """"
كان شىء من ذلك لنقل إلينا كما نقل إلينا سائر سيرهم وما جرى بينهم من القضايا والمناظرات في الأحكام الشرعية فلما لم ينقل إلينا شىء من ذلك دل على أنهم آمنو به وأقروه كما جاء من غير بحث ولا نظر
كان مالك بن أنس يقول الكلام في الدين أكرهه ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه نحو الكلام في رأى جهم والقدر وكل ما أشبه ذلك ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل
فأما الكلام في الدين وفي الله عز وجل فالسكوت أحب إلى لأنى رايت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا فيما تحته عمل
قال ابن عبد البر قد بين مالك رحمه الله أن الكلام فيما تحته عمل هو المباح عنده وعند أهل بلده - يعنى العلماء منهم وأخبر ان الكلام في الدين نحو القول في صفات الله وأسمائه وضرب مثلا نحو رأى جهم والقدر - قال - والذي قاله مالك عليه جماعة الفقهاء قديما وحديثا من أهل الحديث والفتوى وإنما خالف في ذلك أهل البدع - وأما الجماعة فعلى ما قال مالك رحمه الله
إلا أن يضطر أحد إلى الكلام فلا يسعه السكوت إذا طمع في درد الباطل وصرف صاحبه عن مذهبه وخشى ضلالة عامة أو نحو هذا
وقال يونس بن عبد الاعلى سمعت الشافعى يوم ناظره حفص الفرد قال لى يا أبا موسى لان يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير من أن يلقاه بشىء من الكلام لقد سمعت من حفص كلاما لا أقدر أن أحكيه


"""" صفحة رقم 333 """"
وقال أحمد بن حنبل لا يفلح صاحب الكلام أبدا ولا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل
وقال عن الحسن بن زياد اللولؤى - وقال له رجل في زفر بن الهذيل - أكان ينظر في الكلام فقال سبحان الله ما أحمقك ما أدركت مشيختنا زفر وأبا يوسف وأبا حنيفة ومن جالسنا وأخذنا عنهم - همهم غير الفقه والاقتداء بمن تقدمهم
وقال ابن عبد البر أجمع أهل الفقه والآثار في جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم
وعن أبى الزناد أنه قال وايم الله إن كنا لنلتقط السنن من أهل الفقه والثقة ونتعلمها شبيها بتعلمنا آي القرآن وما برح من أدركنا من أهل الفقه والفضل من خيار أولية الناس بعيبون أهل الجدل والتنقيب والأخذ بالراي وينهون عن لقائهم ومجالستهم ويحذروننا مقاربتهم أشد التحذير ويخبرون أنهم أهل ضلال وتحريف لتأويل كتاب الله وسنن رسوله وما توفى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى كره المسائل وناحية التنقيب والبحث وزجر عن ذلك وحذره المسلمين في غير موطن
حتى كان من قوله كراهية لذلك ذرونى ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شىء فاجتنبوه
وإذا أمرتكم بشىء فخذوا منه ما استطعتم


"""" صفحة رقم 334 """"
وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال اتقوا الله في دينكم
قال سحنون يعنى الانتهاء عن الجدل فيه وخرج ابن وهب عن عمر أيضا أن أصحاب الرأى أعداء السنن أعيتهم أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا نعلم فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم
قال أبو بكر بن أبى داود أهل الراى هم أهل البدع
وهو القائل في قصيدته في السنة
ودع عنك آراء الرجال وقولهم
فقول رسول الله أزكى وأشرح
وعن الحسن قال إنما هلك من كان قبلكم حين تشعبت بهم السبل وحادوا عن الطريق فتركوا الآثار وقالوا في الدين برأيهم فضلوا واضلوا
وعن مسروق قال من رغب برأيه عن أمر الله يضل
وعن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقول السنن السنن إن السنن قوام الدين وعن هشام بن عروة قال إن بنى إسرائيل لم يزل أمرهم معتدلا حتى نشأ فيهم مولدون سبايا الأمم فاخذوا فيهم بالرأى فضلوا واضلوا
فهذه الآثار واشباهها تشير إلى ذم إيثار نظر العقل على آثار النبى ( صلى الله عليه وسلم )
وذهب جماعة من العلماء إلى أن المراد بالرأى المذموم في هذه الأخبار البدع المحدثة في الإعتقاد
كرأى أبى جهم وغيره من أهل الكلام
لأنهم قوم استعملوا قياسهم وآراءهم في رد الأحاديث
فقالوا لا يجوز أن يرى الله


"""" صفحة رقم 335 """"
في الآخرة لأنه تعالى يقول ) لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف ( الآية
فردوا قوله عليه الصلاة والسلام إنكم ترون ربكم يوم القيامة وتأولوا قول الله تعالى ) وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ( وقالوا لا يجوز أن يسأل الميت في قبره
لقول الله تعالى ) أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ( فردوا الأحاديث المتواترة في عذاب القبر وفتنته وردوا الأحاديث في الشفاعة على تواترها وقالوا لن يخرج من النار من دخل فيها وقالوا لا نعرف حوضا ولا ميزانا ولا نعقل ما هذا وردوا السنن في ذلك كله - برأيهم وقياسهم - إلى اشياء يطول ذكرها من كلامهم في صفة البارى وقالوا العلم محدث في حال حدوث المعلوم لأنه لا يقع علم إلا على معلوم فرارا من قدم العالم - في زعمهم
وقال جماعة الرأى المذموم المراد به الرأى المبتدع وشبهه من ضروب البدع
وهذا القول أعم من الأول لان الأول خاص بالاعتقاد وهذا عام في العمليات وغيرها
وقال آخرون - قال ابن عبد البر وهم الجمهور - إن المراد به القول في الشرع بالاستحسان والظنون والاشتغال بحفظ المعضلات ورد الفروع بعضها إلى بعض دون ردها إلى اصولها فاستعمل فيها الراى قبل أن تنزل - قالوا وفي الاشتغال بهذا تعطيل السنن والتذرع إلى جهلها
وهذا القول غير خارج عما تقدم
وإنما الفرق بينهما أن هذا منهى عنه للذريعة إلى الرأى المذموم
وهو معارضة المنصوص
لأنه إذا لم يبحث عن السنن جهلها فاحتاج إلى الرأى
فلحق بالأولين الذين عارضوا السنن حقيقة فجميع ذلك راجع إلى معنى واحد
وهو إعمال النظر العقلى مع طرح السنن إما قصدا أو غلطا وجهلا
والرأى إذا عارض السنة فهو بدعة وضلالة


"""" صفحة رقم 336 """"
فالحاصل من مجموع ما تقدم أن الصحابة ومن بعدهم لم يعارضوا ما جاء في السنن بآرائهم علموا معناه أو جهلوه جرى لهم على معهودهم أولا وهو المطلوب من نقله وليعتبر فيه من قدم الناقص - وهو العقل - على الكامل - وهو الشرع - ورحم الله الربيع بن خثيم حديث يقول يا عبد الله ما علمكالله في كتابه من علم فاحمد الله وما استاثر عليك به من علم فكله إلى عالمه لا تتكلف فإن الله يقول لنبيه ) قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ( إلى آخرها
وعن معمر بن سليمان عن جعفر عن رجل من علماء أهل المدينة قال إن الله علم علما علمه العباد وعلم علما لم يعلمه العباد فمن تكلف العلم الذي لم يعلمه العباد لم يزدد منه إلا بعدا
قال والقدر منه
وقال الأوزاعى كان مكحول والزهرى يقولان أمرو هذه الأحاديث كما جاءت ولا تتناظروا فيها ومثله عن مالك والأوزاعى وسفيان بن سعيد وسفيان بن عيينة ومعمر بن راشد في الأحاديث في الصفات أنهم أمروا كما جاءت نحو حديث التنزيل وخلق آدم على صورته وشبهها
وحديث مالك في السؤال عن الاستواء مشهور
وجميع ما قالوه مستمد من معنى قول الله تعالى ) فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ( الآية
ثم قال ) والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ( فإنها صريحة في هذا الذي قررناه فإن كل ما لم يجر على المعتاد في الفهم متشابه فالوقف عنه هو الأحرى بما كان عليه الصحابة المتبعون لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا لو كان من شأنهم اتباع الرأى لم يذموه ولم ينهوا عنه لأن أحدا لا يرتضى طريقا ثم ينهى عن سلوكه كيف وهم قدوة الأمة باتفاق المسلمين


"""" صفحة رقم 337 """"
وروى أن الحسن كان في مجلس فذكر في أصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فقال إنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) فتشبهوا بأخلاقهم وطرائفهم فإنهم - ورب الكعبة - على الهدى المستقيم
وعن حذيفة انه كان يقول اتقوا الله يا معشر القراء وخذوا طريق من كان قبلكم فلعمرى لئن اتبعتموه لقد سبقتم سبقا بعيدا ولئن تركتموه يمينا أو شمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا
وعن ابن مسعود من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما واقلها تكلفا وأقومها هديا وأحسنها خلالا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم
والآثار في هذا المعنى كثيرة جميعها يدل على الاقتداء بهم والاتباع لطريقهم على كل حال وهو طريق النجاة حسبما نبه عليه حديث الفرق في قوله ما أنا عليه واصحابي
فصل
النوع الرابع أن الشريعة موضوعة لإخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا لله
وهذا اصل قد تقرر في قسم المقاصد من كتاب الموافقات لكن على وجه كلى يليق بالاصول
فمن أراد الأطلاع عليه فليطالعه من هنالك
ولما كانت طرق الحق متشعبة لم يكن أن يؤتى عليها بالاستيفاء
فلنذكر منها شبعة واحدة تكون كالطريق لمعرفة ما سواها


"""" صفحة رقم 338 """"
فاعلموا أن الله تعالى وضع هذه الشريعة حجة على الخلق كبيرهم وصغيرهم
مطيعهم وعاصيهم
برهم وفاجرهم
لم يختص الحجة بها أحدا دون أحد وكذلك سائر الشرائع إنما وضعت لتكون حجة على جميع الأمم التي تنزل فيهم تلك الشريعة
حتى إن الشريعة المرسلين بها صلوات الله عليهم داخلون تحت أحكامها
فأنت ترى أن نبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) مخاطب بها في جميع أحواله وتقلباته
مما اختص به دون أمته
أو كان عاما له ولأمته
كقوله تعالى ) يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ( - إلى قوله تعالى - ) خالصة لك من دون المؤمنين ( ثم قال تعالى ) لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ( وقوله تعالى ) يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم (
وقوله تعالى ) يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ( إلى سائر التكاليف التي وردت على كل مكلف والنبى فيهم
فالشريعة هي الحاكمة على الإطلاق والعموم عليه وعلى جميع المكلفين
وهي الطريق الموصل والهادى الأعظم
الا ترى إلى قوله تعالى ) وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ( فهو عليه الصلاة والسلام أول من هداه الله بالكتاب والإيمان
ثم من اتبعه فيه
والكتاب هو الهادى
والوحى المنزل عليه مرشد ومبين لذلك الهدى والخلق مهتدون بالجميع
ولما استنار قلبه وجوارحه - عليه الصلاة والسلام - وباطنه


"""" صفحة رقم 339 """"
وظاهره بنور الحق علما وعملا صار هو الهادى الأول لهذه الأمة والمرشد الأعظم حيث خصه الله دون الخلق بإنزال ذلك النور عليه واصطفاه من جملة من كان مثله في الخلقة البشرية اصطفاء أوليا لا من جهة كونه بشرا عاقلا - مثلا - لاشتراكه مع غيره في هذه الأوصاف ولا لكونه من قريش - مثلا - دون غيرهم وإلا لزم ذلك في كل قرشى ولا لكونه من بنى عبدالمطلب ولا لكونه عربيا ولا لغير ذلك بل من جهة اختصاصه بالوحى الذي استنار به قلبه وجوارحه فصار خلقه القرآن حتى قيل فيه ) وإنك لعلى خلق عظيم ( وإنما ذلك لأنه حكم الوحى على نفسه حتى صار في علمه وعمله على وفقه فكان الوحى حاكما وافقا قائلا مذعنا ملبيا نداءه
واقفا عند حكمه
وهذه الخاصية كانت من أعظم الأدلة على صدقه فيما جاء به إذ قد جاء بالأمر وهو مؤتمر وبالنهى وهو منته
وبالوعظ وهو متعظ وبالتخويف وهو أول الخائفين
وبالترجية وهو سائق دابة الراجين
وحقيقة ذلك كله جعله الشريعة المنزلة عليه حجة حاكمة عليه
ودلالة له على الصراط المستقيم الذي صار عليه السلام
ولذلك صار عبد الله حقا
وهو اشرف اسم تسمى به العباد
فقال الله تعالى ) سبحان الذي أسرى بعبده ليلا (


"""" صفحة رقم 340 """"
- تبارك الذي نزل الفرقان على عبده - وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ) وما أشبه ذلك من الآيات التي وقع مدحه فيها بصحة العبودية
وإذا كان كذلك فسائر الخلق حريون بأن تكون الشريعة حجة حاكمة عليهم ومنارا يهتدون بها إلى الحق وشرفهم إنما يثبت بحسب ما اتصفوا به من الدخول تحت أحكامها والعمل بها قولا واعتقادا وعملا لا بحسب عقولهم فقط ولا بحسب شرفهم في قومهم فقط لأن الله تعالى إنما أثبت الشرف بالتقوى لا غيرها لقوله تعالى ) إن أكرمكم عند الله أتقاكم ( فمن كان أشد محافظة على اتباع الشريعة فهو أولى بالشرف والكرم ومن كان دون ذلك لم يمكن أن يبلغ في الشرف مبلغ الأعلى في اتباعها فالشرف إذا إنما هو بحسب المبالغة في تحكيم الشريعة
ثم نقول بعد هذا إن الله سبحانه شرف أهل العلم ورفع أقدارهم وعظم مقدارهم ودل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع بل قد اتفق العقلاء على فضيلة العلم وأهله وأنهم المستحقون شرف المنازل وهو مما لا ينازع فيه عاقل
واتفق أهل الشرائع على أن علوم الشريعة أفضل العلوم وأعظمها أجرا عند الله يوم القيامة ولا علينا أسامحنا بعض الفرق في تعيين العلوم - أعنى العلوم التي نبه الشارع على مزيتها وفضيلتها - أم لم نسامحهم بعد الاتفاق من الجميع على الأفضلية وإثبات الحرية
وأيضا فإن علوم الشريعة منها ما يجرى مجرى الوسائل بالنسبية إلى السعادة الأخروية ومنها ما يجرى مجرى المقاصد والذي يجرى مجرى المقاصد أعلى


"""" صفحة رقم 341 """"
مما ليس كذلك - بلا نزاع بين العقلا أيضا - كعلم العربية بالنسبة إلى علم الفقه فإنه كالوسيلة فعلم الفقه أعلى
وإذا ثبت هذا فأهل العلم اشرف الناس وأعظم منزلة بلا إشكال ولا نزاع وإنما وقع الثناء في الشريعة على أهل العلم من حيث اتصافهم بالعلم لا من جهة أخرى ودل على ذلك وقوع الثناء عليهم مقيدا بالاتصاف به فهو إذا العلة في الثناء ولولا ذلك الاتصاف لم يكن لهم مزية على غيرهم ومن ذلك صار العلماء حكاما على الخلائق أجمعين قضاء أو فتيا أو إرشادا - لأنهم اتصفوا بالعلم الشرعي الذي هو حاكم بإطلاق فليسوا بحكام من جهة ما اتصفوا بوصف يشتركون فيه مع غيرهم كالقدرة والإرادة والعقل وغير ذلك إذ لا مزية في ذلك من حيث القدر المشترك لاشتراك الجميع فيها وإنما صاروا حكاما على الخلق مرجوعا إليهم بسبب حملهم للعلم الحاكم فلزم من ذلك انهم لا يكونون على الخلق إلا من ذلك الوجه كما أنهم ممدحون من ذلك الوجه أيضا فلا يمكن أن يتصفوا بوصف الحكم مع فرض خروجهم عن صوت العلم الحاكم إذ ليسوا حجة إلا من جهته فإذا خرجوا عن جهته فكيف يتصور أن يكونوا حكام هذا محال
وكما أنه لا يقال في العالم بالعربية مهندس ولا في العالم بالهندسة عربى فكذلك لا يقال في الزائغ عن الحكم الشرعي حاكم بالشرع بل يطلق عليه أنه حاكم بعقله أو برأيه أو نحو ذلك فلا يصح أن يجعل حجة في العلم الحاكم


"""" صفحة رقم 342 """"
لأن العلم الحاكم يكذبه ويرد عليه وهذا المعنى ايضا في الجملة متفق عليه ولا يخالف فيه أحد من العقلاء
ثم نصير من هذا إلى معنى آخر مرتب عليه وهو أن العالم بالشريعة إذ اتبع في قوله وانقاد إليه الناس في حكمه فإنما اتبع من حيث هو عالم وحاكم بها وحاكم بمقتضاها لا من جهة أخرى فهو في الحقيقة مبلغ عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المبلغ عن الله عز وجل فيتلقى منه ما بلغ على العلم بأنه بلغ أو على غلبة الظن بأنه بلغ لا من جهة كونه منتصبا للحكم مطلقا إذ لا يثبت ذلك لأحد على الحقيقة وإنما هو ثابت للشريعة ا لمنزلة على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وثبت ذلك له عليه الصلاة والسلام وحده دون الخلق من جهة دليل العصمة والبرهان أن جميع ما يقوله أو يفعل حق
فإن الرسالة المقترنة بالمعجزة على ذلك دلت
فغيره لم يثبت له عصمة بالمعجزة بحيث يحكم بمقتضاها حتى يساوى النبى في الانتصاب للحكم بإطلاق بل إنما يكون منتصبا على شرط الحكم بمقتضى الشريعة
بحيث إذا وجد الحكم في الشرع بخلاف ما حكم لم يكن حاكما
إذا كان - بالفرض - خارجا عن مقتضى الشريعة الحاكمة
وهو أمر متفق عليه بين العلماء ولذلك إذا وقع النزاع في مسألة شرعية وجب ردها إلى الشريعة حيث يثبت الحق فيها
لقوله تعالى ) فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ( الآية
فإذا المكلف بأحكامها لا يخلو من أحد أمور ثلاثة أحدها أن يكون مجتهدا فيها فحكمه ما أداه إليه اجتهاده فيها لأن اجتهاده في الأمور التي ليست دلالتها واضحة إنما يقع موقعه على فرض أن يكون ما ظهر له هو الأقرب إلى قصد الشارع والأولى بأدلة الشريعة
دون ما ظهر لغيره


"""" صفحة رقم 343 """"
من المجتهدين فيجب عليه اتباع ما هو الأقرب
بدليل أنه لا يسعه فيما اتضح فيه الدليل إلا اتباع الدليل دون ما أداه إليه اجتهاده
ويعد ما ظهر له لغوا كالعدم
لانه على غير صوب الشريعة الحاكمة
فإذا ليس قوله بشىء يعتد به في الحكم
والثانى أن يكون مقلدا صرفا
خليا من العلم الحاكم جملة
فلا بد له من قائد يقوده
وحاكم يحكم عليه
وعالم يقتدى به
ومعلوم أنه لا يقتدى به إلا من حيث هو عالم بالعلم الحاكم
والدليل على ذلك أنه لو علم أو غلب على ظنه أنه ليس من اهل ذلك العلم لم يحل له اتباعه ولا الانقياد لحكمه
بل لا يصح أن يحظر بخاطر العامى ولا غيره تقليد الغير في أمر مع علمه بأنه ليس من أهل ذلك الأمر
كما أنه لا يمكن أن يسلم المريض نفسه إلى أحد يعلم أنه ليس بطبيب إلا أن يكون فاقد العقل وإذا كان كذلك فإنما ينقاد إلى المفتى من جهة ما هو عالم بالعلم الذي يجب الأنقياد إليه
لا من جهة كونه فلانا أيضا وهذه الجملة ايضا لا يسع الخلاف فيها عقلا ولا شرعا
والثالث أن يكون غير بالغ مبلغ المجتهدين لكنه يفهم الدليل وموقعه ويصلح فهمه للترجيح بالمرجحات المعتبرة فيه تحقيق المناط ونحوه فلا يخلو إما أن يعتبر ترجيحها أو نظره أولا فإن اعتبرناه صار مثل المجتهد في ذلك الوجه
والمجتهد إنما هو تابع للعلم الحاكم ناظر نحوه
متوجه شطره فالذي يشبهه كذلك وإن لم نعتبره فلا بد من رجوعه إلى درجة العامى
والعامى إنما اتبع المجتهد من جهة توجهه إلى صوب العلم الحاكم
فكذلك من نزل منزلته
ثم نقول إن هذا مذهب الصحابة
أما النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فاتباعه للوحى أشهر من أن يذكر
وأما أصحابه فاتباعهم له في ذلك من غير اعتبار بمؤالف أو مخالف شهير عنهم
فلا نطيل الاستدلال عليه


"""" صفحة رقم 343 """"
فعلى كل تقدير لا يتبع أحد من العلماء إلا من حيث هو متوجه نحو الشريعة قائم بحجتها حاكم بأحكامها جملة وتفصيلا وأنه من وجد متوجها غير تلك الوجهة في جزئية من الجزئيات أو فرع من الفروع لم يكن حاكما ولا استقام أن يكون مقتدى به فيما حاد فيه عن صوب الشريعة البتة
فيجب إذا على الناظر في هذا الموضع أمران إذا كان غير مجتهد أحدهما أن لا يتبع العالم إلا من جهة ما هو عالم بالعلم المحتاج إليه ومن حيث هو طريق إلى استفادة ذلك العلم إذ ليس لصاحبه منه إلا كونه مودعا له ومأخوذا بأداء تلك الأمانة حتى إذا علم أو غلب على الظن أنه مخطىء فيما يلقى أو تارك لإلقاء تلك الوديعة على ما هي عليه أو منحرف عن صوبها بوجه من وجوه الانحراف - توقف ولم يصر على الاتباع إلا بعد التبيين إذ ليس كل ما يلقيه العالم يكون حقا على الإطلاق لإمكان الزلل والخطأ وغلبة الظن في بعض الأمور وما أشبه ذلك
أما إذا كان هذا المتبع ناظرا في العلم ومتبصرا فيما يلقى إليه كأهل العلم في زماننا فإن توصله إلى الحق سهل لأن المنقولات في الكتب إما تحت حفظه وإما معدة لأن يحققها بالمطالعة أو المذاكرة
وأما إن كان عاميا صرفا فيظهر له الإشكال عند ما يرى الاختلاف بين الناقلين للشريعة فلا بد له ها هنا من الرجوع آخرا إلى تقليد بعضهم إذ لا يمكن في المسألة الواحدة تقليد مختلفين في زمان واحد لأنه محال وخرق للإجماع فلا يخلو أن يمكنه الجمع بينهما في العمل أو لا يمكنه فإن لم يمكنه بهما كان عمله بهما معا محالا وإن أمكنه صار عمله ليس على قول واحد منهما
بل هو قول ثالث لا قائل به
ويعضد ذلك أنه لا نجد صورة ذلك العمل معمولا بها في المتقدمين من السلف الصالح فهو مخالف للإجماع


"""" صفحة رقم 345 """"
وإذا ثبت أنه لا يقلد إلا واحدا فكل واحد منهما يدعى أنه اقرب إلى الحق من صاحبه ولذلك خالفه وإلا لم يخالفه والعامى جاهل بمواقع الاجتهاد فلا بد له ممن يرشده إلى من هو أقرب إلى الحق منهما وذلك إنما يثبت للعامى بطريق جملى وهو ترجيح أحدهما على الآخر بالأعلمية والأفضلية
ويظهر ذلك من جمهور العلماء والطالبين الذين لا يخفى عليهم مثل ذلك لأن الأعلمية تغلب على ظن العامى أن صاحبها أقرب إلى صوب العلم الحاكم لا من جهة أخرى - فإذا لا يقلد إلا باعتبار كونه حاكما بالعلم الحاكم
والأمر الثاني أن لا يصمم على تقليد من تبين له في تقليده الخطأ شرعا وذلك أن العامى ومن جرى مجراه قد يكون متبعا لبعض العلماء - إما لكونه أرجح من غيره أو عند أهل قطره وإما لأنه هو الذى اعتمده أهل قطره في التفقه في مذهبه دون مذهب غيره
وعلى كل تقدير فإذا تبين له في بعض مسائل متنوعة الخطأ والخروج عن صوب العلم الحاكم فلا يتعصب لمتبوعه بالتمادى على اتباعه فيما ظهر فيه خطؤه لأن تعصبه يؤدى إلى مخالفة الشرع أولا ثم إلى مخالفة متبوعة أما خلافه للشرع فبالعرض وأما خلافه لمتبوعه فلخروجه عن شرط الاتباع لان كل عالم يصرح أو يعرض بأن اتباعه إنما يكون على شرط أنه حاكم بالشريعة لا بغيرها فإذا ظهر أنه حاكم بخلاف الشريعة خرج عن شرط متبوعة بالتصميم على تقليده


"""" صفحة رقم 346 """"
ومن معنى كلام مالك رحمه الله ما كان في كلامى موافقا للكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق فاتركوه
هذا معنى كلامه دون لفظه
ومن كلام الشافعى رحمه الله الحديث مذهبى فما خالفه فاضربوا به الحائط أو كما قال قال العلماء وهذا لسان حال الجميع
ومعناه أن كل ما تتكلمون به على تحرى أنه طابق الشريعة الحاكمة فإن كان كذلك فبها ونعمت وما لا فليس بمنسوب إلى الشريعة ولا هم أيضا ممن يرضى أن تنسب إليهم مخالفتهم
لكن يتصور في هذا المقام وجهان ان يكون المتبوع مجتهدا فالرجوع في التخطئة والتصويب إلى ما اجتهد فيه وهو الشريعة - وأن يكون مقلدا لبعض العلماء كالمتأخرين الذين من شأنهم تقليد المتقدمين بالنقل من كتبهم والتفقه في مذاهبهم فالرجوع في التخطئة والتصويب إلى صحة النقل عمن نقلوا عنه وموافقتهم لمن قلدوا أو خلاف ذلك لأن هذا القسم مقلدون بالعرض فلا يسعهم الاجتهاد في استنباط الأحكام إذ لم يبلغوا درجته فلا يصح تعرضهم للاجتهاد في الشريعة مع قصورهم عن درجته
فإن فرض انتصابه للاجتهاد فهو مخطىء آثم اصاب أم لم يصب لانه أتى الأمر من غيره وانتهك حرمة الدرجة وقفا ماليس له به علم
فإصابته - إن اصاب - من حيث لا يدرى وخطؤه هو المعتاد فلا يصح اتباعه كسائر العوام إذا راموا الاجتهاد في أحكام الله ولا خلاف أن مثل هذا الاجتهاد غير معتبر وأن مخالفة العامى كالعدم


"""" صفحة رقم 347 """"
وأنه في مخالفته لأهل العلم آثم مخطىء فكيف يصح - مع هذا التقرير - تقليد غير مجتهد في مسألة أتى فيها باجتهاده قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ) إلى آخر ذلك مما في معناه فكان الجميع مذمومين حين اعتبروا واعتقدوا أن الحق تابع لهم ولم يلتفتوا إلى أن الحق هو المقدم
والثانى رأى الإمامية في اتباع الإمام المعصوم - في زعمهم - وإن خالف ما جاء به النبى المعصوم حقا وهو محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فحكموا الرجال على الشريعة ولم يحكموا الشريعة على الرجال وإنما أنزل الكتاب ليكون حكما على الخلق على الإطلاق والعموم


"""" صفحة رقم 348 """"
والثالث لاحق بالثانى وهو مذهب الفرقة المهدوية التي جعلت أفعال مهديهم حجة وافقت حكم الشريعة أو خالفت بل جعلوا اكثر ذلك أنفحة في عقد إيمانهم من خالفها كفروه وجعلوا حكمه الكافر الاصلى وقد تقدم من ذلك أمثلة
والرابع رأى المقلدة لمذهب إمام يزعمون أن إمامهم هو الشريعة بحيث يأنفون أن تنسب إلى أحد من العلماء فضيلة دون إمامهم حتى إذا جاءهم من بلغ درجة الاجتهاد وتكلم في المسائل ولم يرتبط إلى إمامهم رموه بالنكير وفوقوا إليه سهام النقد وعدوه من الخارجين عن الجادة والمفارقين للجماعة من غير استدلال منهم بدليل بل بمجرد الاعتياد العامى
ولقد لقى الإمام بقى بن مخلد حين دخل الأندلس آتيا من المشرق من هذا الصنف الأمرين حتى أصاروه مهجور الفناء مهتضم الجانب لأنه من العلم بما لا يدى لهم به إذ لقى بالمشرق الإمام أحمد بن حنبل وأخذ عنه مصنفه وتفقه عليه ولقى ايضا غيره حتى صنف المسند المصنف الذي لم يصنف في الإسلام مثله وكان هؤلاء المقلدة قد صمموا على مذهب مالك بحيث أنكروا ما عداه وهذا تحكيم الرجال على الحق والغلو في محبة المذهب وعين الإنصاف ترى أن الجميع أئمة فضلاء فمن كان متبعا لمذهب مجتهد لكونه لم يبلغ درجة الاجتهاد فلا يضره مخالفة غير إمامه لإمامه لان الجميع سالك على الطريق المكلف به فقد يؤدى التغالى في التقليد إلى إنكار لما أجمع الناس على ترك إنكاره
والخامس رأى نابته متأخرة الزمان ممن يدعى التخلق بخلق أهل التصوف المتقدمين أو يروم الدخول فيهم يعمدون إلى ما نقل عنهم في الكتب من


"""" صفحة رقم 349 """"
الأحوال الجارية عليهم أو الأقوال الصادرة عنهم فيتخذونها دينا وشريعة لأهل الطريقة وإن كانت مخالفة للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة أو مخالفة لما جاء عن السلف الصالح لا يلتفتون معها إلى فتيا مفت ولا نظر عالم بل يقولون إن صاحب هذا الكلام ثبتت ولايته فكل ما يفعله أو يقوله حق وإن كان خالفا فهو أيضا ممن يقتدى به والفقه للعموم وهذه طريقة الخصوص
فتراهم يحسنون الظن بتلك الأقوال والأفعال ولا يحسنون الظن بشريعة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وهو عين اتباع الرجال وترك الحق مع أن أولئك المتصوفة الذين ينقل عنهم لم يثبت أن ما نقل عنهم كان في النهاية دون البداية ولا علم أنهم كانوا مقرين بصحة ما صدر عنهم أم لا وايضا فقد يكون من أئمة التصوف وغيرهم من زل زلة يجب سترها عليه فينقلها عنه من لا يعلم حاله ممن لم يتأدب بطريق القوم كل التأدب
وقد حذر السلف الصالح من زلة العالم وجعلوها من الأمور التي تهدم الدين فإنه ربما ظهرت فتطير في الناس كل مطار فيعدونها دينا وهي ضد الدين فتكون الزلة حجة في الدين
فكذلك أهل التصوف لا بد من في الاقتداء بالصوفى من عرض أقواله وأفعاله على حاكم يحكم عليها هل هي من جملة ما يتخذ دينا أم لا والحاكم هو الشرع وأقوال العالم تعرض على الشرع أيضا وأقل ذلك في الصوفى أن نسأله عن تلك الأعمال إن كان عالما بالفقه كالجنيد وغيره رحمهم الله
ولكن هؤلاء الرجال النابتة لا يفعلون ذلك فصاروا متبعين الرجال من حيث هم رجال لا من حيث هم راجحون بالحاكم الحق وهو خلاف ما عليه السلف الصالح وما عليه المتصوفة أيضا إذ قال إمامهم سهل بن عبد الله التسترى مذهبنا مبنى على ثلاثة اصول الاقتداء بالنبى ( صلى الله عليه وسلم ) في الأخلاق


"""" صفحة رقم 350 """"
والأفعال والاكل من الحلال وإخلاص النية في جميع الأعمال
ولم يثبت في طريقهم اتباع الرجال على انحراف
وحاشاهم من ذلك بل اتباع الرجال شأن أهل الضلال
والسادس رأى نابتة في هذه الازمنة أعرضوا عن النظر في العلم الذي هم أرادوا الكلام فيه والعمل بحسبه ثم رجعوا إلى تقليد بعض الشيوخ الذين اخذوا عنهم في زمان الصبا الذي هو مظنة لعدم التثبت من الآخذ أو التغافل من المأخوذ عنه
ثم جعلوا أولئك الشيوخ في أعلى درجات الكمال
ونسبوا إليهم ما نسبوا به من الخطأ أو فهموا عنهم على غير تثبت ولا سؤال عن تحقيق المسألة المروية وردوا جميع ما نقل عن الأولين مما هو الحق والصواب كمسألة الباء الواقعة في هذه الأزمنة فإن طائفة ممن تظاهر بالانتصاب للإقراء زعم أنها الرخوة التي اتفق القراء - وهم أهل صناعة الأداء والنحويون ايضا - وهم الناقلون عن العرب - على انها لم تأت إلا في لغة مرذولة لا يؤخذ بها ولا يقرأ بها القرآن ولا نقلت القراءة بها عن أحد من العلماء بذلك الشان
وإنما الباء التي يقرأ بها - وهي الموجودة في كل لغة فصيحة - الباء الشديدة فأبى هؤلاء من القرأءة والإقراء بها بناء على أن التى قرأوا بها على الشيوخ الذين لقوهم هي تلك لا هذه محتجين بأنهم كانوا علماء وفضلاء فلو كانت خطأ لردوها علينا
وأسقطوا النظر والبحث عن أقوال المتقدمين فيها رأسا تحسين ظن الرجال وتهمة للعلم فصارت بدعة جارية - أعنى القراءة بالباء الرخوة - مصرحا بأنها الحق الصريح فنعوذ بالله من المخالفة
ولقد ولج بعضهم حين أوجهوا بالنصيحة فلم يرجعوا فكان القرشى المقرى أقرب مراما منهم
حكى عن يوسف بن عبدالله بن مغيث أنه قال أدركت


"""" صفحة رقم 351 """"
بقرطبة مقرئا يعرف بالقرشى وكان لا يحسن النحو فقرأ عليه قارىء يوما ) وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ( فرد عليه القرشى تحيد بالتنوين فراجعه القارىء - وكان يحسن النحو - فلج عليه المقرىء وثبت على التنوين فانتشر الخبر إلى أن بلغ يحيى بن مجاهد الألبيرى الزاهد - وكان صديقا لهذا المقرى - فنهض إليه فلما سلم عليه وسأله عن حاله قال له ابن مجاهد إنه بعد عهدى بقراءة القرآن على مقرىء فاردت تجديد ذلك عليك فأجابه إليه فقال أريد أن ابتدىء بالمفصل فهو الذي يتردد في الصلوات فقال المقرىء ما شئت
فقرأ عليه من أول المفصل فلم بلغ الآية المذكورة ردها عليه المقرىء بالتنوين فقال له ابن مجاهد لا تفعل ما هي إلا غير منونة بلا شك فلج المقرى فلما رأى ابن مجاهد تصميمه قال له يا أخى إني لم يحملنى على القراءة عليك إلا لتراجع الحق في لطف وهذه عظيمة أوقعك فيها قلة علمك بالنحو فإن الأفعال لا يدخلها التنوين فتحير المقرىء إلا أنه لم يقنع بهذا فقال له ابن مجاهد بينى وبينك المصاحن فأحضر منها جملة فوجودها مشكولة بغير تنوين فرجع المقرىء إلى الحق
انتهت الحكاية ويا ليت مسألتنا مثل هذه
ولكنهم عفا الله عنهم ابوا الانقياد إلى الصواب
والسابع رأي نابته أيضا يرون أن عمل الجمهور اليوم - من التزام الدعاء بهيئة الاجتماع بإثر الصلوات والتزام المؤذنين التثويب بعد الأذان - صحيح بإطلاق من غير اعتبار بمخالفة الشريعة أو موافقتها وأن من خالفهم بدليل شرعى اجتهادي أو تقليدى خارج عن سنة المسلمين بناء منهم على أمور تخبطوا فيها من غير دليل معتبر فمنهم من يميل إلى أن هذا العمل المعمول به في الجمهور ثابت عن فضلاء وصالحين علماء
فلو كان خطأ لم يعملوا به


"""" صفحة رقم 352 """"
وهذا مما نحن فيه اليوم
تتهم الأدلة وأقوال العلماء المتقدمين ويحسن الظن بمن تأخر وربما نوزع بأقوال من تقدم فيرميها بالظنون واحتمال الخطإ ولا يرمى بذلك المتأخرين الذين هم أولى به بإجماع المسلمنين وإذا سئل عن أصل هذا العمل المتأخر هل عليه دليل من الشريعة لم يأت بشىء أو يأتى بأدلة محتملة لا علم له بتفصيلها كقوله هذا خير أو حسن وقد قال تعالى ) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ( أو يقول هذا بر وقال تعالى ) وتعاونوا على البر والتقوى (
فإذا سئل عن اصل كونه خيرا أو برا وقف وميله إلى أن ظهر له بعقله أنه خير وبر فجعل التحسين عقليا وهو مذهب أهل الزيغ وثابت عند أهل السنة أنه من البدع المحدثات
ومنهم من طالع كلام القرافى وابن عبد السلام في أن البدع خمسة أقسام فنقول هذا من المحدث المستحسن
وربما رشح ذلك بما جاء في الحديث ما رآه المسلمون حسنا فهو عندالله حسن وقد مر ما فيه
وأما الحديث فإنما معناه عند العلماء أن علماء الإسلام إذا نظروا في مسألة مجتهد فيها


"""" صفحة رقم 353 """"
فما رأوه فيها حسنا فهو عند الله حسن لأنه جار على اصول الشريعة والدليل على ذلك الاتفاق
على أن العوام لو نظروا فأداهم اجتهادهم إلى استحسان حكم شرعى لم يكن عند الله حسنا حتى يوافق الشريعة
والذين نتكلم معهم في هذه المسألة ليسوا من المجتهدين باتفاق منا ومنهم فلا اعتبار بالاحتجاج بالحديث على استحسان شىء واستقباحه بغير دليل شرعى
ومنهم من ترقى في الدعوى حتى يدعى فيها الإجماع من أهل الأقطار وهو لم يبرح من قطره ولا بحث عن علماء أهل الأقطار ولا عن تبيانهم فيما عليه الجمهور ولا عرف من أخبار الأفطار خبرا فهو ممن يسأل عن ذلك يوم القيامة
وهذا الاضطراب كله منشؤة تحسين الظن بأعمال المتأخرين - وإن جاءت الشريعة بخلاف ذلك - والوقوف مع الرجال دون التحري للحق
و الثامن رأى قوم ممن تقدم زماننا هذا - فضلا عن زماننا - اتخذوا الرجال ذريعة لأهوائهم وأهواء من داناهم ومن رغب إليهم في ذلك فإذا عرفوا غرض بعض هؤلاء في حكم حاكم أو فتيا تعبدا وغير ذلك بحثوا عن اقوال العلماء في المسألة المسئول عنها حتى يجدوا القول الموافق للسائل فأفتوا به زاعمين أن الحجة في ذلك لهم قول من قال اختلاف العلماء رحمة ثم ما زال


"""" صفحة رقم 354 """"
هذا الشر يستطير في الأتباع وأتباعهم حتى لقد حكى الخطابى عن بعضهم أنه يقول كل مسألة ثبت لاحد من العلماء فيها القول بالجواز - شذ عن الجماعة أولا - فالمسألة جائزة وقد تقررت هذه المسألة على وجهها في كتاب الموافقات والحمد لله
والتاسع ما حكى الله عن الاحبار والرهبان قوله ) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ( فخرج الترمذى عن عدى بن حاتم قال أتيت النبى ( صلى الله عليه وسلم ) - وفي عنقى صليب من ذهب - فقال يا عدى اطرح عنك هذا الوثن وسمعته يقرأ في سورة براءة ) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ( قال أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكن إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه حديث غريب
وفي تفسير سعيد بن منصور قيل لحذيفة ارايت قول الله تعالى ) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ( قال حذيفة أما أنهم لم يصلوا لهم


"""" صفحة رقم 355 """"
ولكنهم كانوا ما أحلوا لهم من حرام استحلوه وما حرموا عليهم من حلال حرموه فتلك ربوبيتهم
وحكى عند الطبرى عند عدى مرفوعا إلى النبى ( صلى الله عليه وسلم ) وهو قول ابن عباس ايضا وأبى العالية
فتأملوا يا اولى الألباب كيف حال الإعتقاد في الفتوى على الرجال من غير تحر للدليل الشرعى بل لمجرد العرض العاجل عافانا الله من ذلك بفضله
والعاشر راى أهل التحسين والتقبيح العقليين فإن محصول مذهبهم تحكيم عقول الرجال دون الشرع وهو أصل من الأصول التي بنى عليها أهل الابتداع في الدين بحيث إن الشرع إن وافق آرءهم قبلوه وإلا ردوه
فالحاصل مما تقدم أن تحكيم الرجال من غير التفات إلى كونهم وسائل للحكم الشرعى المطلوب شرعا ضلال وما توفيق إلا بالله وإن الحجة القاطعة والحاكم الأعلى هو الشرع لا غيره
ثم نقول إن هذا مذهب اصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ومن رأى سيرهم والنقل عنهم وطالع أحوالهم على ذلك علما يقينا
الا ترى اصحاب السقيفة لما تنازعوا في الإمارة - حتى قال بعض الأنصار منا أمير ومنكم أمير فأتى الخبر عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بأن الأئمة من قريش اذعنوا لطاعة الله ورسوله ولم يعبأوا برأى من رأى غير ذلك لعلمهم بأن الحق هو المقدم على آراء الرجال


"""" صفحة رقم 356 """"
ولما اراد أبو بكر رضى الله عنه قتال مانعى الزكاة احتجوا عليه بالحديث المشهور فرد عليهم ما استدلوا به بغير ما استدلوا به وذلك قوله إلا بحقها فقال الزكاة حق المال - ثم قال والله لو منعونى عقالا أو عناقا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لقاتلتهم عليه
فتأملوا هذا المعنى فإن فيه نكتتين مما نحن فيه إحداهما أنه لم يجعل لأحد سبيلا إلى جريان الأمر في زمانه على غير ما كان يجرى في زمان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وإن كان بتأويل لان من لم يرتد من المانعين إنما منع تأويلا وفي هذا القسم وقع النزاع بين الصحابة لا فيمن ارتد رأسا
ولكن أبا بكر لم يعذر بالتاويل والجهل ونظر إلى حقيقة ما كان الأمر عليه فطلبه إلى أقصاه حتى قال والله لو منعونى عقالا إلى آخره
مع ان الذين اشاروا عليه بترك قتالهم إنما اشاروا عليه بأمر مصلحى ظاهر تعضده مسائل شرعية وقواعد أصولية لكن الدليل الشرعى الصريح كان عنده ظاهرا فلم تقو عنده آراء الرجال أن تعارض الدليل الظاهر فالتزمه ثم رجع المشيرون عليه بالترك إلى صحة دليله تقديما للحاكم الحق وهو الشرع
والثانية أن أبا بكر رضى الله عنه لم يلتفت إلى ما يلقى هو والمسلمون في طرق طلب إذ لما امتنعوا صار مظنة للقتال وهلاك من شاء الله من الفرقتين ودخول المشقة على المسلمين في الأنفس والأموال والأولاد ولكنه رضى الله عنه لم يعبتر إلا إقامة الملة على حسب ما كانت قبل فكان ذلك اصلا في انه لا يعبتر العوارض الطارئة في إقامة الدين وشعائر الإسلام نظير ما قال الله تعالى


"""" صفحة رقم 357 """"
) إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ( الآية
فإن الله لم يعذرهم في ترك منع المشركين خوف العيلة فكذلك لم يعد أبو بكر ما يلقى المسلمون من المشقة عذرا يترك به المطالبة بإقامة شعائر الدين حسبما كانت في زمان النبى ( صلى الله عليه وسلم ) وجاء في القصة ان الصحابة اشاروا عليه برد البعث الذي بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مع أسامة بن زيد - ولم يكونوا بعد مضوا لوجهتهم - ليكونوا معه عونا على قتال أهل الردة فأبى من ذلك وقال ما كنت لأرد بعثا أنفذه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )
فوقف مع شرع الله ولم يحكم غيره
وعن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال إنى أخاف على أمتى من بعدى من أعمال ثلاثة
قالوا وما هي يا رسول الله قال اخاف عليكم من زلة العالم ومن حكم حائر ومن هوى متبع
وإنما زلة العالم بأن يخرج عن طريق الشرع فإذا كان ممن يخرج عنه فكيف يجعل حجة على الشرع هذا مضاد لذلك
ولقد كان كافيا من ذلك خطاب الله لنبيه واصحابه ) فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ( الآية مع أنه قال تعالى ) أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ( وقوله تعالى ) وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ( الآية ولذلك قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه ثلاث يهدمن الدين زلة العالم وجدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون وعن ابن مسعود رضى الله عنه أنه كان يقول أغد عالما أو متعلما
ولا تعد إمعة فيما بين ذلك
قال ابن وهب فسالت سفيان عن الإمعة فقال


"""" صفحة رقم 358 """"
الإمعة في الجاهلية الذي يدعى إلى الطعام فيذهب معه بغيره وهو فيكم اليوم المحقب دينه الرجال
وعن كميل بن زياد أن عليا رضى الله عنه قال يا كميل إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير والناس ثلاثة فعالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق - الحديث إلى أن قال فيه اف لحامل حق لا بصيرة له ينقدح الشك في قلبه باول عارض من شبهة لا يدى أين الحق إن قال أخطأ وإن أخطا لم يدر مشغوف بما لا يدرى حقيقته فهو فتنة لمن فتن به وإن من الخير كله فاعر الله دينه وكفى أن لا يعرف دينه
وعن على رضى الله عنه قال إياكم والاستنان بالرجال فغن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ثم ينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل النار فيموت وهو من


"""" صفحة رقم 359 """"
اهل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل الجنة فيموت وهو من أهل الجنة فإن كنتم لا بد فاعلين فبالأموات لا بالأحياء - واشار إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) واصحابه الكرام وهو جار في كل زمان يعدم فيه المجتهدون
وعن ابن مسعود رضى الله عنه ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر فإنه لا أسوة في الشر
وهذا الكلام من ابن مسعود بين مراد ما تقدم ذكره من كلام السلف وهو النهى عن اتباع السلف من غير التفات إلى غير ذلك
وفي الصحيح عن ابى وائل قال جلست إلى شيبة في هذا المسجد قال جلس إلى عمر في مجلسك هذا قال هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين قلت ما أنت بفاعل
قال لم قلت لم يفعله صاحباك
قال هما المرآن اهتدى بهم يعنى النبى ( صلى الله عليه وسلم ) وأبا بكر رضى الله عنه
وعن ابن عباس رضى الله عنهما في حديث عيينة بن حصن حين استؤذن له على عمر قال فيه فلما دخل قال يا ابن الخطاب والله ما تعطينا الجزل وما تحكم بيننا بالعدل فغضب عمر حتى هم بأن يقع فيه فقال الحر بن قيس يا أمير المؤمنين إن الله قال لنبيه عليه الصلاة والسلام ) خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ( فوالله ما جاوز عمر حين تلاها عليه وكان وقافا عند كتاب الله
وحديث فتنة القبور حيث قال عليه الصلاة والسلام فاما المؤمن - أو المسلم - فيقول محمد جاءنا بالبينات فأجبناه وآمنا فيقال نم صالحا قد علمنا أنك موقن
وأما المنافق أو المرتاب فيقول لا أدرى سمعت الناس يقولون شيئا فقلته


"""" صفحة رقم 360 """"
وحديث مخاصمة على والعباس عمر في ميراث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقوله للرهط الحاضرين هل تعلمون أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال لا نورث ما تركناه صدقة فأقروا بذلك - إلى ان قال لعلي والعباس افتلتمسان منى قضاء غير ذلك فوالله الذي باذنه تقوم السماء والأرض لا اقضى فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة - إلى آخر الحديث
وترجم البخارى في هذا المعنى ترجمة تقتضى أن حكم الشارع إذا وقع وظهر فلا خيرة للرجال ولا اعتبار بهم وأن المشاورة إنما تكون قبل التبيين
فقال
باب قول الله تعالى ) وأمرهم شورى بينهم ( ) وشاورهم في الأمر ( وأن المشاروة قبل العزم والتبيين لقوله تعالى ) فإذا عزمت فتوكل على الله ( فإذا عزم الرسول الله لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله وشاور النبى ( صلى الله عليه وسلم ) أصحابه يوم أحد في المقام والخروج فرأوا له الخروج فلما لبس لامته قالوا أقم فلم يمل إليهم بعد العزم وقال لا ينبغى لنبى يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله وشاور عليا واسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة رضى


"""" صفحة رقم 361 """"
الله عنها فسمع منهما حتى نزل القرآن فجلد الرامين ولم يلتفت إلى تنازعهم ولكن حكم بما أمره الله وكانت الأئمة بعد النبى ( صلى الله عليه وسلم ) يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها فإذا وقع في الكتاب والسنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبى ( صلى الله عليه وسلم )
ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة فقال عمر كيف تقاتل وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أمرت أن قاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ثم تابعه بعد عمر
فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة إذ كان عنده حكم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثابتا في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة وأرادوا تبديل الدين وأحكامه وقال النبى ( صلى الله عليه وسلم ) من بدل دينه فاقتلوه وكان القراء اصحاب مشورة عمر كهولا كانوا أو شبانا وكان وقافا عند كتاب الله
هذ جملة ما قال في جملة تلك الترجمة مما يليق بهذا الموضع مما يلد على أن الصحابة لم يأخذوا أقوال الرجال في طريق الحق إلا من حيث هم وسائل للتوصل إلى شرع الله لا من حيث هم اصحاب رتب أو كذا أو كذا وهو ما تقدم


"""" صفحة رقم 362 """"
وذكر ابن مزين عن عيسى بن دينارعن ابن القاسم عن مالك انه قال ليس كل ما قال رجل قولا وإن ان له فضل يتبع عليه لقول الله عز وجل ) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه (
فصل
إذا ثبت أن الحق هو المعتبر دون الرجال فالحق أيضا لا يعرف دون وسائطهم بل بهم يتوصل إليه وهم الأدلاء على طريقه انتهى القدر الذي وجد من هذا التأليف ولم يكمله المؤلف رحمه الله تعالى
هذا ما جاء في آخر النسخة المخطوطة التي وجدت في مكتبة الشنقيطى
وقد تم نسخها في 25 المحرم سنة 1295 من هجرة النبى ( صلى الله عليه وسلم )



"""" صفحة رقم 363 """"
واعتبروا بمعان شرعية ترجع في التحصيل إلى الكتاب والسنة وإن لم يكن ذلك بالنص فإنه بالمعنى
فقد ظهر إذا وجه كمال الدين على أتم الوجوه
وننتقل منه إلى معنى آخر وهو أن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن مبرءا عن الاختلاف والتضاد ليحصل فيه كمال التدبر والاعتبار فقال سبحانه وتعالى ) أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ( فدل معنى الآية على أنه برىء من الاختلاف فهو يصدق بعضه بعضا ويعضد بعضه بعضا من جهة اللفظ ومن جهة المعنى
فأما جهة اللفظ فإن الفصاحة فيه متواترة مطردة بخلاف كلام المخلوق
فإنك تراه إلى الاختلاف ما هو فيأتى بالفصل من الكلام الجزل الفصيح فلا يكاد يختمه إلا وقد عرض له في أثنائه ما نقص من منصب فصاحته وهكذا تجد القصيدة الواحدة منها ما يكون على نسق الفصاحة اللائقة ومنها ما لا يكون كذلك
وأما جهة المعنى فإن معانى القرآن على كثرتها أو على تكرارها بحسب مقتضيات الأحوال على حفظ وبلوغ غاية في إيصالها إلى غايتها من غير إخلال بشىء منها ولا تضاد ولا تعارض على وجه لا سبيل إلى البشر أن يدانوه ولذلك لما سمعته أهل البلاغة الأولى والفصاحة الاصلية - وهم العرب - لم يعارضوه ولم يغيروا في وجه إعجازه بشىء مما نفى الله تعالى عنه وهم أحرص ما كانوا على الاعتراض فيه والغض من جانبه ثم لما اسلموا وعاينوا معانيه وتفكروا في غرائبه لم يزدهم البحث إلا بصيرة في أنه لا أختلاف فيه ولا تعارض والذي نقل من ذلك يسير توقفوا فيه توقف المسترشد حتى يرشدوا إلى وجه الصواب أو توقف المتثبت في الطريق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق