بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي العربي المكي ثم المدني، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.
فإنا نحمد الله -سبحانه وتعالى- ونشكره أن وفقنا لمجالس العلم، وأسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعا مرحوما وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما وأن لا يجعل فينا ولا منا شقيا ولا محروما، وأسأله -سبحانه وتعالى- أن يجعل مجلسنا هذا مجلس علم تحفه الملائكة وتغشاه الرحمة وتتنزل عليه السكينة ويذكره الله فيمن عنده، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده .
وطلب العلم وحضور مجالس العلم فيه فضل عظيم وأجر كبير، وطلب العلم مع حسن النية وإخلاص النية لا يعدله شيء، فهو من أفضل القربات وأجل الطاعات، والعلم هو وراثة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، والعلماء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، والله -تعالى- بيَّن فضل العلم وأهل العلم والعلماء، وقال -سبحانه- في كتابه العظيم: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ وقال -سبحانه-: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ وقرن -سبحانه وتعالى- شهادة أهل العلم بشهادته وشهادة ملائكته على أعظم مشهود به، وهي الشهادة لله -سبحانه وتعالى- بالوحدانية، فقال -سبحانه-: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .
ومجالس الذكر وطلب العلم أفضل من نوافل العبادة، يعني: أفضل من نوافل الصلاة ونوافل الصيام ونوافل الحج، طلب العلم مقدم على نوافل العبادات، وما ذاك إلا لأن طلب العلم ومجالس العلم فيها يتعلم الإنسان دينه ويتبصر ويتفقه في دينه، يعلم الحلال والحرام، يعلم ما يجب لله -تعالى- وما يصف الله به نفسه من الأسماء والصفات، يعلم حق الله -سبحانه وتعالى- فيعبده على بصيرة.
ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: من يُرِد الله به خيرا يفقهه في الدين قال العلماء: هذا الحديث له منطوق وله مفهوم، فمنطوقه أن من فقهه الله في الدين فقد أراد به خيرا، ومفهومه أن من لم يفقهه الله في الدين لم يرد به خيرا ولا حول ولا قوة إلا بالله، فينبغي للمسلم أن يحرص على مجالس العلم وحلقات العلم والدروس العلمية، وأن يكون له نية حسنة يخلص هذه النية لله؛ لأن طلب العلم عبادة من أفضل القربات وأجَلِّ الطاعات.
والعبادة لا بد فيها من شرطين، لا تصح إلا بشرطين:
الشرط الأول: أن تكون خالصة لله مرادا بها وجه الله والدار الآخرة.
والشرط الثاني: أن تكون موافقة لشرع الله وصوابا على هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
فينبغي لطالب العلم أن يحرص على مجالس العلم وعلى الدروس العلمية، وأن يرتبط بها وأن ينتهز الفرصة ما دام هذه المجالس موجودة وهذه الحلقات موجودة وأهل العلم موجودين، فقد يأتي وقت لا يتيسر له هذه المجالس ولا يجد وقت يتفقدها، وقد توجد المجالس ولا يوجد فيها من أهل العلم من هو من أهل البصيرة.
فعلى طالب العلم أن يجتهد وأن يحرص وأن يخلص نيته لله، وأن يكون قصده أن يتفقه في دين الله وأن يتبصر في دين الله، وأن يرفع الجهل عن نفسه وعن غيره؛ لأن الأصل في الإنسان أنه لا يعلم، قال الله -تعالى-: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وقيل للإمام أحمد -رحمه الله- كيف ينوي طالب العلم؟ قال: ينوي أن يرفع الجهل عن نفسه وعن غيره.
نعم، الأصل في الإنسان أنه لا يعلم، فأنت تتعلم وتتبصر فترفع الجهل عن نفسك فتعبد ربك على بصيرة، ثم ترفع الجهل عن غيرك بأن تعلم غيرك ما علمت، والأدلة والنصوص كثيرة في فضل العلم وطلب العلم، كثيرة مشهورة معلومة، وأهل العلم وأهل البصيرة هم أهل الصراط المستقيم الذين أنعم الله عليهم، الذين مَنَّ الله عليهم بالعلم والعمل.
فإن أهل الصراط المستقيم هم أهل الهداية وهم المتقون وهم أهل الفلاح وهم أهل التقوى وهم أهل البر، وهم الذين نسأل الله في كل ركعة من ركعات الصلاة في سورة الفاتحة أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط المنعم عليهم، وهم المنعم عليهم، أنعم عليهم الله بالعلم والعمل، فأنت في كل ركعة في قراءة الفاتحة تسأل الله أن يهديك الصراط المستقيم، صراط المنعم عليهم، الذين مَنَّ الله عليهم بالعلم والعمل.
وتسأل الله أن يجنبك طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين، المغضوب عليهم هم الذين يعلمون ولا يعملون -نسأل الله السلامة والعافية-، عندهم علم ولكن لا يعملون بعلم، ويدخل في ذلك كثيرون، اليهود يعلمون ولا يعملون، وتسأل الله أن يجنبك طريق الضالين وهم الذين يعبدون الله على جهل وضلال، عندهم عمل لكن ليس عندهم علم ولا بصيرة، تَخَلَّفَ العلم، كالنصارى وأشباههم من الصوفية والزهاد الذين يتخبطون في دلاهيم الظلمات وليس عندهم بصيرة.
فهما داءان من سلم منهما سلم من داء الغواية وداء الضلال، داء الغواية هو عدم العلم بما يعمله الإنسان، وداء الضلال هو أن يتعبد على جهل وضلال، وقد برأ الله نبيه الكريم من هذين الداءين وهما داء الغواية وداء الضلال، فقال -سبحانه وتعالى-: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى أقسم -سبحانه- بالنجم وله أن يقسم بما شاء -سبحانه وتعالى- أن نبينا -صلى الله عليه وسلم- ليس ضالا ولا غاويا، بل هو راشد -عليه الصلاة والسلام-.
وعلى طالب العلم أن يعتني بالدروس العلمية والإصغاء والانتباه وحسن النية، وكذلك ينبغي أن يسأل عما أشكل عليه، لكن سؤال استرشاد واستفهام، سؤال تعلم لا سؤال تعنت ولا سؤال إظهار رياء، بأن يظهر أنه يعلم أو يقصد من سؤاله إعنات المسئول وإيقاعه في الحرج، أو السؤال عن الأشياء التي لا تقع، أو يكثر من الأسئلة والتشكيك في المسائل التي لا حاجة إليها، وليسأل سؤال استرشاد واستفهام، يقصد العلم ويقصد الفائدة لا يقصد الرياء ولا إعنات المسئول، ولا السؤال عن الألغاز والأشياء المشكلة والتي لم تقع أو نادرة الوقوع، هكذا ينبغي لطالب العلم.
نبذة عن الكتاب والمؤلف
ونحن -إن شاء الله- سوف ندرس معكم في هذه الدورة كتاب ( الاقتصاد في الاعتقاد ) للحافظ عبد الغني المقدسي، هذا الكتاب سمي بالاقتصاد في الاعتقاد، وهو عقيدة للحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسين بن جعفر المقدسي نسبة إلى بيت المقدس، "الجمَّاعِين" نسبة إلى بلدة جماعين، وهي قرية من أرض فِلَسطين تابعة لبيت المقدس، ويسمى -أيضا- الدمشقي لأنه انتقل إلى دمشق، "والصالحي" لأنه -أيضا- سكن في قرية الصالحية في جبل قاسيون في دمشق.
وكان من علماء القرن السادس الهجري؛ فكانت ولادته سنة خمسمائة وإحدى وأربعين أو اثنين وأربعين أو ثلاث وأربعين أو أربع وأربعين على خلاف، ووفاته كانت سنة ستمائة من الهجرة، والحافظ عبد الغني -رحمه الله- له باع طويل في الحديث وعلوم الحديث، وهو صاحب ( عمدة الأحكام ) المعروف من الكتب المنتشرة بين يدي الطلاب، عمدة الأحكام في الحديث على أبواب الفقه، وهو سلفي المعتقد -رحمه الله-.
وقد عاصر الموفق محمد بن قدامة صاحب ( المغني ) و( الشرح الكبير ) وهو ابن خالته، عاصره، تأخر عنه قليلا، ست سنوات أو ثمان سنوات أو عشر سنوات، وأخذ عنه، وكذلك عاصر الضياء المقدسي صاحب المختارة وأخذ عنه، وله شيوخ كثيرون وتلاميذ كثيرون، والحافظ -رحمه الله- له عناية كبيرة بالحديث وعلومه، وابن خالته محمد بن قدامة المقدسي صارت له عناية بالفقه أكثر، فألف كتاب ( المغني ) الذي هو من أوسع كتب الفقه، ويعتبر أعلى كتاب في المقارنة بين المذاهب الأربعة وأدلتها.
وهذه الرسالة تسمى "عقيدة الحافظ عبد الغني" أو تسمى "الاقتصاد في الاعتقاد" وسماها الاقتصاد، الاقتصاد معناه: كون الشيء وسطا، القصد هو الوسط، قصدت من +ذلك المذهب الوسط في العقيدة وهو مذهب أهل السنة والجماعة؛ لأن مذهب السلف وسط بين طرفي الإفراط والتفريط، فالاقتصاد معناه الوسطية، الوسطية بين الإفراط والتفريط؛ لأنه ما من شيء إلا وله طرفان ووسط، الطرفان هما مجاوزة الحد والغلو أو التقصير، إما جفاء وإما إفراطا، إما تفريطا وإما إفراطا، هذان الطرفان مذمومان كلا طرفي قصد الأمور ذميم والوسط هو الحق، والوسط هو مذهب أهل السنة والجماعة.
مذهب أهل السنة والجماعة وسط بين مذاهب أهل البدع والفِرق، فمثلا مذهب أهل السنة والجماعة وسط في القدر، وسط بين مذهبي الجبرية والقدرية، فالجبرية غَلَوْا في إثبات أفعال الرب ونَفَوْا أفعال العبد، وقالوا: إن العبد ليس له أفعال والرب -سبحانه- هو الفاعل، والأفعال هي أفعال الله والعباد وعاء -وعاء للأعمال-، فالله هو المصلي والصائم عندهم والعباد كأنهم وعاء، كالكأس الذي يصب فيه الماء، فالعباد كئوس والله صباب الماء، فيها فلم يثبتوا للعبد اختيارا ولا قدرة، سلبوا قدرته واختياره.
وقابلهم القدرية فقالوا: العبد هو الذي يخلق فعل نفسه استقلالا، خيرا أو شرا طاعة أو معصية، والله لم يخلق أفعال العباد. وأهل السنة وسط بين هؤلاء وهؤلاء، أثبتوا أفعال العباد وأثبتوا لهم الاختيار، كما دلت النصوص على ذلك، ولكن مشيئتهم واختيارهم تابع لمشيئة الله -عز وجل- فالله خلق العباد وخلق أفعالهم وقدرهم، والعبد له قدرة واختيار، والله خلق العبد وخلق قدرته واختياره، والعباد لهم قدرة واختيار، فهم الذين يصلون ويصومون، وهم الذين يقومون ويقعدون ويفعلون باختيارهم.
كذلك مثلا في باب الإيمان فهم وسط بين الخوارج والوعيدية الذين يقولون: إن العبد إذا فعل كبيرة كَفَرَ، الزاني كافر عندهم والسارق كافر وشارب الخمر كافر، وبين الجهمية -جهمية المرجئة- الذين يقولون: إن العبد إذا عرف ربه بقلب فهو مؤمن ولو فعل جميع الكبائر والمنكرات فلا يضره، ما دام عرف ربه بقلب فهو مؤمن ولا يكفر إلا إذا جهل ربه بقلبه، والمعاصي لا تضره والكبائر، لو فعل جميع الكبائر، وقد عرف ربه دخل الجنة من أول وهلة.
هذان مذهبان باطلان، وأهل السنة وسط بين هؤلاء وهؤلاء، فقالوا: إن العبد لا يكفر بفعل المعصية، ولكن يكون ناقص الإيمان، ضعيف الإيمان إذا لم يستحل كبيرة، ولكن المعاصي تضر الإيمان وتنقصه وتضعفه إلا أنها لا تقضي عليه، فلا يقضي على الإيمان إلا الكفر الأكبر أو الشرك الأكبر أو النفاق الأكبر.. وهكذا.
والمؤلف -رحمه الله- في هذه الرسالة -يعني- استعرض.. يعني: ذكر فيها كثيرا من الموضوعات العقيدية والمسائل العقيدية والصفات، فالمؤلف -رحمه الله- بحث جميع الصفات أو أغلب الصفات في هذه الرسالة، وبحث صفة الاستواء وصفة العلو، وصفة الوجه وصفة النزول، وصفة اليدين وصفة المحبة، وصفة المشيئة والإرادة، وصفة الضحك وصفة الفرح، وصفة العجب وصفة البغض، وصفة السخط وصفة الكره، وصفة الرضا والنفس.
والرؤية والكلام والقول في القرآن هو كلام الله -عز وجل- والقضاء والقدر، والإسراء والمعراج، ورؤية الرسول -صلى الله عليه وسلم- لربه ليلة المعراج ورؤية المؤمنين لربهم، والشفاعة والحوض، وعذاب القبر ونعيمه والجنة والنار والميزان، وأركان الإيمان وسنة الإيمان، وحقيقة الإيمان والإسلام، والإيمان بخروج الدجال ونزول عيسى وقتله الدجال، والإيمان بملك الموت وخصائص النبي -صلى الله عليه وسلم- والمفاضلة بين الخلفاء الراشدين، والشهادة لمن شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة وفضل الاتِّباع.
كل هذه المسائل والمباحث العقيدية كلها بحثها المؤلف -رحمه الله- في هذه العقيدة التي تسمى "عقيدة الحافظ عبد الغني" أو "الاقتصاد في الاعتقاد".
والآن نبدأ الرسالة، نعم تفضل.
خطبة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله وحده حسبنا والله نعم الوكيل، قال الشيخ الإمام العالم الزاهد الحافظ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور الحنبلي المقدسي -رحمه الله تعالى-:
الحمد لله المتفرد بالكمال والبقاء والعز والكبرياء، الموصوف بالصفات والأسماء المنزه من الأشباه والنظراء، الذي سبق علمه في بريته بمحكم القضاء من السعادة والشقاء، واستوى على عرشه فوق السماء وصلى الله على الهادي إلى المحجة البيضاء والشريعة الغراء، محمد سيد المرسلين والأنبياء، وعلى آله وصحبه الطاهرين الأتقياء صلاة دائمة إلى يوم اللقاء.
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه خطبة المؤلف -رحمه الله- افتتحها بالبسملة والحمد لله اقتداء بكتابه العزيز، فالله -تعالى- افتتح كتابه بـ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فالبسملة الصواب أنها آية مفسرة في أول كل سورة، ليست من السور، ليست من الفاتحة ولا من غيرها، والفاتحة سبع آيات أولها: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ والآية السادسة: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ والسابعة غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ أي سبع آيات بدون البسملة على الصحيح من أقوال أهل العلم.
ويدل على ذلك نصوص منها الحديث القدسي أن الرب -سبحانه وتعالى- قال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فالمراد بالصلاة هنا الفاتحة، يعني: الفاتحة لها أسماء، من أسمائها الصلاة، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قال الله: حمدني عبدي فقول الرب -سبحانه-: "إذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ دل على أن أول آية "الحمد لله"، ولم يقل: إذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم، فدل على أن أول آية: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
فالمؤلف افتتح كتابه بالبسملة، باسم الله أستعين، باسم الله أستعين، باسم الله البالغ السعة، والله لفظ جلالة ولا يسمى به غيره، أعرف المعاني، والله أصلها الإله، ثم حذفت الهمزة فاجتمعت اللامان وأدغمت الأولى في الأخرى، الله هو المألوه، الإله بمعنى مألوه، المألوه المعبود الذي تألهه القلوب محبة وإجلالا وتعظيما وخوفا ورجاءً.
"الرحمن": اسم من أسمائه، اسم من أسماء الله لا يسمى به غيره، المشتمل على الرحمة، يعني: ذو الرحمة، "الرحيم": اسم آخر، والرحمن لا يسمى به غيره، والرحيم مشترك يطلق على الله وعلى غيره، قال -تعالى- عن نبيه لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فوصف نبيه بأنه رحيم.
فأسماء الله نوعان، منها ما هو خاص به لا يسمى به غير الله: ( الرحمن- خالق الخلق- مالك الملك- النافع- الضار- المحيي- المميت- المعطي- المانع ) لا يسمى به غيره، ومنها ما هو مشترك كـ: ( العزيز- والعليم- والسميع- والبصير- والحي- والرحيم ) وغير ذلك مستعينا بالله "الرحمن": المتصف بالرحمة.
وكل اسم من أسماء الله مشتق، ليست أسماء الله جامدة، فهي مشتقة مشتملة على الصفات: الرحمن مشتمل على الرحمة، العليم مشتملة على صفة العلم، القدير صفة القدرة، الحكيم صفة الحكمة، وهكذا بخلاف الصفات كصفة الغضب وصفة رضا الله لا يشتق لها أسماء منها، ما يقال، فالأسماء والصفات توقفية، ما يقال: إن الله اتصف بالرضا فنقول: من أسمائه الراضي، والغضب فنقول: من أسمائه الغاضب، لا، لكن الأسماء مشتملة على صفات، الرحمن مشتملة على صفة الرحمة، العليم مشتملة على العلم.
قال: والحمد لله الحمد لله وحده، قد يقال: إن قول: بسم الله الرحمن رب يسره عني يا كريم، الحمد لله وحده، حسبنا الله ونعم الوكيل، يعني: الله كافينا، ونعم الوكيل المتوكل عليه -سبحانه-، قد يكون هذا ليس من قول المؤلف، ولهذا قال بعد ذلك، قال الشيخ الإمام العالم الزاهد الحافظ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور الحنبلي المقدسي، حنبلي يعني: حنبلي المذهب، قد يكون مقلدا وقد يكون مجتهدا مثل شيخ الإسلام وابن القيم، كل منهما ينتسب إلى مذهب الحنابلة؛ لأنه وافق الإمام أحمد في الأصول، وليس معنى ذلك أنه مقلد، لا، وافقه في الأصول.
"المقدسي" نسبة إلى بيت المقدس، -رحمه الله تعالى-، "الحمد لله" الحمد هو الثناء على المحمود بصفاته الاختيارية، وهو أكمل من المدح، فالمدح هو أن تذكر صفات الممدوح وقد تكون هذه الصفات اختيارية وقد تكون خِلْقية ليست اختيارية، والحمد إنما هو حين يكون بذكر صفات المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه، فالإخبار عن المحمود بالصفات الاختيارية مع حبه وإجلاله وتعظيمه هذا هو الحمد، وأما المدح فلا يلزمه الحب والمحبة.
وتذكر صفات الإنسان وقد لا تكون صفات اختيارية، مثل الأسد تذكر أوصاف الأسد وتقول: إنه قوي العضلات، هذا مدح للأسد ولكن ليس فيه محبة، لا يلزم لذلك المحبة، ليس فيه محبة، فلا يلزم الحمد، فلا تقول: أحمد الأسد، وإنما قل: أمدح الأسد، فالحمد أكمل والإخبار عن المحمود أو ذكرك صفات المحمود هذه اختيارية، فالثناء على المحمود بصفاته الاختيارية مع حبه وإجلاله؛ ولهذا جاء الحمد في صفات الله -عز وجل-.
جاء الحمد في حق الرب -سبحانه وتعالى-، الحمد لله، ولا تقول: أمدح الله؛ لأنه أكمل والثناء على المحمود من صفاته الاختيارية مع الحب والإجلال والتعظيم، وأل للاستغراق، يعني: جميع أنواع المحامد مستغرقة لله ملكا واستحقاقا، فـ"الحمد لله" فالله علما على الرب -سبحانه وتعالى-، يعني: المألوه الذي تألهه القلوب محبة وإجلالا وتعظيما.
"المتفرد بالكمال والبقاء" يعني: -سبحانه وتعالى- هو الذي يتفرد بالكمال، من صفاته الكمال، أما المخلوق فالصفات وإن اتصف ببعض الصفات إلا أنها ليست صفات كمال على الإطلاق، بل هي إن اتصف بشيء من الصفات فالكمال فيها كمال نسبي يليق بالمخلوق وبالبشر، أما صفات الكمال على الإطلاق فلا يستحقها إلا الرب -سبحانه وتعالى-، هو الذي تفرد بالكمال وتفرد بالبقاء وهو الباقي -سبحانه وتعالى- وهو الحي القيوم، الحي الذي لا يموت، وأما المخلوق فإنه ليس له البقاء إلا بإبقاء الله له.
المتفرد بالكمال والعز، كذلك هو الذي تفرد بالعز، العز الكامل، والمخلوق له عز نسبي بإعزاز الله له، والكبرياء، تفرد بالكبرياء -سبحانه وتعالى-، وأما المخلوق فليس له أن يتكبر، فإذا تكبر فهو مذموم، فالكبر للمخلوق من الصفات الذميمة ومن الكبائر قد يكون كفرا، كما إذا تكبر عن عبادة الله فلم يعبد الله، فهذا كبر يخرج من الملة، وقد يكون كبرا دون ذلك دون التوحيد فيكون من الكبائر، وفي الحديث: لا يدخل الجنة من في قلبه ذرة من كبر هذا وإن كان كبر على التوحيد فهو مخلد في النار، وإن كان دون التوحيد فهذا من باب الوعيد من الكبائر، فالله -تعالى- تفرد بالكمال والبقاء والعز والكبرياء.
"الموصوف بالصفات والأسماء" يعني: موصوف بالأسماء والصفات التي وصف بها نفسه وسمى بها نفسه في كتابه أو على لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم-، يعني: الأسماء والصفات توقفية ليس للعباد أن يسموا الله بأسماء من عند أنفسهم أو يصفوه بصفات من عند أنفسهم، العباد لا يخترعون لله صفات أو أسماء، بل الأسماء والصفات توقفية يوقف فيها عند النصوص.
"المنزه عن الأشباه والنظراء" الله -تعالى- ليس له شبيه ولا نظير، النظير هو المثيل، الله ليس له مثيل وليس له شبيه، بل هو -سبحانه وتعالى- لا أحد يماثله في صفاته لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله -سبحانه وتعالى-، فليس له مثيل ولا شبيه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله -سبحانه وتعالى-.
"الذي سبق علمه في بريته بمحكم القضاء"، سبق علمه في بريته، يعني: المخلوقات، البرية هي المخلوقات، يعني: سبق علم الله فيما يكون في المخلوقات، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء .
والعلم سابق للكتابة، قال الله -تعالى-: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ وقال الله -تعالى-: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ "سبق علمه في بريته بمحكم القضاء من السعادة والشقاء" يعني: الله -تعالى- سبق علمه، كتب الشقاء والسعادة، علم ذلك وكتبه في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الخلق، قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة واستوى على عرشه فوق السماء، استوى استواء يليق بجلاله وعظمته، يعني: استقر وعلا وصعد وارتفع فوق عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته.
فالمؤلف -رحمه الله- بيَّن في خطبته أنه يسير على وفق معتقد أهل السنة والجماعة على ما دلت عليه النصوص، أثبت الاستواء، وأهل البدع يحرفون ويؤولون الاستواء بالاستيلاء.
"وصلى الله على الهادي إلى المحجة البيضاء والشريعة الغراء محمد -صلى الله عليه وسلم-"، "وصلى الله" صلاة الله على عبده أحسن ما قيل أو أصح ما قيل في تعريف صلاة الله على عبده هي: ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي العالية قال: صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى صلى الله، أنت تسأل الله أن يثني على عبده في الملأ الأعلى.
"صلى الله على الهادي" هذا وصف الرسول الهادي هداية دلالة وإرشاد، والهداية هداية دلالة وإرشاد هذه يملكها النبي -صلى الله عليه وسلم- ويملكها الدعاة والمصلحون، قال الله -تعالى-: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أما هداية التوفيق والتثبيت وخلق الهداية في القلوب وجعل اللسان يقبل الحق ويرضاه هذه لا يملكها إلا الله، لا يملكها النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا غيره، قال الله -تعالى- لنبيه لما عجز عن عمه أبي طالب أنزل الله فيه: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ يعني: لا توفق، لا تستطيع أن توفق، بل الذي يوفق هو الله؛ هو الذي يخلق الهداية في القلوب.
"وصلى الله على الهادي إلى المحجة البيضاء"، "المحجة" هي الجادة والطريق البيضاء، وهي محجة الإسلام وطريق الإسلام والصراط المستقيم، "والشريعة الغراء" يعني: البيضاء الناصعة، وهي ما بعث به -عليه الصلاة والسلام- من الشريعة السهلة السمحة في العقيدة والعمل والخُُلُق.
"محمد" هذا اسم من أسمائه -عليه الصلاة والسلام-، محمد لكثرة المحامد، وله أسماء كثيرة صلى الله عليه وسلم، كمحمد وأحمد والحاشر والمُقفِي الذي يحشر الناس على قدميه، وله أسماء كثيرة -عليه الصلاة والسلام-، أسماء متعددة، محمد سيد المرسلين، سيدهم يعني له السؤدد والإمامة وهو مقدمهم وإمامهم -صلى الله عليه وسلم-.
"سيد المرسلين والأنبياء، وعلى آله" المراد بالآل، قيل: المراد بالآل أهل بيته، يعني المؤمنين به، عمه العباس وعمه حمزة وعلي وفاطمة والحسن والحسين .. كلهم من أهل بيته، وقيل: المراد بآله أتباعه على دينه إلى يوم القيامة، ويدخل في ذلك آل بيته، ويدخل في ذلك أزواجه من أهل بيته.
"وصحبه" جمع صاحب، وهو كل من لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤمنا ولو لحظة ومات على الإسلام، ومن لقي النبي -صلى الله عليه وسلم-، يشمل العميان كعبد الله بن أم مكتوم، هذا لقاء، ولا يقال: كل من رأى النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن ابن أم مكتوم صحابي ولم ير النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن لقيه، كل من لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤمنا ولو لحظة ثم مات على الإسلام فهو صحابي، ولو كان صغيرا ولو كان صبيا.
"وعلى آله وصحابه"، وإذا فسر الآل بأتباعه على دينه يكون صلى على الصحابة مرتين، مرة بالعموم ومرة بالخصوص، "وعلى آله" أتباعه على دينه، ويدخل في ذلك الصحابة وأزواجه وأهل بيته، ثم قال: "وصحبه" هذا تخصيص بعد تعميم، "الطاهرين" الذين طهرهم الله من الشرك والإصرار على الكبائر، "الأتقياء" جمع تقي، والتقي هو الذي آمن بالله وأدى الواجبات وترك المحرمات، "صلاة دائمة" يعني: مستمرة، "إلى يوم اللقاء"، وهو يوم الدين الذي يلقى فيه كل مؤمن ربه ويقف بين يديه للحساب، نعم.
الله سبحانه وتعالى موصوف بصفاته القديمة التي نطق بها كتابه العزيز
قال -رحمه الله-: اعلم وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول والنية والعمل، وأعاذنا الله وإياك من الزيغ والزلل، أن صالح السلف وخيار الخلف وسادة الأئمة وعلماء الأمة اتفقت أقوالهم وتطابقت آراؤهم على الإيمان بالله وأنه أحد فرد صمد حي قيوم سميع بصير، لا شريك له ولا وزير ولا شبيه له ولا نظير، ولا عدل ولا مثل، وأنه موصوف بصفاته القديمة التي نطق بها كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: ( ) وصح بها النقل عن نبيه وخيرته من خلقه محمد سيد البشر الذي بلغ رسالة ربه ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده وأقام الملة، وأوضح المحجة وأكمل الدين وقمع الكافرين، ولم يدع لملحد مجالا ولا لقائل مقالا.
نعم، بعد أن ذكر المؤلف -رحمه الله- بعد الخطبة والثناء على الله والصلاة على نبيه وأتباعه قال المؤلف -رحمه الله-: "اعلم وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول والنية والعمل"، "اعلم" أمر، يعني: أمر بالعلم، والعلم هو الحكم الذهني الجازم يعني: تيقن، بخلاف الشك فإنه ما يشك فيه الإنسان بين أمرين، فإذا كان أحد الأمرين راجحا يسمى ظنا، فالراجح يسمى ظنا والمرجوح يسمى وهما، وإذا تساوى الأمران يسمى شكًّا، وإذا كان عنده جزم يسمى يقينا، يسمى علما.
فهذه المعلومات أربع: علم وظن وشك ووهم، فالعلم هو ما يجزم فيه الإنسان، علم الذهن الجازم ما يتيقن به الإنسان، والظن هو أحد الأمرين أو الراجح من الأمرين الذين يشك فيهما، إذا كان عنده أمران يشك فيهما واحد أرجح من الآخر، فالراجح يسمى ظنا، والوهم هو المرجوح من أحد الأمرين، والشك هو أن يتساوى الأمران، فالمؤلف يقول: تيقن لا تشك ولا تظن ولا تتوهم بل تيقن، اعلم تيقن من غير شك ولا ظن ولا وهم، اعلم تيقن واجزم بأي شيء من صالح السلف.
ثم جاء بالجملة المعترضة، دعا لطالب العلم وهذا من نصحه -رحمه الله- من نصحه لطالب العلم بعلمه، ويدعو له قال: "وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول والنية والعمل" دعاء لطالب العلم، تعليم ودعاء، هذا من نصحه، كما قال الشيخ الإمام المصلح المجدد في كثير من رسائله: اعلم رحمك الله هؤلاء الأئمة وهؤلاء العلماء أنصح الناس للناس؛ الأنبياء أنصح الناس للناس والعلماء ورثة الأنبياء، فمن نصح العلماء أنهم يعلمون ويدعون فهو يعلمك ويدعو لك، وفقنا الله وإياك.
سأل الله أن يوفقك، سأل الله التوفيق له ولك يا طالب العلم، لأي شيء؟ لما يرضيه من القول والنية والعمل، سأل الله أن يوفقنا، يعني: يجعلنا موفقين مسددين قابلين للحق مختارين له راضين به، والحق هو الذي يرضي الله، الذي يرضيه من القول، و"القول": هو الكلام، كالنطق بكلمة التوحيد والشهادتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله وتلاوة القرآن، والتسبيح والتهليل والتكبير وغير ذلك، و"العمل": كالصلاة والصيام والصدقة والحج والنية، كذلك الاعتقاد الصحيح في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر. فهو يدعو لك يدعو لنفسه ولك "اعلم وفقنا الله وإياك" يسأل الله التوفيق لما يرضيه من القول والنية والعمل.
"وأعاذنا وإياك من الزيغ والزلل" استعاذة بالله، استعاذة بالله لنفسه ولطالب العلم، استعاذة بالله، قال: "أعاذنا الله وإياك من الزيغ"، "الزيغ": الانحراف عن الحق في الاعتقاد، يعني اعتقد اعتقادا باطلا اعتقادا سيئا، اعتقاد المشركين أو اعتقاد اليهود أو اعتقاد النصارى أو اعتقاد أهل البدع، اعتقاد الفلاسفة والضالين أو الجهمية أو الباطنية، أو الصوفية المنحرفين أو المعتزلة أو الأشاعرة، كل هذا زيغ استعاذ بالله من الزيغ لنفسه ولك يا طالب العلم استعاذة بالله لنفسه ولنا جميعا، وأعاذنا الله وإياك يا طالب العلم من الزيغ والانحراف، و"الزلل" كذلك، الزلل نوع من الانحراف، هو الزلل عن الحق، يعني: تخطي الحق وتجاوز الحق وعدم إصابة الحق.
هذه جملة معترضة، قوله: "وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول والنية والعمل، وأعاذنا وإياك من الزيغ والزلل" تجعلها في شرطتين جملة معترضة في الدعاء، أراد بها المؤلف أن يدعو لطالب العلم وتقرأ ما قبلها وما بعدها، تقول بعد أن تجعل الدعاء بين شرطتين: "اعلم أن صالح السلف وخيار الخلف وسادة الأئمة وعلماء الأمة اتفقت أقوالهم وتطابقت آرائهم على الإيمان بالله .
"صالح السلف" والمراد بصالح السلف الصحابة والتابعون والأئمة ومن سار على نهجهم، ومن سار على نهجهم هم خيار الخلف، إذًا يقول المؤلف: "صالح السلف" وهم الصحابة والتابعون، "وخيار الخلف" من تابعهم وسار على نهجهم من الأئمة والعلماء وأهل السنة والجماعة، "وسادة الأئمة" يعني: مقدم الأئمة -الأئمة في الدين- العلماء والمصلحون والأئمة سادتهم.
"وعلماء الأمة" العلماء جميعا، السادة مقدم العلماء وسائر العلماء, يقول: اعلم أن صالح السلف المتقدمين من الصحابة والتابعين وخيار الخلف ومن تبعهم , ومقدم الأئمة وسائر علماء الأمة كلهم اتفقت أقوالهم وتطابقت آرائهم على الإيمان بالله كلهم اتفقت أقوالهم وتطابقت آرائهم على أي شيء؟ على الإيمان بالله الإيمان بالله وأنه -سبحانه وتعالى- واجب الوجود بذاته، وأنه موجود فوق العرش وأنه له الأسماء الحسنى والصفات العُلَى، وأنه المعبود بالحق وأن غيره معبود بالباطل.
اتفق على هذا السلف والخلف والأئمة والعلماء، اتفقوا على هذا، الإيمان بالله وإثبات وجوده، وأنه واجب الوجود بذاته وأنه فوق العرش، وأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى التي سمَّى بها نفسه أو وصف بها نفسه، وسماه بها رسوله أو وصفه بها رسله -عليهم الصلاة والسلام-، وكذلك الإيمان بصفاته وبأفعاله والإيمان بألوهيته، الإيمان بربوبيته وألوهيته وأنه المعبود بالحق.
واتفقوا على الإيمان بالله ويدخل في الإيمان بالله قوله: "وأنه أحد فرد صمد حي قيوم سميع بصير" كل هذا داخل في الإيمان بالله أنه أحد، يعني: واحد -سبحانه وتعالى- لا نظير له في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله, فرد مثل أحد بمعنى واحد، إلا أن فرد لم ترد في النصوص, التي وردت في النصوص أحد وصمد، هذا خبر عن الله من باب الخبر عن الله، ولا أعلم أن كلمة فرد من أسماء الله، لكن من أسماء الله الأحد والصمد, الأحد كافٍ عن الفرد لكن من باب الخبر، زادها من باب الخبر، لو قال: "أحد صمد" كفت، فالأحد كاف عن الفرد، أحد صمد, فرد صمد.
"صمد": هو السيد الذي كمل سؤدده، وهو الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها، فهو كمل في نفسه وهو سيد في نفسه لا يحتاج إلى غيره والقائم لنفسه ويقوم لغيره -سبحانه وتعالى-، من تفسير "الصمد" الذي لا جوف له، يعني: لا يأكل ولا يشرب، والملائكة صمد لا يأكلون ولا يشربون، والله أولى بذلك من المخلوقين فهو صمد لا يحتاج إلى أحد، قام بنفسه ويقوم بغيره، كمل سؤدده وصمدت إليه الخلائق في حوائجها.
"حي": حياة كاملة أبدية لم يسبقها عدم ولا يتخللها ضعف ولا نوم ولا نعاس، فالحياة الكاملة باقية أبد الآباد, "قيوم" هذا من أسمائه -سبحانه وتعالى- "قيوم" يعني: القائم بنفسه ويقوم بغيره، الحي القيوم وصفان عظيمان، اسمان عظيمان ترجع إليهما جميع الأسماء والصفات، حتى قيل: إنه الاسم الأعظم: ( ).
"سميع" من أسمائه -سبحانه وتعالى-، "بصير" قال -سبحانه-: ( ) "سميع": متصف بالسمع يسمع الأصوات ويدركها ولا يخفى عليه شيء، "بصير": يرى كل شيء، سميع بسمعه بصير ببصره.
"لا شريك له" ليس له شريك، لا شريك له في أسمائه ولا شريك له في صفاته ولا شريك له في أفعاله، ولا شريك له في ألوهيته وعبوديته وعبادته، ولا شريك له لا أحد يشاركه لا في ملكه ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في استحقاقه للعبادة، "ولا وزير" الوزير المُعِين، أي: ليس له معين يعينه، بخلاف المخلوق الضعيف يحتاج إلى وزير، ملوك الدنيا يحتاجون إلى وزراء يعينونهم ويساعدونهم، أما الرب فلا يحتاج إلى وزير، -سبحانه وتعالى- لا يحتاج إلى أحد.
وهو كامل -سبحانه وتعالى- بخلاف المخلوقات؛ لأنه يحتاج إلى الولد، الزوجة تعينه، يحتاج إلى الوزير يحتاج إلى الأمير يحتاج إلى خادم، أما الرب فلا يحتاج إلى أحد -سبحانه-، "لا شريك له ولا وزير ولا شبيه له" لا أحد يشبهه لا في ذاته ولا في صفاته، "ولا نظير": ليس له نظير ولا مماثل ولا عِدْل، لا, كلها بمعنى المثيل، لا، ليس له عدل ولا مثيل ولا نظير ولا مثل، كلها متقاربة، لا نظير ولا شبيه ولا عدل، لا مثيل، كلها متقاربة، ليس له مماثل وليس له مشابه وليس له نظراء ولا عدلاء ولا أمثال، بل هو -سبحانه وتعالى- لا يماثله أحد من خلقه ولا يعدل به أحد من خلقه.
"وأنه موصوف بصفاته القديمة التي نطق بها كتابه العزيز" يعني: أن الله -تعالى- موصوف بصفاته التي نطق بها كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من الحكيم الحميد، "وصح بها النقل عن نبيه" يعني: هو موصوف -سبحانه- بصفاته التي وصف بها نفسه في كتابه أو وصفه بها رسوله -عليه الصلاة والسلام-؛ لأن الصفات والأسماء توقفية.
العباد لا يخترعون لله أسماء وصفاتا من عند أنفسهم؛ ولهذا قال: موصوف بصفاته القديمة التي نطق بها كتابه وصح بها النقل عن نبيه وخيرته من خلقه محمد سيد البشر -عليه الصلاة والسلام-، الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته وجاهد في الله حق جهاده، هذا وصفه -عليه الصلاة والسلام-: "وبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، وأقام الملة -وهي الدين-، وأوضح المحجة" الطريق، "وأكمل" أي: أكمل الله به الدين.
لو قال المؤلف: "وأكمل الله به الدين" كان أحسن، الذي أكمل الدين هو الله ليس هو النبي كما قال الله في كتابه: ( ) فالذي أكمل الدين هو الله، ومقصود المؤلف "أكمل الدين" يعني: أكمل الله به الدين، "وقمع الكافرين" يعني: قمع الله به الكافرين، يعني الذي قمع هو الله، قمع الله الكافرين برسالته.
"ولم يدع لملحد" الملحد هو المنحرف عن الصواب، والإلحاد أقسام، قد يكون الإلحاد كفر كالذي ألحد في توحيد الله وفي أسمائه وصفاته، إلحادا يخرجه من ملة الإسلام، وقد يكون إلحادا دون كفر كإلحاد بالمعاصي وبالبدع، والإلحاد في نفي بعض الصفات وبعض الأسماء، ولم يَدَع لملحد مجالا ولا لقائل مقالا لأنه -عليه الصلاة والسلام- بلغ الرسالة ونصح الأمة وأقام الملة وأوضح المحجة وكمل به الدين، ولم يترك لملحد مجالا ولا لقائل مقالا؛ لأن الشريعة كملت وهي واضحة ليس فيها لبس، فلا مجال لملحد ولا مجال لقائل يريد أن يزيد في هذا الدين أو ينقص منه أو يُحرِّف أو يؤول، نعم.
بيان أن الله أكمل الدين وأتم النعمة على هذه الأمة
قال -رحمه الله-: فروى طارق بن شهاب قال: جاء يهودي إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرءونها لو علينا -معشر يهود- نزلت نعلم اليوم الذي نزلت فيه، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال أي آية؟ قال: ( ) فقال: إني لأعلم اليوم الذي نزلت والمكان نزلت، على رسول الله ونحن بعرفة عشية جمعة، فآمنوا بما قال الله -سبحانه- في كتابه.
هذا الأثر رواه الشيخان -رحمهما الله- في صحيحهما البخاري ومسلم اللذين هما أصح الكتب بعد كتاب الله وفيها بيان كمال هذا الدين، وهذا الأثر لطارق بن شهاب: أن يهوديا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرءونها لو علينا -معشر يهود- نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، فقال عمر: أي آية؟ قال له: ( ) الآية من آل عمران: ( ).
يا لها من آية عظيمة! فيها بيان أن الدين كمل وأن الله أتم النعمة على هذه الأمة، وأنه رضي الإسلام لهم دينا، هذا الدين كامل لا يحتاج إلى أن يزيد فيه أحد أو ينقص منه أحد، وهو محفوظ أيضا بحفظ الله له: • ( ) فيه رد على الرافضة الذين يقولون: إن القرآن طار ثلثاه ولم يبق إلا الثلث، فهذا تكذيب لله، ومن كذب الله كفر، الله -تعالى- يقول: • ( ).
بعض الرافضة يقول: لا القرآن ما بقي إلا الثلث وطار الثلثان من القرآن، حتى ألَّف بعض شيوخهم كتابا سماه ( فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب )، وأثبت أن القرآن محرف -أعوذ بالله- وهذا مصادم لقول الله ( ) ولقوله -تعالى-: • ( ) صريحة قاطعة، ومن قال: إن القرآن مُحرَّف فقد كذب الله، ومن كذب الله كفر، فالقرآن محفوظ بحفظ الله: • ( ) ( ) ؛ إذًا هذا الدين كامل ما يحتاج إلى حذلقة متحذلق إلى أن يزيد فيه أو ينقص منه.
"وأتممت عليكم نعمتي" أتم الله النعمة، "ورضيت لكم الإسلام دينا" رضي الله لنا هذا الدين، وهذا من آخر ما نزل في سورة المائدة، ولما أكمل الله الدين وأتم النعمة قبض نبيه -عليه الصلاة والسلام- لأنها انتهت مهمته من الدنيا وأنزل عليه: •• ( ) فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت والمكان الذي نزلت على رسول الله اليوم الذي نزلت فيه يوم عرفة وهو يوم الجمعة، والمكان يوم عرفة في عرفة، في عرفة قبل وفاة النبي بما يقارب ثمانين يوما، نزلت هذه الآية يوم الجمعة وهو يوم عيد، يوم الحج الأكبر، وهو يوم عيد، ويوم عرفة يوم عيد، ونزلت في يوم عرفة في يوم عظيم وهو يوم الحج.
يوم عرفة الذي يجتمع الناس فيه الحجاج في صعيد واحد من أقطار الدنيا كلها، نزلت عليه في هذا اليوم، وصادف اليوم يوم عرفة يوم جمعة، الحجة التي حجها النبي كان يوم عرفة هو يوم جمعة ونزلت عليه هذه الآية: ( ) قال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت والمكان، نزلت على النبي ونحن في عرفة عشية الجمعة، فنزلت في يوم عيد فنحن نتخذه عيدا، هو يوم عيد والحمد لله.
وهذا يدل على أن اليهود يعلمون الحق لكن حملهم البغي والحسد على عدم الإيمان، يعلمون هذا؛ ولهذا يقول: لو علمنا -معشر اليهود- هذا اليوم، لو كانت نزلت علينا لاتخذنا اليوم عيدا، يعرفون الحق لكن لم يوفقوا، قال الله -تعالى-: • • ( ).
وقال -سبحانه-: ( ) حملهم الكبر والبغي على عدم الإيمان وظنوا أن النبوة ستكون في بني إسرائيل، فلما كانت في بني إسماعيل جحدوا وكفروا: • ( ) نسأل الله السلامة والعافية ونعوذ بالله من زيغ القلوب، نعم.
العشية -أحسن الله إليك- في قوله: "ونحن بعرفة عشية الجمعة"؟
"عشية الجمعة" يعني: آخر النهار، العشية آخر النهار، معروف أن الوقوف إنما يكون في العشية.
إيه المراد بالرواح الذي يرد في بعض النصوص؟
الرواح يكون بعد الظهر، يسمى رواحا، وكذلك العشية، عشية عرفة يعني: آخر النهار، والوقوف معلوم أن النبي حينما وقف بعد الظهر، بعدما صلى الظهر، فهي عشية عظيمة عشية مباركة، نعم.
الإيمان بما قال الله في كتابه وصح عن نبيه كما ورد
قال -رحمه الله-: فآمنوا بما قال الله -سبحانه وتعالى- في كتابه وصح عن نبيه، وأمرُّوه كما ورد من غير تعرض لكيفية أو اعتقاد شبه أو مثلية أو تأويل يؤدي إلى التعطيل، ووسعتهم السنة المحمدية والطريقة المَرضِيَّة ولم يتعدوها إلى البدعة المُرْدِيَّة الرَّدِيَّة؛ فحازوا بذلك الرتبة السنية والمنزلة العلية.
نعم، يقول المؤلف: "فآمنوا" يشير إلى صالح السلف وخيار الخلف والسادة الأئمة وعلماء الأمة، يقول: "صالح السلف وخيار الخلف وسادة الأئمة وعلماء الأمة، اتفقت أقوالهم وتطابقت آراءهم على الإيمان بالله -عز وجل-"، ثم قال: "فآمنوا" الضمير يعود إليهم، يعني: فآمنوا صالح السلف وخيار الخلف والسادة الأئمة وعلماء الأمة اتفقت آراءهم على الإيمان بالله، فآمنوا بما قال الله -سبحانه- في كتابه وصح عن نبيه، يعني: آمنوا بما جاء في الكتاب العزيز وبما صح في السنة النبوية المطهرة.
"وأمرُّوه كما ورد" يعني: النصوص، المراد نصوص الصفات، "أمروه كما ورد من غير تعرض للكيفية" يعني: نصوص الصفات وإلا فالأحكام فهم يعلمونها ويفسرونها ويؤولونها على تأويلها الذي دلت عليه النصوص، أما الصفات فهي أمروها كما وردت من غير تعرض لكيفية، فالاستواء والنزول والعلم والقدرة والسمع والبصر كلها يمررونها كما جاءت.
يثبتون المعنى ولا يتعرضون للكيفية، من غير تعرض لكيفية أو اعتقاد شبهة أو مثلية، لا يقولون: إن استواء الله كيفيته كذا أو يشبه كذا أو مثل كذا.. لا يتعرضون للكيفية ولا للتشبيه ولا للمثلية، "أو تأويل يؤدي إلى التعطيل" كذلك ما يؤولون استوى، يقولون استوى بمعنى استولى؛ لأن هذا التأويل يؤدي إلى التعطيل، التعطيل يعني تعطيل الصفة ونفيها وهم لا يكيفون بكيفية صفة الاستواء ولا يشبهونها ولا يمثلونها ولا يحرفونها بما يؤدي إلى تعطيل الصفة ونفيها.
"ووسعتهم السنة المحمدية"، "وسعتهم السنة" يعني: اكتفوا بالسنة، "السنة المحمدية" التي جاء بها محمد "والطريقة المرضية" هي الطريقة التي رضيها الله لعباده ورضيها الصحابة، "ولم يتعدوها إلى البدعة" ما تجاوزوا السنة إلى البدعة، والبدعة كل حدث في الدين، كل حدث في الدين فهو بدعة، قال -عليه الصلاة والسلام-: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد متفق على صحته وفي لفظ لمسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد لم يتجاوزوا السنة إلى البدعة.
والبدعة وصفوها بأنها "مُردية ردية" يعني: تردي صاحبها، هي مردية في نفسها وتردي صاحبها، يعني: توصله إلى الردى، "فحازوا بذلك الرتبة السنية والمنزلة العلية" يعني: الصحابة والتابعون والأئمة والعلماء لما آمنوا بما جاء عن الله وعن رسوله ولم يكيفوا الصفات ولم يؤولوها ولم يبتدعوا ولم يوافقوا أهل البدعة حازوا بذلك الرتبة السنية الشريفة والمنزلة العلية، وهي المنزلة العالية، حيث حازوا الله وأعد لهم وأثابهم الثواب العظيم ورفع درجاتهم ومنزلتهم في الجنة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، نعم.
بعد هذا إن شاء الله نمشي في الرسالة، والمؤلف بدء يتكلم عن الصفات وبدأ بصفة الاستواء، وهي من الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين أهل البدع، وساق النصوص في هذا، وسوف نمشي إن شاء الله في الأيام القادمة.
هذه مجموعة من الأسئلة وصلت عن طريق شبكة المعلومات من دولة الكويت.
س: الأخ يسأل يقول: كيف التوفيق بين أن الرسول هو سيد المرسلين، وبين قوله السيد هو الله؟
ج: لا منافاة بينهما: فالنبي لما قال الصحابي له: أنت سيدنا. قال: السيد الله يعني: السيد على الإطلاق، كلمة السيد على الإطلاق هو الله والنبي خاف عليهم من الغلو، لئلا يغلوا فيه، ولما قالوا: أنت سيدنا وابن سيدنا وخيرنا وابن خيرنا، قال: أيها الناس قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستدرجنكم الشيطان، أنا عبد الله ورسوله فهذا قاله من باب حماية جناب التوحيد وسد كل طريق يوصل إلى الشرك.
والسيد إذا أريد على الإطلاق هو الله أما إذا أضيف، قال النبي قوموا لسيدكم سعد بن معاذ لما جاء وهو على حمار قال: قوموا لسيدكم. بالإضافة، سيد هنا بالإضافة، فالرسول هو سيدنا، قال -عليه الصلاة والسلام-: أنا سيد الناس ولا فخر وهو سيد المرسلين، أما السيد على الإطلاق فهو الله، والنبي سيد الأنبياء والمرسلين، سيد الناس هو الرسول والله -تعالى- هو السيد على الإطلاق، نعم.
المخاطبة بقولهم: سيدي فلان.
لا بأس، إذا كان عبدا فلا بأس أن يقول: سيدي فلان، وجاء في الحديث: لا يقول أحد: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي، وليقل سيدي ومولاي فالسيد بالإضافة لا بأس بها، لا بأس بالإضافة: سيد بني فلان، قوموا لسيدكم.. إذا كان سيدا مطاعا فيهم، لكن السيد على الإطلاق هو الله، نعم.
س: أحسن الله إليكم، يقول: يطلق العلماء اسم المعطلة كثيرا، هل لهم مفهوم واضح لها، بمعنى أنها تطلق مثلا على الجهمية أو الأشاعرة أو المعتزلة، وأن هذا لفظ يطلق على كل معطل وبالتالي لا يخص به جماعة؟
ج: المعطلة عام، اسم عام لكل من عطل الرب -سبحانه وتعالى-، والتعطيل أنواع: أن يكون تعطيلا كليا، تعطيل المصنوعات من صانعها هذا تعطيل، المعطلة الذين أنكروا وجود الرب عطلوا المصنوعات من صانعها، هذا تعطيل كامل، كالملاحدة الذين أنكروا وجود الرب من الشيوعيين والدهريين وغيرهم يقال لهم معطلة، فالتعطيل كامل لأنهم عطلوا المخلوقات من خالقها وعطلوا المصنوعات من صانعها فقالوا: هذه المخلوقات ليس لها خالق، وهذه المصنوعات ليس لها صانع، عطلوها من خالق وصانع.
وهناك تعطيل الخالق من صفاته، فالذين نفوا الأسماء والصفات كالجهمية هم معطلة أيضا، والذين أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات أيضا معطلة، والأشاعرة معطلة؛ لأنهم عطلوا بعض الصفات، فالمعطلة أنواع منهم الكافر ومنهم المبتدع، على حسب التعطيل، فالتعطيل الكامل كالملاحدة الذين عطلوا المخلوقات وأنكروا وجود الله، وكذلك الجهمية الذين عطلوا الله من الأسماء والصفات، هؤلاء ملاحدة أيضا؛ لأن إنكار الأسماء والصفات إنكار لوجود الرب، ليس هناك شيء موجود إلا بأسماء وصفات، فالذي ليس له اسم ولا صفة لا وجود له، والمعتزلة معطلة لأنهم عطلوا الرب من صفاته، والأشاعرة معطلة لأنهم عطلوا الله من بعض الصفات فينفون بعض الصفات وأثبتوا الأسماء، نعم.
س: أحسن الله إليكم، يقول: هل الفرد اسم من أسماء الله عز وجل؟
ج: أنا قلت في شرح المقدمة: إن الفرد لا أعلم أنه اسم من أسماء الله وإنما أسماؤه الأحد والصمد، الأحد كاف عن الفرد، أما الفرد فلا أعلم أنه ورد أنه من أسماء الله، نعم.
س: أحسن الله إليكم، يقول: اتفقت كل أقوال أهل السنة على أن لكل اسم من أسماء الله صفة تشتق من الاسم، ولكن هذا لا يظهر من اسم الرب والإله والله، فهي أسماء لا تشتق منها الصفة.
ج: الرب -سبحانه وتعالى- له صفة الربوبية، ويشتق من صفة الربوبية، والإله وهو المألوه المعبود، والمعبود صفة الألوهية، من قال لك؟! الرب صفة الربوبية، والإله صفة الألوهية، كل اسم، الرحمن صفة الرحمة، كل اسم مشتمل على صفة، نعم، الرب صفة الربوبية والإله صفة الألوهية، الله مشتمل صفة الألوهية، نعم.
س: يقول: هل من أنكر صفة من صفات الله كُفرُه خارج عن الدين، أم يكتفى بالقول بأنهم مبتدعة فقط مع دخولهم تحت مسمى الإسلام؟
ج: فيه تفصيل، هذا فيه تفصيل، إذا أنكر الصفة -جحد الصفة- بعد معرفتها وأنكر: ( ) وأنكر الاستواء فهذا يكفر؛ لأنه أنكر من المعلوم من الدين بالضرورة، ولأنه كذب الله، أما من أول الصفة بشبهة فهذا لا يكفر، فالذي يقول: أنا أثبت الاستواء: ( ) أثبت الاستواء ولكن معناها استولى، بشبهة حصلت له، هذا لا يكفر لأنه متأول، أما الذي ينكر الاستواء يقول: لا أقول فيه استواء. منكر أنكر الاستواء، هذا كذب الله ومن كذب الله كفر.
فرق بين الجاحد وبين المتأول، فالجاحد هذا أنكر والمنكر يكفر، قال -تعالى-: ( ) فمن جحد اسما من أسماء الله أو صفة من صفاته كفر من غير تأويل، ومن تأولها بشبهة فلا يكفر؛ لأنه له شبهة يعذر بها -الشبهة-، فالذي ينكر الاستواء هذا جاحد كافر، والذي ما ينكر الاستواء ولكن يتأول يقول: استوى بمعنى استولى لشبهة حصلت له هذا غير جاحد، فرق بين الجاحد وبين المتأول، نعم.
س: أحسن الله إليكم، يقول: هل نفي الصفات عن الله -تعالى- كالإثبات، ينبغي أن يكون بنص من الكتاب والسنة، أم يجوز للمرء أن ينفي عن الله ما شاء من الصفات التي لا ينبغي أن يتصف بها الرب دون التقيد بالنصوص؟
ج: الأسماء والصفات توقيفية لا يسمى الله إلا بما سمى به نفسه وسماه به رسوله، وكذلك الصفات لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، أما ما عدا ذلك فينفى عن الله صفات النقائص والعيوب على الإجمال، ويثبت له الوصف الكامل، قال -تعالى-: ( ) تُنفَى عن الله النقائص كما نفاها عن نفسه: • ( ) ( ) ( ) • ( ) تنفى النقائص والعيوب.
القاعدة في الأسماء والصفات أن الأسماء والصفات تثبت كل صفة وكل اسم على حسب ما ورد، وأما النقائص والعيوب فإنها تنفى عن الله إجمالا كما نفاها عن نفسه، ليس له مثيل: • ( ) ( ) ( ) ما بقي شيء، جميع النقائص كلها نفيت، أما أن تأتي أو يأتي يثبت يقول: أنا أثبت لله كذا، أثبت لله كبدا، أثبت لله أمعاء.. نقول: لا، هذا باطل؛ الأسماء والصفات توقيفية ما + شيء.
والنفي تنفي عن الله جميع النقائص التي نفاها عن نفسه، نفى الله جميع النقائص كلها والعيوب في قوله: ( ) • ( ) ( ) ( ) ( ) ما في شيء بقي بعد هذا، ماذا تريد بعد هذا؟ تريد تثبت أشياء ما وردت في الكتاب والسنة؟! مردود، انفِ النقائص والعيوب كما نفاها الله عن نفسه إجمالا، نعم، كذلك نفى الله الولد بخصوصه؛ لأن المشركين نسبوا لله ولدا، فإذا جاء بعض النقائص صفة عن الله فهي رد، جاءت في الرد على من يصف الله بهذه النقيصة كالولد، وإلا فالقاعدة أن العيوب والنقائص تنفى عن الله إجمالا إلا فيما ورد تفصيلا، فإنه للرد على من وصف الله بهذه النقائص قال: • ( ) نفى الله عن نفسه الولد.
س: يقول: ما معنى القديم، وهل يجوز وصف صفات الله -تعالى- بالقديمة؟
ج: نعم جاء في الحديث: وسلطانه القديم والقديم ليس من أسماء الله، القديم لأنه ما من قديم إلا وقبله شيء، ولأن القديم يشعر بالقدم والبلى؛ ولهذا أنكر العلماء على الطحاوي حينما قال: قديم بلا ابتداء، قالوا: ليس من أسماء الله القديم، لكنه قيده بقوله: بلا ابتداء، وجاء في النصوص اسمه الأول، فالأول الذي ليس قبله شيء، وهو يشعر بأن كل شيء آيل إليه وليس فيه مخلوق، أما القديم فالقديم ليس من أسماء الله، نعم, قال -تعالى-: ( ) فالعرجون يوصف بأنه قديم لوجود العرجون الجديد، صار قديما بالنسبة للجديد، نعم.
س: أحسن الله إليكم: هل كل صفة كمال في الخالق تكون صفة كمال في المخلوق والعكس؟
ج: لا، ليس هذا, صفة الولد صفة كمال في المخلوق وهي نقص في الخالق، من أعظم الجرائم، وصف الله بأنه له ولد أمر عظيم، حتى قال الله -تعالى-: ( ) أمر عظيم تكاد السماوات أن يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال بهذا العظيم، وهي نسبة الولد إلى الله، وهو كمال في المخلوق والله منزه عن هذا، و الكبر كمال لله والمخلوق ليس له أن يتكبر، نقصٌ وضعف فيه، نعم.
س: يقول: نهى كثير من العلماء عند حديث أنس عن النبي إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن والحديث أنه يحرك أصابعه تمثيلا لذلك، وهناك حديث اليهودي الذي أشار للنبي إن الله خلق السماوات على إصبع فهل هذا يدل على جواز التمثيل بالأصابع للحديثين أم لا؟
ج: لا، ما جاء في هذا فالمراد به تحقيق الصفة كما جاء في قوله: ( ) وأشار إلى عينيه وأذنيه فالمراد تحقيق الصفة، وليس المراد أن الصفة صفة حقيقية، ولا يجب للإنسان أن يمثل شيئا ويقصد بذلك التمثيل، ولكن إذ كان هناك ما جاء من النصوص إنما المراد به تحقيق الصفة وأنها صفة حقيقية، وليس المراد التشبيه، ولا يحتاج الإنسان أنه يشير بإصبعه أو إصبعين، ما نعرف أنه أشار بإصبعه، تحتاج إلى مراجعة وتأمل، نعم.
والبينية، البينية واسعة، والبينية في اللغة العربية هي السحاب المسخر بين السماء والأرض، ما يلزم من هذا ما يفهمه بعض المشبهة وأنه يلزم من ذلك مماسة القلوب لأصابع الرب -تعالى الله-؛ لأن البينية واسعة، قال الله -تعالى-: ( ) والسحاب ليس ملاصقا لا للسماء ولا للأرض، وهذه البينية يقلب قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، نعم.
س: استدراك حول سؤال الأخ قبل قليل، حَوْل قول: "السيد"، وقال: كيف نجمع بين قوله لا تسيدوني وبين: أنا سيد الناس ولا فخر ؟
ج: هذا من باب قوله: قولوا قولكم أو بعض قولكم قطعا من باب حماية جناب التوحيد، قال قولوا بقولكم أو: لما قالوا: سيدنا وابن سيدنا قال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستدرجنكم الشيطان وهذا لحماية جناب التوحيد، وقال في الحديث الآخر: أنا سيد الناس مثل قوله: لا تسيدوني ولما قالوا: أنت سيدنا، قال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم المراد حماية جناب التوحيد، وإلا فهو سيد الخلق وسيد الناس -عليه الصلاة والسلام-، نعم.
س: من ألمانيا هذا السؤال من أحد الإخوة الذين يتابعون هذا الدرس، يقول: أريد منكم يا شيخ أن تبينوا لنا منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع الفرق الأخرى كالصوفية والرافضة وغيرهم ممن ينتسبون للإسلام خاصة في بلاد الغرب.
ج: هذا سيأتي -إن شاء الله- في إرساء كيفية التعامل معهم أو معرفة مذهبهم، الصوفية طبقات تختلف أحوالهم، والرافضة معروف أن الرافضة يعبدون أهل البيت ويكفرون الصحابة، فإذا عرف أنهم يعتقدون هذا الاعتقاد وهم إن أظهروا ذلك فالإنسان لا يعاملهم معاملة المسلمين، وإن لم يظهروا ذلك وتستروا فيعاملون معاملة المسلمين إذا لم يظهر منهم ما يعتقدون، كما عامل النبي المنافقين عبد الله بن أبي وغيره، ومن أظهر منهم نفاقا عومل معاملة المشركين، نعم.
س: أيضا هذا من الكويت يقول: ما الضابط أن هذا من باب الإخبار وهذا من باب الأسماء، مثال: عبد المانع، عبد الهادي، هل هي أسماء أم ضابط إخبار فيما يبدو؟
ج: ما ورد في النصوص تسمية الرب به فهو من الأسماء وما لم يرد فليس من الأسماء، وإذا جاء فيه وهو لم يرد يكون من باب الخبر, إذا أخبر عن الله بذلك فلا بأس، قاعدة عند أهل العلم: باب الخبر أوسع من باب الصفات، يخبر عن الله بأنه ذات بأنه موجود، ويقال عنه بأنه صانع الأشياء وبأنه شيء وبأنه شخص، ولا يقال: إن من أسمائه الذات أو من أسمائه أنه موجود أو الشيء قال -تعالى-: ( ) فأخبر عنه بأنه شيء، قال لا شيء أكبر من الله، وقال عن إبراهيم يجادله في ذات الله، وكذلك خبيب، قال: وذلك في ذات الإله وإن يشأ.
هذه كلها من باب الخبر، باب الخبر أوسع من باب الأسماء، أما الأسماء والصفات فتوقيفية، فإذا سمى الله نفسه بشيء أطلق عليه نفسه شيئا وسماه به فهو من الأسماء، أو وصف نفسه أو وصفه به رسوله، وأما بعد ذلك يكون من باب الخبر، نعم.
س: يقول: لقد سعيت جاهدا في دعوة أهلي إلى طريق الخير تارة بشريط أو بكلمة وتارة برسالة، ولم ألحظ عليهم أي تغير أو قبول للدعوة، تراودني نفسي أن أعيش مثلهم ولا أهتم إلا بنفسي وأتركهم وشأنهم، فبماذا تنصحني؟
ج: أنصحك بالاستمرار وعدم اليأس وعدم الملل والسأم، لا بد من الصبر والاستمرار، من لم يصبر ويستمر انقطع عن الدعوة، لك أسوة في النبي وبالمرسلين والدعاة والمصلحين، هل ملوا هل انقطعوا؟! لازِمْ الصبر والاستمرار، نوح -عليه السلام- مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله، وكذلك نبينا -عليه الصلاة والسلام- استمر في دعوته والصحابة استمروا في دعوتهم، الداعية عليه أن يستمر في دعوته وأن يصبر؛ ولهذا قال الله -تعالى- في صفات الرابحين • ( ) فهذه هي صفات الرابحين.
فهي علم، هي إيمان مبني على العلم الصحيح، وعمل أداء للواجبات، ودعوة إلى الله وصبر، هذا الصبر استمرار، فالذي لا يصبر تريد أن تلغي الصفة الرابعة، تتخلى عن الصفة الرابعة وهي الصبر فتنقطع فلا تكون في ركب الدعاة، اصبر لا بد من الصبر والاستمرار ولا تيئس وأنت على خير سواء قبلوا أو لم يقبلوا، لكن استمر ولا تيئس واصبر ولك أسوة بالرسل، قال الله -تعالى- عن لقمان أنه قال لابنه: • ( ).
قال -سبحانه- • ( ) "إلا الذين صبروا" استثناهم الله، "وعملوا الصالحات" فلا بد من الصبر، من لم يصبر لا يستطيع أن يؤدي الواجبات ولا أن يترك المحرمات ولا أن يسير في طريق الدعوة ولا يأمر بمعروف وينهى عن منكر، ما يستطع أن يصبر فيستمر، فلا بد من الصبر والتحمل، تحمل الأذى واحتساب الأجر، وفق الله الجميع لطاعته ورزق الله الجميع العلم النافع وعلم السلف، وثبت الله الجميع على الهدى، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه.
صفة الاستواء
الأدلة على صفة الاستواء من الكتاب والسنة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، قال الإمام الحافظ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور المقدسي في كتاب ( الاقتصاد في الاعتقاد ):
فمن صفات الله -تعالى- التي وصف بها نفسه ونطق بها كتابه وأخبر بها نبيه أنه مستوٍ على عرشه كما أخبر عن نفسه، فقال -عز من قائل- في سورة الأعراف: ( ) وقال في سورة يونس -عليه السلام-: ( ) وقال في سورة الرعد: ( ) وقال في سورة طه: ( ) وقال في سورة الفرقان: ( ) وقال في سورة السجدة: ( ) وقال في سورة الحديد: ( ).
فهذه سبعة مواضع أخبر الله فيها -سبحانه- أنه على العرش، وروى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق: "إن رحمتي سبقت غضبي"، فهو عنده فوق العرش .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على رسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
بدأ المؤلف -رحمه الله- الكلام في الصفات عن صفة الاستواء على العرش، وبعدها صفة العلو، وصفة الاستواء على العرش من الصفات التي تثبت علو الله على خلقه، وصفة العلو وصفة الاستواء كل منهما تدل على علو الله كل منهما في إثبات علو الله ولكن صفة الاستواء تدل على علو خاص وهو العلو على العرش، فصفة العلو تدل على إثبات علو الله على خلقه.
وإن كان كل من الصفتين -صفة الاستواء وصفة العلو- فيهما إثبات علو الله على خلقه إلا أن بينهما فرق، فصفة الاستواء إنما دل عليها النص ودل عليها النقل ولم يدل عليها العقل، فلولا أن الله أخبرنا في كتابه أنه استوى على العرش لما علمنا ذلك، بخلاف صفة العلو فإنه دل عليها العقل والنقل والفطرة، العلو -صفة علو الله على خلقه- ثابت بالعقل وثابت بالنقل -النصوص- وثابت بالفطرة، أما استواء الله على عرشه فإنه ثابت بالنقل، لولا أن الله أخبرنا في كتابه وعلى لسان رسوله أنه استوى على العرش لما علمنا ذلك.
فهذا من الفروق بين الصفتين -بين صفة الاستواء وصفة العلو- أن صفة الاستواء صفة دلت عليها النصوص والنقل ولكن العقل لم يدل على ذلك، بخلاف صفة العلو فإنما دل عليها النقل والعقل والفطرة، وصفة العلو والاستواء تدلان على إثبات العلو، من الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين أهل البدع، وهي من العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدع، فصفة العلو وصفة الكلام وصفة الرؤية، هذه الصفات الثلاث من العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدع، فمن أثبتها فهو من أهل السنة، ومن نفاها فهو من أهل البدع.
صفة العلو وصفة الكلام وصفة الرؤية، تجد الجهمية والمعتزلة والأشاعرة لا يثبتون هذه الصفات، الأشاعرة والجهمية والمعتزلة لا يثبتون صفة الاستواء ولا صفة العلو ولا صفة الرؤية ولا صفة الكلام، والأشاعرة يثبتون الرؤية على غير وجهه، أو يثبتون الكلام على غير وجهه، يثبتون الكلام لكن يقولون: إنه معنى نفسي وليس بحاصل على صورته، ويثبتون الرؤية ولكن في غير جهة، فهم لم يثبتوا صفة الرؤية على حقيقتها ولا صفة الكلام على حقيقته، أما العلو فهم ينفونه.
فتبين بهذا أن هذه الصفات من العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدع، ومن الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين أهل البدع العلو والكلام والرؤية، وصفة الاستواء تدل على العلو، تثبت علو الله على خلقه، إلا أن الاستواء على العرش إنما هو علو خاص على العرش، وصفة العلو في قوله -تعالى-: ( ) هذا علو، هذا إثبات صفة العلو على جميع المخلوقات، وأما الاستواء على العرش فهو علو خاص، فعل يفعله -سبحانه- كما يليق بجلاله وعظمته.
وصفة الاستواء على العرش دلت عليها النصوص من كتاب الله وسنة رسوله .
أما الكتاب العزيز فإن الله أثبت صفة الاستواء في سبعة مواضع، سبعة مواضع في كتاب الله سردها المؤلف -رحمه الله- وكلها جاءت بلفظ الاستواء، فجاءت بحرف ( على ) التي تدل على العلو والارتفاع: ( ) في سورة الأعراف وفي سورة يونس وفي سورة الرعد وفي سورة طه وفي سورة الفرقان وفي سورة السجدة وفي سورة الحديد، سبعة مواضع فقط، كلها دلت على ثبوت صفة الاستواء، وكلها جاءت بلفظ ( على ) التي تدل على العلو والارتفاع.
والمؤلف -رحمه الله- سردها أمامنا في سورة الأعراف في سورة الأعراف، قال الله -تعالى-: ( ) "استوى" تَعدَّت بـ ( على ) التي تدل على العلو والارتفاع، وفي سورة يونس قال -تعالى-: ( ) وفي سورة الرعد قال -تعالى-: ( ) وفي سورة طه: ( ) وفي سورة الفرقان: ( ) وفي سورة السجدة: ( ) وفي سورة الحديد: ( ).
سبعة مواضع لا ثامن لها في القرآن العظيم، وكلها جاءت بلفظ ( على ) التي تدل على العلو والارتفاع، فإن الاستواء يأتي له معان متعددة، المعنى الأول: أن يأتي متعديا بـ ( إلى ): ( ) وهي تدل على العلو، وأحيانا يتعدى بالواو التي تفيد المعية: • ( ) استوى الماء والخشبة، وتتعدى بلفظ ( على ) التي تدل على العلو والارتفاع.
ونصوص الاستواء جاءت كلها في سبعة مواضع، كلها جاءت بلفظ "استوى"، وبلفظ "على" التي تدل على العلو والارتفاع والاعتدال، يقول -سبحانه-: ( ) على ظهورها، وهذه المواضع السبعة كلها صريحة في علو الرب على العرش وعلى خلقه، علوه على العرش، والعرش سقف المخلوقات ليس فوقه شيء، وهو سقف المخلوقات، المخلوقات تنتهي من جهة العلو للعرش، سقف المخلوقات، والله -تعالى- فوق العرش بعدما تنتهي المخلوقات.
ولهذا فإن نصوص الاستواء السبعة كلها من أدلة علو الله على خلقه؛ لأن نصوص أدلة علو الرب على خلقه كثيرة، أفرادها تزيد على ثلاثة آلاف دليل كلها تدل على علو الله على خلقه، ولكنها أنواع، من أنواعها الاستواء والاستواء تحته سبعة أدلة، سبعة أفراد من الأدلة، يكون هذا نوعا من أدلة العلو، التصريح بأن الله استوى على العرش بلفظ ( على ) وهذا في سبعة مواضع، ولكن لو جمعت أفرادها لزادت على ثلاثة آلاف دليل ومع ذلك ينكرها أهل البدع.
وكونها صريحة وكثيرة، أنكر أهل البدع علو الله على خلقه، وقالوا: إن الله ليس فوق المخلوقات. وسلكوا أحد المسلكين: المسلك الأول... الذين أنكروا علو الله على خلقه سلكوا أحد المسلكين: المسلك الأول قالوا: إن الله مختلط بالمخلوقات، إن الله مع المخلوقات. وضربوا النصوص بعضها ببعض، وقالوا: إن أدلة المعية تبطل الفوقية وتناقضها، قوله: ( ) ( ) • ( ) قالوا هذه النصوص، نصوص المعية تناقض الفوقية وتبطلها، فقالوا بالاختلاط، وقالوا: إن الله مختلط بالمخلوقات. تعالى الله عما يقولون، حتى قالوا: إن الله في كل مكان. نعوذ بالله، ولم ينزهوه عن الأماكن القذرة، سبحان الله عما يقولون، قالوا: إنه في أجواف السباع (في بطون السباع)، وفي أجواف الطيور، وفي كل مكان. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
والطائفة الثانية -الذين أنكروا نصوص العلو والاستواء- قالوا بنفي النقيضين عن الله، قالوا بالنفي المحض، قالوا: إن الله لا يكون مع المخلوقات، لا فوق المخلوقات ولا مع المخلوقات. أين يكون؟ قالوا: يكون لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايد له، ولا متصل به ولا منفصل عنه. أيش يكون، أين يكون؟ يكون عدما؟ أشد من العدم، يكون ممتنعا مستحيلا، والمستحيل أشد من العدم، فهؤلاء أهل البدع -نسأل الله السلامة والعافية- طائفتان: طائفة أنكرت... طائفة قالوا بالاختلاط، وطائفة قالوا بنفي النقيضين.
استدل المؤلف -رحمه الله- على إثبات الاستواء من الكتاب العزيز بسبعة مواضع، واستدل من السنة بنصوص، منها حديث أبى هريرة في الصحيحين، وهو حديث قدسي أضافه النبي إلى ربه، يقول الله ... يقول أبو هريرة: سمعت رسول الله يقول: إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبـي .
فهو عنده فوق العرش، قوله: إن رحمتي سبقت غضبي هذا من كلام الله لفظا ومعنى، هو حديث قدسي؛ لأن الحديث القدسي قصد به قدسية الله، منسوب إلى الله، فهو من كلام الله لفظا ومعنى، مثل القرآن من كلام الله لفظا ومعنى، إلا أن القرآن له أحكام تختلف، كلام الله يتفاضل، بعضه أفضل من بعض؛ ولهذا "قل هو الله أحد" تعدل ثلث القرآن، فالقرآن له أحكام: منها أنه لا يمسه إلا متوضئ، ومنها أنه متعبد بتلاوته، ومنها أنه معجز في ألفاظه، والحديث القدسي ليس له ذلك، وإن كان من كلام الله، أما الحديث غير القدسي فهو من كلام النبي لفظا، ومن الله معنى، من النبي لفظا، ومن الله معنى.
قال -تعالى- عن نبيه الكريم: ( ) في هذا الحديث يقول النبي إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي فهو عنده فوق العرش، والشاهد قوله: فهو عنده فوق العرش إثبات الفوقية، فهو عنده فوق العرش، إذن الله فوق العرش، فوق العرش عنده، والكتاب عنده، وعنده في أي مكان؟ فوق العرش فهو عنده فوق العرش، هذا صريح في إثبات الفوقية، والحديث رواه الشيخان وغيرهما: رواه البخاري في صحيحه، ومسلم في صحيحه، وغيرهما، فالحديث فيه: فهو عنده فوق العرش .
الشاهد من الحديث أو وجه الدلالة إثبات العندية، فهو عنده، وأنه فوق العرش، إذن هو هذا الكتاب عنده في أي مكان؟ فوق العرش. ودل على أن الله فوق العرش، ففيه إثبات الفوقية، والحديث يدل على صفات أخرى أيضا، يدل على صفة الرحمة: إن رحمتي صفة الغضب، صفة الكتابة: إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق وصفة العلو، فيدل الحديث على أربع صفات: صفة الكتابة، صفة الرحمة، صفة الغضب، صفة الفوقية.
يقول: فهو عنده فوق العرش. النصوص الكثيرة دلت على أن العرش هو سقف المخلوقات، وهذا الكتاب فوق العرش، كيف الجمع بينهما؟
العرش سقف المخلوقات، أحاديث كثيرة تدل على أن العرش... نصوص كثيرة تقول: العرش سقف المخلوقات، وليس فوقه شيء، والله فوق العرش، وهذا الحديث فيه أن الله فوق العرش، فكيف الجمع بينهما؟ الجمع بينهما أنه قال: هذا مستثنى، هذا خاص وهذا عام، هذا مستثنى خاص، مستثنى، هذا الكتاب مستثنى فوق العرش، والخاص عند أهل العلم يقضي على العام، الخاص يقضي على العام، النصوص عامة في أن العرش سقف المخلوقات، وهذا خاص استثناء هذا الكتاب، نعم.
وهناك فرق أيضا بين الاستواء -أيضا- والعلو، فرق آخر: هو أن العرش... الاستواء من الصفات الفعلية، والعلو من الصفات الذاتية، فيكون الفرق بين صفة الاستواء وصفة العلو من جهتين (من وجهين):
الوجه الأول: أن صفة العرش من الصفات الفعلية، فعل يفعله -سبحانه-، وكان بعد خلق السماوات والأرض، متى كان الاستواء؟ بعد خلق السماوات والأرض قال: ( ) الله -تعالى- خلق الأرض أولا، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض، ثم استوى على العرش.
إذا كان الاستواء بعد خلق السماوات والأرض إذن... والصفات الفعلية هي التي تتعلق بالمشيئة والاختيار، مثل: الغضب، ومثل: الرضا والاستواء والنزول، تتعلق بالمشيئة والاختيار، متى شاء نزل، ومتى شاء غضب، يغضب إذا شاء، وكذلك الاستواء، فكان في وقت مستويا، وفي وقت ليس مستويا، في وقت قبل خلق السماوات والأرض لم يكن مستويًا على العرش، ثم استوى على العرش، أما العلو فهو من الصفات الذاتية التي لا ينفك عنها الباري -سبحانه وتعالى-، فلا يقال: إنه في وقت عال، وفي وقت ليس عاليا. لا، في جميع الأوقات عال، في جميع الأوقات عال على خلقه، ومنها العرش، الله -تعالى- فوق المخلوقات كلها ومنها العرش، إذن ما معنى الاستواء على العرش؟
الاستواء على العرش صفة أخرى، فعل يفعله، علو خاص على العرش، الله أعلم بكيفيته، أما العلو فهو عام مطلق، لا ينفك عن الباري، عال على جميع المخلوقات ومنها العرش، أما الاستواء فهو علو خاص على العرش، هذا الفارق الأول، والفارق الثاني: أن العلو دل عليه العقل والنقل والفطرة، وأما الاستواء دل عليه النقل فقط، دلت عليه النصوص، ولولا أن الله أخبرنا بالاستواء، لما علمنا بذلك، أما العلو دل عليه العقل والفطرة، فطر الله الخلائق على أن الله في العلو، حتى البهائم العجماوات ترفع رأسها إلى السماء، فيكون الفرق بين الاستواء والعلو من هاتين الجهتين، نعم.
قال -رحمه الله-: وروى العباس بن عبد المطلب أن النبي ذكر سبع سماوات وما بينها، ثم قال: وفوق ذلك بحر، بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، ما بين أظلافهن وركبهن ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهن العرش، ما بين أعلاه وأسفله ما بين سماء إلى سماء، والله -تعالى- فوق ذلك رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه القزويني.
هذا الحديث هو الدليل الثاني من الأدلة من السنة، التي استدل بها المؤلف -رحمه الله- على العلو، على علو الله على العرش وعلى جميع المخلوقات، هو حديث العباس بن عبد المطلب عم النبي وفيه النبي ذكر سبع سماوات، بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، ثم فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين السماء إلى السماء، يعني: مسيرة خمسمائة عام. ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، ملائكة يعني، ملائكة على خلق الأوعال، صفتهم على خلق الأوعال، يحملون العرش. فوق ذلك ثمانية أوعال، ما بين أظلافهن وركبهن ما بين سماء إلى سماء، يعني: بين أظلافهن وركبهن كما بين السماء والأرض. ثم فوق ظهورهن العرش.
العرش ما بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، يعني: مسيرة خمسمائة عام. تكون المسافات كلها من الأرض إلى السماء الدنيا خمسمائة عام، وبين كل سماء إلى سماء خمسمائة عام، وجاء في الحديث الآخر: كف كل سماء -يعني: غلظ كل سماء- مسيرة خمسمائة عام، وفوق السماء السابعة بحر، بين أعلاه وأسفله كما بين السماوات (خمسمائة عام)، ثم ثمانية أوعال بين ركبهن وأظلافهن خمسمائة عام، ثم العرش ما بين أعلاه وأسفله خمسمائة عام .
فيكون الجميع ما يقارب كل خمسمائة عام، تجمع ما يقارب ما بين خمسين ألفا تقريبا، كما جاء في بعضها: أنه ما بين العرش إلى الفرش مسيرة خمسين ألفا يعني: إذا ضربت خمسمائة عام، نعم؟ لا، هي خمسمائة ألف أو ما يقارب من هذا، أشار إليها ابن القيم -رحمه الله- في "الكافية الشافية"، يقول: إن هذه المسافة، يعني بعد أن تزول السماوات يوم القيامة... وتكلم عن قوله -تعالى-: ( ) خمسين ألف سنة في سورة "سأل سائل بعذاب واقع"، خمسين ألف سنة، وفي "سورة السجدة" قال -تعالى-: ( ).
والجمع بين الآيتين هو أن هذا في الدنيا، وهذا في يوم القيامة، فهذا الحديث فيه بيان هذه المسافات.
والشاهد من الحديث قوله: والله -تعالى- فوق ذلك، أن العرش هو سقف المخلوقات -فوق ظهور الأوعال العرش-، والله فوق ذلك. ففيه إثبات العلو، والحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، كما ذكر المؤلف -رحمه الله-، والحديث سنده ضعيف (فيه ضعف)؛ في سنده سماك، عن عبد الله بن عميرة، وفيه ضعف، ولكن الحديث له شواهد؛ ولهذا حسنه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وابن القيم، وذكره الإمام المصلح المجدد: الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد، في آخر باب من كتاب التوحيد، حديث العباس بن عبد المطلب، وهم يرون أن الحديث حسن بشواهده، الحديث وإن كان سنده ضعيفا، لكن له شواهد يتقوى بها؛ فلهذا احتج به شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، والشيخ الإمام المصلح وغيرهم، والمؤلف هنا، وكذلك في كتب السنة، كلٌ استدل به، استدل به أبو داود وابن ماجه، وابن خزيمة في كتاب التوحيد، وابن أبي عاصم في كتاب السنة، والإمام أحمد في المسند، والذهبي في العلو، وذلك لأن الحديث وإن كان سنده ضعيفا، إلا أن له شواهد يتقوى بها؛ فلهذا احتج به العلماء والأئمة. نعم.
أحسن الله إليكم، أسئلة كثيرة وردت حول هذا الموضوع: عن الأظلاف والأوعال، ما هي؟ وصحة الحديث.
بعد الدرس، الأسئلة تكون في آخره، بعد الأذان.
قال -رحمه الله-: وقالت أمُّ سلمة زوجُ النبي ومالكُ بنُ أنس في قوله ( ) الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر. وروى أبو هريرة .
هذا الأثر عن أمِّ سلمة -رضي الله عنها-، قالت أمُّ سلمة زوجُ النبي ومالكُ بنُ أنس، في قوله ( ) قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر.
الاستواء غير مجهول، يعني غير مجهول معناه في اللغة العربية. والكيف غير معقول، يعني: كيفية استواء الرب لا يعقل ولا يعرف. والإقرار به إيمان، يعني: يجب على الإنسان أن يقر بأن الله استوى على العرش. والجحود به كفر؛ لأنه إنكار لكلام الله وهذا الأثر مأثور عن أم سلمة -رضي الله عنها-، وأثر عن الإمام مالك بن أنس، وأثر عن ربيعة شيخ الإمام مالك، وله ألفاظ، ومشهور عن الإمام مالك بلفظ: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
ثبت عن الإمام مالك -رحمه الله- كان يحدث في مجلس الحديث، فجاءه رجل وهو يحدث، وقال: يا مالك، ( ) كيف استوى؟ فوقف الإمام مالك -رحمه الله- مليا، سكت وأطرق رأسه حتى علت الرحواء -يعني: تصبب عرقا من شدة هذا السؤال عليه-، ثم رفع رأسه وقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا رجل سوء. فأمر به أن يخرج من مجلسه (من مجلس الحديث) ويبعد.
فقال: الاستواء معلوم. يعني: معلوم معناه في اللغة العربية. الاستواء معلوم؛ لأن الله -تعالى- أمر بتدبر القرآن والتفكر فيه وتدبر معانيه، ولم يستثن شيئا ما قال آية الاستواء هذه لا تفهمونها، فإنكم لا تفهمونها، قال -سبحانه-: ( ) ( ) ( ) ( ).
فالاستواء معلوم معناه في اللغة العربية، معناه استوى: استقر وعلا وارتفع وصعد واستقر، العلماء لهم أربعة معاني في الاستواء: استقر وعلا وصعد وارتفع. وهذه المعاني الأربع تدور عليها تفاسير السلف في لفظ الاستواء، فالله -تعالى- مستو على عرشه حقيقة في هذه المعاني الأربعة، على وجه يليق بجلاله وعظمته، الكيفية غير معلومة، ما نعلم كيف استوى، لكن نعلم المعنى، معنى استوى: استقر علا وصعد وارتفع. والكيف مجهول، والإيمان به واجب؛ لأنه كلام الله، والسؤال عنه بدعة، ما يسأل عن الكيفية.
فهذه المقالة رويت عن أم سلمة -رضي الله عنها-، ولكن في سنده ضعف، وروي عن الشيخ الإمام ربيعة أيضا أنه قاله، وروي عن الإمام مالك -رحمه الله-، أما ما روي عن الإمام مالك فهو صحيح، والأمة تلقته بالقبول عن الإمام مالك، وهذا يقال في جميع الصفات، ليس خاصا بالاستواء، فإذا قال قائل: ما معنى النزول؟ أو كيف النزول؟ نقول: النزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. إذا قال قائل: الله -تعالى- يتصف بالعلم، كيف العلم؟ نقول: العلم معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
كذلك الصفات: الرحمة، الله -تعالى- من صفته الرحمة، فكيف الرحمة. نقول: الرحمة المعنى معلوم، والكيف به مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. هذا عام في جميع الصفات، وتلقت العلماء هذه المقالة عن الإمام مالك بالقبول، ورواية أم سلمة -رضي الله عنها- روتها كتب السنة والعقائد، فرواها اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة"، كذلك استدل بها شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى وفي غيرها، وقال: إن هذا الجواب روي عن أم سلمة موقوفا ومرفوعا، ولكن إسناده مما لا يعتمد عليه، وكذلك الصابوني في "عقيدة السلف وأصحاب الحديث" رواه، وأخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" وغيره، لكن سنده ضعيف في الرواية عن أم سلمة، وكذلك أيضا في رواية ربيعة شيخ الإمام مالك، أما الإمام مالك فهذا ثابت عنه.
وقصد المؤلف -رحمه الله- من هنالك أن يستدل بقول الإمام مالك وأم سلمة، وأن الأمة تلقتها بالقبول، وأن الصحابة فهموا من النصوص الاستواء علو الله على خلقه، وأن هذا معلوم عند الصحابة، وفهموا النصوص بهذا؛ ولهذا فسر الإمام مالك وأم سلمة وربيعة، كلهم فسروا هذه الآية بأي شيء؟ ( ) فسروها بالعلو، قال: الاستواء غير مجهول، أو الاستواء معلوم. يعني: معلوم معناه في اللغة العربية، وهو الصعود والعلو والارتفاع والاستقرار، فدل على علو الله على خلقه، وأما الكيفية فهي مجهولة، وأما الإيمان به فهو واجب، يجب الإيمان بالاستواء؛ لأن الله أخبره عن نفسه، وأما السؤال عن الكيفية فهو من البدع. نعم.
صفة العلو
الأدلة على صفة العلو
قال -رحمه الله-: وروى أبو هريرة أن رسول الله قال: والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى .
نعم، وهذا أيضا دليل من السنة على إثبات العلو، المؤلف -رحمه الله- بدء بصفة الاستواء، ثم ثنى بصفة بالعلو، وسيذكر بعدها صفة العلو مستقلة، ولها أدلة خاصة؛ لأن الاستواء علو خاص، فلهذا ذكر سبعة أدلة من القرآن تثبت الاستواء، ثم بعد ذلك ذكر الأدلة التي تثبت العلو، فهذا الدليل هو حديث أبي هريرة دليل على ثبوت صفة العلو لله والحديث صحيح رواه الشيخان (البخاري ومسلم) وغيرهما.
يقول النبي والذي نفسي بيده هذا قسم، والنبي هو الصادق وإن لم يقسم، لكن للتأكيد (تأكيد المقام)، والذي نفسي بيده، نفوس العباد كلها بيد الله، وفيه إثبات اليد لله ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى والذي في السماء الملائكة، والله -تعالى- فوق ذلك, الله -تعالى- فوق العرش، والسماء إذا أطلقت المراد بها العلو (جهة العلو)، والله -تعالى- له أعلى العلو، وهو فوق العرش الذي في السماء، يعني: في العلو. ليس المراد في السماء يعني الطباق المبنية، إذا أطلق السماء فالمراد به العلو، وكل ما علا فوق رأسك فهو علو، والله -تعالى- له أعلى العلو، وهو فوق العرش.
وإذا أريد بالسماء: الطباق المبنية، فتكون "في" بمعنى "على"، قوله -تعالى-: • ( ) يعني: من في العلو. وإذا أريد بالسماء الطباق المبنية، تكون "في" بمعنى "على"، والمعنى: أأمنتم من علا في السماء. كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى وهم الملائكة والرب -سبحانه وتعالى- فوق ذلك، وهذا يدل على أن امتناع المرأة من فراش زوجها بغير سبب من كبائر الذنوب؛ لأنه أثبت أن الله يسخط عليها. وفيه إثبات السخط لله، وهو من الصفات الفعلية، فيه إثبات السخط لله (صفة السخط)، وصفة العلو وصفة السخط لله وهذا فيه تحذير من امتناع المرأة من فراش زوجها بدون سبب، وأنها إذا فعلت ذلك فقد ارتكبت كبيرة، وفي الحديث الآخر: إذا دعا الرجل امرأته فلم تأته، لعنتها الملائكة حتى تصبح نعم.
قال -رحمه الله تعالى-: وروى أبو سعيد الخدري أن النبي قال: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟! يأتيني خبر من في السماء صباحا ومساء .
نعم، وهذا أيضا الدليل السادس استدل به المؤلف على صفة العلو، وأن الله في العلو فوق المخلوقات، يقول النبي ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟! يأتيني خبر من في السماء صباحا ومساء ووجه الدلالة قوله: من في السماء في موضعين: الموضع الأول قوله: وأنا أمين من في السماء والثاني يقول: يأتيني خبر من في السماء والمراد بالسماء: العلو (السماء: العلو). والله -تعالى- له أعلى العلو، وهو فوق العرش، فهذا دليل على صفة العلو، والحديث صحيح متفق على صحته الشيخان (البخاري ومسلم) وغيرهما: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟! يأتيني خبر السماء صباحا ومساء فيه إثبات صفة العلو، وأن الله -تعالى- فوق مخلوقاته. نعم.
قال -رحمه الله-: وروى معاوية بن الحكم السلمي أن النبي قال لجاريته: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة رواه مسلم بن الحجاج وأبو داود وأبو عبد الرحمن النسائي.
ومن أجهل جهلا وأسخف عقلا، وأضل سبيلا ممن يقول: إنه لا يجوز أن يقال أين الله؟ بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله: أين الله؟!
نعم هذا الدليل السابع، حديث معاوية بن الحكم السلمي، والحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه: أن النبي قال للجارية: أين الله؟ قالت: في السماء. قال من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة وفي ذلك أن معاوية بن الحكم السلمي له جارية -يعني: أمة اشتراها- ترعى الغنم له عند جبل أحد، فأبصرها من بعيد وجاء الذئب وأخذ شاة، فغضب معاوية كيف تترك الجارية ما تطرد الذئب أكل الشاة؟ فجاء فصكها، ثم ندم وخاف، وجاء إلى النبي وأخبره بـأنه صكها، فالنبي شدد عليه فقال: يا رسول الله، إني أعتقها. قال: ألا وإن لم تفعل للفحتك النار .
أعتقها من أجل أنه صكها وضربها مسكينة، أكلها الذئب بدون اختيار، حاولت الدفع ما استطاعت، صكها معاوية، قال: يا رسول الله، أنا آسف كما يأسف بنو آدم، صككتها. قال: هات الجارية اختبرها هل هي مؤمنة ولا غير مؤمنة؟ قال أين الله؟ قالت: في السماء. قال من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة .
استدل بذلك على إيمانها؛ لأنها أثبتت أنا الله في العلو، وأهل البدع يؤولون هذا للحديث مثل: الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، هذا الحديث غصة في حلوقهم؛ لأن كلمة "أين" إنما يسأل بها عن المكان، أين الله؟ أين مكانه؟ في السماء. فقالوا: ما يمكن يسأل عن الله بـ"أين". حتى خطئوا النبي وخطئوا الجارية، قالوا: الجارية عجمية ما تفهم، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- سألها أين الله؟ سؤال فاسد هذا، ما يسأل عن الله بـ"أين"؛ لأنه لو سألت عنه بـ"أين"، لكان فيه تحديد المكان والمكان، وإذا كان الله في جهة العلو، صار محدودا ومتحيزا وجسما، وهذا كفر عندهم.
هم أهل البدع يقولون: من قال: الله في السماء كفر. لماذا؟ يقولون: تنقص الله، جعل الله محدودا ومتحيزا في مكان، ولا يكون شيء على شيء إلا المحدود والمتحيز، ولا يكون إلا جسما، والأشياء متماثلة، وهذا يجعل لله شبيها ومثيلا، وهذا كفر وردة. إذن تأولوها، كيف تأولوها؟
أهل البدع يقولون: إن ظاهر النصوص كفر، ظاهر القرآن والسنة كفر -والعياذ بالله-، لا بد أن تؤول، لو أثبتنا العلو والمعية، وارتفاع العلم والقدرة لله، هذه أنواع مشابهة للمخلوقات، تشبيه الله بخلقه وهذا كفر، إذن لا بد أن تتأولها، تأولوها، أشكل عليهم أين الله؟ أين الله؟ الرسول سأل أين الله؟ أين الله؟ أين يسأل بها عن المكان، قالت: في السماء. مكانه في السماء، صدقها وأثبت لها الإيمان، وهذا عارضه أهل البدع، قالوا: لا، الرسول -عليه الصلاة والسلام- سأل سؤالا فاسدا، ما قصده يقول: أين الله؟ قصده يقول: من الله؟ لكن أين الله؟ قالوا: أين الله؟ هذه جارية أعجمية ما تفهم، خاطبها على قدر عقلها وفهمها.
طيب والجواب لما أجاب قال: إنها مؤمنة. قالوا: نعم أقرها على جوابها الفاسد، الجواب فاسد، السؤال فاسد والجواب فاسد. هكذا اتهموا الرسول، والعياذ بالله.
أهل البدع وصفوا الرسول بأنه سأل سؤالا فاسدا ملبسا، إذن صار لبسا على الأمة، كيف يسأل سؤالا فاسدا؟ لماذا يقول؟ لأنها جارية أعجمية ما تفهم، فأراد أن يسأل سؤالا يناسب عقلها ولو كان فاسدا. طيب والجواب، قال: أعتقها فإنها مؤمنة؟
قالوا: والجواب جواب فاسد، أقرها على الجواب الفاسد؛ لأن هذا الذي تفهم أقرها على مقدار ما تفهم، وقالوا: إن الرسول قصده أن يقول: من الله؟ لا قصده أن يقول: أين الله؟ من الله؟ طيب الرسول عاجز عن أن يقول: من الله؟ الرسول أفصح الناس، "من" حرفين، و"أين" ثلاثة حروف أسهل، من الله؟ قالوا: لا، قصد الرسول أن يسأل: من الله؟ لكن لما صارت الجارية أعجمية، قال: أين الله؟ "أين" يسأل بها عن المكان، والله ليس له مكان؛ لأنه لو كان له مكان، لصار محدودا ومتحيزا، إذن أين يكون؟ قالوا: ذاهب في جميع الجهات، قالوا: ما له مكان، في كل مكان، نعوذ بالله.
ولهذا المؤلف رد عليهم قال: "ومن أجهل جهلا وأسخف عقلا وأضل سبيلا، ممن يقول: إنه لا يجوز أن يقال: أين الله؟ بعد تصريح صاحب الشريعة". من هو صاحب الشريعة؟ الرسول في قوله: أين الله؟ إذن المؤلف قصد يرد على من؟ على أهل البدع، يقول: هم يقولون: لا يجوز أن يقال: أين الله؟ لماذا؟ مثلما سبق، يقولون: لأنها تدل على أنه له مكان، وأنه محدود، وأنه متحيز، وأنه جسم، شيء على شيء، المؤلف يقول: ومن أجهل جهلا -جعلهم جهالا-، وأسخف عقلا، وأضل سبيلا، ممن يقول: إنه لا يجوز أن يقال: أين الله؟ بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله أين الله؟! كيف تتهم الرسول -عليه الصلاة والسلام-؟ أين الإيمان؟ تتهم الرسول بأنه ملبس، تتهم الرسول بأنه يسأل سؤالا فاسدا، ويقر على جواب فاسد؟! أين الإيمان؟! أرأيتم كيف وصل اتباع الهوى -والعياذ بالله- وتحريف النصوص إلى هذا الحد؟! نسأل الله السلامة والعافية، ونعوذ بالله من زيغ القلوب. نعم.
قال -رحمه الله-: وروى أنس بن مالك قال: كانت زينب بنت جحش تفخر على أزواج النبي وتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات رواه البخاري.
نعم، وهذا الحديث رواه البخاري -رحمه الله- في صحيحه، ورواه غيره كما ذكر المؤلف، وهو الدليل السابع الذي استدل به المؤلف على أن الله في العلو، وأنه فوق المخلوقات، وفوق السماوات السبع.
كانت زينب بنت جحش تفخر على أزواج النبي وتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات. هذا الشاهد: "من فوق سبع سماوات"، فيه إثبات أن الله فوق سبع سماوات، وذلك أن زينب بنت جحش -رضي الله عنها- تزوجت أولا زيد بن حارثة، ثم طلقها زيد ثم بعد ذلك خطبها النبي أو أرسل من يخطبها، فزوجها الله من فوق سبع سماوات، فدخل عليها بدون ولي وبدون مهر؛ لأن الله أنزل: • ( ) هذا التزويج من فوق سبع سماوات.
• •• • ( ) وذلك أن عندهم كان في الجاهلية وفي أول الإسلام، أنه يجوز التبني، ما معنى التبني؟
أن الإنسان الذي ما عنده ولد يتبنى ولدا، يأتي بولد وينسبه إلى نفسه، ويكون ابنا له، ولو لم يكن من أبنائه، تبناه، اسمه ابنه بالتبني (ولد بالتبني)، فنهى الله عن ذلك وقال: ( ).
ومن المعلوم أن الإنسان لا يتزوج زوجة ابنه، وزيد بن حارثة تبناه النبي في أول الإسلام، حتى كان يدعى زيد بن محمد، فالله -تعالى- هدم التبني وأبطله بالقول والفعل، بالقول قال: ( ) وبالفعل: لما طلق زيد زينب وخرجت من العدة، أمره الله النبي أن يتزوجها هدما للتبني، حتى يبطل التبني لأنه ابنه، لكنه ابن دعي ليس ابنا من صلبه، ابن دعي دعاه، والله -تعالى- هدم التبني وأبطله قولا وفعلا.
قولا قال: ( ) وفعلا: أمر الله نبيه أن يتزوج زوجة ابنه الدعي؛ حتى يهدم التبني، ويعلم بطلان التبني، وأن الابن الدعي ليس له حكم ابن الصلب، ابن الصلب لا تتزوج زوجته، لكن الابن الدعي هذا ليس ابنا صحيحا، ليس ابنا لك، وليس ابنا من صلبك، فيجوز لك أن تتزوج زوجته، ولهذا أمر الله نبيه أن يتزوج زوجته بعد طلاقها؛ هدما للتبني، وأنزل: • ( ).
فدخل عليها النبي بدون مهر وبدون ولي، زوجه الله من فوق سبع سماوات، فكانت زينب تفخر على أزواج النبي، تفخر على عائشة وحفصة، تقول: أنت زوجك أبوك، وأنت زوجك أبوك، وأنا زوجني الله من فوق سبع سماوات. فخر هذا وأي فخر؟! نعم.
والشاهد قوله: "من فوق سبع سماوات". إثبات العلو لله، وأن الله فوق سبع سماوات. نعم.
وفي حديث أبى هريرة أن الرسول ذكر المؤمن عند موته، وأنه يعرج بروحه حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله رواه الإمام أحمد والدارقطني وغيرهما.
نعم، هذا الحديث رواه الإمام أحمد والدارقطني، وسنده لا بأس به، وفيه إثبات العلو، هذا الدليل التاسع استدل به المؤلف -رحمه الله-، وفيه إثبات العلو بقوله: حتى ينتهي إلى السماء التي فيها الله ذكر أن المؤمن عند موته يعرج بروحه، حتى ينتهي إلى السماء التي فيها الله، وهي السماء السابعة فوق، التي فيها الله، يعني فوقها، المراد أن الله في العلو، في السماء، في العلو التي فيها الله، ففيه إثبات أن الله في السماء، يعني: في العلو، وأنه فوق السماوات السبع، وفيه: أن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء، وتفتح لها أبواب السماء كما في الحديث، وأما روح الفاجر والكافر، فإنها تغلق أبواب السماء دونها، إذا صعد أغلقت أبواب السماء، ثم تطرح طرحا، نسأل الله السلامة والعافية، والشاهد قوله: حتى ينتهى إلى السماء التي بها الله ففيه إثبات أن الله في العلو. نعم.
وروى أبو الدرداء قال: سمعت رسول الله يقول: من اشتكى منكم أو اشتكى أخ له، فليقل: ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ رواه أبو القاسم الطبري في سننه وفي هذه المسألة...
نعم، وهذا أيضا... كذلك هذا الحديث كما ذكر المؤلف -رحمه الله- رواه أبو القاسم الطبراني، ورواه أبو داود ورواه أبو القاسم الطبري في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة"، ورواه الإمام أحمد في مسنده، ورواه غيره، ورواه الدارمي في "الرد على الجهمية"، والبيهقي، والذهبي في "العلو"، والحديث ضعيف, الحديث فيه ضعف، ولكن المؤلف أورده لأن له شواهد، له شواهده، وكذلك رواه غيره من أهل العلم في إثبات العلو، أورده هؤلاء الأئمة، كلهم أورده، الذهبي في كتاب العلو، واحتج به شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم من أهل العلم، وهذا الحديث مشهور في رقية المريض، الرقية للمريض يقال هكذا: ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع. فيبرأ بإذن الله .
والشاهد قوله: ربنا الله الذي في السماء أي: في العلو، فأثبت أن الله في السماء، والحديث وإن كان ضعيفا، إلا أنه له شواهد؛ ولهذا احتج به هؤلاء الأئمة من أجل شواهده، نعم.
من أنكر صفة العلو
وفي هذه المسألة أدلة من الكتاب والسنة يطول بذكرها الكتاب، ومنكر أن يكون الله في جهة العلو بعد هذه الآيات والأحاديث مخالف لكتاب الله، منكر لسنة رسول الله.
نعم، يقول المؤلف -رحمه الله- في هذه المسألة -وهى مسألة العلو-: أدلة من الكتاب والسنة يطول ذكرها، يطول بذكرها الكتاب، وكما سبق وقلت لك: إن أفراد الأدلة تزيد على ثلاثة آلاف دليل، لا يمكن حصرها، كلها تدل على أن الله فوق المخلوقات وفوق العرش، كل نص فيه أن الله استوى على العرش هذا دليل على العلو، كل نص فيه أن الله في السماء دليل على العلو، كل نص فيه الفوقية دليل على أن الله في العلو، كل نص فيه العلو: ( ) ( ) كل نص فيه الصعود: ( ) الصعود يكون من أسفل إلى أعلى، يدل على إثبات العلو، كل نص فيه الرفع ( ) يدل على العلو، كل نص فيه النزول: ( ) يدل على العلو، كل نص فيه السؤال عن الله بـ"أين" يدل على العلو، وهكذا، كل نص فيه رفع الإصبع إلى السماء يدل على العلو.
فهذه أنواع من الأدلة الكثيرة لا حصر لها؛ ولذلك قال المؤلف: "يطول بذكرها الكتاب". كثيرة لكن قد تحصر الأنواع (أنواع الأدلة)، مثلما ذكرت لكم: نصوص الاستواء، نصوص العلو، نصوص الفوقية، نصوص النزول، نصوص الرفع، نصوص الصعود، وهكذا، كل نوع تحته أفراد كثيرة، مثلا نصوص الاستواء تحتها سبعة أفراد من الأدلة، وهذه الأفراد كما ذكر العلماء أنها تزيد على ثلاثة آلاف دليل؛ ولهذا قال المؤلف: "يطول بذكرها الكتاب". يعني: يصعب حصرها. لكن ذكر أمثلة منها.
قال المؤلف: "ومنكر أن يكون الله في جهة العلو بعد هذه الآيات والأحاديث مخالف لكتاب الله، منكر لسنة رسول الله". يعني: الذي ينكر أن الله في العلو، يكون مخالفا لكتاب الله وسنة نبيه، وإذا كان جاحدا لهذه النصوص، فهذا يكفر يكون مرتدا -والعياذ بالله-، أما إذا كان متأولا، فهذا قد لا يحكم عليه بالكفر؛ لأن هناك فرقا بين الجاحد وبين المتأول: فالجاحد الذي أنكر كلام الله، جحد كلام الله وكلام الرسول، يكفر هذا، من يجحد قول: ( ) ينكرها، هذا كذَّب الله، ومن كذَّب الله كفر، أما الذي يتأول يكون لا يجحد، يقول: أنا أؤمن بأن الله... أؤمن بالآية: ( ) لكن أتأولها، معنى استوى: استولى. فرق بين الجاحد وبين المتأول؛ ولهذا قال المؤلف -رحمه الله-: "ومنكر أن يكون الله في جهة العلو بعد هذه الآيات والأحاديث مخالف لكتاب الله، منكر لسنة رسول الله". نعم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق