ما ورد عن السلف في إثبات العلو
وقال مالك بن أنس: "الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو من علمه مكان".
نعم، المؤلف -رحمه الله- استدل أيضا بالآثار عن السلف على ثبوت العلو، مستدلا بقول الإمام مالك: "الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو عن علمه مكان". الأثر رواه الآجري في كتاب "الشريعة"، وعبد الله بن أحمد في كتاب "السنة"، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة"، وابن قدامة في "إثبات صفة العلو"، قال: الله في السماء. يعني: في العلو. وعلمه في كل مكان، علمه لا يخلو عن علمه مكان، وأما هو -سبحانه- فهو فوق العرش. نعم.
وقال الشافعي: "خلافة أبي بكر حق قضاها الله في سمائه، وجمع عليها قلوب أصحاب نبيه .
نعم، وهذا استدل عليه المؤلف بقول الشافعي -رحمه الله-، وهذا أيضا رواه بن قدامة في صفة العلو، والشاهد قوله: "خلافة أبي بكر قضاها الله في سمائه". قوله: قضاها الله في سمائه. يعني: في علوه. فأثبت أن الله في السماء، وجمع عليها قلوب أصحاب نبيه . نعم.
وقال عبد الله بن المبارك: "نعرف ربنا فوق سبع سماوات بائنا من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه ها هنا". وأشار إلى الأرض.
نعم، هذا عبد الله بن المبارك، معروف بالإمام الورع الزاهد المشهور، وهذه المقالة التي قالها عبد الله بن المبارك أوردها عبد الله بن أحمد في كتاب "السنة"، والبخاري في "خلق أفعال العباد"، والدارمي في "الرد على الجهمية" والرد على "بشر المريسي"، والبيهقي في "الأسماء والصفات"، وابن قدامة في "إثبات صفة العلو"، وابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية"، وغيرهم.
يقول عبد الله بن المبارك: "نعرف ربنا فوق سبع سماوات". هذا الشاهد، قوله: "فوق سبع سماوات". أثبت أن الله فوق سبع سماوات، "بائنا من خلقه". يعني: ليس مختلطا بالمخلوقات، بائنا: منفصلا عن المخلوقات، المخلوقات نهايتها من جهة العلو العرش، انتهت المخلوقات، والله فوق العرش، وهو ليس مختلطا بالمخلوقات.
يقول عبد الله بن المبارك: "ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه ها هنا". وأشار إلى الأرض، الجهمية يقولون: إن الله في كل مكان، في الأرض وفي السماء وفي كل مكان، نعوذ بالله. نعم.
ونقف على هذا، وبهذا نكون انتهينا من كلام المؤلف على صفتين: صفة الاستواء، وصفة العلو. نقف على الكلام على صفة الوجه. نعم.
أحسن الله إليكم، هذه مجموعة من الأسئلة، أسئلة حول الحديث الثالث -فيما يبدو- (حديث العباس)، يريدون معرفة صحة الحديث، وما معنى الأوعال؟
ج: نعم، سبق البيان أن الحديث فيه ضعف من رواية سماك عن عبد الله بن عميرة، وفيه ضعف، ولكن العلماء أوردوه في كتبهم وحسنوه؛ لأنه له شواهد كما سبق، لأن له شواهد، ولهذا احتج به الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، والإمام المصلح محمد بن عبد الوهاب، وغيرهم من أهل العلم الذين أوردوه، وأبو داود وغيرهم، فله شواهد، وقوله: وفوق ذلك أوعال. يعني: ملائكة على صفة الأوعال، ملائكة خلقهم الله على صفة الأوعال. نعم.
يقول: نرجو من فضيلتكم زيادة التوضيح حول قولكم: الذين أنكروا الاستواء والعلو سلكوا مسلكين. يقول: نرجو التوضيح في قولكم هذا.
ج: يعني الذين أنكروا العلو ماذا يقولون؟ الذين يقولون: إن الله ليس فوق السماوات، وليس فوق العلو، سلكوا أحد مسلكين، يعني: في الرب -سبحانه وتعالى-، منهم من يقول: هو مختلط بالمخلوقات. فالجهمية طائفتان:
الطائفة الأولى: أنكروا العلو وأن الله فوق المخلوقات، وقالوا: إنه في كل مكان. فقالوا: هو مختلط بالمخلوقات في كل مكان -نعوذ بالله-، حتى الحمامات -تعالى الله عما يقولون-، حتى بطون السباع وأجواف الطيور، في كل مكان، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
الطائفة الثانية: الذين أنكروا أن الله فوق المخلوقات، قالوا: إن الله ليس فوق المخلوقات، أين هو؟ نفوا النقيضين، قالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايد له، ولا متصل به ولا منفصل عنه. أيش يكون؟ شيء لا داخل العالم ولا خارجه أيش يكون؟ لا فوقه ولا تحته، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا مباين ولا غير مباين، أيش يكون؟ عدما؟ أشد من العدم.
يقول العلماء: نفي النقيضين هذا معناه أن الشيء مستحيل، هذا وصف مستحيل -نعوذ بالله-، وهؤلاء أشد كفرا من الطائفة الأولى الذين نفوا النقيضين، أشد من الذين قالوا بالاختلاط، وإن كان كل منهما كافرا -نعوذ بالله-، وإن كان كل من الطائفتين كافرا. نعم.
يقول الأشاعرة: استوى بمعنى استولى. ودليلهم قول الشاعر:
مـن غـير سـيف ودم مهراق
قد استوى بشر على العراق
فبم يرد عليهم؟
ج:هذا قول باطل عن الأشاعرة وغيرهم، أولا: الاستواء معروف معناه في اللغة العربية كما قرر الأئمة، وهذا الحديث:
......................................
قد استوى بشر على العراق
لا يعرف له قائل، ما يعرف قائله، ثم أيضا لو سلمنا أنه لو عرف قائله، فلا بد من سند متصل؛ حتى يعرف من قائله، حديث رسول الله لا يقبل حتى يصح السند وتعدد الرواة، إذا جاء حديث عن الرسول -عليه الصلاة والسلام-، ما نقبل الحديث حتى يكون السند متصلا متسلسلا بالثقات، متسلسلا بالثقات من الراوي إلى النبي فإذا كان السند منقطعا، أو كان الرواة غير عدول فيرد، فكيف يقبل بيت ما يعرف قائله، ليس له سند ولا خطام ولا زمام؟! ما يعرف قائل هذا البيت، ولو سلمنا أنه قاله قائل، يكون شاذا، لو سلمنا أنه صح السند، والسند متصل ورواته عدول، نقول: هذا خالف أهل العلم، نقول: هذا شاذ، الحديث... إذا خالف راوي الحديث -إذا خالف- من هو أوثق منه، نقول: الحديث ضعيف لشذوذه؛ لكونه خالف من هو أوثق منه.
فلو فرضنا أن هذا القائل قائل عربي، لقلنا: إنه شاذ خالف أهل اللغة، ما قالوا بهذا أهل اللغة، فكيف وهو لا يعرف له قائل؟! ليس له خطام ولا زمام؟! ثم أيضا الحديث روي: قد استولى بشر على العراق، روي بروايتين:
مـن غير سيف ولا دم مهراق
قد استولى بشر على العراق
"قد استولى"، روي بهذا، وهذا أثبت، هذه الرواية مقدمة على هذه الرواية، نعم، وحجتهم داحضة. نعم.
أحسن الله إليكم، أسئلة كثيرة حول الكتاب، مثل: ذكرتم أن الكتاب مخلوق -أيش؟- فهل المقصود... الكتاب في الحديث ذكرتم أن الكتاب مخلوق -مخلوق؟-، فهل الكلام هو المخلوق، أم ذات الكتاب الذي فوق العرش؟ وأيضا ذكرتم... -أيش الكتاب مخلوق؟- فهو عنده فوق العرش، كتب الله كتابا، ثم سؤال آخر...
ج: مخلوق؟ أنا قلت: مخلوق أنا؟ ها؟ هذا الذي قال عني أني قلت مخلوق، ما قلت هذا الكلام، لكن معلوم أن الكتاب... معلوم كتب كتابا، فهو عنده فوق العرش، وهذا الكتاب ما في شك أنه كتبه الله، ويكون هذا مستثنى فوق العرش، وأن العرش سقف المخلوقات. نعم.
أيضا إن الله -تعالى- يوصف بصفة الكتابة كما ورد في قوله إن الله كتب كتابا وفي الحديث الآخر: إنه أمر القلم أن يكتب فهل هناك فرق؟
ج: وأيش هي المنافاة؟ أمر القلم... لما خلقه قال له: اكتب. فجرى بما في تلك الساعة وما كان إلى يوم القيامة، وفي لفظ: إنه قال: يا رب، وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء إلى يوم القيامة وأمر الله -تعالى- القلم فكتب، والله كتب، وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي رواه الإمام مسلم: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماء والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء وهذا الحديث: كتب كتابا وهو عنده فوق العرش وفي الحديث الآخر: إن الله خط التوراة بيده لموسى فلا منافاة، ما فيه منافاة. نعم.
كيف نرد على من استدل بحديث الجارية على أن الإيمان مجرد التصديق؟
ج: لا، هم الآن طعنوا -كما سبق- في حديث الجارية، قالوا: الجارية أعجمية ما تفهم. طعنوا في النبي وقالوا: الرسول سأل سؤالا فاسدا. الإيمان تصديق: قول وعمل، وليس فيه أن الجارية ما تعمل ولا شيء، إنما اختبرها النبي + التصديق يقتضي العمل، وليس في الحديث أن الجارية ما تصلي ولا تصوم، إنما سألها عن الإيمان الذي هو دليل على الإيمان، ثم ذهبت. نعم.
قول المؤلف: "ونطق بها كتابه". هل هذا الأسلوب مقبول عند أهل السنة: أن ينسب النطق للكتاب؟
ج: نعم، بنص القرآن: ( ) ماذا تقول في الآية: ( ) ؟ ينبغي للإنسان أن يتأمل النصوص قبل أن يسأل. نعم.
أسئلة حول لفظ الصعود ولفظ علا وارتفع، هل يوصف الله بهذا: صعد وعلا وارتفع؟
ج: نعم، نعم -كما سبق- كما سمعت أن السلف لهم أربع عبارات: استقر، وعلا، وصعد، وارتفع، معنى الاستواء فالله -تعالى- استوى بهذه المعاني الأربع على العرش، استواء يليق بجلاله وعظمته. نعم.
يقول: نرجو من فضيلتكم تذكير أخواتنا الحاضرات في الدورة بأهمية الالتزام بتغطية جميع الجسد، وخاصة الكفين والقدمين؛ حيث يتساهل بعضهن في ذلك، علما بأنهن أولى بالتقيد من غيرهن من عامة النساء
ج: نعم، لا شك... لا شك أن المرأة يجب عليها أن تستر جميع جسدها -كلها عورة-: يديها ورجليها وقدميها وشعرها ووجهها، فلا يجب للمرأة أن تبدي يديها، بعض النساء تتساهل، تبدي يديها للرجال وتخرج وتركب السيارة، تبدو يديها هذا حرام؛ لأن اليدين عورة، لا بد أن تستر يديها إما بقفازين، أو بالثوب، وكذلك الرجلان تسترهما، إما بالشراب أو بالثوب، ولهذا لما نهى النبي عن الإسبال، قيل: يا رسول الله، النساء تحتاج إلى أن تسبل الثوب حتى تغطي قدميها. فقال: ترخيه شبرا. قيل: يا رسول الله، إذن تنكشف أقدامهن. قال: ترخيه ذراعا لا تزدن دل على أن المرأة لا بد أن تستر قدميها، تستر القدمين إما بالشراب أو بالثوب، تستر اليدين إما بالشراب أو بالثوب، ولا يجوز للمرأة أن تبدي يديها وأصابعها، أو الذهب الذي في يديها أو في ساعدها؛ حرام عليها.
بعض النساء تتساهل، تجدها عند صاحب الذهب تخرج يديها وعليها الذهب، تخرج الساعدين، تجدها في السيارة وفي الأسواق تخرج اليدين، ترى بياض يديها من بعد، ترى رجليها، هذا حرام عليها، وواجب عليها أن تستتر؛ كلها عورة إلا وجهها في الصلاة، إذا لم يكن عندها رجال أجانب تكشف وجهها في الصلاة، فإن كان عندها رجال أجانب سترت الوجه حتى في الصلاة، نعم وجزى الله هذا السائل خيرا. تنبيه هذا، نعم.
هل هناك فرق بين الكرسي والعرش؟ فهل يقال: استوى الله على الكرسي مثلا؟
ج: الكرسي غير العرش، كما في الحديث: ما السماوات السبع والأراضين السبع بالنسبة إلى الكرسي، إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض بالنسبة للكرسي إلى العرش كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، إذن العرش مخلوق عظيم والكرسي مخلوق عظيم. وصح عن ابن عباس قال: إن الكرسي موضع القدمين لربنا والعرش لا يقدر قدره إلا الله. فالكرسي مخلوق عظيم أكبر من السماوات والأرض، نسبة السماوات إليه كحلقة، وفي لفظ: كدراهم سبعة ألقيت في صحراء من الأرض ونسبة الكرسي إلى العرش كذلك: كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض. فالكرسي غير العرش، هذا هو الصواب.
في قوله: إنهما شيء واحد. ولكنه قول ضعيف، وأضعف منه أن يقول: الكرسي علمه. هذا قول باطل. نعم.
يقول: قابلت رجلا يثبت صفتي العلو والمعية، فكيف يرد عليه؟
ج: نعم، سيأتي هذا -إن شاء الله-، أهل السنة كلهم أهل الحق، يثبتون العلو والمعية، لا منافاة بينهما ولا تناقض بينهما، خلافا لأهل البدع: أهل البدع يبطلون العلو... يبطلون علو الله بالمعية، يضربون النصوص بعضها إلى بعض، ويجعلون صفة المعية تنقض صفة العلو وتبطلها، وهذا من أبطل الباطل؛ لأنه ليس معنى المعية أن الله مختلط بالمخلوقات، المعية في لغة العرب معناها مطلق المصاحبة، وهي تختلف باختلاف المتعلقات ومصحوبها، فتقول: فلان مع فلان. يعني: في الرأي. وإن كان هذا في المشرق وهذا في المغرب، فلان مع فلان، يعني: في الرأي وفي الاعتقاد. وتقول: الأمير مع الجيش. والجيش قد يكون في مكان والأمير في مكان، يعني: معه في الرأي والتدبير والتسيير، ويقال: فلان زوجته معه. وقد تكون في المشرق أو في المغرب، يعني: عصمتها معه. فالمعية لا تفيد الاختلاط ولا الامتزاج، وإنما معناها مطلق المصاحبة، وتفيد مع المصاحبة المقارنة في أمر من الأمور.
وتقول العرب: ما زلنا نسير والقمر معنا. والقمر هل هو مختلط بالأرض؟ أم محاز للقمر؟ أم مماثل له؟ + ما زلنا نسير والنجم معنا، وتقول: المتاع معك. وإن كان فوق رأسك، فلا منافاة بين العلو والمعية، لكن أهل البدع ليسوا من أهل المعرفة؛ من أهل الجهل، فهم جهلوا معنى المعية في اللغة، وضربوا النصوص بعضها ببعض، وأبطلوا نصوص العلو والفوقية بنصوص المعية، وأما أهل السنة فآمنوا بالنصوص من جانبين، وجمعوا بينهما جمعا صحيحا. نعم.
أحسن الله إليكم، يقول: هل الذي يستشعر أن الله يراقبه في كل مكان، هل هو مثل الذي يقول: إن الله في كل مكان؟
ج: لا، الذي يقول: الله في كل مكان. هذا كافر -أعوذ بالله-، والذي يستشعر أن الله يراقبه في كل مكان، هذا الإحسان، هذا عبد الله على الإحسان، والحديث: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك هذه المراقبة، الذي يراقب الله ويعبد الله على المشاهدة، وأن الله يراه، يعبد الله على أنه يراه، فإن ضعف عن هذه المرتبة، فإنه يعبد الله على أن الله يراه، فلا يقال: إن هذا مثل هذا. كيف يقال هذا مثل هذا؟! هذا كافر يؤمن بأن الله في كل مكان، وهذا محسن عبد الله بالمشاهدة، فكيف يقال هذا مثل هذا؟! نعم.
ذكرتم -أحسن الله إليكم- أن الاستواء يأتي متعديا بالواو، بدليل قوله -تعالى-: • ( ) لكن هذا متعد بـ"على" وليس بـ"الواو"؟
ج: نعم، أقول: هذا يأتي متعد بـ"إلى"، ويأتي بالمعية كل واحدة منهم له معنى، إذا كان جاء بالواو هذا تفيد المساواة، استوى الماء والخشب، يعني: تفيد المعية، استوى الماء مع الخشب، هذا له معنى وهذا معنى، أما إذا جاء متعد بـ"على"، فهذا يفيد العلو والارتفاع ( ) نعم.
وفق الله الجميع لطاعته، وثبت الله الجميع على الهدى، وصلى الله على محمد وآله وصحبه.
أحسن الله إليكم، هذه مجموعة من الأسئلة، أسئلة حول الحديث الثالث -فيما يبدو- (حديث العباس)، يريدون معرفة صحة الحديث، وما معنى الأوعال؟
ج: نعم، سبق البيان أن الحديث فيه ضعف من رواية سماك عن عبد الله بن عميرة، وفيه ضعف، ولكن العلماء أوردوه في كتبهم وحسنوه؛ لأنه له شواهد كما سبق، لأن له شواهد، ولهذا احتج به الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، والإمام المصلح محمد بن عبد الوهاب، وغيرهم من أهل العلم الذين أوردوه، وأبو داود وغيرهم، فله شواهد، وقوله: وفوق ذلك أوعال. يعني: ملائكة على صفة الأوعال، ملائكة خلقهم الله على صفة الأوعال. نعم.
يقول: نرجو من فضيلتكم زيادة التوضيح حول قولكم: الذين أنكروا الاستواء والعلو سلكوا مسلكين. يقول: نرجو التوضيح في قولكم هذا.
ج: يعني الذين أنكروا العلو ماذا يقولون؟ الذين يقولون: إن الله ليس فوق السماوات، وليس فوق العلو، سلكوا أحد مسلكين، يعني: في الرب -سبحانه وتعالى-، منهم من يقول: هو مختلط بالمخلوقات. فالجهمية طائفتان:
الطائفة الأولى: أنكروا العلو وأن الله فوق المخلوقات، وقالوا: إنه في كل مكان. فقالوا: هو مختلط بالمخلوقات في كل مكان -نعوذ بالله-، حتى الحمامات -تعالى الله عما يقولون-، حتى بطون السباع وأجواف الطيور، في كل مكان، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
الطائفة الثانية: الذين أنكروا أن الله فوق المخلوقات، قالوا: إن الله ليس فوق المخلوقات، أين هو؟ نفوا النقيضين، قالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايد له، ولا متصل به ولا منفصل عنه. أيش يكون؟ شيء لا داخل العالم ولا خارجه أيش يكون؟ لا فوقه ولا تحته، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا مباين ولا غير مباين، أيش يكون؟ عدما؟ أشد من العدم.
يقول العلماء: نفي النقيضين هذا معناه أن الشيء مستحيل، هذا وصف مستحيل -نعوذ بالله-، وهؤلاء أشد كفرا من الطائفة الأولى الذين نفوا النقيضين، أشد من الذين قالوا بالاختلاط، وإن كان كل منهما كافرا -نعوذ بالله-، وإن كان كل من الطائفتين كافرا. نعم.
يقول الأشاعرة: استوى بمعنى استولى. ودليلهم قول الشاعر:
مـن غـير سـيف ودم مهراق
قد استوى بشر على العراق
فبم يرد عليهم؟
ج:هذا قول باطل عن الأشاعرة وغيرهم، أولا: الاستواء معروف معناه في اللغة العربية كما قرر الأئمة، وهذا الحديث:
......................................
قد استوى بشر على العراق
لا يعرف له قائل، ما يعرف قائله، ثم أيضا لو سلمنا أنه لو عرف قائله، فلا بد من سند متصل؛ حتى يعرف من قائله، حديث رسول الله لا يقبل حتى يصح السند وتعدد الرواة، إذا جاء حديث عن الرسول -عليه الصلاة والسلام-، ما نقبل الحديث حتى يكون السند متصلا متسلسلا بالثقات، متسلسلا بالثقات من الراوي إلى النبي فإذا كان السند منقطعا، أو كان الرواة غير عدول فيرد، فكيف يقبل بيت ما يعرف قائله، ليس له سند ولا خطام ولا زمام؟! ما يعرف قائل هذا البيت، ولو سلمنا أنه قاله قائل، يكون شاذا، لو سلمنا أنه صح السند، والسند متصل ورواته عدول، نقول: هذا خالف أهل العلم، نقول: هذا شاذ، الحديث... إذا خالف راوي الحديث -إذا خالف- من هو أوثق منه، نقول: الحديث ضعيف لشذوذه؛ لكونه خالف من هو أوثق منه.
فلو فرضنا أن هذا القائل قائل عربي، لقلنا: إنه شاذ خالف أهل اللغة، ما قالوا بهذا أهل اللغة، فكيف وهو لا يعرف له قائل؟! ليس له خطام ولا زمام؟! ثم أيضا الحديث روي: قد استولى بشر على العراق، روي بروايتين:
مـن غير سيف ولا دم مهراق
قد استولى بشر على العراق
"قد استولى"، روي بهذا، وهذا أثبت، هذه الرواية مقدمة على هذه الرواية، نعم، وحجتهم داحضة. نعم.
أحسن الله إليكم، أسئلة كثيرة حول الكتاب، مثل: ذكرتم أن الكتاب مخلوق -أيش؟- فهل المقصود... الكتاب في الحديث ذكرتم أن الكتاب مخلوق -مخلوق؟-، فهل الكلام هو المخلوق، أم ذات الكتاب الذي فوق العرش؟ وأيضا ذكرتم... -أيش الكتاب مخلوق؟- فهو عنده فوق العرش، كتب الله كتابا، ثم سؤال آخر...
ج: مخلوق؟ أنا قلت: مخلوق أنا؟ ها؟ هذا الذي قال عني أني قلت مخلوق، ما قلت هذا الكلام، لكن معلوم أن الكتاب... معلوم كتب كتابا، فهو عنده فوق العرش، وهذا الكتاب ما في شك أنه كتبه الله، ويكون هذا مستثنى فوق العرش، وأن العرش سقف المخلوقات. نعم.
أيضا إن الله -تعالى- يوصف بصفة الكتابة كما ورد في قوله إن الله كتب كتابا وفي الحديث الآخر: إنه أمر القلم أن يكتب فهل هناك فرق؟
ج: وأيش هي المنافاة؟ أمر القلم... لما خلقه قال له: اكتب. فجرى بما في تلك الساعة وما كان إلى يوم القيامة، وفي لفظ: إنه قال: يا رب، وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء إلى يوم القيامة وأمر الله -تعالى- القلم فكتب، والله كتب، وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي رواه الإمام مسلم: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماء والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء وهذا الحديث: كتب كتابا وهو عنده فوق العرش وفي الحديث الآخر: إن الله خط التوراة بيده لموسى فلا منافاة، ما فيه منافاة. نعم.
كيف نرد على من استدل بحديث الجارية على أن الإيمان مجرد التصديق؟
ج: لا، هم الآن طعنوا -كما سبق- في حديث الجارية، قالوا: الجارية أعجمية ما تفهم. طعنوا في النبي وقالوا: الرسول سأل سؤالا فاسدا. الإيمان تصديق: قول وعمل، وليس فيه أن الجارية ما تعمل ولا شيء، إنما اختبرها النبي + التصديق يقتضي العمل، وليس في الحديث أن الجارية ما تصلي ولا تصوم، إنما سألها عن الإيمان الذي هو دليل على الإيمان، ثم ذهبت. نعم.
قول المؤلف: "ونطق بها كتابه". هل هذا الأسلوب مقبول عند أهل السنة: أن ينسب النطق للكتاب؟
ج: نعم، بنص القرآن: ( ) ماذا تقول في الآية: ( ) ؟ ينبغي للإنسان أن يتأمل النصوص قبل أن يسأل. نعم.
أسئلة حول لفظ الصعود ولفظ علا وارتفع، هل يوصف الله بهذا: صعد وعلا وارتفع؟
ج: نعم، نعم -كما سبق- كما سمعت أن السلف لهم أربع عبارات: استقر، وعلا، وصعد، وارتفع، معنى الاستواء فالله -تعالى- استوى بهذه المعاني الأربع على العرش، استواء يليق بجلاله وعظمته. نعم.
يقول: نرجو من فضيلتكم تذكير أخواتنا الحاضرات في الدورة بأهمية الالتزام بتغطية جميع الجسد، وخاصة الكفين والقدمين؛ حيث يتساهل بعضهن في ذلك، علما بأنهن أولى بالتقيد من غيرهن من عامة النساء
ج: نعم، لا شك... لا شك أن المرأة يجب عليها أن تستر جميع جسدها -كلها عورة-: يديها ورجليها وقدميها وشعرها ووجهها، فلا يجب للمرأة أن تبدي يديها، بعض النساء تتساهل، تبدي يديها للرجال وتخرج وتركب السيارة، تبدو يديها هذا حرام؛ لأن اليدين عورة، لا بد أن تستر يديها إما بقفازين، أو بالثوب، وكذلك الرجلان تسترهما، إما بالشراب أو بالثوب، ولهذا لما نهى النبي عن الإسبال، قيل: يا رسول الله، النساء تحتاج إلى أن تسبل الثوب حتى تغطي قدميها. فقال: ترخيه شبرا. قيل: يا رسول الله، إذن تنكشف أقدامهن. قال: ترخيه ذراعا لا تزدن دل على أن المرأة لا بد أن تستر قدميها، تستر القدمين إما بالشراب أو بالثوب، تستر اليدين إما بالشراب أو بالثوب، ولا يجوز للمرأة أن تبدي يديها وأصابعها، أو الذهب الذي في يديها أو في ساعدها؛ حرام عليها.
بعض النساء تتساهل، تجدها عند صاحب الذهب تخرج يديها وعليها الذهب، تخرج الساعدين، تجدها في السيارة وفي الأسواق تخرج اليدين، ترى بياض يديها من بعد، ترى رجليها، هذا حرام عليها، وواجب عليها أن تستتر؛ كلها عورة إلا وجهها في الصلاة، إذا لم يكن عندها رجال أجانب تكشف وجهها في الصلاة، فإن كان عندها رجال أجانب سترت الوجه حتى في الصلاة، نعم وجزى الله هذا السائل خيرا. تنبيه هذا، نعم.
هل هناك فرق بين الكرسي والعرش؟ فهل يقال: استوى الله على الكرسي مثلا؟
ج: الكرسي غير العرش، كما في الحديث: ما السماوات السبع والأراضين السبع بالنسبة إلى الكرسي، إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض بالنسبة للكرسي إلى العرش كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، إذن العرش مخلوق عظيم والكرسي مخلوق عظيم. وصح عن ابن عباس قال: إن الكرسي موضع القدمين لربنا والعرش لا يقدر قدره إلا الله. فالكرسي مخلوق عظيم أكبر من السماوات والأرض، نسبة السماوات إليه كحلقة، وفي لفظ: كدراهم سبعة ألقيت في صحراء من الأرض ونسبة الكرسي إلى العرش كذلك: كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض. فالكرسي غير العرش، هذا هو الصواب.
في قوله: إنهما شيء واحد. ولكنه قول ضعيف، وأضعف منه أن يقول: الكرسي علمه. هذا قول باطل. نعم.
يقول: قابلت رجلا يثبت صفتي العلو والمعية، فكيف يرد عليه؟
ج: نعم، سيأتي هذا -إن شاء الله-، أهل السنة كلهم أهل الحق، يثبتون العلو والمعية، لا منافاة بينهما ولا تناقض بينهما، خلافا لأهل البدع: أهل البدع يبطلون العلو... يبطلون علو الله بالمعية، يضربون النصوص بعضها إلى بعض، ويجعلون صفة المعية تنقض صفة العلو وتبطلها، وهذا من أبطل الباطل؛ لأنه ليس معنى المعية أن الله مختلط بالمخلوقات، المعية في لغة العرب معناها مطلق المصاحبة، وهي تختلف باختلاف المتعلقات ومصحوبها، فتقول: فلان مع فلان. يعني: في الرأي. وإن كان هذا في المشرق وهذا في المغرب، فلان مع فلان، يعني: في الرأي وفي الاعتقاد. وتقول: الأمير مع الجيش. والجيش قد يكون في مكان والأمير في مكان، يعني: معه في الرأي والتدبير والتسيير، ويقال: فلان زوجته معه. وقد تكون في المشرق أو في المغرب، يعني: عصمتها معه. فالمعية لا تفيد الاختلاط ولا الامتزاج، وإنما معناها مطلق المصاحبة، وتفيد مع المصاحبة المقارنة في أمر من الأمور.
وتقول العرب: ما زلنا نسير والقمر معنا. والقمر هل هو مختلط بالأرض؟ أم محاز للقمر؟ أم مماثل له؟ + ما زلنا نسير والنجم معنا، وتقول: المتاع معك. وإن كان فوق رأسك، فلا منافاة بين العلو والمعية، لكن أهل البدع ليسوا من أهل المعرفة؛ من أهل الجهل، فهم جهلوا معنى المعية في اللغة، وضربوا النصوص بعضها ببعض، وأبطلوا نصوص العلو والفوقية بنصوص المعية، وأما أهل السنة فآمنوا بالنصوص من جانبين، وجمعوا بينهما جمعا صحيحا. نعم.
أحسن الله إليكم، يقول: هل الذي يستشعر أن الله يراقبه في كل مكان، هل هو مثل الذي يقول: إن الله في كل مكان؟
ج: لا، الذي يقول: الله في كل مكان. هذا كافر -أعوذ بالله-، والذي يستشعر أن الله يراقبه في كل مكان، هذا الإحسان، هذا عبد الله على الإحسان، والحديث: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك هذه المراقبة، الذي يراقب الله ويعبد الله على المشاهدة، وأن الله يراه، يعبد الله على أنه يراه، فإن ضعف عن هذه المرتبة، فإنه يعبد الله على أن الله يراه، فلا يقال: إن هذا مثل هذا. كيف يقال هذا مثل هذا؟! هذا كافر يؤمن بأن الله في كل مكان، وهذا محسن عبد الله بالمشاهدة، فكيف يقال هذا مثل هذا؟! نعم.
ذكرتم -أحسن الله إليكم- أن الاستواء يأتي متعد بالواو، بدليل قوله -تعالى-: • ( ) لكن هذا متعد بـ"على" وليس بـ"الواو"؟
ج: نعم، أقول: هذا يأتي متعد بـ"إلى"، ويأتي بالمعية كل واحدة منهم له معنى، إذا كان جاء بالواو هذا تفيد المساواة، استوى الماء والخشب، يعني: تفيد المعية، استوى الماء مع الخشب، هذا له معنى وهذا معنى، أما إذا جاء متعد بـ"على"، فهذا يفيد العلو والارتفاع ( ) نعم.
وفق الله الجميع لطاعته، وثبت الله الجميع على الهدى، وصلى الله على محمد وآله وصحبه.
صفة الوجه
الدليل على إثبات صفة الوجه والذات لله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
قال الإمام عبد الغني المقدسي في كتابه "الاقتصاد في الاعتقاد":
ومن الصفات التي نطق بها القرآن وصحت بها الأخبار الوجه، قال الله ( ) قال ( ) وروى أبو موسى عن النبي قال: جنات الفردوس أربع: ثنتان من ذهب، حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة، حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن .
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
من الصفات التي جاءت في القرآن العزيز، وثبتت في السنة المطهرة، صفة الوجه لله -عز وجل-؛ ولهذا قال المؤلف: "ومن الصفات التي نطق بها القرآن قول الله -تعالى- ( ) نطق بها القرآن، يعني: أثبتها الله -تعالى- في كتابه، وصحت بها الأخبار، يعني الأخبار: الأحاديث عن رسول الله في صفة الوجه، استدل على ذلك بالأدلة من الكتاب العزيز، ومن السنة المطهرة، قال الله -تعالى-: ( ).
نقول: ( ) فيها إثبات الوجه لله، إثبات الوجه والذات، وقال ( ) وأهل البدع ينكرون صفة الوجه لله الجهمية والمعتزلة والأشاعرة أيضا، وإن صفة الوجه من الصفات الذاتية الثابتة لله والأشاعرة يتأولونها، منهم من يؤولها بالذات، منهم من يقول: بالذات. وجه ربك، أي: ذاته. تجدون هذا في تفسير الجلالين، يقول: ( ) أي: ذاته. قصدهم بذلك إنكار للوجه، والآية فيها إثبات الوجه والذات.
وكذلك أيضا بعض الأشاعرة: البغدادي وغيره من الأشاعرة، أولوا الوجه بالذات، ومنهم من فوض، بعض الأشاعرة المحدثين كالبيهقي وغيره، فإنهم فوضوا (أهل الصفة)، والتفويض معناه: تفويض المعنى. يقولون: لا نعلم معنى هذه الصفة، نفوضها إلى الله، لا نعلم معناها. التفويض هو عدم إثبات معنى لنصوص الصفات. وهذا باطل، قال بعض أهل العلم: إن التفويض شر من التعطيل، المفوضة شر من المعطلة، المفوضة الذين لا يثبتون معاني الصفات، يقولون: لا ندري معنى الاستواء، معنى اليدين، معنى الوجه، يقولون: لا ندري معناها، كأنها حروف لاتينية، كأنها حروف أعجمية لا نفهم معناها، وهذا غلط؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- أمر نبيه أن يتدبر القرآن كله، ولم يستثن شيئا، قال: ( ) ( ) وقال -تعالى-: ( ).
ومن الأشاعرة من أثبتها كابن فورك، وكذلك البيهقي -رحمه الله-، وإن كان من الأشاعرة أثبتوها، بخلاف البغدادي والآمدي، فإنهم أولوها بالذات، ومنهم من فوض الصفة، المفوضة طائفة تقابل المعطلة، المعطلة الذين عطلوا الرب من صفات كماله وتأولوا الصفات، أولوا صفة الاستواء بالاستيلاء، أولوا صفة الوجه بالذات، هؤلاء المعطلة، وأما المفوضة فهم الذين يفوضون المعاني (معاني الصفات)، يقولون: لا ندري ما معناها. يقول: أيش معناها؟ لا نعلم معناها. وأهل الحق أثبتوا الصفات، أثبتوا الصفات وأثبتوا معانيها، وفوضوا الكيفية.
الكيفية لا يعلمها إلا الله، كما قال الإمام مالك -رحمه الله- لما سئل عن الاستواء، قال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب". نعرف معنى العلم وإنه ضد الجهل، نعرف السمع وأنه ضد الصمم، نعرف البصر وهو ضد العمى، نعرف المعنى نثبت المعنى، المفوضة يقولون: لا ندري أيش معناها؟ معنى البصر، ولا ندري معنى السمع، وما ندري معنى العلم، ما ندري، حروف نلوكها بألسنتنا، لا ندري ما معناها، نفوض معناها إلى الله. هذا باطل، المعاني معلومة، إنما الذي لا يعلم هو الكيفية (كيفية الصفات)، كيفية الصفات لا يعلمها إلا الله، كيفية صفة العلو، كيفية صفة السمع، كيفية صفة الاستواء، كيفية صفة الوجه، لا يعلمها إلا الله، أما المعنى فهو معلوم. ولهذا المؤلف -رحمه الله- قال: "من الصفات التي نطق بها القرآن وصحت بها الأخبار الوجه". استدل بآيتين من كتاب الله، الآية الأولى قول الله -تعالى-: ( ) فيه إثبات الوجه، والمؤولة يقولون: ( ) إلا ذاته، قصدوا من ذلك إنكار الوجه، ( ).
هذا من القرآن العزيز، واستدل من السنة بأدلة، منها حديث أبي موسى الأشعري الذي رواه الشيخان وغيرهما، أن النبي قال: جنات الفردوس أربع: ثنتان من ذهب، حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة، حليتهما وآنيتهما وما فيهما وفي لفظ آخر: جنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن .
يقول: إلا رداء الكبرياء على وجهه فيه إثبات الوجه، وفيه إثبات الرؤية، وأن الله -تعالى- يرى يوم القيامة، وفيه إثبات الكبرياء (إثبات الكبرياء لله عز وجل)، قال الله -تعالى-: ( ) فهذا الحديث فيه إثبات بعض الصفات: صفة الوجه، وصفة الرؤية، وصفة الكبرياء. والرؤية سيتكلم عنها المؤلف -رحمه الله-، صفة الرؤية سيأتي الكلام عليها، وهي من الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وأهل البدع.
يقول: وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم، إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن هذا خاص بالمؤمنين، المؤمنين يرون ربهم -سبحانه وتعالى- في الجنة، وفي موقف القيامة أيضا يرونه، وأما غير المؤمنين اختلف العلماء في رؤيتهم لله في موقف القيامة: من العلماء من قال: يراه أهل الموقف كلهم مؤمنهم وكافرهم، ثم يحتجب عن الكفرة. ومن العلماء من قال: إنه لا يراه إلا المؤمنون والمنافقون؛ لأن المنافقين صاروا مع المؤمنين في الدنيا، وجرت عليهم أحكام الإسلام، فصاروا معهم في الآخرة، ثم بعد ذلك ينفصل المؤمنون عن الكفار، ويضرب بينهم بسور له باب. وقال نفر من أهل العلم: إنه لا يراه إلا المؤمنون، وأما الكفار فإنهم يحجبون عن الله، قال الله -تعالى-: • ( ).
والذين قالوا: إن الكفار يرون ربهم يوم القيامة، قالوا: هذه الرؤية لا تفيدهم، ولكن يستزيدون بها عذابا إذا حجبوا، وهذا مثل السارق حين يرى السلطان ثم يعاقبه، فإنه لا يستفيد من هذه الرؤية إلا عقوبة، وفيه إثبات الجنة، وأن المؤمنين يتفاوتون في درجاتهم جنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما هذه للمقربين (السابقين المقربين) وجنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما للمقتصدين أصحاب اليمين، كما قال الله -تعالى- في سورة الرحمن: • ( ) ( ) ( ) هذه للمقربين، ثم قال: • ( ) هذه للمقتصدين، • ( ) • ( ) يعني أربع جنات، فالمؤمنون يتفاوتون في درجاتهم في الجنة على حسب أعمالهم. نعم.
وروى أبو موسى قال قام فينا رسول الله ...
وفيه الرد على من أنكر الجنة والنار كالجهمية، فالجهمية أنكروا الجنة والنار، وقالوا: إن الجنة والنار... المعتزلة يقولون: إنهما لا توجدان إلا يوم القيامة. المعتزلة قالوا: إن الجنة والنار تخلقان يوم القيامة، وأما الآن فهما عدم. وهذا من أبطل الباطل؛ الله -تعالى- أخبر أن الجنة موجودة، والنار أعدت للكافرين، ويفتح باب إلى المؤمن باب إلى الجنة، يأتيه منه روحها وطيبها، والكافر يفتح له باب إلى النار، يأتيه بحرها وعذابها والأرواح (أرواح المؤمنين) في الجنة تنعم، وأرواح الكفار في النار تعذب، وفي الجنة الولدان والحور، قول المعتزلة من أبطل الباطل، وكذلك الجهمية يقولون: إنهم يوم القيامة تفنيان، الجنة والنار تفنيان جميعا. وهذا من أبطل الباطل. نعم.
وروى أبو موسى قال: قام فينا رسول الله بأربع فقال: إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النار، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، ثم قرأ: • ( ) رواه مسلم.
نعم، ورد الحديث ورواه الإمام مسلم كما قال المؤلف -رحمه الله-، ورواه أيضا الإمام أحمد في مسنده، وابن ماجه في سننه، والبيهقي في "الأسماء والصفات"، وفي لفظ لمسلم قال: قام فينا رسول الله بأربع كلمات، فقال: إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه فيه: أن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام لأن الله منزه عن النوم، فالنوم ضعف يحتاج إليه الضعيف، المخلوق يحتاجه إلى النوم حتى يستريح، والله -تعالى- لا يتعب ولا يلحقه تعب، ( ) سبحانه وتعالى يخفض القسط ويرفعه العدل، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النار -وفي لفظ: حجابه النور- لو كشفها، أو لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره -وفي لفظ: لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه-، ثم قرأ: • ( ) .
وهذا الحديث استدل به المؤلف على إثبات الوجه، قوله: لأحرقت سبحات وجهه فيه إثبات الوجه لله -تعالى-، وفيه أن الله -تعالى- لا يراه أحد في الدنيا؛ لأنه احتجب عن خلقه -سبحانه وتعالى- بالنار أو النور، ولو كشف الحجاب لاحترق الخلق، ولا يستطيع الناس أن يثبتوا لرؤية الله في الدنيا؛ ولهذا لما سأل موسى الرؤية، كلم الله موسى بدون واسطة (من وراء حجاب)، فلما كلمه طمع موسى -عليه الصلاة والسلام- في الرؤية قال: ( ) قال: الآن يا رب سمعت كلامك من دون حجاب، ( ) ما تستطيع ببشريتك هذه، ما تتحمل، ما تستطيع أن تثبت للرؤية، ( ) الجبل صم صخر عظيم، ( ) إن كان الجبل ثبت للرؤية فأنت تستطيع، وإلا فلا، فلما تجلى الله للجبل تدكك الجبل، اندك وساخ ( ) يغمى عليه، فلما أفاق موسى قال: • ( ) أنه لا يراك أحد في الدنيا إلا مات، ولا جبل إلا تدكك.
ولهذا الصواب أن النبي لم ير ربه ليلة المعراج، وإنما كلمه الله من وراء حجاب، وفرض عليه الصلوات خمسين صلاة من وراء حجاب، ولا يستطيع أحد أن يرى الله في الدنيا، لا جبريل ولا غيره من الملائكة ولا غيرهم.
احتجب الله من خلقه في هذا الحديث -في صحيح مسلم- بالنار والنور، وجاء في الآثار: أنه احتجب من خلقه بنار ونور وظلمة وثلج، فلا يستطيع أحد أن يرى الله، ولا يستطيع أحد أن يتحمل رؤية الله في الدنيا، بل يحترقون، لو كشف الحجاب لاحترقوا، ولكن في يوم القيامة ينشأ الله المؤمنين نشأة قوية، يتحملون فيها رؤية الله، فلينظر المؤمنون إلى ربهم يوم القيامة، ينشئون نشأة قوية، ينزل الله مطرا يثبت من أجساد الناس، وينشأ الناس نشأة قوية، الصفات الذاتية هي ذوات، لكن الصفات تتبدل الصفات، والذات هي هي، الجسد هو الذي يعاد، يبلى كله إلا عجب الذنب، ثم يعيده الله، يعيد الذرات التي استحالت هي هي، إلا أن الصفات هي التي تتبدل، فينشئهم الله نشأة قوية، فيتحملون رؤية الله في الدنيا؛ ولهذا قال الله -تعالى-: • ( ) ويدخل في هذه المقولة: ( ) يدخل نبينا -عليه الصلاة والسلام-؛ فإنه بشر كلمة الله من وراء حجاب، هذا هو الصواب.
قال بعض أهل العلم: إن النبي رأى ربه ليلة المعراج ببصره. والصواب أنه رآه بعين قلبه ولم يره بعينيه، وهذا هو الصواب الذي عليه المحققون من الصحابة وغيرهم، فهذا الحديث فيه تنزيه الله عن النوم، وفيه أن الله احتجب من خلقه بالنار أو النور، وفيه أن الله لا يراه أحد في الدنيا؛ لقوله: لأحرقت سبحان وجهه كل شيء ومحمد شيء، وفي لفظ آخر: ما انتهى إليه بصره من خلقه من خلقه: جميع الخلق، ومحمد من الخلق. فلم ير ربه ليلة المعراج بعين رأسه، وإنما رآه بعين قلبه، ولكنه سمع كلام الله، كلمة الله من دون واسطة، من وراء حجاب. نعم.
إثبات صفة الوجه لله تعالى
فهذه صفة ثابتة بنص الكتاب وخبر الصادق الأمين، فيجب الإقرار بها والتسليم كسائر الصفات الثابتة بواضح الدلالات
نعم، فهذه يعني: صفة الوجه، وهذه صفة ثابتة بنص الكتاب كما سمعنا: ( ) وخبر الصادق الأمين يجب الإقرار بها والتسليم، يجب على كل مسلم أن يقر بهذه الصفة (بصفة الوجه)، ويثبت الوجه لله كسائر الصفات الثابتة، خلافا لمن أنكر الصفات: كالجهمية والمعتزلة، أنكروا الصفات، قالوا: ليس لله وجه ولا علم ولا سمع ولا بصر. وخلافا للأشاعرة الذين تأولوها بالذات، وبعض الأشاعرة أثبتها كالبيهقي وغيره. نعم.
صفة النزول
تواتر الأدلة على إثبات صفة النزول لله تعالى
وتواترت الأخبار وصحت الآثار بأن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيجب الإيمان به والتسليم له، وترك الاعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف ولا تمثيل ولا تأويل ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول.
انتقل المؤلف إلى إثبات صفة النزول، انتهى الكلام على إثبات صفة الوجه، انتقل إلى إثبات صفة النزول، قال: "وتواترت الأخبار وصحت الآثار بأن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا". المؤلف يقول: إن صفة النزول ثابتة بالتواتر، والتواتر دليل قطعي، ويقابل دليل التواتر يقابله دليل الآحاد، الأدلة نوعان: متواتر وآحاد.
فالمتواتر: هو الذي يرويه عدد كثير يستحيل تواطؤهم على الكذب، من أول السند إلى آخره، ويكون مستندا إلى حس (إلى الرؤية أو السماع). وما دون ذلك فهو آحاد، والآحاد أنواع: قد يكون غريبا، وقد يكون عزيزا، وقد يكون مشهورا، فالغريب الذي يرويه واحد عن واحد، والعزيز الذي يرويه اثنان، والمشهور الذي يرويه ثلاثة فأكثر ما لم يصل إلى حد التواتر.
فالمؤلف يقول: إن صفة النزول ثابتة بالتواتر، بالنصوص المتواترة، رواه جمع غفير من الصحابة، وصحت الآثار بأن الله -تعالى- ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وهذا النزول يليق بجلال الله وعظمته، لا نكيفه ولا نعلم كيفية النزول، فإذا قال قائل: ما كيفية النزول؟ نقول كما قال الإمام مالك -رحمه الله، نقول-: النزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. النزول معلوم في اللغة العربية، وأما كيفية نزول الرب فلا تكيف، لا نقول: على كيفية كذا. وسيأتي أن المؤلف يقول: لا نقول: يخلو من العرش أو لا يخلو. يأتي الكلام في هذا.
فيقول المؤلف: "وتواترت الأخبار وصحت الآثار بأن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا". وجاء في الأخبار أنه... الأخبار تواترت بأنه ينزل في الثلث الأخير من الليل، وفي بعضها: في الثلث الأول أو في النصف الأول، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطيه؟ ومن يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر.
فيجب على كل مؤمن الإيمان بصفة النزول والتسليم لله، وترك الاعتراض له، وإمراره من غير تكيف ولا تمثيل، لا نكيف، ولا تأويل، فلا تكيف، ولا تقول: ينزل على كيفية كذا. ولا تقول: ينزل مثل نزول المخلوق. ولا تأويل كما أول المبتدعة، قالوا: ينزل أمره، أو ينزل ملك. هذا تأويل باطل، ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول.
المؤلف يقول: "ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول". يشير إلى الرد على الذين أولوا صفة النزول بنفي حقيقة هذه الصفة، وذلك أنهم يدعون... أنهم يدعون أن الإثبات الحقيقي يتنافى مع التنزيه، وأن التنزيه يقتضي نفي الصفة، نقول: هذا باطل. فالمؤلف يقول: ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول. فهذا التنزيه الذي ينفي حقيقة النزول باطل، فالتنزيه الذي يزعم صاحبه أنه ينفي حقيقة التنزيه هو باطل، التنزيه الحقيقي هو إثبات الصفة على وجه يليق بجلال الله وعظمته. نعم.
فروى أبو هريرة أن رسول الله قال: ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر وفي لفظ: ينزل الله ولا يصح حمله على نزول القدرة ولا الرحمة ولا نزول الملك.
نعم، وهذا الحديث صحيح رواه الإمام مالك في موطئه، ورواه البخاري -رحمه الله- في مواضع في "كتاب التهجد"، وفي "كتاب الدعوات"، وفي "كتاب التوحيد"، يقول الله -تعالى-: ( ) ورواه الإمام مسلم في "كتاب صلاة المسافرين"، ورواه الإمام أحمد في مواضع، ورواه أبو داود في سننه كتاب "السنة"، وباب الرد على الجهمية، ورواه الترمذي في "كتاب الدعوات"، ورواه ابن ماجه في كتاب الإقامة، ورواه غيرهم، وهو من الأحاديث المتواترة، وفيه: أن الله -تعالى- ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر .
ولا يتكلف الإنسان ويتحذلق كما يقول بعض الناس: إن الليل يختلف في الأماكن، فيكون في مكان... يكون عندنا الآن ثلث الليل الآخر، يكون في البلاد الأخرى عندهم النهار، عندهم في الضحى أو بعد الظهر، ثم يأتي ثلث الليل الآخر، فلا يزال الرب ينزل. هذا بعض الناس استشكل هذا، وهذا نشأ من كونه مثل نزول الرب بنزول المخلوقات، نقول: الإشكال الذي في ذهنك الآن وقع بسبب التمثيل، ألغ التمثيل من ذهنك ويزول الإشكال.
نقول: إن الله ينزل، ولا نعرف كيف ينزل، لا تكيف، هذا نزول المخلوق الإشكال، وإن معناه: لا يزل ينزل في كل مكان في البلد الفلاني ينزل ثلث الليل، وإذا انتهى جاء ثلث الليل في مكان ثاني ينزل، وإذا انتهى جاء ثلث الليل في المشرق، وإذا جاء ثلث الليل في المغرب، ولا يزال الرب ينزل.
نقول أنت الآن هذا الإشكال وقع في ذهنك بسبب التشبيه والتمثيل، شبهت نزول الخالق بنزول المخلوق؛ فأشكل عليك الأمر، أما إذا ألغيت من ذهنك التمثيل والتشبيه، نعلم ولا نعرف كيف ينزل, فعل يفعله على وجه كما يليق بجلاله وعظمته، لا نكيف ولا ندرى ما الكيفية، فأنت في أي مكان من أرض الله إذا جاء ثلث الليل الآخر هذا وقت التنزل الإلهي، تضرعْ إلى الله وادعه سبحانه.
يقول المؤلف -رحمه الله-: "ولا يصح حمله على نزول القدرة، ولا الرحمة، ولا نزول المَلَك", هذا تأويل المتأولين, المتأولون بعضهم قال: ينزل الله، قال: ينزل قدرته، وبعضهم قال: تنزل الرحمة، وبعضهم قال: ينزل الملك، وهذا من أبطل الباطل؛ الرحمة في كل وقت، نزولها ما يخصص في ثلث الليل، وكذلك الملك, الملك يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ هل يستطيع أحد أن يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ هل الملك يقول هذا الكلام؟ هل يمكن لمخلوق أن يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟ من يسألني فأعطيه؟ لا يمكن أن يكون هذا إلا الله, الله -سبحانه وتعالى- هو الذي يقول من يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ وبهذا يبطل تأويل المبتدعة بأن المعنى نزول أمره، أو نزول رحمته، أو نزول الملك، هذا من أبطل الباطل. نعم.
لما روى مسلم بإسناده عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة عن رسول الله قال: ينزل الله إلى السماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل، فيقول: أنا الملك, أنا الملك, من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ حتى يضيء الفجر .
نعم، وهذه إحدى طرق الحديث, إحدى طرقه رواية الإمام مسلم، ورواه أيضاً الترمذي في سننه، قال: "حتى يمضي ثلث الليل" وفي بعضها: "حتى يمضي نصف الليل" -كما سيأتي- هذه إحدى الروايات، نعم، وسهيل بن أبي صالح هو ذكوان، ذكوان السمّان، نعم.
وروى رفاعة بن عرابة الجهني أن رسول الله قال: إذا مضى نصف الليل، أو ثلث الليل، ينزل الله إلى السماء الدنيا، فيقول: لا أسأل عن عبادي أحدًا غيري، من ذا الذي يستغفرني أغفر له؟ من ذا الذي يدعوني أستجيب له؟ من ذا الذي يسألني أعطيه؟ حتى ينفجر الصبح رواه الإمام أحمد وهذان الحديثان يقطعان تأويل كل متأول...
هذا الحديث -يقول المؤلف- رواه الإمام أحمد يعني في مسنده -رحمه الله- ورفاعة بن عرابة، ويقال عرادة الجهني، ويقال إن عرادة هو اسم جده، والحديث رواه الإمام أحمد -كما قال المؤلف- في مسنده، ورواه ابن ماجه في سننه، ورواه الدارمي في الرد على الجهمية، وذكر في الحديث ثلاث روايات قي وقت النزول: حين يمضي ثلث الليل الأول، وحين يمضي نصف الليل الأول، وحين يمضي ثلث الليل الآخر، والأحاديث -أكثر الأحاديث- على أنه حين يمضي ثلث الليل الأخر, الأحاديث متواترة في هذا.
ورواية النصف والثلث انفرد بها مسلم في بعض طرقه -كما قال هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- قال: إن رواية أنه ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر هذه متواترة أخرجها الشيخان وغيرهما، وأن رواية الثلث والنصف انفرد بها مسلم في بعض الأحاديث, وهنا رواها أيضًا الإمام أحمد في مسنده.
وأخبار النزول متواترة في الجملة؛ ولذلك يقول ابن عبد البر: إنه حديث كثير الطرق متواتر من جهة النقل؛ ولهذا اتفق السلف على إثبات صفة النزول لله على ما يليق بجلاله وعظمته، وأن نزوله -سبحانه- لا يشبه نزول المخلوقات، وأن الله مستو على عرشه -كما أخبر عن نفسه- وفوق المخلوقات، وهو ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كما يليق بجلاله وعظمته، من غير تكييف.
وأئمة السنة كلهم أطبقوا على هذا، واستدلوا بالنصوص -كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره- أن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل يوم القيامة لفصل القضاء، ولا منافاة بين نزوله واستوائه على العرش؛ لأنه -سبحانه- ينزل نزولًا لا يشابه نزول المخلوقين, يليق بجلاله وعظمته، لا تُعلم كيفيته, لا نعلم كيفيته، ولا ندري كنهها؛ ولهذا قال الإمام الآجري -محمد بن الحسين الآجري-: الإيمان بهذا واجب، ولا يسع المسلم العاقل أن يقول: كيف ينزل؟ ولا يرد هذا إلا المعتزلة, وأما أهل الحق فيقولون: الإيمان به واجب بلا كيف؛ لأن الأخبار قد صحت عن رسول الله أن الله ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة، والذين نقلوا لنا هذه الأخبار هم الذين نقلوا لنا الأحكام من الحلال والحرام، فكيف تقبل الأخبار التي رووا في الحلال والحرام ولا تقبل الأحكام التي رووا في الصفات؟ الأخبار التي نقلوها إلينا من الحلال والحرام، وعلم الصلاة والزكاة والحج والجهاد، وكما قبل العلماء منهم ذلك، كذلك قبلوا منهم هذه السنن. قال الآجري: إن من رد هذا فهو ضال خبيث، يحْذَرونه ويحَذِّرون منه.
ومن الأئمة أبو بكر بن خزيمة -رحمه الله- له كتاب التوحيد، كتاب عظيم, اعتمده أهل الحق، وأهل السنة والجماعة ينقلون عنه, قال بعد أن ذكر هذه الأخبار قال:
نشهد شهادة مقر بلسانه، مصدق بقلبه، مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب، من غير أن نصف الكيفية؛ لأن النبي المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى السماء الدنيا، وأعْلَمَنا أنه ينزل، والله -جل وعلا- لم يترك -ولا نبيه عليه الصلاة والسلام- بيان ما بالمسلمين إليه حاجة من أمر دينهم؛ فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول، غير متكلفين القول بصفته أو من صفته الكيفية؛ إذ النبي لم يصف لنا كيفية النزول، وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح أن الله -جل وعلا- فوق السماء الدنيا، الذي أخبرنا نبينا أنه ينزل إلينا؛ إذ محال في لغة العرب أن يقول ينزل من أسفل إلى أعلى، ومفهوم الخطاب أن النزول من أعلى على أسفل. نعم، وبهذا يتبين أن صفة النزول أجمع عليها أهل السنة والجماعة، وتواترت بها الأخبار عن رسول الله نعم.
وهذان الحديثان يقطعان تأويل كل متأول، ويدحضان حجة كل مبطل.
نعم، الحديثان يقطعان تأويل كل متأول، من يقول: إنه ينزل أمره أو ينزل الملك, بصراحته فيه أن الله هو الذي ينزل بنفسه، ويقول: من يسألني؟ من يدعوني؟ من يستغفرني؟ نعم.
أحاديث النزول متواترة رواها جمع من الصحابة
وروى حديث النزول: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وجبير بن مُطْعِم، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وعمرو بن عَبَسَة، وأبو الدرداء، وعثمان بن أبي العاص، ومعاذ بن جبل، وأم سلمة زوج رسول الله وخلق سواهم.
يعني يبين المؤلف -رحمه الله- أن أحاديث النزول متواترة، رواها عدد، جمع من الصحابة، منهم: علي بن أبي طالب, أخرج روايته اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وابن ماجه مقيدًا بليلة النصف من شعبان. وعبد الله بن مسعود عند الإمام أحمد في مسنده، والشريعة للآجري، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة. وجبير بن مطعم أخرج روايته في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، والسنن لابن أبي عاصم، ومسند الإمام أحمد، وسنن الدارمي، والتوحيد لابن خزيمة.
وجابر بن عبد الله أخرج روايته في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، والتوحيد لابن خزيمة. وأبو سعيد الخدري في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، والسنن لابن أبي عاصم، وسنن الترمذي. وعمرو بن عبَسة بن خالد بن حذيفة حديثه عند الإمام أحمد في المسند، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة. وأبو الدرداء أخرج روايته ابن خزيمة في كتاب التوحيد، وفي شرح أصول اعتقاد أهل السنة. وعثمان بن أبي العاص أخرج روايته البخاري في التاريخ الكبير، وسير أعلام النبلاء، والإمام أحمد في المسند، وابن خزيمة في التوحيد. وعثمان بن أبي العاص روايته عند ابن أبي عاصم في السنة، ومعاذ بن جبل روايته في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وأم سلمة في شرح أصول اعتقاد أهل السنة.
وبعض الروايات قد يكون فيها ضعف، ومنها ما اتفق عليه الشيخان، ولكن مجموعها يشد بعضها بعضا، حتى في الروايات والآثار التي فيها ضعف يشد بعضها بعضًا، ويقوي بعضها بعضًا، وتشهد لها الأحاديث الصحيحة؛ فذكر اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة أن حديث النزول رواه عن النبي عشرون نفسًا، فهي لكثرتها بلغت حد التواتر، التي بلغت حد التواتر تجعل هذا الأمر من الأمور المسلمة المعلومة من الدين بالضرورة، التي لا يسع أحدًا أن ينكر، وأن يكابر إلا من غلب عليه الهوى، ومن كان إلهه هواه فلا حيلة فيه، نعم.
الإيمان بصفة النزول من غير وصف أو كيفية
ونحن مؤمنون بذلك مصدقون، من غير أن نصف له كيفية، أو نشبهه بنزول المخلوقين.
نعم، يقول المؤلف: نحن -يعني معشر أهل السنة والجماعة- مؤمنون بذلك، مصدقون بصفة النزول، من غير وصف أو كيفية، ما نقول: إن الكيفية على كذا أو على كذا مثل نزول المخلوق، أو نكيف، نقول: الله أعلم بالكيفية، لا نشبه صفة النزول بنزول المخلوقين، ولا نكيفه نقول: إنه على كيفية كذا، وإنما علم الكيفية موكول إلى الله نعم.
وقد قال بعض العلماء: سُئل أبو حنيفة عنه -يعني عن النزول- وقال: ينزل بلا كيف.
المؤلف -رحمه الله- أراد بعد أن ذكر النصوص والأحاديث المتواترة، أراد أن يذكر أقوال أهل العلم من أهل السنة والجماعة الذين أثبتوا هذه الصفة، وقد سئل أبو حنيفة -وهو أحد الأئمة الأربعة- عن النزول، فقال: ينزل بلا كيف، يعني ينزل الرب -سبحانه وتعالى- بلا كيف، روى هذا البيهقي في الأسماء والصفات، ينزل يعني أثبت النزول، ينزل بلا كيف، هذا قول أهل السنة والجماعة، ما نقول على كيفية كذا أو يشبه نزول المخلوق، الكيف منفي، نعم، لا يعلمه إلا الله، نعم.
وقال محمد بن الحسن الشيباني -صاحبه-: الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى سماء الدنيا، ونحو هذا من الأحاديث، أن هذه الأحاديث قد روتها الثقات، فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها.
نعم، هذا القول لمحمد بن حسن الشيباني، الصاحب الثاني لأبي حنيفة، والصاحب الأول للإمام، الأكبر، أبو يوسف، وهذا الصاحب الثاني يقول: الأحاديث التي جاءت في أن الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحوها من الأحاديث، هذه الأحاديث قد روتها الثقات يعني الرواة الثقات، فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها، يعني لا نفسرها تفسير الجهمية، تفسير أهل البدع، تفسير المؤولين الذين يؤولونها، ويفسرون النزول بنزول الملك أو نزول القدرة أو نزول الرحمة، لا نفسرها ولا نفسر الكيفية، وإنما نرويها ونؤمن بها ونصدق بها، ونكِل العلم بالكيفية إلى الله نعم.
ورويْنا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كنت أنا وأبي عابرين في المسجد، فسمع قاصًّا يقص بحديث النزول فقال: إذا كانت ليلة النصف من شعبان ينزل الله إلى سماء الدنيا بلا زوال ولا انتقال ولا تغير حال. فارتعد أبي -رحمه الله- واصفر لونه ولزم يدي، وأمسكته حتى سكن، ثم قال: قف بنا على هذا المتخوِّض، فلما حاذاه قال: يا هذا، رسول الله أغير على ربه منك، قل -كما قال رسول الله وانصرف.
نعم، وهذه القصة رواها عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، قال: كنت أنا وأبي عابرين في المسجد، فسمعنا قاصًا يقص، القاص هو الواعظ، والغالب أن هؤلاء القاصين الذين يقصون -يعظون الناس- في الغالب أنهم ليس عندهم علم، يعظونهم بالقصص والحكايات والأحاديث الضعيفة والموضوعة، فعبد الله بن أحمد بن حنبل مر بأبيه في المسجد، وسمع واعظا -الذي يعظ الناس يسمى قاصا- فقال في حديثه: هذا قاص يقص عليهم، يتكلم في حديث النزول، فقال: إذا كان ليلة النصف من شعبان ينزل الله -هذا كلام القاص- ينزل الله إلى سماء الدنيا بلا زوال ولا انتقال ولا تغير حال، الإمام أحمد أنكر قوله: بلا زوال ولا انتقال ولا تغير حال، قال عبد الله: فارتعد أبي -رحمه الله- واصفر لونه، ولزم يدي، وفي لفظ: وأمسك يدي، من كان بالله +++ فهو منه أخوف.
تغير الإمام أحمد، اصفر لونه وارتعد، قال ابنه عبد الله: حتى أمسكت يديه، يمسكها حتى سكن، فلما سكن مسكه ومر به على القاص، فلما حاذه قال: يا هذا، رسول الله أغير منك على الله قل -كما قال رسول الله وانصرف، الرسول قال: ينزل ربنا، ولم يقل: بلا تغير ولا انتقال ولا زوال، أنت أغْير ولا الرسول أغير على الله؟ الرسول أغير منك، والرسول ما قال: لا زوال ولا انتقال ولا تغير، لكن لا تتجاوز كلام الرسول وانصرف الإمام أحمد، ما قال غير هذا، يعني يقول المحقق: لم أجد ذكرًا لهذه القصة، نعم.
قال حنبل: قلت لأبي عبد الله -يعني أحمد بن حنبل-: ينزل الله إلى سماء الدنيا قلت نزوله بعلمه أو بماذا؟ فقال لي: اسكت عن هذا، ما لك ولهذا؟ أَمْضِ الحديث على ما روي بلا كيف ولا حد، على ما جاءت به الآثار، وبما جاء به الكتاب.
هذه القصة رواها اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وحنبل هذا هو حنبل بن إسحاق بن حنبل بن هلال بن قاسم أبو علي الشيباني، ابن عم الإمام أحمد وتلميذه، قال الخطيب: كان ثقة ثبتًا، قال حنبل: قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل: ينزل الله إلى سماء الدنيا قلت نزوله بعلمه أو بماذا؟ فأنكر الإمام أحمد عليّ وقال لي: اسكت عن هذا، لا تقل به، ما لك ولهذا؟ أمضِ الحديث على ما روي بلا كيف ولا حد، لا تزِد على الحديث على ما جاءت به الآثار وما جاء به الكتاب، يعني بما جاء به الكتاب العزيز، والمعنى أن النصوص نصوص الصفات من الآيات والأحاديث تُمضى، يمضيها المسلم ويمررها كما جاءت، ولا يتأول تأويلا يخالف ظواهر النصوص، ويؤمن بها من غير تعرض للكيفية، نعم.
وقال الإمام إسحاق بن راهويه: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب، هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا"، كيف ينزل؟ قال: قلت: أعز الله الأمير! لا يقال لأمر الرب كيف، إنما ينزل بلا كيف، ومن قال يخلو العرش عند النزول أو لا يخلو، فقد أتى بقول مبتدع ورأى مخترع.
نعم، وهذه المقالة عن الإمام إسحاق بن راهويه الإمام المعروف، هو إمام كبير من الحفاظ، وهو أبو يعقوب الحنظلي، ومن أئمة أهل السنة والجماعة، قال له الأمير عبد الله بن طاهر، وهذا عبد الله بن طاهر بن الحسين أبو العباس أمير خراسان في زمانه، من أشهر ولاة العصر العباسي، يقول الأمير لإسحاق بن راهوية الإمام المشهور: يا أبا يعقوب، أبو يعقوب كنية الإمام أبي إسحاق، يا أبا يعقوب، الأمير يسأل أبا إسحاق، أبا إسحاق كنيته أبو يعقوب: هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا"، كيف ينزل؟ الأمير يسأل الإمام إسحاق بن راهويه، يقول له، يقول الأمير، كيف ينزل؟ تروي أن الله ينزل إلى سماء الدنيا، كيف ينزل؟ تأدب الإمام مع الأمير قال: قلت: أعز الله الأمير! لا يقال لأمر الرب كيف، إنما ينزل بلا كيف، هذا كلام الإمام رادًا على الأمير، قال: أعز الله الأمير دعاء له, لا يقال لأمر الرب كيف، إنما ينزل بلا كيف, انتهى الكلام هنا.
من قول المؤلف هذا: "ومن قال يخلو العرش عند النزول أو لا يخلو، فقد أتى بقول مبتدع ورأى مخترع", إذًا المؤلف عبد الغني يرى أنه لا يقال إنه يخلو العرش ولا يقال لا يخلو، وأن هذا من المبتدع, هذا قول مبتدع؛ فنقول أنه ينزل الرب ولا نقول يخلو العرش ولا ما يخلو العرش.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن العلماء لهم ثلاثة أقوال في هذه المسألة: المسألة الأولى: أنه لا يخلو العرش عند نزوله، أن الله ينزل ولا يخلو العرش؛ لأن نصوص الفوقية والعلو محكمة، وأما النزول فهو فعل يفعله، الله أعلم بكيفيته. والقول الثاني للعلماء، الذي اختاره المؤلف: لا يقال يخلو ولا يقال لا يخلو، السكوت. والقول الثالث الذي قال يخلو منه العرش، وهذا أضعفها.
وذكر شيخ الإسلام أن أقوى هذه الأدلة وأصح هذه الأقوال القول الأول، وهو أن يقال لا يخلو منه العرش, قال شيخ الإسلام ابن تيمية: منهم من ينكر أن يقال يخلو أو لا يخلو منه العرش، ونقل هذا عن الحافظ المقدسي, عبد الغني المقدسي، ومنهم من قال بل يخلو منه العرش، وهذا أضعفها، وصنف ابن منده في الإنكار على من قال لا يخلو منه العرش.
وقال شيخ الإسلام -رحمه الله، ابن تيمية، لما ذكر الأقوال في هذه المسألة: القائلون بأنه يخلو منه العرش طائفة قليلة من أهل الحديث, وجمهورهم على أنه لا يخلو منه العرش، وهو المأثور عن الأئمة المعروفين بالسنة، ولم ينقل عن أحد منهم بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه, إذًا شيخ الإسلام يبيّن أن قول جمهور المحدثين أنه لا يخلو منه العرش، وهناك قول قليل, قول طائفة قليلة، أنه يخلو منه العرش، والقول الثالث أنه لا يقال يخلو ولا يخلو، كما اختار عبد الغني وغيره، وقالوا: إن القول بأنه يخلو أو لا يخلو قول مبتدع، بهذا يتبين أن جمهور المحدثين على أنه لا يخلو منه العرش، ثم يليه القول الثاني أن يقال لا يخلو أو يخلو، والثالث -وهو أضعفها- وهو القول بأنه يخلو من العرش، نعم.
ومن صفاته -سبحانه- الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسوله المصطفى الأمين, اليدان، قال الله ( ).
صفة اليدين, نقف على هذا؛ لأن البحث في صفة اليدين طويل، نعم.
س: أحسن الله إليكم! هذه مجموعة من الأسئلة، يقول أحد الأخوة: هناك قاعدة للمصنف بالنسبة لتخريج الأحاديث، وهي أنه إذا لم يخرج الحديث فهذا معناه أن الحديث متفق عليه، هل هذه القاعدة مضطردة يا شيخ؟
- أي مصنف ؟
- صاحب الكتاب في آخر الرسالة ذكره.
ج: هذا قد يكون اصطلاحا له، وقد يضطرد هذا، ولكن قد لا يكون هذا قاعدة مضطردة, قد يوجد بعض الأحاديث لا يعزوها ولكنها متفق عليها, يعني كأن المصنف أخذ على نفسه أنه إذا سكت عن الحديث فمعناه رواه الشيخان، لكن قد يسكت ويكون رواه أحدهما؛ لأن الإنسان بشر قد يغلط، لكن هذا في الغالب, وفي الغالب أنه ينص على أنه رواه الشيخان، في الغالب ينص، وإذا سكت فرواه الشيخان، لكن قد يوجد خلاف هذا على قلة، نعم.
س: يقول نرجو من فضيلتكم توضيح الفائدة التربوية من إثبات صفة النزول، وخصوصًا أن الحضور غالبيتهم طلاب علم، فيحتاجون إلى هذا البناء الإيماني، وهو قيام الليل، الذي هو دأب الأنبياء والصالحين.
ج: نعم، لا شك أن المؤمن يستفيد من هذه الأحاديث -أحاديث النزول- أن الله -سبحانه وتعالى- يستجيب الدعاء في هذا الوقت، وهو ثلث الليل الآخر؛ ولهذا يقول العلماء إنه وقت التنزل الإلهي؛ هذا الوقت وقت شريف، ونصف الليل الثاني أفضل من نصف الليل الأول، وثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي كان يصلي من الليل، وأوتر أول الليل، وأوتر أوسطه، ثم انتهى وتره إلى السحر, وجاء في حديث عائشة: أن النبي كان يقوم ثلث الليل الآخر وجاء في الصحيح: أن النبي كان ينام إذا صلى العشاء، أوى إلى فراشه، فإذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل قام عليه الصلاة والسلام يصلي .
وجاء في حديث آخر: أحب الصلاة إلى الله صلاة داود؛ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه فكان داود -عليه السلام- ينام النصف الأول، ثم يقوم السدس الرابع والسدس الخامس، ثم ينام السدس السادس حتى يستعين به على أعمال النهار، هذه النومة في السدس الأخير لأنه كان ملكا حاكما يحكم بين الناس: •• ( ).
وثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي كان يقوم السدس الخامس والسادس، وبهذا يتبين أن النصف الأخير هو أفضل الليل، وهو السدس الرابع والخامس والسادس، وأما النصف الأول فإنه ينامه داود -عليه السلام- وينامه نبينا فيكون النصف الأخير -النصف الثاني بأسداسه الثلاثة- هو أفضل الليل، فالسدس الرابع والخامس يقومه داود، والسدس الخامس والسادس يقومه نبينا عليه الصلاة والسلام.
فينبغي للمسلم -ولاسيما طالب العلم- أن يكون له نصيب من هذا الوقت العظيم، الوقت الثمين، وقت التنزل الإلهي, الرب ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، ويقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر، هذا وقت عظيم، ووقت ثمين، ولو وقت قصير، ينبغي أن يكون المسلم أن يكون في هذا الوقت من الذاكرين لله كثيرا، من المستغفرين بالأسحار، من المستيقظين لا من النائمين.
وجاء في الحديث: أن النبي قيل له: إن رجل قد نام حتى طلع الفجر، قال: ذاك رجل قد بال الشيطان في أذنه رواه البخاري في الصحيح قيل المعنى أنه نام عن ورده من الليل، وقيل المعنى أنه نام ولم يصلِّ شيئًا، أو نام عن صلاة العشاء، وقيل إنه نام عن ورده من الليل، فينبغي للمسلم -ولا سيما طالب العلم- أن يستفيد من أحاديث النزول والتنزل الإلهي، وأن الرب -سبحانه وتعالى- ينزل في هذا الوقت الشريف، ويقول: من يدعوني؟ من يسألني؟ من يستغفرني؟ فيكون المسلم في هذا الوقت من الداعين ومن السائلين ومن المستغفرين، نعم.
س: أحسن الله إليكم! أسئلة كثيرة حول معنى سُبُحات وجهه، معنى السبحات؟
ج: الله أعلم, قال بعضهم، ذكر بعضهم كالسفاريني وغيره، فسروا أن سبحات الوجه هي أنوار بصره، والله أعلم، نعم.
س: يقول ألا يحتج أهل البدع بقوله: "أحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه من بصره"، بأن الله -سبحانه وتعالى- ينتهي بصره، وأنه لا يحيط الله بكل شيء، كيف يرد عليهم؟
ج: لا هذا باطل, هذا ما يأتي, لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، يعني يحترق الخلق كلهم، يعني بصره يحيط بالخلق جميعًا، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره، والمعنى لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه جميع الخلق؛ لأن الله -تعالى- يدرك جميع الخلق، نعم، ما يرد هذا الكلام، كلام السائل، نعم.
س: يقول: هل يجوز أن يدعو المسلم بالصفة، كقوله: يا وجه الله؟
ج: ما يجوز، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن دعاء الصفة ردة عن الإسلام، كفر وردة، ما يجوز يقول يا وجه الله، يقول يا رحمة الله ارحميني، يا قدرة الله أنقذيني، يا وجه الله أعطني كذا وكذا، ما يجوز، هذا حرام وبدعة، حتى قال شيخ الإسلام: إنه كفر، إن هذا كفر في الرد على +++ قال: إنه كفر وردة؛ وذلك لأن الله -تعالى- بذاته وأسمائه وصفاته هو الخالق، فلا تنادى الصفة وحدها، لكن ورد الاستعانة بالصفة: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر وكذلك القسم: "وعزة الله"، قال: وعزتك لا أسألك غير هذا قال إبليس: "وبعزتك لأغوينهم أجمعين"، ولأنه يخاطب الله، أما نداء الصفة وحدها فلا يجوز، نعم، والكلام متشابه بعض العامة يقول: يا وجه الله، ينبغي إنكار هذا، ما ينبغي هذا، ينبغي إنكاره على مثل هذا، وأنه لا يجوز: يا وجه الله، معروف عند بعض البادية، وبعض الناس، نعم.
س: وأيضًا مثله يقول: اللهم إني أسألك بعلوك فوق خلقك.
ج: لا، ينبغي للإنسان أن يسأل بالأسئلة الشرعية المعروفة: " نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى"، نعم.
س: يقول ما الفرق بين السؤال والدعاء في قوله الحديث القدسي: من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ ؟
ج: السؤال أخص, أخص من الدعاء، والاستغفار كذا أخص؛ فالدعاء أعم، الدعاء أعم من السؤال، ولأن الدعاء يشمل العبادة. العبادة دعاء، والدعاء أخص، والاستغفار أخص، فالاستغفار نوع من السؤال، والسؤال نوع من الدعاء، ففي الأول أعم، من يدعوني هذا أعم، ثم جاء الأخص هو السؤال، ثم جاء الأخص هو الاستغفار, الاستغفار سؤال لكنه نوع من السؤال أعم يشمل الاستغفار، والاستغفار نوع من السؤال والسؤال نوع من الدعاء، نعم.
س: قرأت في فتوى شيخ الإسلام -رحمه الله- أن قول الله -جل وعلا-: ( ) ليس من آيات الصفات.
ج: نعم، صحيح ليس من آيات الصفات، فثم وجه الله جهة الله، والذين قالوا إنها من آيات الصفات ضموا إليها أدلة أخرى، ومثله قول الله -تعالى-: ( ) ليست من آيات الصفات، فلا يثبت الجنب لله، ومن أثبتها ضم إليها أدلة أخرى، فهذه ليست من آيات الصفات، فثم وجه الله أي الجهة، نعم.
س: يقول أيضًا: كيف يرد على أهل البدع الذين يستدلون بها على وجود الله في كل مكان؟
ج: لا هذا باطل، أدلتهم داحضة: ( ) هذا في السفر، إذا اجتهد الإنسان، واتجه إلى أي قبلة، فهي القبلة المشروعة، إذا اجتهدت ولو أخطأت، أهل البدع أقول الحلولية هذه حجتهم داحضة، ليس في الآية دليل لهم؛ لأن هذا في السفر، إذا اتجه الإنسان إلى أي جهة، بعد أن يعمل ما بيده من علامات، إذا أخطأ فقد أصاب، نعم.
س: يقول: قال ابن قدامة في اللمعة في حديثه عن الصفات: نؤمن بها لا كيف ولا معنى، هل هذا تفويض؟
ج: قال بعضهم تفويض، وقيل لا كيف يعني لا نكيف، ولا معنى يعني لا معنى للكيفية، أو لا معنى على ما يعتقده أهل الباطل، على معنى تأويل أهل الباطل، يحملوه على هذا لأن ابن قدامة من أهل السنة والجماعة، فلا كيف لا نكيف، ولا معنى فسره به أهل الباطل من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، نعم.
س: أحسن الله إليكم! قلتم -رعاكم الله-: أن البيهقي فوض صفة الوجه، ثم قلتم: إن من الأشاعرة من أثبت صفة الوجه، ومنهم البيهقي.
ج: نعم، أثبتها، البيهقي أثبتها، نعم.
س: في حديث الجارية التي سألها رسول الله هل فيه دلالة على اختبار الناس في عقائدهم، أن هذا أشعري؟
ج: نعم؛ لأن هذه يراد عتقها، والعتق يشترط فيه الإيمان للجارية؛ فأراد النبي يختبرها أهي مؤمنة حتى تعتق أو لا؟ الرسول ما اختبر الجواري الأخرى، لكن هذه لما أراد عتقها اختبرها النبي حتى يعلم هل هي مؤمنة فتعتق أو غير مؤمنة فلا تعتق، قال: أعتقها فإنها مؤمنة؛ لأنه أراد أن يعتق جارية مؤمنة، نعم، وأما امتحان الناس في عقائدهم لا، هذا ما يمتحن إلا إذا وجدت الأسباب، نعم.
س: هل صحيح أن الإمام ابن القيم -رحمه الله- قال بفناء النار؟
ج: ليس بصحيح، قال بعضهم: إنه قال بفناء النار، يشاهد في النونية وفي بعض الكتب أطال، فيها ما يدل على أنه يقول بفناء النار، وفيها أيضا ما يدل على أنه لم يقل بفناء النار، فالأقرب -والله أعلم- أن له قولين في هذا، وهو أنه رجع عن أحدهما، والأقرب أنه رجع، وإلا له كلام طويل في بعض كتبه وفي النونية ظاهرها أنه يقول بفناء النار، وله كلام في نفس الكتاب يدل على أنه لا يقول بفناء النار؛ ولهذا بعضهم رد على من قال: إنه قال بفناء النار بكلامه، الذي هو الصريح أو قريب من الصريح، بأنها لا تفنى، وبعضهم قال: إنه يقول إنه يفنى, استدل بكلامه الذي يدل على أنه يفنى، وهذا قاله البعض في أحد المناقشات في الرسائل، وقلت: الذي يظهر لي أن له قولين، وأنه رجع عن إحداهما، والأقرب أنه رجع عن القول بفناء النار.
وأما شيخ الإسلام ابن تيمية قال بعضهم: إنه يقول بفناء النار، والصواب أنه لا يقول بفناء النار, واضح, كلام شيخ الإسلام صريح بأنه لا يقول بفناء النار، لكن ابن القيم وجد له ما يدل على هذا، وله كلام يدل على أنه يقول بفناء النار، له هذا وله هذا، فيحمل على أنه له قولين رجع عن أحدهما، نعم.
س: يقول اشتغل في مراجعة الكتب المترجمة، هذا سائل من المدينة المنورة عبر الشبكة يقول: اشتغل في مراجعة الكتب المترجمة إلى اللغة الإنجليزية، وكثيرًا ما نجد من يترجم لفظة الله أكبر بـ(Allah Is Greater)، وفيها معنى التفضيل والمقارنة، سؤالي هنا: هل تأتي هذه اللفظة بهذا المعنى، أو تعتبر هذه الترجمة خطأ؟
ج: هذه الترجمة خطأ، لا ينبغي أن تترجم الله أكبر، سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، لا تترجم، ينطق بها العربي والعجمي، كذلك القرآن، ألفاظ القرآن، لا تترجم ألفاظه، ولكن يترجم المعنى، وكذلك الدعاء لا يترجم، والتشهد لا يترجم، ينبغي حفظه، والفاتحة لا تترجم، والتكبيرات لا تترجم، سمع الله لمن حمده والتسبيحات؛ ولهذا فإن المترجمين المعروفين بالورع نسمعهم إذا جاءت في الترجمة إذا جاءت آية قرأها، وإذا جاء سبحان الله قرأها، وإذا جاء الله أكبر قرأها باللغة العربية، فلا يترجمها، وهذا هو الصواب أنها لا تترجم، وإنما يحفظها العجمي يحفظها؛ يحفظ الله أكبر ولا تترجم له، يحفظ سبحان الله والحمد لله والله أكبر، يحفظ التشهد، يحفظ الفاتحة وهكذا، فلا ينبغي أن تترجم، وهذه الحمد لله يحفظها الأعجمي كررها وسمع التكبير الله أكبر مرات مرات، حفظها، وعرف معناها، يعرف معناها، نعم.
س: نحب التنبيه على الإخوة الكرام الذين يسألون عن الدروس، هل يمكن الحصول عليها في الموقع؟ بعد عشر دقائق مباشرة من انتهاء أصحاب الفضيلة من إلقاء دروسهم ينزل الدرس مسجلا على موقع الجامع مباشرة، بالإضافة إلى بثه إلى السجون وعدد من المواقع، هذه سائلة -أحسن الله إليكم- تسأل وتقول بأنها مسحورة بسحر التفريق بينها وبين زوجها، وهي دائمة الرفض له بسبب هذا الأمر، تقول: هل علي إثم -وهذا الأمر يتعبني- هل أنا آثمة بمنعي لزوجي؟
ج: أولًا على الأخت أن تتحقق هل هي مسحورة أولًا، قد لا تكون مسحورة، قد يكون هذه كراهية، ليس كل ما يصاب به الإنسان سحر، السحر حق، لكن ليس كل ما يصاب به الإنسان سحر، بعض الناس تجده إذا أصابه وجع قليل قال أنا مسحور، ومن أصابه وجع قال عين، أصبت بعين، العين حق، والسحر حق، لكن ليس كل شيء سحر، وهذه الأخت الظاهر الآن أنها عاقلة وفاهمة وتكتب الآن وتفهم، من يقول أنها مسحورة؟ فالظاهر أنها ليست مسحورة؛ لأنها فاهمة وعاقلة، المسحور في الغالب ما يعقل، المقصود أنه على الأخت أن تتحقق من هذا.
ولو قدر أنها مسحورة تسعى, تسعى في إزالة السحر بالرقية الشرعية، أو الحصول على السحر، أو على المرأة الساحرة، يوجد الآن الخدم؛ لما كثر الخدم والخادمات في البيوت كثر السحر بسبب الخدم والخادمات، ومع ذلك ما أعتبر كثير من الناس، الآن كثير من الناس يأتي بالخادم والخادمة وهو ليس له بهم حاجة، لكن من باب الفخر والخيلاء والمباهاة؛ حتى يستدين بعضهم، فلان عنده خادم وأنا ما عندي خادم؟ ونتيجة هذا إنه يحصل هذا البلاء وهذا السحر.
فينبغي للإنسان... أولًا أنا أنصح بعدم الإكثار من الخدم والخادمات، وأنه ينبغي للإنسان ألا يأتي بالخادم ولا الخادمة ولا قائد السيارة إلا للضرورة القصوى التي لا غنى عنها، ثم بعد ذلك يأتي بالخادم والخادمة يحتاط، يختار الناس الطيبين المسلمين، لا يستقبل الكفرة ولا الكافرات، ويختار أيضًا من المسلمين والمسلمات؛ لأن المسلم يخاطب مسلم في الإسلام يوجهه، لكن الكافر لا حيلة فيه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وعلى الإنسان أنه يسعى بإزالة السحر، إذا كانت الخادمة سحرتها يعني تطلب منها أن تخبرها مكان السحر حتى يزال، وتعمل الرقية الشرعية، وتتضرع إلى الله وتسأله السلامة والعافية، وإذا فعلت شيء وهي بدون اختيارها ملجئة فلا إثم عليها، مضطرة ولا تستطيع دفع هذا الشيء، وهي ما عندها استطاعة، وهي لو كان عندها استطاعة ما فعلته؛ فلا تلام: ( ) تكون معذورة في هذه الحالة، نعم.
س: نود التنبيه للإخوة والأخوات الذين في السجون، وهم يتابعون هذه الدورة أنهم بإمكانهم -بعد متابعة هذه الدورة- الدخول في الاختبار المقرر بعد نهاية كل متن، وتمنح لهم الجوائز كغيرهم من الحضور، هذا سؤال من السجن -أحسن الله إليكم- من سجن النساء ورد إلينا، إحدى الأخوات في السجن تقول: هل من صلى العشاء والفجر في جماعة يكفي عن قيام الليل؟ وما معنى من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله؟ وهل يكون محفوظًا من الآفات؟
ج: ثبت في حديث النبي أنه قال: من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله ؛ هذا فيه فضل عظيم لمن صلى الفجر في جماعة، وصلى العشاء في جماعة، وكذلك الحديث الآخر: من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء .
وورد أن الحجاج بن يوسف، الظالم المعروف، أمير العراق في عهد عبد الملك بن مروان، في زمانه، أُتي إليه برجل يريد قتله؛ لأنه مشهور بالظلم والقتل، فسأله هل صليت الفجر في جماعة؟ قال: نعم؛ فتركه وقال: إنه سمع الحديث: "من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله".
فهذا من فوائد صلاة الفجر في جماعة، وقول السائل: هل يكفي هذا عن قيام الليل؟ لا، لكن هذا فيه فضل صلاة العشاء وصلاة الفجر في جماعة، فهو على خير عظيم، وإذا صلى مع ذلك في آخر الليل، أو صلى من الليل؛ فهذا نور على نور صلاة الليل فيها فضل عظيم، وهي من صفات المؤمنين، ومن صفات المتقين، ولها فضل عظيم: • • • ( ) فلها فضل عظيم، فينبغي للمسلم أن يكون عنده همة، عليه يصلي الفجر في جماعة، ويصلي العشاء في جماعة، ويكون له نصيب وورد من قيام الليل، نعم.
س: أحسن الله إليكم! يقول لوحظ على بعض الأخيار ممن يحضرون هذه الدورة -ولا نزكي على الله أحدًا- أنهم يحضرون إلى هذه الدروس وقد تفوتهم الصلاة مع الجماعة؛ فما توجيهكم حفظكم الله؟ مع العلم أنه لوحظ أكثر من جماعة تصلي في وقت واحد.
ج: ينبغي لطالب العلم أن يكون قدوة، وأن يكون سباقًا إلى الخير، وطالب العلم ينبغي له أن يكون محافظا على الصلوات الخمس، وأن يتقدم وألا يتأخر، حتى لا يكون قدوة سيئة لغيره, وثبت في الحديث عن النبي أنه قال: لو يعلم الناس ما في التهجير والنداء، ثم لم يجدوا إلا أن يستبقوا، لاستبقوا والتهجير التبكير إلى الصلوات, لو يعلموا ما فيه من الأجر لاستبقوا ولتساهموا، لاستبقوا عليه حتى تجرى بينهم القرعة والسهم, وقال تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله وفي لفظ: حتى يؤخرهم الله في النار فلا ينبغي للمسلم أن يكون متأخرا يتتلتل ويتأخر، ولا سيما إذا كان طالب العلم. طالب العلم ينبغي أن يكون قدوة لغيره؛ ويتقدم ليكون قدوة لغيره.
ولا ينبغي أن تقام جماعتان في مسجد واحد في مكان واحد، بل يُكتفى بجماعة واحدة، إذا جاءت الجماعة الثانية يصلوا مع الجماعة الأولى، ولا ينبغي هذا, وقد توجد جماعتان لأن الجماعة الثانية مسافرون، فيصلوا صلاة أخرى، قد يحصل هذا، لكن إذا كانت صلاة واحدة, ما ينبغي أن تقام جماعتان في مكان واحد، نعم.
س: سؤال عبر شبكة المعلومات ماذا عن قول: أعوذ بكلمات الله التامات، هل يقال بأن هذا دعاء بصفة من صفات الله؟
ج: استعاذة, سبق هذا، سبق أن قلنا: الاستعاذة لا بأس بها، الاستعاذة وردت: "أعوذ بكلمات الله من شر ما خلق", "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر", "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك"، دعاء نبوي، الاستعاذة بالصفة لا بأس، الممنوع نداء الصفة، يا رحمة الله، يا وجه الله، يا قدرة الله، هذا الممنوع، أما الاستعاذة بالصفة فلا بأس، وكذلك القسم، الحلف، وعزة الله وكلام الله لا بأس به، نعم، لا يسأل بوجهه الله، السؤال بوجه الله فيه ضعف، نعم، السؤال بوجه الله توسل، نعم.
س: من ألمانيا هذا السؤال، ورد إلينا من عمر في ألمانيا، يسأل: هل يجوز الجمع مع القصر للمسافر المقيم في ألمانيا لمدة يعلم أنها تزيد عن شهر، يقول نحن مجموعة سافرنا إلى ألمانيا لكل منا قصد من السفر، إما لعمل أو مرافقة مريض أو غير ذلك من الأسباب، المهم في الأمر أننا نقيم ولا نعلم متى نعود، وكنا طيلة المدة الماضية نقصر الصلاة، فماذا علينا الآن؟
ج: هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، وهي للمسافر إذا أقام في مكان هل يقصر الصلاة أولا يقصر الصلاة؟ وهل يترخص برخصة السفر أو لا؟ أما إذا أقام في مكان وهو لا يعلم مدة إقامته، ما يدري متى تنتهي، كأن يكون له حاجة أو معاملة، إن انتهت اليوم مشى أو بعد يومين أو بعد ثلاثة ما يدري، متى ما انتهت حاجته مشى، هذا لا يزال مسافرا، يترخص برخص السفر، له أن يقصر وأن يجمع، لكن إذا كان في البلد ينبغي له أن يصلي مع الناس ولا يصلي وحده، إذا كان وحده لا ينبغي له أن يقصر الصلاة ويصلي، ينبغي أن يجيب المؤذن، وإذا كانا اثنين فأكثر فهم بالخيار إن شاءوا صلوا مع الناس وأتموا الصلاة -وهذا هو الأفضل- أو أن يصلوا وحدهم قصروا.
أما إذا أقام في مكان وهو يعلم مدة إقامته، وأن إقامته أكثر من أربعة أيام؛ فالصواب الذي عليه جمهور العلماء أنه إذا نوى أن يقيم في أكثر من أربعة أيام، يعني يزيد على إحدى وعشرين صلاة، فإن أحكام السفر تنقطع من أول فريضة تتمها، هذا هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء، واحتجوا بحديث أنس أن النبي لما قدم مكة في حجة الوداع أقام أربعة أيام يقصر الصلاة، ثم انتقل إلى منى، قالوا ما زاد على أربعة أيام فإنه يتم؛ لأننا تحققنا أن النبي نوى هذه الإقامة أربعة أيام.
وقالوا: إن الصلاة فريضة عظيمة، وينبغي أن يكون هناك حد، ولو قلنا إنه ليس هناك حد فمعنى ذلك أن يكون المسافر يقصر سنين طويلة، قد ينتقل إلى بلد ويقول أنا أجلس عشر سنين وأرجع إلى بلدي؛ معنى هذا أن يقصر الصلاة عشر سنين؟ فينبغي أن يكون هناك حد، والحد هو أربعة أيام، جاء في الأصل أن المسافر هو الذي يرحل ويظعن، لكن استثنيت أربعة أيام لفعل النبي في حجة الوداع؛ لأنه عزم على الإقامة أربعة أيام.
أما في غزوة الفتح فإنه أقام تسعة عشر يوما، لكنه لم ينوِ الإقامة، وإنما أقام لتثبيت التوحيد وقواعده، وتثبيت الدين، وإزالة معالم الشرك، وكذالك في تبوك ما نوى إقامة مستقرة، بخلاف أربعة أيام في حجة الوداع فإنه نوى الإقامة، الصواب الذي عليه جمهور العلماء أنه إذا نوى أن يقيم أكثر من أربعة أيام لا يترخص, من أول فريضة يتم الصلاة, أما إذا كانت إقامته يوما أو يومين أو ثلاثة أو أربعة فإنه يترخص برخص السفر، إذا كانوا اثنين أو ثلاثة بالخيار: إن صلوا وحدهم قصروا، وإن صلوا مع الناس أتموا، أما إذا كان واحدا لا، لا يصلى وحده، بل عليه أن يصلي مع الجماعة، نعم.
س: من سجن النساء، هذه سائلة تقول: نسيت قراءة التشهد الأول في الركعة الثانية في صلاة العشاء، فهل أقرأها في الركعة الثالثة، أم أكتفي بسجود السهو؟
ج: تكتفي بسجود السهو، إذا فات التشهد الأول أو ترك قراءة التشهد الأول يصلي ركعتين؛ على ما جاء في حديث عبد الله بن بحينة: أن النبي قام وترك التشهد الأول، فلما انتظر الناس تسليمه سجد سجدتين ثم سلم بعد التشهد .
وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع علمًا نافعًا، وثبت الله الجميع على الهدى، وصلى الله على محمد وآله وصحبه والتابعين.
صفة اليدين
الأدلة من الكتاب والسنة على صفة اليدين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين, قال الإمام الحافظ تقي الدين عبد الغني المقدسي في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد:
ومن صفاته -سبحانه- الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسول الله المصطفى الأمين: اليدان، قال الله ( ) وقال ( ) وروى أبو هريرة عن النبي قال: التقى آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، خيّبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم: أنت موسى، كلمك الله تكليما، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته، فبكم وجدت في كتاب الله: ( ) ؟ قال: بأربعين سنة. قال: فتلومني على أمر قدره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال النبي فحج آدم موسى .
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين، أما بعد:
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "ومن صفاته -سبحانه- الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسوله عن رسوله المصطفى الأمين: اليدان، سبق الكلام على بعض الصفات؛ صفة الاستواء, صفة العلو, صفة الوجه، وكذلك أيضًا صفة النزول, ثم تكلم المؤلف -رحمه الله- على صفة اليدين، قال:
"ومن صفات الله -سبحانه وتعالى- الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسوله المصطفى الأمين: اليدان"؛ من صفات الله اليدان، واليدان صفة لله وهذه الصفة ثابتة بالكتاب العزيز وبالسنة المطهرة, استدل المؤلف -رحمه الله- بآيتين من كتاب الله الأولى قوله -تعالى-: بل يداه مبسوطتان فيه إثبات اليدين لله وأن لله يدين، تثنية، وأضاف الضمير إليه -سبحانه-: ( ) والآية فيها الرد على اليهود -قبحهم الله- الذين قالوا يد الله مغلولة، قال الله -تعالى-: ( ).
والآية الثانية قوله -تعالى-: ( ) ؛ فالآيتان فيهما إثبات اليدين لله، ووجه الدلالة أن الله -تعالى- أثبت لنفسه يدين اثنتين، وأضافهما إلى نفسه الكريمة بضمير الإفراد: ( ) يعني الرب -سبحانه وتعالى- والآية الأخرى: ( ) وأما قول الله -تعالى-: ( ) فليست من آيات الصفات؛ ( ) يعني بقوة وقدرة، من آد يئيد، ولم يضفها الرب -سبحانه وتعالى- إلى نفسه بضمير الإفراد، فقال: ( ) بصفة الجمع بأيد تدل على القوة والعظمة، ومعنى الآية والسماء بنيناها يعني بقوة وقدرة، وليست من آيات الصفات؛ لأنها من آد يئيد، ولأن الله أتى بصيغة الجمع التي تقتضي التعظيم ( )، ولم يضفها لنفسه بضمير الإفراد.
بخلاف هاتين الآيتين فإن الله -تعالى- قال: ( ) أتى باليدين بصيغة التثنية، وأضافها إلى نفسه بضمير الإفراد، وكذلك الآية الأخرى: ( ) خاطب الله -تعالى- إبليس لما امتنع من السجود لآدم، قال الله: ( ).
واستدل أيضًا المؤلف -رحمه الله- على إثبات صفة اليدين لله بالسنة، استدل بحديث أبي هريرة في احتجاج آدم وموسى، وهذا الحديث رواه البخاري -رحمه الله- في صحيحه في عدة مواضع، في كتاب التفسير، وفي كتاب القدر، وفي كتاب التوحيد، وكذلك رواه مسلم في كتاب القدر، باب احتجاج آدم وموسى -عليهما السلام- ورواه أبو داود في سننه في كتاب السنة، والترمذي في كتاب القدر، باب ما جاء في احتجاج آدم وموسى، وابن ماجه أيضا في مقدمة في باب القدر.
ووجه الدلالة من الحديث في قول موسى -عليه الصلاة السلام- لأبيه آدم: يا آدم، أنت أبونا خلقك الله بيده هذا وجه الدلالة، قال: خلقك الله بيده فأضاف اليد إلى الله بضمير الإفراد "بيده"، قال موسى: يا آدم، أنت أبونا، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه
فهذا الحديث رواه في حديث احتجاج آدم وموسى، التقيا فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا، خلقك الله بيده ؛ يذكر فضائله وخصائصه، يا آدم، أنت أبونا، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته ثلاثة أوصاف كلها اختص الله بها آدم، خلقه الله بيده، فالله -تعالى- خلق الخلق كله بقدرته، ( ) لكن آدم له ميزة وله خصوصية، أن الله خلقه بيده، هذه ميزة وخصوصية لآدم، هي تشريف له وتكريم له من بين المخلوقات، خلقه الله بيده، وكذلك نفخ فيه من روحه، يعني من الروح التي خلقها.
فالإضافة -إضافة المخلوق إلى خالقه- تقتضي التشريف والتكريم، نفخ فيه من الروح التي خلقها، وأضاف إليه التشريف، كما يقال: عيسى روح الله، روح من الأرواح التي خلقها الله، وكما يضاف الكعبة إلى بيت الله والناقة -ناقة صالح- ناقة الله، إضافة مخلوق إلى خالقه للتشريف والتكريم، كذلك: ونفخ فيك من روحه الروح التي خلقها -سبحانه وتعالى- وأضافها إلى نفسه للتشريف، وأسجد لك ملائكته هذه كلها خصائص.
يقول: لما التقى آدم وموسى، قال موسى: يا آدم، أنت ميزك الله بهذه المميزات، خصك بهذه الفضائل العظيمة، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، خيّبتنا وأخرجتنا من الجنة، وفي لفظ آخر: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة، مع إن الله أعطاك هذه الخصائص، وهذه من غيرة موسى -عليه السلام- يريد يقول: أنت السبب في خروجنا من الجنة، وإلا كان بقينا في الجنة. فقال آدم -عليه الصلاة والسلام-: أنت موسى، كلمك الله تكليمًا، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته، أيضًا ذكر خصائص موسى قال: كلمك الله تكليمًا، كلمه الله من وراء حجاب، من غير واسطة، وخط لك التوراة بيده، وهذا فيه إثبات صفة اليد أيضًا.
الحديث فيه إثبات صفة اليد في موضعين؛ في قول موسى: خلقك الله بيده وفي قول آدم: وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته فموسى ذكر لآدم ثلاث خصائص، وذكر آدم لموسى ثلاثة خصائص؛ كلمك الله تكليما، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته، فبكم وجدت في كتاب الله: ( ) قال موسى: بأربعين سنة.
هذا تقدير خاص مأخوذ من القدر السابق، وهو ما كتب في اللوح المحفوظ؛ لأن اللوح المحفوظ مكتوب فيه كل شيء، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي قال: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، قال الله -تعالى-: ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين وهو اللوح المحفوظ، وقال -تعالى-: وكل شيء أحصيناه في إمام مبين وهو اللوح المحفوظ، كل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ، كل ما يكون، في الحديث: لما خلق الله القلم قال له: اكتب. قال: يا ربي، وماذا أكتب؟ قال: أكتب مقادير كل شيء؛ فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة كل ما هو كائن إلى يوم القيامة من الذوات والصفات والحركات والسكون: ( ).
لكن هذا تقدير مأخوذ من القدر السابق، فبكم وجدت في كتاب الله: ( ) قال: بأربعين سنة هذا تقدير خاص، كما أن الإنسان يُكتب عليه تقدير خاص، له تقدير خاص، التقدير العمري؛ وذلك أنه إذا مضى عليه أربعة أشهر في بطن أمه أرسل الله بالملك، فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقيا أو سعيدا، وهناك تقدير سنوي، وهو التقدير في ليلة القدر، يقدّر الله ما يكون في تلك السنة من صحة ومرض، وإعزاز وإذلال، وإشقاء وإسعاد، وفقر وغنى، وهناك تقدير يومي كل يوم، قال -سبحانه-: • ( ) كل يوم في شأن، يعز ويذل، ويخفض ويرفع، ويغني ويفقر، ويحيي ويميت -سبحانه وتعالى- فهذا تقدير خاص، تقدير مأخوذ من القدر السابق.
قال آدم لموسى: فبكم وجدت في كتاب الله: ( ) قال: بأربعين سنة، قال آدم: فتلومني على عمل قدره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة قال النبي فحج آدم موسى وفي لفظ أنه كررها ثلاث قال: فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى؛ يعني غلبه بالحجة .
ما هو الشيء الذي لام موسى عليه، هل موسى لام آدم على الذنب؟ لا؛ لأن آدم قد تاب منه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، هل لامه عليه؟ ما الذي لامه عليه؟ إذًا اللوم إنما لامه من أجل المصيبة التي حصلت له بسبب خروجه من الجنة، وهذه مصيبة، لا شك أنها مصيبة، فاحتج آدم بالقدر، قال: المصيبة مكتوبة علي، والاحتجاج بالقدر على المصائب لا بأس، جائز، يحتج الإنسان بالقدر، إذا أصابته مصيبة قال إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء الله، لكن الاحتجاج بالقدر على الذنب لا، ممنوع، فهو ما بحجة، لو كان الذنب حجة لكان حجة للكفرة وبطل التشريع.
وهذا الحديث فيه إثبات اليد لله في موضعين؛ في قول موسى: خلقك الله بيده وفي قول آدم: وخط لك التوراة بيده ففيه إثبات اليد لله، وهذا الحديث أيضًا فيه إثبات القدر، احتج به بعضهم على رفع الذنب والعقاب عمن عصى الله، وهم الجبرية، وهذا باطل، وبعضهم قال: إن هذا الحديث يقتضي رفع الذنب والعقاب عمن عصى الله، وهذا باطل، كلٌ من الطائفتين قد ضلت سواء السبيل.
بعض المبتدعة استدل بهذا الحديث على الاحتجاج بالقدر، وقال: القدر حجة للعاصي، وهم الجبرية، قالوا: الإنسان مجبور على أفعاله، فلا يلام على أفعاله. وهذا من أبطل الباطل، وطائفة أخرى رفعوا اللوم والذنب والعقاب عن العاصي، وطائفة أخرى -وهم القدرية- طائفة رفعت اللوم والذنب عن العاصي، واحتجوا بالقدر، وطائفة كذبت بالقدر وقالوا: إن الله -تعالى- لم يقدر أفعال العباد، وإنما العباد هم الخالقون لأنفسهم، وهم المعتزلة، قالوا: العباد هم الخالقون لأنفسهم خيرًا أو شرًا، طاعة ومعصية، والله -تعالى- لم يخلق أفعال العباد؛ فلهذا إنما يلام ويعذب على فعله، وقابلتهم الجبرية فقالوا: الإنسان مجبور على أفعاله.
ولهذا علق شيخ الإسلام -رحمه الله- على هذا الحديث، قال: إن هذا الحديث ضلت فيه طائفتان: طائفة كذبت بالقدر لما ظنوا أنه يقتضي لرفع الذنب والعقاب عمن عصى الله لأجل القدر، وطائفة شر من هؤلاء جعلوا القدر حجة، وقد يقولون: القدر حجة لأهل الحقيقة الذين شهدوا، وهم والصوفية, الصوفية الذين يسمون أنفسهم أهل الحقيقة، الذين لا يرون أن لهم فعلًا، يلغون أفعالهم ويجعلونها أفعالا لله، ويقولون: إن الإنسان إذا شهد الحقيقة رفع عنه التكليف، وصار لا يؤمر ولا ينهى، وصار من الخاصة الذين تجاوزوا مرتبة العامة، فلا تكليف عليه.
وهذا من أبطل الباطل، من قال: إن أحدًا يسقط عنه التكليف وعقله معه، ما عدا الحائض والنفساء في الصلاة خاصة، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتدًا؛ ما في أحد يسقط عنه التكليف إلا إذا زال العقل رفع التكليف، كالصبي والشيخ المخرِّف والمجنون، هذا مرفوع عنه القلم، ومن عداه فليس هناك أحد يرفع عنه التكليف، كل واحد مكلف حتى يموت، قال -تعالى-: ( ) فمن اعتقد أن أحدًا يسقط عنه التكليف وعقله معه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتدًا.
هؤلاء الجبرية وهؤلاء الملاحدة -من الصوفية وغيرهم- يرون أن الإنسان إذا تجاوز مرتبة العامة، وصار من أهل الحقيقة، وألغى صفاته وأفعاله، وجعلها صفات لله؛ سقط عنه التكليف، ويستدلون بقول الله -تعالى-: ( ) ويفسرون اليقين بالموت.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: من الناس من يقول -في هذا الحديث- إنما حج آدم موسى؛ لأنه أبوه، أو لأنه قد تاب، أو لأن الذنب كان في شريعة واللوم في شريعة أخرى؛ لأن هذا يكون في الدنيا دون الآخرة، وكل هذا باطل، والصواب أن وجه الحديث أن موسى -عليه الصلاة والسلام- لام أباه لأجل المصيبة التي لحقته، من أجل أكله من الشجرة، فقال له: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة، لم يلمه لمجرد كونه أذنب ذنبًا وتاب منه؛ فإن موسى يعلم أن التائب من الذنب لا يلام، وهو قد تاب أيضًا، ولو كان آدم يعتقد رفع الملام عنه لأجل القدر لم يقل: • ( ).
والمؤمن مأمور عند المصائب أن يصبر ويسلم، وعند الذنوب يستغفر ويتوب، قال الله -تعالى-: ( ).
ولا يزال أهل العلم يبينون معنى الحديث ويردون على من لم يفهم هذا الحديث، من المعتزلة الذين يقولون بخلق أفعال العباد، ومن الجبرية الذين يقولون إن العباد مجبورون على أفعالهم، كالإمام ابن القيم -رحمه الله- فإنه بيّن أن في هذا الحديث.. قال: إن هذا الحديث فيه رد على من لم يفهمه من المعتزلة، كأبي علي الجبائي ومن وافقه، وقال: لو صح لبطلت نبوة الأنبياء، لو صح الاحتجاج بالقدر لبطلت نبوة الأنبياء؛ فإن القدر لو كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي، فإن العاصي بترك الأمر أو فعل النهي -إذا صحت له حجة بالقدر السابق- ارتفع اللوم عنه، وهذا من ضلال أهل البدع وجهلهم بالله ورسوله وسنته.
وأهل البدع يؤولون اليد، بعضهم يؤولها بالقدرة، وبعضهم يؤولها بالنعمة، وهذا باطل؛ إذا أولها بالقدرة يكون المعنى: ( ) يعني بقدرتي، يفسد المعنى، والقدرة واحدة، ليست القدرة اثنتين، وكذلك إذا فسرها بالنعمة: "ما منعك أن تسجد لما خلقت بنعمتيّ"، النعم كثيرة ليست اثنتين، فنعم الله لا تعد ولا تحصى، ( ) ؛ فتأويل أهل البدع لليد بالقدرة أو بالنعمة يفسد به المعنى ولا يستسيغه عاقل أن يقال: لما خلقت بيدي نعمتي أو قدرتي، نعم.
الإيمان بثبوت اليدين لله من غير تكييف ولا تشبيه
قال -رحمه الله-: فلا نقول يد كيد، ولا نكيف ولا نشبه، ولا نتأول اليدين على القدرتين -كما يقول أهل التعطيل والتأويل- بل نؤمن بذلك، ونثبت له الصفة من غير تحديد ولا تشبيه، ولا يصح حمل اليدين على القدرتين؛ فإن قدرة الله واحدة، ولا على النعمتين؛ فإن نعم الله لا تحصى، كما قال ( ).
المؤلف -رحمه الله- من أهل السنة والجماعة، الحافظ عبد الغني، ويقول: إننا معشر أهل السنة والجماعة، لا نقول يد كيد، لا نقول يد الله كيد المخلوق، هذا تشبيه، تمثيل، والله ليس كمثله شيء، ولا نكيف، لا نقول: إن يد الله كيفيتها كذا، ولا نشبه نقول: إن يد الله تشبه كذا وكذا، كل هذا باطل، كل هذا من طريقة أهل التمثيل والتكييف والتشبيه، قال: ولا نتأول اليدين على القدرتين؛ هذه طريقة أهل التأويل والتحريف، لا نتأول اليدين على القدرتين، كما يقول أهل التعطيل والتأويل من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، بعضهم يتأول اليد بالقدرة، واليدين بالقدرتين، اليدان القدرتان أو النعمتان، وهذا من أبطل الباطل كما بين المؤلف رحمه الله.
وتأويل اليد بالقدرة فيه إبطال للخصائص التي خص الله بها بعض مخلوقاته؛ فآدم خصه الله بأن خلقه بيده، فإذا فسرت اليد بالقدرة يكون المعنى: ما خلقت بقدرتي، فتزول الخصيصة، إبليس مخلوق بقدرة الله، فإذا كان إبليس مخلوقا بقدرة الله، وآدم مخلوقا بقدرة الله؛ زال التفضيل لآدم والله -تعالى- فضل آدم لقوله -تعالى-: ( ) وكذلك خط الله التوراة لموسى بيده، فإذا قيل اليد القدرة، خط الله التوراة بقدرته، زالت الخصوصية.
وكذلك أيضا تأويل اليد بالقدرة أو بالنعمة يفسد به المعنى؛ لأن التثنية في القدرة والتثنية في النعمة يفسد بها المعنى، لما خلقت بنعمتيّ أو بقدرتيّ، النعم ليست اثنتين، وإنما نعم الله لا تعد ولا تحصى، والنعم -نعم الله- مخلوقة، وأما يداه فهما صفة له وكذلك القدرة، القدرة صفة أخرى غير اليد، والقدرة واحدة؛ فلا يقال: خلقت بقدرتي، القدرة ليست اثنتين، بل هي قدرة واحدة؛ وبهذا يتبين أن تأويل أهل الباطل لليد بالقدرة أو النعمة تأويل باطل.
كما أن تمثيل وتكييف أهل التمثيل لليد بأيدي المخلوقين، المشبهة من غلاة المشبهة من الشيعة كالبيانية والسالمية -البيانية أتباع بيان بن سمعان التميمي، والسالمية أتباع هشام بن سالم الجواليقي وداود الجوارمي- وغيرهم من غلاة الشيعة من المشبهة، هؤلاء يقول أحدهم: لله يد كيدي، ووجه كوجهي، واستواء كاستوائي. وهذا من أبطل الباطل، وهم من الكفار، من شبه الله بخلقه كفر؛ ولهذا قال أئمة أهل السنة والجماعة: من شبه الله بخلقه كفر، من مثّل الله بخلقه كفر، ومن نفى ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ذلك تشبيه، هذا مروي عن نعيم بن حماد الخزاعي وغيره من أئمة السلف، كلهم قالوا: من شبه الله بخلقه كفر، ومن نفى ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله كفر.
المؤلف -رحمه الله- يقول: بل نؤمن بذلك، ونثبت له الصفة، نثبت ما أثبته الله لنفسه من الصفات من غير تحديد؛ يعني من غير تحديد كيفية الصفة، يعني لا نحدد كيفيتها؛ لأن الكيفية لا يعلمها إلا الله. فالسلف يثبتون الصفة، ويثبتون معاني الصفات الظاهرة، وينفون عنه المشابهة والكيفية، ولا تشبيه يعني لا نشبه، لا نقول: إن يد الله تشبه يد المخلوق، ولا يصح حمل اليدين على القدرتين كما يقول أهل التأويل من المعتزلة والأشاعرة؛ فإن قدرة الله واحدة، قال المؤلف: قدرة واحدة، واليد هنا اليدان اثنتان، فكيف تؤول اليدان بالقدرتين؛ فإن قدرة الله واحدة.
ولا على النعمتين؛ يقول المؤلف: فإن نعم الله لا تحصى؛ لأن إذا أولت اليدين بالنعمتين -لما خلقت بنعمتي- صار فيه حصر للنعم بأنها اثنتان، ونعم الله لا تعد ولا تحصى، ثم إن النعم مخلوقة، وصفات الله ليست مخلوقة -كما قال ( ) نعم.
الإيمان بكل ما ثبت من الصفات مثل المحبة والمشيئة والإرادة وغيرها
قال -رحمه الله-: وكل ما قال الله في كتابه، وصح عن رسوله، بنقل العدل عن العدل، مثل المحبة والمشيئة والإرادة، والضحك والفرح والعجب، والبغض والسخط والكره والرضا، وسائر ما صح عن الله ورسوله، وإن نَبَتْ عنها أسماع بعض الجاهلين، واستوحشت منها نفوس المعطِّلين.
نعم، يقول المؤلف -رحمه الله-: "وكل ما قال الله في كتابه، وصح عن رسوله بنقل العدل عن العدل؛ فإنا نؤمن بها -يعني من الصفات- نثبتها لله ونقبلها.
كل ما قال الله في كتابه من الصفات، وكل ما صح عن رسول الله في السنة الثابتة بنقل العدل عن العدل، يعني الرواة، الرواة يكون عدل عن عدل، ويكون السند متصلا، ولا يكون الحديث شاذًّا ولا معلولا، هذا الحديث الصحيح، الصحيح أن يرويه عدل عن عدل، والعدل هو ما اجتمع فيه أمران: العدالة في الدين، وفي الضبط، يعني إذا كان ضابطًا، ولم يكن مجروحًا في دينه، وكان ضابطًا في النقل؛ فهذا العدل الضابط السليم في دينه، فإذا كان الرواة كلهم عدولا من أول السند إلى آخره، وكان السند متصلا، ولم يكن شاذًّا ولا معللا؛ فإن الحديث يكون صحيحا ويكون مقبولا.
المؤلف يقول: إذا كان الحديث صحيح بأن رواه العدل عن العدل، واتصل السند مع كمال الضبط، مع الضبط، ولم يكن شاذًا ولا معللًا؛ فإننا نقبله ونثبت الصفات التي وردت في هذا الحديث، ومثّل لهذا قال: مثل المحبة والمشيئة والإرادة، والضحك والفرح والعجب، والبغض والسخط، والكره والرضا، هذه أمثلة للصفات، وهذه الصفات ثابتة بالكتاب والسنة، بعضها ثابت بالكتاب والسنة، بعضها ثابت بالسنة فقط مثل المحبة.
المحبة ثابتة في الكتاب والسنة، في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، ومن أدلة إثباتها قول الله ( ) وقال -سبحانه-: • ( ) • ( ) • ( ) • ( ) • ( ).
وفي الحديث الذي رواه الشيخان: إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانًا فأحبه؛ فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانًا فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض رواه البخاري في صحيحه في مواضع: في كتاب بدء الخلق، في كتاب الأدب، في كتاب التوحيد، ورواه الإمام مسلم في كتاب البر والصلة.
فنثبت المحبة لله لأنها ثابتة بالكتاب والسنة خلافًا لأهل البدع، نقول: إن الله يحب، نثبت المحبة لله على ما يليق بجلاله وعظمته، ولا يماثل المخلوقين في محبته، وأما أهل البدع فإنهم تأولوها؛ المعتزلة أنكروها، والجهمية والأشاعرة أولوها بالإرادة، قالوا: أحبَّ يعني أراد، أولوها بالإرادة؛ لأنها من الصفات السبع التي يثبتونها، الأشاعرة يثبتون سبع صفات: الحياة، والكلام، والبصر، والسمع، والعلم، والقدرة، والإرادة، وما عدا هذه الصفات فإنهم يسلكون فيها أحد مسلكين: إما أن يردوها إلى الصفات السبع، وإما أن يتأولوها بأثر الصفات ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات؛ فمثلًا الرضا يؤولونها بالثواب، والثواب أثر على الرضا، الغضب يؤولونها بالانتقام، والانتقام أثر على الغضب، الثواب مخلوق والانتقام مخلوق، فهم أولوها ببعض المخلوقات، أو يردونها إلى الصفات السبع، وهنا يقول: المحبة يعني معناها أراد أن يحب؛ حتى أولوها بالإرادة.
والمشيئة؛ كذلك المشيئة ثابتة أيضًا في الكتاب العزيز وفي السنة المطهرة، ومن أدلتها قول الله -تعالى-: • ( ) • • ( ).
وكذلك الإرادة ثابتة: ( ) قال: • ( ) قال -سبحانه-: ( ).
والإرادة تنقسم إلى قسمين -بخلاف المشيئة- الإرادة تنقسم إلى قسمين، أو الإرادة نوعان:
النوع الأول: إرادة كونية خِلقية ترادف المشيئة، مرادفة للمشيئة، المشيئة والإرادة الكونية واحدة، إرادة كونية خلقية قدرية ترادف المشيئة، وهي تتعلق بكل ما يشاء الله فعله وإحداثه، فهو سبحانه إذا أراد شيئا وشاءه كان عقب إرادته له، كما قال سبحانه: ( ) هذه الإرادة الكونية الخلقية ترادف المشيئة.
والثانية: إرادة دينية شرعية، تتعلق بما يأمر الله به عباده، مما يحبه ويرضاه، وهذه هي المذكورة في قوله تعالى: ( ) وفي قوله ( ) هذه إرادة دينية شرعية، وقد جمع الله بين الإرادتين في قوله ( ) لأ هذه الإرادة الكونية • ( ) هذه إرادة كونية.
والإرادتان تجتمعان في حق المؤمن، في حق المؤمن المطيع تجتمعان، وتنفرد الإرادة الكونية في حق العاصي والكافر، في حق العاصي تكون الإرادة الكونية، وفي حق المؤمن يجتمع الإرادتان، فالله -تعالى- أراد الإيمان من أبي بكر كونا وقدرا ودينا وشرعا فوقع، الإرادتان تجتمعان في حق المؤمن، وتنفرد الكونية في حق العاصي، الإرادة الكونية لا يتخلف متعلقها ومرادها فلا يمكن أن يتخلف، بخلاف الإرادة الدينية الشرعية قد تحصل وقد لا تحصل، فالله -تعالى- أراد الإيمان من أبي بكر كونا وقدرا، وأراده من أبي بكر دينا وشرعا فوقع، وأراد الإيمان من أبي لهب دينا وشرعا، ولم يرده كونا وقدرا فوقعت الإرادة الكونية، ولم تقع الإرادة الدينية.
فالله -تعالى- أراد من العباد أن يعبدوه ويوحدوه ويخلصوا له العبادة، أراد منهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، لكن هذا دينا وشرعا، أما كونا وقدرا فله الحكمة البالغة، من الناس من أراد منهم أن يعبدوه لحكمة بالغة، ومنهم من أراد منهم ألا يعبدوه، فوقعت الإرادة الكونية والإرادة الدينية في حق المؤمن المطيع، وتخلفت الإرادة الدينية في حق العاصي والكافر؛ ولهذا فإن قوله تعالى: ( ) إرادة دينية شرعية، ولو كانت إرادة كونية لكان كل أهل البيت أسلموا، بل نجد من أهل البيت من لم يسلم، أبو لهب من أهل بيت النبي ولم يسلم، وأبو جهل ولم يسلم فإرادة دينية شرعية: ( ) وبهذا يتبين الفرق بين الإرادتين.
وأهل السنة والجماعة قسموا الإرادة إلى قسمين: إرادة كونية قدرية، وإرادة دينية شرعية عملا بالنصوص، فسلموا من التناقض، وأما أهل البدع فإنهم لم يعملوا إلا ببعض النصوص، فالجبرية من الأشاعرة والجهمية ما أثبتوا إلا الإرادة الكونية، وأنكروا الإرادة الدينية الشرعية فضلوا، والمعتزلة بالعكس أثبتوا الإرادة الدينية الشرعية وأنكروا الإرادة الكونية فضلوا، الجبرية كالأشاعرة والجهمية استدلوا بالنصوص التي فيها إثبات الإرادة الكونية فقط، وأغمضوا أعينهم عن النصوص التي فيها إثبات الإرادة الدينية الشرعية، والمعتزلة استدلوا بالنصوص التي فيها إثبات الإرادة الدينية الشرعية، وأغمضوا أعينهم عن النصوص التي تثبت الإرادة الكونية القدرية وأهل السنة ماذا عملوا ؟.
أخذوا النصوص التي تثبت الإرادة الكونية القدرية وصفعوا بها وجوه المعتزلة وأبطلوا مذهبهم، وأخذوا نصوص الإرادة الدينية الشرعية، وصفعوا بها وجوه الجبرية من الأشاعرة والجهمية فأبطلوا مذهبهم، واستدلوا بأدلة هؤلاء وهؤلاء، وأثبتوا الإرادتين فسلموا من التناقض فهداهم الله للحق وللصراط المستقيم الذي هو هدى بين ضلالتين.
ومن الصفات -يقول المؤلف- ومن الصفات التي نثبتها ودلت عليه النصوص الضحك، الضحك هذا من الصفات التي ثبتت في السنة المطهرة، ولم تأت في الكتاب العزيز، من أدلتها ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي قال: يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ والحديث صحيح رواه البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد، ومسلم أيضا في كتاب الإمارة ومعنى هذا أن رجلين يقتتلان في الجهاد، مسلم وكافر فيقتل الكافر المسلم فيكون شهيدا، ثم يمن الله على الكافر بالإسلام بعد ذلك فيسلم ويمت على الإسلام، فيدخل الجنة فكلاهما يدخل الجنة.
ومن الأدلة أيضا حديث أبي هريرة عند البخاري في قصة الرجل الذي هو آخر أهل النار خروجا منها، وآخر أهل الجنة دخولا، والحديث طويل رواه الشيخان البخاري ومسلم، أو رواه البخاري في الصحيح في كتاب التوحيد، وفيه أن هذا الرجل إذا خرج من النار، وكذا ولا تزال وجهه مصروفة إلى النار يقول: يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ فقَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فيأخذ الله عليه العهود والمواثيق ألا يطلب غيرها، فلا يسكت فيعطيه، فيصرف الله وجهه عن النار، ثم بعد ذلك ترفع له شجرة فيها كذا وكذا، فيسكت ما شاء الله، ثم يقول: يا رب قربني إلى الشجرة، فيقول الله ويلك يا ابن آدم ما أغدرك، وربه يعذره لأنه يرى شيئا لا صبر له فيدنيه من الشجرة، فيسكت ما شاء الله، ثم ترفع له شجرة، وهكذا حتى يصل إلى باب الجنة فيقول في النهاية: يا رب قرب لي باب الجنة فيقول: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك، يا رب لا أكون أشقى خلقك بك، فإذا وصل إلى الجنة انفتحت له الجنة، ورأى ما فيها من النعيم، وكذا فيسكت ما شاء الله، فيقول: يا رب أدخلني الجنة، فيضحك الله له قال: فيقول أيضا لا أكون أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك منه قال: ادخل الجنة، هذا فيه إثبات الضحك لله .
وكذلك الفرح من الصفات التي جاءت في الكتاب العزيز، في حديث أنس بن مالك المتفق على صحته، يقول النبي للَّهُ أشد فرحا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ إذا استيقظ عَلَى بَعِيرِهِ قَدْ أَضَلَّهُ بأَرْضِ فَلَاةٍ رواه البخاري في الصحيح في كتاب الدعوات ورواه الإمام مسلم في كتاب التوبة في بعضها وصف لهذا الرجل أنه كان في أرض فلاة مهلكة، وفقد بعيره وبحث عنه فلم يجده، وعليه طعامه وشرابه وهو في صحراء، ما يستطيع ما يهتدي إلى شيء، فأيس فلما أيس نام تحت شجرة ليموت، أيس ما وجد البعير من جميع الجهات، نظر تعب ولا حوله بلد، ولا يستطيع المشي، ولا ماء ولا شيء، فنام تحت شجرة ليموت، فنام فلما استقيظ وجد الراحلة قائمة عند رأسه وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، هي حياته، فشهق وَأَخَذَ من شدة الفرح، وجعل ينادي ربه يريد أن يقول: اللهم أنت ربي وأنا عبدك فأخطأ فقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ .
هذه كلمة كفرية قال: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ لكن إذا تكلم بكلمة الكفر ذاهلا غير متعمد فلا يؤاخذ، ولو قالها عن عمد صار كفرا، هذه كفر هذا يدل على أن حاكي الكفر لا يكفر، والمتكلم بكلمة الكفر عن غير عمد لا يكفر قال: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ يقول: اللَّهُمَّ أَنْتَ ربي وَأَنَا عبدك أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ.
ذهل فقال الله -تعالى- ففي الحديث: لله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا الرجل بفرحه براحلته فيه إثبات صفة الفرح لله كما يليق بجلال الله وعظمته لا يشبه فرح المخلوق.
وكذلك العجب أيضا، صفة العجب ثابتة في السنة المطهرة، في حديث أبي هريرة اللي رواه البخاري في صحيحه عجب الله من قوم يدخلون الجنة بالسلاسل رواه البخاري في كتاب الجهاد، ورواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود
وفيه أيضا ثبت في صحيح البخاري - حديث آخر - في قصة الأنصاري الذي استضافه فقير، وذلك أن رجلا فقيرا جاء استضافه النبي -صلى الله عليه وسلم، فسأل أزواجه -بيوت النبي متعددة تسع أبيات- وسأل كل بيت هل عندكم شيء ؟ قالوا: لا والله إلا ماء ما عندنا إلا ماء، تسع أبيات من أبيات النبي ما وجدوا شيئا للضيف، كل بيت يقول: هل عندكم شيء للضيف ؟ قالوا: يا رسول الله إلا ماء، فقال النبي من يضيف هذا وله الجنة، قال رجل من الأنصار: أنا أضيفه يا رسول الله، فذهب به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله، قالت: والله ما عندنا إلا طعام الصبيان -ما عندنا شيء إلا طعام الصبيان، طعام يكفي الأطفال-، فقال نوميهم وعلليهم فنومتهم، ثم أطفأ السراج وأوهمه أنه يأكل، وجعل الضيف يأكل حتى شبع وأصبح الرجل وامرأته وأطفاله طاوين، فلما أصبح وجاء إلى النبي قال له النبي لقد عجب الله أو ضحك من فلان وفلان وفي لفظ: من صنيعكما بضيفكما البارحة لقد عجب الله -أو ضحك الله- من صنيعكما بضيفكما البارحة .
هذا فيه إثبات العجب، وأيضا جاء العجب في القرآن العزيز قال في بعض القراءات في سورة الصافات: ( ) في قراءة "بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ " يكون الضمير لله على هذه القراءة يكون فيه إثبات صفة العجب "بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ" قراءة حفص معروفة ( ) لكن على القراءة "بَلْ عَجِبْتُ" فيه إثبات صفة العجب.
وكذلك أيضا إثبات صفة البغض، وهي تقابل المحبة، وهذه ثابتة أيضا في الحديث الصحيح: إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل إني أحب فلانا فأحبه وفي رواية: إذا أبغض عبدا دعا جبريل إني أبغض فلانا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه؛ فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض رواه الإمام مسلم في صحيحه هذا فيه إثبات البغض لله.
وكذلك - من - من الصفات الثابتة في الكتاب العزيز السخط الثابتة في القرآن قال الله -تعالى-: • ( ) فيه إثبات السخط قال سبحانه: ( ) وهي ثابتة أيضا في السنة المطهرة في حديث أبي سعيد الخدري عن النبي يقول لأهل الجنة: هل تريدون أزيدكم؟ قالوا: يا ربنا ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تجرنا من النار؟ فيقول الله أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا وهذا الحديث رواه الشيخان -رواه الإمام البخاري ورواه الإمام مسلم- في إثبات السخط لله ثابت هذه الصفة ثابتة في القرآن وفي السنة.
والكره كذلك إثبات الكره ثابت في القرآن العزيز، قال الله -تعالى- في حق المنافقين: ( ) وثابتة أيضا في السنة المطهرة في الحديث الذي رواه الشيخان، عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي قال: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه .
والرضا أيضا هذه من الصفات الثابتة في القرآن وفي السنة، في القرآن العزيز قال الله -تعالى-: ( ) وقال سبحانه: ( ) وهي ثابتة أيضا في السنة المطهرة، في صحيح البخاري في قصة الأقرع والأبرص والأعمى قصة طويلة وفيه قال في آخر الحديث الملك للأعمى: فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك، فيه إثبات الرضى والسخط.
كذلك ثبت في صحيح مسلم في الدعاء المشهور قول النبي اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك استعاذ بصفة الرضى من صفة السخط، استعاذ بصفة الرضى من صفة السخط، هذه كلها ثابتة.
قال المؤلف -رحمه الله-: "وسائر ما صح عن الله ورسوله من الصفات نثبتها لله، وإن نبت عنها أسماع بعض الجاهلين" ( نبت نبا ينبو إذا تجافى يعني تجافت عنها أسماع بعض الجاهلين ) لأنها لا توافقهم ولا توافق أهواءهم، فبعض الجاهلين من المبتدعة وغيرهم تنبو أسماعهم عن بعض الصفات فلا يثبتونها كالجهمية والمعتزلة وغيرهم، يقول: وإن نَبَتْ عنها أسماع بعض الجاهلين، واستوحشت منها نفوس المعطلين، المعطلة تستوحش نفوسهم تستوحش، ولذلك بعضهم إذا سمع آيات الصفات ارتعد، فالمؤلف يقول: نحن نثبتها ما دام أن الله أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله، وإن تجافت عنها أسماع بعض الجاهلين، وإن استوحشت منها نفوس المعطلين فلا يضرنا هذا، نعم.
صفة النفس
قال -رحمه الله-: ومما نطق بها القرآن، وصح بها النقل من الصفات: النَّفْس، قال الله إخبارًا عن نبيه عيسى -عليه السلام- أنه قال: • ( ) وقـال ( ) وقال لموسى -عليه السلام-: ( ).
وروى أبو هريرة عن النبي قال: يقول الله أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إلي شبرًا اقتربت إليه ذراعًا، وإن اقتـرب إلي ذراعـًا اقتربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة .
وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله لما خلق الله الخلق كتب في كتاب، فكتبه على نفسه، فهو موضوع عنده على العرش: إن رحمتي تغلب غضبي .
نعم، وهذا المقطع من كلام المؤلف، يقول المؤلف: ومما نطق به القرآن، وصح بها النقل من الصفات: النَّفْس، ذكر المؤلف أن من صفات الله النفس، ويثبت لله نفسا وجعلها من الصفات، وهذا قول لبعض العلماء فقالوا: إن من الصفات النفس، ومنهم من قال: إن النفس هي الذات المجردة عن الصفات، وكل من القولين ليس بصحيح، والصواب الذي عليه جمهور العلماء أن المراد بالنفس الله، المراد بالنفس الله نفسه المتصلة بالصفات المراد بالنفس الله، يعني: ذاته سبحانه المتصلة بصفاته، ليس المراد بها ذاتا مجردة عن الصفات، وليس المراد بالنفس صفة للذات، بل المراد بالنفس الله نفسه الله، يعني: المراد بالنفس الله التي هي ذاته المتصلة بالصفات، ليس المراد بالنفس ذاتا مجردة عن الصفات -كما قاله بعضهم- وليست النفس صفة للذات، بل النفس هي الذات نفس الله، النفس هي الله أي: ذاته متصفة بالصفات، هذا هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء كما حقق ذلك أهل العلم من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وغيره من المحققين.
وأما القول بأن الصفات من النفس كما ذهب إليه أصحاب هذا المذهب قول لبعض أهل العلم، وهو كأن الدارمي أيضا في رده على بشر المريسي يميل إلى هذا القول وأنها صفة، لكن الصواب أن النفس هي الذات، هي الذات المتصفة بالصفات؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في مجموع الفتاوي في الجزء التاسع صفحة 292 قال: ويراد بنفس الشيء ذاته وعينه، كما يقال رأيت زيدا نفسه وعينه، وقد قال تعالى: ( ) وقال: ( ) وقال تعالى: ( ) وفي الحديث الصحيح أنه قال لأم المؤمنين: لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزن بما قلتيه لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله مداد كلماته .
وفي الحديث الصحيح الإلهي عن النبي يقول الله -تعالى-: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم هذه النصوص التي ذكرها انظر تعليق الشيخ -رحمه الله- قال: فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء، فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء الله نفسه التي هي ذاته، فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء الله نفسه التي هي ذاته المتصفة بصفاته، ليس المراد بها ذاتا منفكة عن الصفات، ولا المراد بها صفة للذات، وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات كما يظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات، وكلا القولين خطأ، وكلا القولين خطأ.
ما هما القولان ؟ الذي يقول: إن النفس صفة للذات خطأ، والذي يقول إن النفس هي الذات المجردة عن الصفات خطأ، والصواب أن النفس هي الله، وهي نفسه التي هي ذاته المتصفة بصفاته، فالنفس هي الله، هي ذات الله المتصفة بالصفات، هذا هو الصواب الذي عليه المحققون خلافا لما ذهب إليه المؤلف هنا من أن النفس هي الصفات، النفس هي الله ذات الله المتصفة بالصفات، الصفات كلها صفة للنفس، الصفات العلم والرحمة والقدرة والحب والبغض والكراهة والسخط كلها صفات للنفس، النفس نفس الله موصوفة بالغضب بالرضى بالسخط بالفرح بالعجب.
إذن نفس الله هي الله وهي ذاته المتصفة بالصفات، ليست ذاتا مجردة عن الصفة، وليست النفس ذاتا مجردة عن الصفات، وليست النفس صفة للذات بل النفس هي الذات، هي ذات الله المتصفة بالصفات، نعم.
نقف على هذا وفق الله الجميع لطاعته، بقية الوقت للأسئلة.
أحسن الله إليكم هذه مجموعة من الأسئلة، نبدؤها بسؤال ورد من السجن من إحدى الأخوات تقول: بأن عليها كفارة صيام شهرين متتابعين، وهي حامل في الشهر الخامس هل تصوم الشهرين أم تنتظر حتى تلد، ثم تصوم وهي خائفة أن يباغتها الموت وهي لم تصم، وتقول في آخر سؤالها: هل يغفر الله لي كبيرتي وأنا تائبة ونادمة عما فعلت أفتوني مأجورين ؟
أما صيامها فإن كانت تستطيع الصوم فإنه ينبغي لها أن تبادر، وإن كان يشق عليها الصوم فهي معذورة تنتظر بعد الولادة، ثم تصوم شهرين متتابعين، وأما خوفها من الذنب فإن كانت فإذا تابت توبة نصوح فإن الله يتوب عليها، التائب من الذنب كمن لا ذنب له فالله -تعالى- يقول في كتابه العظيم: • • ( ) أجمع العلماء على أن هذه الآية في التائبين؛ لأن الله عمم وأطلق قال: • • ( ) يعني: للتائبين حتى الشرك، من تاب تاب الله عليه، إذا تابت توبة نصوح تكون خالصة تتوب توبة لأجل الله لا رياء ولا سمعة ولا لأجل الدنيا، ويكون الإنسان أقلع عن المعصية، وندم على ما مضى، وعزم عزما جازما على ألا يعود إلى المعصية، ورد المظلمة إلى أهلها إن كانت بينه وبين الناس، وكانت توبة قبل الموت قبل نزول العذاب، وقبل بلوغ الروح إلى الحلقوم، وقبل طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان، فإنها توبة نصوح مقبولة من أي ذنب كان، من تاب تاب الله عليه، نعم.
وردت لفظة اليد لله في القرآن مفردة ومثناة وجمعا، بعض أهل العلم حملوا لفظة الجمع في اليد على غير ظاهرها، والله -عز وجل أثبت الجميع في القرآن، فلماذا نحدد أنها يدان ولا نقول: أننا نثبت اليد من غير أن نحدد العدد ؟
أنا تكلمت قد بينت هذا في أثناء الدرس، لكن كان السائل ما انتبه، ولو رجع لوجد الكلام موضحا، فإن جاءت بصيغة الجمع ليست من الصفات قال الله -تعالى-: ( ) وهذه من آد يئيد مصدر آد يئيد أيدا من القوة؛ ولأن الله أضافها إلى نفسه بصيغة الجمع، أي: للتعظيم مثل قوله: ( ) ما يقال لله أعين هذه صيغة الجمع لا.
بخلاف اليد فإذا أضيفت إلى الله بضمير الإفراد دل على أنها صفة مثل: ( ) تثنية ( ) تثنية، أما بيدي ( ) فالمراد الجنس جنس اليد، المراد الجنس فيه إثبات اليد لله ( ) في إثبات اليد لله والمراد الجنس، والآية التي فيها التثنية بينت أن لله يدان ( ) يديَّ، أما ( ) فليست من الصفات، وإنما هي مصدر آد يئيد أيدا، نعم.
قلتم أحسن الله إليكم في الدرس الماضي: إن سؤال الصفة حرام، ولكن سؤال الله بالصفة لا شيء فيه مثل: اللهم إني أسألك برحمتك وعزتك فما الفرق ؟
ما فيه اشتباه حتى يكون هناك فرق، ما فيه اشتباه، لا يوجد اشتباه، سؤال الصفة ينادي، ينادي الصفة يقول: يا وجه الله، يا قدرة الله أنقذيني يا رحمة الله، يخاطب الله بصيغة الأنثى هذا حرام، هذا حرام، ولا يجوز نداء الصفة، قال شيخ الإسلام: إنه كفر، أما التوسل بصفات الله فأنت تسأل الله وتجعل الوسيلة لذات الله، اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلى أن تغفر لي، هل هذا يشتبه بهذا ؟ كيف يقول السائل: فما الفرق ؟ ما فيه اشتباه حتى يقال: فما الفرق ؟ هذا الذي ينادي الصفة يقول: يا رحمة الله ارحميني، يا قدرة الله أنقذيني، هذا كأنه فصل الصفة عن الذات، وخاطب بخطاب الأنثى يا رحمة الله، والله بذاته وصفاته -سبحانه وتعالى- هو الرب، هو المسئول بذاته وصفاته وأسمائه، أما الذي يتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته هذا لم يفقه القرآن، وأدلته يخاطب بيا الله الخطاب لمن ؟ لله، أسألك بأي شيء ؟ بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، توسل أسألك بإيماني، أسألك بعملي الصالح، هل هذا يشتبه مع هذا حتى يقال: ما الفرق، نعم، ينبغي للسائل أن يتأمل -نعم- حتى لا يقول ما الفرق ؟ نعم.
يقول - أحسن الله إليكم - ثبت في الحديث وكلتا يديه يمين وعندنا بعض العادات إذا قدم للشخص بالشمال قال: شمالك يمين !! فهل هذا جائز ؟
لأ ليس بصحيح، " شمالك يمين " غلط ما هو بصحيح، شماله شمال ويمينه يمين، هذا للرب خاصة، كلتا يديه يمين فإذا بعض الناس وبعض العامة إذا أعطيته شيء أو مد يده اليسار قال: ما يخالف شمالك يمين، شمالك يمين يعني: يبرر هذا الموقف يبرر عمله، عمله غلط اليد اليمنى للأخذ والإعطاء، بعض الناس يعطيك بيده الشمال فيأخذه ويقول لك: شمالك يمين، لأ غلط تقول له: يا أخي ما آخذه من الشمال أعطني بيدك اليمين، علمه الآداب، إذا أعطاك بيده اليسرى لا تأخذ بيده الشمال، قل له: يا أخي أعطني بيمينك، وهذا أحسن وحصل عندي في بعض المقالات لما يعطيني بيده الشمال، قلت يا أخي: ما آخذ بيدك الشمال، بيدك اليمين فيقول: جزاك الله خيرا، أنا غلطت، وأنا كذا، أما قول شمالك يمين هذا تبرير، تبرير للغلط لأ، هذا غلط غلطان، كيف تبرر غلطه بشمالك يمين؟ ليست شماله، شماله شمال ويمينه يمين، هذا لله قال الله -تعالى-: وكلتا يديه يمين وفي الحديث: وكلتا يدي ربي يمين مباركة يعني: كلتا يديه يمين في الفضل والشرف والجود وعدم النقص والضعف، بخلاف ابن آدم فإن الشمال فيها نقص وفيها ضعف، أما الرب فلا يلحق يديه نقص ولا ضعف، كلتا يديه يمين في القوة والفضل والشرف والكرم، وإلا فله يمين وشمال -سبحانه- كما جاء في صحيح مسلم إثبات الشمال، وقال بعض أهل العلم: إن هذا من إثبات الشمال لله طعنوا فيه، وإن كانت في مسلم، وقالوا: إن تفرد بها بعض الرواة، بعض أهل العلم يقول: كلتا يديه تسمى يمين، ومنهم من قال: كلتا يديه يمين يعني: في الشرف والكرم والفضل وعدم النقص، ولكن الأخرى تسمى شمالا كما جاء في صحيح مسلم، نعم.
أسئلة كثيرة حول حديث احتجاج آدم وموسى، أول سؤال فيها ذكر موسى -عليه السلام- قوله تعالى: ( ) هل ذكرها على أنها آية من كتاب الله -تعالى- وهو القرآن الكريم ؟ مع أنه لم ينزل بعدُ ؟
لأ آدم، آدم يقول لموسى: هل وجدت في كتاب الله يعني: التوراة كتاب الله، ما هو مقصود القرآن، يعني: موجود هذا في التوراة وفي القرآن، فهل وجدت في كتاب الله، يعني: التوراة التي أنزلها الله عليك ( ) قال: نعم، ليس المراد في القرآن يخاطبه، وسيخاطبه في كتاب الله الذي أنزل عليه هذا، كتاب الله جنس، كتاب الله جنس، يعني: الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه كلها تسمى كتبا، كتاب الله، التوراة كتاب الله، والإنجيل كتاب الله، والزبور كتاب الله، والقرآن كتاب الله، فمراد آدم كتاب الله يعني: التوراة التي أنزلها الله عليك، هل وجدت هذا قال: نعم، فحج آدم موسى يعني: غلبه، غلبه بالحجة، نعم.
هل التوراة هي الألواح التي ألقاها موسى -عليه السلام- ؟
التوراة إنما أنزلها الله بعد إغراق فرعون، بعد هلاك فرعون قال الله -تعالى-: •• ( ) ولم يهلك الله أمة بهلاك عام بعد نزول التوراة، فبنزول التوراة رفع العذاب العام، فدل هذا على أن الألواح هذه قبل نزول التوراة، الله -تعالى- أنزل على إبراهيم صحف وموسى صحف • ( ) غير التوراة، التوراة إنما نزلت بعد ذلك، والألواح التي كتبها الله التوراة التي أنزلها الله على الألواح على موسى، إنما كان هذا بعد أن عبد بنو إسرائيل العجل وكان هذا بعد هلاك فرعون.
فلما جاء موسى -عليه الصلاة والسلام- ووجدهم يعبدون العجل أخبره الله قبل ذلك أنهم يعبدون العجل • ( ) لما ذهب موسى لميقات الله واستخلف أخاه هارون وهو نبي مثله قال: ( ) فجاء السامري فصنع لهم من الحلي ( ) وقال ( ) فعبدوه، نهاهم هارون ومنعهم فلم يقبلوا كلامه وأرادوا قتله وقالوا: لا ( ) ما نقبل كلامك حتى يأتي موسى، موسى ذهب لميقات ربه أربعين ليلة فأخبره الله • ( ).
فلما جاء موسى ووجدهم يعبدون العجل غضب غضبا شديدا، وألقى الألواح تكسرت من شدة الغضب، وهذا فيه دليل على أنه ليس من رأى كمن سمع، في الأول أخبره الله أنهم عبدوا العجل، لكن ما غضب هذا الغضب الشديد لما رآهم بعينه يعبدون العجل، والله -تعالى- عفا عنه، دليل على أن الغضبان معفو عنه، ألقى الألواح وفيها كلام الله حتى تكسرت من شدة الغضب، وأخذ برأس أخيه هارون وهو نبي كريم مثله وجره برأسه ولحيته، قال: كيف تتركهم يعبدون العجل • ( ) • ( ).
يقول هارون: أنا ما قصرت، لكن ما قبلوا مني ( ) • ( ) نصحتهم لكن أرادوا قتلي، وقَالَ: "يا ابْنَ أُمَّ" من باب الاستعطاف، وإلا هو أخوه لأبيه وأمه لكن من باب الاستعطاف • ( ) فهذا يحتمل أنها التوراة ؛ لأن هذا بعد عبادتهم العجل بعد إغراق فرعون، فيحتمل -والله أعلم- أنها التوراة ؛ لأن التوراة إنما نزلت بعد هلاك فرعون، وهذا بعد هلاك فرعون، عبدوا العجل والله -تعالى- عفا عنه لأنه المكان عنده له منزلة عند الله؛ لأن إلقاء الألواح وفيها كلام الله حتى تكسر، هذا لو كان مع الشعور لكان ذنبا، لكن الله عفا عنه معفو عنه، من اشتد غضبه ولم يكن معه شعور هذا معفو عنه، فعفا الله عن موسى.
ومن أيضا الفوائد بهذه المناسبة أحب أن أفيدكم هذه الفائدة هو أن الصوفية -الآن- الملاحدة الذين يقولون بوحدة الوجود، وهم منتشرون الآن، ربما الإخوان الذين في الشبكة في بلادهم يعلمون هذا، وكذلك بعض الإخوان الموجودين هنا يعلموا أن الصوفية طبقات وفرق متعددة، في كل بلد تجد عددا من فرق الصوفية، وكل فرقة لهم شيخ، وهذه الفرق كلها تقود إلى النار، منها التيجانية والقادرية والنقشبندية وغيرها من الطرق، وكلها طرق توصل إلى النار، وأغلبها طرق كفرية تجد في البلد الواحد أكثر قد يوجد مائة طريقة، تجدها في مصر وفي الشام وفي إفريقيا، وفي كل مكان، وفي سوريا، وفي كل مكان، وكل بلد بعد هذه البلاد تجد فيها فرقا صوفية كلها تقود إلى النار.
وبعضهم -بعض الصوفية- يتفاوتون بعضهم يصل إلى القول بوحدة الوجود، يصل إلى القول بوحدة الوجود، يعني: يقول: إن الوجود واحد، فالرب هو العبد، والعبد هو الرب حتى قال من رؤسائهم ابن عربي رئيس وحدة الوجود:
يا ليـت شعري من المكلف
أو قلـت رب أنـى يكلـف
العبـد رب والـرب عبـد
إن قلـت عبـد فذاك بيت
اختلط عليه الأمر ما يدري من الرب ؟ يقول: أنت الرب وأنت العبد - نعوذ بالله -، أنت الرب وأنت العبد، الوجود واحد، ويقول لما قيل له: رب مالك وعبد هالك وأنتم ذلك، والعبد فقط ++ - نعوذ بالله - هذه وحدة الوجود أعظم الناس كفرا وضلالا، كفر كل كافر جزء من كفرهم، إذا كان المشبهة كفارا لأنهم يشبهون الله بخلقه فكيف بمن يقول: إن الله هو الخلق جميعا؟ إذا كان المشبهة الحلولية الذين يقولون: إن الله حل في المخلوقات كفارا وكذا أهل الحق يقولون كيف يكون الرب حالا في بطون السباع وأجواف الطيور؟ فكيف من يقول: إن الله هو نفس السباع ونفس البطون ونفس الأجواف هؤلاء أعظم الناس كفرا من الملاحدة، الملاحدة يرون أن الوجود واحد، ما في فرق بين الرب وبين العبد.
ومنهم ابن عربي، وابن عربي هذا رئيس وحدة الوجود، وله مؤلفات له كتاب يسمى كتاب " الهُو " يقول: إن الذكر هو هو هو هو، له كتاب الفتوحات المكية، وله كتاب فصوص الحكم، يعارض فيه القرآن مثلا فص قصة قوم نوح فص، قصة قوم هود فص، قصة موسى مع فرعون فص، وقال على هذه الآية هذا الشاهد الذي أردت أن أذكره لكم، انظر -والعياذ بالله- يقول: إن فرعون حينما قال: ( ) مصيب، مصيب لأن الوجود واحد، ويقول: إن الإنسان يتمثل، يقول: الرب -والعياذ بالله، يتجلى في صورة معبود كما يتجلى في صورة فرعون، معبود كما يتجلى في صورة هادٍ كما في صورة الرسل، فهو واحد.
ففرعون -يقول ابن عربي- مصيب حينما قال: ( ) لأن الوجود واحد والرب هو العبد، ويقول: إن كل من عبد شيئا من دون الله فهو مصيب، فالذي يعبد النار مصيب، والذي يعبد العجل مصيب، والذي يعبد كل شيء مصيب، والكفر إنما هو بالتخصيص الذي يخصص شيئا ويقول: لا يعبد إلا هذا، هذا هو الكافر عندنا والعياذ بالله.
وابن عربي حينما جاء قصة قوم نوح، حينما جر موسى هارون بلحيته ماذا تظنون سيقول ؟ كيف يفسر هذه الآية ؟ يقول: إن موسى جر هارون فأخذه برأسه ولحيته ليش؟ لماذا تنكر عليهم عبادة العجل ؟! هم على حق لا تنكر عليهم عبادة العجل، هم على حق الآن فكيف تنكر عليهم وهم على حق؟.
ويقول: إن فرعون أغرق ؟ لماذا أغرق ؟ أغرق تطهيرا له حتى يزول الحسبان والوهم، يعني: فرعون يتوهم أنه هو الرب الناس كلهم أرباب، فلما ظن في ذهنه أنه هو الرب وحده أغرق تطهيرا له حتى يزول الوهم والحسبان، هذا تطهير لفرعون حتى يزول وهمه وحسبانه أن الربوبية خاصة به الربوبية، كل الناس أرباب كل رب وكل عبد ما في إلا أنت يا فرعون، فأغرق تطهيرا له حتى يزول الحسبان والوهم.
قصدي من هذا تعلمون أن الصوفية الملاحدة من أكفر خلق الله، وأنهم طوائف ومنهم وحدة الوجود، هذا مذهب وحدة الوجود، وهم موجودون الآن في كل مكان، والإخوان يعلمون هذا، كثير من الإخوان الوافدين إلى هذا البلد يعلمون هذا، والإخوان الذين في الشبكة يسمعون يعلمون هذا، أهل وحدة الوجود هم أكفر الناس، وهذا مذهبهم يقولون: الوجود واحد، وفرعون مصيب، وموسى جر هارون ينكر عليه إنكاره على بني إسرائيل عبادة العجل، نسأل الله السلامة والعافية، نعم.
أحسن الله إليكم، يقول: كيف علم آدم وموسى أن تلك المعصية قدرها الله عليه قبل أربعين سنة ؛ لأنه لما سأله: "بكم وجدت في كتاب الله قال بأربعين سنة" هل أطلع على اللوح المحفوظ ؟
قلنا: إن هذا قدر، والقدر هذا مأخوذ من اللوح المحفوظ، هذا قدر قبل أن يخلقني بأربعين سنة، آدم قال لموسى: كم وجدت مكتوبا عليه ( ) قال: وجدت في كتاب الله قبل أربعين سنة، يعني: في التوراة وفي الكتاب الذي أنزله على موسى، ففيه أنه مكتوب على آدم قبل أن يخلق بأربعين سنة ( ) كيف يقال: أنه أطلع على اللوح المحفوظ، هذا قدر مأخوذ من القدر السابق، قدر مأخوذ قبل خلق آدم بأربعين سنة، واللوح المحفوظ متى مكتوب ؟ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فهذا قدر مأخوذ من اللوح المحفوظ، كتب في الكتاب الذي أنزله الله على موسى: إن آدم مكتوب عليه أنه يعصي الله قبل أن يخلق بأربعين سنة ( ) نعم.
أحسن الله إليكم، آخر سؤال وصل من ألمانيا من أحد الإخوة المستمعين عبر الشبكة: قال: قلت لأحد الإخوة الله يهديك -إن شاء الله- قال: بدون أن تقول: إن شاء الله، بل اعزم في الدعاء، كيف ونحن نقول للمريض: لا بأس طهور إن شاء الله ؟
نعم، هو مصيب، اعْزِم، لا تقول: "إن شاء الله"، لا تقيد تقول: "الله يهديك"، قال النبي لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي -إن شئت- اللهم ارحمني -إن شئت- ليعزم المسألة، فإنه لا مكره له هذا مصيب، لا شك أنه مصيب، ادع له جزما، لا تقيد؛ ولأن قولك: إن شاء الله يفيد بأنك غير محتاج إلى هذا الدعاء، اللهم اغفر لي -إن شئت-، يعني: إن شئت يا الله فاغفر لي، وإن شئت فلا تغفر لي فلست بحاجة، هذا غلط، اجزم فليعزم: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، لا تقل: إن شئت، ولا إن شاء الله، الله يهديك لا تقل: إن شاء الله، أما القول للمريض: طهور -إن شاء الله- فهذا من باب الخبر عند أهل العلم، ليس من باب الإنشاء، نعم.
وفق الله الجميع لطاعته، ثبت الله الجميع على الهدى، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فقد وقفنا على بحث في النفس في قول المؤلف: ومما نطق بها القرآن، وصح بها النقل من الصفات: النَّفْس. وقلنا البارحة: إن - في الليلة الماضية - إن جمهور العلماء على أن النفس هي الله -سبحانه وتعالى- هي ذاته المتصفة بالصفات، وأن من قال: إنها صفة، أو قال: إنها الذات المجردة فقد غلط كما بين ذلك الأئمة، مثل الشيخ شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره -رحمه الله-، فتكون النفس هي الله، هي ذات الله المتصفة بالصفات، والمؤلف هنا مشى على أنها صفة من الصفات وهو قول، وهناك قول آخر بأنها الذات المجردة، وهذا أيضا لا شك أنه باطل، فهما قولان خلاف الصواب، وأن الصواب أن النفس هي الله، وهي ذاته المتصفة بالصفات.
استدل المؤلف -رحمه الله- على أن لله نفسا بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقول الله -تعالى-: • ( ) ( ) قال الله إخبارا عن عيسى أنه قال لربه: • ( ) فأقره الله على قوله: ( ) فأثبت لله نفسا وقال • ( ) فأثبت لنفسه نفسا، وقال لموسى: ( ).
واستدل من السنة بحديث أبي هريرة الذي رواه البخاري -رحمه الله- في صحيحه وراوه الإمام مسلم أيضا والترمذي وابن ماجه وأحمد في المسند أن النبي قال يقول الله وهو حديث قدسي أضافه النبي إلى ربه فهو من كلام الله، قال يقول الله فهو من كلام الله لفظا ومعنى كالقرآن - الحديث القدسي - من كلام الله لفظا ومعنى، يقول الله أنا عند ظن عبدي وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، وإن اقترب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة .
هذا حديث قدسي رواه الشيخان وغيرهما، وهو من كلام الله وفيه إثبات أن لله نفسا في قوله: فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وهذا هو الشاهد من الحديث، وقوله: وأنا معه حين يذكرني فيه إثبات المعية لله، صفة أخرى أيضا، في إثبات النفس لله وإثبات المعية، وهذه معية خاصة ؛ لأن المعية نوعان: معية عامة ومعية خاصة، المعية العامة هي معية الله لجميع الخلق، فالله -تعالى- مع خلقه بإحاطته وباطلاعه ونفوذ قدرته ومشيئته، ورؤيته لهم من فوق عرشه، وسمعه لكلامهم، هذه المعية العامة، ومقتضاها الاطلاع والإحاطة وتأتي في سياق المحاسبة والمجازاة والتخويف لقوله سبحانه: ( ) تأتي في سياق المحاسبة والمجازاة، وقوله سبحانه: ( ) وقوله سبحانه: ( ) وهو معهم هذه معية عامة، وتكون للمؤمن والكافر عامة، المعية العامة تكون للمؤمن والكافر، ومقتضاها الاطلاع والإحاطة، وتأتي في سياق المحاسبة والمجازاة والتخويف.
أما المعية الخاصة فهي خاصة بالمؤمن خاصة بالمؤمنين معيته سبحانه مع الصابرين قوله: • ( ) وتكون للمتقين • ( ) مع المقسطين • • • ( ) مع المتقين ومع المحسنين، ويكون مع الذاكرين كما في هذا الحديث: وأنا معه حين يذكرني هذه معية خاصة للذاكرين، فهي خاصة بالمؤمن ومقتضاها النصر والتأييد والحفظ والكلاءة، وتأتي في سياق المدح والثناء وكقوله ( ) لما كان النبي في الغار هو وأبو بكر يوم الهجرة، أبو بكر قال يا رسول الله: "لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا" فقال النبي له: ( ) ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما وهذه معية خاصة وكقوله سبحانه لموسى وهارون: ( ) ( ) فلما دخل فرعون معهم في الخطاب جاءت المعية العامة ( ) فلما دخل فرعون معهم في الخطاب جاءت المعية العامة ( ) ولما انفرد موسى وهارون انفردت المعية الخاصة ( ).
هذه المعية الخاصة وهو مع المتقين ومع المحسنين ومع الصابرين، ومع الناس كلهم بعلمه وإحاطته، ومع المتقين ومع المحسنين ومع الصابرين بعونه ونصره وتأييده وتوفيقه وتسديده، ومع الناس كلهم باطلاعه وإحاطته وهو فوق العرش -سبحانه وتعالى-، لا منافاة بين المعية وبين الفوقية لا منافاة، لأن المعية ليس معناها الاختلاط والامتزاج المعية في لغات العرب يعني: مطلق المصاحبة.
أما أهل البدع كالجهمية والمعتزلة وغيرهم فإنهم ضاقت صدورهم وضاقوا ذرعا في الجمع بين النصوص، وضربوا النصوص بعضها ببعض -نعوذ بالله-، فأبطلوا نصوص الفوقية والمعية التي تزيد نصوص الفوقية والعلو التي تزيد على ثلاثة آلاف دليل من نصوص المعية.
وقالوا: إن المعية توجب الاختلاط والامتزاج، وأن الله مع الخلق مختلط بهم، وأنكروا نصوص الفوقية والمعية والعلو، وهذا من جهلهم وضلالهم وانحرافهم وزيغهم واتباعهم الهوى، فالحديث فيه إثبات المعية الخاصة وهي معية مع الذاكرين وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم وهم الملائكة وقوله في آخر الحديث: وإن اقترب إلي شبرا اقتربت إليه ذراعا وإن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة وفي لفظ: ومن تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا هذا فيه إثبات القرب لله، هذا فيه إثبات القرب لله، والحديث فيه إثبات المعية، وفيه إثبات النفس.
والقرب جاء خاصا ولم يأت عاما، عند بعض أهل العلم، عند المحققين من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أن القرب لا يكون إلا خاصا، ولا يكون عاما وخاصا كالمعية ؛ لأنها تكون عامة وخاصة، وأما القرب فإنه لا يكون إلا خاصا، وهو نوعان: قرب من الداعين بالإجابة، وقرب من العابدين بالإثابة، فالأول مثل قوله ( ) يعني: قريب من إجابة دعاء الداعين ( ) ولم يقل: إنه قريب من كل أحد، قريب من السائلين بالإجابة.
ومثله ما ثبت في الصحيح أو في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري قال كنا مع النبي في سفر فارتفعت أصواتنا بالتكبير، فقال النبي اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته .
فهو قريب من الداعين، تدعونه أقرب إلى أحدكم -أيها الداعون-، فهو قريب من الداعين، وليس فيه أنه قريب من كل أحد، ومثله قول الله -تعالى-: • ( ) للمستغفرين التائبين، هذا النوع الثاني وهو القرب من العابدين بالإثابة • ( ) من المستغفرين التائبين ليس قريبا من كل أحد، وهو كقوله سبحانه عن شعيب: • ( ) فهو رحيم ودود بالمستغفرين التائبين كما أنه قريب مجيب للعابدين وللسائلين.
وأما قوله تعالى: • ( ) فهذا قرب الملائكة، قرب العبد من الملائكة، فالملائكة أقرب إلى العبد من حبل الوريد، بدليل أنه قيده بوقت تلقي الملكين فقال: ( ) يعني: نحن أقرب إليه وقت تلقي المتلقيين، ولو كان المراد قرب الله لم يقيد بوقت تلقي الملكين، ومثله قوله تعالى في سورة الواقعة: ( ) قال العلماء: المعنى أن الملائكة أقرب إلى قلب العبد من أهله ( ) ولكن لا تبصرون الملائكة ( ).
وذهب بعض العلماء إلى أن القرب يكون عاما وخاصا كالمعية تكون عامة وخاصة، ومثل القرب الخاص مثل ما سبق ( ) وحديث أبي موسى ومن القرب قرب العبد من الإثابة قوله تعالى: ( ) فالساجد قريب من الله ( ) فالساجد قريب من الله ؛ لأنه عابد لله، ذهب آخرون من أهل العلم إلى أن القرب يكون عاما ويكون خاصا، وقالوا ومثلوا للقرب العام بقوله تعالى: ( ) وقالوا: هذا قرب الله والمعنى نحن أقرب إليه بالعلم ( ) وقال بعضهم، نحن أقرب إليه بالعلم والرؤية، وقال بعضهم: بالعلم والرؤية والقدرة.
وكذلك قالوا في: ( ) ولكن المحققين كشيخ الإسلام وابن القيم قالوا: إن القرب لا يأتي إلا خاصا ولا يأتي عاما، وأما القرب في الآيتين فهو قرب الملائكة، فهذا الحديث القدسي فيه إثبات أن لله نفسا، وفيه إثبات المعية، وفيه إثبات القرب، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن قرب العباد بالتقرب إليه هذا يقر به جميع الطوائف، جميع من يثبت العلو، ومن أنكر علو الله فهم ينكرون هذا القرب، يقول شيخ الإسلام -رحمه الله- في الصحيحين عن النبي أنه قال: يقول الله -تعالى-: من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة .
وقربه قال: وقربه من العباد تقربهم إليهم مما يقر به جميع من يقول، إنه فوق العرش، سواء قالوا مع ذلك إنه تقوم به الأفعال الاختيارية أو لم يقولوا، وأما من ينكر ذلك فمنهم من يفسر قرب العباد بكونهم يقاربونه ويشابونه من بعض الوجوه فيكونون قريبين منه، وهذا تفسير أبي حامد والمتفلسفة فإنهم يقولون: الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة.
الدليل الثاني من السنة الذي استدل به المؤلف -رحمه الله- على إثبات أن لله نفسا حديث أبي هريرة قال: وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله لما خلق الله الخلق كتب في كتاب، فكتبه على نفسه، فهو موضوع عنده على العرش: إن رحمتي تغلب غضبي .
ووجه الدلالة من قوله: "فكتبه على نفسه" فأثبت لله نفسا، كما أن الحديث فيه إثبات الرحمة وفيه إثبات الغضب، والحديث سبق في مبحث العلو، في مبحث العلو سبق، ذكره المؤلف -رحمه الله- قرأناه لو رجعنا إليه في حديث العلو هناك ذكر هناك قال ورواه أبو هريرة قال سمعت رسول الله يقول: إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق، إن رحمتي سبقت غضبي فهو عنده فوق العرش وهنا قال ذكر نفس الحديث لما خلق الله الخلق كتب في كتاب، فكتبه على نفسه، فهو موضوع عنده على العرش: إن رحمتي تغلب غضبي هل ترون في سياق الحديثين سواء وللا مختلف ؟ مختلف، فالأول ساق هناك إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق، إن رحمتي تسبق غضبي فهو عنده فوق العرش ما في "فكتبه على نفسه" وهنا قال لما خلق الله الخلق كتب في كتاب، فكتبه على نفسه هناك استدل به على العلو، وليس فيه "فكتبه على نفسه" هنا استدل به على إثبات النفس "فكتبه على نفسه".
والمحقق قال: رواه الشيخان هنا وهناك، رواه البخاري ومسلم، ولكن بعد البحث لم أجد كلمة "فكتبه على نفسه" في الصحيحين، بل ولا في السنن ولا في الكتب التسعة كلمة "فكتبه على نفسه".
فكيف المحقق يقول: إنه رواه البخاري ورواه مسلم ولم ينبه على هذه اللفظة، هذه اللفظة ليست موجودة في الحديث وإنما كما ساقه الأول، كما ساقه المؤلف الأول: إن الله كتب كتابا فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي تسبق غضبي .
هنا أتى بزيادة "فكتبه على نفسه" هذه الزيادة لم أجدها في الصحيحين ولا في السنن ولا في الكتب التسعة، وعلى هذا فيكون الحديث ليس فيه دليل في إثبات أن لله نفسًا، ويُكْتَفَى بالأدلة من الكتاب ومن السنة، نعم، هذا ما وقفنا عليه في القراءة.
رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة
وأجمـع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق أن الله -تعالى- يُرى في الآخـرة، كما جـاء في كتابه، وصح عن رسوله قال الله ( ).
وروى جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا جلوسًا ليلة مع رسول الله فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبـوا على صـلاة قبـل طلـوع الشمس وقبل غروبها فافعلـوا، ثم قـرأ: ( ) وفي رواية: سترون ربكم عيانًا .
نعم انتقل المؤلف -رحمه الله- إثبات صفة الرؤية، وصفة الرؤية من الصفات التي اشتد فيها النزاع بين أهل السنة وبين أهل البدعة، وهي من العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدعة، وقلت لكم: إن هذه الصفات مثل صفة العلو وصفة الرؤية وصفة الكلام، هذه الصفات الثلاث اشتد في هذا النزاع بين أهل السنة وبين أهل البدع، وهي من العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدع، فمن أثبتها فهو من أهل السنة، ومن نفاها فهو من أهل البدع، صفة العلو صفة الكلام صفة الرؤية هذه الثلاث ينكرها الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، الأشاعرة يثبتون الرؤية لكن ما يثبتونها على وجهها يثبتونها في غير جهة، الأشاعرة يقولون: إن الله يرى لكن من أين يرى ؟ من فوق ؟ يقولون: لأ، من تحت ؟ لأ، أمام ؟ لأ، خلف ؟ لأ، يمين ؟ لأ، شمال ؟ لأ، أين يرى ؟ لا في جهة هل هذا معقول ؟ لا يعقل؛ ولهذا أنكر جمهور العقلاء على الأشاعرة، وضحكوا منهم وقالوا: كيف تثبتون الرؤية بدون مقابل ؟ ما في رؤية إلا مقابلة الرؤية، لا بد لها من مقابلة للمرئي، فكيف تثبتون الرؤية ولا تثبتون المقابلة، قالوا: هذا باطل بداهة، العقول تنكر هذا ؛ لأن الأشاعرة الآن مذبذبون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، هم يريدون أن يكونوا مع أهل السنة في إثبات الرؤية، ويريدون أن يكونوا مع المعتزلة في نفي الجهة ونفي العلو فلم يستطيعوا، فأثبتوا الرؤية ونفوا العلو.
ولهذا ألزمهم سلط عليهم المعتزلة وألزموهم قالوا: أنتم الآن مذهبكم مذبذب غير معقول غير متصور، فأنتم بين أحد أمرين، فإما أن تثبتوا العلو مع الرؤية فتكونوا أعداء لنا مثل أهل السنة، وإما أن تنفوا الرؤية فتكونوا أصحاب لنا فتكونوا معنا، أما أن تكونوا هكذا مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، هذا غير معقول وغير متصور، وكذلك الكلام أثبته الأشاعرة لكن ما أثبتوه على وجهه، الكلام يقولون هو معنى قائم بالنفس، مثل العلم ما في حرف ولا صوت الكلام في نفسه كما أن العلم في نفسه فالكلام في نفسه، كيف تكلم ؟ كيف يعرف الكلام ؟ قالوا: اضطر جبريل اضطرارا، ففهم المعنى القائم بنفسه فتكلم بهذا القرآن، هذا الكلام كلام جبريل، اضطره الله اضطرارا ففهم ما في نفسه فعبر عنه، جعل الله أخرس نعوذ بالله.
ومنهم من قال الذي عبر عنه محمد لا جبريل، ومنهم من قال: أخذه جبريل من اللوح المحفوظ، إذن ما أثبتوا الكلام على وجهه، والعلو أنكروه، بهذا يتبين أن الرؤية ما أثبتها هؤلاء الطوائف الثلاث الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، فإنها العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدعة، أجمع عليها أهل السنة؛ ولهذا قال المؤلف -رحمه الله-: وأجمـع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق أن الله -تعالى- يُرى في الآخـرة، قال -رحمه الله-: وأجمـع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق وهم أهل السنة والجماعة، وهم الصحابة وهم الرسل والصحابة والتابعون والأئمة وأتباعهم ومن بعدهم من أهل السنة والجماعة إلى يوم القيامة، اتفقوا على إثبات الرؤية أهل الحق، وخالفهم أهل الباطل وأجمـع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق أن الله -تعالى- يُرى في الآخـرة، كما جـاء في كتابه، وصح عن رسوله .
أما الكتاب استدل المؤلف -رحمه الله- بقول الله ( ) ( ) بالضاد أخت الصاد من النضرة والبهاء والحسن ( ) بالظاء أخت الطاء ( ) يعني: تنظر إلى ربها فالمراد بها تنظر إلى ربها بأبصارها، ووجه الدلالة أن الله أضاف النظر إلى الوجه الذي هو محله، وعداه بأداة إلى الصريحة في نظر العين، وأخلاه من قرينة تدل على خلاف موضوعه وحقيقته، فدل على أن المراد بها النظر بالعين التي في الوجه إلى الرب -سبحانه- ( ).
المؤلف -رحمه الله- اقتصر على آية، وهناك أدلة أخرى تدل من القرآن غير الآية هذه، مثل قوله تعالى: ( ) • ( ) جاء في تفسير المزيد أنه النظر إلى وجه الله الكريم، وقوله سبحانه: ( ) جاء تفسيرها في صحيح مسلم بأن الزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم.
وقوله سبحانه: • ( ) يعني: الكفار قال الشافعي -رحمه الله-: فلما انحجب هؤلاء بالسخط دل على أن أولياءه يرونه في الرضا وإلا لو كان المؤمنون لا يرونه لتساوى الأعداء والأولياء ! فلما حجب الله الأعداء عن الرؤية، دل على أن الأولياء يرونه ولو كان المؤمنون لا يرونه لتساووا هم والأعداء في الحجب ولكن الله حجب الكفرة، فدل على أن المؤمنين يرونه لا يحجبون • ( ) الآية فيها إثبات الرؤية للمؤمنين، المؤلف اقتصر على آية واحدة.
وأما الأحاديث فهي متواترة، كما قال العلامة ابن القيم -رحمه الله- قال: إن الأحاديث متواترة، رواها من الصحابة نحو ثلاثين نفسا في الصحاح والسنن والمسانيد، فهي متواترة، ومن ذلك ما استدل به المؤلف -رحمه الله- حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا جلوسا عند النبي فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة قال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته الحديث راوه البخاري في كتاب التوحيد، ورواه ابن خزيمة أيضا في كتاب التوحيد، ورواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة وفيه أن المؤمنين يرون ربهم كرؤيتهم للقمر، وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية، وليس تشبيها للمرئي بالمرئي.
والمعنى أنكم ترون ربكم رؤية واضحة، كما ترون القمر ليلة البدر رؤية واضحة، وليس المراد تشبيه الله بالقمر، الله -تعالى- لا يشبه أحدا من خلقه، بل المراد تشبيه الرؤية بالرؤية كما يقول العلماء: الحديث فيه تشبيه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي، وقوله: " لا تضامُون " يروى بالتخفيف أي: لا يلحقكم ضيم في رؤيته، كما يلحق الناس عند رؤية الشيء، فإنهم قد يلحقهم ضيم في طلب رؤيته، وقيل: " لا تضامُّون" بالتشديد أي: لا يضم بعضكم إلى بعض.
أما الأشاعرة الذين أنكروا العلو ففسروه بما ينسجم مع مذهبهم القائل بنفي العلو مع إثبات الرؤية، هذه فسروا تضامون بالتشديد ؛ لأن معناه لا تتضامون في رؤيته بالاجتماع في جهة أي: لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض، وأنكم ترونه في جهاتكم كلها، وهو يتعالى عن الجهة، وقول النبي فإن استطعتم أن لا تغلبوا وجاء في أحاديث كثيرة أن النبي قال: إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر وفي بعضها: أنكم ترون ربكم كما ترون الشمس صحوا ليس دونها سحاب من حديث أبي هريرة وغيره.
فالأحاديث صريحة في هذا، ومع صراحتها أنكرها أهل البدع، وفي الحديث يقول النبي فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ ( ) فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ما هي ؟ صلاة الفجر وقبل غروبها ؟ صلاة العصر.
ثم قرأ ( ) صلاة الفجر وصلاة العصر، فيه الحث على العناية بهاتين الصلاتين بزيادة العناية مع بقية الصلوات، وفيه دليل أن المحافظة على هاتين الصلاتين من أسباب رؤية الله في الجنة؛ ولهذا لما أخبر النبي بالرؤية قال: فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، فافعلوا فإن ذلك من أسباب رؤية الله وفي رواية سترون ربكم عيانا يعني: معاينة مواجهة، نعم.
رؤية الله أعظم نعيم يعطاه أهل الجنة
قال -رحمه الله-: وروى صهـيب عن النـبي قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا لم تروه، فيقولون: ما هو ؟ ألم يبيض وجوهنا، ويزحزحنا عن النار، ويدخلنا الجنة ؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه، قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، ثم تلا ( ) رواه مسلم.
نعم، وهذا الحديث حديث صهيب رواه مسلم في صحيحه، وفيه إثبات رؤية المؤمنين لربهم وفيه تفسير الآية تفسير الزيادة بأنها الرؤية، وهذا مما فسرت فيه السنةُ الكتابَ العزيزَ، فسر الحديث في قوله: ( ) بالنظر إلى وجه الله الكريم، فالحسنى هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم ( ) الذين أحسنوا هم المؤمنون، الذين أحسنوا في عبادة الله، وأحسنوا إلى الخلق لهم الحسنى، وهي الجنة ولهم الزيادة وهي النظر إلى وجه الله الكريم، إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا: إن لكم عند الله موعدا لم تروه وفي راوية: يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ؟ ألم يبيض وجوهنا ويزحزحنا عن النار ويدخلنا الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه، قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه .
هذا فيه دليل على أن رؤية الله أعظم نعيم، يعطاه أهل الجنة حتى إنهم ينسون ما هم فيه من النعيم، ينسون ما هم فيه من نعيم الجنة عند رؤيتهم لله، وهذا يدل على أنه لا يراه أحد في الدنيا، هذا يؤيد القول الصحيح أن الله -تعالى- لا يراه أحد في الدنيا، وأن النبي لم ير ربه ليلة المعراج ؛ لأنها نعيم وادخرت للمؤمنين في الجنة، رؤية الله نعيم ادخرت للمؤمنين في الجنة، فلا يراه أحد في الدنيا لا الرسل ولا غيرهم، ولأن البشر أو الناس أو الخلق لا يستطيعون الثبات لرؤية الله لبشريتهم الضعيفة في الدنيا، نعم.
أقوال أئمة السلف في رؤية المؤمنين لربهم
وقال مالك بن أنس الناس ينظرون إلى الله -تعالى- بأعينهم يوم القيامة.
هذا دليل من الآثار، من أقوال السلف والإمام مالك بن أنس -رحمه الله- الإمام المشهور يقول: الناس ينظرون إلى الله -تعالى- بأعينهم يوم القيامة، هذا رواه الآجري في كتاب الشريعة، نعم وهذا هو قول أهل السنة والجماعة قاطبة، كلهم يقولون مثلما قال الإمام مالك: الناس ينظرون إلى الله -تعالى- بأعينهم يوم القيامة، وقصده من هذا الرد على المعتزلة، المعتزلة يفسرون الرؤية بالعلم، ينظرون إلى الله يعني: يعلمون الله بقلوبهم، ويقولون إن معنى قوله: إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ستعلمون ربكم كما تعلمون أن القمر قمر، وهذا من أبطل الباطل، والأشاعرة يفسرون الرؤية بغير الجهة، ومنهم - من الأشاعرة - من وافق المعتزلة وقال: إن المراد بالرؤية زيادة العلم، زيادة العلم في القلب، وهذا باطل، نعم.
وقال أحمد بن حنبل: من قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر.
نعم، هذا فيه أن السلف كفروا من أنكر الرؤية، من قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، هذا قول أئمة السلف، والتكفير لما هو على العموم يقال: من أنكر رؤية الله فهو كافر، من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، أما الشخص المعين فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة حتى توجد الشروط وتنتفي الموانع، فلان ابن فلان لا يكفر إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، لكن على العموم يقال: من أنكر رؤية الله فهو كافر، من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، وهكذا لكن الشخص المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه، وبعد وجود الشروط وانتفاء الموانع ؛ لأن الشخص المعين لا يدرى ما حاله ؟ قد يكون دخل في الإسلام من جديد، قد يكون ما بلغته الأدلة، قد يكون عنده شبهة ولو أزيلت لرجع، قد يكون قال قال قولا مجملا، فالشخص المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه، إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، لكن على العموم نعم، كما قال الإمام أحمد -رحمه الله-: من قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، هكذا، من ترك الصلاة فهو كافر، لكن المعين لا بد من قيام الحجة عليه، نعم.
وقال مالك بن أنس: "الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو من علمه مكان".
نعم، المؤلف -رحمه الله- استدل أيضا بالآثار عن السلف على ثبوت العلو، مستدلا بقول الإمام مالك: "الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو عن علمه مكان". الأثر رواه الآجري في كتاب "الشريعة"، وعبد الله بن أحمد في كتاب "السنة"، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة"، وابن قدامة في "إثبات صفة العلو"، قال: الله في السماء. يعني: في العلو. وعلمه في كل مكان، علمه لا يخلو عن علمه مكان، وأما هو -سبحانه- فهو فوق العرش. نعم.
وقال الشافعي: "خلافة أبي بكر حق قضاها الله في سمائه، وجمع عليها قلوب أصحاب نبيه .
نعم، وهذا استدل عليه المؤلف بقول الشافعي -رحمه الله-، وهذا أيضا رواه بن قدامة في صفة العلو، والشاهد قوله: "خلافة أبي بكر قضاها الله في سمائه". قوله: قضاها الله في سمائه. يعني: في علوه. فأثبت أن الله في السماء، وجمع عليها قلوب أصحاب نبيه . نعم.
وقال عبد الله بن المبارك: "نعرف ربنا فوق سبع سماوات بائنا من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه ها هنا". وأشار إلى الأرض.
نعم، هذا عبد الله بن المبارك، معروف بالإمام الورع الزاهد المشهور، وهذه المقالة التي قالها عبد الله بن المبارك أوردها عبد الله بن أحمد في كتاب "السنة"، والبخاري في "خلق أفعال العباد"، والدارمي في "الرد على الجهمية" والرد على "بشر المريسي"، والبيهقي في "الأسماء والصفات"، وابن قدامة في "إثبات صفة العلو"، وابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية"، وغيرهم.
يقول عبد الله بن المبارك: "نعرف ربنا فوق سبع سماوات". هذا الشاهد، قوله: "فوق سبع سماوات". أثبت أن الله فوق سبع سماوات، "بائنا من خلقه". يعني: ليس مختلطا بالمخلوقات، بائنا: منفصلا عن المخلوقات، المخلوقات نهايتها من جهة العلو العرش، انتهت المخلوقات، والله فوق العرش، وهو ليس مختلطا بالمخلوقات.
يقول عبد الله بن المبارك: "ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه ها هنا". وأشار إلى الأرض، الجهمية يقولون: إن الله في كل مكان، في الأرض وفي السماء وفي كل مكان، نعوذ بالله. نعم.
ونقف على هذا، وبهذا نكون انتهينا من كلام المؤلف على صفتين: صفة الاستواء، وصفة العلو. نقف على الكلام على صفة الوجه. نعم.
أحسن الله إليكم، هذه مجموعة من الأسئلة، أسئلة حول الحديث الثالث -فيما يبدو- (حديث العباس)، يريدون معرفة صحة الحديث، وما معنى الأوعال؟
ج: نعم، سبق البيان أن الحديث فيه ضعف من رواية سماك عن عبد الله بن عميرة، وفيه ضعف، ولكن العلماء أوردوه في كتبهم وحسنوه؛ لأنه له شواهد كما سبق، لأن له شواهد، ولهذا احتج به الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، والإمام المصلح محمد بن عبد الوهاب، وغيرهم من أهل العلم الذين أوردوه، وأبو داود وغيرهم، فله شواهد، وقوله: وفوق ذلك أوعال. يعني: ملائكة على صفة الأوعال، ملائكة خلقهم الله على صفة الأوعال. نعم.
يقول: نرجو من فضيلتكم زيادة التوضيح حول قولكم: الذين أنكروا الاستواء والعلو سلكوا مسلكين. يقول: نرجو التوضيح في قولكم هذا.
ج: يعني الذين أنكروا العلو ماذا يقولون؟ الذين يقولون: إن الله ليس فوق السماوات، وليس فوق العلو، سلكوا أحد مسلكين، يعني: في الرب -سبحانه وتعالى-، منهم من يقول: هو مختلط بالمخلوقات. فالجهمية طائفتان:
الطائفة الأولى: أنكروا العلو وأن الله فوق المخلوقات، وقالوا: إنه في كل مكان. فقالوا: هو مختلط بالمخلوقات في كل مكان -نعوذ بالله-، حتى الحمامات -تعالى الله عما يقولون-، حتى بطون السباع وأجواف الطيور، في كل مكان، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
الطائفة الثانية: الذين أنكروا أن الله فوق المخلوقات، قالوا: إن الله ليس فوق المخلوقات، أين هو؟ نفوا النقيضين، قالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايد له، ولا متصل به ولا منفصل عنه. أيش يكون؟ شيء لا داخل العالم ولا خارجه أيش يكون؟ لا فوقه ولا تحته، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا مباين ولا غير مباين، أيش يكون؟ عدما؟ أشد من العدم.
يقول العلماء: نفي النقيضين هذا معناه أن الشيء مستحيل، هذا وصف مستحيل -نعوذ بالله-، وهؤلاء أشد كفرا من الطائفة الأولى الذين نفوا النقيضين، أشد من الذين قالوا بالاختلاط، وإن كان كل منهما كافرا -نعوذ بالله-، وإن كان كل من الطائفتين كافرا. نعم.
يقول الأشاعرة: استوى بمعنى استولى. ودليلهم قول الشاعر:
مـن غـير سـيف ودم مهراق
قد استوى بشر على العراق
فبم يرد عليهم؟
ج:هذا قول باطل عن الأشاعرة وغيرهم، أولا: الاستواء معروف معناه في اللغة العربية كما قرر الأئمة، وهذا الحديث:
......................................
قد استوى بشر على العراق
لا يعرف له قائل، ما يعرف قائله، ثم أيضا لو سلمنا أنه لو عرف قائله، فلا بد من سند متصل؛ حتى يعرف من قائله، حديث رسول الله لا يقبل حتى يصح السند وتعدد الرواة، إذا جاء حديث عن الرسول -عليه الصلاة والسلام-، ما نقبل الحديث حتى يكون السند متصلا متسلسلا بالثقات، متسلسلا بالثقات من الراوي إلى النبي فإذا كان السند منقطعا، أو كان الرواة غير عدول فيرد، فكيف يقبل بيت ما يعرف قائله، ليس له سند ولا خطام ولا زمام؟! ما يعرف قائل هذا البيت، ولو سلمنا أنه قاله قائل، يكون شاذا، لو سلمنا أنه صح السند، والسند متصل ورواته عدول، نقول: هذا خالف أهل العلم، نقول: هذا شاذ، الحديث... إذا خالف راوي الحديث -إذا خالف- من هو أوثق منه، نقول: الحديث ضعيف لشذوذه؛ لكونه خالف من هو أوثق منه.
فلو فرضنا أن هذا القائل قائل عربي، لقلنا: إنه شاذ خالف أهل اللغة، ما قالوا بهذا أهل اللغة، فكيف وهو لا يعرف له قائل؟! ليس له خطام ولا زمام؟! ثم أيضا الحديث روي: قد استولى بشر على العراق، روي بروايتين:
مـن غير سيف ولا دم مهراق
قد استولى بشر على العراق
"قد استولى"، روي بهذا، وهذا أثبت، هذه الرواية مقدمة على هذه الرواية، نعم، وحجتهم داحضة. نعم.
أحسن الله إليكم، أسئلة كثيرة حول الكتاب، مثل: ذكرتم أن الكتاب مخلوق -أيش؟- فهل المقصود... الكتاب في الحديث ذكرتم أن الكتاب مخلوق -مخلوق؟-، فهل الكلام هو المخلوق، أم ذات الكتاب الذي فوق العرش؟ وأيضا ذكرتم... -أيش الكتاب مخلوق؟- فهو عنده فوق العرش، كتب الله كتابا، ثم سؤال آخر...
ج: مخلوق؟ أنا قلت: مخلوق أنا؟ ها؟ هذا الذي قال عني أني قلت مخلوق، ما قلت هذا الكلام، لكن معلوم أن الكتاب... معلوم كتب كتابا، فهو عنده فوق العرش، وهذا الكتاب ما في شك أنه كتبه الله، ويكون هذا مستثنى فوق العرش، وأن العرش سقف المخلوقات. نعم.
أيضا إن الله -تعالى- يوصف بصفة الكتابة كما ورد في قوله إن الله كتب كتابا وفي الحديث الآخر: إنه أمر القلم أن يكتب فهل هناك فرق؟
ج: وأيش هي المنافاة؟ أمر القلم... لما خلقه قال له: اكتب. فجرى بما في تلك الساعة وما كان إلى يوم القيامة، وفي لفظ: إنه قال: يا رب، وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء إلى يوم القيامة وأمر الله -تعالى- القلم فكتب، والله كتب، وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي رواه الإمام مسلم: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماء والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء وهذا الحديث: كتب كتابا وهو عنده فوق العرش وفي الحديث الآخر: إن الله خط التوراة بيده لموسى فلا منافاة، ما فيه منافاة. نعم.
كيف نرد على من استدل بحديث الجارية على أن الإيمان مجرد التصديق؟
ج: لا، هم الآن طعنوا -كما سبق- في حديث الجارية، قالوا: الجارية أعجمية ما تفهم. طعنوا في النبي وقالوا: الرسول سأل سؤالا فاسدا. الإيمان تصديق: قول وعمل، وليس فيه أن الجارية ما تعمل ولا شيء، إنما اختبرها النبي + التصديق يقتضي العمل، وليس في الحديث أن الجارية ما تصلي ولا تصوم، إنما سألها عن الإيمان الذي هو دليل على الإيمان، ثم ذهبت. نعم.
قول المؤلف: "ونطق بها كتابه". هل هذا الأسلوب مقبول عند أهل السنة: أن ينسب النطق للكتاب؟
ج: نعم، بنص القرآن: ( ) ماذا تقول في الآية: ( ) ؟ ينبغي للإنسان أن يتأمل النصوص قبل أن يسأل. نعم.
أسئلة حول لفظ الصعود ولفظ علا وارتفع، هل يوصف الله بهذا: صعد وعلا وارتفع؟
ج: نعم، نعم -كما سبق- كما سمعت أن السلف لهم أربع عبارات: استقر، وعلا، وصعد، وارتفع، معنى الاستواء فالله -تعالى- استوى بهذه المعاني الأربع على العرش، استواء يليق بجلاله وعظمته. نعم.
يقول: نرجو من فضيلتكم تذكير أخواتنا الحاضرات في الدورة بأهمية الالتزام بتغطية جميع الجسد، وخاصة الكفين والقدمين؛ حيث يتساهل بعضهن في ذلك، علما بأنهن أولى بالتقيد من غيرهن من عامة النساء
ج: نعم، لا شك... لا شك أن المرأة يجب عليها أن تستر جميع جسدها -كلها عورة-: يديها ورجليها وقدميها وشعرها ووجهها، فلا يجب للمرأة أن تبدي يديها، بعض النساء تتساهل، تبدي يديها للرجال وتخرج وتركب السيارة، تبدو يديها هذا حرام؛ لأن اليدين عورة، لا بد أن تستر يديها إما بقفازين، أو بالثوب، وكذلك الرجلان تسترهما، إما بالشراب أو بالثوب، ولهذا لما نهى النبي عن الإسبال، قيل: يا رسول الله، النساء تحتاج إلى أن تسبل الثوب حتى تغطي قدميها. فقال: ترخيه شبرا. قيل: يا رسول الله، إذن تنكشف أقدامهن. قال: ترخيه ذراعا لا تزدن دل على أن المرأة لا بد أن تستر قدميها، تستر القدمين إما بالشراب أو بالثوب، تستر اليدين إما بالشراب أو بالثوب، ولا يجوز للمرأة أن تبدي يديها وأصابعها، أو الذهب الذي في يديها أو في ساعدها؛ حرام عليها.
بعض النساء تتساهل، تجدها عند صاحب الذهب تخرج يديها وعليها الذهب، تخرج الساعدين، تجدها في السيارة وفي الأسواق تخرج اليدين، ترى بياض يديها من بعد، ترى رجليها، هذا حرام عليها، وواجب عليها أن تستتر؛ كلها عورة إلا وجهها في الصلاة، إذا لم يكن عندها رجال أجانب تكشف وجهها في الصلاة، فإن كان عندها رجال أجانب سترت الوجه حتى في الصلاة، نعم وجزى الله هذا السائل خيرا. تنبيه هذا، نعم.
هل هناك فرق بين الكرسي والعرش؟ فهل يقال: استوى الله على الكرسي مثلا؟
ج: الكرسي غير العرش، كما في الحديث: ما السماوات السبع والأراضين السبع بالنسبة إلى الكرسي، إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض بالنسبة للكرسي إلى العرش كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، إذن العرش مخلوق عظيم والكرسي مخلوق عظيم. وصح عن ابن عباس قال: إن الكرسي موضع القدمين لربنا والعرش لا يقدر قدره إلا الله. فالكرسي مخلوق عظيم أكبر من السماوات والأرض، نسبة السماوات إليه كحلقة، وفي لفظ: كدراهم سبعة ألقيت في صحراء من الأرض ونسبة الكرسي إلى العرش كذلك: كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض. فالكرسي غير العرش، هذا هو الصواب.
في قوله: إنهما شيء واحد. ولكنه قول ضعيف، وأضعف منه أن يقول: الكرسي علمه. هذا قول باطل. نعم.
يقول: قابلت رجلا يثبت صفتي العلو والمعية، فكيف يرد عليه؟
ج: نعم، سيأتي هذا -إن شاء الله-، أهل السنة كلهم أهل الحق، يثبتون العلو والمعية، لا منافاة بينهما ولا تناقض بينهما، خلافا لأهل البدع: أهل البدع يبطلون العلو... يبطلون علو الله بالمعية، يضربون النصوص بعضها إلى بعض، ويجعلون صفة المعية تنقض صفة العلو وتبطلها، وهذا من أبطل الباطل؛ لأنه ليس معنى المعية أن الله مختلط بالمخلوقات، المعية في لغة العرب معناها مطلق المصاحبة، وهي تختلف باختلاف المتعلقات ومصحوبها، فتقول: فلان مع فلان. يعني: في الرأي. وإن كان هذا في المشرق وهذا في المغرب، فلان مع فلان، يعني: في الرأي وفي الاعتقاد. وتقول: الأمير مع الجيش. والجيش قد يكون في مكان والأمير في مكان، يعني: معه في الرأي والتدبير والتسيير، ويقال: فلان زوجته معه. وقد تكون في المشرق أو في المغرب، يعني: عصمتها معه. فالمعية لا تفيد الاختلاط ولا الامتزاج، وإنما معناها مطلق المصاحبة، وتفيد مع المصاحبة المقارنة في أمر من الأمور.
وتقول العرب: ما زلنا نسير والقمر معنا. والقمر هل هو مختلط بالأرض؟ أم محاز للقمر؟ أم مماثل له؟ + ما زلنا نسير والنجم معنا، وتقول: المتاع معك. وإن كان فوق رأسك، فلا منافاة بين العلو والمعية، لكن أهل البدع ليسوا من أهل المعرفة؛ من أهل الجهل، فهم جهلوا معنى المعية في اللغة، وضربوا النصوص بعضها ببعض، وأبطلوا نصوص العلو والفوقية بنصوص المعية، وأما أهل السنة فآمنوا بالنصوص من جانبين، وجمعوا بينهما جمعا صحيحا. نعم.
أحسن الله إليكم، يقول: هل الذي يستشعر أن الله يراقبه في كل مكان، هل هو مثل الذي يقول: إن الله في كل مكان؟
ج: لا، الذي يقول: الله في كل مكان. هذا كافر -أعوذ بالله-، والذي يستشعر أن الله يراقبه في كل مكان، هذا الإحسان، هذا عبد الله على الإحسان، والحديث: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك هذه المراقبة، الذي يراقب الله ويعبد الله على المشاهدة، وأن الله يراه، يعبد الله على أنه يراه، فإن ضعف عن هذه المرتبة، فإنه يعبد الله على أن الله يراه، فلا يقال: إن هذا مثل هذا. كيف يقال هذا مثل هذا؟! هذا كافر يؤمن بأن الله في كل مكان، وهذا محسن عبد الله بالمشاهدة، فكيف يقال هذا مثل هذا؟! نعم.
ذكرتم -أحسن الله إليكم- أن الاستواء يأتي متعديا بالواو، بدليل قوله -تعالى-: • ( ) لكن هذا متعد بـ"على" وليس بـ"الواو"؟
ج: نعم، أقول: هذا يأتي متعد بـ"إلى"، ويأتي بالمعية كل واحدة منهم له معنى، إذا كان جاء بالواو هذا تفيد المساواة، استوى الماء والخشب، يعني: تفيد المعية، استوى الماء مع الخشب، هذا له معنى وهذا معنى، أما إذا جاء متعد بـ"على"، فهذا يفيد العلو والارتفاع ( ) نعم.
وفق الله الجميع لطاعته، وثبت الله الجميع على الهدى، وصلى الله على محمد وآله وصحبه.
أحسن الله إليكم، هذه مجموعة من الأسئلة، أسئلة حول الحديث الثالث -فيما يبدو- (حديث العباس)، يريدون معرفة صحة الحديث، وما معنى الأوعال؟
ج: نعم، سبق البيان أن الحديث فيه ضعف من رواية سماك عن عبد الله بن عميرة، وفيه ضعف، ولكن العلماء أوردوه في كتبهم وحسنوه؛ لأنه له شواهد كما سبق، لأن له شواهد، ولهذا احتج به الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، والإمام المصلح محمد بن عبد الوهاب، وغيرهم من أهل العلم الذين أوردوه، وأبو داود وغيرهم، فله شواهد، وقوله: وفوق ذلك أوعال. يعني: ملائكة على صفة الأوعال، ملائكة خلقهم الله على صفة الأوعال. نعم.
يقول: نرجو من فضيلتكم زيادة التوضيح حول قولكم: الذين أنكروا الاستواء والعلو سلكوا مسلكين. يقول: نرجو التوضيح في قولكم هذا.
ج: يعني الذين أنكروا العلو ماذا يقولون؟ الذين يقولون: إن الله ليس فوق السماوات، وليس فوق العلو، سلكوا أحد مسلكين، يعني: في الرب -سبحانه وتعالى-، منهم من يقول: هو مختلط بالمخلوقات. فالجهمية طائفتان:
الطائفة الأولى: أنكروا العلو وأن الله فوق المخلوقات، وقالوا: إنه في كل مكان. فقالوا: هو مختلط بالمخلوقات في كل مكان -نعوذ بالله-، حتى الحمامات -تعالى الله عما يقولون-، حتى بطون السباع وأجواف الطيور، في كل مكان، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
الطائفة الثانية: الذين أنكروا أن الله فوق المخلوقات، قالوا: إن الله ليس فوق المخلوقات، أين هو؟ نفوا النقيضين، قالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايد له، ولا متصل به ولا منفصل عنه. أيش يكون؟ شيء لا داخل العالم ولا خارجه أيش يكون؟ لا فوقه ولا تحته، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا مباين ولا غير مباين، أيش يكون؟ عدما؟ أشد من العدم.
يقول العلماء: نفي النقيضين هذا معناه أن الشيء مستحيل، هذا وصف مستحيل -نعوذ بالله-، وهؤلاء أشد كفرا من الطائفة الأولى الذين نفوا النقيضين، أشد من الذين قالوا بالاختلاط، وإن كان كل منهما كافرا -نعوذ بالله-، وإن كان كل من الطائفتين كافرا. نعم.
يقول الأشاعرة: استوى بمعنى استولى. ودليلهم قول الشاعر:
مـن غـير سـيف ودم مهراق
قد استوى بشر على العراق
فبم يرد عليهم؟
ج:هذا قول باطل عن الأشاعرة وغيرهم، أولا: الاستواء معروف معناه في اللغة العربية كما قرر الأئمة، وهذا الحديث:
......................................
قد استوى بشر على العراق
لا يعرف له قائل، ما يعرف قائله، ثم أيضا لو سلمنا أنه لو عرف قائله، فلا بد من سند متصل؛ حتى يعرف من قائله، حديث رسول الله لا يقبل حتى يصح السند وتعدد الرواة، إذا جاء حديث عن الرسول -عليه الصلاة والسلام-، ما نقبل الحديث حتى يكون السند متصلا متسلسلا بالثقات، متسلسلا بالثقات من الراوي إلى النبي فإذا كان السند منقطعا، أو كان الرواة غير عدول فيرد، فكيف يقبل بيت ما يعرف قائله، ليس له سند ولا خطام ولا زمام؟! ما يعرف قائل هذا البيت، ولو سلمنا أنه قاله قائل، يكون شاذا، لو سلمنا أنه صح السند، والسند متصل ورواته عدول، نقول: هذا خالف أهل العلم، نقول: هذا شاذ، الحديث... إذا خالف راوي الحديث -إذا خالف- من هو أوثق منه، نقول: الحديث ضعيف لشذوذه؛ لكونه خالف من هو أوثق منه.
فلو فرضنا أن هذا القائل قائل عربي، لقلنا: إنه شاذ خالف أهل اللغة، ما قالوا بهذا أهل اللغة، فكيف وهو لا يعرف له قائل؟! ليس له خطام ولا زمام؟! ثم أيضا الحديث روي: قد استولى بشر على العراق، روي بروايتين:
مـن غير سيف ولا دم مهراق
قد استولى بشر على العراق
"قد استولى"، روي بهذا، وهذا أثبت، هذه الرواية مقدمة على هذه الرواية، نعم، وحجتهم داحضة. نعم.
أحسن الله إليكم، أسئلة كثيرة حول الكتاب، مثل: ذكرتم أن الكتاب مخلوق -أيش؟- فهل المقصود... الكتاب في الحديث ذكرتم أن الكتاب مخلوق -مخلوق؟-، فهل الكلام هو المخلوق، أم ذات الكتاب الذي فوق العرش؟ وأيضا ذكرتم... -أيش الكتاب مخلوق؟- فهو عنده فوق العرش، كتب الله كتابا، ثم سؤال آخر...
ج: مخلوق؟ أنا قلت: مخلوق أنا؟ ها؟ هذا الذي قال عني أني قلت مخلوق، ما قلت هذا الكلام، لكن معلوم أن الكتاب... معلوم كتب كتابا، فهو عنده فوق العرش، وهذا الكتاب ما في شك أنه كتبه الله، ويكون هذا مستثنى فوق العرش، وأن العرش سقف المخلوقات. نعم.
أيضا إن الله -تعالى- يوصف بصفة الكتابة كما ورد في قوله إن الله كتب كتابا وفي الحديث الآخر: إنه أمر القلم أن يكتب فهل هناك فرق؟
ج: وأيش هي المنافاة؟ أمر القلم... لما خلقه قال له: اكتب. فجرى بما في تلك الساعة وما كان إلى يوم القيامة، وفي لفظ: إنه قال: يا رب، وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء إلى يوم القيامة وأمر الله -تعالى- القلم فكتب، والله كتب، وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي رواه الإمام مسلم: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماء والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء وهذا الحديث: كتب كتابا وهو عنده فوق العرش وفي الحديث الآخر: إن الله خط التوراة بيده لموسى فلا منافاة، ما فيه منافاة. نعم.
كيف نرد على من استدل بحديث الجارية على أن الإيمان مجرد التصديق؟
ج: لا، هم الآن طعنوا -كما سبق- في حديث الجارية، قالوا: الجارية أعجمية ما تفهم. طعنوا في النبي وقالوا: الرسول سأل سؤالا فاسدا. الإيمان تصديق: قول وعمل، وليس فيه أن الجارية ما تعمل ولا شيء، إنما اختبرها النبي + التصديق يقتضي العمل، وليس في الحديث أن الجارية ما تصلي ولا تصوم، إنما سألها عن الإيمان الذي هو دليل على الإيمان، ثم ذهبت. نعم.
قول المؤلف: "ونطق بها كتابه". هل هذا الأسلوب مقبول عند أهل السنة: أن ينسب النطق للكتاب؟
ج: نعم، بنص القرآن: ( ) ماذا تقول في الآية: ( ) ؟ ينبغي للإنسان أن يتأمل النصوص قبل أن يسأل. نعم.
أسئلة حول لفظ الصعود ولفظ علا وارتفع، هل يوصف الله بهذا: صعد وعلا وارتفع؟
ج: نعم، نعم -كما سبق- كما سمعت أن السلف لهم أربع عبارات: استقر، وعلا، وصعد، وارتفع، معنى الاستواء فالله -تعالى- استوى بهذه المعاني الأربع على العرش، استواء يليق بجلاله وعظمته. نعم.
يقول: نرجو من فضيلتكم تذكير أخواتنا الحاضرات في الدورة بأهمية الالتزام بتغطية جميع الجسد، وخاصة الكفين والقدمين؛ حيث يتساهل بعضهن في ذلك، علما بأنهن أولى بالتقيد من غيرهن من عامة النساء
ج: نعم، لا شك... لا شك أن المرأة يجب عليها أن تستر جميع جسدها -كلها عورة-: يديها ورجليها وقدميها وشعرها ووجهها، فلا يجب للمرأة أن تبدي يديها، بعض النساء تتساهل، تبدي يديها للرجال وتخرج وتركب السيارة، تبدو يديها هذا حرام؛ لأن اليدين عورة، لا بد أن تستر يديها إما بقفازين، أو بالثوب، وكذلك الرجلان تسترهما، إما بالشراب أو بالثوب، ولهذا لما نهى النبي عن الإسبال، قيل: يا رسول الله، النساء تحتاج إلى أن تسبل الثوب حتى تغطي قدميها. فقال: ترخيه شبرا. قيل: يا رسول الله، إذن تنكشف أقدامهن. قال: ترخيه ذراعا لا تزدن دل على أن المرأة لا بد أن تستر قدميها، تستر القدمين إما بالشراب أو بالثوب، تستر اليدين إما بالشراب أو بالثوب، ولا يجوز للمرأة أن تبدي يديها وأصابعها، أو الذهب الذي في يديها أو في ساعدها؛ حرام عليها.
بعض النساء تتساهل، تجدها عند صاحب الذهب تخرج يديها وعليها الذهب، تخرج الساعدين، تجدها في السيارة وفي الأسواق تخرج اليدين، ترى بياض يديها من بعد، ترى رجليها، هذا حرام عليها، وواجب عليها أن تستتر؛ كلها عورة إلا وجهها في الصلاة، إذا لم يكن عندها رجال أجانب تكشف وجهها في الصلاة، فإن كان عندها رجال أجانب سترت الوجه حتى في الصلاة، نعم وجزى الله هذا السائل خيرا. تنبيه هذا، نعم.
هل هناك فرق بين الكرسي والعرش؟ فهل يقال: استوى الله على الكرسي مثلا؟
ج: الكرسي غير العرش، كما في الحديث: ما السماوات السبع والأراضين السبع بالنسبة إلى الكرسي، إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض بالنسبة للكرسي إلى العرش كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، إذن العرش مخلوق عظيم والكرسي مخلوق عظيم. وصح عن ابن عباس قال: إن الكرسي موضع القدمين لربنا والعرش لا يقدر قدره إلا الله. فالكرسي مخلوق عظيم أكبر من السماوات والأرض، نسبة السماوات إليه كحلقة، وفي لفظ: كدراهم سبعة ألقيت في صحراء من الأرض ونسبة الكرسي إلى العرش كذلك: كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض. فالكرسي غير العرش، هذا هو الصواب.
في قوله: إنهما شيء واحد. ولكنه قول ضعيف، وأضعف منه أن يقول: الكرسي علمه. هذا قول باطل. نعم.
يقول: قابلت رجلا يثبت صفتي العلو والمعية، فكيف يرد عليه؟
ج: نعم، سيأتي هذا -إن شاء الله-، أهل السنة كلهم أهل الحق، يثبتون العلو والمعية، لا منافاة بينهما ولا تناقض بينهما، خلافا لأهل البدع: أهل البدع يبطلون العلو... يبطلون علو الله بالمعية، يضربون النصوص بعضها إلى بعض، ويجعلون صفة المعية تنقض صفة العلو وتبطلها، وهذا من أبطل الباطل؛ لأنه ليس معنى المعية أن الله مختلط بالمخلوقات، المعية في لغة العرب معناها مطلق المصاحبة، وهي تختلف باختلاف المتعلقات ومصحوبها، فتقول: فلان مع فلان. يعني: في الرأي. وإن كان هذا في المشرق وهذا في المغرب، فلان مع فلان، يعني: في الرأي وفي الاعتقاد. وتقول: الأمير مع الجيش. والجيش قد يكون في مكان والأمير في مكان، يعني: معه في الرأي والتدبير والتسيير، ويقال: فلان زوجته معه. وقد تكون في المشرق أو في المغرب، يعني: عصمتها معه. فالمعية لا تفيد الاختلاط ولا الامتزاج، وإنما معناها مطلق المصاحبة، وتفيد مع المصاحبة المقارنة في أمر من الأمور.
وتقول العرب: ما زلنا نسير والقمر معنا. والقمر هل هو مختلط بالأرض؟ أم محاز للقمر؟ أم مماثل له؟ + ما زلنا نسير والنجم معنا، وتقول: المتاع معك. وإن كان فوق رأسك، فلا منافاة بين العلو والمعية، لكن أهل البدع ليسوا من أهل المعرفة؛ من أهل الجهل، فهم جهلوا معنى المعية في اللغة، وضربوا النصوص بعضها ببعض، وأبطلوا نصوص العلو والفوقية بنصوص المعية، وأما أهل السنة فآمنوا بالنصوص من جانبين، وجمعوا بينهما جمعا صحيحا. نعم.
أحسن الله إليكم، يقول: هل الذي يستشعر أن الله يراقبه في كل مكان، هل هو مثل الذي يقول: إن الله في كل مكان؟
ج: لا، الذي يقول: الله في كل مكان. هذا كافر -أعوذ بالله-، والذي يستشعر أن الله يراقبه في كل مكان، هذا الإحسان، هذا عبد الله على الإحسان، والحديث: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك هذه المراقبة، الذي يراقب الله ويعبد الله على المشاهدة، وأن الله يراه، يعبد الله على أنه يراه، فإن ضعف عن هذه المرتبة، فإنه يعبد الله على أن الله يراه، فلا يقال: إن هذا مثل هذا. كيف يقال هذا مثل هذا؟! هذا كافر يؤمن بأن الله في كل مكان، وهذا محسن عبد الله بالمشاهدة، فكيف يقال هذا مثل هذا؟! نعم.
ذكرتم -أحسن الله إليكم- أن الاستواء يأتي متعد بالواو، بدليل قوله -تعالى-: • ( ) لكن هذا متعد بـ"على" وليس بـ"الواو"؟
ج: نعم، أقول: هذا يأتي متعد بـ"إلى"، ويأتي بالمعية كل واحدة منهم له معنى، إذا كان جاء بالواو هذا تفيد المساواة، استوى الماء والخشب، يعني: تفيد المعية، استوى الماء مع الخشب، هذا له معنى وهذا معنى، أما إذا جاء متعد بـ"على"، فهذا يفيد العلو والارتفاع ( ) نعم.
وفق الله الجميع لطاعته، وثبت الله الجميع على الهدى، وصلى الله على محمد وآله وصحبه.
صفة الوجه
الدليل على إثبات صفة الوجه والذات لله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
قال الإمام عبد الغني المقدسي في كتابه "الاقتصاد في الاعتقاد":
ومن الصفات التي نطق بها القرآن وصحت بها الأخبار الوجه، قال الله ( ) قال ( ) وروى أبو موسى عن النبي قال: جنات الفردوس أربع: ثنتان من ذهب، حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة، حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن .
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
من الصفات التي جاءت في القرآن العزيز، وثبتت في السنة المطهرة، صفة الوجه لله -عز وجل-؛ ولهذا قال المؤلف: "ومن الصفات التي نطق بها القرآن قول الله -تعالى- ( ) نطق بها القرآن، يعني: أثبتها الله -تعالى- في كتابه، وصحت بها الأخبار، يعني الأخبار: الأحاديث عن رسول الله في صفة الوجه، استدل على ذلك بالأدلة من الكتاب العزيز، ومن السنة المطهرة، قال الله -تعالى-: ( ).
نقول: ( ) فيها إثبات الوجه لله، إثبات الوجه والذات، وقال ( ) وأهل البدع ينكرون صفة الوجه لله الجهمية والمعتزلة والأشاعرة أيضا، وإن صفة الوجه من الصفات الذاتية الثابتة لله والأشاعرة يتأولونها، منهم من يؤولها بالذات، منهم من يقول: بالذات. وجه ربك، أي: ذاته. تجدون هذا في تفسير الجلالين، يقول: ( ) أي: ذاته. قصدهم بذلك إنكار للوجه، والآية فيها إثبات الوجه والذات.
وكذلك أيضا بعض الأشاعرة: البغدادي وغيره من الأشاعرة، أولوا الوجه بالذات، ومنهم من فوض، بعض الأشاعرة المحدثين كالبيهقي وغيره، فإنهم فوضوا (أهل الصفة)، والتفويض معناه: تفويض المعنى. يقولون: لا نعلم معنى هذه الصفة، نفوضها إلى الله، لا نعلم معناها. التفويض هو عدم إثبات معنى لنصوص الصفات. وهذا باطل، قال بعض أهل العلم: إن التفويض شر من التعطيل، المفوضة شر من المعطلة، المفوضة الذين لا يثبتون معاني الصفات، يقولون: لا ندري معنى الاستواء، معنى اليدين، معنى الوجه، يقولون: لا ندري معناها، كأنها حروف لاتينية، كأنها حروف أعجمية لا نفهم معناها، وهذا غلط؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- أمر نبيه أن يتدبر القرآن كله، ولم يستثن شيئا، قال: ( ) ( ) وقال -تعالى-: ( ).
ومن الأشاعرة من أثبتها كابن فورك، وكذلك البيهقي -رحمه الله-، وإن كان من الأشاعرة أثبتوها، بخلاف البغدادي والآمدي، فإنهم أولوها بالذات، ومنهم من فوض الصفة، المفوضة طائفة تقابل المعطلة، المعطلة الذين عطلوا الرب من صفات كماله وتأولوا الصفات، أولوا صفة الاستواء بالاستيلاء، أولوا صفة الوجه بالذات، هؤلاء المعطلة، وأما المفوضة فهم الذين يفوضون المعاني (معاني الصفات)، يقولون: لا ندري ما معناها. يقول: أيش معناها؟ لا نعلم معناها. وأهل الحق أثبتوا الصفات، أثبتوا الصفات وأثبتوا معانيها، وفوضوا الكيفية.
الكيفية لا يعلمها إلا الله، كما قال الإمام مالك -رحمه الله- لما سئل عن الاستواء، قال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب". نعرف معنى العلم وإنه ضد الجهل، نعرف السمع وأنه ضد الصمم، نعرف البصر وهو ضد العمى، نعرف المعنى نثبت المعنى، المفوضة يقولون: لا ندري أيش معناها؟ معنى البصر، ولا ندري معنى السمع، وما ندري معنى العلم، ما ندري، حروف نلوكها بألسنتنا، لا ندري ما معناها، نفوض معناها إلى الله. هذا باطل، المعاني معلومة، إنما الذي لا يعلم هو الكيفية (كيفية الصفات)، كيفية الصفات لا يعلمها إلا الله، كيفية صفة العلو، كيفية صفة السمع، كيفية صفة الاستواء، كيفية صفة الوجه، لا يعلمها إلا الله، أما المعنى فهو معلوم. ولهذا المؤلف -رحمه الله- قال: "من الصفات التي نطق بها القرآن وصحت بها الأخبار الوجه". استدل بآيتين من كتاب الله، الآية الأولى قول الله -تعالى-: ( ) فيه إثبات الوجه، والمؤولة يقولون: ( ) إلا ذاته، قصدوا من ذلك إنكار الوجه، ( ).
هذا من القرآن العزيز، واستدل من السنة بأدلة، منها حديث أبي موسى الأشعري الذي رواه الشيخان وغيرهما، أن النبي قال: جنات الفردوس أربع: ثنتان من ذهب، حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة، حليتهما وآنيتهما وما فيهما وفي لفظ آخر: جنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن .
يقول: إلا رداء الكبرياء على وجهه فيه إثبات الوجه، وفيه إثبات الرؤية، وأن الله -تعالى- يرى يوم القيامة، وفيه إثبات الكبرياء (إثبات الكبرياء لله عز وجل)، قال الله -تعالى-: ( ) فهذا الحديث فيه إثبات بعض الصفات: صفة الوجه، وصفة الرؤية، وصفة الكبرياء. والرؤية سيتكلم عنها المؤلف -رحمه الله-، صفة الرؤية سيأتي الكلام عليها، وهي من الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وأهل البدع.
يقول: وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم، إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن هذا خاص بالمؤمنين، المؤمنين يرون ربهم -سبحانه وتعالى- في الجنة، وفي موقف القيامة أيضا يرونه، وأما غير المؤمنين اختلف العلماء في رؤيتهم لله في موقف القيامة: من العلماء من قال: يراه أهل الموقف كلهم مؤمنهم وكافرهم، ثم يحتجب عن الكفرة. ومن العلماء من قال: إنه لا يراه إلا المؤمنون والمنافقون؛ لأن المنافقين صاروا مع المؤمنين في الدنيا، وجرت عليهم أحكام الإسلام، فصاروا معهم في الآخرة، ثم بعد ذلك ينفصل المؤمنون عن الكفار، ويضرب بينهم بسور له باب. وقال نفر من أهل العلم: إنه لا يراه إلا المؤمنون، وأما الكفار فإنهم يحجبون عن الله، قال الله -تعالى-: • ( ).
والذين قالوا: إن الكفار يرون ربهم يوم القيامة، قالوا: هذه الرؤية لا تفيدهم، ولكن يستزيدون بها عذابا إذا حجبوا، وهذا مثل السارق حين يرى السلطان ثم يعاقبه، فإنه لا يستفيد من هذه الرؤية إلا عقوبة، وفيه إثبات الجنة، وأن المؤمنين يتفاوتون في درجاتهم جنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما هذه للمقربين (السابقين المقربين) وجنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما للمقتصدين أصحاب اليمين، كما قال الله -تعالى- في سورة الرحمن: • ( ) ( ) ( ) هذه للمقربين، ثم قال: • ( ) هذه للمقتصدين، • ( ) • ( ) يعني أربع جنات، فالمؤمنون يتفاوتون في درجاتهم في الجنة على حسب أعمالهم. نعم.
وروى أبو موسى قال قام فينا رسول الله ...
وفيه الرد على من أنكر الجنة والنار كالجهمية، فالجهمية أنكروا الجنة والنار، وقالوا: إن الجنة والنار... المعتزلة يقولون: إنهما لا توجدان إلا يوم القيامة. المعتزلة قالوا: إن الجنة والنار تخلقان يوم القيامة، وأما الآن فهما عدم. وهذا من أبطل الباطل؛ الله -تعالى- أخبر أن الجنة موجودة، والنار أعدت للكافرين، ويفتح باب إلى المؤمن باب إلى الجنة، يأتيه منه روحها وطيبها، والكافر يفتح له باب إلى النار، يأتيه بحرها وعذابها والأرواح (أرواح المؤمنين) في الجنة تنعم، وأرواح الكفار في النار تعذب، وفي الجنة الولدان والحور، قول المعتزلة من أبطل الباطل، وكذلك الجهمية يقولون: إنهم يوم القيامة تفنيان، الجنة والنار تفنيان جميعا. وهذا من أبطل الباطل. نعم.
وروى أبو موسى قال: قام فينا رسول الله بأربع فقال: إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النار، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، ثم قرأ: • ( ) رواه مسلم.
نعم، ورد الحديث ورواه الإمام مسلم كما قال المؤلف -رحمه الله-، ورواه أيضا الإمام أحمد في مسنده، وابن ماجه في سننه، والبيهقي في "الأسماء والصفات"، وفي لفظ لمسلم قال: قام فينا رسول الله بأربع كلمات، فقال: إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه فيه: أن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام لأن الله منزه عن النوم، فالنوم ضعف يحتاج إليه الضعيف، المخلوق يحتاجه إلى النوم حتى يستريح، والله -تعالى- لا يتعب ولا يلحقه تعب، ( ) سبحانه وتعالى يخفض القسط ويرفعه العدل، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النار -وفي لفظ: حجابه النور- لو كشفها، أو لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره -وفي لفظ: لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه-، ثم قرأ: • ( ) .
وهذا الحديث استدل به المؤلف على إثبات الوجه، قوله: لأحرقت سبحات وجهه فيه إثبات الوجه لله -تعالى-، وفيه أن الله -تعالى- لا يراه أحد في الدنيا؛ لأنه احتجب عن خلقه -سبحانه وتعالى- بالنار أو النور، ولو كشف الحجاب لاحترق الخلق، ولا يستطيع الناس أن يثبتوا لرؤية الله في الدنيا؛ ولهذا لما سأل موسى الرؤية، كلم الله موسى بدون واسطة (من وراء حجاب)، فلما كلمه طمع موسى -عليه الصلاة والسلام- في الرؤية قال: ( ) قال: الآن يا رب سمعت كلامك من دون حجاب، ( ) ما تستطيع ببشريتك هذه، ما تتحمل، ما تستطيع أن تثبت للرؤية، ( ) الجبل صم صخر عظيم، ( ) إن كان الجبل ثبت للرؤية فأنت تستطيع، وإلا فلا، فلما تجلى الله للجبل تدكك الجبل، اندك وساخ ( ) يغمى عليه، فلما أفاق موسى قال: • ( ) أنه لا يراك أحد في الدنيا إلا مات، ولا جبل إلا تدكك.
ولهذا الصواب أن النبي لم ير ربه ليلة المعراج، وإنما كلمه الله من وراء حجاب، وفرض عليه الصلوات خمسين صلاة من وراء حجاب، ولا يستطيع أحد أن يرى الله في الدنيا، لا جبريل ولا غيره من الملائكة ولا غيرهم.
احتجب الله من خلقه في هذا الحديث -في صحيح مسلم- بالنار والنور، وجاء في الآثار: أنه احتجب من خلقه بنار ونور وظلمة وثلج، فلا يستطيع أحد أن يرى الله، ولا يستطيع أحد أن يتحمل رؤية الله في الدنيا، بل يحترقون، لو كشف الحجاب لاحترقوا، ولكن في يوم القيامة ينشأ الله المؤمنين نشأة قوية، يتحملون فيها رؤية الله، فلينظر المؤمنون إلى ربهم يوم القيامة، ينشئون نشأة قوية، ينزل الله مطرا يثبت من أجساد الناس، وينشأ الناس نشأة قوية، الصفات الذاتية هي ذوات، لكن الصفات تتبدل الصفات، والذات هي هي، الجسد هو الذي يعاد، يبلى كله إلا عجب الذنب، ثم يعيده الله، يعيد الذرات التي استحالت هي هي، إلا أن الصفات هي التي تتبدل، فينشئهم الله نشأة قوية، فيتحملون رؤية الله في الدنيا؛ ولهذا قال الله -تعالى-: • ( ) ويدخل في هذه المقولة: ( ) يدخل نبينا -عليه الصلاة والسلام-؛ فإنه بشر كلمة الله من وراء حجاب، هذا هو الصواب.
قال بعض أهل العلم: إن النبي رأى ربه ليلة المعراج ببصره. والصواب أنه رآه بعين قلبه ولم يره بعينيه، وهذا هو الصواب الذي عليه المحققون من الصحابة وغيرهم، فهذا الحديث فيه تنزيه الله عن النوم، وفيه أن الله احتجب من خلقه بالنار أو النور، وفيه أن الله لا يراه أحد في الدنيا؛ لقوله: لأحرقت سبحان وجهه كل شيء ومحمد شيء، وفي لفظ آخر: ما انتهى إليه بصره من خلقه من خلقه: جميع الخلق، ومحمد من الخلق. فلم ير ربه ليلة المعراج بعين رأسه، وإنما رآه بعين قلبه، ولكنه سمع كلام الله، كلمة الله من دون واسطة، من وراء حجاب. نعم.
إثبات صفة الوجه لله تعالى
فهذه صفة ثابتة بنص الكتاب وخبر الصادق الأمين، فيجب الإقرار بها والتسليم كسائر الصفات الثابتة بواضح الدلالات
نعم، فهذه يعني: صفة الوجه، وهذه صفة ثابتة بنص الكتاب كما سمعنا: ( ) وخبر الصادق الأمين يجب الإقرار بها والتسليم، يجب على كل مسلم أن يقر بهذه الصفة (بصفة الوجه)، ويثبت الوجه لله كسائر الصفات الثابتة، خلافا لمن أنكر الصفات: كالجهمية والمعتزلة، أنكروا الصفات، قالوا: ليس لله وجه ولا علم ولا سمع ولا بصر. وخلافا للأشاعرة الذين تأولوها بالذات، وبعض الأشاعرة أثبتها كالبيهقي وغيره. نعم.
صفة النزول
تواتر الأدلة على إثبات صفة النزول لله تعالى
وتواترت الأخبار وصحت الآثار بأن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيجب الإيمان به والتسليم له، وترك الاعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف ولا تمثيل ولا تأويل ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول.
انتقل المؤلف إلى إثبات صفة النزول، انتهى الكلام على إثبات صفة الوجه، انتقل إلى إثبات صفة النزول، قال: "وتواترت الأخبار وصحت الآثار بأن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا". المؤلف يقول: إن صفة النزول ثابتة بالتواتر، والتواتر دليل قطعي، ويقابل دليل التواتر يقابله دليل الآحاد، الأدلة نوعان: متواتر وآحاد.
فالمتواتر: هو الذي يرويه عدد كثير يستحيل تواطؤهم على الكذب، من أول السند إلى آخره، ويكون مستندا إلى حس (إلى الرؤية أو السماع). وما دون ذلك فهو آحاد، والآحاد أنواع: قد يكون غريبا، وقد يكون عزيزا، وقد يكون مشهورا، فالغريب الذي يرويه واحد عن واحد، والعزيز الذي يرويه اثنان، والمشهور الذي يرويه ثلاثة فأكثر ما لم يصل إلى حد التواتر.
فالمؤلف يقول: إن صفة النزول ثابتة بالتواتر، بالنصوص المتواترة، رواه جمع غفير من الصحابة، وصحت الآثار بأن الله -تعالى- ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وهذا النزول يليق بجلال الله وعظمته، لا نكيفه ولا نعلم كيفية النزول، فإذا قال قائل: ما كيفية النزول؟ نقول كما قال الإمام مالك -رحمه الله، نقول-: النزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. النزول معلوم في اللغة العربية، وأما كيفية نزول الرب فلا تكيف، لا نقول: على كيفية كذا. وسيأتي أن المؤلف يقول: لا نقول: يخلو من العرش أو لا يخلو. يأتي الكلام في هذا.
فيقول المؤلف: "وتواترت الأخبار وصحت الآثار بأن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا". وجاء في الأخبار أنه... الأخبار تواترت بأنه ينزل في الثلث الأخير من الليل، وفي بعضها: في الثلث الأول أو في النصف الأول، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطيه؟ ومن يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر.
فيجب على كل مؤمن الإيمان بصفة النزول والتسليم لله، وترك الاعتراض له، وإمراره من غير تكيف ولا تمثيل، لا نكيف، ولا تأويل، فلا تكيف، ولا تقول: ينزل على كيفية كذا. ولا تقول: ينزل مثل نزول المخلوق. ولا تأويل كما أول المبتدعة، قالوا: ينزل أمره، أو ينزل ملك. هذا تأويل باطل، ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول.
المؤلف يقول: "ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول". يشير إلى الرد على الذين أولوا صفة النزول بنفي حقيقة هذه الصفة، وذلك أنهم يدعون... أنهم يدعون أن الإثبات الحقيقي يتنافى مع التنزيه، وأن التنزيه يقتضي نفي الصفة، نقول: هذا باطل. فالمؤلف يقول: ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول. فهذا التنزيه الذي ينفي حقيقة النزول باطل، فالتنزيه الذي يزعم صاحبه أنه ينفي حقيقة التنزيه هو باطل، التنزيه الحقيقي هو إثبات الصفة على وجه يليق بجلال الله وعظمته. نعم.
فروى أبو هريرة أن رسول الله قال: ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر وفي لفظ: ينزل الله ولا يصح حمله على نزول القدرة ولا الرحمة ولا نزول الملك.
نعم، وهذا الحديث صحيح رواه الإمام مالك في موطئه، ورواه البخاري -رحمه الله- في مواضع في "كتاب التهجد"، وفي "كتاب الدعوات"، وفي "كتاب التوحيد"، يقول الله -تعالى-: ( ) ورواه الإمام مسلم في "كتاب صلاة المسافرين"، ورواه الإمام أحمد في مواضع، ورواه أبو داود في سننه كتاب "السنة"، وباب الرد على الجهمية، ورواه الترمذي في "كتاب الدعوات"، ورواه ابن ماجه في كتاب الإقامة، ورواه غيرهم، وهو من الأحاديث المتواترة، وفيه: أن الله -تعالى- ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر .
ولا يتكلف الإنسان ويتحذلق كما يقول بعض الناس: إن الليل يختلف في الأماكن، فيكون في مكان... يكون عندنا الآن ثلث الليل الآخر، يكون في البلاد الأخرى عندهم النهار، عندهم في الضحى أو بعد الظهر، ثم يأتي ثلث الليل الآخر، فلا يزال الرب ينزل. هذا بعض الناس استشكل هذا، وهذا نشأ من كونه مثل نزول الرب بنزول المخلوقات، نقول: الإشكال الذي في ذهنك الآن وقع بسبب التمثيل، ألغ التمثيل من ذهنك ويزول الإشكال.
نقول: إن الله ينزل، ولا نعرف كيف ينزل، لا تكيف، هذا نزول المخلوق الإشكال، وإن معناه: لا يزل ينزل في كل مكان في البلد الفلاني ينزل ثلث الليل، وإذا انتهى جاء ثلث الليل في مكان ثاني ينزل، وإذا انتهى جاء ثلث الليل في المشرق، وإذا جاء ثلث الليل في المغرب، ولا يزال الرب ينزل.
نقول أنت الآن هذا الإشكال وقع في ذهنك بسبب التشبيه والتمثيل، شبهت نزول الخالق بنزول المخلوق؛ فأشكل عليك الأمر، أما إذا ألغيت من ذهنك التمثيل والتشبيه، نعلم ولا نعرف كيف ينزل, فعل يفعله على وجه كما يليق بجلاله وعظمته، لا نكيف ولا ندرى ما الكيفية، فأنت في أي مكان من أرض الله إذا جاء ثلث الليل الآخر هذا وقت التنزل الإلهي، تضرعْ إلى الله وادعه سبحانه.
يقول المؤلف -رحمه الله-: "ولا يصح حمله على نزول القدرة، ولا الرحمة، ولا نزول المَلَك", هذا تأويل المتأولين, المتأولون بعضهم قال: ينزل الله، قال: ينزل قدرته، وبعضهم قال: تنزل الرحمة، وبعضهم قال: ينزل الملك، وهذا من أبطل الباطل؛ الرحمة في كل وقت، نزولها ما يخصص في ثلث الليل، وكذلك الملك, الملك يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ هل يستطيع أحد أن يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ هل الملك يقول هذا الكلام؟ هل يمكن لمخلوق أن يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟ من يسألني فأعطيه؟ لا يمكن أن يكون هذا إلا الله, الله -سبحانه وتعالى- هو الذي يقول من يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ وبهذا يبطل تأويل المبتدعة بأن المعنى نزول أمره، أو نزول رحمته، أو نزول الملك، هذا من أبطل الباطل. نعم.
لما روى مسلم بإسناده عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة عن رسول الله قال: ينزل الله إلى السماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل، فيقول: أنا الملك, أنا الملك, من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ حتى يضيء الفجر .
نعم، وهذه إحدى طرق الحديث, إحدى طرقه رواية الإمام مسلم، ورواه أيضاً الترمذي في سننه، قال: "حتى يمضي ثلث الليل" وفي بعضها: "حتى يمضي نصف الليل" -كما سيأتي- هذه إحدى الروايات، نعم، وسهيل بن أبي صالح هو ذكوان، ذكوان السمّان، نعم.
وروى رفاعة بن عرابة الجهني أن رسول الله قال: إذا مضى نصف الليل، أو ثلث الليل، ينزل الله إلى السماء الدنيا، فيقول: لا أسأل عن عبادي أحدًا غيري، من ذا الذي يستغفرني أغفر له؟ من ذا الذي يدعوني أستجيب له؟ من ذا الذي يسألني أعطيه؟ حتى ينفجر الصبح رواه الإمام أحمد وهذان الحديثان يقطعان تأويل كل متأول...
هذا الحديث -يقول المؤلف- رواه الإمام أحمد يعني في مسنده -رحمه الله- ورفاعة بن عرابة، ويقال عرادة الجهني، ويقال إن عرادة هو اسم جده، والحديث رواه الإمام أحمد -كما قال المؤلف- في مسنده، ورواه ابن ماجه في سننه، ورواه الدارمي في الرد على الجهمية، وذكر في الحديث ثلاث روايات قي وقت النزول: حين يمضي ثلث الليل الأول، وحين يمضي نصف الليل الأول، وحين يمضي ثلث الليل الآخر، والأحاديث -أكثر الأحاديث- على أنه حين يمضي ثلث الليل الأخر, الأحاديث متواترة في هذا.
ورواية النصف والثلث انفرد بها مسلم في بعض طرقه -كما قال هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- قال: إن رواية أنه ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر هذه متواترة أخرجها الشيخان وغيرهما، وأن رواية الثلث والنصف انفرد بها مسلم في بعض الأحاديث, وهنا رواها أيضًا الإمام أحمد في مسنده.
وأخبار النزول متواترة في الجملة؛ ولذلك يقول ابن عبد البر: إنه حديث كثير الطرق متواتر من جهة النقل؛ ولهذا اتفق السلف على إثبات صفة النزول لله على ما يليق بجلاله وعظمته، وأن نزوله -سبحانه- لا يشبه نزول المخلوقات، وأن الله مستو على عرشه -كما أخبر عن نفسه- وفوق المخلوقات، وهو ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كما يليق بجلاله وعظمته، من غير تكييف.
وأئمة السنة كلهم أطبقوا على هذا، واستدلوا بالنصوص -كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره- أن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل يوم القيامة لفصل القضاء، ولا منافاة بين نزوله واستوائه على العرش؛ لأنه -سبحانه- ينزل نزولًا لا يشابه نزول المخلوقين, يليق بجلاله وعظمته، لا تُعلم كيفيته, لا نعلم كيفيته، ولا ندري كنهها؛ ولهذا قال الإمام الآجري -محمد بن الحسين الآجري-: الإيمان بهذا واجب، ولا يسع المسلم العاقل أن يقول: كيف ينزل؟ ولا يرد هذا إلا المعتزلة, وأما أهل الحق فيقولون: الإيمان به واجب بلا كيف؛ لأن الأخبار قد صحت عن رسول الله أن الله ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة، والذين نقلوا لنا هذه الأخبار هم الذين نقلوا لنا الأحكام من الحلال والحرام، فكيف تقبل الأخبار التي رووا في الحلال والحرام ولا تقبل الأحكام التي رووا في الصفات؟ الأخبار التي نقلوها إلينا من الحلال والحرام، وعلم الصلاة والزكاة والحج والجهاد، وكما قبل العلماء منهم ذلك، كذلك قبلوا منهم هذه السنن. قال الآجري: إن من رد هذا فهو ضال خبيث، يحْذَرونه ويحَذِّرون منه.
ومن الأئمة أبو بكر بن خزيمة -رحمه الله- له كتاب التوحيد، كتاب عظيم, اعتمده أهل الحق، وأهل السنة والجماعة ينقلون عنه, قال بعد أن ذكر هذه الأخبار قال:
نشهد شهادة مقر بلسانه، مصدق بقلبه، مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب، من غير أن نصف الكيفية؛ لأن النبي المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى السماء الدنيا، وأعْلَمَنا أنه ينزل، والله -جل وعلا- لم يترك -ولا نبيه عليه الصلاة والسلام- بيان ما بالمسلمين إليه حاجة من أمر دينهم؛ فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول، غير متكلفين القول بصفته أو من صفته الكيفية؛ إذ النبي لم يصف لنا كيفية النزول، وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح أن الله -جل وعلا- فوق السماء الدنيا، الذي أخبرنا نبينا أنه ينزل إلينا؛ إذ محال في لغة العرب أن يقول ينزل من أسفل إلى أعلى، ومفهوم الخطاب أن النزول من أعلى على أسفل. نعم، وبهذا يتبين أن صفة النزول أجمع عليها أهل السنة والجماعة، وتواترت بها الأخبار عن رسول الله نعم.
وهذان الحديثان يقطعان تأويل كل متأول، ويدحضان حجة كل مبطل.
نعم، الحديثان يقطعان تأويل كل متأول، من يقول: إنه ينزل أمره أو ينزل الملك, بصراحته فيه أن الله هو الذي ينزل بنفسه، ويقول: من يسألني؟ من يدعوني؟ من يستغفرني؟ نعم.
أحاديث النزول متواترة رواها جمع من الصحابة
وروى حديث النزول: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وجبير بن مُطْعِم، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وعمرو بن عَبَسَة، وأبو الدرداء، وعثمان بن أبي العاص، ومعاذ بن جبل، وأم سلمة زوج رسول الله وخلق سواهم.
يعني يبين المؤلف -رحمه الله- أن أحاديث النزول متواترة، رواها عدد، جمع من الصحابة، منهم: علي بن أبي طالب, أخرج روايته اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وابن ماجه مقيدًا بليلة النصف من شعبان. وعبد الله بن مسعود عند الإمام أحمد في مسنده، والشريعة للآجري، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة. وجبير بن مطعم أخرج روايته في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، والسنن لابن أبي عاصم، ومسند الإمام أحمد، وسنن الدارمي، والتوحيد لابن خزيمة.
وجابر بن عبد الله أخرج روايته في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، والتوحيد لابن خزيمة. وأبو سعيد الخدري في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، والسنن لابن أبي عاصم، وسنن الترمذي. وعمرو بن عبَسة بن خالد بن حذيفة حديثه عند الإمام أحمد في المسند، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة. وأبو الدرداء أخرج روايته ابن خزيمة في كتاب التوحيد، وفي شرح أصول اعتقاد أهل السنة. وعثمان بن أبي العاص أخرج روايته البخاري في التاريخ الكبير، وسير أعلام النبلاء، والإمام أحمد في المسند، وابن خزيمة في التوحيد. وعثمان بن أبي العاص روايته عند ابن أبي عاصم في السنة، ومعاذ بن جبل روايته في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وأم سلمة في شرح أصول اعتقاد أهل السنة.
وبعض الروايات قد يكون فيها ضعف، ومنها ما اتفق عليه الشيخان، ولكن مجموعها يشد بعضها بعضا، حتى في الروايات والآثار التي فيها ضعف يشد بعضها بعضًا، ويقوي بعضها بعضًا، وتشهد لها الأحاديث الصحيحة؛ فذكر اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة أن حديث النزول رواه عن النبي عشرون نفسًا، فهي لكثرتها بلغت حد التواتر، التي بلغت حد التواتر تجعل هذا الأمر من الأمور المسلمة المعلومة من الدين بالضرورة، التي لا يسع أحدًا أن ينكر، وأن يكابر إلا من غلب عليه الهوى، ومن كان إلهه هواه فلا حيلة فيه، نعم.
الإيمان بصفة النزول من غير وصف أو كيفية
ونحن مؤمنون بذلك مصدقون، من غير أن نصف له كيفية، أو نشبهه بنزول المخلوقين.
نعم، يقول المؤلف: نحن -يعني معشر أهل السنة والجماعة- مؤمنون بذلك، مصدقون بصفة النزول، من غير وصف أو كيفية، ما نقول: إن الكيفية على كذا أو على كذا مثل نزول المخلوق، أو نكيف، نقول: الله أعلم بالكيفية، لا نشبه صفة النزول بنزول المخلوقين، ولا نكيفه نقول: إنه على كيفية كذا، وإنما علم الكيفية موكول إلى الله نعم.
وقد قال بعض العلماء: سُئل أبو حنيفة عنه -يعني عن النزول- وقال: ينزل بلا كيف.
المؤلف -رحمه الله- أراد بعد أن ذكر النصوص والأحاديث المتواترة، أراد أن يذكر أقوال أهل العلم من أهل السنة والجماعة الذين أثبتوا هذه الصفة، وقد سئل أبو حنيفة -وهو أحد الأئمة الأربعة- عن النزول، فقال: ينزل بلا كيف، يعني ينزل الرب -سبحانه وتعالى- بلا كيف، روى هذا البيهقي في الأسماء والصفات، ينزل يعني أثبت النزول، ينزل بلا كيف، هذا قول أهل السنة والجماعة، ما نقول على كيفية كذا أو يشبه نزول المخلوق، الكيف منفي، نعم، لا يعلمه إلا الله، نعم.
وقال محمد بن الحسن الشيباني -صاحبه-: الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى سماء الدنيا، ونحو هذا من الأحاديث، أن هذه الأحاديث قد روتها الثقات، فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها.
نعم، هذا القول لمحمد بن حسن الشيباني، الصاحب الثاني لأبي حنيفة، والصاحب الأول للإمام، الأكبر، أبو يوسف، وهذا الصاحب الثاني يقول: الأحاديث التي جاءت في أن الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحوها من الأحاديث، هذه الأحاديث قد روتها الثقات يعني الرواة الثقات، فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها، يعني لا نفسرها تفسير الجهمية، تفسير أهل البدع، تفسير المؤولين الذين يؤولونها، ويفسرون النزول بنزول الملك أو نزول القدرة أو نزول الرحمة، لا نفسرها ولا نفسر الكيفية، وإنما نرويها ونؤمن بها ونصدق بها، ونكِل العلم بالكيفية إلى الله نعم.
ورويْنا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كنت أنا وأبي عابرين في المسجد، فسمع قاصًّا يقص بحديث النزول فقال: إذا كانت ليلة النصف من شعبان ينزل الله إلى سماء الدنيا بلا زوال ولا انتقال ولا تغير حال. فارتعد أبي -رحمه الله- واصفر لونه ولزم يدي، وأمسكته حتى سكن، ثم قال: قف بنا على هذا المتخوِّض، فلما حاذاه قال: يا هذا، رسول الله أغير على ربه منك، قل -كما قال رسول الله وانصرف.
نعم، وهذه القصة رواها عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، قال: كنت أنا وأبي عابرين في المسجد، فسمعنا قاصًا يقص، القاص هو الواعظ، والغالب أن هؤلاء القاصين الذين يقصون -يعظون الناس- في الغالب أنهم ليس عندهم علم، يعظونهم بالقصص والحكايات والأحاديث الضعيفة والموضوعة، فعبد الله بن أحمد بن حنبل مر بأبيه في المسجد، وسمع واعظا -الذي يعظ الناس يسمى قاصا- فقال في حديثه: هذا قاص يقص عليهم، يتكلم في حديث النزول، فقال: إذا كان ليلة النصف من شعبان ينزل الله -هذا كلام القاص- ينزل الله إلى سماء الدنيا بلا زوال ولا انتقال ولا تغير حال، الإمام أحمد أنكر قوله: بلا زوال ولا انتقال ولا تغير حال، قال عبد الله: فارتعد أبي -رحمه الله- واصفر لونه، ولزم يدي، وفي لفظ: وأمسك يدي، من كان بالله +++ فهو منه أخوف.
تغير الإمام أحمد، اصفر لونه وارتعد، قال ابنه عبد الله: حتى أمسكت يديه، يمسكها حتى سكن، فلما سكن مسكه ومر به على القاص، فلما حاذه قال: يا هذا، رسول الله أغير منك على الله قل -كما قال رسول الله وانصرف، الرسول قال: ينزل ربنا، ولم يقل: بلا تغير ولا انتقال ولا زوال، أنت أغْير ولا الرسول أغير على الله؟ الرسول أغير منك، والرسول ما قال: لا زوال ولا انتقال ولا تغير، لكن لا تتجاوز كلام الرسول وانصرف الإمام أحمد، ما قال غير هذا، يعني يقول المحقق: لم أجد ذكرًا لهذه القصة، نعم.
قال حنبل: قلت لأبي عبد الله -يعني أحمد بن حنبل-: ينزل الله إلى سماء الدنيا قلت نزوله بعلمه أو بماذا؟ فقال لي: اسكت عن هذا، ما لك ولهذا؟ أَمْضِ الحديث على ما روي بلا كيف ولا حد، على ما جاءت به الآثار، وبما جاء به الكتاب.
هذه القصة رواها اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وحنبل هذا هو حنبل بن إسحاق بن حنبل بن هلال بن قاسم أبو علي الشيباني، ابن عم الإمام أحمد وتلميذه، قال الخطيب: كان ثقة ثبتًا، قال حنبل: قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل: ينزل الله إلى سماء الدنيا قلت نزوله بعلمه أو بماذا؟ فأنكر الإمام أحمد عليّ وقال لي: اسكت عن هذا، لا تقل به، ما لك ولهذا؟ أمضِ الحديث على ما روي بلا كيف ولا حد، لا تزِد على الحديث على ما جاءت به الآثار وما جاء به الكتاب، يعني بما جاء به الكتاب العزيز، والمعنى أن النصوص نصوص الصفات من الآيات والأحاديث تُمضى، يمضيها المسلم ويمررها كما جاءت، ولا يتأول تأويلا يخالف ظواهر النصوص، ويؤمن بها من غير تعرض للكيفية، نعم.
وقال الإمام إسحاق بن راهويه: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب، هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا"، كيف ينزل؟ قال: قلت: أعز الله الأمير! لا يقال لأمر الرب كيف، إنما ينزل بلا كيف، ومن قال يخلو العرش عند النزول أو لا يخلو، فقد أتى بقول مبتدع ورأى مخترع.
نعم، وهذه المقالة عن الإمام إسحاق بن راهويه الإمام المعروف، هو إمام كبير من الحفاظ، وهو أبو يعقوب الحنظلي، ومن أئمة أهل السنة والجماعة، قال له الأمير عبد الله بن طاهر، وهذا عبد الله بن طاهر بن الحسين أبو العباس أمير خراسان في زمانه، من أشهر ولاة العصر العباسي، يقول الأمير لإسحاق بن راهوية الإمام المشهور: يا أبا يعقوب، أبو يعقوب كنية الإمام أبي إسحاق، يا أبا يعقوب، الأمير يسأل أبا إسحاق، أبا إسحاق كنيته أبو يعقوب: هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا"، كيف ينزل؟ الأمير يسأل الإمام إسحاق بن راهويه، يقول له، يقول الأمير، كيف ينزل؟ تروي أن الله ينزل إلى سماء الدنيا، كيف ينزل؟ تأدب الإمام مع الأمير قال: قلت: أعز الله الأمير! لا يقال لأمر الرب كيف، إنما ينزل بلا كيف، هذا كلام الإمام رادًا على الأمير، قال: أعز الله الأمير دعاء له, لا يقال لأمر الرب كيف، إنما ينزل بلا كيف, انتهى الكلام هنا.
من قول المؤلف هذا: "ومن قال يخلو العرش عند النزول أو لا يخلو، فقد أتى بقول مبتدع ورأى مخترع", إذًا المؤلف عبد الغني يرى أنه لا يقال إنه يخلو العرش ولا يقال لا يخلو، وأن هذا من المبتدع, هذا قول مبتدع؛ فنقول أنه ينزل الرب ولا نقول يخلو العرش ولا ما يخلو العرش.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن العلماء لهم ثلاثة أقوال في هذه المسألة: المسألة الأولى: أنه لا يخلو العرش عند نزوله، أن الله ينزل ولا يخلو العرش؛ لأن نصوص الفوقية والعلو محكمة، وأما النزول فهو فعل يفعله، الله أعلم بكيفيته. والقول الثاني للعلماء، الذي اختاره المؤلف: لا يقال يخلو ولا يقال لا يخلو، السكوت. والقول الثالث الذي قال يخلو منه العرش، وهذا أضعفها.
وذكر شيخ الإسلام أن أقوى هذه الأدلة وأصح هذه الأقوال القول الأول، وهو أن يقال لا يخلو منه العرش, قال شيخ الإسلام ابن تيمية: منهم من ينكر أن يقال يخلو أو لا يخلو منه العرش، ونقل هذا عن الحافظ المقدسي, عبد الغني المقدسي، ومنهم من قال بل يخلو منه العرش، وهذا أضعفها، وصنف ابن منده في الإنكار على من قال لا يخلو منه العرش.
وقال شيخ الإسلام -رحمه الله، ابن تيمية، لما ذكر الأقوال في هذه المسألة: القائلون بأنه يخلو منه العرش طائفة قليلة من أهل الحديث, وجمهورهم على أنه لا يخلو منه العرش، وهو المأثور عن الأئمة المعروفين بالسنة، ولم ينقل عن أحد منهم بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه, إذًا شيخ الإسلام يبيّن أن قول جمهور المحدثين أنه لا يخلو منه العرش، وهناك قول قليل, قول طائفة قليلة، أنه يخلو منه العرش، والقول الثالث أنه لا يقال يخلو ولا يخلو، كما اختار عبد الغني وغيره، وقالوا: إن القول بأنه يخلو أو لا يخلو قول مبتدع، بهذا يتبين أن جمهور المحدثين على أنه لا يخلو منه العرش، ثم يليه القول الثاني أن يقال لا يخلو أو يخلو، والثالث -وهو أضعفها- وهو القول بأنه يخلو من العرش، نعم.
ومن صفاته -سبحانه- الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسوله المصطفى الأمين, اليدان، قال الله ( ).
صفة اليدين, نقف على هذا؛ لأن البحث في صفة اليدين طويل، نعم.
س: أحسن الله إليكم! هذه مجموعة من الأسئلة، يقول أحد الأخوة: هناك قاعدة للمصنف بالنسبة لتخريج الأحاديث، وهي أنه إذا لم يخرج الحديث فهذا معناه أن الحديث متفق عليه، هل هذه القاعدة مضطردة يا شيخ؟
- أي مصنف ؟
- صاحب الكتاب في آخر الرسالة ذكره.
ج: هذا قد يكون اصطلاحا له، وقد يضطرد هذا، ولكن قد لا يكون هذا قاعدة مضطردة, قد يوجد بعض الأحاديث لا يعزوها ولكنها متفق عليها, يعني كأن المصنف أخذ على نفسه أنه إذا سكت عن الحديث فمعناه رواه الشيخان، لكن قد يسكت ويكون رواه أحدهما؛ لأن الإنسان بشر قد يغلط، لكن هذا في الغالب, وفي الغالب أنه ينص على أنه رواه الشيخان، في الغالب ينص، وإذا سكت فرواه الشيخان، لكن قد يوجد خلاف هذا على قلة، نعم.
س: يقول نرجو من فضيلتكم توضيح الفائدة التربوية من إثبات صفة النزول، وخصوصًا أن الحضور غالبيتهم طلاب علم، فيحتاجون إلى هذا البناء الإيماني، وهو قيام الليل، الذي هو دأب الأنبياء والصالحين.
ج: نعم، لا شك أن المؤمن يستفيد من هذه الأحاديث -أحاديث النزول- أن الله -سبحانه وتعالى- يستجيب الدعاء في هذا الوقت، وهو ثلث الليل الآخر؛ ولهذا يقول العلماء إنه وقت التنزل الإلهي؛ هذا الوقت وقت شريف، ونصف الليل الثاني أفضل من نصف الليل الأول، وثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي كان يصلي من الليل، وأوتر أول الليل، وأوتر أوسطه، ثم انتهى وتره إلى السحر, وجاء في حديث عائشة: أن النبي كان يقوم ثلث الليل الآخر وجاء في الصحيح: أن النبي كان ينام إذا صلى العشاء، أوى إلى فراشه، فإذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل قام عليه الصلاة والسلام يصلي .
وجاء في حديث آخر: أحب الصلاة إلى الله صلاة داود؛ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه فكان داود -عليه السلام- ينام النصف الأول، ثم يقوم السدس الرابع والسدس الخامس، ثم ينام السدس السادس حتى يستعين به على أعمال النهار، هذه النومة في السدس الأخير لأنه كان ملكا حاكما يحكم بين الناس: •• ( ).
وثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي كان يقوم السدس الخامس والسادس، وبهذا يتبين أن النصف الأخير هو أفضل الليل، وهو السدس الرابع والخامس والسادس، وأما النصف الأول فإنه ينامه داود -عليه السلام- وينامه نبينا فيكون النصف الأخير -النصف الثاني بأسداسه الثلاثة- هو أفضل الليل، فالسدس الرابع والخامس يقومه داود، والسدس الخامس والسادس يقومه نبينا عليه الصلاة والسلام.
فينبغي للمسلم -ولاسيما طالب العلم- أن يكون له نصيب من هذا الوقت العظيم، الوقت الثمين، وقت التنزل الإلهي, الرب ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، ويقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر، هذا وقت عظيم، ووقت ثمين، ولو وقت قصير، ينبغي أن يكون المسلم أن يكون في هذا الوقت من الذاكرين لله كثيرا، من المستغفرين بالأسحار، من المستيقظين لا من النائمين.
وجاء في الحديث: أن النبي قيل له: إن رجل قد نام حتى طلع الفجر، قال: ذاك رجل قد بال الشيطان في أذنه رواه البخاري في الصحيح قيل المعنى أنه نام عن ورده من الليل، وقيل المعنى أنه نام ولم يصلِّ شيئًا، أو نام عن صلاة العشاء، وقيل إنه نام عن ورده من الليل، فينبغي للمسلم -ولا سيما طالب العلم- أن يستفيد من أحاديث النزول والتنزل الإلهي، وأن الرب -سبحانه وتعالى- ينزل في هذا الوقت الشريف، ويقول: من يدعوني؟ من يسألني؟ من يستغفرني؟ فيكون المسلم في هذا الوقت من الداعين ومن السائلين ومن المستغفرين، نعم.
س: أحسن الله إليكم! أسئلة كثيرة حول معنى سُبُحات وجهه، معنى السبحات؟
ج: الله أعلم, قال بعضهم، ذكر بعضهم كالسفاريني وغيره، فسروا أن سبحات الوجه هي أنوار بصره، والله أعلم، نعم.
س: يقول ألا يحتج أهل البدع بقوله: "أحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه من بصره"، بأن الله -سبحانه وتعالى- ينتهي بصره، وأنه لا يحيط الله بكل شيء، كيف يرد عليهم؟
ج: لا هذا باطل, هذا ما يأتي, لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، يعني يحترق الخلق كلهم، يعني بصره يحيط بالخلق جميعًا، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره، والمعنى لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه جميع الخلق؛ لأن الله -تعالى- يدرك جميع الخلق، نعم، ما يرد هذا الكلام، كلام السائل، نعم.
س: يقول: هل يجوز أن يدعو المسلم بالصفة، كقوله: يا وجه الله؟
ج: ما يجوز، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن دعاء الصفة ردة عن الإسلام، كفر وردة، ما يجوز يقول يا وجه الله، يقول يا رحمة الله ارحميني، يا قدرة الله أنقذيني، يا وجه الله أعطني كذا وكذا، ما يجوز، هذا حرام وبدعة، حتى قال شيخ الإسلام: إنه كفر، إن هذا كفر في الرد على +++ قال: إنه كفر وردة؛ وذلك لأن الله -تعالى- بذاته وأسمائه وصفاته هو الخالق، فلا تنادى الصفة وحدها، لكن ورد الاستعانة بالصفة: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر وكذلك القسم: "وعزة الله"، قال: وعزتك لا أسألك غير هذا قال إبليس: "وبعزتك لأغوينهم أجمعين"، ولأنه يخاطب الله، أما نداء الصفة وحدها فلا يجوز، نعم، والكلام متشابه بعض العامة يقول: يا وجه الله، ينبغي إنكار هذا، ما ينبغي هذا، ينبغي إنكاره على مثل هذا، وأنه لا يجوز: يا وجه الله، معروف عند بعض البادية، وبعض الناس، نعم.
س: وأيضًا مثله يقول: اللهم إني أسألك بعلوك فوق خلقك.
ج: لا، ينبغي للإنسان أن يسأل بالأسئلة الشرعية المعروفة: " نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى"، نعم.
س: يقول ما الفرق بين السؤال والدعاء في قوله الحديث القدسي: من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ ؟
ج: السؤال أخص, أخص من الدعاء، والاستغفار كذا أخص؛ فالدعاء أعم، الدعاء أعم من السؤال، ولأن الدعاء يشمل العبادة. العبادة دعاء، والدعاء أخص، والاستغفار أخص، فالاستغفار نوع من السؤال، والسؤال نوع من الدعاء، ففي الأول أعم، من يدعوني هذا أعم، ثم جاء الأخص هو السؤال، ثم جاء الأخص هو الاستغفار, الاستغفار سؤال لكنه نوع من السؤال أعم يشمل الاستغفار، والاستغفار نوع من السؤال والسؤال نوع من الدعاء، نعم.
س: قرأت في فتوى شيخ الإسلام -رحمه الله- أن قول الله -جل وعلا-: ( ) ليس من آيات الصفات.
ج: نعم، صحيح ليس من آيات الصفات، فثم وجه الله جهة الله، والذين قالوا إنها من آيات الصفات ضموا إليها أدلة أخرى، ومثله قول الله -تعالى-: ( ) ليست من آيات الصفات، فلا يثبت الجنب لله، ومن أثبتها ضم إليها أدلة أخرى، فهذه ليست من آيات الصفات، فثم وجه الله أي الجهة، نعم.
س: يقول أيضًا: كيف يرد على أهل البدع الذين يستدلون بها على وجود الله في كل مكان؟
ج: لا هذا باطل، أدلتهم داحضة: ( ) هذا في السفر، إذا اجتهد الإنسان، واتجه إلى أي قبلة، فهي القبلة المشروعة، إذا اجتهدت ولو أخطأت، أهل البدع أقول الحلولية هذه حجتهم داحضة، ليس في الآية دليل لهم؛ لأن هذا في السفر، إذا اتجه الإنسان إلى أي جهة، بعد أن يعمل ما بيده من علامات، إذا أخطأ فقد أصاب، نعم.
س: يقول: قال ابن قدامة في اللمعة في حديثه عن الصفات: نؤمن بها لا كيف ولا معنى، هل هذا تفويض؟
ج: قال بعضهم تفويض، وقيل لا كيف يعني لا نكيف، ولا معنى يعني لا معنى للكيفية، أو لا معنى على ما يعتقده أهل الباطل، على معنى تأويل أهل الباطل، يحملوه على هذا لأن ابن قدامة من أهل السنة والجماعة، فلا كيف لا نكيف، ولا معنى فسره به أهل الباطل من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، نعم.
س: أحسن الله إليكم! قلتم -رعاكم الله-: أن البيهقي فوض صفة الوجه، ثم قلتم: إن من الأشاعرة من أثبت صفة الوجه، ومنهم البيهقي.
ج: نعم، أثبتها، البيهقي أثبتها، نعم.
س: في حديث الجارية التي سألها رسول الله هل فيه دلالة على اختبار الناس في عقائدهم، أن هذا أشعري؟
ج: نعم؛ لأن هذه يراد عتقها، والعتق يشترط فيه الإيمان للجارية؛ فأراد النبي يختبرها أهي مؤمنة حتى تعتق أو لا؟ الرسول ما اختبر الجواري الأخرى، لكن هذه لما أراد عتقها اختبرها النبي حتى يعلم هل هي مؤمنة فتعتق أو غير مؤمنة فلا تعتق، قال: أعتقها فإنها مؤمنة؛ لأنه أراد أن يعتق جارية مؤمنة، نعم، وأما امتحان الناس في عقائدهم لا، هذا ما يمتحن إلا إذا وجدت الأسباب، نعم.
س: هل صحيح أن الإمام ابن القيم -رحمه الله- قال بفناء النار؟
ج: ليس بصحيح، قال بعضهم: إنه قال بفناء النار، يشاهد في النونية وفي بعض الكتب أطال، فيها ما يدل على أنه يقول بفناء النار، وفيها أيضا ما يدل على أنه لم يقل بفناء النار، فالأقرب -والله أعلم- أن له قولين في هذا، وهو أنه رجع عن أحدهما، والأقرب أنه رجع، وإلا له كلام طويل في بعض كتبه وفي النونية ظاهرها أنه يقول بفناء النار، وله كلام في نفس الكتاب يدل على أنه لا يقول بفناء النار؛ ولهذا بعضهم رد على من قال: إنه قال بفناء النار بكلامه، الذي هو الصريح أو قريب من الصريح، بأنها لا تفنى، وبعضهم قال: إنه يقول إنه يفنى, استدل بكلامه الذي يدل على أنه يفنى، وهذا قاله البعض في أحد المناقشات في الرسائل، وقلت: الذي يظهر لي أن له قولين، وأنه رجع عن إحداهما، والأقرب أنه رجع عن القول بفناء النار.
وأما شيخ الإسلام ابن تيمية قال بعضهم: إنه يقول بفناء النار، والصواب أنه لا يقول بفناء النار, واضح, كلام شيخ الإسلام صريح بأنه لا يقول بفناء النار، لكن ابن القيم وجد له ما يدل على هذا، وله كلام يدل على أنه يقول بفناء النار، له هذا وله هذا، فيحمل على أنه له قولين رجع عن أحدهما، نعم.
س: يقول اشتغل في مراجعة الكتب المترجمة، هذا سائل من المدينة المنورة عبر الشبكة يقول: اشتغل في مراجعة الكتب المترجمة إلى اللغة الإنجليزية، وكثيرًا ما نجد من يترجم لفظة الله أكبر بـ(Allah Is Greater)، وفيها معنى التفضيل والمقارنة، سؤالي هنا: هل تأتي هذه اللفظة بهذا المعنى، أو تعتبر هذه الترجمة خطأ؟
ج: هذه الترجمة خطأ، لا ينبغي أن تترجم الله أكبر، سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، لا تترجم، ينطق بها العربي والعجمي، كذلك القرآن، ألفاظ القرآن، لا تترجم ألفاظه، ولكن يترجم المعنى، وكذلك الدعاء لا يترجم، والتشهد لا يترجم، ينبغي حفظه، والفاتحة لا تترجم، والتكبيرات لا تترجم، سمع الله لمن حمده والتسبيحات؛ ولهذا فإن المترجمين المعروفين بالورع نسمعهم إذا جاءت في الترجمة إذا جاءت آية قرأها، وإذا جاء سبحان الله قرأها، وإذا جاء الله أكبر قرأها باللغة العربية، فلا يترجمها، وهذا هو الصواب أنها لا تترجم، وإنما يحفظها العجمي يحفظها؛ يحفظ الله أكبر ولا تترجم له، يحفظ سبحان الله والحمد لله والله أكبر، يحفظ التشهد، يحفظ الفاتحة وهكذا، فلا ينبغي أن تترجم، وهذه الحمد لله يحفظها الأعجمي كررها وسمع التكبير الله أكبر مرات مرات، حفظها، وعرف معناها، يعرف معناها، نعم.
س: نحب التنبيه على الإخوة الكرام الذين يسألون عن الدروس، هل يمكن الحصول عليها في الموقع؟ بعد عشر دقائق مباشرة من انتهاء أصحاب الفضيلة من إلقاء دروسهم ينزل الدرس مسجلا على موقع الجامع مباشرة، بالإضافة إلى بثه إلى السجون وعدد من المواقع، هذه سائلة -أحسن الله إليكم- تسأل وتقول بأنها مسحورة بسحر التفريق بينها وبين زوجها، وهي دائمة الرفض له بسبب هذا الأمر، تقول: هل علي إثم -وهذا الأمر يتعبني- هل أنا آثمة بمنعي لزوجي؟
ج: أولًا على الأخت أن تتحقق هل هي مسحورة أولًا، قد لا تكون مسحورة، قد يكون هذه كراهية، ليس كل ما يصاب به الإنسان سحر، السحر حق، لكن ليس كل ما يصاب به الإنسان سحر، بعض الناس تجده إذا أصابه وجع قليل قال أنا مسحور، ومن أصابه وجع قال عين، أصبت بعين، العين حق، والسحر حق، لكن ليس كل شيء سحر، وهذه الأخت الظاهر الآن أنها عاقلة وفاهمة وتكتب الآن وتفهم، من يقول أنها مسحورة؟ فالظاهر أنها ليست مسحورة؛ لأنها فاهمة وعاقلة، المسحور في الغالب ما يعقل، المقصود أنه على الأخت أن تتحقق من هذا.
ولو قدر أنها مسحورة تسعى, تسعى في إزالة السحر بالرقية الشرعية، أو الحصول على السحر، أو على المرأة الساحرة، يوجد الآن الخدم؛ لما كثر الخدم والخادمات في البيوت كثر السحر بسبب الخدم والخادمات، ومع ذلك ما أعتبر كثير من الناس، الآن كثير من الناس يأتي بالخادم والخادمة وهو ليس له بهم حاجة، لكن من باب الفخر والخيلاء والمباهاة؛ حتى يستدين بعضهم، فلان عنده خادم وأنا ما عندي خادم؟ ونتيجة هذا إنه يحصل هذا البلاء وهذا السحر.
فينبغي للإنسان... أولًا أنا أنصح بعدم الإكثار من الخدم والخادمات، وأنه ينبغي للإنسان ألا يأتي بالخادم ولا الخادمة ولا قائد السيارة إلا للضرورة القصوى التي لا غنى عنها، ثم بعد ذلك يأتي بالخادم والخادمة يحتاط، يختار الناس الطيبين المسلمين، لا يستقبل الكفرة ولا الكافرات، ويختار أيضًا من المسلمين والمسلمات؛ لأن المسلم يخاطب مسلم في الإسلام يوجهه، لكن الكافر لا حيلة فيه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وعلى الإنسان أنه يسعى بإزالة السحر، إذا كانت الخادمة سحرتها يعني تطلب منها أن تخبرها مكان السحر حتى يزال، وتعمل الرقية الشرعية، وتتضرع إلى الله وتسأله السلامة والعافية، وإذا فعلت شيء وهي بدون اختيارها ملجئة فلا إثم عليها، مضطرة ولا تستطيع دفع هذا الشيء، وهي ما عندها استطاعة، وهي لو كان عندها استطاعة ما فعلته؛ فلا تلام: ( ) تكون معذورة في هذه الحالة، نعم.
س: نود التنبيه للإخوة والأخوات الذين في السجون، وهم يتابعون هذه الدورة أنهم بإمكانهم -بعد متابعة هذه الدورة- الدخول في الاختبار المقرر بعد نهاية كل متن، وتمنح لهم الجوائز كغيرهم من الحضور، هذا سؤال من السجن -أحسن الله إليكم- من سجن النساء ورد إلينا، إحدى الأخوات في السجن تقول: هل من صلى العشاء والفجر في جماعة يكفي عن قيام الليل؟ وما معنى من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله؟ وهل يكون محفوظًا من الآفات؟
ج: ثبت في حديث النبي أنه قال: من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله ؛ هذا فيه فضل عظيم لمن صلى الفجر في جماعة، وصلى العشاء في جماعة، وكذلك الحديث الآخر: من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء .
وورد أن الحجاج بن يوسف، الظالم المعروف، أمير العراق في عهد عبد الملك بن مروان، في زمانه، أُتي إليه برجل يريد قتله؛ لأنه مشهور بالظلم والقتل، فسأله هل صليت الفجر في جماعة؟ قال: نعم؛ فتركه وقال: إنه سمع الحديث: "من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله".
فهذا من فوائد صلاة الفجر في جماعة، وقول السائل: هل يكفي هذا عن قيام الليل؟ لا، لكن هذا فيه فضل صلاة العشاء وصلاة الفجر في جماعة، فهو على خير عظيم، وإذا صلى مع ذلك في آخر الليل، أو صلى من الليل؛ فهذا نور على نور صلاة الليل فيها فضل عظيم، وهي من صفات المؤمنين، ومن صفات المتقين، ولها فضل عظيم: • • • ( ) فلها فضل عظيم، فينبغي للمسلم أن يكون عنده همة، عليه يصلي الفجر في جماعة، ويصلي العشاء في جماعة، ويكون له نصيب وورد من قيام الليل، نعم.
س: أحسن الله إليكم! يقول لوحظ على بعض الأخيار ممن يحضرون هذه الدورة -ولا نزكي على الله أحدًا- أنهم يحضرون إلى هذه الدروس وقد تفوتهم الصلاة مع الجماعة؛ فما توجيهكم حفظكم الله؟ مع العلم أنه لوحظ أكثر من جماعة تصلي في وقت واحد.
ج: ينبغي لطالب العلم أن يكون قدوة، وأن يكون سباقًا إلى الخير، وطالب العلم ينبغي له أن يكون محافظا على الصلوات الخمس، وأن يتقدم وألا يتأخر، حتى لا يكون قدوة سيئة لغيره, وثبت في الحديث عن النبي أنه قال: لو يعلم الناس ما في التهجير والنداء، ثم لم يجدوا إلا أن يستبقوا، لاستبقوا والتهجير التبكير إلى الصلوات, لو يعلموا ما فيه من الأجر لاستبقوا ولتساهموا، لاستبقوا عليه حتى تجرى بينهم القرعة والسهم, وقال تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله وفي لفظ: حتى يؤخرهم الله في النار فلا ينبغي للمسلم أن يكون متأخرا يتتلتل ويتأخر، ولا سيما إذا كان طالب العلم. طالب العلم ينبغي أن يكون قدوة لغيره؛ ويتقدم ليكون قدوة لغيره.
ولا ينبغي أن تقام جماعتان في مسجد واحد في مكان واحد، بل يُكتفى بجماعة واحدة، إذا جاءت الجماعة الثانية يصلوا مع الجماعة الأولى، ولا ينبغي هذا, وقد توجد جماعتان لأن الجماعة الثانية مسافرون، فيصلوا صلاة أخرى، قد يحصل هذا، لكن إذا كانت صلاة واحدة, ما ينبغي أن تقام جماعتان في مكان واحد، نعم.
س: سؤال عبر شبكة المعلومات ماذا عن قول: أعوذ بكلمات الله التامات، هل يقال بأن هذا دعاء بصفة من صفات الله؟
ج: استعاذة, سبق هذا، سبق أن قلنا: الاستعاذة لا بأس بها، الاستعاذة وردت: "أعوذ بكلمات الله من شر ما خلق", "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر", "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك"، دعاء نبوي، الاستعاذة بالصفة لا بأس، الممنوع نداء الصفة، يا رحمة الله، يا وجه الله، يا قدرة الله، هذا الممنوع، أما الاستعاذة بالصفة فلا بأس، وكذلك القسم، الحلف، وعزة الله وكلام الله لا بأس به، نعم، لا يسأل بوجهه الله، السؤال بوجه الله فيه ضعف، نعم، السؤال بوجه الله توسل، نعم.
س: من ألمانيا هذا السؤال، ورد إلينا من عمر في ألمانيا، يسأل: هل يجوز الجمع مع القصر للمسافر المقيم في ألمانيا لمدة يعلم أنها تزيد عن شهر، يقول نحن مجموعة سافرنا إلى ألمانيا لكل منا قصد من السفر، إما لعمل أو مرافقة مريض أو غير ذلك من الأسباب، المهم في الأمر أننا نقيم ولا نعلم متى نعود، وكنا طيلة المدة الماضية نقصر الصلاة، فماذا علينا الآن؟
ج: هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، وهي للمسافر إذا أقام في مكان هل يقصر الصلاة أولا يقصر الصلاة؟ وهل يترخص برخصة السفر أو لا؟ أما إذا أقام في مكان وهو لا يعلم مدة إقامته، ما يدري متى تنتهي، كأن يكون له حاجة أو معاملة، إن انتهت اليوم مشى أو بعد يومين أو بعد ثلاثة ما يدري، متى ما انتهت حاجته مشى، هذا لا يزال مسافرا، يترخص برخص السفر، له أن يقصر وأن يجمع، لكن إذا كان في البلد ينبغي له أن يصلي مع الناس ولا يصلي وحده، إذا كان وحده لا ينبغي له أن يقصر الصلاة ويصلي، ينبغي أن يجيب المؤذن، وإذا كانا اثنين فأكثر فهم بالخيار إن شاءوا صلوا مع الناس وأتموا الصلاة -وهذا هو الأفضل- أو أن يصلوا وحدهم قصروا.
أما إذا أقام في مكان وهو يعلم مدة إقامته، وأن إقامته أكثر من أربعة أيام؛ فالصواب الذي عليه جمهور العلماء أنه إذا نوى أن يقيم في أكثر من أربعة أيام، يعني يزيد على إحدى وعشرين صلاة، فإن أحكام السفر تنقطع من أول فريضة تتمها، هذا هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء، واحتجوا بحديث أنس أن النبي لما قدم مكة في حجة الوداع أقام أربعة أيام يقصر الصلاة، ثم انتقل إلى منى، قالوا ما زاد على أربعة أيام فإنه يتم؛ لأننا تحققنا أن النبي نوى هذه الإقامة أربعة أيام.
وقالوا: إن الصلاة فريضة عظيمة، وينبغي أن يكون هناك حد، ولو قلنا إنه ليس هناك حد فمعنى ذلك أن يكون المسافر يقصر سنين طويلة، قد ينتقل إلى بلد ويقول أنا أجلس عشر سنين وأرجع إلى بلدي؛ معنى هذا أن يقصر الصلاة عشر سنين؟ فينبغي أن يكون هناك حد، والحد هو أربعة أيام، جاء في الأصل أن المسافر هو الذي يرحل ويظعن، لكن استثنيت أربعة أيام لفعل النبي في حجة الوداع؛ لأنه عزم على الإقامة أربعة أيام.
أما في غزوة الفتح فإنه أقام تسعة عشر يوما، لكنه لم ينوِ الإقامة، وإنما أقام لتثبيت التوحيد وقواعده، وتثبيت الدين، وإزالة معالم الشرك، وكذالك في تبوك ما نوى إقامة مستقرة، بخلاف أربعة أيام في حجة الوداع فإنه نوى الإقامة، الصواب الذي عليه جمهور العلماء أنه إذا نوى أن يقيم أكثر من أربعة أيام لا يترخص, من أول فريضة يتم الصلاة, أما إذا كانت إقامته يوما أو يومين أو ثلاثة أو أربعة فإنه يترخص برخص السفر، إذا كانوا اثنين أو ثلاثة بالخيار: إن صلوا وحدهم قصروا، وإن صلوا مع الناس أتموا، أما إذا كان واحدا لا، لا يصلى وحده، بل عليه أن يصلي مع الجماعة، نعم.
س: من سجن النساء، هذه سائلة تقول: نسيت قراءة التشهد الأول في الركعة الثانية في صلاة العشاء، فهل أقرأها في الركعة الثالثة، أم أكتفي بسجود السهو؟
ج: تكتفي بسجود السهو، إذا فات التشهد الأول أو ترك قراءة التشهد الأول يصلي ركعتين؛ على ما جاء في حديث عبد الله بن بحينة: أن النبي قام وترك التشهد الأول، فلما انتظر الناس تسليمه سجد سجدتين ثم سلم بعد التشهد .
وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع علمًا نافعًا، وثبت الله الجميع على الهدى، وصلى الله على محمد وآله وصحبه والتابعين.
صفة اليدين
الأدلة من الكتاب والسنة على صفة اليدين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين, قال الإمام الحافظ تقي الدين عبد الغني المقدسي في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد:
ومن صفاته -سبحانه- الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسول الله المصطفى الأمين: اليدان، قال الله ( ) وقال ( ) وروى أبو هريرة عن النبي قال: التقى آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، خيّبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم: أنت موسى، كلمك الله تكليما، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته، فبكم وجدت في كتاب الله: ( ) ؟ قال: بأربعين سنة. قال: فتلومني على أمر قدره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال النبي فحج آدم موسى .
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين، أما بعد:
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "ومن صفاته -سبحانه- الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسوله عن رسوله المصطفى الأمين: اليدان، سبق الكلام على بعض الصفات؛ صفة الاستواء, صفة العلو, صفة الوجه، وكذلك أيضًا صفة النزول, ثم تكلم المؤلف -رحمه الله- على صفة اليدين، قال:
"ومن صفات الله -سبحانه وتعالى- الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسوله المصطفى الأمين: اليدان"؛ من صفات الله اليدان، واليدان صفة لله وهذه الصفة ثابتة بالكتاب العزيز وبالسنة المطهرة, استدل المؤلف -رحمه الله- بآيتين من كتاب الله الأولى قوله -تعالى-: بل يداه مبسوطتان فيه إثبات اليدين لله وأن لله يدين، تثنية، وأضاف الضمير إليه -سبحانه-: ( ) والآية فيها الرد على اليهود -قبحهم الله- الذين قالوا يد الله مغلولة، قال الله -تعالى-: ( ).
والآية الثانية قوله -تعالى-: ( ) ؛ فالآيتان فيهما إثبات اليدين لله، ووجه الدلالة أن الله -تعالى- أثبت لنفسه يدين اثنتين، وأضافهما إلى نفسه الكريمة بضمير الإفراد: ( ) يعني الرب -سبحانه وتعالى- والآية الأخرى: ( ) وأما قول الله -تعالى-: ( ) فليست من آيات الصفات؛ ( ) يعني بقوة وقدرة، من آد يئيد، ولم يضفها الرب -سبحانه وتعالى- إلى نفسه بضمير الإفراد، فقال: ( ) بصفة الجمع بأيد تدل على القوة والعظمة، ومعنى الآية والسماء بنيناها يعني بقوة وقدرة، وليست من آيات الصفات؛ لأنها من آد يئيد، ولأن الله أتى بصيغة الجمع التي تقتضي التعظيم ( )، ولم يضفها لنفسه بضمير الإفراد.
بخلاف هاتين الآيتين فإن الله -تعالى- قال: ( ) أتى باليدين بصيغة التثنية، وأضافها إلى نفسه بضمير الإفراد، وكذلك الآية الأخرى: ( ) خاطب الله -تعالى- إبليس لما امتنع من السجود لآدم، قال الله: ( ).
واستدل أيضًا المؤلف -رحمه الله- على إثبات صفة اليدين لله بالسنة، استدل بحديث أبي هريرة في احتجاج آدم وموسى، وهذا الحديث رواه البخاري -رحمه الله- في صحيحه في عدة مواضع، في كتاب التفسير، وفي كتاب القدر، وفي كتاب التوحيد، وكذلك رواه مسلم في كتاب القدر، باب احتجاج آدم وموسى -عليهما السلام- ورواه أبو داود في سننه في كتاب السنة، والترمذي في كتاب القدر، باب ما جاء في احتجاج آدم وموسى، وابن ماجه أيضا في مقدمة في باب القدر.
ووجه الدلالة من الحديث في قول موسى -عليه الصلاة السلام- لأبيه آدم: يا آدم، أنت أبونا خلقك الله بيده هذا وجه الدلالة، قال: خلقك الله بيده فأضاف اليد إلى الله بضمير الإفراد "بيده"، قال موسى: يا آدم، أنت أبونا، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه
فهذا الحديث رواه في حديث احتجاج آدم وموسى، التقيا فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا، خلقك الله بيده ؛ يذكر فضائله وخصائصه، يا آدم، أنت أبونا، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته ثلاثة أوصاف كلها اختص الله بها آدم، خلقه الله بيده، فالله -تعالى- خلق الخلق كله بقدرته، ( ) لكن آدم له ميزة وله خصوصية، أن الله خلقه بيده، هذه ميزة وخصوصية لآدم، هي تشريف له وتكريم له من بين المخلوقات، خلقه الله بيده، وكذلك نفخ فيه من روحه، يعني من الروح التي خلقها.
فالإضافة -إضافة المخلوق إلى خالقه- تقتضي التشريف والتكريم، نفخ فيه من الروح التي خلقها، وأضاف إليه التشريف، كما يقال: عيسى روح الله، روح من الأرواح التي خلقها الله، وكما يضاف الكعبة إلى بيت الله والناقة -ناقة صالح- ناقة الله، إضافة مخلوق إلى خالقه للتشريف والتكريم، كذلك: ونفخ فيك من روحه الروح التي خلقها -سبحانه وتعالى- وأضافها إلى نفسه للتشريف، وأسجد لك ملائكته هذه كلها خصائص.
يقول: لما التقى آدم وموسى، قال موسى: يا آدم، أنت ميزك الله بهذه المميزات، خصك بهذه الفضائل العظيمة، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، خيّبتنا وأخرجتنا من الجنة، وفي لفظ آخر: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة، مع إن الله أعطاك هذه الخصائص، وهذه من غيرة موسى -عليه السلام- يريد يقول: أنت السبب في خروجنا من الجنة، وإلا كان بقينا في الجنة. فقال آدم -عليه الصلاة والسلام-: أنت موسى، كلمك الله تكليمًا، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته، أيضًا ذكر خصائص موسى قال: كلمك الله تكليمًا، كلمه الله من وراء حجاب، من غير واسطة، وخط لك التوراة بيده، وهذا فيه إثبات صفة اليد أيضًا.
الحديث فيه إثبات صفة اليد في موضعين؛ في قول موسى: خلقك الله بيده وفي قول آدم: وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته فموسى ذكر لآدم ثلاث خصائص، وذكر آدم لموسى ثلاثة خصائص؛ كلمك الله تكليما، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته، فبكم وجدت في كتاب الله: ( ) قال موسى: بأربعين سنة.
هذا تقدير خاص مأخوذ من القدر السابق، وهو ما كتب في اللوح المحفوظ؛ لأن اللوح المحفوظ مكتوب فيه كل شيء، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي قال: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، قال الله -تعالى-: ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين وهو اللوح المحفوظ، وقال -تعالى-: وكل شيء أحصيناه في إمام مبين وهو اللوح المحفوظ، كل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ، كل ما يكون، في الحديث: لما خلق الله القلم قال له: اكتب. قال: يا ربي، وماذا أكتب؟ قال: أكتب مقادير كل شيء؛ فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة كل ما هو كائن إلى يوم القيامة من الذوات والصفات والحركات والسكون: ( ).
لكن هذا تقدير مأخوذ من القدر السابق، فبكم وجدت في كتاب الله: ( ) قال: بأربعين سنة هذا تقدير خاص، كما أن الإنسان يُكتب عليه تقدير خاص، له تقدير خاص، التقدير العمري؛ وذلك أنه إذا مضى عليه أربعة أشهر في بطن أمه أرسل الله بالملك، فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقيا أو سعيدا، وهناك تقدير سنوي، وهو التقدير في ليلة القدر، يقدّر الله ما يكون في تلك السنة من صحة ومرض، وإعزاز وإذلال، وإشقاء وإسعاد، وفقر وغنى، وهناك تقدير يومي كل يوم، قال -سبحانه-: • ( ) كل يوم في شأن، يعز ويذل، ويخفض ويرفع، ويغني ويفقر، ويحيي ويميت -سبحانه وتعالى- فهذا تقدير خاص، تقدير مأخوذ من القدر السابق.
قال آدم لموسى: فبكم وجدت في كتاب الله: ( ) قال: بأربعين سنة، قال آدم: فتلومني على عمل قدره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة قال النبي فحج آدم موسى وفي لفظ أنه كررها ثلاث قال: فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى؛ يعني غلبه بالحجة .
ما هو الشيء الذي لام موسى عليه، هل موسى لام آدم على الذنب؟ لا؛ لأن آدم قد تاب منه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، هل لامه عليه؟ ما الذي لامه عليه؟ إذًا اللوم إنما لامه من أجل المصيبة التي حصلت له بسبب خروجه من الجنة، وهذه مصيبة، لا شك أنها مصيبة، فاحتج آدم بالقدر، قال: المصيبة مكتوبة علي، والاحتجاج بالقدر على المصائب لا بأس، جائز، يحتج الإنسان بالقدر، إذا أصابته مصيبة قال إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء الله، لكن الاحتجاج بالقدر على الذنب لا، ممنوع، فهو ما بحجة، لو كان الذنب حجة لكان حجة للكفرة وبطل التشريع.
وهذا الحديث فيه إثبات اليد لله في موضعين؛ في قول موسى: خلقك الله بيده وفي قول آدم: وخط لك التوراة بيده ففيه إثبات اليد لله، وهذا الحديث أيضًا فيه إثبات القدر، احتج به بعضهم على رفع الذنب والعقاب عمن عصى الله، وهم الجبرية، وهذا باطل، وبعضهم قال: إن هذا الحديث يقتضي رفع الذنب والعقاب عمن عصى الله، وهذا باطل، كلٌ من الطائفتين قد ضلت سواء السبيل.
بعض المبتدعة استدل بهذا الحديث على الاحتجاج بالقدر، وقال: القدر حجة للعاصي، وهم الجبرية، قالوا: الإنسان مجبور على أفعاله، فلا يلام على أفعاله. وهذا من أبطل الباطل، وطائفة أخرى رفعوا اللوم والذنب والعقاب عن العاصي، وطائفة أخرى -وهم القدرية- طائفة رفعت اللوم والذنب عن العاصي، واحتجوا بالقدر، وطائفة كذبت بالقدر وقالوا: إن الله -تعالى- لم يقدر أفعال العباد، وإنما العباد هم الخالقون لأنفسهم، وهم المعتزلة، قالوا: العباد هم الخالقون لأنفسهم خيرًا أو شرًا، طاعة ومعصية، والله -تعالى- لم يخلق أفعال العباد؛ فلهذا إنما يلام ويعذب على فعله، وقابلتهم الجبرية فقالوا: الإنسان مجبور على أفعاله.
ولهذا علق شيخ الإسلام -رحمه الله- على هذا الحديث، قال: إن هذا الحديث ضلت فيه طائفتان: طائفة كذبت بالقدر لما ظنوا أنه يقتضي لرفع الذنب والعقاب عمن عصى الله لأجل القدر، وطائفة شر من هؤلاء جعلوا القدر حجة، وقد يقولون: القدر حجة لأهل الحقيقة الذين شهدوا، وهم والصوفية, الصوفية الذين يسمون أنفسهم أهل الحقيقة، الذين لا يرون أن لهم فعلًا، يلغون أفعالهم ويجعلونها أفعالا لله، ويقولون: إن الإنسان إذا شهد الحقيقة رفع عنه التكليف، وصار لا يؤمر ولا ينهى، وصار من الخاصة الذين تجاوزوا مرتبة العامة، فلا تكليف عليه.
وهذا من أبطل الباطل، من قال: إن أحدًا يسقط عنه التكليف وعقله معه، ما عدا الحائض والنفساء في الصلاة خاصة، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتدًا؛ ما في أحد يسقط عنه التكليف إلا إذا زال العقل رفع التكليف، كالصبي والشيخ المخرِّف والمجنون، هذا مرفوع عنه القلم، ومن عداه فليس هناك أحد يرفع عنه التكليف، كل واحد مكلف حتى يموت، قال -تعالى-: ( ) فمن اعتقد أن أحدًا يسقط عنه التكليف وعقله معه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتدًا.
هؤلاء الجبرية وهؤلاء الملاحدة -من الصوفية وغيرهم- يرون أن الإنسان إذا تجاوز مرتبة العامة، وصار من أهل الحقيقة، وألغى صفاته وأفعاله، وجعلها صفات لله؛ سقط عنه التكليف، ويستدلون بقول الله -تعالى-: ( ) ويفسرون اليقين بالموت.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: من الناس من يقول -في هذا الحديث- إنما حج آدم موسى؛ لأنه أبوه، أو لأنه قد تاب، أو لأن الذنب كان في شريعة واللوم في شريعة أخرى؛ لأن هذا يكون في الدنيا دون الآخرة، وكل هذا باطل، والصواب أن وجه الحديث أن موسى -عليه الصلاة والسلام- لام أباه لأجل المصيبة التي لحقته، من أجل أكله من الشجرة، فقال له: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة، لم يلمه لمجرد كونه أذنب ذنبًا وتاب منه؛ فإن موسى يعلم أن التائب من الذنب لا يلام، وهو قد تاب أيضًا، ولو كان آدم يعتقد رفع الملام عنه لأجل القدر لم يقل: • ( ).
والمؤمن مأمور عند المصائب أن يصبر ويسلم، وعند الذنوب يستغفر ويتوب، قال الله -تعالى-: ( ).
ولا يزال أهل العلم يبينون معنى الحديث ويردون على من لم يفهم هذا الحديث، من المعتزلة الذين يقولون بخلق أفعال العباد، ومن الجبرية الذين يقولون إن العباد مجبورون على أفعالهم، كالإمام ابن القيم -رحمه الله- فإنه بيّن أن في هذا الحديث.. قال: إن هذا الحديث فيه رد على من لم يفهمه من المعتزلة، كأبي علي الجبائي ومن وافقه، وقال: لو صح لبطلت نبوة الأنبياء، لو صح الاحتجاج بالقدر لبطلت نبوة الأنبياء؛ فإن القدر لو كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي، فإن العاصي بترك الأمر أو فعل النهي -إذا صحت له حجة بالقدر السابق- ارتفع اللوم عنه، وهذا من ضلال أهل البدع وجهلهم بالله ورسوله وسنته.
وأهل البدع يؤولون اليد، بعضهم يؤولها بالقدرة، وبعضهم يؤولها بالنعمة، وهذا باطل؛ إذا أولها بالقدرة يكون المعنى: ( ) يعني بقدرتي، يفسد المعنى، والقدرة واحدة، ليست القدرة اثنتين، وكذلك إذا فسرها بالنعمة: "ما منعك أن تسجد لما خلقت بنعمتيّ"، النعم كثيرة ليست اثنتين، فنعم الله لا تعد ولا تحصى، ( ) ؛ فتأويل أهل البدع لليد بالقدرة أو بالنعمة يفسد به المعنى ولا يستسيغه عاقل أن يقال: لما خلقت بيدي نعمتي أو قدرتي، نعم.
الإيمان بثبوت اليدين لله من غير تكييف ولا تشبيه
قال -رحمه الله-: فلا نقول يد كيد، ولا نكيف ولا نشبه، ولا نتأول اليدين على القدرتين -كما يقول أهل التعطيل والتأويل- بل نؤمن بذلك، ونثبت له الصفة من غير تحديد ولا تشبيه، ولا يصح حمل اليدين على القدرتين؛ فإن قدرة الله واحدة، ولا على النعمتين؛ فإن نعم الله لا تحصى، كما قال ( ).
المؤلف -رحمه الله- من أهل السنة والجماعة، الحافظ عبد الغني، ويقول: إننا معشر أهل السنة والجماعة، لا نقول يد كيد، لا نقول يد الله كيد المخلوق، هذا تشبيه، تمثيل، والله ليس كمثله شيء، ولا نكيف، لا نقول: إن يد الله كيفيتها كذا، ولا نشبه نقول: إن يد الله تشبه كذا وكذا، كل هذا باطل، كل هذا من طريقة أهل التمثيل والتكييف والتشبيه، قال: ولا نتأول اليدين على القدرتين؛ هذه طريقة أهل التأويل والتحريف، لا نتأول اليدين على القدرتين، كما يقول أهل التعطيل والتأويل من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، بعضهم يتأول اليد بالقدرة، واليدين بالقدرتين، اليدان القدرتان أو النعمتان، وهذا من أبطل الباطل كما بين المؤلف رحمه الله.
وتأويل اليد بالقدرة فيه إبطال للخصائص التي خص الله بها بعض مخلوقاته؛ فآدم خصه الله بأن خلقه بيده، فإذا فسرت اليد بالقدرة يكون المعنى: ما خلقت بقدرتي، فتزول الخصيصة، إبليس مخلوق بقدرة الله، فإذا كان إبليس مخلوقا بقدرة الله، وآدم مخلوقا بقدرة الله؛ زال التفضيل لآدم والله -تعالى- فضل آدم لقوله -تعالى-: ( ) وكذلك خط الله التوراة لموسى بيده، فإذا قيل اليد القدرة، خط الله التوراة بقدرته، زالت الخصوصية.
وكذلك أيضا تأويل اليد بالقدرة أو بالنعمة يفسد به المعنى؛ لأن التثنية في القدرة والتثنية في النعمة يفسد بها المعنى، لما خلقت بنعمتيّ أو بقدرتيّ، النعم ليست اثنتين، وإنما نعم الله لا تعد ولا تحصى، والنعم -نعم الله- مخلوقة، وأما يداه فهما صفة له وكذلك القدرة، القدرة صفة أخرى غير اليد، والقدرة واحدة؛ فلا يقال: خلقت بقدرتي، القدرة ليست اثنتين، بل هي قدرة واحدة؛ وبهذا يتبين أن تأويل أهل الباطل لليد بالقدرة أو النعمة تأويل باطل.
كما أن تمثيل وتكييف أهل التمثيل لليد بأيدي المخلوقين، المشبهة من غلاة المشبهة من الشيعة كالبيانية والسالمية -البيانية أتباع بيان بن سمعان التميمي، والسالمية أتباع هشام بن سالم الجواليقي وداود الجوارمي- وغيرهم من غلاة الشيعة من المشبهة، هؤلاء يقول أحدهم: لله يد كيدي، ووجه كوجهي، واستواء كاستوائي. وهذا من أبطل الباطل، وهم من الكفار، من شبه الله بخلقه كفر؛ ولهذا قال أئمة أهل السنة والجماعة: من شبه الله بخلقه كفر، من مثّل الله بخلقه كفر، ومن نفى ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ذلك تشبيه، هذا مروي عن نعيم بن حماد الخزاعي وغيره من أئمة السلف، كلهم قالوا: من شبه الله بخلقه كفر، ومن نفى ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله كفر.
المؤلف -رحمه الله- يقول: بل نؤمن بذلك، ونثبت له الصفة، نثبت ما أثبته الله لنفسه من الصفات من غير تحديد؛ يعني من غير تحديد كيفية الصفة، يعني لا نحدد كيفيتها؛ لأن الكيفية لا يعلمها إلا الله. فالسلف يثبتون الصفة، ويثبتون معاني الصفات الظاهرة، وينفون عنه المشابهة والكيفية، ولا تشبيه يعني لا نشبه، لا نقول: إن يد الله تشبه يد المخلوق، ولا يصح حمل اليدين على القدرتين كما يقول أهل التأويل من المعتزلة والأشاعرة؛ فإن قدرة الله واحدة، قال المؤلف: قدرة واحدة، واليد هنا اليدان اثنتان، فكيف تؤول اليدان بالقدرتين؛ فإن قدرة الله واحدة.
ولا على النعمتين؛ يقول المؤلف: فإن نعم الله لا تحصى؛ لأن إذا أولت اليدين بالنعمتين -لما خلقت بنعمتي- صار فيه حصر للنعم بأنها اثنتان، ونعم الله لا تعد ولا تحصى، ثم إن النعم مخلوقة، وصفات الله ليست مخلوقة -كما قال ( ) نعم.
الإيمان بكل ما ثبت من الصفات مثل المحبة والمشيئة والإرادة وغيرها
قال -رحمه الله-: وكل ما قال الله في كتابه، وصح عن رسوله، بنقل العدل عن العدل، مثل المحبة والمشيئة والإرادة، والضحك والفرح والعجب، والبغض والسخط والكره والرضا، وسائر ما صح عن الله ورسوله، وإن نَبَتْ عنها أسماع بعض الجاهلين، واستوحشت منها نفوس المعطِّلين.
نعم، يقول المؤلف -رحمه الله-: "وكل ما قال الله في كتابه، وصح عن رسوله بنقل العدل عن العدل؛ فإنا نؤمن بها -يعني من الصفات- نثبتها لله ونقبلها.
كل ما قال الله في كتابه من الصفات، وكل ما صح عن رسول الله في السنة الثابتة بنقل العدل عن العدل، يعني الرواة، الرواة يكون عدل عن عدل، ويكون السند متصلا، ولا يكون الحديث شاذًّا ولا معلولا، هذا الحديث الصحيح، الصحيح أن يرويه عدل عن عدل، والعدل هو ما اجتمع فيه أمران: العدالة في الدين، وفي الضبط، يعني إذا كان ضابطًا، ولم يكن مجروحًا في دينه، وكان ضابطًا في النقل؛ فهذا العدل الضابط السليم في دينه، فإذا كان الرواة كلهم عدولا من أول السند إلى آخره، وكان السند متصلا، ولم يكن شاذًّا ولا معللا؛ فإن الحديث يكون صحيحا ويكون مقبولا.
المؤلف يقول: إذا كان الحديث صحيح بأن رواه العدل عن العدل، واتصل السند مع كمال الضبط، مع الضبط، ولم يكن شاذًا ولا معللًا؛ فإننا نقبله ونثبت الصفات التي وردت في هذا الحديث، ومثّل لهذا قال: مثل المحبة والمشيئة والإرادة، والضحك والفرح والعجب، والبغض والسخط، والكره والرضا، هذه أمثلة للصفات، وهذه الصفات ثابتة بالكتاب والسنة، بعضها ثابت بالكتاب والسنة، بعضها ثابت بالسنة فقط مثل المحبة.
المحبة ثابتة في الكتاب والسنة، في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، ومن أدلة إثباتها قول الله ( ) وقال -سبحانه-: • ( ) • ( ) • ( ) • ( ) • ( ).
وفي الحديث الذي رواه الشيخان: إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانًا فأحبه؛ فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانًا فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض رواه البخاري في صحيحه في مواضع: في كتاب بدء الخلق، في كتاب الأدب، في كتاب التوحيد، ورواه الإمام مسلم في كتاب البر والصلة.
فنثبت المحبة لله لأنها ثابتة بالكتاب والسنة خلافًا لأهل البدع، نقول: إن الله يحب، نثبت المحبة لله على ما يليق بجلاله وعظمته، ولا يماثل المخلوقين في محبته، وأما أهل البدع فإنهم تأولوها؛ المعتزلة أنكروها، والجهمية والأشاعرة أولوها بالإرادة، قالوا: أحبَّ يعني أراد، أولوها بالإرادة؛ لأنها من الصفات السبع التي يثبتونها، الأشاعرة يثبتون سبع صفات: الحياة، والكلام، والبصر، والسمع، والعلم، والقدرة، والإرادة، وما عدا هذه الصفات فإنهم يسلكون فيها أحد مسلكين: إما أن يردوها إلى الصفات السبع، وإما أن يتأولوها بأثر الصفات ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات؛ فمثلًا الرضا يؤولونها بالثواب، والثواب أثر على الرضا، الغضب يؤولونها بالانتقام، والانتقام أثر على الغضب، الثواب مخلوق والانتقام مخلوق، فهم أولوها ببعض المخلوقات، أو يردونها إلى الصفات السبع، وهنا يقول: المحبة يعني معناها أراد أن يحب؛ حتى أولوها بالإرادة.
والمشيئة؛ كذلك المشيئة ثابتة أيضًا في الكتاب العزيز وفي السنة المطهرة، ومن أدلتها قول الله -تعالى-: • ( ) • • ( ).
وكذلك الإرادة ثابتة: ( ) قال: • ( ) قال -سبحانه-: ( ).
والإرادة تنقسم إلى قسمين -بخلاف المشيئة- الإرادة تنقسم إلى قسمين، أو الإرادة نوعان:
النوع الأول: إرادة كونية خِلقية ترادف المشيئة، مرادفة للمشيئة، المشيئة والإرادة الكونية واحدة، إرادة كونية خلقية قدرية ترادف المشيئة، وهي تتعلق بكل ما يشاء الله فعله وإحداثه، فهو سبحانه إذا أراد شيئا وشاءه كان عقب إرادته له، كما قال سبحانه: ( ) هذه الإرادة الكونية الخلقية ترادف المشيئة.
والثانية: إرادة دينية شرعية، تتعلق بما يأمر الله به عباده، مما يحبه ويرضاه، وهذه هي المذكورة في قوله تعالى: ( ) وفي قوله ( ) هذه إرادة دينية شرعية، وقد جمع الله بين الإرادتين في قوله ( ) لأ هذه الإرادة الكونية • ( ) هذه إرادة كونية.
والإرادتان تجتمعان في حق المؤمن، في حق المؤمن المطيع تجتمعان، وتنفرد الإرادة الكونية في حق العاصي والكافر، في حق العاصي تكون الإرادة الكونية، وفي حق المؤمن يجتمع الإرادتان، فالله -تعالى- أراد الإيمان من أبي بكر كونا وقدرا ودينا وشرعا فوقع، الإرادتان تجتمعان في حق المؤمن، وتنفرد الكونية في حق العاصي، الإرادة الكونية لا يتخلف متعلقها ومرادها فلا يمكن أن يتخلف، بخلاف الإرادة الدينية الشرعية قد تحصل وقد لا تحصل، فالله -تعالى- أراد الإيمان من أبي بكر كونا وقدرا، وأراده من أبي بكر دينا وشرعا فوقع، وأراد الإيمان من أبي لهب دينا وشرعا، ولم يرده كونا وقدرا فوقعت الإرادة الكونية، ولم تقع الإرادة الدينية.
فالله -تعالى- أراد من العباد أن يعبدوه ويوحدوه ويخلصوا له العبادة، أراد منهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، لكن هذا دينا وشرعا، أما كونا وقدرا فله الحكمة البالغة، من الناس من أراد منهم أن يعبدوه لحكمة بالغة، ومنهم من أراد منهم ألا يعبدوه، فوقعت الإرادة الكونية والإرادة الدينية في حق المؤمن المطيع، وتخلفت الإرادة الدينية في حق العاصي والكافر؛ ولهذا فإن قوله تعالى: ( ) إرادة دينية شرعية، ولو كانت إرادة كونية لكان كل أهل البيت أسلموا، بل نجد من أهل البيت من لم يسلم، أبو لهب من أهل بيت النبي ولم يسلم، وأبو جهل ولم يسلم فإرادة دينية شرعية: ( ) وبهذا يتبين الفرق بين الإرادتين.
وأهل السنة والجماعة قسموا الإرادة إلى قسمين: إرادة كونية قدرية، وإرادة دينية شرعية عملا بالنصوص، فسلموا من التناقض، وأما أهل البدع فإنهم لم يعملوا إلا ببعض النصوص، فالجبرية من الأشاعرة والجهمية ما أثبتوا إلا الإرادة الكونية، وأنكروا الإرادة الدينية الشرعية فضلوا، والمعتزلة بالعكس أثبتوا الإرادة الدينية الشرعية وأنكروا الإرادة الكونية فضلوا، الجبرية كالأشاعرة والجهمية استدلوا بالنصوص التي فيها إثبات الإرادة الكونية فقط، وأغمضوا أعينهم عن النصوص التي فيها إثبات الإرادة الدينية الشرعية، والمعتزلة استدلوا بالنصوص التي فيها إثبات الإرادة الدينية الشرعية، وأغمضوا أعينهم عن النصوص التي تثبت الإرادة الكونية القدرية وأهل السنة ماذا عملوا ؟.
أخذوا النصوص التي تثبت الإرادة الكونية القدرية وصفعوا بها وجوه المعتزلة وأبطلوا مذهبهم، وأخذوا نصوص الإرادة الدينية الشرعية، وصفعوا بها وجوه الجبرية من الأشاعرة والجهمية فأبطلوا مذهبهم، واستدلوا بأدلة هؤلاء وهؤلاء، وأثبتوا الإرادتين فسلموا من التناقض فهداهم الله للحق وللصراط المستقيم الذي هو هدى بين ضلالتين.
ومن الصفات -يقول المؤلف- ومن الصفات التي نثبتها ودلت عليه النصوص الضحك، الضحك هذا من الصفات التي ثبتت في السنة المطهرة، ولم تأت في الكتاب العزيز، من أدلتها ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي قال: يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ والحديث صحيح رواه البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد، ومسلم أيضا في كتاب الإمارة ومعنى هذا أن رجلين يقتتلان في الجهاد، مسلم وكافر فيقتل الكافر المسلم فيكون شهيدا، ثم يمن الله على الكافر بالإسلام بعد ذلك فيسلم ويمت على الإسلام، فيدخل الجنة فكلاهما يدخل الجنة.
ومن الأدلة أيضا حديث أبي هريرة عند البخاري في قصة الرجل الذي هو آخر أهل النار خروجا منها، وآخر أهل الجنة دخولا، والحديث طويل رواه الشيخان البخاري ومسلم، أو رواه البخاري في الصحيح في كتاب التوحيد، وفيه أن هذا الرجل إذا خرج من النار، وكذا ولا تزال وجهه مصروفة إلى النار يقول: يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ فقَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فيأخذ الله عليه العهود والمواثيق ألا يطلب غيرها، فلا يسكت فيعطيه، فيصرف الله وجهه عن النار، ثم بعد ذلك ترفع له شجرة فيها كذا وكذا، فيسكت ما شاء الله، ثم يقول: يا رب قربني إلى الشجرة، فيقول الله ويلك يا ابن آدم ما أغدرك، وربه يعذره لأنه يرى شيئا لا صبر له فيدنيه من الشجرة، فيسكت ما شاء الله، ثم ترفع له شجرة، وهكذا حتى يصل إلى باب الجنة فيقول في النهاية: يا رب قرب لي باب الجنة فيقول: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك، يا رب لا أكون أشقى خلقك بك، فإذا وصل إلى الجنة انفتحت له الجنة، ورأى ما فيها من النعيم، وكذا فيسكت ما شاء الله، فيقول: يا رب أدخلني الجنة، فيضحك الله له قال: فيقول أيضا لا أكون أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك منه قال: ادخل الجنة، هذا فيه إثبات الضحك لله .
وكذلك الفرح من الصفات التي جاءت في الكتاب العزيز، في حديث أنس بن مالك المتفق على صحته، يقول النبي للَّهُ أشد فرحا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ إذا استيقظ عَلَى بَعِيرِهِ قَدْ أَضَلَّهُ بأَرْضِ فَلَاةٍ رواه البخاري في الصحيح في كتاب الدعوات ورواه الإمام مسلم في كتاب التوبة في بعضها وصف لهذا الرجل أنه كان في أرض فلاة مهلكة، وفقد بعيره وبحث عنه فلم يجده، وعليه طعامه وشرابه وهو في صحراء، ما يستطيع ما يهتدي إلى شيء، فأيس فلما أيس نام تحت شجرة ليموت، أيس ما وجد البعير من جميع الجهات، نظر تعب ولا حوله بلد، ولا يستطيع المشي، ولا ماء ولا شيء، فنام تحت شجرة ليموت، فنام فلما استقيظ وجد الراحلة قائمة عند رأسه وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، هي حياته، فشهق وَأَخَذَ من شدة الفرح، وجعل ينادي ربه يريد أن يقول: اللهم أنت ربي وأنا عبدك فأخطأ فقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ .
هذه كلمة كفرية قال: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ لكن إذا تكلم بكلمة الكفر ذاهلا غير متعمد فلا يؤاخذ، ولو قالها عن عمد صار كفرا، هذه كفر هذا يدل على أن حاكي الكفر لا يكفر، والمتكلم بكلمة الكفر عن غير عمد لا يكفر قال: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ يقول: اللَّهُمَّ أَنْتَ ربي وَأَنَا عبدك أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ.
ذهل فقال الله -تعالى- ففي الحديث: لله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا الرجل بفرحه براحلته فيه إثبات صفة الفرح لله كما يليق بجلال الله وعظمته لا يشبه فرح المخلوق.
وكذلك العجب أيضا، صفة العجب ثابتة في السنة المطهرة، في حديث أبي هريرة اللي رواه البخاري في صحيحه عجب الله من قوم يدخلون الجنة بالسلاسل رواه البخاري في كتاب الجهاد، ورواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود
وفيه أيضا ثبت في صحيح البخاري - حديث آخر - في قصة الأنصاري الذي استضافه فقير، وذلك أن رجلا فقيرا جاء استضافه النبي -صلى الله عليه وسلم، فسأل أزواجه -بيوت النبي متعددة تسع أبيات- وسأل كل بيت هل عندكم شيء ؟ قالوا: لا والله إلا ماء ما عندنا إلا ماء، تسع أبيات من أبيات النبي ما وجدوا شيئا للضيف، كل بيت يقول: هل عندكم شيء للضيف ؟ قالوا: يا رسول الله إلا ماء، فقال النبي من يضيف هذا وله الجنة، قال رجل من الأنصار: أنا أضيفه يا رسول الله، فذهب به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله، قالت: والله ما عندنا إلا طعام الصبيان -ما عندنا شيء إلا طعام الصبيان، طعام يكفي الأطفال-، فقال نوميهم وعلليهم فنومتهم، ثم أطفأ السراج وأوهمه أنه يأكل، وجعل الضيف يأكل حتى شبع وأصبح الرجل وامرأته وأطفاله طاوين، فلما أصبح وجاء إلى النبي قال له النبي لقد عجب الله أو ضحك من فلان وفلان وفي لفظ: من صنيعكما بضيفكما البارحة لقد عجب الله -أو ضحك الله- من صنيعكما بضيفكما البارحة .
هذا فيه إثبات العجب، وأيضا جاء العجب في القرآن العزيز قال في بعض القراءات في سورة الصافات: ( ) في قراءة "بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ " يكون الضمير لله على هذه القراءة يكون فيه إثبات صفة العجب "بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ" قراءة حفص معروفة ( ) لكن على القراءة "بَلْ عَجِبْتُ" فيه إثبات صفة العجب.
وكذلك أيضا إثبات صفة البغض، وهي تقابل المحبة، وهذه ثابتة أيضا في الحديث الصحيح: إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل إني أحب فلانا فأحبه وفي رواية: إذا أبغض عبدا دعا جبريل إني أبغض فلانا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه؛ فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض رواه الإمام مسلم في صحيحه هذا فيه إثبات البغض لله.
وكذلك - من - من الصفات الثابتة في الكتاب العزيز السخط الثابتة في القرآن قال الله -تعالى-: • ( ) فيه إثبات السخط قال سبحانه: ( ) وهي ثابتة أيضا في السنة المطهرة في حديث أبي سعيد الخدري عن النبي يقول لأهل الجنة: هل تريدون أزيدكم؟ قالوا: يا ربنا ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تجرنا من النار؟ فيقول الله أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا وهذا الحديث رواه الشيخان -رواه الإمام البخاري ورواه الإمام مسلم- في إثبات السخط لله ثابت هذه الصفة ثابتة في القرآن وفي السنة.
والكره كذلك إثبات الكره ثابت في القرآن العزيز، قال الله -تعالى- في حق المنافقين: ( ) وثابتة أيضا في السنة المطهرة في الحديث الذي رواه الشيخان، عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي قال: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه .
والرضا أيضا هذه من الصفات الثابتة في القرآن وفي السنة، في القرآن العزيز قال الله -تعالى-: ( ) وقال سبحانه: ( ) وهي ثابتة أيضا في السنة المطهرة، في صحيح البخاري في قصة الأقرع والأبرص والأعمى قصة طويلة وفيه قال في آخر الحديث الملك للأعمى: فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك، فيه إثبات الرضى والسخط.
كذلك ثبت في صحيح مسلم في الدعاء المشهور قول النبي اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك استعاذ بصفة الرضى من صفة السخط، استعاذ بصفة الرضى من صفة السخط، هذه كلها ثابتة.
قال المؤلف -رحمه الله-: "وسائر ما صح عن الله ورسوله من الصفات نثبتها لله، وإن نبت عنها أسماع بعض الجاهلين" ( نبت نبا ينبو إذا تجافى يعني تجافت عنها أسماع بعض الجاهلين ) لأنها لا توافقهم ولا توافق أهواءهم، فبعض الجاهلين من المبتدعة وغيرهم تنبو أسماعهم عن بعض الصفات فلا يثبتونها كالجهمية والمعتزلة وغيرهم، يقول: وإن نَبَتْ عنها أسماع بعض الجاهلين، واستوحشت منها نفوس المعطلين، المعطلة تستوحش نفوسهم تستوحش، ولذلك بعضهم إذا سمع آيات الصفات ارتعد، فالمؤلف يقول: نحن نثبتها ما دام أن الله أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله، وإن تجافت عنها أسماع بعض الجاهلين، وإن استوحشت منها نفوس المعطلين فلا يضرنا هذا، نعم.
صفة النفس
قال -رحمه الله-: ومما نطق بها القرآن، وصح بها النقل من الصفات: النَّفْس، قال الله إخبارًا عن نبيه عيسى -عليه السلام- أنه قال: • ( ) وقـال ( ) وقال لموسى -عليه السلام-: ( ).
وروى أبو هريرة عن النبي قال: يقول الله أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إلي شبرًا اقتربت إليه ذراعًا، وإن اقتـرب إلي ذراعـًا اقتربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة .
وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله لما خلق الله الخلق كتب في كتاب، فكتبه على نفسه، فهو موضوع عنده على العرش: إن رحمتي تغلب غضبي .
نعم، وهذا المقطع من كلام المؤلف، يقول المؤلف: ومما نطق به القرآن، وصح بها النقل من الصفات: النَّفْس، ذكر المؤلف أن من صفات الله النفس، ويثبت لله نفسا وجعلها من الصفات، وهذا قول لبعض العلماء فقالوا: إن من الصفات النفس، ومنهم من قال: إن النفس هي الذات المجردة عن الصفات، وكل من القولين ليس بصحيح، والصواب الذي عليه جمهور العلماء أن المراد بالنفس الله، المراد بالنفس الله نفسه المتصلة بالصفات المراد بالنفس الله، يعني: ذاته سبحانه المتصلة بصفاته، ليس المراد بها ذاتا مجردة عن الصفات، وليس المراد بالنفس صفة للذات، بل المراد بالنفس الله نفسه الله، يعني: المراد بالنفس الله التي هي ذاته المتصلة بالصفات، ليس المراد بالنفس ذاتا مجردة عن الصفات -كما قاله بعضهم- وليست النفس صفة للذات، بل النفس هي الذات نفس الله، النفس هي الله أي: ذاته متصفة بالصفات، هذا هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء كما حقق ذلك أهل العلم من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وغيره من المحققين.
وأما القول بأن الصفات من النفس كما ذهب إليه أصحاب هذا المذهب قول لبعض أهل العلم، وهو كأن الدارمي أيضا في رده على بشر المريسي يميل إلى هذا القول وأنها صفة، لكن الصواب أن النفس هي الذات، هي الذات المتصفة بالصفات؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في مجموع الفتاوي في الجزء التاسع صفحة 292 قال: ويراد بنفس الشيء ذاته وعينه، كما يقال رأيت زيدا نفسه وعينه، وقد قال تعالى: ( ) وقال: ( ) وقال تعالى: ( ) وفي الحديث الصحيح أنه قال لأم المؤمنين: لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزن بما قلتيه لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله مداد كلماته .
وفي الحديث الصحيح الإلهي عن النبي يقول الله -تعالى-: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم هذه النصوص التي ذكرها انظر تعليق الشيخ -رحمه الله- قال: فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء، فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء الله نفسه التي هي ذاته، فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء الله نفسه التي هي ذاته المتصفة بصفاته، ليس المراد بها ذاتا منفكة عن الصفات، ولا المراد بها صفة للذات، وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات كما يظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات، وكلا القولين خطأ، وكلا القولين خطأ.
ما هما القولان ؟ الذي يقول: إن النفس صفة للذات خطأ، والذي يقول إن النفس هي الذات المجردة عن الصفات خطأ، والصواب أن النفس هي الله، وهي نفسه التي هي ذاته المتصفة بصفاته، فالنفس هي الله، هي ذات الله المتصفة بالصفات، هذا هو الصواب الذي عليه المحققون خلافا لما ذهب إليه المؤلف هنا من أن النفس هي الصفات، النفس هي الله ذات الله المتصفة بالصفات، الصفات كلها صفة للنفس، الصفات العلم والرحمة والقدرة والحب والبغض والكراهة والسخط كلها صفات للنفس، النفس نفس الله موصوفة بالغضب بالرضى بالسخط بالفرح بالعجب.
إذن نفس الله هي الله وهي ذاته المتصفة بالصفات، ليست ذاتا مجردة عن الصفة، وليست النفس ذاتا مجردة عن الصفات، وليست النفس صفة للذات بل النفس هي الذات، هي ذات الله المتصفة بالصفات، نعم.
نقف على هذا وفق الله الجميع لطاعته، بقية الوقت للأسئلة.
أحسن الله إليكم هذه مجموعة من الأسئلة، نبدؤها بسؤال ورد من السجن من إحدى الأخوات تقول: بأن عليها كفارة صيام شهرين متتابعين، وهي حامل في الشهر الخامس هل تصوم الشهرين أم تنتظر حتى تلد، ثم تصوم وهي خائفة أن يباغتها الموت وهي لم تصم، وتقول في آخر سؤالها: هل يغفر الله لي كبيرتي وأنا تائبة ونادمة عما فعلت أفتوني مأجورين ؟
أما صيامها فإن كانت تستطيع الصوم فإنه ينبغي لها أن تبادر، وإن كان يشق عليها الصوم فهي معذورة تنتظر بعد الولادة، ثم تصوم شهرين متتابعين، وأما خوفها من الذنب فإن كانت فإذا تابت توبة نصوح فإن الله يتوب عليها، التائب من الذنب كمن لا ذنب له فالله -تعالى- يقول في كتابه العظيم: • • ( ) أجمع العلماء على أن هذه الآية في التائبين؛ لأن الله عمم وأطلق قال: • • ( ) يعني: للتائبين حتى الشرك، من تاب تاب الله عليه، إذا تابت توبة نصوح تكون خالصة تتوب توبة لأجل الله لا رياء ولا سمعة ولا لأجل الدنيا، ويكون الإنسان أقلع عن المعصية، وندم على ما مضى، وعزم عزما جازما على ألا يعود إلى المعصية، ورد المظلمة إلى أهلها إن كانت بينه وبين الناس، وكانت توبة قبل الموت قبل نزول العذاب، وقبل بلوغ الروح إلى الحلقوم، وقبل طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان، فإنها توبة نصوح مقبولة من أي ذنب كان، من تاب تاب الله عليه، نعم.
وردت لفظة اليد لله في القرآن مفردة ومثناة وجمعا، بعض أهل العلم حملوا لفظة الجمع في اليد على غير ظاهرها، والله -عز وجل أثبت الجميع في القرآن، فلماذا نحدد أنها يدان ولا نقول: أننا نثبت اليد من غير أن نحدد العدد ؟
أنا تكلمت قد بينت هذا في أثناء الدرس، لكن كان السائل ما انتبه، ولو رجع لوجد الكلام موضحا، فإن جاءت بصيغة الجمع ليست من الصفات قال الله -تعالى-: ( ) وهذه من آد يئيد مصدر آد يئيد أيدا من القوة؛ ولأن الله أضافها إلى نفسه بصيغة الجمع، أي: للتعظيم مثل قوله: ( ) ما يقال لله أعين هذه صيغة الجمع لا.
بخلاف اليد فإذا أضيفت إلى الله بضمير الإفراد دل على أنها صفة مثل: ( ) تثنية ( ) تثنية، أما بيدي ( ) فالمراد الجنس جنس اليد، المراد الجنس فيه إثبات اليد لله ( ) في إثبات اليد لله والمراد الجنس، والآية التي فيها التثنية بينت أن لله يدان ( ) يديَّ، أما ( ) فليست من الصفات، وإنما هي مصدر آد يئيد أيدا، نعم.
قلتم أحسن الله إليكم في الدرس الماضي: إن سؤال الصفة حرام، ولكن سؤال الله بالصفة لا شيء فيه مثل: اللهم إني أسألك برحمتك وعزتك فما الفرق ؟
ما فيه اشتباه حتى يكون هناك فرق، ما فيه اشتباه، لا يوجد اشتباه، سؤال الصفة ينادي، ينادي الصفة يقول: يا وجه الله، يا قدرة الله أنقذيني يا رحمة الله، يخاطب الله بصيغة الأنثى هذا حرام، هذا حرام، ولا يجوز نداء الصفة، قال شيخ الإسلام: إنه كفر، أما التوسل بصفات الله فأنت تسأل الله وتجعل الوسيلة لذات الله، اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلى أن تغفر لي، هل هذا يشتبه بهذا ؟ كيف يقول السائل: فما الفرق ؟ ما فيه اشتباه حتى يقال: فما الفرق ؟ هذا الذي ينادي الصفة يقول: يا رحمة الله ارحميني، يا قدرة الله أنقذيني، هذا كأنه فصل الصفة عن الذات، وخاطب بخطاب الأنثى يا رحمة الله، والله بذاته وصفاته -سبحانه وتعالى- هو الرب، هو المسئول بذاته وصفاته وأسمائه، أما الذي يتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته هذا لم يفقه القرآن، وأدلته يخاطب بيا الله الخطاب لمن ؟ لله، أسألك بأي شيء ؟ بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، توسل أسألك بإيماني، أسألك بعملي الصالح، هل هذا يشتبه مع هذا حتى يقال: ما الفرق، نعم، ينبغي للسائل أن يتأمل -نعم- حتى لا يقول ما الفرق ؟ نعم.
يقول - أحسن الله إليكم - ثبت في الحديث وكلتا يديه يمين وعندنا بعض العادات إذا قدم للشخص بالشمال قال: شمالك يمين !! فهل هذا جائز ؟
لأ ليس بصحيح، " شمالك يمين " غلط ما هو بصحيح، شماله شمال ويمينه يمين، هذا للرب خاصة، كلتا يديه يمين فإذا بعض الناس وبعض العامة إذا أعطيته شيء أو مد يده اليسار قال: ما يخالف شمالك يمين، شمالك يمين يعني: يبرر هذا الموقف يبرر عمله، عمله غلط اليد اليمنى للأخذ والإعطاء، بعض الناس يعطيك بيده الشمال فيأخذه ويقول لك: شمالك يمين، لأ غلط تقول له: يا أخي ما آخذه من الشمال أعطني بيدك اليمين، علمه الآداب، إذا أعطاك بيده اليسرى لا تأخذ بيده الشمال، قل له: يا أخي أعطني بيمينك، وهذا أحسن وحصل عندي في بعض المقالات لما يعطيني بيده الشمال، قلت يا أخي: ما آخذ بيدك الشمال، بيدك اليمين فيقول: جزاك الله خيرا، أنا غلطت، وأنا كذا، أما قول شمالك يمين هذا تبرير، تبرير للغلط لأ، هذا غلط غلطان، كيف تبرر غلطه بشمالك يمين؟ ليست شماله، شماله شمال ويمينه يمين، هذا لله قال الله -تعالى-: وكلتا يديه يمين وفي الحديث: وكلتا يدي ربي يمين مباركة يعني: كلتا يديه يمين في الفضل والشرف والجود وعدم النقص والضعف، بخلاف ابن آدم فإن الشمال فيها نقص وفيها ضعف، أما الرب فلا يلحق يديه نقص ولا ضعف، كلتا يديه يمين في القوة والفضل والشرف والكرم، وإلا فله يمين وشمال -سبحانه- كما جاء في صحيح مسلم إثبات الشمال، وقال بعض أهل العلم: إن هذا من إثبات الشمال لله طعنوا فيه، وإن كانت في مسلم، وقالوا: إن تفرد بها بعض الرواة، بعض أهل العلم يقول: كلتا يديه تسمى يمين، ومنهم من قال: كلتا يديه يمين يعني: في الشرف والكرم والفضل وعدم النقص، ولكن الأخرى تسمى شمالا كما جاء في صحيح مسلم، نعم.
أسئلة كثيرة حول حديث احتجاج آدم وموسى، أول سؤال فيها ذكر موسى -عليه السلام- قوله تعالى: ( ) هل ذكرها على أنها آية من كتاب الله -تعالى- وهو القرآن الكريم ؟ مع أنه لم ينزل بعدُ ؟
لأ آدم، آدم يقول لموسى: هل وجدت في كتاب الله يعني: التوراة كتاب الله، ما هو مقصود القرآن، يعني: موجود هذا في التوراة وفي القرآن، فهل وجدت في كتاب الله، يعني: التوراة التي أنزلها الله عليك ( ) قال: نعم، ليس المراد في القرآن يخاطبه، وسيخاطبه في كتاب الله الذي أنزل عليه هذا، كتاب الله جنس، كتاب الله جنس، يعني: الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه كلها تسمى كتبا، كتاب الله، التوراة كتاب الله، والإنجيل كتاب الله، والزبور كتاب الله، والقرآن كتاب الله، فمراد آدم كتاب الله يعني: التوراة التي أنزلها الله عليك، هل وجدت هذا قال: نعم، فحج آدم موسى يعني: غلبه، غلبه بالحجة، نعم.
هل التوراة هي الألواح التي ألقاها موسى -عليه السلام- ؟
التوراة إنما أنزلها الله بعد إغراق فرعون، بعد هلاك فرعون قال الله -تعالى-: •• ( ) ولم يهلك الله أمة بهلاك عام بعد نزول التوراة، فبنزول التوراة رفع العذاب العام، فدل هذا على أن الألواح هذه قبل نزول التوراة، الله -تعالى- أنزل على إبراهيم صحف وموسى صحف • ( ) غير التوراة، التوراة إنما نزلت بعد ذلك، والألواح التي كتبها الله التوراة التي أنزلها الله على الألواح على موسى، إنما كان هذا بعد أن عبد بنو إسرائيل العجل وكان هذا بعد هلاك فرعون.
فلما جاء موسى -عليه الصلاة والسلام- ووجدهم يعبدون العجل أخبره الله قبل ذلك أنهم يعبدون العجل • ( ) لما ذهب موسى لميقات الله واستخلف أخاه هارون وهو نبي مثله قال: ( ) فجاء السامري فصنع لهم من الحلي ( ) وقال ( ) فعبدوه، نهاهم هارون ومنعهم فلم يقبلوا كلامه وأرادوا قتله وقالوا: لا ( ) ما نقبل كلامك حتى يأتي موسى، موسى ذهب لميقات ربه أربعين ليلة فأخبره الله • ( ).
فلما جاء موسى ووجدهم يعبدون العجل غضب غضبا شديدا، وألقى الألواح تكسرت من شدة الغضب، وهذا فيه دليل على أنه ليس من رأى كمن سمع، في الأول أخبره الله أنهم عبدوا العجل، لكن ما غضب هذا الغضب الشديد لما رآهم بعينه يعبدون العجل، والله -تعالى- عفا عنه، دليل على أن الغضبان معفو عنه، ألقى الألواح وفيها كلام الله حتى تكسرت من شدة الغضب، وأخذ برأس أخيه هارون وهو نبي كريم مثله وجره برأسه ولحيته، قال: كيف تتركهم يعبدون العجل • ( ) • ( ).
يقول هارون: أنا ما قصرت، لكن ما قبلوا مني ( ) • ( ) نصحتهم لكن أرادوا قتلي، وقَالَ: "يا ابْنَ أُمَّ" من باب الاستعطاف، وإلا هو أخوه لأبيه وأمه لكن من باب الاستعطاف • ( ) فهذا يحتمل أنها التوراة ؛ لأن هذا بعد عبادتهم العجل بعد إغراق فرعون، فيحتمل -والله أعلم- أنها التوراة ؛ لأن التوراة إنما نزلت بعد هلاك فرعون، وهذا بعد هلاك فرعون، عبدوا العجل والله -تعالى- عفا عنه لأنه المكان عنده له منزلة عند الله؛ لأن إلقاء الألواح وفيها كلام الله حتى تكسر، هذا لو كان مع الشعور لكان ذنبا، لكن الله عفا عنه معفو عنه، من اشتد غضبه ولم يكن معه شعور هذا معفو عنه، فعفا الله عن موسى.
ومن أيضا الفوائد بهذه المناسبة أحب أن أفيدكم هذه الفائدة هو أن الصوفية -الآن- الملاحدة الذين يقولون بوحدة الوجود، وهم منتشرون الآن، ربما الإخوان الذين في الشبكة في بلادهم يعلمون هذا، وكذلك بعض الإخوان الموجودين هنا يعلموا أن الصوفية طبقات وفرق متعددة، في كل بلد تجد عددا من فرق الصوفية، وكل فرقة لهم شيخ، وهذه الفرق كلها تقود إلى النار، منها التيجانية والقادرية والنقشبندية وغيرها من الطرق، وكلها طرق توصل إلى النار، وأغلبها طرق كفرية تجد في البلد الواحد أكثر قد يوجد مائة طريقة، تجدها في مصر وفي الشام وفي إفريقيا، وفي كل مكان، وفي سوريا، وفي كل مكان، وكل بلد بعد هذه البلاد تجد فيها فرقا صوفية كلها تقود إلى النار.
وبعضهم -بعض الصوفية- يتفاوتون بعضهم يصل إلى القول بوحدة الوجود، يصل إلى القول بوحدة الوجود، يعني: يقول: إن الوجود واحد، فالرب هو العبد، والعبد هو الرب حتى قال من رؤسائهم ابن عربي رئيس وحدة الوجود:
يا ليـت شعري من المكلف
أو قلـت رب أنـى يكلـف
العبـد رب والـرب عبـد
إن قلـت عبـد فذاك بيت
اختلط عليه الأمر ما يدري من الرب ؟ يقول: أنت الرب وأنت العبد - نعوذ بالله -، أنت الرب وأنت العبد، الوجود واحد، ويقول لما قيل له: رب مالك وعبد هالك وأنتم ذلك، والعبد فقط ++ - نعوذ بالله - هذه وحدة الوجود أعظم الناس كفرا وضلالا، كفر كل كافر جزء من كفرهم، إذا كان المشبهة كفارا لأنهم يشبهون الله بخلقه فكيف بمن يقول: إن الله هو الخلق جميعا؟ إذا كان المشبهة الحلولية الذين يقولون: إن الله حل في المخلوقات كفارا وكذا أهل الحق يقولون كيف يكون الرب حالا في بطون السباع وأجواف الطيور؟ فكيف من يقول: إن الله هو نفس السباع ونفس البطون ونفس الأجواف هؤلاء أعظم الناس كفرا من الملاحدة، الملاحدة يرون أن الوجود واحد، ما في فرق بين الرب وبين العبد.
ومنهم ابن عربي، وابن عربي هذا رئيس وحدة الوجود، وله مؤلفات له كتاب يسمى كتاب " الهُو " يقول: إن الذكر هو هو هو هو، له كتاب الفتوحات المكية، وله كتاب فصوص الحكم، يعارض فيه القرآن مثلا فص قصة قوم نوح فص، قصة قوم هود فص، قصة موسى مع فرعون فص، وقال على هذه الآية هذا الشاهد الذي أردت أن أذكره لكم، انظر -والعياذ بالله- يقول: إن فرعون حينما قال: ( ) مصيب، مصيب لأن الوجود واحد، ويقول: إن الإنسان يتمثل، يقول: الرب -والعياذ بالله، يتجلى في صورة معبود كما يتجلى في صورة فرعون، معبود كما يتجلى في صورة هادٍ كما في صورة الرسل، فهو واحد.
ففرعون -يقول ابن عربي- مصيب حينما قال: ( ) لأن الوجود واحد والرب هو العبد، ويقول: إن كل من عبد شيئا من دون الله فهو مصيب، فالذي يعبد النار مصيب، والذي يعبد العجل مصيب، والذي يعبد كل شيء مصيب، والكفر إنما هو بالتخصيص الذي يخصص شيئا ويقول: لا يعبد إلا هذا، هذا هو الكافر عندنا والعياذ بالله.
وابن عربي حينما جاء قصة قوم نوح، حينما جر موسى هارون بلحيته ماذا تظنون سيقول ؟ كيف يفسر هذه الآية ؟ يقول: إن موسى جر هارون فأخذه برأسه ولحيته ليش؟ لماذا تنكر عليهم عبادة العجل ؟! هم على حق لا تنكر عليهم عبادة العجل، هم على حق الآن فكيف تنكر عليهم وهم على حق؟.
ويقول: إن فرعون أغرق ؟ لماذا أغرق ؟ أغرق تطهيرا له حتى يزول الحسبان والوهم، يعني: فرعون يتوهم أنه هو الرب الناس كلهم أرباب، فلما ظن في ذهنه أنه هو الرب وحده أغرق تطهيرا له حتى يزول الوهم والحسبان، هذا تطهير لفرعون حتى يزول وهمه وحسبانه أن الربوبية خاصة به الربوبية، كل الناس أرباب كل رب وكل عبد ما في إلا أنت يا فرعون، فأغرق تطهيرا له حتى يزول الحسبان والوهم.
قصدي من هذا تعلمون أن الصوفية الملاحدة من أكفر خلق الله، وأنهم طوائف ومنهم وحدة الوجود، هذا مذهب وحدة الوجود، وهم موجودون الآن في كل مكان، والإخوان يعلمون هذا، كثير من الإخوان الوافدين إلى هذا البلد يعلمون هذا، والإخوان الذين في الشبكة يسمعون يعلمون هذا، أهل وحدة الوجود هم أكفر الناس، وهذا مذهبهم يقولون: الوجود واحد، وفرعون مصيب، وموسى جر هارون ينكر عليه إنكاره على بني إسرائيل عبادة العجل، نسأل الله السلامة والعافية، نعم.
أحسن الله إليكم، يقول: كيف علم آدم وموسى أن تلك المعصية قدرها الله عليه قبل أربعين سنة ؛ لأنه لما سأله: "بكم وجدت في كتاب الله قال بأربعين سنة" هل أطلع على اللوح المحفوظ ؟
قلنا: إن هذا قدر، والقدر هذا مأخوذ من اللوح المحفوظ، هذا قدر قبل أن يخلقني بأربعين سنة، آدم قال لموسى: كم وجدت مكتوبا عليه ( ) قال: وجدت في كتاب الله قبل أربعين سنة، يعني: في التوراة وفي الكتاب الذي أنزله على موسى، ففيه أنه مكتوب على آدم قبل أن يخلق بأربعين سنة ( ) كيف يقال: أنه أطلع على اللوح المحفوظ، هذا قدر مأخوذ من القدر السابق، قدر مأخوذ قبل خلق آدم بأربعين سنة، واللوح المحفوظ متى مكتوب ؟ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فهذا قدر مأخوذ من اللوح المحفوظ، كتب في الكتاب الذي أنزله الله على موسى: إن آدم مكتوب عليه أنه يعصي الله قبل أن يخلق بأربعين سنة ( ) نعم.
أحسن الله إليكم، آخر سؤال وصل من ألمانيا من أحد الإخوة المستمعين عبر الشبكة: قال: قلت لأحد الإخوة الله يهديك -إن شاء الله- قال: بدون أن تقول: إن شاء الله، بل اعزم في الدعاء، كيف ونحن نقول للمريض: لا بأس طهور إن شاء الله ؟
نعم، هو مصيب، اعْزِم، لا تقول: "إن شاء الله"، لا تقيد تقول: "الله يهديك"، قال النبي لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي -إن شئت- اللهم ارحمني -إن شئت- ليعزم المسألة، فإنه لا مكره له هذا مصيب، لا شك أنه مصيب، ادع له جزما، لا تقيد؛ ولأن قولك: إن شاء الله يفيد بأنك غير محتاج إلى هذا الدعاء، اللهم اغفر لي -إن شئت-، يعني: إن شئت يا الله فاغفر لي، وإن شئت فلا تغفر لي فلست بحاجة، هذا غلط، اجزم فليعزم: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، لا تقل: إن شئت، ولا إن شاء الله، الله يهديك لا تقل: إن شاء الله، أما القول للمريض: طهور -إن شاء الله- فهذا من باب الخبر عند أهل العلم، ليس من باب الإنشاء، نعم.
وفق الله الجميع لطاعته، ثبت الله الجميع على الهدى، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فقد وقفنا على بحث في النفس في قول المؤلف: ومما نطق بها القرآن، وصح بها النقل من الصفات: النَّفْس. وقلنا البارحة: إن - في الليلة الماضية - إن جمهور العلماء على أن النفس هي الله -سبحانه وتعالى- هي ذاته المتصفة بالصفات، وأن من قال: إنها صفة، أو قال: إنها الذات المجردة فقد غلط كما بين ذلك الأئمة، مثل الشيخ شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره -رحمه الله-، فتكون النفس هي الله، هي ذات الله المتصفة بالصفات، والمؤلف هنا مشى على أنها صفة من الصفات وهو قول، وهناك قول آخر بأنها الذات المجردة، وهذا أيضا لا شك أنه باطل، فهما قولان خلاف الصواب، وأن الصواب أن النفس هي الله، وهي ذاته المتصفة بالصفات.
استدل المؤلف -رحمه الله- على أن لله نفسا بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقول الله -تعالى-: • ( ) ( ) قال الله إخبارا عن عيسى أنه قال لربه: • ( ) فأقره الله على قوله: ( ) فأثبت لله نفسا وقال • ( ) فأثبت لنفسه نفسا، وقال لموسى: ( ).
واستدل من السنة بحديث أبي هريرة الذي رواه البخاري -رحمه الله- في صحيحه وراوه الإمام مسلم أيضا والترمذي وابن ماجه وأحمد في المسند أن النبي قال يقول الله وهو حديث قدسي أضافه النبي إلى ربه فهو من كلام الله، قال يقول الله فهو من كلام الله لفظا ومعنى كالقرآن - الحديث القدسي - من كلام الله لفظا ومعنى، يقول الله أنا عند ظن عبدي وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، وإن اقترب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة .
هذا حديث قدسي رواه الشيخان وغيرهما، وهو من كلام الله وفيه إثبات أن لله نفسا في قوله: فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وهذا هو الشاهد من الحديث، وقوله: وأنا معه حين يذكرني فيه إثبات المعية لله، صفة أخرى أيضا، في إثبات النفس لله وإثبات المعية، وهذه معية خاصة ؛ لأن المعية نوعان: معية عامة ومعية خاصة، المعية العامة هي معية الله لجميع الخلق، فالله -تعالى- مع خلقه بإحاطته وباطلاعه ونفوذ قدرته ومشيئته، ورؤيته لهم من فوق عرشه، وسمعه لكلامهم، هذه المعية العامة، ومقتضاها الاطلاع والإحاطة وتأتي في سياق المحاسبة والمجازاة والتخويف لقوله سبحانه: ( ) تأتي في سياق المحاسبة والمجازاة، وقوله سبحانه: ( ) وقوله سبحانه: ( ) وهو معهم هذه معية عامة، وتكون للمؤمن والكافر عامة، المعية العامة تكون للمؤمن والكافر، ومقتضاها الاطلاع والإحاطة، وتأتي في سياق المحاسبة والمجازاة والتخويف.
أما المعية الخاصة فهي خاصة بالمؤمن خاصة بالمؤمنين معيته سبحانه مع الصابرين قوله: • ( ) وتكون للمتقين • ( ) مع المقسطين • • • ( ) مع المتقين ومع المحسنين، ويكون مع الذاكرين كما في هذا الحديث: وأنا معه حين يذكرني هذه معية خاصة للذاكرين، فهي خاصة بالمؤمن ومقتضاها النصر والتأييد والحفظ والكلاءة، وتأتي في سياق المدح والثناء وكقوله ( ) لما كان النبي في الغار هو وأبو بكر يوم الهجرة، أبو بكر قال يا رسول الله: "لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا" فقال النبي له: ( ) ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما وهذه معية خاصة وكقوله سبحانه لموسى وهارون: ( ) ( ) فلما دخل فرعون معهم في الخطاب جاءت المعية العامة ( ) فلما دخل فرعون معهم في الخطاب جاءت المعية العامة ( ) ولما انفرد موسى وهارون انفردت المعية الخاصة ( ).
هذه المعية الخاصة وهو مع المتقين ومع المحسنين ومع الصابرين، ومع الناس كلهم بعلمه وإحاطته، ومع المتقين ومع المحسنين ومع الصابرين بعونه ونصره وتأييده وتوفيقه وتسديده، ومع الناس كلهم باطلاعه وإحاطته وهو فوق العرش -سبحانه وتعالى-، لا منافاة بين المعية وبين الفوقية لا منافاة، لأن المعية ليس معناها الاختلاط والامتزاج المعية في لغات العرب يعني: مطلق المصاحبة.
أما أهل البدع كالجهمية والمعتزلة وغيرهم فإنهم ضاقت صدورهم وضاقوا ذرعا في الجمع بين النصوص، وضربوا النصوص بعضها ببعض -نعوذ بالله-، فأبطلوا نصوص الفوقية والمعية التي تزيد نصوص الفوقية والعلو التي تزيد على ثلاثة آلاف دليل من نصوص المعية.
وقالوا: إن المعية توجب الاختلاط والامتزاج، وأن الله مع الخلق مختلط بهم، وأنكروا نصوص الفوقية والمعية والعلو، وهذا من جهلهم وضلالهم وانحرافهم وزيغهم واتباعهم الهوى، فالحديث فيه إثبات المعية الخاصة وهي معية مع الذاكرين وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم وهم الملائكة وقوله في آخر الحديث: وإن اقترب إلي شبرا اقتربت إليه ذراعا وإن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة وفي لفظ: ومن تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا هذا فيه إثبات القرب لله، هذا فيه إثبات القرب لله، والحديث فيه إثبات المعية، وفيه إثبات النفس.
والقرب جاء خاصا ولم يأت عاما، عند بعض أهل العلم، عند المحققين من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أن القرب لا يكون إلا خاصا، ولا يكون عاما وخاصا كالمعية ؛ لأنها تكون عامة وخاصة، وأما القرب فإنه لا يكون إلا خاصا، وهو نوعان: قرب من الداعين بالإجابة، وقرب من العابدين بالإثابة، فالأول مثل قوله ( ) يعني: قريب من إجابة دعاء الداعين ( ) ولم يقل: إنه قريب من كل أحد، قريب من السائلين بالإجابة.
ومثله ما ثبت في الصحيح أو في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري قال كنا مع النبي في سفر فارتفعت أصواتنا بالتكبير، فقال النبي اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته .
فهو قريب من الداعين، تدعونه أقرب إلى أحدكم -أيها الداعون-، فهو قريب من الداعين، وليس فيه أنه قريب من كل أحد، ومثله قول الله -تعالى-: • ( ) للمستغفرين التائبين، هذا النوع الثاني وهو القرب من العابدين بالإثابة • ( ) من المستغفرين التائبين ليس قريبا من كل أحد، وهو كقوله سبحانه عن شعيب: • ( ) فهو رحيم ودود بالمستغفرين التائبين كما أنه قريب مجيب للعابدين وللسائلين.
وأما قوله تعالى: • ( ) فهذا قرب الملائكة، قرب العبد من الملائكة، فالملائكة أقرب إلى العبد من حبل الوريد، بدليل أنه قيده بوقت تلقي الملكين فقال: ( ) يعني: نحن أقرب إليه وقت تلقي المتلقيين، ولو كان المراد قرب الله لم يقيد بوقت تلقي الملكين، ومثله قوله تعالى في سورة الواقعة: ( ) قال العلماء: المعنى أن الملائكة أقرب إلى قلب العبد من أهله ( ) ولكن لا تبصرون الملائكة ( ).
وذهب بعض العلماء إلى أن القرب يكون عاما وخاصا كالمعية تكون عامة وخاصة، ومثل القرب الخاص مثل ما سبق ( ) وحديث أبي موسى ومن القرب قرب العبد من الإثابة قوله تعالى: ( ) فالساجد قريب من الله ( ) فالساجد قريب من الله ؛ لأنه عابد لله، ذهب آخرون من أهل العلم إلى أن القرب يكون عاما ويكون خاصا، وقالوا ومثلوا للقرب العام بقوله تعالى: ( ) وقالوا: هذا قرب الله والمعنى نحن أقرب إليه بالعلم ( ) وقال بعضهم، نحن أقرب إليه بالعلم والرؤية، وقال بعضهم: بالعلم والرؤية والقدرة.
وكذلك قالوا في: ( ) ولكن المحققين كشيخ الإسلام وابن القيم قالوا: إن القرب لا يأتي إلا خاصا ولا يأتي عاما، وأما القرب في الآيتين فهو قرب الملائكة، فهذا الحديث القدسي فيه إثبات أن لله نفسا، وفيه إثبات المعية، وفيه إثبات القرب، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن قرب العباد بالتقرب إليه هذا يقر به جميع الطوائف، جميع من يثبت العلو، ومن أنكر علو الله فهم ينكرون هذا القرب، يقول شيخ الإسلام -رحمه الله- في الصحيحين عن النبي أنه قال: يقول الله -تعالى-: من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة .
وقربه قال: وقربه من العباد تقربهم إليهم مما يقر به جميع من يقول، إنه فوق العرش، سواء قالوا مع ذلك إنه تقوم به الأفعال الاختيارية أو لم يقولوا، وأما من ينكر ذلك فمنهم من يفسر قرب العباد بكونهم يقاربونه ويشابونه من بعض الوجوه فيكونون قريبين منه، وهذا تفسير أبي حامد والمتفلسفة فإنهم يقولون: الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة.
الدليل الثاني من السنة الذي استدل به المؤلف -رحمه الله- على إثبات أن لله نفسا حديث أبي هريرة قال: وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله لما خلق الله الخلق كتب في كتاب، فكتبه على نفسه، فهو موضوع عنده على العرش: إن رحمتي تغلب غضبي .
ووجه الدلالة من قوله: "فكتبه على نفسه" فأثبت لله نفسا، كما أن الحديث فيه إثبات الرحمة وفيه إثبات الغضب، والحديث سبق في مبحث العلو، في مبحث العلو سبق، ذكره المؤلف -رحمه الله- قرأناه لو رجعنا إليه في حديث العلو هناك ذكر هناك قال ورواه أبو هريرة قال سمعت رسول الله يقول: إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق، إن رحمتي سبقت غضبي فهو عنده فوق العرش وهنا قال ذكر نفس الحديث لما خلق الله الخلق كتب في كتاب، فكتبه على نفسه، فهو موضوع عنده على العرش: إن رحمتي تغلب غضبي هل ترون في سياق الحديثين سواء وللا مختلف ؟ مختلف، فالأول ساق هناك إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق، إن رحمتي تسبق غضبي فهو عنده فوق العرش ما في "فكتبه على نفسه" وهنا قال لما خلق الله الخلق كتب في كتاب، فكتبه على نفسه هناك استدل به على العلو، وليس فيه "فكتبه على نفسه" هنا استدل به على إثبات النفس "فكتبه على نفسه".
والمحقق قال: رواه الشيخان هنا وهناك، رواه البخاري ومسلم، ولكن بعد البحث لم أجد كلمة "فكتبه على نفسه" في الصحيحين، بل ولا في السنن ولا في الكتب التسعة كلمة "فكتبه على نفسه".
فكيف المحقق يقول: إنه رواه البخاري ورواه مسلم ولم ينبه على هذه اللفظة، هذه اللفظة ليست موجودة في الحديث وإنما كما ساقه الأول، كما ساقه المؤلف الأول: إن الله كتب كتابا فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي تسبق غضبي .
هنا أتى بزيادة "فكتبه على نفسه" هذه الزيادة لم أجدها في الصحيحين ولا في السنن ولا في الكتب التسعة، وعلى هذا فيكون الحديث ليس فيه دليل في إثبات أن لله نفسًا، ويُكْتَفَى بالأدلة من الكتاب ومن السنة، نعم، هذا ما وقفنا عليه في القراءة.
رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة
وأجمـع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق أن الله -تعالى- يُرى في الآخـرة، كما جـاء في كتابه، وصح عن رسوله قال الله ( ).
وروى جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا جلوسًا ليلة مع رسول الله فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبـوا على صـلاة قبـل طلـوع الشمس وقبل غروبها فافعلـوا، ثم قـرأ: ( ) وفي رواية: سترون ربكم عيانًا .
نعم انتقل المؤلف -رحمه الله- إثبات صفة الرؤية، وصفة الرؤية من الصفات التي اشتد فيها النزاع بين أهل السنة وبين أهل البدعة، وهي من العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدعة، وقلت لكم: إن هذه الصفات مثل صفة العلو وصفة الرؤية وصفة الكلام، هذه الصفات الثلاث اشتد في هذا النزاع بين أهل السنة وبين أهل البدع، وهي من العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدع، فمن أثبتها فهو من أهل السنة، ومن نفاها فهو من أهل البدع، صفة العلو صفة الكلام صفة الرؤية هذه الثلاث ينكرها الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، الأشاعرة يثبتون الرؤية لكن ما يثبتونها على وجهها يثبتونها في غير جهة، الأشاعرة يقولون: إن الله يرى لكن من أين يرى ؟ من فوق ؟ يقولون: لأ، من تحت ؟ لأ، أمام ؟ لأ، خلف ؟ لأ، يمين ؟ لأ، شمال ؟ لأ، أين يرى ؟ لا في جهة هل هذا معقول ؟ لا يعقل؛ ولهذا أنكر جمهور العقلاء على الأشاعرة، وضحكوا منهم وقالوا: كيف تثبتون الرؤية بدون مقابل ؟ ما في رؤية إلا مقابلة الرؤية، لا بد لها من مقابلة للمرئي، فكيف تثبتون الرؤية ولا تثبتون المقابلة، قالوا: هذا باطل بداهة، العقول تنكر هذا ؛ لأن الأشاعرة الآن مذبذبون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، هم يريدون أن يكونوا مع أهل السنة في إثبات الرؤية، ويريدون أن يكونوا مع المعتزلة في نفي الجهة ونفي العلو فلم يستطيعوا، فأثبتوا الرؤية ونفوا العلو.
ولهذا ألزمهم سلط عليهم المعتزلة وألزموهم قالوا: أنتم الآن مذهبكم مذبذب غير معقول غير متصور، فأنتم بين أحد أمرين، فإما أن تثبتوا العلو مع الرؤية فتكونوا أعداء لنا مثل أهل السنة، وإما أن تنفوا الرؤية فتكونوا أصحاب لنا فتكونوا معنا، أما أن تكونوا هكذا مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، هذا غير معقول وغير متصور، وكذلك الكلام أثبته الأشاعرة لكن ما أثبتوه على وجهه، الكلام يقولون هو معنى قائم بالنفس، مثل العلم ما في حرف ولا صوت الكلام في نفسه كما أن العلم في نفسه فالكلام في نفسه، كيف تكلم ؟ كيف يعرف الكلام ؟ قالوا: اضطر جبريل اضطرارا، ففهم المعنى القائم بنفسه فتكلم بهذا القرآن، هذا الكلام كلام جبريل، اضطره الله اضطرارا ففهم ما في نفسه فعبر عنه، جعل الله أخرس نعوذ بالله.
ومنهم من قال الذي عبر عنه محمد لا جبريل، ومنهم من قال: أخذه جبريل من اللوح المحفوظ، إذن ما أثبتوا الكلام على وجهه، والعلو أنكروه، بهذا يتبين أن الرؤية ما أثبتها هؤلاء الطوائف الثلاث الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، فإنها العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدعة، أجمع عليها أهل السنة؛ ولهذا قال المؤلف -رحمه الله-: وأجمـع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق أن الله -تعالى- يُرى في الآخـرة، قال -رحمه الله-: وأجمـع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق وهم أهل السنة والجماعة، وهم الصحابة وهم الرسل والصحابة والتابعون والأئمة وأتباعهم ومن بعدهم من أهل السنة والجماعة إلى يوم القيامة، اتفقوا على إثبات الرؤية أهل الحق، وخالفهم أهل الباطل وأجمـع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق أن الله -تعالى- يُرى في الآخـرة، كما جـاء في كتابه، وصح عن رسوله .
أما الكتاب استدل المؤلف -رحمه الله- بقول الله ( ) ( ) بالضاد أخت الصاد من النضرة والبهاء والحسن ( ) بالظاء أخت الطاء ( ) يعني: تنظر إلى ربها فالمراد بها تنظر إلى ربها بأبصارها، ووجه الدلالة أن الله أضاف النظر إلى الوجه الذي هو محله، وعداه بأداة إلى الصريحة في نظر العين، وأخلاه من قرينة تدل على خلاف موضوعه وحقيقته، فدل على أن المراد بها النظر بالعين التي في الوجه إلى الرب -سبحانه- ( ).
المؤلف -رحمه الله- اقتصر على آية، وهناك أدلة أخرى تدل من القرآن غير الآية هذه، مثل قوله تعالى: ( ) • ( ) جاء في تفسير المزيد أنه النظر إلى وجه الله الكريم، وقوله سبحانه: ( ) جاء تفسيرها في صحيح مسلم بأن الزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم.
وقوله سبحانه: • ( ) يعني: الكفار قال الشافعي -رحمه الله-: فلما انحجب هؤلاء بالسخط دل على أن أولياءه يرونه في الرضا وإلا لو كان المؤمنون لا يرونه لتساوى الأعداء والأولياء ! فلما حجب الله الأعداء عن الرؤية، دل على أن الأولياء يرونه ولو كان المؤمنون لا يرونه لتساووا هم والأعداء في الحجب ولكن الله حجب الكفرة، فدل على أن المؤمنين يرونه لا يحجبون • ( ) الآية فيها إثبات الرؤية للمؤمنين، المؤلف اقتصر على آية واحدة.
وأما الأحاديث فهي متواترة، كما قال العلامة ابن القيم -رحمه الله- قال: إن الأحاديث متواترة، رواها من الصحابة نحو ثلاثين نفسا في الصحاح والسنن والمسانيد، فهي متواترة، ومن ذلك ما استدل به المؤلف -رحمه الله- حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا جلوسا عند النبي فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة قال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته الحديث راوه البخاري في كتاب التوحيد، ورواه ابن خزيمة أيضا في كتاب التوحيد، ورواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة وفيه أن المؤمنين يرون ربهم كرؤيتهم للقمر، وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية، وليس تشبيها للمرئي بالمرئي.
والمعنى أنكم ترون ربكم رؤية واضحة، كما ترون القمر ليلة البدر رؤية واضحة، وليس المراد تشبيه الله بالقمر، الله -تعالى- لا يشبه أحدا من خلقه، بل المراد تشبيه الرؤية بالرؤية كما يقول العلماء: الحديث فيه تشبيه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي، وقوله: " لا تضامُون " يروى بالتخفيف أي: لا يلحقكم ضيم في رؤيته، كما يلحق الناس عند رؤية الشيء، فإنهم قد يلحقهم ضيم في طلب رؤيته، وقيل: " لا تضامُّون" بالتشديد أي: لا يضم بعضكم إلى بعض.
أما الأشاعرة الذين أنكروا العلو ففسروه بما ينسجم مع مذهبهم القائل بنفي العلو مع إثبات الرؤية، هذه فسروا تضامون بالتشديد ؛ لأن معناه لا تتضامون في رؤيته بالاجتماع في جهة أي: لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض، وأنكم ترونه في جهاتكم كلها، وهو يتعالى عن الجهة، وقول النبي فإن استطعتم أن لا تغلبوا وجاء في أحاديث كثيرة أن النبي قال: إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر وفي بعضها: أنكم ترون ربكم كما ترون الشمس صحوا ليس دونها سحاب من حديث أبي هريرة وغيره.
فالأحاديث صريحة في هذا، ومع صراحتها أنكرها أهل البدع، وفي الحديث يقول النبي فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ ( ) فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ما هي ؟ صلاة الفجر وقبل غروبها ؟ صلاة العصر.
ثم قرأ ( ) صلاة الفجر وصلاة العصر، فيه الحث على العناية بهاتين الصلاتين بزيادة العناية مع بقية الصلوات، وفيه دليل أن المحافظة على هاتين الصلاتين من أسباب رؤية الله في الجنة؛ ولهذا لما أخبر النبي بالرؤية قال: فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، فافعلوا فإن ذلك من أسباب رؤية الله وفي رواية سترون ربكم عيانا يعني: معاينة مواجهة، نعم.
رؤية الله أعظم نعيم يعطاه أهل الجنة
قال -رحمه الله-: وروى صهـيب عن النـبي قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا لم تروه، فيقولون: ما هو ؟ ألم يبيض وجوهنا، ويزحزحنا عن النار، ويدخلنا الجنة ؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه، قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، ثم تلا ( ) رواه مسلم.
نعم، وهذا الحديث حديث صهيب رواه مسلم في صحيحه، وفيه إثبات رؤية المؤمنين لربهم وفيه تفسير الآية تفسير الزيادة بأنها الرؤية، وهذا مما فسرت فيه السنةُ الكتابَ العزيزَ، فسر الحديث في قوله: ( ) بالنظر إلى وجه الله الكريم، فالحسنى هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم ( ) الذين أحسنوا هم المؤمنون، الذين أحسنوا في عبادة الله، وأحسنوا إلى الخلق لهم الحسنى، وهي الجنة ولهم الزيادة وهي النظر إلى وجه الله الكريم، إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا: إن لكم عند الله موعدا لم تروه وفي راوية: يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ؟ ألم يبيض وجوهنا ويزحزحنا عن النار ويدخلنا الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه، قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه .
هذا فيه دليل على أن رؤية الله أعظم نعيم، يعطاه أهل الجنة حتى إنهم ينسون ما هم فيه من النعيم، ينسون ما هم فيه من نعيم الجنة عند رؤيتهم لله، وهذا يدل على أنه لا يراه أحد في الدنيا، هذا يؤيد القول الصحيح أن الله -تعالى- لا يراه أحد في الدنيا، وأن النبي لم ير ربه ليلة المعراج ؛ لأنها نعيم وادخرت للمؤمنين في الجنة، رؤية الله نعيم ادخرت للمؤمنين في الجنة، فلا يراه أحد في الدنيا لا الرسل ولا غيرهم، ولأن البشر أو الناس أو الخلق لا يستطيعون الثبات لرؤية الله لبشريتهم الضعيفة في الدنيا، نعم.
أقوال أئمة السلف في رؤية المؤمنين لربهم
وقال مالك بن أنس الناس ينظرون إلى الله -تعالى- بأعينهم يوم القيامة.
هذا دليل من الآثار، من أقوال السلف والإمام مالك بن أنس -رحمه الله- الإمام المشهور يقول: الناس ينظرون إلى الله -تعالى- بأعينهم يوم القيامة، هذا رواه الآجري في كتاب الشريعة، نعم وهذا هو قول أهل السنة والجماعة قاطبة، كلهم يقولون مثلما قال الإمام مالك: الناس ينظرون إلى الله -تعالى- بأعينهم يوم القيامة، وقصده من هذا الرد على المعتزلة، المعتزلة يفسرون الرؤية بالعلم، ينظرون إلى الله يعني: يعلمون الله بقلوبهم، ويقولون إن معنى قوله: إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ستعلمون ربكم كما تعلمون أن القمر قمر، وهذا من أبطل الباطل، والأشاعرة يفسرون الرؤية بغير الجهة، ومنهم - من الأشاعرة - من وافق المعتزلة وقال: إن المراد بالرؤية زيادة العلم، زيادة العلم في القلب، وهذا باطل، نعم.
وقال أحمد بن حنبل: من قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر.
نعم، هذا فيه أن السلف كفروا من أنكر الرؤية، من قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، هذا قول أئمة السلف، والتكفير لما هو على العموم يقال: من أنكر رؤية الله فهو كافر، من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، أما الشخص المعين فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة حتى توجد الشروط وتنتفي الموانع، فلان ابن فلان لا يكفر إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، لكن على العموم يقال: من أنكر رؤية الله فهو كافر، من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، وهكذا لكن الشخص المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه، وبعد وجود الشروط وانتفاء الموانع ؛ لأن الشخص المعين لا يدرى ما حاله ؟ قد يكون دخل في الإسلام من جديد، قد يكون ما بلغته الأدلة، قد يكون عنده شبهة ولو أزيلت لرجع، قد يكون قال قال قولا مجملا، فالشخص المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه، إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، لكن على العموم نعم، كما قال الإمام أحمد -رحمه الله-: من قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، هكذا، من ترك الصلاة فهو كافر، لكن المعين لا بد من قيام الحجة عليه، نعم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق