الأربعاء، 25 مايو 2016

شرح كشف الشبهاتفي التوحيدلفضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ25 جمادى الآخرة 1416للهجرةسؤال: ما رأيك يا شيخ في من ينكر أهمية هذا المتن [كشف الشبهات] ويقول إن كان له أهمية تذكر فهي للدعاة في الخارج ونحن تكفينا قراءته؟الجواب: هذا كلام الشيخ فيه (ومعرفة أن قول الجاهل: التوحيدَ فهمناه. أن هذا من أكبر الجهل ومكايد الشيطان) فليحذر على نفسه .[صالح آل الشيخ][16 شريطا مفرغا]
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.أما بعد: فبين يدي شرح هذا الكتاب العظيم وهو كتاب كشف الشبهات نقدم مقدمة مهمة بين يدي هذا الموضوع ألا وهو الدعوة إلى التوحيد وكشف الشبه فيه.من المعلوم والمتقرر في كتاب الله وفي سنة رسوله  أنّ الله جل وعلا بعث المرسلين جميعا وأرسل الأنبياء لعبادة الله وحده لا شريك له، وخلق السموات والأرض وخلق الأفلاك وخلق كل شيء ولم يأذن بعبادة أحد سواه، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾[مريم:93]، وقال جل وعلا ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾[الإسراء:44]، فمن نظر إلى دلائل توحيد الله جل وعلا في الآفاق وفي الأنفس تيقّن أن هذا الملكوت له مدبر واحد، وله خالق واحد، وله متصرف واحد، وهو الله جل جلاله ولا بد من ذلك، وهذه الضرورية التي لا يحتاج معها المرء إلى برهان مفصل؛ لأنه يُحِسُّها في نفسه ويحسها في ما حوله لا بد أن تقوده إلى أن هذا الذي خلق وحده، وأن هذا الذي تصرف في الملكوت وحده أنه هو الذي يجب أن يذل له وأن يخضع له وأن يعبد وحده دون ما سواه، ولهذا كان من براهين توحيد الإلهية توحيد الربوبية، فدلائل توحيد الله جل وعلا في ربوبيته في الآفاق كلُّ دليل منها يصلح أن يكون دليلا على استحقاق الله جل وعلا العبادة وحده لا شريك له؛ لأنه جل وعلا هو الواحد في خلقه في رَزقه وفي ربوبيته، فكذلك يجب أن يوحد في إلهيته سبحانه وأن يعبد ويفرد بالعبادة، لهذا قال جل وعلا ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ(172)أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾[الأعراف:172-173]، وقول المحققين من علمائنا في هذا الميثاق أنّه هو الفطرة هو دليل وحدانية الله جل وعلا في الأنفس وفي الآفاق، فكل مولود يولد على الفطرة، وهذه الفطرة هي توحيد الله جل وعلا، وهذا هو الميثاق الذي أُخذ عليهم، وهذا الميثاق ليس هو استخراج ذرية آدم من ظهره كما قاله طائفة؛ لأن هذا غلط في فهم الآية، وفيما نقل من تفاسير السلف أيضا بأن الله جل وعلا قال (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ) فليست مسالة الميثاق الذي في هذه الآية والإشهاد عليهم هي الأخذ من هذا بل هي الأخذ من بني آدم (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ) والظهور ليست هي ظهر آدم بل ظهور ذرية آدم، (ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) وهذا الإشهاد هو بلسان الحال لا بلسان المقال كما هو قول المحققين من أهل العلم، وهذا الذي بهذه الآية غير ما ورد باستخراج ذرية آدم من ظهره كهيئة الذَّر كما جاء في بعض الأحاديث.دلائل وحدانية الله جل وعلا قائمة في الآفاق وفي الأنفس، ودليل الربوبية قائم ظاهر بيّن، من نظر أدنى نظر وصل إليه، ولهذا لم يجعل الله جل وعلا النظر في توحيده في ربوبيته مطلوبا من أتباع الرسل، ولا أَمرت به الرسل بجعل دعوتهم في ذلك، وإنما أمر الله جل وعلا بتوحيده في عبادته، وبعث المرسلين جميعا لهذا الأمر العظيم.لهذا نقول إنّ دليل وحدانية الله جل وعلا في الربوبية هذا ليس من منهج أهل السنة والجماعة الذي تبعوا فيه طريقة الأنبياء والمرسلين أنهم يفيضون فيه ولا جعلوه غاية، كما جعله طائفة من المعاصرين غاية في ذلك، والمتكلمون طريقتهم في هذا الباب أنّ التوحيد المطلوب هو توحيد الربوبية، ولهذا يجعلون أو واجب على العباد النظر أو القصد إلى النظر أو الشك كما هي أقوال عندهم، فإثبات توحيد الربوبية وأنّ الله جل وعلا هو الواحد في ربوبيته هذا هو التوحيد عندهم، وهذا ليس بالأمر عندنا، وبهذا أتباع الأنبياء والمرسلين الذين قَفَوا أثر السلف الصالح تجد عندهم من براهين توحيد الإلهية ما فيه التفصيل والتفصيل والكلام والمكرر فيه الذي يعيدون فيه ويبدؤون ويكررون لأجل تثبيته وإقامة الحِجاج والحجة عليهم، أما غيرهم فإنهم يتوسعون في أبواب توحيد الربوبية، ومَن عبد الله جل وعلا وحده لا شريك له فتضمن ذلك أنه مقر بربوبيته وحده دون ما سواه، بخلاف من وحد الله في ربوبيته فإنه قد يعبد معه آلهة أخرى، كما فعل أهل الجاهلية فإنهم موحدون في أكثر أفراد الربوبية ولكنهم مع ذلك مشركون ما قادهم توحيد الربوبية إلى توحيد الإلهية، قال جل وعلا ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[لقمان:25]، وقال سبحانه ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ إلى أن قال في آخر آية سورة يونس ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾[يونس:31]، والآيات في ذلك كثيرة. المقصود من هذا أن الغاية بعد الأنبياء والمرسلين هو تحقيق توحيد العبادة وإقامة الحجة فيه وكشف الشبه عنه وإيضاح الدلائل فيه بتفصيل وإيضاح أفراده، ولا يخفى عليكم قول الربّ جل وعلا ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَن اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾[النحل:36].الدعوة إلى التوحيد هي ميراث الأنبياء والمرسلين؛ لكن هذه الدعوة من لم يعشها ولم يتوسع فيها لا يعرف كيف يدعو إلى التوحيد، بل قد يأتي من يظن أنه لا حاجة إلى ذلك، وعبودية الخلق لله جل وعلا التي هي غاية وجود الخلق إنما تكون بأن يُدْعَوا إلى الله جل وعلا بتوحيده وفهم ذلك والعلم به وتطبيقه، فإذا هديتَ الناس إلى أن يوحدوا الله في أقوالهم وأعمالهم وبما تعتقده قلوبهم انبعث ذلك الاعتقاد وذلك التوحيد عن عمل صالح وعن نفس مخبِتة منيبة لله جل وعلا، وهذه النفس هي التي تحوز فضل تكفير الذنوب «يا ابن آدم لو بلغتْ ذنوبك عنان السماء ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة»، «يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة، يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي» هذا لأهل التوحيد، والنفس المشركة أو المترددة أو التي في ريب في أمر التوحيد لا تحصل على فضائل الإسلام ولا على فضل الإسلام على أهله ولا على فضل التوحيد على أهله، ولهذا نعجب أنه مع اشتداد الحاجة إلى دعوة الناس إلى توحيد الله فإنّ من الناس من يقول لا حاجة إلى ذلك، وهذا من جرّاء عدم معرفتهم لعظم حق الله جل وعلا وكيف يعظم ربنا جل وعلا، وإنما تعظيمه بتحقيق التوحيد من حقق التوحيد فقد عظّم، ومن أضاع التوحيد فقد أضاع حق الله، ولو كان السجود في جبهته مؤثرا، ولو كان جلده على عظمه من الصيام مؤثرا، فلا قيمة لذلك؛ بل قد قال جل وعلا لنبيه ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾[الزمر:65]، بهذا تعجب أشد العجب أن هناك أناسا كثيرين بلغوا في أمر العلم ما بلغوا، وبلغوا في أمر الدعوة ما بلغوا، وعندهم من الكلمات الشركية ومن عدم معرفة حق الله ومن الغلو المذموم ومن تعلق القلوب أو تعليق القلوب بغير الله ما رأيتموه وسمعتموه في كتب وفي غيرها، وهذا من اشتداد الفتنة التي ستبقى إلى أن تقوم الساعة.الدعوة إلى التوحيد تكون على جهتين: الأولى: مجملة.والثانية: مفصلة. أما المجملة: فهي ببيان معنى التوحيد وحق الله جل وعلا، وبيان أنه سبحانه هو المستحق للعبادة وإقامة الدلائل على توحيد الله جل وعلا، وعلى أن التوحيد أهم المهمات، وعلى أنه دعوة الأنبياء والمرسلين، وعلى أن ذلك فيه من الفضل من تكرير الذنوب ومحو السيئات ما فيه، إلى آخر ما في بيان التوحيد وفضله مجملا بلا تفصيل.وهذا القدر وهو الدعوة إلى التوحيد مجملة دون تفصيل يشترك فيها كثيرون من الدعاة في هذا الزمن؛ لأن الدعوة إلى التوحيد مجملة يتفق عليها الجميع؛ لأن تفسير التوحيد يكون عند المتلقي وليس من جهة الملقي، وإذا أحيل الكلام على فهم المتلقي كان حمّال أوجه يمكن أن يفسر بحسب ما يتلقاه المتلقي، فطوائف المشركين إذا أمرتهم بتوحيد الله مجملا لم ينتقدوا عليك؛ يعني في هذا الزمن، لأن التوحيد عندهم هو توحيد الربوبية، وطوائف الغلاة في عبادة الأولياء والصالحين إذا أمرتهم بالتوحيد ولم تشخص المسألة التي هم فيها ما أنكروا عليك، فكثيرون دعوا إلى التوحيد في أماكن فيها قبور للصالحين وتعبد من دون الله ولم ينكر عليهم أحد ممن هم في حضرة تلك المشاهد التي شُيدت لعبادتها من دون الله أو مع الله جل وعلا لأنها مجملة.وهذا القدر لا يميّز القائل بأنه من أهل التوحيد أو أنه من الدعاة إلى توحيد الله؛ لأن هذا فيه عموم وإجمال، والإجمال لا يصلح بقدر إصلاح التفصيل، لكن إن كان الإجمال خطوة في الطريق فإنّ هذا يكون مناسبا، لهذا قلنا الدعوة إلى التوحيد تكون بإجمال وتكون بتفصيل، فمن أجمل ثم فصل فكان إجماله خطوة لينقل بها الناس أو ليمهد بها لبيان حق الله جل وعلا، ولو كان التمهيد في أسبوع أو أسبوعين أو شهر، بحسب الحال التي في بلده، فإن هذا مناسب، لكن أن يقال دعا إلى التوحيد، وإنما دعوته بإجمال دون تفصيل هذه ليس من منهجنا ولا من منهج أئمة هذه الدعوة، ولا أئمة الإسلام المتقدمين في الدعوة إلى توحيد الله.النوع الثاني الدعوة إلى التوحيد مفصّلا: والتوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والتوحيد يكون بإفراد الله بأعمال القلوب وأعمال الجوارح. وأعمال القلوب متنوعة منها المحبة والرغب والرهب والرجاء والخوف والتوكل والإنابة والخشوع إلى غير ذلك من أفراد أعمال القلوب وعبادات القلوب، فمن دعا إلى كل مسألة من هذه مفصلا فإنه دعا إلى مسألة من مسائل التوحيد بتفصيلها، فيتكلم عن الرّغب والرّهب، يتكلم عن التوكل، ويتكلم عن المحبة بعلم، فإذا تكلم على هذه بعلم وفصّل على كلام أهل العلم فيها فإنه دعا إلى نوع من أنواع التوحيد مفصلا، هذا من جهة أعمال القلوب، وأعظم أعمال القلوب الإخلاص، وأن يتوجه القلب إلى الله وحده وأن لا يكون في القلب من جهة القصد والتوجه إلا واحد وهو الله جل جلاله وتقدست أسماءه، فالدعوة إلى الإخلاص؛ إخلاص الدين وتوحيد القصد والتوجه وألاّ يكون في القلب إلا الله جل وعلا، إذا كانت من طالب علم يضبط الكلام فهذه دعوة مفصلة في توحيد الله جل وعلا، وهذا له تفاصيل.أعمال الجوارح من جهة الصلاة والدعاء بأنواعه الاستغاثة والاستعاذة والنداء إلى آخره، وكذلك الذبح وما شابه ذلك، أخذ كل مسألة منها وبيان إفراد الله جل وعلا بهذه العبادة هذا من الدعوة إلى التوحيد مفصلا، تَأخذ الدعاء فتبين الدعاء ما هو ومعنى الدعاء والآيات التي فيه وإفراد الله جل وعلا بالدعاء إلى آخره، كذلك تأخذ الاستغاثة والآيات التي فيها وإفراد الله جل وعلا بها ووجوب ذلك وما جاء في هذا، وكذلك تأخذ بقية المسائل بالذبح والنذر إلى آخره. كذلك ما يتعلق بإفراد النبي عليه الصلاة والسلام وإفراد شريعته بالحكم والتحاكم بين العالَمين هذا نوع من أنواع توحيد الله جل وعلا أو فرد من أفراد التوحيد، فالدعوة إليه مع غيره هي طريقة أئمتنا وعلمائنا، وبعض الناس يطرق من التوحيد هذه المسألة دون غيرها وهو ما يسمونه بتوحيد الحاكمية، أو الدعوة إلى تحكيم شريعة الإسلام وإبطال تحكيم القوانين، وما جاء في ذلك من النصوص وبيان كلام أهل العلم في ذلك، هذا لا شك أنه من التوحيد، ولكن ليس هو التوحيد فقط، بل توحيد الله جل وعلا -كما هو واضح مما سبق من الكلام- هو إفراد الله بالعبادة، إفراد الله بالعبادة، هذا هو التوحيد، وهذه من التوحيد لأنها تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله، فأهل التوحيد يدعون إلى هذه جميعا، وأما غيرهم أو من كانت في قلبه شبهة، أو من كان عنده طريقة أخرى، فإنهم يدعون إلى التوحيد مجملا، وإذا أتى التفصيل فإنما يفصلون في مسألة الحاكمية، وهذا خلاف طريقة أهل التوحيد وأئمة هذه الدعوة، لهذا تجد في كتاب التوحيد كانت مسائل الحكم والتحاكم متأخرة في الكتاب، وكان قبلها ما يتعلق بالدعوة إلى التوحيد مجملا وفضل التوحيد، ثم بيان ضد ذلك ومسائله إلى آخره، فهي جزء من الكلام على التوحيد، فشمولية الدعوة إلى التوحيد تؤخذ من كتاب التوحيد؛ لأن فيه بيان التوحيد مجملا ومفصلا، ولأن فيه بيان ضده مجملا ومفصلا.يُضاد التوحيد الشرك، والشرك كما هو معلوم أكبر وأصغر، والدعوة إلى التوحيد لا بد وأن يكون معها نهي عن الشرك؛ لأن الدعوة إلى التوحيد هي دعوة إلى لا إله إلا الله، ولا إله إلا الله كُفِرٌ بالطاغوت وإيمان بالله، فلا بد من النهي من الشرك، فأهل التوحيد عندهم دعوة إلى التوحيد مجملا ومفصلا، وعندهم أيضا نهي عن الشرك مجملا ومفصلا.والإجمال ببيان شناعة الشرك وأنه أعظم ما عصي الله به وحكم المشرك وصورة الشرك ونحو ذلك مما فيه بيان الشرك بإجمال دون ذكر الصور؛ صور الشركيات الموجودة، هذا قد تجده -كما ذكرنا في التوحيد مجملا- قد تجده عند كثيرين إذا تكلم ونهى عن الشرك كان نهيه مجملا ولا تجد أنه يفصل قبل الكلام ولا بعده، وإنما يحب الدعوة إلى التوحيد أو يدعو إلى التوحيد بإجمال وينهى عن الشرك بإجمال، وهذا لا يفيد الفائدة المرجوة؛ لأن النهي عن الشرك بالإجمال يفسره المتلقي بحسب فهمه، ولكن إذا فصّلتَ وحددتَ فإنه يكون مستوعبا للمراد من الكلام، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله: عليك بالتفصيل والتبيين فَالْـ إطلاقُ والإجمالُ دون بيانِ قد أفسدا هذا الوجود........ ......................... ( )أو كما قال.الإجمال موجود في الكتاب والسنة ولكنه إجمال وثَمّ تفصيل له، فمن اقتصر على الإجمال دون التفصيل فهو على غير السبيل، فالنهي عن الشرك مجملا عرفته. ومفصلا بأن يذكر الشرك الأكبر الأصغر والأصغر منه الخفي ومنه ما هو ظاهر شرك الرياء أو الأعمال الظاهرة مثل التمائم ولبس الحلقة والخيط الحلف بغير الله ونحو ذلك، الشرك الأكبر أنواعه معروفة مشهورة عندكم فيفصل الداعية كل واحدة، فيأتي إلى دعاء غير الله ويبين أنه من الشرك ويفصل ويقيم الدلائل في ذلك بتفصيلها، ثم يذكر صور دعاء غير الله، كذلك الخوف من غير الله يذكر صور هذا الخوف من غير الله والصورة التي شرك أكبر بالله جل وعلا، يأتي إلى الشرك الأصغر ويعرضه بتفصيل، التمائم يكون الكلام عليها يحتاج إلى جلسة أوجلستين أو خطبة جمعة أو خطبتين أو ثلاثة؛ لأن صور التمائم كثيرة قد تقول للناس إن التمائم شرك، وتأتي في الحديث في ذلك ولكن لا تبين للناس صورة التمائم، فهذا يقع فيه كثيرون ممن ينهون مجملا عن الصورة ولا يفصلون الكلام عليها، الناس لا يتصورن المراد بالتمائم إما بالصور التي كانت في الجاهلية القديمة، لكن الصور الحاضرة اليوم التي تجدها في الشوارع وفي كثير من البيوت لا يتصور أنها من الشرك الأصغر، وهم ربما عملوها ونظروا إليها واستأنسوا لها، فلا بد أن يكون ثَم تشخيص للصورة الشركية، وإعطاء الصور الكثيرة بإعطاء تأصيل لهذه المسألة الشركية، هذه هي الدعوة إلى التوحيد والنهي عن الشرك مفصلة. تأخذ الشرك شرك الرياء أيضا تفصل الكلام فيه تأخذ الذبح لغير الله وتفصيل الكلام فيه، النذر لغير الله وتفصيل الكلام فيه تأخذ شرك الألفاظ بنسبة النعم لغير الله جل وعلا وتفصل الكلام فيه، تأخذ الحكم بغير ما أنزل الله وتفصل الكلام فيه وأنّه ليس به حالة واحدة بل له أحوال وأحكام مختلفة ونحو ذلك، بحسب ما قرره أهل العلم. إذن الدعوة سارت هكذا، وهكذا كانت دعوة الأنبياء ودعوة المرسلين، والشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله من نظر في دعوته وجد أنه سار هذا المسير، وهكذا الأئمة من بعده رحمهم الله تعالى وجزاهم عنّا وعن المسلمين خيرا.لاشك أن الداعية بتفصيل في التوحيد ستَرِدُ عليه شبه، وأما الداعية بإجمال فلن تطرح عليه الشبه، ولهذا تكثر الشبه إذا ازداد التفصيل، فشبه المشبعين في توحيد الله تزداد بازدياد التفصيل في مسائل التوحيد، فإذا شخصت له أن دعاء غير الله شرك ابتدأك بالاستشكالات، إذا شخصتَ له أن دعاء النبي  شرك أتى بالشبه إذا قلت له أن دعاء الصالحين شرك أتى بالشبه، إذا قلت إن الذبح لغير الله جل وعلا شرك أكبر أتى بشبه، من الدعاة المنتسبين إلى الإسلاميين وإلى الدعوات الموجودة من يقول في بعض هذه الصور أنها شرك ولكن يجعلها شرك أصغر، وهذه أيضا شبهة عظيمة راجت على كثيرين من أتباع الجماعات الإسلامية في غير هذه البلاد؛ يجعلون الذبح لغير الله شرك لكن يقولون شرك أصغر لا يُخرج من الملة، النذر لغير الله شرك ولكن شرك أصغر، وهكذا في مسائل كثيرة، متى يكون عندهم شرك أكبر؟ يأتي لك بالشبه التي تطعن فيما قررت من توحيد الله جل وعلا النهي عن الشرك مجملا ومفصلا في النوعين، فبقدر فهمك للتوحيد ونهيك عن الشرك مجملا ومفصلا تَرِدُ الشبهات، والشيخ رحمه الله الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لما دعا بدعوته مجملة ومفصلة جاءته الرسائل والكتب وكُتبت الأوراق ونُشرت المناشير في زمنه في تضليله وإيراد الشبه على أقواله، ولأجل تلك الشبه التي كانت رائجة في عصره في وقتٍ ما صنّف رسالة كشف الشبهات التي نحن بين يدي شرحها. والشبهات ليست مقتصرة على ما أورده الشيخ، بل تجد أن الشبهات في التوحيد، كلما ذهبت إلى بلد وجدت عند علماء الشرك والضلال من الشبهات ما ليس عند غيرهم، والشبهة ترد على القلوب وقد تؤثر فيها ولو بالتردد، ولو أن تجعل من سمعها مترددا في داخله، وهذه مصيبة أنْ تأتي الشبهة ولن يقتنع بها ولكن في داخله يكون مترددا، وهذا تجده عند كثيرين وحتى في المنتسبين للعلم في الجامعات أو ممن درسوا دراسات عصرية في هذا العصر حتى في هذه البلاد من أهل الفطرة، تجد عندهم عدم قناعة بالشرك ولا بالدعوة إليه وعندهم قناعة بضده وبالتوحيد، ولكن في القلب تردد بعض التردد من أن ما يصنع عند قبور الأولياء والصالحين أنه شرك وكفر بالله جل وعلا، ويعظم التردد إذا قلت لهم ما قاله الإمام رحمه الله في رسالة كشف الشبهات هذه: إنّ شرك المعاصرين -في زمن الشيخ وفي هذا الزمن من جهة المتعلقين بالأولياء والأموات ونحو ذلك- أعظم من شرك أهل الجاهلية. يعظم التردد ويعظم لأجل ورود الشبهات، ومن الشبهات كيف يقال ذلك وهؤلاء مسلمون يصلون ويزكون يحجون، وقد ترى على بعضهم أثر السجود وأثر الطاعة والزّهادة والبكاء من خشية الله جل وعلا، فتعظم الشبهة، ويبقى من لم يكن متحصنا بالتوحيد دائم التَّكرار له في تردد في هذه الأصل العظيم.أنتم ولله الحمد في هذه البلاد قد ما تلاحظون أو قد ما تحتاجون إلى كثرة ردّ الشبهات، لكن من كان في غير هذه البلاد يجد الصدام عنيفا، يجد أنّ المواجهة إنما هي مع هؤلاء، فالمواجهة مع أهل الشرك والضلال، من سافر منكم إما أن يكون سافر للدعوة فسينظر وسيحاجّ وسيدعو بإجمال وتفصيل فسترِدُه الأقوال والأعمال والغرائب، إذا لم يتحصن فربما زل الزلة التي بعدها سيكون في أعظم خسارة، ولهذا الشيخ رحمه الله كتب كشف الشبهات هل كتبها للمشركين؟ لا، كشف الشبهات عن المسلمين، صنّفها للمسلم للموحد، لهذا كانت مختصرة كما سترى، الموحد يحتاج إلى أن يكون مكشوف الشبهة؛ يعني أن لا تبقى الشبهة معه، لا شك أن منهج الصحيح ألا تورد الشبهات لأن بعض الناس قد لا يكون عنده في قلبه شبهة أصلا، فإذا وردت الشبهة وبعدها الرد قد تعلق الشبهة ولا يفهم الرد خاصة أن الشبهات هذه التي يوردها خصوم التوحيد تجد أنها عاطفية، ورد الشبهة علمي ومن القواعد المقررة في الدعوة في معرفة نفسيات الناس أن إثارة الناس والتأثير عليهم بالعاطفة يقوى، وبالعلم لا يكون إلا لمن يكون متأهلا للفهم والإدراك، مخاطبة العقل، مخاطبة القلب بالبراهين هذه ما يفهمها إلا الخاصة، أما العاطفة الهياجة والأخذ بالعواطف وبالمد وبالجزر وبتحريك النفوس دون البرهان، هذا يقلب النفوس ويؤثر على النفس أعظم، ولهذا ليس من المنهج الصحيح أن يستفاض في ذكر الشبهات ويرد عليها؛ لأن الشبهات قد تعلق في القلوب، لأن كثيرا من الشبهات مبناها على العاطفة، كقول من يقول هؤلاء الذين تحكمون عليهم بالشرك مصلون مزكون يعبدون الله وحده وما دعوا استقلالا هذه الأموات، وعندهم خشية وتلاوة للقرآن، هذا يحتم كل ثلاث، وهذا يصوم يوم ويفطر يوم، وهذا كثير الصدقة، وهذا كثير العمل، وهذا مجاهد وهذا فعل للإسلام ما فعل إلى آخر الكلمات التي تحرك بها العواطف، البرهان لا يفهمه إلا من كن عقله مستعدا لقبول البرهان، وكما هو القانون العام أن البراهين لا تصلح إلا لذوي العقول، أما العواطف فتصلح للجمهور. هذا واضح، لكن من الأمثلة التي قد يمثل بها أن خطبة خطيب ما يخطب في موضوع وعظي مثلا يتكلم فيه بكلام ليس بذي أدلة في الشرع، بكلام فيه مشاهدات أو بكلام عام وخوّف وروّع والكلام نصفه أو أكثر من نصفه غلط في الشرع، كم الذين سيتأثرون بهذا الوعظ الذي حرك العواطف وهذا الخطيب واعظ جيد يحرك النفوس؟ كم الذين سيتأثرون؟ الأكثرون سيتأثرون، والقلة سيقولون هذا خلاف العلم هذا غلط فلان غلط والشرع والوعظ، لا بد أن يرتبط بالشرع، وهكذا، ولكن هؤلاء سيتأثرون لم؟ لأن أكثر الناس جهال، حتى الشباب ليس كل الشباب في مستوى واحد من العلم وإدراكات العلوم، فقد يقنعون بمسائل العلم خلافها، وخاصة في مسائل التوحيد، وهذا الكلام ليس مخاطبا به أهل هذه البلاد وإنما نرجوا أن ينتشر الكلام فيها وفي غيرها، ولهذا أعظم ما يعتني به طالب العلم والشاب الذي رغب فيما عند الله جل وعلا وتوجّه إلى الله وحده وتجافى عن دار الغرور وضحى بما يشتهيه ويلتذ له بما عند الله جل وعلا يتوجه إليه بأن يكون همه في دراسة هذا الأمر العظيم همًّا عظيما، ولن يدرك إلا إذا أكمل، في البدايات لن يدرك، لكن إذا أكمل عرف أنه على خطأ، إلا لما يتابع ويتابع ويتابع. أحد مشايخنا الذين قرأت عليهم في التوحيد مرة قال له أحد طلاب العلم وهو بجنبه وكان يريد أن نقرأ كما هي العادة رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأئمة الدعوة قُرئت مرة وكررت فقال: هذه سمعناها وكررناها. فمن غضبه وكزه وكزة، يعني فيها مباشرة الحرارة ظهرت في وجهه، وكز هذا وهذا طالب علم أيضا وكان بجنبه وأنا كنت أمامهم، وهذا ما يستقيم مع كل نفس؛ لكن مع النفس التي عرفت عِظم حق الله جل وعلا في هذا الأمر العظيم؛ لأنه إذا ما كُرر نسي لهذا في هذا الكتاب كشف الشبهات في أواخره قول الشيخ رحمه الله بعد أن قرر مسائل، قال: وبمعرفة هذا -يعني ما تقدم ذلك الكلام- تعلم أن قولهم التوحيد فهمناه من أكبر مكايد الشيطان. وهذا لاشك أنه حاصِل حاصل، وتأمل قول الله جل وعلا مخبرا عن دعاء إبراهيم ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾[إبراهيم:35]، قال العلماء خاف على نفسه وهو إبراهيم خليل الله خاف على نفسه عبادة الأصنام وخالف على بنيه، قال إبراهيم التيمي في تفسيرها: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم. إذا كنت لا تأمن البلاء فلا بد أن تضع حماية قوية وسور منيع أن يتطرّق إليك ذلك، بعضهم يقول يعني يمكن -أعوذ بالله- أن نعبد الأوثان أو الأصنام؟ نقول ربما لم يكن ممكنا بفضل الله وبنعمته في جيلك، ولكن تساهلك عشرين في مائة (20%) بعد زمن يتساهلون عشرين، ثم تصل إلى مرحلة لا تتواصى فيها الأجيال على الحفاظ على التوحيد. وخُذ مثلا من الأمثلة فيما شاهدت بنفسي وذكرته لبعض الإخوان مرة أنه في مكان قريب من الدار التي أسكنها، مرة بعد صلاة الظهر إذا بأحد البيوت التي بنيت حديثا واحد بل اثنين من الباكستانيين يذبحون عند عتبة الباب خروف والدم يسيل بشدة على العتبة، أنا أسمع بهذه الصورة هذه في كلام أهل العلم، لكن رؤيتها واقعا ما رأيتها إلا في الرياض في حي المحمدية، والذي حصلت له من حيث السلسلة هو من أهل نجد، من أين جاءت هذه؟ هو من التساهل؛ التوحيد فهمناه، فينشأ أجيال ما يعرفونه ولا تغرس في قلوبهم حرارة التوحيد، فيدخل الداخل بهذه الأمور. من جهة أخرى، من جهة ما يوجب الخوف أنه لا يكون من الحاضرين من يتوجه إلى غير الله والعياذ بالله يعني من هذا الزمن في هذا البلاد، ولكن بعد زمن يمكن أن يكون ذلك لأن الله جل وعلا ما أعطى أهل هذه البلاد ولا غيرهم عصمة، أهل الجزيرة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام أسلموا ثم حصل من بعضهم ردة، لكن قد يكون شيء وهو المصيبة -وفتّش نفسكَ- وهو التردد في قَبول ما قاله العلماء في مسائل التوحيد، وهذا يعرض على كثير من القلوب يتردد، والله مشددين، بدأ النقص، والله المسألة فيها نص العلماء هذا فيه شدة، هنا بدأ النقص الفعلي، وإذا تردد القلب ولم يكن على علم ويقين بحق الله جل وعلا بالتوحيد وبالحكم على المشرك بأنه مشرك وهذه الصورة الشركية أنها شرك، فبداية التردد هذه يكون معه القلب في ريب، يكون يتعبد ويتعبد لكن القلب ليس بسليم، فيه تردد في هذا الأمر العظيم، وهذا دخل على قلوب كثيرين وحرك ترى. نخلص من هذا إلى أن هذه الرسالة كشف الشبهات فيها أصول؛ أصول الشبهات التي كانت رائجة في ذالك العصر في زمن من دعوة الشيخ رحمه الله( )... التوسع في فهم حال أهل الجاهلية الذين بُعث النبي عليه الصلاة والسلام فيهم، كيف كان شركهم؟ وما كانت أحوالهم في العبادة وفي الديانة؟ ما أصنامهم؟ ما هي أوثانهم؟ عبدوا الملائكة، كيف عبدوها؟ عبدوا الجن كيف عبدوها؟ ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾[سبإ:41] في آية سبأ، كيف كانت عبادة الجن؟ لابد لمن أراد أن يكون قويا في رد الشبهات أن يتوسع أولا في معرفة حال العرب في الجاهلية بعبداتهم المختلفة، ما هي آلهتهم ؟ ما هي اعتقاداتهم؟ إلى آخره، وهذه يخدمك فيها طائفة من الكتب: منها كتاب بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب للأديب الموحد محمود شكري الألوسي، بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب. منها أي من المراجع في هذا الباب الكتب التي كتبت عن تاريخ العرب قبل الإسلام، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، كتاب تاريخ العرب قبل الإسلام، كتب أديان العرب فيمن بحثوا أديان العرب، إلى آخره. فالتوسع فيما كان قبل مجيء محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام بهذا النور وهذا الهدى يُفهمك الحالة الدينية التي كانوا فيها، ما هو الشرك الذي كانوا يمارسونه؟ لأنك إذا عرفت الحال عرفت معنى الآيات، عرفت معنى أقوال النبي عليه الصلاة والسلام، عرفت معنى دعوته، وتهتم بأشعار العرب فيما ورد في ذلك؛ لأن كثيرا من الصور جاءت في الشعر، الشعر العربي.النوع الثاني من المراجع: كتب التفسير عند الآيات التي فيها ذكر الشرك أو الأمر بالتوحيد أو ذكر أهل الجاهلية من الأميين أو الكتابيين، الآية تنظر ما قاله السلف فيها؛ لأن المتأخرين من المفسرين صرفوا الآيات عن تفاسير السلف؛ لأن المتأخرين عندهم أن التوحيد وعبادة غير الله هو باعتقاد أنّ الخالق هو غير الله، وأما تفاسير السلف تجد أنها بخلاف ذلك.الأصنام والأوثان ما هي؟ المتأخرون يفسرونها بتفسير، والمتقدمون –السلف- يفسرونها بتفسير آخر، ولهذا ترى الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله توسع في فهم تفاسير السلف، فهو في التفسير في آيات التوحيد حجة، فقد توسع توسعا يعلمه من طالع كتاباته في التفسير -هي موجودة ضمن المجموع- ويجعلها الشيخ رحمه الله على شكل مسائل وفوائد.النوع الثالث من الكتب: كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وشيخ الإسلام في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم في أواخره، وفي أواخر التدمرية وفي التوسل والوسيلة، وفي الاستغاثة الكبرى المعروفة بالرد على البكري، وفي الرد على الإخنائي، هذه الكتب أصّل فيها شيخ الإسلام مسائل توحيد العبادة، وحال المشركين الذين بُعث إليهم رسول الله . النوع الرابع: مصنفات الإمام الجليل محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ومصنفات أبنائه وتلامذته ومن سلك سبيلهم.النوع الخامس: فتاوى علمائنا المعاصرين؛ سماحة الشيخ عبد العزيز وبقية العلماء حفظهم الله.بهذا التسلسل يكون عندك وضوح في رد الشبهات، أما إذا عكست، وكنت تعرف التوحيد ولكن لا يكون عندك ملكة في رد الشبهات. فهذه الكتب التي ذكرنا منها كتب مخصصة في رد الشبهات، وهي كتب الردود منها عند شيخ الإسلام الرد على البكري وهو كتاب عظيم في هذا الباب، ومنها في كتب أئمة الدعوة الرد على عثمان بن منصور للشيخ عبد الرحمن والشيخ عبد اللطيف، وكذلك كشف الشبهات، وكفر تارك التوحيد مفيد والمستفيد للشيخ وغير هذه من الكتب التي فيها ردود ولغير علماء هذه البلاد أيضا. فكتب الردود تلخص عندك الشبهات وتلخص الرد، وقد كلفت بعض الإخوة أو اقترحت عليه بالأصح أن يكون عنده جمع لنفسه للشبهات التي يحتج بها الخصوم، حتى يكون هناك مؤلف في الشبهة وفي ردها بنشرها عند إخواننا الذين يدعون إلى توحيد الله في الأمصار جميعا، ولكن كثرت، وبعضها فيه طول في ردها، فصار من جراء الجمع شُبه كبيرة قد ما تكون خطرت في بعض البلاد فأرجئ الموضوع بعض الشيء، لأن بعض الشبهات في بلد قد ما تكون في بلد أخرى، قد يِجِي واحد يأخذ الشبهة ويرد عليها في بلد الثاني فتكون شبهة جديدة لا يعرفها أهل تلك البلاد. فإذن يهمنا في هذا الأمر وكشف الشبهات أن تتوسع -إذا أردت يعني هذا باعطيك إياه إن شاء الله تعالى في الشرح- لكن تتوسع في فهم حال العرب قبل الإسلام فإنها من أنفع الأشياء ولهذا من الأغلاط العظيمة التي يندد بها أئمة الدعوة قول من يقول إن هذه الآيات التي تذكرون وهذه الأحكام إنما هي في المشركين وليست في هؤلاء، ويُردّ عليهم بما قاله العلماء بأن الحال هي الحال «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، «قلتم والذي نفسي بيده كما قال أصحاب موسى لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة»، فما أشبه الليلة بالبارحة، هذا يتوارد لأن الأفكار محدودة، شبهات الشيطان ليست لا حد لها محدودة، فيتوارثها الناس جيل بعد جيل.نختم هذه المقدمة ببيان أن هذه الرسالة ثَمّ تردد في شرحها عندي، وذلك لأجل أن مستوى الحضور متفاوت وتفاوت هذا يُحرج الملقي؛ المتكلم، من جهة أن مستوى الكلام قد يفهمه البعض وقد لا يفهمه بعضٌ آخر، وإذا لم يفهم رد الشبهة، قد تبقى الشبهة عنده بلا رد وهذا فيه حرج، لكن نوصي الجميع بأن يدرسوا كتاب التوحيد دراسة مفصلة حتى يستفيدوا من هذه الرسالة، ومن لم يدرس كتاب التوحيد دراسة مفصلة بدقة فقد يكون ورود بعض الشبهات وورود الرد عليها يكون عنده غير واضح، وهذا لا نريده؛ لأننا نسير في منهجية في طلب العلم.والأصل أن كشف الشبهات يكون بعد كتاب التوحيد، ولما كان حضور كثيرين منكم الأكثر معنا في كتاب التوحيد سواء الشرح الكامل الذي تم في الدورة وربما حضروه أو سمعوه، وكذلك الشرح الذي في فتح المجيد ونحن الآن في أواخره، هؤلاء يمكن أن ينتقلوا إلى هذه الرسالة، وغيرهم من رغب في الحضور فلا بأس؛ لكن إن أحس أن الشبهة تبقى، والرد غير مستوعب، فيؤمر بأن لا يحضر ولو كان درس توحيد؛ لأنه يحصل عنده إشكالات والردود سترون أنها ستكون مفصلة، إلا إذا أخذنا بشيء -هذا نستشيركم فيه- وهو أن يُكتفى بتوضيح مراد الشيخ؛ لأن الشيخ رحمه الله ردّ بردود تناسب المتوسطين فإذا اقتصرنا على إيضاح ما ذكره الشيخ رحمه الله فهذا يقصر مدة شرح الكتاب ويسهل الفهم، ولكن لا يكون الانتفاع به عامًّا في غير هذه البلاد؛ لأن من الشبهات ما يحتاج إلى تفصيل وإلى تقعيد وإلى إحياء روح ردّ الشبه في نفوس إخواننا.نجيب على بعض الأسئلة إذا عندكم اقتراحات فيما ذكرت في أي الطريقتين ممكن نسمعها.1/ يقول أرجو ألا يطول هذا الدرس في هذا الكتاب المختصر عن عام يعني سنة.طيب.2/ لم أستطع أن أخرج من كلامك بتعريف الدعوة إلى التوحيد المفصلة أي التعريف الجامع المانع.تسمعون كلمة التعريف لابد أن يكون جامعا مانعا تُريدونها في كل شيء، ما يصلح هذا، الدعوة إلى التوحيد المفصل تأخذ كل مسألة من مسائل التوحيد، التوحيد المتعلق بالقلب بالاعتقاد، يتعلق باللسان، يتعلق بالجوارح، يتعلق بالمجتمع، تأخذ كل مسألة منه وتفصل الكلام عليها، هذا المقصود مثل ما مثلت لك، تتكلم على التوكل، الخوف من الله جل وعلا، المحبة، الرجاء، الرغب، الرهب، ونحو ذلك من عبادات القلوب، الإخلاص، هذا من جهة أعمال القلوب، وأعمال الجوارح كذلك.3/ هذا سؤال جيد يقول: هل تقسيم الدعوة إلى التوحيد تقسيم لكَ أم هناك من سبقكَ؟وهو التقسيم ليس حكما، التقسيم للإفهام، فالتقسيم الذي هو حُكم هذا يحتاج أن يكون هناك من يسبق المرء؛ لأنّ الأحكام لا تكون مستأنفة، لا تقلْ في مسألة ليس لك فيها إمام، أما التقسيم الذي هو للإيضاح فإنّ هذا وظيفة المعلم، والقرآن فيه هذا وهذا ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾[البقرة:256]، هذا إجمال فيه تفصيله في آيات أخر، النبي عليه الصلاة والسلام أجمل وفصل، دعوة العلماء، دعوة الشيخ محمد إجمال وتفصيل، كتاب التوحيد إجمال وتفصيل في النوعين جميعا، فالتقسيم هذا من جهة الاستقراء وهو تقسيم للإفهام لا للحكم.4/ هل بيان الشبهات للعامة والرد عليها أسلوب من أساليب حفظ التوحيد وصيانته؟لا، -مثل ما ذكرت لكم- الشبهة لا تورد، الشبهة بلاء، وردها بلاء، فأنت ما تأتي بالبلاء وترده، واحد يجيب المرض ويقول بعالجه، ما يصلح، فالشبه لا توردها، وليست هي من المجالات التي يتعالم فيها بعض الناس، الشبهة هذه إيش ترد عليها كيف؟ بعض الناس يورد شبهة هو ما فيه حاجة للكلام أصلا، إلا إذا احتيج إليها عند أهل العلم وعند طلاب العلم، وأصل كتاب كشف الشبهات كان يمكن أن يمر إمرارا سريعا؛ يسمع سماعا مع تعليقات وجيزة، لكن كثير في الناس اليوم وطائفة من الشباب من عنده شبهات في التوحيد، عنده شبهات في الشرك، عنده شبهات في تكفير المشركين، فلا بد من إيضاح المقام.5/ نقترح أن يكون ثَم شرحان شرح موجز وشرح مفصل.6/ نعم من أراد أن يحفظ ويسمع يبلغني هو يكون في الأمام ونخليه إن شاء الله يسمع الكتاب.7/ هل هناك مفهوم قاصر للتوحيد لأني سمعت أحد الإخوة في كلمة له يقول لا نفهم التوحيد بالمفهوم القاصر؟لا أدري أُوش مراده بالكلمة، لكن أنا مثلا سمعت مرة في مسجد الرياض صليت العشاء في مكان، كان أحد الإخوة يتكلم يشرح نواقض الإسلام، بدأ في أولها وعرض للتوحيد في كلمتين؛ يعني الشرك بالله يعني عبادة غير الله، ثم ربع ساعة وهو يتكلم عن تحكيم القوانين وغيرها، ما أدري يعني إيش مناسبة هذا. هل هذا المنهج صحيح؟أولا الجواب أنه غير صحيح لأن تحكيم القوانين مثلا في هذه البلاد الناس ما عندهم محاكم وضعية قانونية يتوجهون إليها في خصوماتهم حتى تقول لهم انتبه لا تذهب إلى هذه المحاكم، إنما يجب أن تُقِرَّ في قلوبهم الاعتقاد بوجوب تحكيم شرع الله وأن تحكيم غير شرع الله جل وعلا كفر بالله جل وعلا بشروطه، لكن هم بحاجة إلى أنواع من التوحيد مفصلة أخر؛ التوكل الآن أصابه ما أصابه، المحبة؛ محبة الله جل وعلا، والرغب فيما عنده، الإخلاص، المتابعة، هذه مسائل التوحيد التي الآن بحاجة إليها، أنواع الشرك تروح حتى طلبة العلم تجد عندهم من شرك الألفاظ ما يستغرب تجد نسبة النعم لغير الله، فلان ما شاء الله فلان هذا لو لا فلان كان رُحنا، إيش هذا؟ هذا كلام أهل التوحيد لولا فلان رحنا؟ وأين الله جل وعلا؟ أين فضل الله؟ ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾[النحل:83]، فلان فعل وفعل وفعل، هذا فلان لو راح لكذا لحصل كذا وكذا، مثل هذه الكلمات، صار فيه الآن خلل الناس بحاجة إلى تبيين التوحيد المفصل وإيضاحه والاستدلال عليه، الشمولية مطلوبة، وكل يُعطى ما يناسبه، فكونه يتكلم على بعض مسائل التوحيد في دقيقة، ويجعل ربع ساعة في الكلام على مسائل أخرى، هذا يُفهم منه أن المقصود ليس هو إفهام الناس التوحيد بشموله وإنما التركيز على نقطة منه وهذا قصور.8/ التدرج في كتب العقيدة إلى آخره. يطلب من المقدمة لأحد الدروس سجلت بعنوان المنهجية في طلب العلم.9/ كم مقدار الحفظ؟ هذا بحسب المقطع، تأخذ مقطع متكامل، ما أدري بحسب الوقت، مقطع متكامل وتشوف مناسبته تكون درس، قد نزيد عنه وقد ننقص.10/ نودّ فرق بين الإشكال والشبهة.الإشكال شيء يرد على فهم الكلام، لكن الشبهة شيء يرد يصرف الحكم إلى غيره، الشبهة ترد تقول الحكم ليس كذا بل كذا، أما الإشكال مع بقاء الأصل تقول أنا مقتنع بكذا وكذا لكن إشكال يراد أن يجاب عنه، فالإشكال من الموافق والشبهة من غير الموافق.11/ هل الكتيبات التي أمامكم للتوزيع؟نعم الذي يأتي يأخذ كشف الشبهات بعد أن ننتهي من الدرس يأخذه.12/ هل سيعاد شرح كتاب التوحيد؟ الله أعلم.13/ هل يكفي كقاعدة لهذا الدرس حفظ الأصول الثلاثة وشرحها؟ لا، الأصول الثلاثة سهلة، أذكر الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله ذكرتُ له مرة كان يتكلم في كشف الشبهات وأسأله عن بعض الأشياء قال: كشف الشبهات هي رسالة صغيرة لكن هي أصعب كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب. هذا صحيح ولذلك هي النهاية.14/ -ما شاء الله- يقترح أن يكون الدرس بعد أذان العشاء بساعة شتاء وصيفا، لكي يستفيد الذي يأتي من بُعد.ودّي الفائدة للجميع لكن يكون فيه مشقة على آخرين، الصيف مثلا ننتهي من الصلاة التسع نبدأ العشر نخلص الحادي عشر وربع.14/ يقترحون أن يكون مقتصر على ما أورد الشيخ.هذا ممكن إذا كنا اقتصرنا على ما أورد الشيخ ممكن أن يكون ثلاثة أشهر، فنحتاج تقريبا إلى اثنتا عشر ساعة؛ اثنتا عشرة درس.15/ هذا بالعكس يطلب الإسهاب.16/ وهذا يقول لا المختصر المخل ولا الطويل الممل. 17/ أيضا هذا يقول نريد فترة من الزمن حتى يتمكن من يحضر من بُعد.18/ شرح مبسط ثم بعد المظان اشرح شرح مطول. طيب19/ يقترح أن يغير الكتاب إلى كتاب التوحيد.20/ بعض المناهج الدراسية الجامعية تذكر الشبهات في علوم القرآن أو غيرها. هذا صحيح نعم لأنكم طلاب علم تحتاجون إلى...21/ نقترح أن يكون درس الخميس بعد الساعة التاسعة حتى نتمكن من حضور درس سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بعد الفجر. نشوف إن شاء الله. نكتفي بهذا القدر، وأسأل الله جل وعلا أن يلهمنا الرشد والسداد وأن يجزيكم خيرا وصلى الله وسلم على نبينا محمد.[كشف الشبهات عن التوحيد][المتن]بسم الله الرحمن الرحيم اعلم رحمك الله أنّ التوحيد هو إفراد الله سبحانه بالعبادة، وهو دين الرسل، الذين أرسلهم الله به إلى عباده، فأولهم نوح عليه السلام أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين: ودّ، وسواع ويغوث ويعوق ونَسرٍ، وآخر الرسل محمد  وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين أرسله الله إلى أناس يتعبدون ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله يقولون نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده مثل الملائكة وعيسى ومريم وأناس غيرهم من الصالحين.[ الشرح] بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما مزيدا.أما بعد: فهذا شروع منا في هذه الرسالة؛ في شرح هذه الرسالة العظيمة كشف الشبهات للإمام المصلح المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي رحمه الله تعالى وأجزل له المثوبة، ونستعين الله جل جلاله وتقدست أسماؤه ونسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أنْ يعلمنا منها علما نافعا وأن يقينا في فهمها الزلل والخطل وأن يجعل أفهامنا صائبة وقلوبنا ذات بصيرة.هذه الرسالة سُميت كشف الشبهات، وقد ذكر طائفة من العلماء منهم ابن غنام في تاريخ نجد أنه أرسلها للناس في القرى لأجل أن يكشف بعض الشبه التي شبّه بها على التوحيد أعداء دعوة الإمام رحمه الله، فهي مصنّفة لأهل التوحيد الذين نُشرت فيهم بعض الشبه، نَشر تلك الشبه بعض العلماء الذين ورثوا علوم المشركين وحبذوا الشرك بالله وأيدوه ودعوا الناس إليه ودافعوا عنه نعوذ بالله من الضلال.اسم هذه الرسالة كشف الشبهات والكشف هو حسر الشيء عن الشيء، كشف الرأس يعني حسره؛ حسر ما عليه حتى ظهر، وكشف البأس إذا أزاله وهذه المادة في القرآن كثيرة (فلما كشفنا عنهم السوء)( ) كما قال جل وعلا في الآية الأخرى ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾[النمل:62]، ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾[النجم:58] ونحو ذلك، فالكشف بمعنى الإزالة.والشبهات جمع شبهة، وهي المسألة التي جُعلت شبها بالحق؛ لأن الحق عليه دليل بيّن واضح، والشبهة سميت شبهة لأنها مسألة من مسائل العلم أورد عليها أصحابها بعض الأدلة التي يظنونها علما، فالشبهة عبارة عن تشبيه الباطل بالحق، فإذا شبّه الباطل بالحق من جهة أن الباطل له دليل وله برهان صارت هذه المسألة -إذا عُورض بها الحق- صارت شبهة، والشبهة والمُشَبَّهة هي المسائل المعضلة أو المشكلة التي تلتبس على الناس كما جاء في بعض ألفاظ حديث النعمان بن بشير المشهور قال «الْحَلاَلَ بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشَبَّهات» أو «مُشْتَبِهَاتٌ» سميت مشبَّهة ومشتبهة لأنّ الأمر فيها يشتبه على الناظر فيه، وهكذا الشبهة تُلقى؛ يلقيها الشيطان أو يلقيها أعوانه أو تأتي في الذهن فيشتبه معها الحق ويشتبه الباطل معها بالحق، فيصبح الأمر غير واضح بها، ولا شك أنّ إزالة الشبهات وكشف الشبهات من أصول هذا الدين؛ لأن الله جل وعلا رد على المشركين في القرآن ودحض شبهاتِهم وأقوالَهم، قال جل وعلا ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾[الشورى:16]، وكل من يجادل بالباطل له حجة وله علم لكن حجته داحضة، وكون الحجة تُدحض هذا أصل في إزالة الشبهة في الدين، فإزالة الشبه التي شبه بها أعداء الملة وأعداء الدين فرض من الفروض في هذه الشريعة وواجب من الواجبات، لا بد أن يوجد من يقوم به وإلا للتبس الباطل بالحق، وصار هذا يُشبه هذا وضل الناس .وقد ذكر إمام هذه الدعوة في مسائل كتاب التوحيد حينما عرض لحديث إرسال معاذ بن جبل إلى اليمن قاتل له «إِنّكَ تَأْتِي قَوْما مِنْ أَهْلِ كِتَابِ فليكن أول ما تدعوهم إليه شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله وأنّ محمداً رسولُ اللّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ» الحديث، قال في المسائل ما حاصله: في هذا ردّ الشبه عن الدين؛ لأنه مهد له عليه الصلاة والسلام بقوله (إِنّكَ تَأْتِي قَوْما مِنْ أَهْلِ كِتَابِ)، وكونهم من أهل الكتاب هذا يعني أن يستعد لمناظرتهم وللحجاج معهم، ثم قال (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ)، فنَفْهَم من قوله (أَطَاعُوا لِذَلِكَ) أنه سيكون بينه وبينهم حجاج ونقاش وأخذ ورد ولإزالة الشبه التي قد تكون عندهم في رد التوحيد ورد رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، فقوله (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ) فيه رد الشبه وأنها من وظائف العلماء الدعاة، ثم قال (فَأَعْلِمْهُمْ أَنّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ, فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ) وهذا كله دليل على ما ذكر.المقصود أن إزالة الشبه عن الدين فرض من الفرائض قام به أهل العلم، وصُنِّفت فيه المصنفات في القرون التي شاع فيها التصنيف في القرن الثاني والثالث وما بعده إلى زماننا هذا. وكشف الشبه يكون عن طريقين: الطريق الأول: طريق عقلي. والطريق الثاني: الطريق الشرعي السمعي.أما الأول وهو الطريق العقلي: فهذا قد يكون بإيجاد البراهين العقلية البحتة التي تبطل شبه المشبهين، وقد يكون بإيجاد الأمثلة العُرفية التي تضعف حجة الخصم، وهذا وهذا موجود في القرآن.والقسم الثاني الأدلة أو الطريق الشرعي السمعي: بأن يكشف ما شبه به الخصوم بأن تُزال الشبه وتقام الحجة بالأدلة الشرعية، وفي الكتاب والسنة من إقامة الأدلة في مسائل العلم خاصة التوحيد ما يُغني عن غيرها؛ لكن طالب العلم قد يحتاج إلى بعض البراهين العقلية، لذلك جاءت في القرآن آيات كثيرة فيها إقامة البرهان العقلي في التوحيد كقوله جل وعلا ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾[الأنبياء:22]، وكقوله جل وعلا ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا(42)سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾[الإسراء:41-42]، فهذا من جعْل الحجة العقلية، وقوله جل وعلا (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) فيه دِلالة بينة أنّ وجود إله يعبد مع الله جل وعلا لو كان موجودا لفسدت السموات والأرض؛ لأنه لا بد أن يأتي هذا بما يريد وأن يأتي الآخر بما يريد، ومعنى ذلك أنه لن يكون هذا الملكوت على هذا الانتظام لا بد من المغالبة، ولهذا قال في آية الإسراء (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا) لابد أن يكون ثم مغالبة حتى يستقيم الأمر فلو كان ثم معبود مع الله جل وعلا بحق لكان لا بد من المغالبة، وإذا انتفت المغالبة وكان هذا الكون والمكلوت يمشي على منوال واحد وبإرادة واحدة دلّ ذلك البرهان العقلي؛ البرهان المحسوس المضبوط على أن المعبود بحق واحد وهو الله جل جلاله.قال الإمام رحمه الله تعالى في أول رسالته (بسم الله الرحمن الرحيم ) وتفسير البسملة وما فيها من العلم معروف يؤخذ من الشروح الكثيرة لكتب أهل العلم.قال بعدها (اعلم رحمك الله) هذه البداية تكثر في كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وفي كتب كثير من أهل العلم، فقد قال العلماء فيها من الفائدة أنّ هذا العلم أي علم الشريعة مبني على التراحم، فأعظم رحمة تسديها للناس أن تنشر بينهم العلم، فإذا علمتهم العلم فهي أعظم رحمة ترحمهم بها، ولهذا كان محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام مبعوثا رحمة للعالمين كما قال جل وعلا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾[الأنبياء:107]، والشريعة كلها عقيدة وأحكاما، خبرا وأمرا ونهيا رحمة، وبعثة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام رحمة، وكل تشريع رحمة، وكل إخبار اعتقاده رحمة بالعبد؛ لأنه إن لم يعتقد الخبر فإنه سيضل وذاك هلاك، وإنقاض الناس من الهلكة رحمة بهم، وإن لم يتبع الأمر والنهي ولم يفعل ما أمر به وينتهي ما نُهي عنه فإنه قد سعى في فساد نفسه وما لا يُحمد له وفي ظلم نفسه فتخليصه منه رحمة، فمبنى العلم على التراحم، المعلم ينشر العلم رحمة مع أمور أُخر، والمتعلم يتلقى العلم وهو مرحوم به أو وهو مرحوم بنشر هذا العلم، ولهذا قال العلماء إنّ الحديث الذي اختاره طائفة من أهل العلم ليكون الحديث المسلسل بالأولية هو حديث «الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» وهذا هو الحديث المعروف في رواية الحديث وعند المهتمين بالإسناد بالحديث المسلسل بالأولية؛ لأنّ الرواة فيه يقول كل واحد منهم: وهذا أول حديث سمعته. يعني من شيخه فالشيخ أول ما يقرئ الأحاديث هذا الحديث (الراحمون يرحمهم الرحمن) ذكر طائفة من أهل العلم منهم الذهبي وغيره أن سبب تسلسل هذا الحديث بالأولية أنّ هذا العلم علم الحديث وعلم السنة بل علم الشريعة جميعا مبناه على التراحم، فيعلم المعلم هذا الحديث أولا (الراحمون يرحمهم الرحمن) ويكون أول ما يسديه إلى التلميذ أن يعلمه الرحمة والتراحم؛ لأنه لا يكون العم إلا عند رحيم، أما من لم يكن رحيما بالخلق فلا يكون العلم مستقرا في قلبه، يكون أكثر استقرارا إذا كان أرحم بعباد الله جل وعلا، وكلما ازدادت الرحمة في قلبه كلما زاد العلم ثباتا في صدره لأن الرحمة مأمور بها (ارحموا من في الأرض)، والله جل وعلا ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾[النساء:66]، ومن التّثبيت التثبيت في العلم، فهذا من رحمة الشيخ رحمه الله بالمسلمين حيث يدعو لهم بهذه الدعوة.قال (اعلم رحمك الله أن التوحيد هو إفراد الله سبحانه بالعبادة) التوحيد مصدر وحّد يوحد توحيدا، وقد جاء في السنة لفظ التوحيد وقد جاء أيضا لفظ وحّد يوحد، فمادة هذه الكلمة جاءت في السنة، خلافا لمن زعم أن هذا اللفظ إنما اهتم به شيخ الإسلام ابن تيمية ومن تابعه، هذا غلط كبير؛ لأن هذا اللفظ قد جاء في السنة في أحاديث كثيرة، وقد جاء في مثل ما رواه البخاري رحمه الله في صحيحه في كتاب الحج أن النبي عليه الصلاة والسلام ”أهل بالتوحيد“ وثبت أيضا في مسلم وفي غيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسَةٍ. عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللهُ» وفي حديث جبريل أيضا المعروف قال عليه الصلاة والسلام «الإِسْلاَمُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله وَأَنّ مُحَمّدا رَسُولُ اللّهِ»، في رواية «الإِسْلاَمُ أَنْ تُوَحّدَ اللهُ»، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يُهِلُّ بالتوحيد؛ يعني يقول لا إله إلا الله وكان يهل في الحج بالتوحيد؛ بمعنى يقول لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك. لأن نفي الشرك وإثبات الوحدانية لله جل وعلا هو التوحيد. المقصود أن هذه الكلمة (التوحيد) جاءت في السنة في أحاديث كثيرة وكذلك لفظ (وحَّد) فهي كلمة مستعملة ومشهورة ومن ألفاظ حديث معاذ المعروف «فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحِّدوا الله» والبخاري بوّب أو جعل من كتبه في صحيحه كتاب التوحيد.فالمقصود من هذا بيان أن هذه اللفظة كثيرة في السنة وهي وإنْ لم ترد في القرآن لكن جاءت في السنة وأهل العلم من أهل السنة اعتمدوها وذكروها وصنفوا فيها كتبا.( ) فاهتمام الشيخ رحمه الله بهذه الكلمة هو اهتمام بأصل الدين وليست كلمة محدثة خلافا لمن زعم ذلك بجهله.قال (التوحيد هو إفراده سبحانه بالعبادة)، (التوحيد) يعرف بعدة تعريفات أما من جهة اللغة فهو جعل الشيء واحدا، وحد توحيدا يعني جعله واحدا، فوحّد المتوجه إليه في العبادة توحيدا؛ يعني جعل المعبود بحق واحدا، و(التوحيد) عرّفه الشيخ رحمه الله هنا وهو (هو إفراده سبحانه بالعبادة) إفراد الله يعني أن يكون التوجه بالعبادة لله وحده هو فرض في ذلك فلا يجعل من دون الله إلها ولا يجعل مع الله جل وعلا إله.قال (إفراده سبحانه بالعبادة) و(سبحان) تنزيه كما هو معلوم، (بالعبادة) هذه العبادة ما هي؟ العبادة في اللغة خضوع وتذلل معه حب عن طواعية ورغب ورهب وحسن ظن وما أشبه ذلك من أعمال القلوب، وأصلها الذل؛ ذلل الشيء يعني جعله متطامنا، جعله ذليلا، جعله غير وعر غير مستكبر، فيكون هذا في الناس، ويكون في الطريق ومنه سمي العبد الرقيق عبدا؛ لأنه جعل ذليلا غير متكبر متطامن لسيده، وقيل أيضا للطريق معبد لأنه ذُلل للسير كما قال طرفة تُبارِي عِتاقاً ناجِياتٍ وأَتْبَعَتْ وَضيفًا وَضيفًا فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ وقوله أيضا في البعيرإلى أنْ تحامَتْني العَشيرةُ كُلُّها وأُفرِدْتُ إِفْرادَ البَعيرِ المُعَبَّـدِإلى آخر شواهد هذه المادة. أما العبادة في الشرع فالعلماء عرّفوها بعدة تعريفات نختار منها في هذا المقام ثلاثة:• الأول: أن العبادة هي ما طُلب فعله في الشرع ورُتب الثواب على ذلك وهذا ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية لما تكلم عن الوضوء، فإذا كان الشيء طلب فعله في الشرع ولم يكن مطلوبا قبل ذلك ورتب على ذلك الفعل الثواب فهذا الفعل عبادة. • التعريف الثاني: أيضا كلي أيضا ذكره شيخ الإسلام في أول رسالة العبودية هي أن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. • وعرفه أيضا طائفة من العلماء ومنهم الأصوليون بأن العبادة هي ما أمر به من غير اضطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي.فنخلص من هذا إلى أن العبادة شيء جاء بالشرع لم يكن قبل ذلك، لم يكن قبل ذلك ليس من جهة الفعل والحصول، ولكن من جهة كونه مأمورا به لهؤلاء الناس المعينين، فجاء الشرع بالأمر بأشياء كانت موجودة عند العرب، ولكن كانوا يفعلونها من غير أمر خاص شرعي بذلك، وإنما ورثوها هكذا فلما أمر بها الشرع ورتب عليها الثواب كانت مما يحبه الله ويرضاه، وكانت مأمور بها من غير اقتضاء عقلي لها ولا اطّراد عرفي بها( )، وإنما كانت باطّراد أمر الشارع بها، فخرجت عن كون مقتضى بها جاءت عرفا فقط. لهذا الأقوال هذه الثلاثة لتعريف العبادة تلتقي ولا تختلف. فإفراد الله سبحانه بالعبادة معناه أن يفرد الله سبحانه بكل ما أمر به الشرع؛ بكل ما أمر به الشرع من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فيدخل في ذلك أعمال القلوب مثل الإخلاص والرغب والرهب والخوف والتوكل والإنابة والمحبة والرجاء والاستعاذة؛ استعاذة القلب إلى آخره، ويدخل فيه أيضا الأفعال الظاهرة مثل الدعاء وأنواعه الاستعانة والاستغاثة والاستسقاء والاستعانة الظاهرة إلى غير ذلك، ويدخل فيها الذبح والنذر والصلاة والزكاة والدعاء والحج والعمرة والصلة؛ صلة الرحم وغير ذلك، فالعبادة اسم يعم هذا جميعا، فكما أنه لا يصلي المصلي إلا لله كذلك لا يستغيث إلا بالله فيما لا يقدر عليه المخلوق، وهكذا في مظاهرها كما أُوضح ذلك مفصلا في كتاب التوحيد وفي ثلاثة الأصول.قال (وهو -يعني التوحيد- دين الرسل الذين أرسلهم الله به إلى عباده) (هو دين الرسل) يعني جميعا فالرسل جميعا أرسلوا بالتوحيد وهو إفراد الله بالعبادة، فلم ترسل الرسل أصلا بالشرائع، لم ترسل الرسل أصلا ببيان ما يجب من الأعمال من الذي هو دون التوحيد، أو ما يحرم إنما أرسلت لتوحيد الله جل وعلا؛ لأن توحيد الله جل وعلا هو العلة المطلوبة من خلق الجن والإنس، كما قال جل وعلا ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[الذاريات:56]؛ يعني إلا ليوحدونِ، فالعلة المطلوبة من خلقهم أنهم يوحدون الله جل وعلا لهذا أرسلت الرسل بذلك. هذا التوحيد مفطور عليه العباد للميثاق قال جل وعلا ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾[الأعراف:172] وهذا الذي أخذ عليهم هو التوحيد وهو الفطرة، فؤخذ على الناس جميعا هذا الميثاق وهو توحيد الله جل وعلا، ولكن هذا الميثاق خرجوا عليه وهم في ظهور آبائهم أُخذ وعرفوا ذلك وشهدوا به، ثم خرجوا على هذا التوحيد خرجوا على الفطرة، خرجوا وهم يوحدون الله جل وعلا؛ لكن تجتالهم الشياطين عن دينهم كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق على صحته «كلّ مولودٍ يولَدُ على الفِطرةِ, فأبَواهُ يُهوّدانهِ أو يُنصّرانِه أو يُمجّسانِه, كما تجرجُ البهيمةُ جمعاء هل تحسون فيها من جَدْعاءَ»؟ يعني أن البهيمة تخرج سليمة، ثم بعد ذلك أهلها يقطعون شيئا من أذنها أو شيئا من بدنها إلى آخره، الكمال يخرج المولود عليه، من جهة التوحيد يعني على الفطرة، ثم تتغير هذه الفطرة، معلوم أن ذلك الميثاق الأول لا يُذكر، وأن دلائل إقامة الحجة بذلك الميثاق موجودة في الآفاق وفي الأنفس، والرسل جاءت لإقرار ذلك وجعل الناس يرجعون إلى هذا الأصل الذي ولدوا عليه وهو توحيد الله جل وعلا ثم إضافة بعض الشرائع التي تختلف من رسول إلى رسول.المقصود من ذلك أن دين الرسل جميعا هو التوحيد، والرسل جمع رسول وهو من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه إلى قوم مخالفين له. أما إذا كانوا موافقين فيكون ذلك نبي من الأنبياء كأنبياء بني إسرائيل ونحو ذلك، فالرسل الذين بُعثوا إلى قوم مخالفين هم على التوحيد أمروا بالتوحيد ودعوا إليه قال جل وعلا ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾[النحل:36]، وفي سورة الأعراف في ذِكر نوح عليه السلام وذِكر هود وذِكر صالح وذِكر شعيب وذِكر موسى عليه السلام، كلهم يدعون إلى توحيد الله جل وعلا ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾( ) إذا كان كذلك فإن الدعوة تكون إلى هذا الأصل،الدعوة تكون إلى توحيد الله لأن به صلاح القلوب وصلاح الأعمال.قال (وهو دين الرسل الذين أرسلهم الله به إلى عباده)، (به) يعني بالتوحيد إلى عباده، فما هو دين الرسل الذي أجمعوا عليه، اتفقوا عليه كل واحد بعث به؟هو توحيد الله جل وعلا وهو إفراد الله سبحانه بالعبادة، لهذا نعلم أن كل من عبد غير الله جل وعلا فهو مخالف لكل رسول ومن عبد غير الله بأي نوع من أنواع العبادة فإنه لم يوحد إنه مشرك وإنه مكذب بجميع المرسلين، قال جل وعلا ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾[الشعراء:105]، فمن لم يوحد الله جل وعلا فقد كذب بالمرسلين جميعا؛ لأن الرسل جميعا أمروا بالتوحيد، فإذا أشرك المشرك فلا يحتج يقول أنا على دين موسى أو على دين عيسى، نقول هو مكذب بجميع الرسل وخارج عن دين جميع الرسل.قال (فأولهم نوح عليه السلام) نوح هو أول الرسل، وهو من أولي العزم من الرسل، وهو عليه السلام الذي جَعل الله جل وعلا ذريته هم الباقين في الأرض، أما آدم فإنه نبي مكلم وليس برسول، كما جاء في بعض الأحاديث أنه عليه الصلاة والسلام قال «آدم نبي مكلم». نوح عليه السلام بعث إلى قوم أشركوا بالله جل وعلا وشركهم كان في الصالحين.قال (أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين) الغلو هو مجاوزة الحد، غلا في الشيء جاوز الحد فيه، وتأليه البشر مجاوزة للحد، وهؤلاء الصالحون أولهم ودّ، وودّ هذا من عباد الله الصالحين، وهو أول من أُشرك به على الأرض لما مات صوَّروا صورته كما يأتي في حديث ابن عباس، فقوم نوح هم تتابعوا من ذرية آدم وذرية آدم على التوحيد حتى أتى هؤلاء الصالحون ودّ وسواع ويغوث ونسرا كانوا قوما صالحين، فهنا شاع في الناس الرغبة في الدنيا والبعد عن تذكر الآخرة، فكانوا إذا أرادوا أن يتشجعوا في العبادة ذهبوا إلى هؤلاء؛ إلى قبورهم إلى ود وإلى سواع وإلى يغوث وإلى يعوق وإلى نسر، فنظروا في قبورهم وبكوا عندها، فتشجعوا في العبادة ورجعوا، فجاء الشيطان فتكلم عند قبرهم قال: ألا تصنعون أو ألا أصنع لكم صورة تتذكرون بها ودّا وتتذكرون بها سواعا. فصنع لهم صورة على هيئته، فجعلوها على قبورهم وثنا وصنما، ثم بعد ذلك يعني هم حينما جعل ذلك أولا ليس معبودا ولكن للتذكر ينظرونه فيتذكرونه وأعمارهم كانت طويلة، ثم بعد ذلك قال ألا تجعلون من كل واحد صورة في بيت كل واحد منكم حتى يتذكر، ثم نقلهم بعد ذلك إلى أن يصحبوه في السفر إلى آخره، شاع في ذلك لأجل التذكر لأجل الحث على العبادة، ولم يكن أول ذلك الجيل لم يكن مشركا، فيما بعدهم ذهب ذلك العلم، وقالوا ما اتخذ آباؤنا هذه الصور إلا لأنها آلهة إلا لأنها معظمة، فتوجهوا إليها بطلب التوسط، قالوا هؤلاء لهم مكانة عند الله؛ لأنهم صالحون، فنتوسط بهم فيما نريد فصار شرك قوم نوح من جهة التوسط بالأرواح؛ أرواح صالحي بني آدم. ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر ذكرهم الله جل وعلا في القرآن في سورة نوح حيث قال جل وعلا ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا(23)وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾[نوح:23-24]، قال العلماء (وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ) فيها أن ودّ هو الأول، وسواع هو الثاني، ويغوث هو الثالث، وفيها أيضا تنبيه على أن هذه الآلهة متفاضلة عندهم؛ بأنه أتى في الثالث الأول بحرف (لَا) وفي الآخرة بلا حرف (لَا) فقال (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) فلم يأتِ بحرف (لَا) لأجل أن يفاضلوا بين أولئك وبين هذه، فهذه الآلهة كانت متفاضلة عندهم، وهذا التفاضل عندهم الذي يُشعر به اللفظ كما ذكره طائفة من المفسرين، هذا التفاضل إنما بتفاضل مصلحتهم من هذه الآلهة، والتوجه بها، وهذا هو الموجود بهذا الزمن وفي زمن الشيخ وفي زمن انتشار الشركيات، فإنّ عباد القبور عباد الأولياء أولئك ليسوا متساوين فبعضهم أقطاب وبعضهم أوتاد وبعضهم غوث وهكذا، فإذن التفاضل من جهة الروحانيات من جهة التوسط كان موجودا في زمن نوح عليه السلام، فصرنا على أنّ ما كان فير زمن نوح عليه السلام أنّ هؤلاء صالحون، وأنهم لم يعبدوا باتخاذ قبورهم أوثانا من أول الأمر، وإنما عبدوا بعد زمن، لما نُسي أول الأمر من اتخاذ صورهم للتنشيط في العبادة وعُبد بعد ذلك، ففيه أن الشيطان أتاهم بأن لا تسد الذرائع في هذا الباب، فجاء الأمر شيئا فشيئا حتى عبدوا تلك الآلهة، وفيه أن هؤلاء متفاضلون في الصلاح عندهم، وفيما ذكرنا أيضا أن تفاضلهم إنما هو من جهة أثر توسطهم بهذه الآلهة على ما يريدون من إنجاح حوائجهم، ولهذا ذكر البخاري في كتاب التفسير في تفسير صورة نوح قال باب ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وذكر الحديث المعروف حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح. وهذا القدر -وهو أنهم أسماء رجال صالحين- هو الذي يعرض فيه كثير من المعارضين اليوم، ويقولون إن هذه الأسماء أن تعدّ أسماء رجال صالحين لم تأتِ إلا في هذا الحديث عن ابن عباس. وهذا الحديث رواه ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، وابن جريج له تفسير معروف، وفي تفسيره ذكر التصريح بأن عطاء هذا هو عطاء الخُرساني، كذلك ذكره عبد الرزاق في تفسيره وهو مطبوع؛ طبع مؤخرا، قال: عن ابن جريج عن عطاء الخرساني عن ابن عباس. والعلماء يقولون -علماء الجرح والتعديل-: إن عطاء الخُرساني لم يسمع عن ابن عباس. لهذا قال أولئك هذه الرواية ضعيفة وليست بصحيحة وإن رواها البخاري؟ والجواب عن ذلك أن ابن عباس رضي الله عنهما حينما ذكر أنها أسماء رجال صالحين جعلها البخاري رحمه الله تعالى -يعني جعل تلك الرواية- جعل البخاري رحمه الله تعالى تلك الرواية أصل في تفسير الآية، ورواها بإسناده المتصل لابن عباس، وكون عطاء أتى عند البخاري بلا نسبة، لا يعني أنه عند البخاري عطاء الخُرساني، ودلّلوا على ذلك بأن التفريق في روايات ابن جريج عن عطاء بأن منها عن عطاء الخرساني خاصة بالتفسير إنما هو عن علي بن المديني، وعلي بن المديني معروف بأنه إمام في العلل وله كتاب في العلل وكتبه مشهورة في ذلك والبخاري رحمه الله تلميذه، فلا يخفى عليه تعليل علي ابن المديني لهذه الرواية -أنا أُفَصِّل هذا لأن الدعاة إلى عبادة القبور أو إلى أن التوسط بالصالحين ليس هو شرك المشركين؛ الدعاة قالوا عمدتكم في ذلك هو رواية ابن عباس، ورواية ابن عباس ضعيفة، ولو رواها البخاري في صحيحه، فهذا رد لهذه الشبهة- نقول: البخاري قال عن ابن جريج قال: قال عطاء عن ابن عباس. ومن المتقرر في علم الرجال أن ابن جريج إذا قال: قال عطاء. وهو يعني ابن جريج ممن عرف بالتدليس، فإن قوله قال عطاء محمول على السماع وسماعه إنما هو من عطاء بن أبي رباح وليس من عطاء الخرساني، فنستدل بذلك على أن هذه الرواية عند البخاري إنما هي عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس، وإسنادها متصل في غاية الصحة، وابن حجر رحمه الله حينما عرض لهذه المسألة قال وهي عندي -يعني هذه المسألة- عن عطاء الخرساني وعن عطاء ابن أبي رباح جميعا؛ لأن البخاري رحمه الله مشترط في صحيحه أن لا يروي الحديث إلا إذا كان متصلا، وهو لا يخفى عليه أن ابن جريج يروي عن عطاء الخرساني بانقطاع، وأن عطاء الخرساني راويته عن ابن عباس [منقطعة] لا يخفى عنه ذلك؛ لأنه من مشاهير العلم، ولأنه لم يروِ بهذه الترجمة مما يظن أنه عن عطاء الخرساني لم يروِ إلا حديثين، فهو رواها مسندة متصلة، فمن نازع في صحتها ينازع البخاري رحمه الله في تصحيحه له هذا واحد. الثاني أن عطاء في الرواية هو عطاء ابن أبي رباح ولو كان روي في تفسير عبد الرزاق وتفسير ابن جريج التصريح بأنه عطاء الخرساني فإنّ ابن جريج قد يسمع من هذا وهذا، يعني قد يأخذ من هذا وهذا؛ قد يأخذ من عطاء بن أبي رباح، وقد يأخذ بواسطة عن عطاء الخرساني فهذا محتمل, وتغليط البخاري رحمه الله في تصحيحه للحديث هذا غير وارد.الثالث أن الذين ذكروا هذه العلة ليسوا من المتقدمين من حفاظ الأحاديث، وإنما هم من المتأخرين، والمتقدمون من أهل الحديث أدرى بالبيت؛ لأن فهمهم بالعلل أعظم من فهم من بعدهم.فنخلص من ذلك إلى أن رواية ابن عباس هذه هي الأصل في هذا الباب، وأنّ ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر أنها أسماء رجال صالحين صارت في العرب، وأن أولئك لم يعبدوها أول الأمر وإنما آتاهم الشيطان فمثّل لهم -كما ذكرتُ لكم- مثّل لهم صورا فلما تمسخ العلم وفي رواية فلما نسي العلم عبدت يعني لما نسي التوحيد وتمسخ العلم ورثها أناس لم يعرفوا حقيقة الأمر فعبدت، يدل على ذلك أن ودّا وسواع ويغوث ويعوق ونسرا هذه صارت في العرب معروفة وأبيات الشعر التي حفظت في ذلك عن العرب في ذكر هذه الأصنام مشهورة، الله جل وعلا ذكرها عن قوم نوح وهي موجودة العرب بهذه الأسماء والأشعار بها محفوظة، ويؤيد ذلك أيضا أنها في العرب أن العرب فيهم التعبيد لهذه الآلهة، فيهم من اسمه عبد ودّ، وفيهم من اسمه عبد يغوث، وفيهم من اسمه عبد نسر وهكذا، فالتعبيد لها يدل على أنها موجودة في العرب، وهي موجودة في قوم نوح بنص القرآن، فلما كان كذلك صارت هذه الرواية متفقة مع ظاهر القرآن، ومتفقة مع واقع العرب المعروف الذي حفظ، فمن طعن فيها فإنما هو من جهة عدم استيعابه للمسألة.قال (وآخر الرسل محمد  ) ذكرتُ لكم أن عبادة أولئك كانت من جهة الأرواح، وكل شرك في العالم كان راجعا إلى أحد نوعين لا ثالث لهما: الشرك بالله: الأول: راجع أرواح الناس؛ أرواح الصالحين. والثاني: راجع إلى أرواح الكواكب. فالشرك بأرواح الصالحين كان في قوم نوح. والشرك بأرواح الكواكب كان في قوم إبراهيم، وهل الكوكب له روح؟ الجواب: لا، ولكن جعلوا لكل كوكب صورة وصنما صوروا فيه الكوكب فلما كان كذلك، زعموا أن روحانية الكوكب وروح الكوكب تحل فيه فتتقبل مما يأتي لها ويطلب فترفع الحوائج إلى الكوكب، وعند هؤلاء الصابئة أن الكواكب تُسَيَّر العالم، وأن كل كوكب له أثر في العالم والصابئة الذين هم قوم إبراهيم كان شركهم من جهة الكواكب كما هو معروف، قال جل وعلا ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ(75)فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾[الأنعام:65-66] الآيات، فشركهم كان من جهة الكواكب، لم أشركوا بالكواكب؟ لأنهم لما وضعوا الأوثان لهذه الكواكب جاءت الشياطين فتكلمت عند صورة الوثن عند الوثن عند الصنم، فلما تكلمت طلبوا منها أشياء فتحقق لهم ذلك، فظنوا أن الكواكب مسيرة لأحداث هذا العالم. فإذن نخلص من ذلك إلى أن الشرك وقع من جهة الشياطين في الجهتين: • شياطين تكلّمت بلسان الصالحين، تكلمت على أنها روح الصالح، فطُلب منها وأجابت وعملت أشياء.• وشياطين تكلمت على لسان كما يزعم أصحابه لسان الكوكب. وكل شرك متفرع على أحد هذين النوعين؛ إما شرك بالعلويات أو شرك بالسفليات. حقيقة الأمر أن الشياطين حينما تقول ذلك هي عبادة الجن، حينما يُطلب منها فإن المعبود هو الجني وليس هو الإنسي. قال (وآخر الرسل محمد  وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين)، (وهو الذي كسر) بنفسه أو بمن أَرسل، محمد عليه الصلاة والسلام لما دخل مكة عام الفتح دخل وكان حول الفتح أصنام كثيرة فجعل يمكُتُهم بعصاه عليه الصلاة والسلام ويقول ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾[الإسراء:81] وكان من الأصنام إساف ونائلة، صنم إساف ونائلة وكانت موجودة بجنب الكعبة، ومنها هبل وكان هبل من الأصنام التي في داخل الكعبة؛ لأن الكعبة كانت بداخلها صور وأصنام، وكان أيضا بقربها يعني على حافة الكعبة كانت ثَم أصنام وهناك أيضا أصنام بعيدة حول المطاف، فالنبي عليه الصلاة والسلام كسر هذه جميعا. من العجائب في ذلك أن المؤرخين اتفقوا على أن إساف ونائلة؛ إساف رجل ونائلة امرأة، وأن إساف كان يتعشق نائلة وأنهما قدما حاجين وأنه لم يتمكن منها إلا في غفلة من الناس أتاها في الكعبة -والعياذ بالله-، قال المؤرخون فمسخا حجرين في داخل الكعبة فلما نظر الناس إليهما عرفوا أن هذه صورة إساف وصوره نائلة في الكعبة، فعلم أنهما أحدثا حدثا فأخرج الناس الحجرين إلى خارج الكعبة ليعتبر الناس بحال من عصى في الحرم، يكون ذلك أبلغ في إبعاده، أتى الزمان حتى عبد إساف وعبدت نائلة، هبل كان في داخل الكعبة وكان هو أعظم الأصنام والصور التي في داخلها وهكذا.أما ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر فهذه لم تكن من الأصنام التي حول الكعبة وكانت متفرقة في العرب فقوله (وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين) يعني بمن أرسل، فإنه لما انتشر الإسلام فكل قوم فيهم هذا الوثن أو هذا الصنم كسره أصحابه بأمر النبي عليه الصلاة والسلام، وقولنا بأمر النبي ليس أمرا خاصا بهذا الصنم ولكن أمرا عاما بكسر الأصنام والأوثان.ومن أصنامهم اللات والعزى ومناة كما هو معروف.تعبير الشيخ بقوله (صور هؤلاء الصالحين) هذا مقصود؛ لأن أولئك جعلوا الصورة، وهل جعلهم الصورة لقصدها أم لأجل أنها توصل إلى صاحبها؟ معلوم أنّ المشركين ليسوا قاصدين للصور من حيث هي، بل يقصد الصنم من حيث هو، وإنما عندهم الصنم وسيلة إلى روح صاحبه، الوثن وسيلة إلى ما يحل بالبقعة أو يحل بالشيء من أرواح.فإذن هم قصدهم الأرواح التي تصعد إلى الملأ الأعلى فتوصل طلباتهم وتوصل حوائجهم وما يريدون إلى الله جل وعلا، فيستجيب الله جل وعلا بهذه الوساطة، هذه خلاصة شرك المشركين. وأولئك الذين أشركوا هذا الشرك لم يكونوا بعيدين عن التعبد، بل كما ذكر الشيخ رحمه الله هنا قال (أرسله الله إلى أناس يتعبدون) نعم كان أهل الجاهلية كانوا يتعبدون، كان منهم أهل الصيام، كان منهم أهل الصلاة، ومنهم أهل الدعاء، ومنهم أهل الحج، منهم أهل الزكاة، منهم أهل الصدقة، منهم أهل الصلة، منهم أهل الذبح، ومنهم أهل التقرب إلى الله بالطواف والتحنث والاعتكاف إلى آخره والطهارة الكبرى وما أشبه ذلك، فأولئك لم يكونوا يقرّون بأن الله جل وعلا هو الخالق وحده وأفراد الربوبية فحسب، بل كانوا مع ذلك يتعبدون لهم صلاة ولهم زكاة ولهم حج ولهم صيام، وهذا ذكره الشيخ بعد ذلك بقوله ويحجون ويتصدقون. أما الطهارة فقد ذكر من صنف في أديان العرب أنّ العرب كانت عندهم طهارة من الحدث، فكانوا يتطهرون من الجنابة، وإذا أجنب المرء بمعنى أنزل الماء، فإنه يبعد عن مواقع العبادة ولهذا سموه جنبا، سموه جنبا أي بعيدا ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾[النساء:36] يعني البعيد، فسموا من أخرج الماء يعني من أنزل، سموه جنبا لأنهم كانوا يأمرون بالابتعاد عن الكعبة، بالابتعاد عن مواطن العبادة حتى يتطهر، وتطهره من الجنابة شائع معروف، أما التطهر من الحدث الأصغر فهذا إنما عند طائفة قليلة منهم، حتى النساء كن يغتسلن من الحيض، وهذا معروف عنهم في عدة أحوال وعدة أبيات، ومنها قصة امرأة كانت مع زوجها في سفر وكان معهما ماء قليل، فلما كانت في السفر انقطع عنها الحيض فأرادت أن تغتسل، فأخذت الماء فاغتسلت به وكان قليلا فلم يبلغ أن يعممها وبقيا عطاشا ليس معهما ماء، قيل إنهما هلك في ذلك، فضرب بهما مثل في هذا، وقد قال في ذلك الفرزدق في بعض أبيان نسبت إليه، قال وكنت –يذم رجلا:وكنت كذات الحيض لم تُبقِ ماءها ولا هي من ماء العذابة طائلفكان العرب يعتنون بمسألة الطهارة؛ طهارة الجنب وطهارة الحائض، فهذا النوع تعبد منهم بذلك، كذلك الصيام، كان منهم من يصوم وصيامهم مختلف منهم من يصوم يوما، كما كان أهل الجاهلية يصومون عاشوراء، كما جاء في الصحيح «إن عاشوراء يوم كانت تصومه العرب في الجاهلية» وكان لهم صيام من الفجر إلى غروب الشمس، أو من طلوع الشمس إلى غروبها، ومنهم من كان يصوم أكثر من ذلك. هذه كلها ميراث مما ورثوه من الأديان الصحيحة قبلهم. وكان منهم أيضا من يصلي وصلاته تكون بركوع وذكر ودعاء ويسمونها صلاة، معروفة عندهم في ذلك، لكن هذه الهيئة والسجود لم يكن عندهم في ذلك. كذلك كانوا يعتكفون تعبدا، ومنهم حديث عمر المعروف: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام «أوفِ بنذرك». وكان طائفة منهم يتحنثون ويتخلَّون في الخلاء يتأملون ويذكرون الله جل وعلا، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يتحنث في غار حراء الليالي ذوات العدد والتحنث يعني العزلة عن الناس والتعبد بذلك والخلوة كانت معروفة عندهم. وكذلك الصدقة مثل ما ذكر الشيخ هنا (ويتصدقون) كان فيهم الصدقة كثيرا كما قالت خديجة لما جاءها النبي عليه الصلاة والسلام وقد فاجأه الوحي بحراء فقالت له بعدما قصّ عليها ما حصل قالت: كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتُقري الضيف وتعين الملهوف وتعين على نوائب الحق. أو كما جاء في كلامها، فكانت الصلة والصدقة وتسمى عندهم أيضا زكاة كانت موجودة كثيرا. وكذلك ذكر الله جل وعلا أيضا كانوا أهل ذكر لله جل وعلا، يذكرون بأنواع من الذكر هذه محفوظة في أشعارهم، ومحفوظة في كتبهم؛ يعني في الكتب التي ذكرت ذلك. واستقصاء ذلك يصعب في مثل هذا الشرح؛ لكن نذكر لك بعض الكتب التي ذكرت منها كتاب بلوغ الأرب للألوسي، ومنها كتاب أديان العرب لعلي الجارم، ومنها تاريخ العرب المفصل قبل الإسلام وغير هذا من الكتب التي شرحت ديانات العرب تطهرها وصلاتها وزكاتها وحجها.أما الحج والعمرة فهذا معروف مشهور حجهم للبيت تعظيمهم إياه وعمرتهم إليه. المقصود من هذا أن العرب لم تكن بعيدة عن العبادة، يتعبدون بأشياء ورثوها من دين إبراهيم عليه السلام، ومن بعض الأشياء من دين موسى عليه السلام، إذن هم مقرون بالربوبية لله جل وعلا وأن الله هو الخالق وهو الرازق وهو الرّزّاق وحده، وهو الذي يحيي وهو الذي يميت ويقولون ”ما شاء الله“ ويؤمنون بالله ولكن مع ذلك لم يكونوا مسلمين، بل بعث الله إليهم محمد بن عبد الله يدعوهم إلى أن يوحدوا الله، كيف يكون الحال إذن؟ الحال أننا لا بد أن ننظر فيما كان أولئك على الشرك؟ بما كان أولئك مشركين؟ موحدون في الربوبية؛ الله الخالق وهو الرزاق وهو الذي يحيي ويميت ونحو ذلك، فهل هذا جعلهم مسلمين؟ كذلك عندهم صدقات ودعاء وذكر لله، فهل هذا جعلهم مسلمين؟ إنما الذي جعلهم مشركون أنهم يعبدون الله ويعبدون معه غيره، لم يفردوا الله بالعبادة، يتقربون إلى تلك الأوثان وتلك الأوثان منها صور الصالحين فحصل من هذا برهان عظيم ومقدمة( ) مهمة لهذا الكتاب، وهي أن المشرك الذي كان في زمن النبوة لم يكن بعيدا من التعبد تماما؛ بل كان يتعبد، كان عنده نوع تعبد، نوع صلاح، من جهة أنه في الناس صاحب خير وصاحب صدقة، صاحب ذكر إلى آخره؛ لكنه صار مشركا لأنه عبد مع الله جل وعلا غيره، فإذا كان الأمر كذلك كان قتال النبي عليه الصلاة والسلام لأولئك وكان تكفيرهم لأجل أنهم أشركوا تلك الآلهة الباطلة مع الله جل جلاله فعبدوا الله وعبدوها.إذا وصلنا إلى هذه، جاء السؤال المهم وهو كيف عبدوا تلك الآلهة؟ هل ادعوا في اللاّت وفي العُّزى ومناة وهبل وودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسرا وإساف ونائلة، هل ادعوا أنها تخلق ؟ فالجواب لا، هل ادعى أنه ترزق استقلالا؟ الجواب:لا، قال جل وعلا﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾[يونس:31] بلا جدال، يقولون الذي يرزق ويحيي ويميت هو الله، فإذن حين يسألون تلك الآلهة الباطلة الرّزق، حين يسألونها أن ترزقهم هل يعتقدون فيهم أنها تملك الرِّزق استقلالا؟ الجواب: لا؛ لأن الله جل وعلا أخبرنا بأنهم لو سئلوا من يرزقكم من السماء والأرض لقالوا الله يرزقنا، فإذن لم صاروا مشركين؟ لأنهم جعلوا تلك الآلهة وسائط في طلب الرزق، شفعاء في طلب الرزق ولهذا قال الشيخ رحمه الله بعدها (ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله) هذه الوساطة لها جهات: الجهة الأولى جهة التوجه يعني نوع التقرب لها بالعبادة. والجهة الثانية مكانتها عند الله حتى ترفع الحاجات. سيأتي تفصيلها في الكتاب بعد ذلك.قال (ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات) ما هذا البعض؟ سيأتي تفصيله إن شاء الله. (وسائط بينهم وبين الله) لفظ الوساطة هذا دقيق من الشيخ رحمه الله، وهو الموافق لما جاء في القرآن في أول سورة الزمر حيث قال جل وعلا ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾[الزمر:3]، قال العلماء قوله (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا) هذا حصر قلب إضافي -معلوم في علم المعاني في علم البلاغة- يعني ما نعبدهم لعلة من العلل أبدا فيهم وأنهم متصفون بأشياء من صفات الإله أبدا، لكن نعبدهم ليقربونا إلى زلفى فقط، وهذا يستفاد من قوله (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) فهو حصر قلب إضافي؛ يعني ما نعبدهم لعلة من العلل إلا لأجل التقريب، فليس لهم شيء وليس من صفاتهم أنهم يرزقون وأنهم يحيون أو أنهم يميتون أو أنهم يفيضون الخير، وإنما لأجل التقرب، وهذا هو معنى اتخاذ أولئك شفعاء عند الله جل وعلا. فإذن حصرت المسألة في أن اعتقاد المشركين في أوثانهم وفي أصنافهم وفي أصنامهم من جهة الأرواح الشيطانية، ومن جهة التوجه لها لأجل أن ترفع الحاجات إلى الله جل وعلا، فما كانوا يطلبون منها استقلالا، فالتشفع كان هو ديدنهم، فطلب الشفاعة كان هو ديدنهم كان هو بغيتهم، كان كل واحد عنده في بيته وثن أو صنم يزعم أنه إذا توجه له بالعبادة حلّ روح صاحب هذه الصورة فيها فقَبل الطلب ورفعه إلى مكانه في الملأ الأعلى، يعني أن فائدة الصورة، وجود الصورة في البيت أنها تحل فيها الروح روح صاحب هذه الصورة فتقبل الطلب، وليست هي عندهم أصنام محضة؛ لأنهم أعقل من أن يعبدوا حجرا محضا؛ لكن هم عبدوا حجرا معه الروح فصار أيضا ذلك قدح، صار ذلك أيضا قدح في عقلهم من جهة أنهم توجهوا إلى خشب أو إلى تمر أو إلى حجر، إلى آخره زعما بأنّ الروح تحل فيهم فهو قدح في عقلهم لكن أخص من أن يعتقدوا في صنم مجرد يعني في حجر مجرد ليس فيه حلول الروح لتُناجَى ويطلب منها التوسط، فإذن قول الإمام رحمه الله هنا (ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله) هذا هو حقيقة الوصف.قال (يقولون نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده) ماذا يريدون؟ التقرب إلى الله، ليسوا ملاحدة، إنما في ألسنتهم ذكر الله جل وعلا، وعندهم صدقة وتعبد، لكن يريدون بذلك التقرب إلى الله، من هذا تعلم جهل طائفة ممن ظنّ أن تعبد المتعبد وصلاته وصيامه وزكاته يمنع من الحكم عليه بالشرك؛ لأنّ أولئك كانوا على دين إبراهيم، يعني لأن المشركين في زمن النبي عليه الصلاة والسلام كانوا على دين إبراهيم، وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال «إنما بعثت لأتمم محاسن الأخلاق» هم كانوا على خلق، كانوا على حسن في التعامل وكانوا وكانوا، ولكن لم يكونوا موحدين، فإذن العبرة كل العبرة في التوحيد، وليست في أنهم يحجون أو لا يحجون، يعتمرون أو لا يعتمرون، يتصدقون أو لا يتصدقون، في ألسنتهم ذكر الله أو ليس في ألسنتهم ذكر الله، ليس هذا هو البرهان، لهذا في بعض هذا الزمن تجد أنه لما فشى الجهل بالتوحيد، تجد أن كثيرين إذا وجدوا ومن يتكلم وفي لسانه ذكر الله جل وعلا، أو أنه يقول الحمد لله أو يقول الله أكبر أو يقول ما شاء الله، أو يذكر الله بلسانه أو يتصدق أو يحضر المسجد أو يقرأ القرآن يزعمون أنه مسلم ولو عبد غير الله جل وعلا، وهذا ليس هو المقصود، وإنما هذه الشرائع جاءت بعد التوحيد، فإذا كان التوحيد لم يقم في قلب صاحبه، فلا تقبل هذه الشرائع. قال (يقولون نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده) وهذه سيأتي بسط الكلام عليها في أثناء الرسالة في مسألة الشفاعة.قال (مثل الملائكة وعيسى ومريم وأناس غيرهم من الصالحين) هذا نرجئه إلى الدرس القادم.أنا أريد من هذه الجملة التي مرّت معنا التأصيلية المهمة أن يتوسّع طالب العلم في معرفة أديان العرب في الجاهلية،كيف كانت؟ لأن هذا من العلم المهم الذي به يتضح قيمة التوحيد، تنظر في تفاسير المفسرين حين يتكلمون عن أحوال العرب وشرك المشركين ونحو ذلك، يتعرضون لأحوال العرب، كذلك في الكتب التي ذكرنا، في كتب الحديث إذا مرت مثل الأحوال التي ذكرنا، منهم من يصلي، ومنهم من يتصدق، أظن في حديث أيضا الذي رواه مسلم أظنه عن أبي ذر أنه كان في الجاهلية قبل أن يبعث النبي عليه الصلاة والسلام هكذا لفظه ”كنتُ أصلي ثلاث سنين قبل بعثة رسول الله “ فهذه المسائل تقعيدية حتى إذا جاءت شبه المشبهة فيما سيأتي يكون عند طالب العلم فرقان، يكون عنده فرقان بيّن بما تميزت به بعثة النبي عليه الصلاة والسلام ودينُه عن دين المشركين الذين بعث إليهم وقاتلهم وكفَّرهم ولم يقبل منهم صرفا ولا عدلا، فتوسَّع في ذلك وانظر فيه فإنه تقعيد تنتفع به في رد كثير من الشبه التي يشبه بها أعداء التوحيد.نكتفي بهذا القدر، وأسأل الله جل وعلا لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.[المتن] يقولون نريد منهم التقرب إلى الله ونريد شفاعتهم عنده مثل الملائكة، وعيسى ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين فبعث الله محمد  يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله لا يصلح منه شيء لغير الله لا لملَك مقرب ولا لنبي مرسل فضلا عن غيرهما وإلا فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي إلا هو، ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السموات ومن فيهن والأراضين ومن فيها كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره .[الشرح] بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.اللهم نسألك علما نافعا وعملا صالحا، وقلبا خاشعا، ودعاء مسموعا، اللهم لا تكلنا لأنفسنا طرفة عين، واغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا ظالمين، اللهم وفقنا إلى ما وفقت به عبادك الصالحين، أما بعد:فهذه صلة لما تقدم من الكلام على أول هذه الرسالة العظيمة كشف الشبهات، وقد ذكرنا فيما مضى في بيان كلام المصنف رحمه الله أن مشركي العرب كانوا يتعبدون بأنواع من العبادات، كانوا يتصدقون في أنواع من الصدقات العظيمة في الحج وفي غيره، وكانوا أيضا يغتسلون من الجنابة، وكانت المرأة أيضا تتطهر من الحيض، وكانوا يصلون بعض الصلوات على طريقة ما، وكانوا يدعون الله جل وعلا في الضراء وأحيانا في السراء، وكان لهم أنواع من العبادات، ولم يكونوا غير متعبدين أصلا بل كان لهم عبادة وتقرب على الله جل وعلا، ولكنهم أشركوا بالله جل وعلا وعبدوا مع الله جل وعلا غيره؛ اتخذوا آلهة من دون الله جل وعلا أو معه، فتوجهوا إليهم ببعض أنواع العبادة، فاتخذوا اللاتّ وهو رجل صالح كان يلتّ السويق فمات وهو يوزعه على الحاج، فرأوا من صلاحه، فمات فعكفوا على قبره، أو أنها صخرة كان يتعبد عندها ذلك الرجل، فرأوا أن ذلك المكان مبارك فتعبدوا عندها وعظموها وتبركوا بها، وكذلك العزى ومناة وكذلك الأصنام الأخر والأوثان ودّ وسواع ويغوث وبعوق ونسر إلى آخر ما يتصل بعبادات المشركين وتوجهاتهم إلى الآلهة المختلفة.قرر الشيخ رحمه الله فيما سبق أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وأنّ أول الرسل هو نوح عليه الصلاة والسلام وأن آخر الرسل هو محمد ، وهؤلاء مع بقية الرسل جاءوا بالتوحيد يأمرون الناس بعبادة الله وحده ويبطلون التعلق بالعبادة بغير الله جل وعلا. بعدما ذكر ذلك ذكر حقيقة شرك المشركين، فقال (ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون نريد منهم التقرب إلى الله ونريد شفاعتهم عنده) وهذا سبق بيان صفاته وأن شرك المشركين كان على نوعين: • إما شرك بأرواح الكواكب على حد زعمهم. • وإما شرك بالأصنام التي تحل فيها أرواح الصالحين بحسب زعمهم، أو الأوثان كالقبور ونحوها بحسب زعمهم أنها تتصل أرواحهم بأرواح الموتى فينفعون أو يضرون. مثل للمعبودين بقوله (مثل الملائكة، وعيسى، ومريم): أما الملائكة: فإن طائفة من العرب وغير العرب كانت تعتقد في الملائكة أنها بنات الله جل جلاله سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا، ويقولون إن أرواح الملائكة منتشرة فإذا طلب من الملائكة أجابت، والملائكة عندهم لم يكن لها أوثان وأصنام كما جعلوا للكواكب، أو كما جعلوا للموتى أو للصالحين، وإنما أرواح الملائكة عندهم منتشرة، والاتصال بهذه الأرواح يكون بندائها وبعبادتها إذا احتاجت، فتجيبهم الجن إذا نادوا الملائكة، وتغيثهم الجن فيما أقدرهم الله عليه وظنوا أن ذلك من جهة الملائكة، قال جل جلاله ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ(40)قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾[سبإ:40-41]، فكانت حقيقة عبادة الملائكة هي عبادة الجن؛ لأنهم ظنوا ذلك ظنا، قال جل وعلا ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾[الصافات:158]، وفي قوله هنا (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا) وجهان من التأويل: • إما أن يكون الجنة هنا الملائكة، والنسب كون الملائكة بنات الله جل جلاله، وسميت الملائكة جِنَّة لما في صفتهم من الإجتنان وهو الاستتار.• والوجه الثاني أن يكون الجنة هنا هم الجن كما قال ﴿مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾( ) يعني الجن، والجن يقال لهم جِنّة لأنهم مستترون، فيكون حقيقة قول المشركين أنهم جعلوا بين الله جل جلاله وبين الجن نسبا لأنهم جعلوا بين الله وبين الملائكة نسبا. وفي الحقيقة إنما أوقعهم في ذلك الجن، كما قال جل وعلا ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾[سبإ:41]، فدل ذلك على أن عبادة الملائكة كانت موجودة وأن اعتقادهم في الملائكة لأجل أن الملائكة أرواح ظاهرة فاستغاثوا بها وطلبوا منها فأغاثتهم الجن فعظم تعلقهم بالملائكة وعظم تصحيح اعتقادهم في الملائكة أنها بنات الله جل جلاله.المقصود من ذلك أن تعلمَ أن سبب الشرك؛ شرك المشركين بالملائكة هو التعلق بالأرواح الطاهرة، الملائكة أرواح طاهرة بالاتفاق، وذلك عند الأمم جميعا، فجعلوا تلك الأرواح الطاهرة وسيلتهم إلى الله جل جلاله والله جل وعلا بين أن حقيقة عبادة الملائكة إنما هي عبادة للجن لأنهم لما تعلقوا بالملائكة واستغاثوا بها ليست للملائكة في الحقيقة وإنما هي للجن؛ لأن الجن هي التي أضلتهم بذلك كما ذكر في سورة سبإ في الآية التي ذكرتها لكم قوله جل وعلا ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ(40)قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾[سبإ:40-41], يعني ننزهك عن جميع ما لا يليق بجلالك وعظمتك، ننزهك عن أن نعبد معك ونعظمك جل وعلا بما أنت أهله ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾[سبإ:41] تبرؤوا من أولئك ثم قالت الملائكة ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾[سبإ:41] (بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ) هذه هي الحقيقة، وإذا نظرت في حال الذين تعلقوا بالصالحين أو تعلقوا بالموتى، فإنهم لهم شبه من جنس شبه المشركين في عبادتهم للملائكة وعبادتهم للاتّ أو لودّ وسواع إلى آخر أوثانهم، وذلك أنهم يخاطبون ذلك الميت فإذا خاطبوه ظهر لهم إما في سورة أو سمعوا صوته الذي يعلمونه، فإذا سمعوا صوته ظنوا أن هذا هو غوث ذلك الآدمي، أو ظنوا أن المخاطِب لهم الملائكة، أو المجيب لهم الملائكة، فعظم تعلقهم بتلك الأرواح، وفي الحقيقة إنما كان ذلك من جهة الجن؛ لأنّ شياطين الجن تعهد أبوهم إبليس بأن يُضِلَّ ذرية آدم إلا القليل، قال جل وعلا مخبرا عن قول إبليس ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ﴾[الإسراء:62]، وقال جل وعلا ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ﴾( ) فاستثنى أهل الإخلاص الذين خَلَصوا من الشرك، فأخلصوا عملهم لله جل وعلا. فإذن حقيقة الشرك متماثلة، ليس ثَم فرق بين الشرك في الملائكة والشرك بالأموات والشرك بروحانية الكواكب، الحقيقة واحدة وهي أنه تعلقٌ من بني آدم بأرواح غائبة، وهذه الأرواح الغائبة عظُمت الشبهة بها لمَّا كلمتهم، والشياطين؛ الجن لهم القدرة على التكليم، وعلى أن يتشبهوا بصورة ابن آدم، كما جاء إبليس للمشركين في سورة رجل نجدي، ويسمع الآدمي صوتا يظنه صوت آدمي وهو صوت جني؛ يقلد صوت الآدمي، ومعلوم أنّ مثل هذه الغائبات إذا تعلق بها المرء وقع في إضلال نفسه؛ لأنه تعلّق بشيء ما يدري ما حقيقته، والمعلوم المتقرر عند أهل الشرائع جميعا وعند أهل العقول الصالحة؛ العقول السليمة أنّ الميت لا تخاطب روحه روح الآدمي، حتى في هذا العصر فيما يسمونه تحضير الأرواح في أرواح الموتى ونحو ذلك هذا إنما من جهة شياطين الجن يخدمون ذلك الساحر المحضر للأرواح، فإذا خدموه بعد خدمته لهم وتعبده لهم، فإنهم يتشكلون له بالصورة التي يريد ويسمعونه الصوت الذي يريد، ومعلوم أن أعمار الجن أطول من أعمار الإنس كثيرا بل الموت فيهم بالنسبة لابن آدم قليل، لهذا قال جماعة من الجن لأحد العرب وسمع صوتهم قالوا له:لقد فُضِّلْتُم بالأكل فينا ولكن ذاك يعقبكم سقامايعني أن حقيقة الآدمي غير حقيقة الجني، الجني خُلق من نار وابن آدم خلق مما وصف لكم، فالجني له مقدرة، فالتعلق بالملائكة، التعلق بالصالحين، التعلق بالموتى، كان بعد أشياء سمعوها، كان بعد أشياء أجيبت لهم، فاستغاثوا بالميت فأغاثهم، استغاثوا بالملائكة فأغاثتهم فيما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا، وكان في الحقيقة أن الذي أعطاهم الجن، وأن الذي يسّر لهم ذلك أو أغاثهم إنما هم الجن، وذلك ليوقعوا الشرك والبلاء العظيم فيهم بعد إذن الله جل جلاله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في أكثر من موضع في كتبه: إن الشياطين شياطين الجن تتشكل بصورة الآدمي، يقول حتى إنها تتشكل بصور الأحياء والأموات، ومرة وقع بعض أصحابي في شدة؛ طائفة من تلامذة ابن تيمية يقول وقعوا في شدة فكانوا بعيدين عني، قال فظهرت لهم فيما قالوا فاستغاثوا بي، فلما أتوني وأخبروني الخبر قالوا استغثنا بك فأغثتنا فقال إني لم أبرح مكاني، ذاك شيطان تمثل في صورتي. وهذا يحصل أيضا عند كثيرين حيث يزعمون أن فلانا رئي في دمشق، أو رئي في مصر، أو رئي في بغداد، أو رئي في المدينة وفي الوقت نفسه رئي حاجا في مكة ورئي معتمرا، ومن المعلوم القطعي عند أهل العقول الصحيحة أنّ الجسم الواحد لا يكون في مكانين متباعدين في الزمن نفسه، ومن قال إنه رآهم هنا ورآهم هنا فهو صادق؛ رآهم في المدينة ورآهم في مكة في الوقت نفسه، يقول رأيناه حاجا، وهل البلد الفلاني يقولون يوم عرفة رأيناه عندنا، فيكون هؤلاء صادقون وهؤلاء صادقون ولكن جاء الاشتباه من جهة تمثل الجني بالإنسي، فمن أخبر بالرؤية فهو صادق، ولكن لا يمكن أن يكون ابن آدم في مكانين متباعدين في وقت واحد، ولكن الجني تمثل بصورته ليضل الناس. إذن فهذا الباب باب الشرك يدخل منه شياطين الجن الذين قال إمامهم ومقدَّمهم لله جل وعلا ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾[الإسراء:62]، فالجن أعني شياطين الجن مهمتهم أن يقع بهم الابتلاء في هذا الأمر، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي  قال«قال الله تعالى إني خلقت عبادي حنفاء فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم».قال بعدها (وعيسى ومريم) يعني مثل عيسى ومريم، عيسى عليه السلام ومريم أمه وقع بهما الشرك واتخذ إلهين مع الله جل وعلا قال سبحانه وتعالى في سورة المائدة ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(116)مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[المائدة:116-118]، وهذا تبرُّؤ من عيسى عليه السلام وإثبات من الله جل وعلا أنه عبد واتخذ إلها مع الله جل وعلا، فطائفة من الأنبياء والمرسلين ضل أتباعهم فاتخذوهم آلهة من جهة الغلو والإطراء، قال عليه الصلاة والسلام «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» قال عيسى عليه السلام لاتباعه ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾[المائدة:72]، فالأنبياء والرسل تحذر من هذا الشرك وتنهى عنه بل رسالاتهم في هذا الأمر العظيم، وإخلاص القلب لله وتوجهه لله وحده هو زبدة الرسالات الإلهية وهو مدار بعثة الأنبياء والمرسلين، فعيسى ومريم أتخذا إلهين من دون الله جل وعلا، فكيف أُتخذ عيسى إلها؟ الألوهية غير الربوبية أتخذ معبودا بأن يستغاث به بأن يطلب منه بأن يسأل بأن يدعا، والله جل وعلا كفر النصارى باتخاذهم عيسى إلها وجعلهم عيسى ابنا لله أو ثالث ثلاثة، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾[المائدة:73]، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾[المائدة:72]، وهذا كله لأجل أنهم اتخذوا المسيح وأمه إلهين، ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾[المائدة:75] فالآيات في القرآن في هذا الأمر كثيرة، الذي حصل في هذه الأمة أنهم ما نظروا في كيف صار عيسى عند أتباعه المنحرفين عن سبيله كيف صار إلها؟ اتخاذ عيسى إلها من جنس اتخاذ الأوثان آلهة، ومن جنس اتخاذ الصالحين هذه الأمة آلهة، فالذين اتخذوا عبد القادر الجيلاني إلها أو معبودا من جنس تلك الشبهة، الذين اتخذوا العيدروس إلها ومعبودا هو من جنس تلك العبادات، الذين اتخذوا البدوي أو الحسين أو زينب أو سكينة أو غير هؤلاء من جنس شرك أولئك؛ لأنه تعلقٌ بالأرواح واعتقاد أن هؤلاء لهم مقامات عظيمة عند الله جل وعلا، وحصل لهم ما يريدون في بعض استغاثاتهم من جهة الجن، فصارت الشبهة في الشرك في هذه الأمة من جنس الشبهة التي أحدثت حصول الشرك من جنس الشبهة عند المشركين فضل المتأخرون بما ضل به الأولون، والقرآن من أولهم إلى آخره في رد هذا وبيان ضلال المشركين وبعدهم عن ما يرضي الله جل جلاله وما يحبه سبحانه وتعالى.قال (وأناس غيرهم من الصالحين) عُبد صالحون كثير، وعبادة الصالحين من جهة أنّ أرواح الصالحين طاهرة لها المقام العظيم الله جل جلاله، وأنّ الله جل وعلا لا يرد لهم طلبا، يظنون أن مقام الصالح عند الله من جنس مقام المقرب عند الملوك، والملوك؛ ملوك الأرض إذا صار عندهم من هو مقرب ويحترمونه ولهم فيه مصلحة يكون إجابة لطلبه، إذا توسط وطلب أجابوا طلبه لأنهم يرهبونهم لأنهم يريدون أن يبقى على صلته بهم ولأن لهم فيه مصلحة، فاعتقاد المشركين في الصالحين من جنس هذا الاعتقاد، ظنّوا أن العباد مع الله جل وعلا من جنس الوزراء عند الملوك أو المقربين عند الملوك، فجعلوا هذا هو هذا، والله جل وعلا في سورة سبإ أبطل ذلك بقوله ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ(22)وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾[سبإ:22-23]، وقال جل وعلا في سورة الإسراء ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا(56)أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾[الإسراء:56-57]، فالصالحون عند الله جل وعلا يرجون الرحمة ويخافون العذاب، والله جل وعلا هو مالك الملك. فإذن الشبهة التي من أجلها أشرك من أشرك بالصالحين من جهة التعلق بالأرواح، والظن بأن هذه الأرواح مقربة فإذا كانت مقربة عند الله فإنها إذا سئلت فتسأل الله جل وعلا فيجيب الله طلبها ولا يرد طلبها ولهذا من الأدعية البدعية أن يقول القائل أسألك بحرمة نبيك أو بحرمة الولي الفلاني أو بجاه أهل بدر عندك أن تعطيني كذا وكذا، والله جل جلاله ليس لأحد عنده حق بحيث لا يرد ما سأل، حتى الأنبياء عليهم السلام ربما رُدّت أسئلتهم وردت دعواتهم في حياتهم، فالله جل وعلا رد دعاءً إبراهيم ردّ دعاء لإبراهيم وردّ دعاء لنوح إن ابني من أهلي وردّ أيضا دعاء للنبي عليه الصلاة والسلام «سألت ربي ثلاثا فأعطاني واحدة ومنعني اثنتين»ونحو ذلك، فدعواتهم في الحياة على رجاء الإجابة هم أعظم من تجاب لهم الدعوة لكن ليس لأحد المقام عند الله جل وعلا بحيث أنه إذا طلب فإنه لا يُرد سؤاله خلاف ما عليه كل [....] بالقبور والصالحين والأرواح المختلفة. قال (يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم) وهذا فيه أن مشركي العرب كانوا على أثر من الرسالة، وأنهم لم يكونوا بلا رسول قبل محمد  بل كانت رسالة إبراهيم عليه السلام فيهم، لهذا كان فيهم بقايا من دين إبراهيم كما ذكرنا من أمور الفطرة من الغسل من الجنابة وغسل المرأة من الحيض والصدقات وبعض الأدعية والصلوات ونحو ذلك، (فبعث الله محمدا  يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم) قول الشيخ رحمه الله (يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم ) أخذه من قوله جل وعلا ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(120)شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(121)وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ(122)ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾[النحل:120-123]، فالنبي عليه الصلاة والسلام يجدد للعرب دين أبيهم إبراهيم، والله جل وعلا قال ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾[يس:6]، وقوله جل وعلا (لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ)، (مَا أُنذِرَ) فيها وجهان من التفسير في هذه الآية: • إما أن تكون موصولة يعني لتنذر قوما الذي أنذر آباؤهم فهم غافلون عما أنذر آباؤهم. • والثانية (مَا) نافية (لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ) يعني لتنذر قوما لم ينذر آباؤهم، والمقصود يكون هنا بآبائهم الآباء القريبون المقصود الآباء القريبون؛ لأن أولئك غفلوا عن دين إبراهيم وملة إبراهيم إلا بقايا من العرب أفراد كانوا يسمون الحنفاء اتبعوا ملة إبراهيم في كثير منها. فإذن لفظ التنديد هنا لأجل ما ذكرت، وهذا يدل على أن مشركي العرب كانت لهم رسالة قبل محمد ، وذلك ظاهر بين والحجة عليهم قائمة به، ووجود الكعبة عندهم وبإقرارهم أنهم من نسل إبراهيم عليه السلام، ورسالة إسماعيل ورسالة إبراهيم عليهما السلام فيهم، والنبي عليه الصلاة والسلام جدد لهم دينهم.قال (فبعث الله محمد  يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم) دين إبراهيم هو التوحيد والقنوت لله جل جلاله قال سبحانه وتعالى في سورة الزخرف ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ(26)إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ(27)وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾[الزخرف:26-28] (عَقِبِهِ) من نسل إسحاق، و(عَقِبِهِ) أيضا من نسل إسماعيل وهم العرب، (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) يعني إلى هذه الكلمة فدين إبراهيم عليه السلام هو التوحيد والبراءة من الشرك والإخلاص العمل والدين لله جل جلاله، وهو الذي بعث الله به محمدا ، كما قال ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾[النحل:128]، وكما قال جل وعلا ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾[الأنعام:90] في سورة الأنعام.المقصود من ذلك أن العرب قامت عليهم الحجة، وبُيِّن لهم الأمر ببعثة إبراهيم عليه السلام، ومحمد  بعث مجددا لهم دين أبيهم إبراهيم، ولكن الشريعة مختلفة فإبراهيم عليه السلام جاء بدين الإسلام العام، ومحمد  ( ) جاء بدين الإسلام الخاص. قال (ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله، لا يصلح منه شيء[لغير الله] لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل فضلا عن غيرهما) يخبرهم محمد  أن هذا التقرب وهو التقرب إلى الأرواح، التقرب إلى الصالحين، التقرب إلى الأنبياء، التقرب إلى الملائكة، سؤال أولئك الشفاعة، هذا التقرب والاعتقاد فيها، قال (والاعتقاد) يعني والاعتقاد في تلك الأرواح أنها تنفع أو أنها تضر أو أنها تملك شيئا من الأمر، قال ذلك( محض حق الله)، محض حق الله يرجع إلى المسألتين:الأولى: التقرب. والثانية: الاعتقاد. لأن هناك من يعتقد ولا يتقرب، وهناك من يتقرب ويعتقد، فكل المسألتين محض حق الله جل جلاله، فنفهم من هذا أن من اعتقد الشرك ولم يفعله فإنه مشرك كالذي فعله؛ لأن الاعتقاد لا بد أن يكون -الاعتقاد بأن هذه الروح تنفع أو تضر أو أن أحدا يغيث فيما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا- هذا يجب أن يكون في الله جل وعلا لا يعتقد في أحد أنه يملك من الأمر شيئا، ولا أنه يملك الشفاعة كما قال جل وعلا ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾[الزمر:44]، الذي يشفع الشفاعة مِلك لله جل وعلا هو الذي يتكرم بها وهو الذي ينيلها من يرضى عنه جل وعلا.(لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل فضلا عن غيرهما) هذه رسالة محمد عليه الصلاة والسلام أنّ العبادة لله وحده، وأن التقرب إنما هو لله وحده لا استغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله إلا بالله، لا استغاثة بالأموات لا استغاثة بالأرواح لا استغاثة بالغائبين كذلك لا عبادة بأي نوع من أنواع العبادة إلا لله جل جلاله، فتتعلق القلوب بالله وحده، ويبطل أمر الجاهلية بالتعلق بغير الله جل جلاله.قال (وإلاّ فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي إلا هو، ولا يميت إلا هو ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السموات ومن فيهن والأراضين ومن فيها كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره) كما ذكرنا مرارا وتعلمون أنّ المشركين يقرون بالله جل وعلا بالربوبية؛ يعني أكثر أفراد الربوبية يثبتها المشركون لله جل جلاله، فإذا سألت المشرك من العرب من أهل الجاهلية أو من غيرهم من الذي يحيي؟ فسيقول الله، من الذي يميت؟ فسيقول الله، من الذي يدبر الأمر؟ فسيقول الله، من الذي يرسل الغيث؟ فسيقول الله، من الذي يجير ولا يجار عليه؟ فسيقول الله، من الذي يعافي من المرض؟ فسيقول الله، فإذن هذه الأفعال على جهة الحقيقة إنما هي لله جل وعلا، المشركون يعتقدون ذلك، ومع هذا الاعتقاد وكونهم يتصدقون ويدعون ويتقربون إلى بأنواع من القربات ويغتسلون من الجنابة تغتسل المرأة من الحيض ويصلون الأرحام ويتفاخرون بذلك، مع ذلك لم يكونوا مؤمنين ولا مسلمين لم؟ لأن هذا لم يبتلوا به إنما اُبتلوا بأن يكون الله جل جلاله هو المعبود وحده، وهم عبدوا مع الله غيره فمن عبد الله غيره لم تنفعه صلاته ولم ينفعه صيامه، وإن كان زائدا متعبدا ولم ينفعه إقراره لله بالربوبية، وقد قال جل وعلا عن أكرم الخلق محمد  ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ يا محمد ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾[الزمر:65] الله جل وعلا ليس بينه وبين عباده نسب، وليس بينه وبين عباده مجاملة، وليس بينه وبين عباده رعاية، وإنما هو جل جلاله القهار الجبار سبحانه الذي يستحق العبادة وحده، فلو أشرك أكرم الخلق عليه لحبط عمله ولكان من الخاسرين، فكيف بمن هو دونه ؟ كيف بمن هو دون محمد  ؟ لاشك أنهم لو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ولبطل ما كانوا يعملون، قال جل وعلا عن المشركين في سورة [الفرقان] ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾[الفرقان:23]، لهم أعمال ولهم طاعة ولهم أنواع خير، ولكن لما لم يوحدوا الله جل وعلا؛ لم يعبدوا الله وحده دونما سواه، لما توجهوا إلى تلك الأرواح، لما لم يجعلوا الأمر كله لله جل جلاله، فإنهم صاروا مشركين لم ينفعهم ذلك لم يعصم دماءهم ولا أموالهم، وإنما كانوا مشركين مكذّبين للرسل جميعا. وهذه في الحقيقة مسألة عظيمة وهذا الأمر، والله المستعان بالناس إلى أن كثيرين إذا سمعوا من يقول لا حول ولا قوة إلا بالله، أو سمعوا من يقول ما شاء الله، أو سمعوا من يقول الحمد لله سموه مؤمنا ولو كان على غير عمل أصلا، بل لو رأوه مجاهدا في سبيل الله كما يقولون، رأوه يقارع المشركين في الميدان، رأوه يقرع الكفار، رأوا عنده من الأعمال والصالحات أمرا عظيما، ونظروا في أمره بهذا الاعتبار عظموه تعظيما وجعلوه من الأئمة ومن المقتدى بهم، وقد يكون في حقيقة الأمر مشركا بالله جل وعلا، إما من جهة الاعتقاد يعتقد في أولئك الصالحين أو لا يكفر بالطاغوت، أو أنه يشرك في الحقيقة؛ يتوجه للموتى بأنواع القربات.المسألة هذه فيها غربة في هذا الزمن وفي كل زمن، وأصبحت مسألة التوحيد وأصبح هذا الأمر في هذا الزمن محل نظر عند الأكثرين، وصار الشرك إنما هو نفي وجود الخالق جل جلاله، من هو الكافر؟ عند طائفة هو الملحد الذي لا يؤمن بوجود الله/ وجعلت طائفة النصارى من المؤمنين، والصابئين من المؤمنين؛ لأنهم يعبدون الله على طريقتهم، وآخرون قالوا بتوحد الأديان السماوية، وآخرون يردون على من قال بتوحيد الأديان السماوية، ولكنهم إذا نظروا إلى شرك المشرك وتعلقه بالصالحين وما يحصل عند المشاهد والقبور من أنواع عبادة غير الله، أو ما يفعله الضالون من تحكيم القوانين واعتقاد أنها جائزة أن يحكم بها ولم يجعلوا ذلك من المخرج عن دين الإسلام وهذا من الغربة المتحققة في هذا الزمن والله المستعان.ولهذا يجب على طلاب العلم أن يكونوا متبصرين بهذا الأمر أعظم تبصر، وتبصرك فيه لا يعني الحكم على الأفراد، الحكم على المعيّنين، الحكم ذاك بحث فقهي يرجع فيه إلى أهله يحتاج إلى فتوى لكن اعتقادك بالتوحيد واعتقادك أن الشرك مردود مهما كان من جاء به، وإبطال منزلة المشرك مهما كان فهذا نبينا  يقول الله جل وعلا عنه ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾[الزمر:65]، واليوم تجد من يقول بحال بعض ما يضر شركهم، هؤلاء لا تتكلم في هذه الأمور، هؤلاء عندهم من المقامات العظيمة كذا وكذا وكذا، والله جل وعلا يقول عن نبيه ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾[الزمر:65]، وهؤلاء يقولون إن أولئك الذين لهم أعمال صالحة لما أشركوا لا يضرهم ذلك الشرك ولا عبادة غير الله جل جلاله ولا ما يعتقدون في غير الله جل جلاله، وهذا لا شك يحتاج منك إلى الاهتمام بهذا الأمر اهتماما عظيما. بعد ذلك ذكر الشيخ رحمه الله أدلة على ذلك؛ يعني على أن الله جل جلاله متوحد في الربوبية عند المشركين؛ يعني اعتقادهم في توحيد الربوبية، قال (فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء قاتلهم رسول الله  يشهدون بهذا فاقرأ قوله جل وعلا ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾[يونس:31]، وقوله ﴿ قُلْ لِمَنْ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(84)سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(85)قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(86)سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ(87)قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(88)سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ﴾[المؤمنون:84-89]، وغير ذلك من الآيات) هذه من الأدلة الظاهرة على أن الموحد لله في الربوبية لا ينفعه توحيده إلا إذا وحد الله في الإلهية توحيد الله بأفعاله لا ينفع، إلا لمن وحد الله جل وعلا بأفعال العبد، إذا وحدتَ الله بأفعالك نفعك توحيدك لله جل وعلا بأفعاله؛ يعني الموحد لله في الألوهية ينفعه توحيد الربوبية ويعظم؛ لأنّ توحيد الربوبية له آثار عظيمة وواجب من الواجبات لأنه أحد أنواع التوحيد، لكن من وحّد الله في الربوبية ولم يوحّده في العبادة فلا ينفعه ذلك، وإنْ كان يتكلم في ذلك بعلوم عجيبة وتفاصيل غريبة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وحتى يعتقد أنّ عبادة ما سواه باطلة، وحتى يؤمن بالله ويكفر بالجن والطاغوت بأنواع ذلك.نقف عند هذا، هذه مقدمة لما يأتي إنْ شاء اللهُ تعالى.[الأسئلة]1/ يقول عبادة الهوى من الشرك بالله، فكيف نجمع بين هذه العبارة وقولك أن الشرك راجع إلى أرواح الصالحين وأرواح الكواكب فقط؟الحقيقة بعض الأسئلة ما تكون دقيقة. عبادة الهوى من التأليه؛ من تأليه، يعني تؤله، ولكن ليس كل طاعة للهوى شرك أكبر أو شرك أصغر قد تكون طاعة الهوى معصية فقط، فإذا صارت طاعة الهوى في عبادة غير الله مع ظهور الحجة حجة التوحيد صارت هنا شركا أكبر، وذلك برجوعها إلى عبادة غير الله جل جلاله ﴿أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾[الفرقان:43]، تأليه الهوى، أنواع المعصية من طاعة الهوى ولكن لا تسمى شركا.2/ متى يكون إيقاف الدرس لأنه قرب وقت الاختبارات، ويقترح أن يكون هذا الدري آخر درس؟لا الدرس القادم لأني أظن أن الاختبارات تنتهي يوم (15) يعني بدايتها، الأسبوع القادم يكون عندنا إن شاء الله دروس.3/ ما هو الإسلام العام الذي ذكرت أن إبراهيم أتى به، وما الإسلام الخاص الذي أتى به محمد ؟الدين عند الله جل جلاله الإسلام كما قال سبحانه ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾[آل عمران:19]، والله جل وعلا لا يرضى إلا الإسلام ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾[آل عمران:85]، فآدم عليه السلام كان مسلما وجميع أرسل كانوا مسلمين وجاءوا بالإسلام العام، والإسلام العام معناه التوحيد والاستسلام لله جل وعلا بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله. وهذا هو الذي تشترك فيه جميع الرسل، والإسلام الخاص المقصود به ما شمل الاستسلام ذلك، ما شمل الإسلام الذي هم للتوحيد والعقيدة والشريعة أيضا التي جاء بها محمد . وهذا الكلام الإسلام العام والخاص تجده في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع كثيرة، وفي أوائل الفتاوى تجد ذلك ماثلا، يعني الإسلام الخاص هو العقيدة والشريعة التي جاء بها محمد عليه الصلاة والسلام، والإسلام العام هو الذي لا يرضى الله جل وعلا من أي أحد من الخلق حتى قبل محمد  إلا أن يكون مسلما ذلك الإسلام العام ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾[آل عمران:83].3/ من تقرّب إلى الله بدون اعتقاد، فما حكمه في الإسلام؟هو مجنون كيف يتقرب بدون ما يعتقد يعني يتحرك حركات وهو لا يعتقدها، ما الذي حركه؟ ما يمكن حركة تصدر من عاقل إلى بحركة قلب، إرادة القلب هي المحركة محبة القلب للشيء وإرادته هي المحركة، معلوم أنه لا يحصل أي عمل من الأعمال إلا بشيئين:• بإرادة متميزة خاصة بهذا العمل. • وقدرة تامة. إذا صار عنك لأي عمل تريده إرادة واضحة متميزة وعندك قدرة حصل العمل، وأما إذا تخلفت الإرادة وثَم قدرة لم يحصل العمل، حصل عندك قدرة وليس ثَم إرادة ما حصل العمل أصلا، فإذا حصل عمل ما من المكلف علم أنه أراده وكلن قادرا عليه فأحدثه. إذا عمل عملا وصار غير مؤاخذ به:• إما أن يكون من جهة أن إرادته لم تكن متمحضة؛ يعني إما أن يكون مجنون أو ساهي أو غافل أو نائم إلى آخره من عوارض الأهلية التي تكون، يعني لا يرفع معها الحكم التكليفي. • وإما أن يكون من جهة عدم إرادته للفعل، وأما القدرة فكانت من جهة الإكراه، والمكره أيضا معروف عنه الحكم التكليفي في أكثر المسائل.5/ الذين يحضّرون الأرواح هل هم كفار؟ وهل يختلفون عن السحرة؟تحضير الأرواح هذا باب واسع، يُزعم أنه يحضرون الأرواح في الشرق والغرب، وتحضير الأرواح يأتي واحد مثلا ويقول لك أريد أن أرى أبي وأسمعه وأسأله، فيُحضر له روح أبيه فينظر تارة إلى شكل أبيه شكل روح لا شكل جسم، وتارة يسمع صوت أبيه دون رؤية، يسمع صوت أبيه المعروف، وهذا يكون من جهة الشياطين، هو تحضير للأرواح، لكن لأرواح الشياطين التي تعلم ذلك من قديم.6/ هل الذي يخاف من الجن ومن أذيتهم يعتبر مشركا؟هذا فيه تفصيل، الخوف الطبيعي لا حرج للمرء فيه، لكن إذا خافهم خوف السر أنْ يصيبوه بشيء سرا بقدرتهم عليه وبقدرتهم على ذلك؛ أن يميتوه بدون أسباب بشيء سري كما يقدره عليه الله جل وعلا هذا هو الشرك، أما الخوف الطبيعي من أن يضروه فهو ليس بشرك؛ الخوف الطبيعي، لكن الخوف الطبيعي يكون له أسبابه الظاهرة، لكن هو يخاف هكذا من دون شيء، إنما خوف من أراح الجن بدون أسباب ظاهرة تدل على ذلك، هذا لا شك أنه قد يكون شركا أصغر، وقد يكون شركا أكبر بحسب الحال، والشرك الأكبر في الخوف هو خوف السر؛ يعني أن يخاف أن يصيبه ذاك سرا بما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا.7/ هل قصة صنفي إساف ونائلة صحيحة أم لا؟مذكورة في السير في كتب السير معروفة.7/ هذه مقولة لشيخ الإسلام نريد توجيهها؟لا بد أن يأتي بالكتاب الذي قرأ فيه هذه المقولة.8/ هناك من الصالحين من يكون في دياره في يوم عرفة ويُرى في عرفة في نفس الوقت، وإذا سئل عن ذلك يقول نعم ذهبت إلى مكة فكيف يكون أحدهم جِنِّي علما بأنه يثبت الذهاب إلى مكة؟هو إذا أثبت هل يُصدَّق، يحكى أن ثلاثة من هؤلاء الذين يزعمون أنهم يذهبون في وقت قصير مع خادم لهم غلام، فأحضر لهم طعاما فأكلوه كلَّه ولم يبقوا له شيئا، وبقيت الفاكهة، فقالوا بعدما شبعوا نترك الفاكهة إلى الصباح، وهذا الغلام ما دَعَوه ليأكل ولا أبقوا له شيئا، فلما كان بالليل جاء ذاك تناول الفاكهة كلها لأنه جائع، فلما أتى الصباح أتى الغلام لهؤلاء المشايخ من جنس هذا الذي يقول أنا ذهبت إلى مكة وهو في دياره، اجتمعوا فصار كل واحد يُظهر فضيلته. قال أحدهم أنا اليوم -هم كانوا أظن في الشام بحسب القصة موجودة في بعض الكتب- قال أحدهم: أنا صليت الفجر اليوم وصليت الفجر الليلة في مكة في مقابلة الكعبة. وقال آخر: أنا صليت اليوم في مسجد رسول الله . والآخر أراد أن يفضلهم فأبعد قال: أما أنا فصليت الفجر اليوم في مسجد كذا في المغرب. وهذا الغلام ينظر إليهم وهم يريدون أن يقنعوه بذاك أو بعضهم يقنع بعضا، فلما انتهوا من هذا، قالوا: يا غلام هات الفاكهة. فقال: الفاكهة سرقت البارحة. فقالوا: لِمَ لم تطلبنا؟ فقال: أحدكم في مكة، والثاني في المدينة، والثالث في كذا، ناديت، ناديت فما جاءني أحد. المقصود أن هؤلاء يُختبرون فإذا اختبروا بان صدقهم اختبارهم بالدنيا، تختبرهم بالدنيا، أما وجود جسم في مكانين في وقت واحد فهذا محال.9/ لماذا كانت عقوبة قوم نوح بسبب فعل الفاحشة؟لا قوم نوح عوقبوا بسبب الشرك بالله، أظنه يقصد قوم لوط لكن المكتوب قوم نوح.10/ هل إذا طلب إنسان الدعاء من إنسان آخر وذلك بنية أن الذي طلب منه الدعاء دعوته مجابة بخلاف الأول، هل ذلك من الشرك؟ طلب الدعاء من المخلوق جائز في أصله إذا كان ذلك المخلوق حيا يقدر على الدعاء، وجاء في السُّنن في حديث يحتج به أهل العلم وإنْ كان في إسناده ضعيف أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لعمر «لا تنسنا يا أخي من دعائك»، وثبت أيضا في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال عن أويس القرني «من استطاع منكم أن يدعو له فليفعل»، وهذا يدل على أنّ جنس الطلب طلب الدعاء من الحي جائز، والنبي عليه الصلاة والسلام طلب منه الصحابة الدعاء فدعا لهم. لكن هناك قول لشيخ الإسلام بن تيمية وهو أن طلب الدعاء؛ طلب الحي الدعاء من الحي تركه أولى، إلا في حال أن يكون من طلب من الآخر يأمل نفعه ونفع الداعي معه، يقول إذا كان الطالب يأمل نفع الداعي ونفع المدعو له جميعا جاز، لكن إذا كان يطلب نفعه وحده في اعتقاد في ذاك المسؤول، فإنّ هذا تركه أولى. وقول السائل هنا من دعوتهم مجابة هذه الكلمة دعوة فلان مجابة، أو فلان من مجابي الدعوة، المقصود منها الغالب ليس المقصود منها أنه لا يدعو بدعوة إلا أن يجاب، المقصود منها أكثر أموره؛ يعني إذا دعا أجيب في أكثر ما يدعو به، وإلاّ كما ذكرت لك فإن الأنبياء وهم من مجابي الدعوة؛ بل هم أفضل من مجابي الدعوة من أقوامهم رُدت بعض دعواتهم كما ذكرت، فإجابة الدعاء منوطة بأسباب شرعية وقدرية ولله جل وعلا الحكمة البالغة. قد روى ابن جرير رحمه الله في تهذيب الآثار وفي غيره أيضا أنّ حذيفة لما سئل من قبل بعضهم أن يدعو حذيفة لذاك فدعا له، ثم سئل مرة فنفض يديه وقال أنبياء نحن؟ إنكار بتكرر السؤال من هو دون الأنبياء، طلب الدعاء ممن هو دون الأنبياء هذا ظاهر. فالاعتقاد في فلان أنه مجاب الدعوة يسأل، أدعو لنا يا فلان، هذا قد يكون من أسباب الاعتقاد فيه بعد مماته فإذا سئل مرة مرتين ونحو ذلك، أما أن يجعل فلان يقال له دائما أدعو لنا يا فلان هذا غير طريقة السلف.11/ أليس الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم الإقرار بالألوهية، فلماذا لم يؤمن المشركون بتوحيد الألوهية؟نعم، توحيد الربوبية يلزم منه أن يوحد المرء في الإلهية، هذا لازم قطعي، لكن أولئك ما التزموه، ولذلك في القرآن جعل جل وعلا من البراهين الدالة على توحيد الألوهية إقرار المشركين بتوحيد الربوبية: كما جاء في الآية -آية يونس التي ذكرنا- قال جل وعلا ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾إلى قوله ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ﴾ يعني مرتِّبا على قولهم على تلك الإجابة ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾[يونس:31]، يعني الشرك. وقال جل وعلا في سورة الزمر ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾[الزمر:38]. وفي سورة النمل قال جل وعلا ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ(60) أَإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾[النمل:60-61] إلى أن قال ﴿أَإِلََهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾[النمل:64]. فدليل وجوب توحيد الله جل وعلا في العبادة أنه جل وعلا هو الواحد في الربوبية وأنه لا رب معه ولا رب سواه سبحانه وتعالى، فمن أيقن بذلك على الحقيقة فإنه يقوده إلى توحيد العبادة، لكن ما قاد أكثر العرب وإنما قاد ذاك من آمن بالنبي ، والأكثرون أعرضوا عن تلك الحجة. توحيد الإلهية متضمن بتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية لمن نظر فيه وعقل مستلزم لتوحيد الإلهية، تنظر إلى السموات من خلقها، تنظر إلى الأرض من خلقها، إلى نفسك من خلقك، إلى من حولك كذا، فليس ثم جواب إلا الله جل وعلا، دليل حتمي ضروري، لا يستطيع عاقل أن يخرج منه فهو متجرد من الهوى لا يستطيع أن يخرج منه دليل حتمي على أن الله جل وعلا هو الرب سبحانه وتعالى. إذا كان كذلك، وأن الخلق لم يخلقوا شيئا وإنما هو جل وعلا الخالق وحده وهو الذي يملك الأمر وحده فيجب أن تتعلق القلوب به جل وعلا وحده دونما سواه، وأنْ يكون الحكم إليه جل وعلا دون ما سواه في العقيدة وفي الشريعة.نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.[المتن]فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء قاتلهم رسول الله  يشهدون بهذا فاقرأ قوله جل وعلا ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾[يونس:31]، وقوله ﴿قُلْ لِمَنْ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(84)سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(85)قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(86)سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ(87)قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(88)سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ﴾[المؤمنون:84-89]، وغير ذلك من الآيات.فإذا تحققت أنهم مقرُّون بهذا وأنه لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ، وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة هو الذي يسميه المشركون في زماننا (الاعتقاد) كما كانوا يدعون الله سبحانه ليلا ونهارا.[الشرح]بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حق الحمد وأوفاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، أما بعد:فأسأل الله جل وعلا لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح والقلب الخاشع، وأن يستعملنا فيما يحب ويرضى، وأن يقينا فتنة الدنيا وفتنة الممات، اللهم ثبتنا على دينك حتى نلقاك.هذا الكلام صلة لما سبق، وقول الإمام رحمه الله تعالى في أوائل هذه الرسالة العظيمة كشف الشبهات، قوله (فإذا تحققت أنهم مقرُّون بهذا) إشارة إلى إقرارهم بما جاء في الآيات السابقة وهو الإقرار بتوحيد الربوبية، وقد ذكرتُ لك أنّ إقرار المشركين بالربوبية يختلفون فيه: • فمنهم من يقر بأفراد منه كثيرة. • ومنهم من يقر بأكثره. • ومنهم من يقر بأنواع الربوبية لله جل وعلا، وأنه واحد في ذلك. فإقرار المشركين بتوحيد الربوبية مختلف ليسوا جميعا فيه على مرتبة واحدة، لكن يجمعهم أن جميع من أرسل إليهم الله جل وعلا إليهم الرسل، لم يكونوا منكرين لوجود الصانعـذ، لم يكونوا منكرين لوجود الرب الخالق الرزاق الذي يدبر هذا الملكوت ويجري الأفلاك ويجري ما به صلاح العباد، لم يكن أحد ينكر هذا، إلا طائفة كما قال الشهرستاني في بعض كتبه قال: إلا طائفة لا يصح أن تنسب إليهم مقالة. لأنهم كانوا أفرادا متفرقين، كلّ من بعثت غليهم الرسل كانوا يقرون بأن الله جل وعلا هو الذي خلق هذا الخلق، وهو الذي خلق الأفلاك والسماء، وهو الذي خلق الأرض، وهو الذي أجرى المياه، وهو الذي خلق الإنسان والحيوان، وهو الذي قسم الأرزاق، وهو الذي من توكل عليه لم يَخِبْ، وهو الذي يجير ولا يجار عليه، وهو الذي إذا فتح رحمة فلا ممسك لها، وهو الذي جل وعلا بيده ملكوت كل شيء يدبر الأمر، يحيي ويميت، ويمرض ويصح، ويفقر ويُغني، كما شاء جل وعلا، هذا الإقرار لا يُدخل المرء في دين الله لا يدخل المرء في التوحيد، ولهذا عظمت الشبهة بهذه المسألة في كل زمان، وتحقيق هذه الشبهة التي أراد الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أراد كشفها هي شبهة من يقول: كيف يُحكم بالشرك على من يقر بوجود الله وأنه هو الذي يتصرف في الملكوت، ويقول ما شاء الله، ويقول لا حول ولا قوة إلا بالله وربما دعا وصلى وتصدق إلى غير ذلك مما ذكرنا سابقا من أنواع العبادات؟ فما الذي جعل أولئك كفارا؟ ما الذي جعلهم مشركين؟ ما الذي جعلهم يشركون؟ ما الذي جعلهم ليسوا بأتباعا لمحمد ؟ لا بد من تحقيق ذلك، إذا تحققت أنهم مقرون بأفراد الربوبية وأنهم يعظمون الله جل وعلا في بعض ما يستحق سبحانه وتعالى تقرَّر ذلك في قلبه وعرفته معرفة يقين، فلا بد أن تعلم أن ذلك الإقرار لم يدخلهم في توحيد الله جل وعلا، ولهذا قال هنا (فإذا تحققت أنهم مقرون بهذا -يعني بما سبق إيضاحه وأنه يعني ذلك الإقرار- لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ) لا بد أن تبحث وأن تعلم ما الذي جحدوه؟ ما الذي به صاروا مشركين؟ وإذا تأملت حالهم وجدت أنهم صاروا مشركين بعبادة غير الله جل وعلا. فإذن صارت الأفعال قسمين:• القسم الأول: أفعال الرب جل وعلا.• والقسم الثاني: أفعال العباد.أفعال الرب: توحيده بها لا يكفي؛ لأنّ المشركين كانوا موحّدين لله جل وعلا بأفعاله؛ يعني كل فعل لله يعلمون أنه ليس له شريك فيه على الكمال والحقيقة.والقسم الثاني من الأفعال أفعال العباد: هي التي من جهتها صاروا مشركين فالواجب في التوحيد الذي دعت إليه الرسل أن يوحَّد الله جل جلاله بالنوعين من الأفعال أفعاله سبحانه وأفعال العباد أيضا، وإنما صار ابتلاء الناس بالرسل من جهة توحيد العباد ربهم جل وعلا بأفعالهم وليس بأفعاله سبحانه وتعالى. لابد أن نعلم ما التوحيد الذي جحدوه علمنا التوحيد الذي أقروا به وهو توحيد الربوبية، لكن ما التوحيد الذي جحدوه؟ قال الإمام رحمه الله هنا (وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة) توحيد العبادة هو الذي جحده المشركون لم؟ لأنه قال لهم عليه الصلاة والسلام قولوا لا إله إلا الله فقالوا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾[ص:5]، ومن المتقرر المعروف أن معنى الإله في لغة العرب المعبود؛ لأن كلمة إله مشتقة من أله يأله إلهة وألوهة، وهذا بمعنى العبادة، فالإله هو المعبود، وقول لا إله إلا الله يعني لا معبود حق إلا الله، ويدل على تفسير العبادة بذلك قول الله جل وعلا ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ(1)أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾[هود:1-2]، هذه وصية الله جل وعلا لجميع المرسلين ولجميع الناس، (لا تعبدوا إلا الله) مساوية لـ(لا إله إلا الله)، فصار بالمطابقة الإله هو المعبود، والإلهة هي العبادة، لا إله إلا الله يعني لا معبود إلا الله، يعني لا تعبدوا إلا الله المشركون يفهمون اللغة ويفهمون معاني الكلام في زمن النبوة، فلما قال لهم قولوا لا إله إلا الله؛ دعاهم إلى لا إله إلا الله علموا أن المعنى أن يدعوا جميع الآلهة وأن لا يتوجهوا بنوع من أفعالهم إلى شيء من تلك الآلهة، فقال الله جل وعلا عنهم في سورة الصافات ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ(35)وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾[الصافات:35-36]، يعني النبي ، وقال جل وعلا عنهم أيضا في سورة ص ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾[ص:5]. أما الأرباب بمعنى الربوبية الخلق والرزق والإحياء والإماتة فهم لم يجعلوا لهم أربابا مختلفين، لكن الرب بمعنى المربوب بالتلازم هذا يكون بالمعنى الأول يعني المعبود كما ذكرنا في نحو قوله ﴿ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ﴾[يوسف:39]، وفي نحو قوله﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾[التوبة:31]. إذن المشركون صاروا مشركين بعبادتهم غير الله جل وعلا، وذكرنا لك فيما مضى أن تلك العبادة لغير الله كانت من جهة الاعتقاد في الأرواح الطيبة؛ الأرواح الخيّرة، اعتقدوا في الملائكة لأن الملائكة أرواح خيّرة، اعتقدوا في الأنبياء لأن الأنبياء أرواح طاهرة، اعتقدوا في الصالحين لهم أرواح طيبة، فمن جهة خيرية الأرواح وزكاء الأرواح وطهرتها وقربها من الله جل وعلا اعتقدوا في تلك الآلهة، فصار سبب شرك المشركين؛ صار سبب شرك المشركين الاعتقاد في الأرواح، –خلُّوكم معي- صار شرك المشركين الاعتقاد في الأرواح، هذه الحقيقة هي حقيقة الشرك بالله جل وعلا في جميع رسالات الرسل جاءت لدحض هذه المسألة؛ وهي بيان أنّ من جعل للأرواح تأثيرا، من جعل أن للأرواح خواص ليست بشرية( ) وإنما خواص من جهة خواص الآلهة فهذا هو الشرك بعينه فنوح عليه السلام [أُرسل] إلى قوم يعتقدون في أرواح الصالحين وقالوا ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾[نوح:23] قال ابن عباس: أسماء رجال صالحين. الملائكة اعتقدوا فيها لطهرة أرواحها، اعتقد المشركون في الصالحين وفي بعض الرسل والأنبياء لأجل طهرة أرواحها. إذا تقرر هذا وصار عندك حقيقة واضحة؛ لأنّ أعظم مسألة أنْ تعلم لما صار المشركون مشركين في دعوة كل نبي وكل رسول، علمت حقيقة الشرك ما هو، فإذا علمت حقيقة الشرك، فأي شيء سمي به ذلك الشرك فلا يغير الحقيقة؛ لأن الأشياء تعرف بحقائقها وبمعانيها لا بألفاظها، المشركون في الزمن المتأخر في القرون الماضية غيّروا الأسماء فسموا الشرك في العبادة الاعتقاد، كما ذكر الشيخ هنا قال ( الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد) يعني توحيد العبادة (يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد) يعتقد في الولي، هذه كلمة تسمعها إلى الآن بكثير من الأمصار يقول هذا له روح فيها سر، والروح يسمونها السر أيضا، فيعدلون مثلا عن قدس الله روحه إلى قدس الله سره، ما الفرق بين الروح والسر؟ السر عندهم هو الروح التي يُعتقد فيها فتغيث، فصار لها سر من الأسرار. تسمية الشرك بالاعتقاد، تسمية الشرك بالتوسل، تسمية الاستغاثة بالتوسل، وتغيير حقائق الأسماء وحقائق الألفاظ، هذا لا يعني تغير حقائق الأشياء وحقائق المعاني؛ لأن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ، فالخمر لو سميت بغير اسمها لو سميت شرابا روحيا بقيت خمرا محرمة، ولو سميت بأحسن الأسماء وبأقرب الأسماء للنفوس، لو سمي الربا بتسمية جائزة يعني بتسمية لائقة سمي فائدة أو سمي مكسبا أو سمي مضاربة وحقيقته هي حقيقة الربا يبقى الربا، فالعبرة في الشرع بالمعنى وليست العبرة بالألفاظ، قد جاء في الحديث أن قوما يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها. الألفاظ لا تغير الحقائق فلما كان المشركون في زمن الإمام المصلح الشيخ محمد رحمه الله غيروا الأسماء إلتبس هذا على كثير من أهل العلم كيف يكون هذا هو الشرك الذي به صار أهل الجاهلية مشركين، لأجل تغير الأسماء، إذا قلت إنهم يستغيثون بغير الله قالوا هذا توسل والتوسل بالصالحين جائز، كما هو مذكور في كتب الفقه، ذاك التوسل شيء وهذه الاستغاثة التي أسميتوها توسلا اشتباها هذه حقيقتها شيء آخر، إذا قلت إن الذبح لغير الله شرك الأكبر من جنس تقرب المشركين لأولئك بالقرابين لتلك الأصنام والأوثان بالقرابين قالوا ليس هذا ذبحا للميت وإنما هو تقرب لله لكن باسم الميت حتى يشفع الميت عند الله وإلا فإن المقصود هو الله جل جلاله، فغيروا الأسماء وبقيت حقيقة الاعتقاد. ولهذا الشيخ سماه هنا (الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد) والاعتقاد هو تعلّق القلب بمن تقرب إليه ذلك المتقرب، فإذا تعلق قلب المسلم بالميت –تعلق به من جهة كشف ضرٍّ أو من جهة جلب نفع أو بالتوجه إليه بأي نوع من أنواع العبادة- صار ذلك شركا منه مخرجا له من الملة ولو كان مصليا صائما. فإذن حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك لا بد أن تتضح كمقدمة لكشف الشبهات، بما صار المشركون مشركين؟ من جهة الاعتقاد في الأرواح، بما صار الموحدون وأتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام صاروا موحدين ومسلمين؟ من جهة تعلقهم واعتقادهم بالله وحده دونما سواه ونبذ التعلق بالمخلوقين وبالأموات والأوثان والأصنام الذي حقيقته التعلق بالأرواح. ذكرتُ لك أن المشرك ليس عادما العقل حيث إنه يتعلق بحجر لا معنى له، أو يتعلق بشجر لا معنى له، أو يتعلق بخشب لا معنى له، وإنما يتعلق بهذه الأشياء لما لها من الخاصية، من جهة حلول الأرواح فيها إما أرواح الصالحين أو أرواح الكواكب أو أرواح الملائكة باعتقادات مختلفة، صاروا مشركين لأجل اعتقادهم، سواءً أكان ذلك الاعتقاد في نفسه موافقا لحقيقة الأمر أم لم يكن موافقا. مثال ذلك ما يحصل الآن عند قبر الحسين في مصر، من المعلوم عند المؤرخين أن رأس الحسين لم يحمل إلى مصر، وإنما حمل رأسه إلى الشام، ومصر لم يصلها رأس الحسين فجعل هناك قبر ومدفن فمن تعلق بذلك القبر تعلق بالحسين، وإن كان المدفون ليس بالحسين أصلا، فصار مشركا ولو لم يوافق اعتقاده الحقيقة؛ لأنه تعلق قلبه بغير الله جل وعلا في هذه البقعة. فإذن مدار الشرك والاعتقاد في المخلوق أن له بعض خصائص الإله؛ له أن يشفع عند الله جل وعلا بدون إذنه ورضاه، يجعلون له خاصية أنّ الله جل وعلا لا يردّ له طلبا، ويجعلون له خاصية أنه يسمع ما يُتكلم به وأنه يغيث من استغاث به وأن أكثر الناس تقربا إليه هو يكون أقرب الناس من غيره، فيشفع له ويعطيه طلبته وحاجته. إذن من المهمات في هذا الباب قبل الدخول في الكتاب ما قدم به الشيخ هذه الرسالة هذه المقدمات المهمة أن تعلم أولا حقيقة شرك المشركين، تعلم حقيقة عبادة أولئك، وأنهم كانوا يتعبدون، لم يكونوا خالين من التعبد كما ذكر بأول الكتاب؛ أنهم كانوا يصلون ويتصدقون ويحجون و[يتفاخرون] بالمعروف، ولكن صاروا لم يكونوا موحدين وصاروا مشركين من جهة أنهم اعتقدوا بغير الله جل جلاله وأنهم تقربوا إلى تلك الآلهة بأنواع القرابين والعبادات، واعتقادهم في الآلهة كان من جهة الاعتقاد في الأرواح، الاعتقاد في أسماء تلك الآلهة وتمثيل تلك الأسماء بأرواح طاهرة لها عند الله جل وعلا المقام الأعظم.فإذا كان كذلك فمن أشرك بالله جل وعلا بأي نوع من أواع الشرك الأكبر فإنه حابطٌ عمله ولو كان مصليا صائما؛ لأنه كما قال جل وعلا ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾[الزمر:65] وهو النبي عليه الصلاة والسلام فكيف بمن دونه.قال الشيخ رحمه الله بعد ذلك (عرفت أن التوحيد الذي جحدوه) يعني جحده المشركون (هو توحيد العبادة) يعني أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يتوجه إلا إلى الله، أن لا يدعا إلا الله وأن لا يستغاث إلا بالله جل وعلا بما لا يقدر عليه إلا الله وسائر أنواع العبادة، قال (هو الذي يسمه المشركون في زماننا الاعتقاد كما كانوا يدعون الله سبحانه ليلا ونهارا) فهل المشركون لم يكونوا يدعون الله؟ كانوا يدعون الله وكانوا يتقربون لله، ومع ذلك هم مشركون، لم؟ لأنه أشركوا؛ دعوا الله ودعوا معه غيره، ذبحوا لله وذبحوا مع ذلك لغيره، نذروا لله ونذروا مع ذلك لغيره، استغاثوا بالله ومع ذلك استغاثوا بالأرواح الملائكة بالجن بالصالحين الأنبياء إلى غير ذلك، فصارت هنالك شركة؛ جعلوا لله عبادات وجعلوا أيضا تلك الأرواح شيئا من أنواع العبادة.قال رحمه الله بعد ذلك (ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الملائكة ليشفعوا له) من المشركين من يدعو الملائكة كما قال جل وعلا في سورة سبأ ﴿وَيَوْمَ نحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾[سبإ:40]، لأنهم عبدوهم، فهل كانوا يعبدون الملائكة في الحقيقة؟ أجابت الملائكة بما أخبر الله جل وعلا به في قوله قالوا يعني الملائكة ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾[سبإ:41] يعني تنزيها لك عن أن يكون معك معبود بحق، تنزيها لك أن نستحق العبادة تنزيها لك عن ذلك الظلم الذي وقع من الناس بإشراكهم من الملائكة مع الله في الدعاء وفي العبادة، ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾[سبإ:41]، فحقيقة أولئك في اعتقادهم أنهم سألوا الملائكة، في اعتقادهم أنهم توسلوا بالملائكة، في اعتقادهم أنهم استغاثوا بالملائكة، لكن حقيقة الأمر أنهم استغاثوا بالجن؛ أنهم عبدوا الجن؛ لأن الجن تأتي وتتكلم عند ذلك الوثن، تتكلم عند القبر، تتكلم عند الصنم، فيظنون أن الذي كلّمهم الملك، يظنون أن الذي خاطبهم وخاطبوه وأجابهم وسألوه إنما هم الملائكة، وفي الحقيقة إنما هم شياطين الجن؛ لأن الجن مهمتهم أن يغووا الإنس لأنّ إبليس قال لربنا جل وعلا ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾[الإسراء:62]، وقال جل وعلا عنه في آية أخرى ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ﴾( ) فدلّ على أن الذين استثنى الله جل وعلا من أن يقعوا في حبائل إبليس إنما هم عباد الله المخلَصون، وهم الذين أخلصوا لله جل وعلا دينهم فخلصوا لله سبحانه وتعالى وأخلصهم الله جل وعلا من الشركة في العبادة والتوجه. قال (منهم من يدعوا الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله) هذه مقدمات مهمة يعني لم عبدوا الملائكة؟ هل رأى الناس الملائكة؟ ما رأوا الملائكة، هل اعتقدوا في الملائكة اعتقاد وهم لا يعرفون الملائكة؟ لا، وإنما اعتقدوا في الملائكة لأنهم يعلمون أنّ الملائكة: • أولا: الأرواح طاهرة صالحة لا يعصون الله ما أمرهم، وأنهم لم يعصوا الله جل وعلا ما أمرهم ولم يرتكبوا خطيئة.• والثاني: أنهم مقربون عند الله جل وعلا. فإذن شرك المشركين بالملائكة كان من جهة شبهتين: الشبهة الأولى: أنهم أرواح طاهرة صالحة لم تعصِ، ولذلك كانت أرفع من البشر، أرفع من المخطئين من العصاة، فإذا أراد العاصي أن يتقرب إلى الله ضعفت نفسه فذهب يتقرب بأرواح طاهرة إلى الله، بظنه أنه لأجل معصيته لا يستطيع أن يصل إلى الله جل جلاله، هذا واحد. الثاني: لأجل قرب الملائكة من الله جل وعلا. فتعلق المشركون بالملائكة لأجل هاتين العلتين؛ صلاح الملائكة وطهرة أرواحهم ثم لأجل قربهم من الله جل وعلا إذا تأملت وجدت أن هذه الحقيقة هي الموجودة في المشركين في كل زمان ومع تغير الأحوال وتغير المتعلقات إذا سألت النصارى لم دعوا مريم؟ لم يستغيثون بمريم عليها السلام؟ لم يستغيثون بالرسل رسل المسيح؟ لم يتغيثون ببطارقتهم الأموات والأحياء؟ لم يصورون التصاوير ويجعلونها في كنائسهم؛ تصاوير الرجال الصالحين أو مريم وعيسى؟ لم يعبد اليهود بعض البشر ويتعلقون بأرواحهم؟ لم عبد قوم نوح تلك الأرواح؟ لم عبد قوم إبراهيم تلك الأصنام والأوثان؟ وهكذا إلى زمن المشركين في الجاهلية؛ جاهلية العرب إلى زمننا هذا، وجدت أن الشبهة هي الشبهة الشبهة هي الشبهة في الملائكة: أولا أرواح طاهرة. ثانيا قربها من الله جل وعلا. فمن أراد أنْ يجعل لله جل وعلا شريكا في العبادة يُتوجه إليه بأي نوع من أنواع العبادة، فنقول له الملائكة أحق، الملائكة أحق بأن تكون آلهة؛ لأن الملائكة أرواح طاهرة بالاتفاق وهي مقربة عند الله جل وعلا بالاتفاق، ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [وَيُؤْمِنُونَ بِهِ]( ) وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾[غافر:7] الله جل وعلا يخبرنا عن الملائكة بأنهم صالحون لا يعصون الله ما أمرهم، وأنهم مقربون عنده، وأنهم يستغفرون للذين آمنوا، فسؤال الملائكة أولى من سؤال غيرهم؛ لأن طهرة أرواحهم متفق عليها ولأن صلاحهم متفق عليه ولأن قربهم من الله جل وعلا متفق عليه ولأنهم يستغفرون عند الله للذين آمنوا باتفاق، وهذا معناه إذا كان ذلك الشيئان صحيحين فمعنى ذلك أن الشرك بالملائكة جائز، إذا كان التعلق بأرواح الصالحين واعتقاد أنه لقربهم من الله يكون لهم بعض العبادة فمعنى ذلك أن سؤال الملائكة والشرك بالملائكة جائز، والله جل وعلا أخبرنا في القرآن بأنه يقول للملائكة يوم القيامة ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾[سبإ:40]، فتقول الملائكة ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾[سبإ:41]، فمن أجاز الاستغاثة بالأولياء أو بالصالحين فقل له الملائكة أليست الملائكة أرواح طاهرة صالحة وأليست الملائكة مقربة عند الله جل وعلا، فإذا قال: بلى هي كذلك. فقل فلم لا تقول بجواز الاستغاثة بالملائكة؟ لم لا تقول بأن الملائكة لها الأحقية بأن يطلب منها؛ لأن السبب الذي من أجله توجه للموتى للصالحين والرسل والأنبياء متحقق في الملائكة. والعرب ومن قبلهم من أجل قوة أذهانهم في مسائل العبادة وحرصهم عليها جعلوا المسألة واحدة بدون تفريق؛ عبدوا الملائكة وعبدوا الصالحين وعبدوا الأنبياء؛ لأن القدر المشترك بين هؤلاء موجود وهو أنهم صالحون وأرواح طاهرة ومقربون عند الله جل جلاله، لكن المشركون من هذه الأمة لم يعبدوا الملائكة وإنما عبدوا من زعموهم صالحين أو من هم صالحون في نفس الأمر. وبهذا نعلم أنّ حقيقة شرك المشركين في كل زمان إنما هو راجع إلى هاتين الشبهتين: • شبهة صلاح المستغاث به صلاح المعبود. • والشبهة الثانية قربه من الله جل جلاله. قال هنا (لأجل صلاحهم وقربهم من الله ليشفعوا له) هذه الغاية، ذاك سبب لم تؤله الملائكة؟ للسببين اللذين ذكرنا، ما الغاية من سؤال الملائكة؟ ما الغاية من عبادة الملائكة؟ غايتها أن يشفع الملك عند الله للسائل، نفهم من ذلك أن سؤال أولئك للملائكة لم يكن عن اعتقاد بأنّ الملك يعطيه مباشرة وأنه يستقل في الإعطاء ويستقل بالإمضاء وإنما هو اعتقاد في الملك بأنه لأجل صلاحه وقربه يملك أن يشفع عند الله، ولأجل قربه وجاهه لا يرد الله جل وعلا طلبه.إذا تقرر ذلك، فبه تعلم أنَّ: ليس من شرط الشرك أن يكون السائل لتلك الأرواح وللأموات وللملائكة أنْ يعتقد أنها تنفع السائل استقلالا، كما زعم أكثر مشركي هذا العصر أنهم -يعني عباد القبور وعباد الأوثان- لا يسألون الموتى باعتقاد أنهم ينفعون استقلالا وإنما يقولون: نسألكم لما لهم من المقام عند الله حتى يشفعوا لنا. إذا كان هذا الأمر واقعا من أهل العصر ومن عصر الشيخ ومن قرون، فالملائكة أشركت العرب بها وأشرك المشركون بالملائكة لأجل الشفاعة فقط، ومع ذلك قال الله جل وعلا ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾[سبإ:40]، فالغاية وإن كانت ربما تكون يُعذر بها المرء لكن الوسيلة كانت بالشرك، فالطمع في رضا الله جل وعلا هذه غاية طيبة، وكل العباد يطمعون في رضا الله جل وعلا، لكن لا بد أن يكون طلب رضا الله جل وعلا بوسيلة مشروعة، وعبادة الملائكة وعبادة الصالحين لا يحصل بها رضا الله جل وعلا ولو كان الذي عبد قال ما عبدتهم إلا لأجل أن يعفو الله عني، وإلا فالله جل وعلا هو الذي يعفو هؤلاء وسائط، يقول هذا هو الذي من أجله حُكِم على أهل الإشراك بالشرك، كما قال جل وعلا ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ في أول سورة الزمر ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾[الزمر:3]، فإذن غاية أن يقرب المسؤولُ السائلَ إلى الله زلفى، ليست غاية المشرك في الزمن الأول أنْ يعبد المسؤول لقصد أن يعبده، هذا غير موجود؛ يعبد الصنم لغاية أن يعبد الصنم لذاته أو يعبد الملك لغاية أن يعبد الملك في ذاته؟ لا، وإنما يتقرب بالقرابين حتى يعطف عليه الملك ويرفع حاجته إلى الله، يتقرب بالقرابين للميت حتى يعطف عليه الميت بروحه، وكلما تقرب أكثر ازدلف منه وقرب منه فيرفع حاجته إلى الله جل وعلا. فإذن غاية المشركين في عبادتهم غير الله جل وعلا أن يصِلُوا إلى الله جل جلاله، وهذه هي الغاية الموجودة في أهل هذا الزمان يقولون: ما نعبد هذه ما نتوجه هذه التوجهات بأننا نعتقد في هذه الأموات أوفي الأرواح أنها تملك الأشياء استقلالا حاشا وكلا، وإنما لأجل أن تتوسط عند الله جل وعلا فهي أرواح طاهرة وهم مقربون عند الله. يقول هذا هو عين شرك الأولين، هو عين الإشراك الذي وقع في كل أمة بعث إليه رسول ينهاهم عن الشرك ويأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له. مهمٌّ أن تفهم الحقائق لأن تغير الصور وتلبيس الأمور وتسمية الأشياء بغير اسمها هذا لا يغير الحقائق في الشرع وما جاء التلبيس إلا من جهة الألفاظ أنْ تسمى الأشياء بغير اسمها.قال بعد ذلك في صورة ثانية مثل آخر، قال (أو يدعو رجلا صالحا مثل اللاتّ) قال جل وعلا ﴿أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى(19)وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾[النجم:19-20]. وفي قراءة ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَّ وَالْعُزَّى﴾ واللاتَّ رجل –كما قال ابن عباس- كان يلتُّ السويقَ، رجل صالح كان يلت السويق ويُطعمه الحاج وكان يجلس ويفرق ذلك عند صخرة، فلما مات جعلوا قبره عند ذلك المكان، وصروا يتناوبون عليه لصلاحه، ويستغيثون به ويسألونه لأجل أنه أمضى حياته في صلاح وفي نفع للناس، فاعتقدوا فيه، فهذا اللاتّ أشرك به العرب لأجل أن روحه طاهرة وأن أعماله في الدنيا صالحة فقالوا هو إذن مقرّب عند الله جل وعلا، فإذا كان كذلك فلنتقرب إليه بالقرابين بالذبح والنذر، فلنستغث به، فلندعه ليرفع الحاجات إلى الله جل وعلا، وهذا هو عين الشرك المشركين الآلهة المختلفة، بالموتى، بالأنبياء، بالحسين، وبزينب، وبالبدوي وبالعيدروس وبعبد القادر وأنواع الموتى من الأنبياء والصالحين لأجل هذه الشبهة؛ الصلاح والقرب من الله جل وعلا.قال (أو نبيا مثل عيسى) مثل الشيخ رحمه الله بثلاثة أمثلة:الأول: الملائكة. الثاني: رجل صالح اللاتّ.الثالث: بالأنبياء عيسى. وعيسى اتخذ إلها يسأل ويطلب منه ويستغاث به وتنزل الحاجات به. النصارى مختلفون في عيسى: • إما أنه يرفع الحاجات إلى الله جل وعلا ولا يرد الله جل وعلا طلبه، كما هو اعتقاد طائفة من النصارى. • أو لأنه تَشَخُّص للإله، أو كما يقولون أحد الأقانيم الثلاثة يعني صفة وصورة من صور الإله في بعض أحواله حيث إتحد كما يقولون اللاهوت في الناسوت في هذه الصورة، فصورة حلول الإله في البشر متمثلة في عيسى عند طائفة من النصارى. فالنصارى يستغيثون ويسألون عيسى إما على أنه بعض الإله أو على أنه مقرب عند الله الواحد ويسأل لأجل قرب مقامه عند الله. هذه ثلاثة أمثلة:استغاثة أو تأليه الملائكة بسؤالهم ودعائهم والاستغاثة بهم وإنزال الحاجات بهم والتعلق بهم ورفع ما يريده العباد عن طريقهم يعني أن يكونوا وسطاء.الثاني في الصالحين الرجال الصالحين مثل اللاتّ. وبعيسى. فهذه الأمثلة الثلاثة، إذا تأملتها وتدبرت وفهمت لما أشرك من توجه إلى الملائكة؟ وبما وكيف أشرك من توجه إلى الرجل الصالح اللات؟ وبما أشرك من توجه إلى عيسى؟ علمت حقيقة الشرك، ولم يلبّس عليك أو يقول قائل هذا الذي يمارَس اليوم ليس بشرك وإنما من سماه شركا أكبر مخرجا من الملة تشديد من المتشددين أو من الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ودعوته ومن اتبعه على ذلك؛ لأن حقائق الأشياء هي التي تفصح لك عن [الغرور].قال رحمه الله بعد ذلك (وعرفت)، طبعا قوله (أو نبيا مثل عيسى) دليله قول الله جل وعلا في سورة المائدة في آخرها ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾[المائدة:116]...( ), مع قول عيسى عليه السلام ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ]( ) إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾[المائدة:72].قال بعد ذلك (وعرفت أن رسول الله  قاتلهم على هذا الشرك) لِمَ قاتل النبي عليه الصلاة والسلام قريش والعرب؟ لأنهم كانوا مشركين، بما كانوا مشركين؟ بما ذكرنا سالفا بعبادة غير الله، هل كانوا يعبدون غير الله لقصد ذلك الغير أم لأجل الوساطة والتوسل؟ لأجل الوساطة والتوسل بنص القرآن؛ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾[الزمر:3]، لم يكونوا يتوجوه إلى الله أو الرجل الصالح أو الأنبياء بقصد أن يتوجهوا إليهم استقلالا إنما كان من أجل التقرب لله جل وعلا فكل يريد التقرب إلى الله وهذا التقرب يكون عن طريق واسطة ولأجل هذه الواسطة صاروا مشركين لما توجهوا إلى الموتى وإلى الغائبين وإلى الملائكة بأنواع العبادات، قال (وعرفت أن رسول الله  قاتلهم على هذا الشرك) قاتلهم استحل دماءهم وأموالهم وجعل من يقاتل أولئك شهيدا إن مات في قتالهم وجعله موحدا وأولئك جعلهم مشركين ومن قُتل من أولئك شهد عليه بالنار ومن قتل من المسلمين شهد له بالجنة إن كان قتاله لله وهكذا، لم قوتلوا ولم استحلت أموالهم ودماؤهم؟ لأجل أنهم مشركون ذلك الشرك، ولهذا الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قال في رسالة له ”وعرضت ما عندي من التوحيد على علماء الأمصار فوافقني طائفة والأكثرون وافقوني على التوحيد لكن عَظُم عليهم التكفير والقتال“ وهاتان المسألتان ترتيب حتمي لما قدمناه، يعني إذا ثبت أنهم مشركون فلا بد أن تترتب أحكام المشركين، لا بد أن يقاتلوا مع القدرة على ذلك، لا بد أن يقاتلوا إذا قوتلوا لابد أن يكون هناك تميز، هؤلاء موحدون وهؤلاء مشركون، ولا بد أن يكون هناك نشر للتوحيد ودحض للشرك وإقرار لما يحب الله جل وعلا ويرضى من الإخلاص وعبادته وحده لا شريك له في القتال، قال ”خالفوني في القتال والتكفير“ لأن التخلص من تأثير الناس في حقائق الأشياء يحتاج إلى علم راسخ وإلى تجرد من [.....] الناس وشبهاتهم. الشيخ رحمه الله في هذه الرسالة يريد منها أن يكشف الشبهات ويبين أن التوحيد هو حق الله جل وعلا، وأن ما يمارس الناس في هذه الأزمنة بما يسمونه الاعتقاد والتعلق بالأرواح ونحو ذلك والاعتقاد في الميت، ويسمونه السيد أن هذا عين الشرك، يترتب على ذلك الأحكام بقية الأحكام من التكفير أولا، ثم قتالهم على أنهم كفار ومشركون. وشرح الله جل وعلا صدر الشيخ وصدر أئمة الدعوة في أول هذا الزمان حتى انتشرت دعوة التوحيد ولله الحمد بهذه الدعوة المباركة وبتأليف من نصرها وأيدها بالسيف والسنان وهو الإمام المجاهد محمد بن سعود رحمه الله تعالى وكذلك أبناؤه من بعده، وبقيت هذه الدعوة في الناس إلى اليوم لتساند السنان مع القرآن في ذلك، وهذا لابد منه لا يمكن أن تنتشر إلا بقوة تحميه، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله دعوته وعلمه كان واسعا ونشر التوحيد ودعا إلى ذلك وصنف المصنفات، لكن لم يكن له سيف يحميه فسجن ولم يتمكن من نشر التوحيد في الناس، لكن الإمام المصلح محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أيده الله جل وعلا بالأئمة بآل سعود المبارك، ونشروا هذه الدعوة في الناس وبقيت إلى هذا الزمان. الناس الذين اعترضوا على هذه الدعوة قالوا هذه الدعوة قاتلت الناس، تجد في كتب تواريخ نجد يقولون قاتل المسلمون المشركين، ويستعظم الناس كيف يسمى أتباع الدعوة مسلمين وكيف يسمى الآخرون مشركين، نقول هذه حتمية؛ لأن توحيد الله ليس فيه مجاملة إنما هو حق وباطل ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾[يونس:32]، فلا بد من ترتب الأحكام ترتب أحكام التوحيد والشرك في الأرض، فإذا وجد الشرك لا بد أن توجد المناطة بذلك، وهو أن يوصف أولئك بأنهم مشركون وأنهم كفار، ولابد من قتالهم مع القدرة حتى يكون الدين كله لله جل وعلا. قال الشيخ رحمه الله هنا (وعرفت أن رسول الله  قاتلهم على هذا الشرك ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده كما قال تعالى ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾[الجن:18])، (قاتلهم على هذا الشرك ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده) يعني إلى التوحيد إلى أن لا يعبد إلا الله ألا يتوجهوا في شيء من أنواع العبادة إلا لله جل وعلا وحده. وهذه الرسالة موضوعة لبيان حقيقة التوحيد وكشف كل شبهة أدلى بها خصوم الدعوة في مسائل التوحيد وبيان أنّ هذا الأمر حق لا لبس فيه، ومن درس التوحيد حق الدراسة انشرح صدره لهذا الأمر أعظم انشراح، وصار في قلبه من تعظيم الله جل وعلا وتعظيم دعوة التوحيد ما به يستطيع أن يرد على المبطل في هذا الأمر. ولهذا يذكر أن أحد العامّة من أتباع الدعوة، قال له بعض المشككين أنتم متعصبون للشيخ محمد بن عبد الوهاب تعصب لأنه من نجد وأعلم وكذا فتتعصبون له، فقال هذا العامي لذلك المدلي بهذا الكلام، قال لو خرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب من قبره، وقال ما دعوتكم إليه وما ذكرته لكم غير صحيح، ما قبلنا كلامه واستمررنا على التوحيد، لأنهم ما أخذوا به تقليدا وإنما أخذوا به عن حجة بينة واضحة، فلو أتى آتٍ وقال هذا غير صحيح، مثلا ضل ضال كان من الموحدين كان من أتباع السلف كان من السلفيين ثم بعد ذلك انقلب إلى شيء آخر، انقلب إلى طائفة المشركين أو المبتدعة فهل يشك الموحد فيما عنده من الحق؟ لا، لم؟ لأنه عرف الحق بدليله، عرف الحق بنص من الكتاب والسنة وفعل سلف الأمة، والعلماء في هذه الأمة ليسوا كعلماء النصارى، يُقبل ما يقولون هكذا مطلقا، بل هم أدوات لفهم نصوص الكتاب والسنة، ليسوا مستقلين، ما يقال يطاع فيه دون نظر إن قال الشيء وبيّن الحق قبلت منه الأمة، والأمة لا تقر أحدا على ضلالة فإذا ضل ضال بينت الأمة ضلاله ولله الحمد؛ لأنه لا تزال طائفة من الأمة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله.هذه المقدمات من المهم أن تراجعها مرة تلوى الأخرى؛ لأن فيها بيان ما في هذه الرسالة.أسأل الله جل وعلا لي ولكم الانتفاع بما سمعنا والانتفاع بما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. هذا الدرس بمناسبة الاختبارات يكون آخر درس، ونعود إن شاء الله بعد رمضان؛ يعني مع أول أسبوع من الدراسة حتى يتمكن الإخوة الطلاب من الحضور للدرس.[الأسئلة]: نأخذ ثلاثة أسئلة فقط.1/ ما رأيك في كتاب الأصنام للكلبي؟الكلبي متهم في حديثه، ولكن من جهة الأخبار والتاريخ والأشعار يقبل العلماء ما يذكره من ذلك لأنه أخباري أو إخباري نسّابة معروف من العلماء المعروفين في التاريخ من حيث الأخبار والنسب، وما ذكره في كتاب الأصنام مما كان عند العرب أكثره صحيح؛ يعني العلماء تتابعوا على النقل عنه.2/ يقول أليس شرك هذا العصر أعظم من شرك المشركين الأولين؛ لأنهم يعتقدون فيها أنها تنفع وتضر بذاتها؟لاشك طائفة من أهل هذا العصر زادوا على المشركين مشركي الجاهلية بأشياء، كما ذكر ذلك الشيخ محمد رحمه الله في القواعد الأربع في آخرها القاعدة الرابعة أن مشركي زماننا أعظم شركا من المشركين الأولين لأن الأولين يشركون بالله جل وعلا في الرخاء أما في الضراء إذا أصابتهم الشدة توجهوا إلى وحده كما قال تعالى ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾[العنكبوت:65], وقال جل وعلا ﴿[وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ]( ) فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾[لقمان.32], وقال جل وعلا ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ( ) فِي الْفُلْكِ﴾[يونس:22]، قال جل وعلا في سورة يونس ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ إلى أن قال ﴿دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ(22)فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾[يونس:22-23] وشرك المشركين الأولين يشركون في الرخاء أما في الضراء فيتجه إلى الله وحده، وأما أهل هذا الزمان فإنهم يشركون بغير الله في السراء والضراء.3/ ما حكم الصلاة في مكان فيه صورة أو تمثال.إذا كانت الصورة أو التمثال في غير جهة المصلي؛ يعني في غير القبلة فالصلاة صحيحة، لكن بالجملة الصلاة في مكان فيه صورة لا تجوز، صورة أو تمثال؛ يعني صورة معلقة أو تمثال منصوب أو نحو ذلك في نفس المكان لا تجوز، لكن إذا لم يكن في جهة المصلي أو في بقعته يعني في مكان سجوده وصلاته فإن الصلاة صحيحة؛ لأن النهي ما توجه إلى البقع، قد علمت أن النهي يقتضي الفساد إذا كان راجعا إلى شرط من شروط الصلاة، والبقع من الشروط ولكن المقصود البقعة التي يصلي فيها لا ما حولها، والصحابة رضوان الله عليهم صلوا في الكنائس فيها صور؛ لأنهم توجهوا إلى القبلة في مكان ليس فيه صورة يعني في قبلتهم لما صلوا.نكتفي بهذا القدر.نعم آية سورة المائدة ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾[المائدة:72]. بارك الله فيكم أستودعكم الله، يوم الثلاثاء ما فيه درس إن شاء الله يوم الخميس في الصباح إن شاء الله، وفقكم الله( )[المتن]وتحققت أن رسول الله  قاتلهم ليكون الدعاء كله لله والنذر كله لله والذبح كله لله والاستغاثة كلها بالله وجميع أنواع العبادات كلها لله، عرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون.[الشرح]بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله  تسليما مزيدا، أما بعد:فأسأل الله جل وعلا لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح الخاتمة الحسنة.هذا الكتاب -وهو كتاب كشف الشبهات لإمام هذه الدعوة الإمام المصلح المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وأجزل له المثوبة- معقود لبيان الشبهات التي احتج بها أعداء الدعوة على الإمام فيما أوردوه، وقد بينت لكم فيما سلف أن تلك الاحتجاجات وذلك العلم الذي عند المشركين احتجاجات باطلة وعلم غير نافع؛ لأن الله جل وعلا بيّن أن مجادلة أولئك إنما هي عليهم كما قال حل وعلا ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾[الشورى:16]، فلو سموها حججا ولو سموا ها عندهم أدلة وبراهين، فإنها حجج داحضة وأدلة راجعة بالإبصار على مقالهم، وبراهين لا تستقيم لهم إلا بما عندهم من الفساد في التصور أو الفساد في التعلق بغير الله جل وعلا، كذلك ذكرنا أن من أعظم السبل التي يدين لك بها دين المرسلين عليهم صلوات الله وسلامه أنْ تعلم حال أهل الجاهلية قبل بعثة الرسول ، فإن حال أهل الجاهلية معروف بيّن، وطريق معرفته ما جاء في القرآن من وصف مقالهم ووصف فعالهم ووصف اعتقاداتهم ووصف أحوالهم، فهذا فيه تقرير للحال التي كانوا عليها، كذلك من سبل معرفة ما كانوا عليه من الأحوال والاعتقادات الباطلة معرفة أشعار العرب؛ لأن فيها ما كانوا عليه، ومن سبل ذلك معرفة قصص العرب والتاريخ الذي نقله المؤرخون عنهم. ومن الأمر المقرر الواضح في الكتاب والسنة عن حال المشركين من أهل الجاهلية ومما بينه المؤرخون بما هو واضح أنّ أولئك الذين بعث إليهم الرسول  كانوا يعبدون الله جل جلاله وكانوا يصلون وكانوا يتصدقون وكانوا يحجون البيت ويعتمرون وكانوا يتنزهون من بعض النجاسات وكانوا يغتسلون من الجنابة كما سبق أن ذكرت لكم أدلة هذه الجملة مفصلة في أول الشرح عند قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أول الرسالة (وآخر الرسل محمد  وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين أرسله الله إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرا ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون نريد منهم التقرب إلى الله). إذن فمدار الصواب في العبادة أنْ لا يعبد إلا الله الملك الحق المبين، وأنّ دعوة غيره باطلة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾[الحج:62]، وإقرار المشركين بأن لهم ربا خالقا رازقا ويقولون ما شاء الله ويقولون لا حول ولا قوة إلا بالله وما شاكل ذلك الكلام، ويدعون ويتصدقون ويحجون ويعتمرون، لم يجعلهم ذلك مسلمين بل كانوا مشركين؛ لأنهم لم يوحدوا الله جل وعلا في العبادة، وهو الذي نقول إن معناه لم يفردوا الله بأفعالهم التي يتقربون بها يرجون الثواب ويخافون بها العقاب، وإنما توجهوا بها إلى آلهتهم المختلفة، ولما جاءهم محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام وبيّن لهم الدين، وبيّن لهم توحيد الإلهية لم ينكروا أحقية الله جل وعلا بالعبادة، ولكن أنكروا إبطال استحقاق تلك الآلهة بشيء من العبادة، كما قال جل وعلا عنهم في سورة الصافات ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ(35)وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ(36)بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾[الصافات:37]، وقال جل وعلا في سورة ص ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾[ص:5].إذن هذه القاعدة هي أعظم ما يكون به تكون المقدمة لردّ أي شبهة يحتج بها المشركون ويحتج بها علماء المشركين في التعلق بغير الله جل وعلا بأي نوع من التعلقات، فإنهم استعظموا أن الذين يعبدون الموتى ويعمرون المشاهد بالذبح والنذر للأموات وما أشبه ذلك، يستبعدون بل يتعاظمون أن يكون أولئك مشركين، وإذا قلت لهم: لم؟ قالوا لأنهم يذكرون الله ويصلون وهم إنما أرادوا بذلك الله جل وعلا، اتخذوا هؤلاء واسطة فقط، ولم يريدوا الاستقلالية، وإلا فإنهم يعلمون أن الرازق على الحقيقة هو الله، ولكن هؤلاء الأموات واسطة.فهذه المقدمة من الشيخ رحمه الله وما ذكرتُ لك من بيانها تُبين لك أن هذه الحجة من المشركين هي الحجة التي سلفت، فهي احتجاج قوم نوح على نوح، وهي احتجاج أقوام المرسلين على المرسلين، وهي احتجاج قريش العرب على محمد ، كما قال سبحانه وتعالى ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾[الزمر:3]، إذا عرفتَ أنهم أرادوا الواسطة، عرفتَ أنهم كانوا مُقرين بتوحيد الربوبية، مُقرين بأنه لا خالق إلا الله، لا رازق إلا الله ولا يحيي ولا يميت إلا الله جل جلاله، وأنهم كانوا يذكرون الله ويتعبدون ويصلون الصلاة على حسبها ويحجون ويعظمون البيت، وربما كان من بعضهم إخبات وإنابة، لكن لما لم يكونوا مفردين الله جل وعلا بالعبادة قاتلهم محمد . إذن فالعبرة في تحقيق كلمة التوحيد لا إلا الله، ومشركوا العرب يعلمون معنى هذه الكلمة، ولهذا لما قال النبي  لهم قولوا كلمة، كلمة واحدة قولوا كلمة واحدة، فقالوا: نقول وربك عشر كلمات. قال: قولوا لا إله إلا الله. فأبوا؛ لأنهم يعلمون أن هذه الكلمة إذا قالوها وشهدوا بها أنّ فيها إبطال كل التعلقات بالآلهة؛ لأنه معنى لا إله إلا الله: لا معبود حق إلا الله جل جلاله. ومعنى ذلك أنّ كل من عَبد غير الله جل وعلا فإنما عُبد بغير الحق عبد بالبغي بالظلم بالعدوان من الناس على حق الله جل جلاله. لهذا لما ذكر الشيخ هذه المقدمات قال في هذا المقطع الذي وقفنا عنده (وتحققت أن رسول الله  قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، والنذر كله لله، والذبح كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادات كلها لله) هذا من جهة التمثيل مثل بالنذر والذبح والاستغاثة؛ لأن الشرك بالله جل وعلا في هذه الأشياء كان أكثر شيوعا في زمن إمام الدعوة رحمه الله تعالى، وإلا فإن أصناف شرك المشركين وصرفهم العبادة لغير الله جل وعلا كثيرة، ويجمعها قوله في آخر الكلام (وجميع أنواع العبادات كلها لله، وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام) هذا احتجاجهم أننا موحدون لله، لا نقول إن ثم رازق إلا الله وليس ثم محيي إلا الله، نحن مؤمنون بالله بأنه يرزق ويخلق ويعطي وأنه يجيب دعوة المضطر وأنه وأنه، لكنهم لم يبطلوا الوسائط، لم يبطلوا قصد غير الله جل وعلا بالعبادة، ولهذا قال سبحانه وتعالى ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾[يوسف:106]، قال السلف في تفسيرها لهذه الآية في آخر سورة يوسف معنى قوله (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ) يعني وما يؤمن أكثرهم بالله بأنه هو المتفرد بالخلق والرَّزق والإحياء والإماتة إلا وهم مشركون به في العبادة، فقد جمعوا إيمانا وشركا، فلا تتصور أنّ المشرك الذي يُحكم عليه بأنه مشرك أنه خِلْوُ الوثاق وخلو القلب من الإيمان بالله أصلا، هذا لا يتصور، وإلا لكان المشرك هو الذي يجحد كل أنواع الإيمان يعني الذي يجحد الربوبية ويجحد وجود الله جل وعلا، وهذا ليس هو الذي احتج القرآنُ على أصحابه، بل القرآن فيه إقامة الحجج على أن الله جل وعلا واحد وأنّه هو المستحق للعبادة وحده دون ما سواه، ﴿قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾[النمل:59] إلى آخر الآيات في سورة النمل، وفي كل آية﴿ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾[النمل:60]، ﴿أَإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾[النمل:61] إلى آخر ذلك.فإذن نسأل ونقول بما صار أولئك مشركين؟ قال الشيخ رحمه الله هنا (وأنَّ قصدهم الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم) يعني أنّ سبب كفر المشركين وسبب الحكم عليهم بأنهم كفار مشركون حلَّت دماؤهم وحلت أموالهم هذه الأشياء، قصد غير الله جل وعلا، قصد الملائكة قصد الأنبياء قصد الأولياء.أما قصد الملائكة فإنهم كانوا يقصدون الملائكة بطلب الحاجات، كما قال جل وعلا في آخر سورة سبأ عنهم ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ(40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾[سبإ:40-41] فكانت الملائكة تُعبد، لكن في الحقيقة الذي عبد هو؛ الذي عبد هم الجن لأنهم طلبوا من الملائكة والذي أجابهم بطلبهم الجن ليبقوا على الشرك.وكذلك الأنبياء سئلت الأنبياء في قبورها واستغيث بها وذبح لها ونذر ومن سئل ربما أجيب سؤاله، وإجابة السؤال من جهة الجن، فيكون الجن ربما أحضر شياطين الجن؛ أحضر لذلك السائل بعض الأشياء أو عرفه ببعض الأشياء لتقع المصيبة وهذا في أكثر الأحوال وإلا فإنه من المقرر أن إجابة الدعاء من فروع الربوبية وليس من فروع الإلهية؛ لأن المشرك قد يدعو الله جل وعلا ويستجيب الله جل وعلا لدعائه كما قال سبحانه وتعالى ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾[العنكبوت:65]، فإجابة الدعاء من جنس إعطاء الرِّزق، من جنس إعطاء المآكل والمشارب والأولاد، فإنه قد يدعو الكافر ويستجاب له لأن إجابة الدعاء ليست خاصة بإجابة المسلم بل هذا عدو الله إبليس سأل الله وقد أبى واستكبر وكان من الكافرين أن يؤخره إلى يوم الدين فأجاب الله دعاءه وسؤاله فأخره. فإذن هنا حينما يسأل نبي من الأنبياء أو يسأل ولي من الأولياء عند القبر فيُجاب السؤال أو يحصل له ما طلب، فسبب حصول ما طلب أحد شيئين: الأول: أن يكون شياطين الجن أحضرت له ما طلب، أو كان ثم سبب فأزالته الجن؛ يعني بسبب من جهة الجن إما امرأة ما تحمل بسبب شياطين الجن، أو شيء مفقود كان بسبب شياطين الجن، أو نحو ذلك، أو أراد أن يكلم هذا الميت فكلمه شيطان، وما أشبه ذلك يعني مما تقدر عليه الجن هذا نوع.والنوع الثاني: أن يكون سأل متوسطا بصاحب القبر لكنه قام بقلبه حين السؤال اضطرار وحاجة ملحة فأجاب الله جل وعلا لأجل الاضطرار، والله جل وعلا أطلق إجابة المضطر فقال سبحانه ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾[النمل:62]، فالمشرك إذا كان مضطرا يجاب، ولو كان في سؤاله بعض الشرك؛ لأنه يكون هنا غلب عليه جهة الاضطرار. ولهذا حقق العلماء أنّ إجابة سؤال المشرك عند القبر ليس السر فيه القبر كما يقوله المشركون، وإنما يكون ثم شيء آخر إما جهة شياطين الجن وإما أمر آخر قام بالقلب منه مثلا الاضطرار وإنزال الحاجة والانكسار بين يدي الله جل وعلا، فيظن الظان أن سبب إجابة الدعاء بركة القبر، وإنما هو من جهة ما قام بالقلب من الاضطرار لأن إجابة الدعاء من فروع الربوبية، والربوبية ليست خاصة لمسلم دون كافر، إعطاء الأرزاق ليس خاصا بالموحدين، بل يعطي الله جل وعلا الجميع كما قال جل وعلا في جواب سؤال إبراهيم قال ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾[البقرة:126].قال (وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء ) الأنبياء قصدتها العرب وقصدها المشركون من أهل الملل، عُبد موسى، وعُبد عزير، وعُبد المسيح من دون الله جل وعلا، وقُصد أولئك لأجل الوساطة، لأجل التقرب إلى الله جل وعلا به فصار من قصدهم مشركا حلال الدم والمال لا لأنه طلب منهم استقلالا ولكن لأنه طلب منهم بالوساطة.قال (أو الأولياء) والأولياء أشرك بهم كما قال جل وعلا ﴿أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى(19)وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾[النجم:19-20]. قصدوا هؤلاء الملائكة والأنبياء والأولياء، يريدون ماذا؟ هل قصدوهم يعني العرب يريدون أن يجيب هؤلاء استقلالا؟ أم قصدوا أولئك بالعبادة يريدون الوساطة، يريدون الزلفى، يريدون الشفاعة؟ قال الشيخ رحمه الله هنا (يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بذلك). إذن فشرك الأولين من جهة الوساطة، شرك قوم نوح من جهة التوسط بالصالحين، وشرك قوم إبراهيم من جهة التوسط بما زعموه رَوحانية للكوكب، وشرك العرب فيه هذا وفيه هذا وإن كان الغالب عليه بأنه شرك بالصالحين.قال (هو الذي أحلّ دماءهم وأموالهم) إذن مع كونهم يُقرون بالربوبية، ومع كونهم يتعبدون ولهم أذكار ونحو ذلك، لكن لما قصدوا غير الله بالعبادة ولو كان على جهة التوسط، فإن ذلك أحل دماءهم وأموالهم؛ لأنّ عندنا مقدمة يقينية ونتيجة متيقنة: المقدمة اليقينية الأولى: أنهم قصدوا الملائكة والأنبياء والأولياء، هذا بيقين من القرآن، ومن حال العرب.المقدمة الثانية: أنهم قصدوا الملائكة والأنبياء والأولياء وغير هذه الأشياء، يريدون التقرب إلى الله زلفى، ولا يريدون الاستقلال؛ لا يريدون الطلب على جهة الاستقلال، وإنما أرادوا الطلب على جهة التوسط. فهذه المقدمة الأولى يقينية، والثانية أيضا يقينية، لقول الله جل وعلا ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾[الزمر:3]. قد ذكرت لكم أن قوله (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) هذا حصر العلة في عبادتهم لإنتاج المعلول وهو التقرب إلى الله زلفى؛ يعني أنه ما توجهوا لهم لأجلهم لذاتهم، ولكن لأجل أن يوصلوهم إلى الله جل وعلا فهاتان المقدمتان يقينيتان. والنتيجة أيضا يقينية: وهو أن دمائهم حلت وأموالهم حلت للنبي  ولأصحابه بإحلال الله جل وعلا ذلك لهم وأن سبب الحِلّ، سبب جعل هذه الأشياء حلالا هو شركهم بالله جل جلاله. قال بعد ذلك (عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون) وهذه النتيجة من دخلت إلى قلبه بالبراهين السابقة فقد أوتي حضا عظيما لأن الشبهة إذا تكسرت في البداية فما بعدها أهون أن يتقرر ما ذكرنا وأن يبطل استبعاد شرك المشرك لأجل أنه يصلي أو يزكي أو يحج أو يعتمر أو أنه يذكر الله أوْ أو إلى آخره. إذن مدار الحكم بالشرك واضح؛ وهو صرف العبادة أو صرف شيء من العبادة لغير الله جل جلاله، فمن أتى به فهو حابط العمل مشرك ولو كان أرفع الخلق ولهذا قال جل وعلا ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ للنبي  ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ(65)بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ﴾[الزمر:65-66]، (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) ولو كان سيد الخلق؛ لأن مقام الخالق جل وعلا مقام الرب العظيم أعظم وأعظم وأعظم، وحقه أعظم من أن يحابى فيه لأجل إنسان كائنا من كان، قال (لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ(65)بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ) يعني وحده دونما سواه (وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ)، ونحو هذا في غير هذه الآية. فإذن إذا صرف أحد العبادة أو صرف شيئا من العبادة لغير الله فهو مشرك وعمله حابط ولو كان أثر السجود في وجهه؛ لأنه أشرك، وليس المدار هنا موازنة أشرك بشيء وتعبد بشيء، ولو كان في الموازنة هنا قائمة بين السيئات والحسنات كما في حال الموحّد فإنّها يكون ثم موازنة في حال المشركين الذين قاتلهم رسول الله ، والنبي  لم يقبل من مشرك صرفا ولا عدلا، لم يقبل منهم إلا التوحيد، إلا أن يأتي بلا إله إلا الله التي يعلمون معناها. إذن بهذه المقدمة إلى هنا يسهل الدخول إلى ما بعده في الكتاب، وأنّ التوحيد هو أعظم المهمات وأعظم الواجبات وأول واجب وآخر واجب، وأنّ من صرف شيئا من العبادة لغير الله فإنه حابط العمل ولو كان ما كان في عمله، هذه إذا دخلت في القلب ولم يكن في القلب تردّد لأجلها، صار إبطال أي شبهة احتج بها المشركون راجعا إلى هذا المحكم. ولهذا يقرر الشيخ بعد ذلك أن ما ذكرنا من وصف حال المشركين والمقدمات هذه والنتيجة اليقينية المقدمات اليقينية والنتيجة اليقينية، أنّ هذا محكم إذا احتج أحد من المشركين بحديث أو بآية وأولها على غير تأويلها فلك أن ترجع إلى هذا المحكم وأن تترك ما اشتبه عليك علمه؛ لأن هذا يقيني كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، فهذه المقدمة مهمة للغاية، وهي أساس محكم يمكن أنْ تحتج به في أي مقام على من عاند وأشرك بالله جل وعلا أو حسّن الشرك أو لم يكفر بالطاغوت. نعم[المتن]وهذا التوحيد هو معنى قولك لا إله إلا الله، فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور، سواء كان ملكا أو نبيا أو وليا أو شجرة أو قبرا أو جنيا، لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده كما قدمت لك، وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد، فأتاهم النبي  يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله، والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي  بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق به والكفر بما يعبد من دونه والبراءة منه، فإنه لما قال لهم قولوا لا إله إلا الله قالوا: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾[ص:5]. فإذا عرفت أن جُهال الكفار يعرفون ذلك فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني، والحاذق منهم يظن أن معناها لا يخلق ولا يرزق إلا الله ولا يدبر الأمر إلا الله، فلا خير في رجل جهال الكفارأعلم منه بمعنى لا إله إلا الله.[الشرح]قال رحمه الله (وهذا التوحيد هو معنى قولك لا إله إلا الله) هذا التوحيد الذي سبق بيانه وهو إفراد الله جل وعلا بالقصد بالذبح بالنذر بالاستغاثة بجميع أنواع العبادة، هذا هو التوحيد، وهو معنى (لا إله إلا الله)؛ لأن كلمة (لا إله إلا الله) مشتملة على نفي وعلى إثبات: • النفي بـ(لا). • والإثبات بـ(إلا). والذي نُفي بـ(لا) هو استحقاق العبادة، أو أن يكون ثَم إله حق غير الله جل وعلا، فلا إله إلا الله معناها لا معبود حق إلا الله؛ لأن كلمة إله هذه معناها معبود، وهذا هو المعروف في العربية وهو المعروف بحال العرب أيضا؛ لأن إله هذه فعال بمعنى مفعول، مثل فراش بمعنى مفروش وأشباه ذلك، وبناء بمعنى مبني، فإله بمعنى مألوه، وأله يأله إلهة معناها عبد يعبد عبادة مع الحب والتعظيم. فإذن يكون معنى الألوهية العبودية، ومعنى توحيد الألوهية توحيد العبودية، توحيد الإلهية توحيد العبادة، يكون معنى الإله المعبود، ولهذا اسم الله الذي ترجع إليه أو تجتمع فيه صفات الكمال الله هذا معناه المعبود الحق، قال بعضهم الله علم على المعبود بحق، فالله أصلها الإله -على الصحيح- لأنها مشتقة، وإنما أُطلق عليها يعني خففت الهمزة في الإله فصارت الله لكثرة دعائه ورجائه والتوسل إليه باسمه هذا، ونحو ذلك. المقصود أن كلمة (لا إله) هذه فيها العبودية وهذا هو المتقرر في العربية وفي القرآن كما قال جل وعلا في سورة النمل فيما ذكرنا ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾( ) يعني أمعبود مع الله؟ لأنهم إنما جعلوا معبودا مع الله ولم يجعلوا ربا مع الله جل جلاله، ومن ذلك ما جاء في قراءة ابن عباس المشهورة في سورة الأعراف ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَإِِلهَتَكَ﴾[الأعراف:127] يعني وعبادتك، ومنه أيضا قول الراجز في شعر ذكرناه لكم مرارا: لله درّ الغانيات المـُــدّهِ سبّحن واسترجعن من تألهييعني من عبادتي، فالتأله وأله يأله والإلهة والألوهة إلى ما يُشتق من هذا المصدر هذا كله راجع إلى معنى التعبد العبادة، فإذن هذه المادة مادة العبادة، وليست مادة للسيادة والتصرف في الأمر، وهذا هو المعروف عند العرب، وهو المعروف عند الصحابة والتابعين، إلى أن تُرجمت كتب اليونان، وصار هناك خلط بين ما جاءت به الشريعة وما في علوم اليونان، فالذين ترجموا هذه الكتب، قرأها من قرأها، وجعلوا القصد الأعظم أن ينظر المرء بهذا الملكوت ويثبت ربوبية الله جل وعلا، لهذا قالوا المقصود الأول هو الربوبية، فإذا أثبت المرء بالنظر أنّ الله جل وعلا هو الموجب لهذا الملكوت صار مقرا ومؤمنا، فالمتكلمون حين تأثروا باليونان في مدارسهم في النظر وفي الفلسفة جعلوا معنى الإله راجع للربوبية، والمتكلمون في ذلك على قولين: • منهم من يقول الإله هو القادر على الاختراع، وهذا في كثير في كتب المتكلمين. • ومنهم من يقول الإله هو المستغني عما سواه المفتقر إليه كل ما عداه. والأول والثاني وكل منهما قول لطائفة من المتكلمين والأشاعرة والماتريدية إلى غير هذه الفئات، فعلى كل قول منها يكون الإله مفسر بالربوبية؛ لأن القادر على الاختراع، القدرة على الخلق هذه ربوبية، والمستغني عما سواه المفتقر إليه كل ما عداه هذه أيضا ربوبية، فهي من صفات الربوبية لا من صفات الألوهية، لَمّا حصل لهذا في المسلمين وتدوّل هذا القول، صار معلم الإيمان عند أولئك ألا يقر بوجود رَبَّيْنِ، ويعبرون عن ذلك ألا يقر بوجود إلهين، ولهذا في آية صورة الأنبياء ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾[الأنبياء:22] يجعلون هذه الآية دليلا على إثبات تفرد الله جل وعلا بالربوبية، فيقولون هذه الآية هي دليل التمانع، ومعنى ذلك عندهم أن وجود إلهين يقاضي أن يتصرف هذا في ملكوته؛ وأن يتصرف هذا في جزء من الملكوت وهذا في جزء من الملكوت، ولابد أن يحصل تمانع لا بد أن يحصل اضطراب؛ لأن هذا له إرادة وهذا له إرادة وجعلوا الإله هنا هو الرب في نفسه، ولهذا جعلوها دليلا على توحيد الربوبية الذي هو الغاية عندهم، فدخل هذا في المسلمين، ولما دخل وتوسع الناس في اتباع مذهب الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة وطرق المتكلمين صارت الغاية عندهم هي توحيد الربوبية، فلهذا لم يصر أولئك عندهم مشركين هذه أعظم فتنة حصلت في الصد عن لا إله إلا الله وتفسيرها بتوحيد الربوبية. ولهذا تجد في عقائد الأشاعرة كما في السنوسية الكبرى المسماة عندهم بأم البراهين يقول فيها ما ذكرتهم لكم قبل ذلك يقول: الإله هو المستغني عما سواه المفتقر إليه كل ما عداه. فمعنى لا إله إلا الله لا مستغنيا عما سواه ولا مفتقرا إليه كل ما عداه إلا الله، هذا التفسير وهذه الكلمة على هذا النحو ليست هي كلمة لا إله إلا الله، إنما هي كلمة لا رب في الوجود إلا الله، والإله غير الرب الألوهية مادة والربوبية مادة، ولهذا صاغ نعت اسم الله برب العالمين في قوله جل وعلا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾( ) ولو كانت الربوبية هي الألوهية أو كانت الألوهية هي الربوبية هي الألوهية لكان نعتا للشيء في نفسه، وهذا زيادة في الكلام ننزه عنها القرآن. المقصود من ذلك أن معنى الإلهية عند المتكلمين ومن نحى نحوهم هو الربوبية، ولهذا دعا المشركون وعلماء المشركين إلى التوسط بهؤلاء الأموات بأنّ هذا لا يقدح في التوحيد؛ لأن التوحيد عندهم هو الربوبية، فالقاعدة التي بني عليها استحسان الشرك والتساهل فيه هو الخلاف في تفسير كلمة التوحيد، وذلك لأنهم جعلوا كلمة التوحيد معناها القدرة على الاختراع وأنه لا قادر على الاختراع وعلى الخلق إلا الله جل وعلا، وهذا يؤمن به أبو جهل وأبو لهب وكلّ من قتلهم النبي عليه الصلاة والسلام. ( ) قال الشيخ رحمه الله (وهذا التوحيد هو معنى قولك لا إله إلا الله ¬) يعني الذي سبق ذكره قبل ذلك، (فإن الإله عندهم)يعني عند العرب (هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور سواء كان ملكا أو نبيا أو وليا أو شجرة أو قبرا أو جنيا، لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر، فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده) وهذا بيقين؛ لأن الله جل وعلا قال ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾[الزخرف:9]، وقال ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾[الزمر:38] الآية، وقال ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾[يونس:31]. فإذن كل مفرادات أو نقول جل مفردات الربوبية نسبوها لله جل وعلا وحده ولم يجعلوا لآلهتهم منها شيئا، لم يجعلوا لآلهتهم شيئا، ولهذا لما ركبوا في الفلك دعوا الله وحده لأنهم يعلمون أن هذا المطلب العظيم إنما يستقل به الله وحده ولا يحب إلا أن يكون إلا الإقبال عليه وحده فيه، ولأن آلهتهم بعدت عنهم، وهذا مخالف لقول المتكلمين ومن نحى نحوهم: إنّ لا إله إلا الله هي لا قادر على الاختراع إلا الله. لأن أولئك لم يشكُّوا في أن هذه الكلمة يعني بأن العرب لم يشكوا بأن هذه الكلمة إنما جاءت للألوهية لا للقدرة على الاختراع، وإلا لقالوا نحن نؤمن بهذا، ولكن قالوا ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا ﴾[ص:5] فهذا بيقين.قال الشيخ رحمه الله (لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده كما قدمت لك وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد)، (السيد) في لغة العرب هو المتصرف المطاع في ملكه، المتصرف المطاع في ملكه، والسيادة تختلف مثل الرب، فتكون مضافة هذا سيد فلان، سيد البيت، وهذا سيد القبيلة وهذا رب الإبل، وهذا رب المال وأشباه ذلك، فلفظ السيد هو بمعنى لفظ الرب مع اختلاف بينهما. فمعنى السيد في لغة العرب المتصرف الذي يدبر الأمر ويرجع إليه تدبير ما يملك، هذا هو السيد له السيادة في الملكوت، له السيادة في ملكه. لكن في العرف الذي عليه الناس في زمن الشيخ وما قبله إلى وقتنا هذا أطلق لفظ السيد على خلاف معناه في العربية، ويُراد بالسيد الذي بيده التوسط أو بيده [....] والمنع أو الذي فيه السر ولهذا يستعملون في السادة الذين يقصدون لأجل العبادات والتوسط يقولون فيهم قدس الله سر فلان، فلان قدس الله سره؛ لأنهم يجعلون لروحه سرا ويطلقون على هؤلاء لفظ السيد، فمثلا السيد البدوي، السيدة زينب، السيد الحسين، السيد العيدروس، السيد المرغني، السيد فلان، السيد فلان، السيد عبد القادر الجيلاني وأشابه هذا. فيطلقون على الإله لفظ السيد، الإله في العربية الذي ذكرنا عند الناس في هذا الزمان وزمن الشيخ هو ما يسمونه بالسيد، ومن المتقرر أن العبرة بالحقائق لا بالألفاظ، العبرة كما حرره وقرره وهو معروف لكن أطال عليه في هذا الموضع الشوكاني والصنعاني قالوا إنّ تغير الأسماء ومدلولاتها لا يغير الحقائق فإنهم إذا سموا السيد، سموا هؤلاء بالسيد وعنوا بالسيد الإله فإنهم يحاسبون على ما قصدوا لا على أصل اللفظ الذي لم يخطر لهم على بال أو لم يعنوه. فإذن كلمة السيد يراد منها الإله، يراد منها ما يفهم من معنى كلمة الإله عند أهل العربية، لهذا قال هنا (وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد) من هو السيد؟ الذي يُقصد لأجل التوسط عند الله، بل زاد بعضهم وجعل لهؤلاء السادة نصيبا في الملك من جهة التفويض، فيقولون هناك أوتاد في الأرض أُعطوا بعض التصرف في ملكه؛ في الملك، وبعد الأوتاد هناك أقطاب لهم تصرف، هؤلاء يرجعون إليهم، والأقطاب ترجع إلى الغوث الأكبر في البلد، والأرض قسموها قسمة رباعية وجعلوا لها أربعة أشخاص هم الملاذ والغوث الأعظم، ففي قسم البدوي، وفي قسم عبد القادر وفي قسم فلان وفلان؛ يعني أنهم زادوا على شرك العرب في أن جعلوا لهؤلاء تصرفا في الملك، وهذا شرك في الربوبية مع كونه شركا في الإلهية.قال (فأتاهم النبي  يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله، والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرَّد لفظها) قوله (والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرَّد لفظها) لأن الإجماع منعقد على أن من بَلَغَ مجنونا فقال لا إله إلا الله فإنه لا يحكم له بالإسلام؛ يعني إذا كان مشركا قبل ذلك، أو من وُلد مجنونا ثم استمر وقال لا إله إلا الله فإنه لا يحكم له بالإسلام بهذه الكلمة، وإنما يكون تبع لأبويه بتفصيل معروف، فالمشرك الذي كان على الشرك ثم جُنّ وقال لا إله إلا الله في جنونه مائة مرة أو أكثر، بالإجماع عند أولئك المخالفين وعند أهل الحق أنه لا يدخل في الإسلام؛ لأنه تكلم بكلام لم يقصد معناه؛ لأنه لا يعقل المعنى. لهذا فالعبرة فيما تعبد فيه من الألفاظ العبرة بالإقرار بالمعنى لا بمجرد اللفظ، وذلك لأنّ المنافقين قالوا هذه الكلمة ظاهرا وهم بنص القرآن والسنة هم كفار في الدرك الأسفل من النار، فلم ينفعهم قول لا إله إلا الله لأنهم لم يقصدوا معناها أو لأنهم خالفوا ما دلت عليه.إذن فهذه الكلمة دليلها أنواع من الإجماع هي قوله (والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرّد لفظها) وهذه الإشارة منه رحمه الله لأجل أنّ كثيرين قالوا هؤلاء الذين كفرتموهم أو قلتم هم مشركون يشهدون أو يقولون لا إله إلا الله ويتكلمون بذلك ويذكرون الله في اليوم ألف مرة بلا إله إلا الله، فكيف تقولون ذلك والنبي  أمر بالكف على من قال لا إله إلا الله وقال لخالد «قتلته بعد ما قال لا إله إلا الله» إلى آخر ذلك، فيقال إنّ قول الكلمة مع مخالفة المعنى هذا غير نافع بالإجماع فيما ذكرنا في المنافقين وفي حال من بلغ مجنونا.قال (والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي  بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق به والكفر بما يعبد من دونه والبراءة منه) المراد بهذه الكلمة ثلاثة أشياء في كلمة الشيخ هذه: الأمر الأول: إفراد الله تعالى بالتعلق به، وهذا مأخوذ من النفي والإثبات بأنّ لا إله إلا الله معناها لا معبود حق إلا الله، لا أحد يستحق العبادة والتعلق والقصد لأجل العبادة إلا الله جل وعلا. فإذن المراد بهذه الكلمة أولا إفراد الله تعالى بالتعلق به يعني حين التعبد.والثاني: والكفر بما يعبد من دونه، والكفر بما يعبد من دون الله هذا نفهمه من النفي؛ لأن النفي معناه ما جاء في سورة الزخرف في قول الله جل وعلا ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ(26)إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾[الزخرف:26-27], بضميمة قول الله جل وعلا في سورة الممتحنة عن إبراهيم ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾، (فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ) يعني من المرسلين الذين معه على التوحيد من المرسلين والأنبياء ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ ﴾ كل نبي قال لقومه ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾[الممتحنة:4]، إذن في آية الزخرف قال جل وعلا الزخرف ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ(26)إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ(27)وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾[الزخرف:26-28]، هذه الكلمة قال المفسرون هي كلمة لا إله إلا الله، فتكون كلمة لا إله إلا الله معناها (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ(26)إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي)، ومعنى البراءة هنا هو ما دلت عليه آية سورة الممتحنة، فشمل ذلك الكفر بما يُعبد من دون الله؛ الكفر بما يعبد من دون الله وشمل البراءة منه، ولاحظ تعلق الكفر والبراءة بما يُعبد وليس بالعابدين لأن الكفر بالعابدين من اللوازم، وليس من معنى الكلمة، والبراءة من العابدين هذا من اللوازم وليس من معنى الكلمة. الكلمة معناها: كلمة التوحيد يشمل الأمور الثلاثة التي ذكرها الشيخ رحمه الله هنا: • إفراد التعلق بالله. • البراءة من كل معبود سوى الله جل وعلا، أو البراءة من كل عبادة لغير الله جل وعلا. • والثالث: الكفر بكل معبود أو بكل عبادة إلا عبادة الله جل وعلا، الكفر بعبادة مَن دون الله جل وعلا، وهو كله راجع للعبادة نفسها، أما العابدون فهذا له حكم آخر وتفاصيل أخر.إذن ظهر لك وجه الحجة من كون هذه الثلاثة أشياء التي ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى من معنى الكلمة وهو مراد النبي  لهذه الكلمة. قال رحمه الله (فإنه لما قال لهم قولوا لا إله إلا الله قالوا: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾[ص:5]) هذا ظاهر في أنهم يعبدون آلهة ولا يقرون بأن العبادة والقصد يتوجه به إلى واحد بل يتوجه به إلى متعدد، وما بعده واضح حيث قال (فإذا عرفت أن جُهال الكفار يعرفون ذلك فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفرة) إذا كان الكفرة مع علمهم بالمعنى كفروا فكيف يكون حال الذي لا يعلم المعنى أصلا يعني لم يعلم المعنى أصلا ولم يأتِ على باله هو يقع في الشرك مع عدم العلم بالمعنى، لا شك أنه أسوأ حالا من الذي يقع في الشرك مع علمه بالمعنى، فهذا يقع في الشرك وهو غير آمن بالمعنى لأن هذا فرط في واجب وهو أن كلمة التوحيد لا إله إلا الله لا تنفع إلا من علمها فعمل بمقتضاها، وأولئك علموا فخالفوا وهؤلاء المشركون في الأزمنة المتأخرة جهلوا وخالفوا، فقالوا كلمة لم يعلموا معناها فلم تنفعهم من هذه الجهة، ثم خالفوها من جهة العمل فلم تنفعهم أيضا من هذه الجهة، ولو كان هؤلاء تنفعهم الكلمة لكان المنافقون الذين قالوا لا إله إلا الله ينفعهم قولها؛ لأنهم يعلمون المعنى وتلفظوا بها ومع ذلك لما أبطنوا الكفر وعملوا به كانوا أشرّ من الكفار.قال (بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني) وهذا فيه إبطال التقليد في التوحيد فإن توحيد الله جل وعلا لا يصلح على جهة التقليد، بل لابد أن يعتقد المرء الحق بدليله مع علمه بمعنى كلمة التوحيد ومعنى ما دلت عليه، وهذا الاعتقاد يكفيه أن يكون في عمره مرة بدليله؛ يعني لو علمه لحين دخوله في الإسلام وعلم واستمر على المقتضى واستمر على ما دلت عليه، ثم لو سألته نسي ما عرفه واعتقده بدليله فإنه غير مؤاخذ، مثله المسلم الصغير المميز فإنه إذا عُلِّمَ هذه الكلمة وأخبر بمعناها وفهم ذلك وحفظه دليله أوعرف دليله من الكتاب أو من السنة واستمر على ذلك، فإنه يكفيه لأنه اعتقد الحق واعتقد معنى هذه الكلمة بالدليل غير مقلِّد في ذلك مرة في عمره ثم لم يأتِ بناقض لذلك الشيء، ولهذا عندنا في المدارس في الابتدائي يدرَّس الطالب أو الطالبة ثلاثة الأصول فيها معنى كلمة التوحيد والدليل عليها، وكذلك أركان الإيمان يعني مسائل القبر الثلاثة المعروفة، والعلماء من قديم جعلوا ذلك للمتعلمين الصغار؛ لأنهم إذا عرفوا ذلك بدليله مرَّة في العمر صار إيمانهم بما دل عليه التوحيد عن دليل لا عن تقليد، ولو نسوا بعد ذلك فإنه لا يؤثر ذلك؛ لأن نسيانهم ليس من جهة ترك العمل بما دلت عليه، ولكن من جهة نسيان تفسير الذي يُفصح لك به، لكن لو سألته قلت: هل يُدعا غير الله جل وعلا؟ فيقول لا. لأنه علم معنى الكلمة لو سألته هل يستغاث بغير الله؟ قال: لا، لأنه يعلم معنى الكلمة، بخلاف من خالف المعنى وما دلت عليه بشيء حدث له، يعني تسأله فيجيب بخلاف ما تعلم سابقا هذا يكون لابد له من تجديد علم بدليله، حتى يصبح خالصا من التقليد.المقصود من هذا أن التقليد في التوحيد لا يجوز، ومن قلد في التوحيد فإنه لا ينفعه؛ لأن الله جل وعلا لام وذم أهل الشرك بقولهم ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾[الزخرف:22]، وفي الآية الأخرى ﴿مُقْتَدُونَ﴾[الزخرف:23]، فلا بد في التوحيد من دليل ولا ينفع فيه التقليد، وقد أوضحت ذلك مع زيادة بيان وضوابط في شرح ثلاثة الأصول لأن هذا إنما أتى عَرَضا.قال(والحاذق منهم يظن أن معناها لا يخلق ولا يرزق إلا الله، ولا يدبر الأمر إلا الله) هذا الحاذق من أهل هذا الوقت من المشركين نسأل الله العافية وما قبله بأزمان، [...] عن كلمة التوحيد يفسرها بالربوبية لماذا؟ لأنه هو الذي درسه في مذهب الأشعرية ومذهب الماتريدية أو مذاهب المتكلمين، معنى كلمة التوحيد عندهم لا قادر على الاختراع إلا الله لا رازق إلا الله لا محيي إلا الله لا مميت إلا الله، هذا هو الحاذق المتعلم فيهم، (فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله) ولو كان صاحب عمامة وجبة ولو كان ما كان فإن علمه غير مناسب لأن هذه الكلمة هي أساس كل خير، فإذا كان يجهل معناها فإنه لا خير فيه ولو ادّعى فيه الناس ما يدعون.نقف عند هذا ونجيب على بعض الأسئلة.[الأسئلة] 1/ هذا يقول من فسّر كلمة التوحيد بقوله لا حاكمية إلا لله متعلقا بقوله تعالى ﴿إِن الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾( ) وهل هذا التفسير مستقيم أم هو غير ذلك نرجو التوضيح؟من فسر كلمة التوحيد بقوله لا حاكمية إلا لله، ويقول هذا هو معناها فهذا من جنس قول الخوارج؛ لأنهم هم فسروا التوحيد بتوحيد الحكم لقول الله جل وعلا ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾[غافر:12]، ولقوله جل وعلا (إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) والحكم يجب إفراد الله جل وعلا به، وهو من مفردات توحيد الإلهية؛ لأنّ الحكم يعني في الشرع الحكم بالقرآن هذا تحكيم لله، فهو قصد لله جل وعلا طلبا للحكم، فهو من هذه الجهة فيه القصد، قصد القلب والعمل لطلب حكمه فيها، فمن قال معنى لا إله إلا الله لا معبود حق إلا الله كما هو تفسير أهل العلم فإنه يدخل فيه هذا المفرد من المفردات وهو إفراد الله جل وعلا بأنه هو المستحق للتحاكم إليه، لهذا إمام هذه الدعوة جعل من أبواب كتاب التوحيد أبوابا تخصّ هذه المسألة وهي مسألة التحاكم تحليل الحلال وتحريم الحرام وعدم طاعة أحد في تحليل الحرام أو تحريم الحلال في أبواب معروفة، فالمقصود أنّ تفسير لا إله إلا الله بلا حاكمية إلا الله هذا من جنس تفاسير المبتدعة؛ لأنّ لا حاكمية مساوية لـ: لا إله؛ فيعني أنّ الإله هو الحاكم وهذا غلط لأنّ الإله لا في اللغة ولا في العرف ولا في ما جاء به القرآن أن الإله هو الحاكم، وإنما الإله هو الذي يستحق العبادة، ومن العبادة القصد لأحدٍ لتحكيمه بغير شرع الله أو بشرع الله إذا قصد أحدا لتحكيمه راضيا بذلك مختارا فإنه قد عبده، وهذا هناك فرق بين مسألة الحكم والتحكيم قال جل وعلا في سورة النساء ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾[النساء:60] قال طائفة من أهل العلم قوله هنا (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا) فيه اعتبار الإرادة وذلك أن يتحاكم عن رغبة ورضا بحكم الطاغوت، بخلاف ما لو أكره عليه أو أجبر أو أضطر إلى ذلك غير راغب ولا مريد في أشباه هذه الحالات.المقصود من هذا أنه يكون عابدا لغير الله إذا تحاكم راغبا في ذلك مُعظِّما له كحال العابد المحكم في الله جل وعلا في ذلك، فالحكم لله تبارك وتعالى تحكيم القرآن تحكيم لله، تحكيم السنة تحكيم لله جل وعلا، ولهذا لا يطلق الحاكم إلا على من حكم بشرع الله جل جلاله.2/ هذا سؤال عرضنا له مرارا: هل هناك فرق بين أهل الحديث والفرقة الناجية المنصورة، وما حجة من فرق بينهما؟مرّ علينا عدة مرات.3/ من وقع في شرك الأولياء وكان كما ذكرت مصليا عابدا يظن نفسه موحدا مؤمنا، وكان في بلاد علماؤها يلبسون على العوام، ولا يبينون أن هذا شرك بل يفعلون ما يدل على إقرارهم على هذا الشرك من شهود الموالد وإقامة الدروس في المساجد التي بها قبور الأولياء فهل يعذر هؤلاء العوام بجهلهم وعدم وجود من يبين لهم؟هذه المسألة معروفة بمسألة العذر بالجهل، ونرجئ الكلام عليها إلى مقام آخر إن شاء الله تعالى.4/ هناك بعض الناس في بلاد أخرى يأتون إلى بعض الناس يزعمون أنهم أولياء فيطلبون منهم أن يدعوا لهم الله عز وجل فما حكم هذا العمل؟إذا أتى إلى ميت؛ ولي أو نبي أو نحو ذلك فطلب منه أن يدعو الله له؛ يعني قال: يا فلان أدعو الله لي. هذا ميت، هذا هو معنى الشفاعة فمعنى طلب الشفاعة من الميت طلب أن يدعو الله له، أن يسأل الله، فإذن قول القائل للميت أدعو الله لي، أو يأتي للنبي  خارج الحجرة والأسوار ويقول يا رسول الله أدعو الله لي أن يرزقني بكذا، ومعنى هذا اشفع لي بهذا المطلب، لهذا معنى أدعو الله لي اشفع، وحكمها حكم الشفاعة وقد مر معنا في هذا الكتاب أنّ أولئك ما قصدوا إلا الشفاعة، وهم حين يتقربون للموتى يريدون في النهاية أن الموتى يشفعون لهم إذا طلبوا ومنهم شيئا، فيأتي يذبح له ينذر له في المواسم وبين الحين والآخر لظنه أن هذا الميت أو هذا الولي أو هذا النبي أو هذا الجني أو إلى آخره يعرفه بأنه يتقرب إليه، فإذا سأله عند حاجته فإنه مباشرة يرفع حاجته ويدعوا له ويطلب له ما سأل؛ لأنه يتقرب إليه، فهم ما عبدوا إلا للقربى، ولا ذبحوا ولا نذروا ولا استغاثوا ولا عملوا هذه الأشياء بأنواع العبادات إلا لأجل أن يُشفع لهم يعني أن يشفع لهم من سئل.فإذن من طلب من الميت أن يدعو له هذا معناه أنه طلب منه أن يشفع له والشفاعة لا تصلح إلا لله.5/ هل يصح ما يقال أنه أشرف من عبد من دون الله هم الملائكة؟ما لها حاجة العبارة هذه أصلا؛ أشرف من عبد من دون الله الملائكة، لا حاجة للعبارة أصلا، والملائكة على الصحيح يفضُلُهم الأنبياء والمرسلون، فالأنبياء والمرسلون والأولياء أفضل من الملائكة على الصحيح في هذه المسألة.هذه هي المسألة المعروفة بالتفضيل بين الملائكة والبشر، عفوا البشر عن الملائكة، هناك أقوال فيها والتحقيق أن صالحي البشر الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين من عباد الله أفضل من الملائكة لأدلة كثيرة في هذا المقام، وقد بسطها العلماء في مواطنها.شيخ الإسلام كان إذا سئل عن هذه المسألة يسكت، يقول كنت أظن أن الكلام فيها محدث وأن السلف سكتوا عنها كنت أسكت عن الكلام فيها كما سكت السلف، حتى وجدت أن الكلام في التفضيل بين الملائكة والبشر سلفيٌّ أثري ثم ساق أقوال الصحابة والتابعين فيما وقف عليه في هذه المسألة.6/ هل إجابة دعاء من كان يدعو عند القبر فيه ابتلاء لهذا الداعي؛ لأنه سوف يظن أن المجيب له صاحب القبر؟هذا لاشك والابتلاء وقع في هذه المسألة وفي غيرها، فإذا أجيب دعاء من دعا عند القبر فإنه وقع له هنا المخالفة وابتلي بسببها بأنه لو أجيب لظن أن سبب الإجابة صاحب القبر أو بركة المكان، وهذا ابتلاء وشبهة وقع فيها لأنه فرّط في الحق، وكما ذكرتُ لك أنه يكون الإجابة لسِرٍّ؛ لسبب تعلّق بدعائه، وهو يظن أن السبب هو القبر، هذه المسألة مذكروة في شرح الطحاوية في أواخرها.7/ ذكرت أن المنافقين قالوا لا إله إلا الله مع أنها لا تقبل منهم، ولكن يمكن أن يجيب عليها فيقول لا تقل له إنه كافر في الدنيا بل نقول إنه مسلم ونرد علمه إلى الله، هؤلاء الذين يصلون إلى القبر ويعبدون عبد القادر مثلا لا نطلق عليهم لفظ الكفار بل هم مسلمون، ونرد أمرهم إلى الله؟هذا يعطينا دخول في بحث نريد أن تتنبهوا له فيما تسمعون أو تقرؤون، يكون هناك تنظير شيء بشيء لمعنى من المعاني أو لقدر من الاحتجاج، فلا توسع أنت ذاك إلى شيء أوسع مما كان الكلام فيه، لأن هذا يعطيك لبسا في الفهم وأيضا يوقعك في إشكالات علمية دائما، فالتنظير لا يكون دائما على جهة التكامل أو التماثل ما بين الأول والثاني، وإنما قد يكون لجهة من الجهات مثل ما ذكرنا في ورود الشبه بين المنافقين وبين من يقول لا إله إلا الله ويريد الاكتفاء بلفظها، وجه المشابهة قلنا إنه بالإجماع المنافق لم تُفده كلمة لا إله إلا الله، لم تفده في الظاهر أو في الباطن؟ الكلام معروف أنها لم تفده في الباطن، لكن هي لم تفده، ولو أفادته لنجى بها من النار، لكن لم تفده، كذلك من قالها ولم يعلم معناها فإنها لا تفيده من باب أولى؛ لأنه اشترك مع المنافق في القول، والمنافق زاد عليه في العلم، وذاك جهل فهذا قال لفظا ظاهرا وجهل المعنى، وذاك قال لفظا وعلم المعنى ومع ذلك في الدرك الأسفل من النار، لا يعني هذا أن ترتب جميع اللوازم على هذا التنظير من أن تقول أن هؤلاء مسلمون ظاهرا فهل نحكم لهؤلاء بالإسلام الظاهر إلى أشباه هذه الكلمة وإنما القصد أن نمثل للقول بالقول.8/ ما معنى البراءة والكفر بما عُبد من دون الله؟ذكرنا هذا.9/ هل إجابة الله دعاء الحي من صاحب القبر من الاستدراج؟ لا، هو من الفتنة له.10/ نسمع في كتب العقيدة كثيرا ما يُكررون قولهم هذه المسألة شرك أصغر لأنها اعتقاد السببية فيما لم يجعله الله سببا لا قدرا ولا شرعا كحال في التمائم والطيرة، فهل هذه الحالة مطردة؟هذه مسألة طويلة والجواب عليها يحتاج على وقت، لكن تلخيصها أن في مسائل الشرك الأصغر نُرجع كثيرا ما يُحكم عليه بأنه شرك أصغر بالتعلق بالأسباب. الأسباب منها شيء أذن الله جل وعلا به ومنها شيء لم يأذن الله به شرعا، هذا واحد.والأسباب منها ما جعله الله جل وعلا كونا وقدرا في كونه وما جعل سنته عليه –الأشياء-، ما جعله يعطي المسبب؛ ينتج النتيجة ومنها ما جعله لا ينتج النتيجة التي يظنها الظان. مثلا الماء سبب لإزالة العطش أليس كذلك؟ الماء الحلو، لكن الماء المالح لم يجعله الله سببا كونيا لإزالة العطش، وإنما جعل الله جل وعلا الماء العذب هو سبب إزالة العطش. الماء والنار، الماء تطفئ النار، فإذا احتجت إلى إطفاء النار لا تأتي بنار أخرى وإنما تأتي بماء. يعني جعل الله جل وعلا لكل شيء سببا، وجعل هذه الأسباب تُنتج المسبَّبات، فمن جعل شيئا من الأشياء سببا لشيء آخر لم يكن في الشرع سببا له، فهذا مشرك الشرك الأصغر، بمعنى في الشرع ليس هذا السبب جائزا أو لم يُجعل في الشرع التعلق بهذا السبب أو استعماله جائزا، فإنه يكون ذلك منه تعلق بسبب ليس بسبب شرعي، فيكون شركا أصغر مع ضميمة الشيء الثاني وهو أن يكون هذا السبب لا ينتج المسبب كونا؛ لأن الأسباب قد تكون تنتج المسببات قدَرا ولكنها ممنوعة شرعا مثل الشفاء أو الاستشفاء بالمحرمات يشرب الخمر فيتداوى بها، يسمع موسيقى فينتفع بها في الدواء، هذه أسباب كونية قد تكون تؤثر في إنتاج مسبَّباتها، لكنها شرعا ممنوعة. فمن استعمل سببا كونيا في إنتاج المسبَّب -الذي هو النتيجة- فيما نعلمه كونا أنه ينتج هذا السبب، نقول هذا لا يجوز شرعا وليس بشرك. ولكن من جعل سببا ليس بسبب كوني ولا شرعي وتعلق به فإنه يكون مشركا الشرك الأصغر .نرجع في تلخيص هذا أن الأسباب منها ما ينتج المسبب، ومنها ما لا ينتجه، فإذا كان ينتج المسبب كونا يعني فيما تعارفه الناس فتنظر، هل أباحته الشريعة أم لم تبحه؟ فإن أباحته الشريعة فهذا جائز استعماله لأنه سبب شرعي وقدري هذا نوع. إذا لم تجزه الشريعة فيكون سببا كونيا مثل التداوي بالمحرمات، ولكنه ليس بسبب شرعي فهذا نقول غير جائز. والحالة الثالثة ما ليس بسبب لا شرعي ولا كوني فإن هذا يكون التعلق به شركا أصغر؛ مثل تعليق خيط، يعلق خيط ويتعلق قلبه به فيدفع عنه العين، ما علاقة خيط من حبال أو قطن ما علاقتها بدفع العين؟ هذا ليس في الكون ما يثبت السببية، وليس في الشرع أيضا ما يجعل هذا السبب مأذونا به، فيكون التعلق به شركا. كذلك التميمة، تميمة طلاسم أو تميمة بها أشياء أو تميمة وضع خرز أو تميمة وضع جلد أو إلى آخره، هل هذا السبب ينتج المسبب قدرا لا ينتجه، وهو غير مأذون به شرعا، فإذن اجتمع فيه أنه ليس بمأذون به شرعا وأنه لا ينتج المسبَّب قدرا فصار التعلق به شركا أصغر. يوضحه التميمة من القرآن، تميمة من القرآن هل هي شرك؟ ليست بشرك مع أنها تميمة، لكن اختلف العلماء هل يجوز تعليق التميمة من القرآن أم لا؟ وبالاتفاق لا تسمى شركا لأنّ التعلق بالقرآن من جهة كونه شفاء سبب كوني وسبب شرعي -صحيح؟- التعلق بالقرآن، لكن تعليق القرآن وإن كان سببا كونيا لكنه ليس بسبب شرعي، فلهذا لا يصح أن يطلق على تعليق التمائم من القرآن أنها شرك، ولكن نقول الصحيح أنها لا تجوز، و...( ) [المتن] إذا عرفت ما ذكرت لك معرفة قلب وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾( ) وعرفت دين الله الذي أرسل به الرسل من أولهم إلى آخرهم الذي لا يقبَل الله من أحد سواه، وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا أفادك فائدتين:الأولى الفرح فضل الله ورحمته كما قال تعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾[يونس:58].وأفادك أيضا الخوف العظيم؛ فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يُخرجها من لسانه وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله تعالى كما ظنّ المشركون، خصوصا إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾[الأعراف:138].فحينئذ يعظم حرصك وخوفك على ما يخلصك من هذا وأمثاله.[الشرح]بسم الله الحكيم، الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لمجده، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.أما بعد:قال إمام الدعوة الإصلاحية السّلفية في هذه القرون المتأخرة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بعد أنْ ذكر أصولا ومحكمات في فهم التوحيد وفهم الشرك وما كان عليه أهل الجاهلية من الإشراك بالله جل وعلا وصفة ذلك الشرك وما يتصل بذلك، قال (إذا عرفتَ ما ذكرتُ لك معرفة قلب) يعني أنّ الذي سلف يحتاج إلى العلم، فالعلم منه ما يُعلم بإدراكٍ لأول وهلة ثم يترك، ومنه ما يُعرف معرفة قلب، فيكون مدركا ومستقرا في القلب ومعلوما بأدلته وبراهينه. قوله هنا رحمه الله (إذا عرفتَ ما ذكرتُ لك معرفة قلب) المعرفة هي العلم في هذا الموضع يعني إذا علمت ما ذكرت لك علم قلبٍ، والعلم والمعرفة في ابن آدم متقاربان، أما في حق الله جل وعلا فإنما يوصف سبحانه وتعالى بالعلم دون المعرفة، والمعرفة في القرآن أكثر ما جاءت في سبيل التهجين لها وأنها لا تنفع؛ لأنها معرفة بالظاهر لا معرفة القلب، كما قال جل وعلا ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾[النحل:83]، وكما قال ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾( ) فأتت المعرفة لا في مقام المدح في القرآن بل في مقام الذّم، وهذا لأجل أن المعرفة لا يتبعها العلم بالحق دائما والإذعان له والعمل به، وإنما قد تكون قائدة لذلك وقد لا تكون وهو الأغلب، وعامة العلماء على أن المعرفة والعلم في ابن آدم متقاربان؛ لكن يختلفان في أن المعرفة قد يسبقها؛ بل المعرفةُ يسبقها جهل بالشيء أو ضياع لمعالمه، فجهل ثم عرف أو ضاعت معالم الشيء عليه ثم اهتدى إليه وعرفه، كما قال جل وعلا في قصة يوسف ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾[يوسف:58] هذا من جهة العلامات والصفات. فإذن المعرفة والعلم بمعنى واحد، ولهذا جاء في حديث معاذ حين بعثه النبي  إلى اليمن أنّه قال عليه الصلاة والسلام «فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أنْ يعرفوا الله، فإذا هم عرفوا الله فاعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة» في بعض ألفاظ ذلك الحديث، نعم المحفوظ فيه «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» لكن عُبّر عن ذلك تارة بالتوحيد وتارة بالمعرفة، وهذا يدل على أن المعنى عند التابعين الذين رووا بهذا وهذا متقارب، لهذا يستعمل العلماء كلمة المعرفة وكلمة العلم متقاربة، وهذا هو الذي درج عليه الشيخ رحمه الله تعالى هنا؛ لأنه مخاطب من ليس عنده ذلك التفريق الدقيق بين المعرفة والعلم. قال (إذا عرفت ما ذكرت لك معرفة قلب) وهذا المقصود به علم القلب؛ لأن المعرفة معرفة اللسان أو معرفة الظاهر قد لا تقود للإذعان للحق، لكن معرفة القلب معها الاستسلام لذلك الحق.قال (وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾( )) هذه المعرفة الثانية عرفت الشرك من حيث دلالته وصفته وحكمه وما كان عليه المشركون في إشراكهم بالله جل وعلا، فإذن هذا النوع الثاني من المقدمات، والشيخ رحمه الله في هذا الكلام يقدم بمقدمات للنتيجة التي يصل إليها وهي قوله بعد ذلك (أفادك فائدتين)، قال (وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾) الشرك اتخاذ الشريك، واتخاذ الشريك قد يكون على جهة التنديد الأعظم، وقد يكون على جهة التنديد الأصغر، حقيقة الشرك أن يُتخذ النّدّ مع الله جل وعلا واتخاذ الند مع الله قسمان: إتخاذ للند فيما يستحقه الله جل وعلا على العبد من توحيده بالعبادة، وهذا التنديد هو الشرك الأكبر، كما جاء في حديث ابن مسعود حين سأله أي الذنب أعظم؟ قال عليه الصلاة والسلام «أن تجعل لله ندا وهو خلقك»، وكما قال جل وعلا ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة:22] ونحو ذلك. وهناك تنديد أقل يعني أن يجعل للمخلوق شيء من الندية ولكن لا تصل إلى صرف العبادة لغير الله، وهذا من جهة التعلق ببعض الأسباب التي لم يأذن الله جل وعلا بها، أو تعظيم بعض الأشياء تعظيم الذي لا يوصل إلى ما يناسب مقام الربوبية مثل الحلف بغير الله، ومثل قول لولا الله وفلان وأشباه ذلك. فإذن الشرك هو التنديد، وهو اتخاذ الشريك مع الله جل وعلا، والتنديد قسمان:• تنديد أعظم: وهو أن يجعل ما هو محض حق الله جل وعلا للمخلوق.• وتنديد أصغر: وهو أن يجعل للمخلوق شيئا مما يجب أن يكون لله، لكن لا يبلغ أن يصل إلى درجة الشرك الأكبر.ولهذا اختلف العلماء في تعريف الشرك الأصغر وفي ضابط الشرك الأصغر ما هو، كما سبق أن مرّ معكم في كتاب التوحيد:ومنهم من قال الشرك الأصغر هو ما دون الشرك الأكبر مما لم يوصف بالنصوص بأنه مخرج من الملة أو أنه فيه صرف العبادة لغير الله جل جلاله. وقال آخرون الشرك الأصغر هو كل وسيلة إلى الشرك الأكبر. والثاني ينضبط في أشياء ولا ينضبط في أشياء أخر. فمدار ضابط الشرك الأصغر على أشياء ورد النص بتسميتها شركا أو أن حقيقتها تشريك ولا تبلغ التنديد الأعظم في صرف العبادة لغير الله جل جلاله، فقوله جل وعلا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ظاهر في التحذير والتخوف من الشرك لأن الشرك لا يغفر (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) وأما الذنوب فهي على رجاء الغفران كما قال هنا جل وعلا ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وكما قال جل وعلا ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾[الزمر:53]، أجمع العلماء على قوله (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) نزلت في حق من تاب، فإذن قوله جل وعلا (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) في حق من مات على غير التوبة مصرا على معصية فهو على رجاء الغفران تحت المشيئة إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه بذنبه، وأما من تاب فإنه لا يدخل تحت المشيئة لقوله جل وعلا (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) ولقوله جل وعلا ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾[طه:82]، في آيات كثيرة في هذا المقام.

وهاهنا في هذه الآية بحث وهو أن قوله جل وعلا (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) فيه النكرة في سياق النفي، ومن المتقرر في الأصول؛ أصول الفقه وفي علم العربية أن النكرة في سياق النفي تعم، وهنا وقعت النكرة في سياق النفي، والنكرة هي المصدر المنسبك من (أنْ) والفعل المضارع يشرك؛ لأن معنى الكلام إن الله لا يغفر شركا به والمصدر نكرة، وهذا يعني العموم؛ عموم الشرك، فيكون المراد هنا أن الله جل وعلا لا يغفر أي نوع من أنواع الشرك، فالشرك على هذا لا يدخل تحت الغفران سواء أكان أكبر أم كان أصغر أم كان في شرك الألفاظ وأشباه ذلك، بل إنما يقع فيه من الموازنة بين الحسنات والسيئات، وإما يؤخذ العبد به فيعذب عليه، وهذا اختيار جمع من المحققين منهم شيخ الإسلام بن تيمية، ومنهم أكثر أئمة الدعوة رحمهم الله تعالى، بناء على القاعدة الشرعية على ذلك.قال آخرون من أهل العلم إن قوله جل وعلا (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) هو عام لأن أن يشرك نكرة أتت في سياق النفي فهي دالة على العموم، لكن العموم تارة يراد به الخصوص لأن العموم عند الأصوليين على ثلاثة:• مراتب عموم باق على عمومه. • وعموم مخصوص. • وعموم مراد به الخصوص. فيكون اللفظ عاما ولكن المراد به شيء خاص، كما في قوله جل وعلا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾[الأنعام:82]، فهنا قوله (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) هذه نكرة أيضا في سياق النفي بـ(لم) وهذه تدل على عموم الظلم، ولهذا فهم الصحابة ذلك فقالوا: يا رسول الله أيّنا لم يظلم نفسه؟ قال «ليس الذي تذهبون إليه فإنما الظلم الشرك ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾[لقمان:13]»، فأفهمهم عليه الصلاة والسلام أنّ المراد هنا بالظلم خصوص الشرك، فإذن يكون اللفظ عاما ولكن المراد به خصوص الشرك، وهذا ما يسميه الأصوليون عموم مراد به الخصوص، ففي هذه الآية قال طائفة من أهل العلم اللفظ عام ولكن المراد به خصوص الشرك الأكبر؛ لأنه هو الذي نعلم من النصوص أنه لا يُغفر وأنّ صاحبه متوعد بالنار كما قال جل وعلا مثلاً في سورة الحج إنه ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾[الحج:31]، وكما قال جل وعلا في سورة المائدة ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾[المائدة:72]، قوله في سورة المائدة (مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) (مَنْ) هذه شرطية و(يُشْرِكْ) فعل فيه الحدث فيه المصدر وهي نكرة هذا يدل على العموم، لكن لما رتب الأثر وهو أن الله حرم عليه الجنة ومأواه النار علمنا أن المراد خصوص الشرك الأكبر، فقالوا هذه الآية مثل تلك. قال الأولون هذه الآية فيها عدم المغفرة وعدم المغفرة لا يستلزم الخلود في النار، وهذا غير الآيات التي فيها الخلود في النار، فتلك الآيات دالة على أن المراد بالشرك الخصوص؛ خصوص الشرك الأكبر لأن السياق يقتضيه، وأما هذه فلا دليل عليها. وعلى العموم كما ذكرنا القول الأول هو قول الأكثرين، وعليه يتم الاستدلال هنا، وهو أن من عرف من الشرك الأكبر والأصغر في قول الأكثرين من أهل العلم لا يدخل تحت المغفرة أفاده الخوف من الشرك بالله جل وعلا؛ لأنه ليس ثَم شركا على هذا القول يدخل تحت المغفرة، بل إن الله جل جلاله لا بد أن يؤاخذ بالشرك، فإنْ كان شركا أكبر فالخوف عظيم منه فلا بد من معرفته ومعرفة وسائله ومعرفة أفراده حتى يحذره العبد، وإن كان شركا أصغر فلا بد أيضا من معرفته ومعرفة أفراده ومعرفة وسائله حتى يحذره العبد؛ لأن الجميع لا يدخل تحت المغفرة. فإذن قول الشيخ رحمه الله تعالى هنا (وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾) يريد منه وضوح صورة الشركن ثم الخوف من الشرك، وأثر ذلك الخوف وهو أن يسعى العبد في تعلم التوحيد وتعلم ضده الذي هو الشرك الأكبر والأصغر حتى لا يخاطر بدينه وبنفسه وبمستقبله في الآخرة لأشياء يتساهل فيها في هذه الدار الفانية.هذه النقطة الثانية التي تكلم عليها الشيخ.الثالثة من المقدمات قال (وعرفت دين الله الذي أرسل به الرسل من أولهم إلى آخرهم الذي لا يقبل الله من أحد سواه) دين الله الذي أرسل به الرسل هو الإسلام، الإسلام المراد به هنا الإسلام العام الذي يشترك في الدعوة إليه كل رسول، فكل رسول أتى بالإسلام العام، وأما محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام فأتى بالإسلام العام والإسلام الخاص الذي هو شريعة الإسلام، والرسل من قبل مسلمون وأتباع محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام مسلمون، وإسلام من قبلنا دخول بالإسلام العام، وأما إسلام هذه الأمة فهو إسلام من جهة العقيدة ومن جهة الشريعة. وما هو الإسلام العام؟ الإسلام العام هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله. هذا التعريف للإسلام دعا إليه الرسل جميعا، أن يُستسلم لله بالتوحيد وأن يُنقاد له بالطاعة والطاعة هنا بحسبها طاعة لكل رسول جاء كل أمة بحسب الرسول الذي جاءها والبراءة من الشرك وأهله. فإذن هذا الأصل هو الدين عند الله جل وعلا الذي قال الله فيه ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾[آل عمران:19]، وبقوله ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾[آل عمران:85]، قبل بعثة محمد عليه الصلاة والسلام كل مخاطب بالإسلام الذي بعث به الرسول الذي أرسل إلى تلك الطائفة، وبعد محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام لا يُقبل من أحد لا الإسلام الذي بعث به محمد عليه الصلاة والسلام. فإذن دين الله الذي أرسل به الرسل مشتمل تحقيق التوحيد لله وخلع الأنداد والكفر بالطاغوت، كما قال جل وعلا في سورة النحل ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾[النحل:36]، وقال ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾[فاطر:24] ونحو ذلك من الآيات. فإذن العلم بدين الرسل هذا مهم للغاية، وتعلم دين نوح عليه السلام، وتعلم دين إبراهيم عليه السلام، وما خالف به نوح قومه وما خالف به إبراهيم قومه، وكذلك دين موسى عليه السلام ودين عيسى وما خالفوا به أقوامهم، وكذلك الدين الذي بُعث به سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام وما خالف به أقوامهم.إذا عرفت حقيقة دين المرسلين فإنه يسهل عليك أن تعرف ما عليه الناس في الأزمان التي غلب فيها الجهل.قال –هذه الأخيرة؛ الرابعة من المقدمات- (وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا أفادك فائدتين) التوحيد ترْكه ممن تركه راجع إلى أحد شيئين أو هما معا في بعض الأحوال:• الأول: الجهل به. • والثاني: العناد. والجهل قد يكون لعدم وجود من ينبه وقد يكون للإعراض عن البحث فيه. والعناد والاستكبار هذا يكون مع العلم وإقامة الحجة. وكل من الأمرين مُكَفِّر؛ فمن لم يأتِ بالتوحيد عن إعراض منه وجهل فهو كافر، ومن لم يأتِ بالتوحيد ويترك الشرك بالله جل وعلا عن عناد واستكبار فهو كافر، لهذا قال العلماء الكفر كفران:1. كفر إباء واستكبار كقوله جل وعلا ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ﴾[البقرة:34].2. والنوع الثاني الإعراض كما قال جل وعلا ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾[الأنبياء:24].فليس كل من كفر كَفر عن عناد واستكبار، بل قد يكون كُفره عن الإعراض، ولهذا جاء في أواخر نواقض الإسلام التي كتبها إمام الدعوة رحمه الله؛ الناقض العاشر الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به. لا يهمه أن يعلم التوحيد ولا يهمه أن يعرف الشرك ولا يهمه هذه المسائل، يُعرض عن دين الله أصلا. وإذا تقرر ذلك فهنا ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بذلك، هذا من جهة الحكم على الواقع ذاك الذي تكلمنا عليه من جهة التأصيل؛ أنّ الكفر قد يكون من جهة الإعراض والجهل، وقد يكون من جهة الإباء والاستكبار، ومن جهة الواقع يعني الحكم على الناس فإن المتلبس بالشرك يُقال له مشرك سواءً أكان عالما أم كان جاهلا، والحكم عليه بالكفر يتنوع: فإن أُقيمت عليه الحجة؛ الحجة الرسالية من خبير بها ليزيل عنه الشبهة وليُفهمه بحدود ما أنزل الله على رسوله التوحيد وبيان الشرك فترك ذلك مع إقامة الحجة عليه فإنه يعد كافرا ظاهرا وباطنا. وأما المعرض فهنا يعمل في الظاهر معاملة الكافر، وأما باطنه فإنه لا نحكم عليه بالكفر الباطن إلا بعد قيام الحجة عليه؛ لأنه من المتقرر عند العلماء أن من تلبس بالزنا فهو زان، وقد يؤاخذ وقد لا يؤاخذ، إذا كان عالما بحرمة الزنا فزنى فهو مؤاخذ، وإذا كان أسلم للتو وزنى غير عالم أنه محرم فالاسم باق عليه؛ لكن –يعني اسم الزنا باق أنه زانٍ واسم الزنا عليه باق- لكن لا يؤاخذ بذلك لعدم علمه. وهذا هو الجمع بين ما ورد في هذا الباب من أقوال مختلفة. فإذن يفرق في هذا الباب بين الكفر الظاهر والباطن، والأصل أنه لا يُكَفَّر أحد إلا بعد قيام الحجة عليه لقول الله جل وعلا ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾[الإسراء:15]، والعذاب هنا إنما يكون بعد إقامة الحجة على العبد في الدنيا أو في الآخرة، قد يُعامل معاملة الكافر استبراء للدين وحفظا له، من جهة الاستغفار له، ومن جهة عدم التضحية له، وألاّ يزوج وأشباه ذلك من الأحكام. فإذن كلام أئمة الدعوة في هذه المسألة فيه تفصيل ما بين الكفر الظاهر والكفر الباطن، ومن جهة التطبيق في الواقع يفرقون، فإذا أتى للتأصيل قالوا هو كفر سواء أكان كفره عن إعراض وجهل أو كان كفره عن إباء واستكبار، وإذا أتى للتطبيق على المعين أطلقوا على من أقيمت عليه الحجة الرّسالية البينة الواضحة أطلقوا عليه الكفر، وأما من لم تقم عليه الحجة فتارة لا يطلقون عليه الكفر كما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في موضع: وإن كنا لا نكفر من عند قبة الكوّاز وقبة البدوي لأجل عدم وجود من ينبههم. الشيخ ما كفر أهل [الجبيلة] ونحوهم ممن عندهم بعض الأوثان في أول الأمر لأجل عدم بلوغ الحجة الكافية لهم، وقد يطلق بعضهم على هؤلاء الكفر ويراد به أن يعاملوا معاملة أهل الكفر حرزا ومحافظة لأمر الشريعة والإتباع، حتى لا يستغفر لمشرك، وحتى لا يضحي عن مشرك، أو أن يتولى مشركا ونحو ذلك من الأحكام.فإذن نخلص من ذلك (وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا ) أنّ هذا الجهل بالتوحيد مذموم غاية الذم، سواء أطلقنا عليه حكم الكفر ونعني به الظاهر، لا الكفر الكامل الذي هو ردة مخرج من الدين أصلا، وإنما الكفر الظاهر الذي تترتب عليه الأحكام الظاهرة في الدنيا، أو قلنا أنه في هذا أتى بخطر عظيم في جهله بالتوحيد، فهذا ينبئك عن أن غالب الناس اليوم كما قال الله جل وعلا ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾[يوسف:106]، وكما قال بل أكثرهم ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾[الأنبياء:24]، فالحق بين وواضح وجلي من أراده أدركه ولكن سبب علمهم بالحق ليس هو خفاء الحق في نفسه ولكن سببه إعراض من أعرض، قال( بل أكثرهم لا يعلمون الحق) لم؟ هل لأدل أن الحق خافٍ أو يحتاج إلى معلومات خاصة بل السبب أنهم معرضون، بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون ذلك سبب عدم علمهم بالحق الإعراض. فهذا الإعراض عن الدين والإعراض عن التوحيد وعدم تعلم التوحيد والجهل به، هذا قد تجده في أناس من الخاصة، وقد تجده في دعاة وقد تجده في بعض طلبة العلم، فمن أنعم الله جل وعلا عليه بمعرفة التوحيد ومعرفة ضده ومعرفة أنواع التوحيد وبيان ذلك والأدلة عليه، وعرفتَ ما أصبح غالب الناس فيه، بل أكثر وأكثر الناس فيه من الجهل بالتوحيد حتى وإن زعموا أنهم من أهله (أفادك فائدتين الأولى الفرح فضل الله ورحمته) فإنه لا شيء يعدل العلم بالتوحيد والعلم بضده والاستجابة لأمر الله بالتوحيد والاستجابة لنهي الله جل ولا عن الشرك ووسائله، فإن العلم بذلك هو أصل الاعتقاد، والعمل بذلك هو أصل الملة فأصل بعثة الأنبياء والمرسلين وزبدة الرسالات الإلهية، فمن رأى ما من الله به عليه من الإقبال على هذا العلم وفهمه وفهم حدوده وفهم أدلته وكلام أهل العلم فيه أفاده هذه الفائدة العظمى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾[يونس:58]، ولهذا الفرح (بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ) يعني بالدين وبالتوحيد وبتعلمه وبالإقبال عليه، هذا خير من كل ما يغشاه الناس من أمور الدنيا ومن الأمور التي يظنون أنها فاضلة لأمور الدين كالاهتمام بالعلوم المختلفة أو الاهتمام بأشياء متنوعة، فأصل الملة أن تعلم التوحيد وتتعلمه، لهذا خاف إبراهيم على نفسه من عبادة الأصنام فدعا ربه بقوله ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾[إبراهيم:35] خاف على نفسه وخاف على بنيه، قال إبراهيم التيمي رحمه الله: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم. لهذا بوب الشيخ في كتاب التوحيد باب الخوف.فهنا إذا عرفت المقدمات الأربع، وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا التوحيد والجهل بالشرك وعدم إعارة ذلك أو الاهتمام بذلك الاهتمام الواجب الذي يليق به لعظم مسألة التوحيد، أفادك فائدتين الأولى الفرح بفضل الله ورحمته، والحق أننا إذا تدبرنا ذلك فإننا نرى أنه لا شيء لنا، وإنما هو فضل الله جل جلاله، فالله ساق لنا هذا الفضل ويسر لنا ذلك بفضله وبرحمته، ثم نفرح بفضل الله وبرحمته كما قال ابن القيم رحمه الله في النونية:واجعل في قلبك مقلتين كلاهما من خشية الرحمن باكيتانلو شاء ربُّك كنت أيضا مثلهم القلب بين أصابع الرحمنإذا عرفت هذا الفضل وهذه الرحمة التي غشيت بها ومن الله عليك بها فلا تتركنها إلى غيرها حتى يأتينك اليقين؛ لأن هذه أعظم نعمة تنعم بها على العبد أن يكون عالما بالتوحيد عالما بالرسل مخالفا لأهل الجهل والجهالة. قال (أفادك فائدتين الأولى الفرح بفضل الله ورحمته كما قال تعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾[يونس:58])، وفضل الله ورحمته الدّين والقرآن وفقه الدين وفقه القرآن والتوحيد والإسلام ونحو ذلك، ولهذا روى ابن أبي حاتم وغيره عن عمر رضي الله عنه أنه دعا غلامه يوما إلى أن يخرج إلى إبل الصدقة الزكاة جُمعت له خارج المدينة فلما ذهب إليها اهتال غلامه من كثرتها فقال لعمر فقال لأمير المؤمنين: يا أمير المؤمنين هذا فضل الله ورحمته. فغضب عمر وقال: كذبت ولكن فضل الله ورحمته القرآن، قال تعالى (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ) -يعني القرآن في نزوله وتشريعه وما حبى الله هذه الأمة به- (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) فإن كان ثم فرح فليفرح المرء بهداية الله جل وعلا له بالالتزام بدين الله وبمعرفة التوحيد والعلم به وما يتصل بذلك وهذا هو الفضل، وبه تعلم أن المحروم من حرم وأكثر الخلق حرموا هذا الفضل العظيم. ثم الفائدة الثانية قال (وأفادك أيضا الخوف العظيم فإنك إذا عرفت...) إلى آخره، والخوف العظيم ملازم لن الشيطان أضل الأكثرين، فتفرح بفضل الله وبرحمته وتخاف:فالفرح بفضل الله وبرحمته يعني بمعرفة التوحيد والعلم به ومعرفة الشرك ووسائله والابتعاد عن ذلك والدعوة إلى التوحيد والدعوة إلى النهي عن الشرك إجمالا وتفصيلا، هذا الفرح بفضل الله وبرحمته يفيد الثبات على ذلك، فكلما استحضرت الفرح هذا وكنت فرحا به كنت مستمسكا به. ثم الخوف أو الفائدة الثانية يجعلك لا تلتفت عنه يمينا ولا شمالا، فكلما التفت كلما رجعت لأجل شدة الخوف، مستحضرا خوف إبراهيم وخوف عباد الله الصالحين، والخوف من الشرك لأجل ألا يقع العبد فيه، وأنتَ ترى اليوم أن أهل هذه البلاد مثلا مع ما هم عليه من أثر هذه الدعوة الإصلاحية العظيمة التي قربتهم إلى الله جل جلاله بالتوحيد وبالبعد عن الشرك ووسائله، لكن لأجل عدم الخوف من الشرك وقعوا في شركيات؛ من شركيات الألفاظ وبعضها من الشرك الأصغر وبعضها قد يكون من الشرك الأكبر في حق بعض الناس.وهذا ونسأل من الله جل وعلا السلامة والعافية لأجل عدم الخوف من الشرك، فيكثر عند الناس أن يقولون نحن على الفطرة، والناس في هذا البلد أهل فطرة يستمرون أهل الفطرة إلى متى؟ الأجيال التي بعد آدم التي بعد آدم عليه السلام كانوا على الفطرة ثم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم. إذن ما أمن أحد على دينه وهو عالم بحقيقة عداوة الشيطان، بل لا يأمن إلا من يخاف، من يستحضر الخوف دائما يحذر ويحذر ويستحذر الحذر فإذا غابت عنه مسائل التوحيد راجع وتأكد، وهكذا إذا تفهم وحفظ وراجع ودعا حتى يثبت وحتى يستقيم له دينه. قال (وأفادك أيضا الخوف العظيم، فإنك إذا عرفتَ أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه وقد يقولها وهو جاهل) يُشير الشيخ رحمه الله بذلك إلى ما جاء بالحديث الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام «وإنّ الرّجل ليتكلم بالكلمة من سَخَطِ الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا» فقول الشيخ رحمه الله (يخرجها من لسانه وقد يقولها وهو جاهل) من جهة أنه لا يلقي لها بالا؛ لأنه لا يعلم أنها مكفرة فقوله عليه الصلاة والسلام لا يلقي لها بالا تهوي به في النار سبعين خريفا يعلم أنه منهي عنها لكن لا يلقي لها بالا من شدة الخوف منها، لهذا قال (فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه) بكلمة يحصل الكفر، سواء كان معتقدا لها؛ يعني لما دلت عليه، أو كان قوله لهذه الكلمة من الكفر بالله ناتج عن الإعراض عن دين الله وهو متمكن من معرفته. فإذن الإعراض لا يُعذر به العبد إذا كان إعراضا مع التمكن من المعرفة؛ عنده أهل العلم يمكنه أن يسألهم، عنده أهل الديانة يستطيع أن يبحث عن الحق، ثم هو لا يبحث عن ذلك، فهذا يدخل في قوله عليه الصلاة والسلام (لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا) .قال (وقد يقولها وهو جاهل فلا يُعذر بالجهل) لأنه أعرض مع تمكّنه من المعرفة، أعرض مع قرب الحجة منه، فجهله لا بسبب خفاء الحق أو بسبب وجود من ينبهه وإنما جهله بها لأجل الإعراض. فإذن هنا نلحظ التفريق في الجهل ما بين الجهل الذي سببه عدم وجود من ينبه بالحق، والجهل الذي سببه الإعراض. • فالجهل الذي سببه الإعراض مع وجود من ينبه هذا لا يعذر به العبد. • وأما الجهل الذي يكون لأجل عدم وجود من ينبه فإنه يعذر به حكما في الآخرة حتى يأتي من يقيم عليه الحجة، ولا يعذر به في أحكام الدنيا، فهو على كل حال متوعد هذا التوعد العظيم. إذا كان الإنسان قد يعوي في النار سبعين خريفا يعني يكون في قعرها، هذا يعني أنه فارق نار الموحدين بكلمة يقولها، هذا من خاف هذا الشيء يلزمه أن يتعلم أسباب الرّدة وأسباب الكفر والكلمات التي قد يكفر بها وهو لا يشعر بذلك، وهذا مضبوط بضوابطه الشرعية، فإنه ليس كل من قال كلمة الكفر كفر، ولهذا الشيخ قال هنا (إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه وقد يقولها وهو جاهل) قد يقول ذلك (وهو جاهل فيعذر بالجهل) يعني في بعض أحواله (وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله تعالى كما ظن المشركون) المشرك في أي زمان ومكان ما أشرك محادّة لله ولرسله قصدا في المحادّة وإنما حصلت المحادّة نتيجة لشركه، فهو إن أشرك محادّ، ولكن إذا قلت للوثني المشرك الجاهل أنت مبغض لله كاره لله جل وعلا محادّ لله يقول لا؛ لأنه يقول أنا ما فعلت هذه الأفعال إلا بقصد التقرب إلى الله حتى يرتفع مقامي عند الله. فإذن لا يتصور في المشرك أنه أشرك للبعد عن الله بل أشرك ليتقرب إلى الله، كما قال جل وعلا ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾[الزمر:3].قال رحمه الله بعد ذلك (خصوصا إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾[الأعراف:138]) قوم موسى مروا على قوم يعبدون آلهة ويعبدون معبودات، فنظروا إلى ذلك فظنوا أنه محمود؛ لأنه مخالف لدين فرعون فقالوا لموسى ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(138)إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[الأعراف:138-139]، وفي حديث أبي واصب المعروف أنه قال: مررنا ونحن حدثاء عهد بكفر بسدرة( ) وكان للمشركين سدرة ينوطون بها أسلحتهم فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال النبي عليه الصلاة والسلام «الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قال أصحاب موسى لموسى: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ».قال العلماء أصحاب موسى لم يكفروا وأصحاب محمد عليه الصلاة والسلام الذين كانوا حدثاء عهد بكفر لم يكفروا بتلك الكلمة، ولكن لو تبعها عمل لكفروا؛ لأنهم طلبوا شيئا عن جهل فلما بُيِّن لهم انتهوا. وهذا يفيد -يعني قصة قوم موسى وقصة ذات أنواط- تفيد أنّ الموحد قد يخفى عليه بعض أفراد التوحيد، وهذا يفيده الخوف؛ لأن قوم موسى وهم خاصّة أصحاب موسى منهم من قال تلك الكلمة، وأصحاب محمد عليه الصلاة والسلام ممن أسلم حديثا منهم من قال تلك الكلمة، مع أنهم يعلمون معنى لا إله إلا الله ويعلمون ما يدخل تحتها من الأفراد، لكن جهلوا بعض الأفراد، هذا يفيد أن من دونهم لا بد أن يخاف الخوف الشديد؛ لأن جهله ببعض الأفراد أولى من جهل أولئك، فإن أنعم الله عليه بمنبِّه له بعد الكلام يحجزه عن العمل وينبهه، فهذا من نعمة الله عليه وإن لم يجد بل قال ذلك الكلام واتخذ إلها مع الله فإنه يكون قد ناقض بفعله توحيده.قال (فحينئذ يعظم حرصُكَ وخوفك على ما يخلصك من هذا وأمثاله) وهذا لاشك أن يوجب الخوف الشديد.إذن هذا المقطع من كلام الإمام رحمه الله تعالى فيه تهيئة نفس الموحد لكشف الشبهات التي يأتي بيانها، فهيأ نفسه لبيان حال المشركين الذين أشركوا من أقوام كل رسول، وبيّن ديانة كل رسول، بيّن معنى التوحيد ومعنى ضده، وبيّن أن أكثر الناس مخالفون للتوحيد معرضون عنه جهال به، وبيّن أن هذه المقدمات تفيدك أولا الفرح والثاني الخوف، وهذا تهيئة لنفسيتك حين تتلقى كشف تلك الشبه، فكشف الشبه إذن الذي سيأتي يكون مع فرحك بالتوحيد وخوفك من الشرك، وهذا يقيم حاجزا قويا نفسيا من أن تتلقى الشبهة تلقيا عقليا بحتا، كما عليه علماء الكلام وأشباههم دون وضعٍ تعبدي نفسي من الوجل والخوف والفرح والرضا، ثم أنْ تكون حين تعرض لك جواب الشبه يكون في نفس الفرح بفضل الله بالتوحيد والفرح بفضل الله جل وعلا ورحمته أن كُشفت لك الشبه.فإذن الشبه مَزَلَّة أقدام من جهة عرضها ومن جهة كشفها، فلابد لها من قاعدة تقوم عليها نفس الموحد، وهذه القاعدة هي التي قدمها الشيخ رحمه الله فأول الكلام قواعد علمية، والآن هذا الفرح والخوف قواعد نفسية حتى تكون فيما تستقبل من عرض الشبه ونقدها وكشفها، تكون ما بين قواعد علمية محكمات لا تزول بعدها، وما بين تحسينات نفسية لا تتأثر بالشبه مهما جاءت، فإذا جاءت الشبهة صار عنك خوف من ضد التوحيد وفرح لما أنت عليه من التوحيد، وهذا يجعلك في قوة وتحصن وأمان بفضل الله وبرحمته.الحمد لله جل جلاله على ما أنعم به علينا من نعمة التوحيد ودراسته وتعلمه ونبذ الشرك والبراءة منه وبُغض الشرك وبغض أهله ومعاداة أولئك والتبرِّئ منهم قولا وعملا واعتقادا، ونسأله جل وعلا بكل اسم له حسن وبصفاته العلا أن يديم علينا هذا الفضل وهذه الرحمة، وأن يجعلنا فرحين بذلك خائفين من ضده ما حيينا، نسأله جل وعلا أن لا يزيغ قلوبنا إذ هدانا، وأن ينعم علينا ويتم نعمه ذلك بأن يتوفانا وهو راض عنا غير مغيرين ولا مبدلين، نعوذ بك اللهم من كل فتنة، نعوذ بك اللهم من كل فتنة تصدنا عن هذا الأمر الجلل في التوحيد ودعوة الأنبياء والمرسلين.هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.[الأسئلة] نأخذ بعض الأسئلة. بالمناسبة في مواقف السيارات، أهل المسجد يودون من الإخوة أن يقفوا في المواقف الشرقية أو في الجنوبية في هذه الجهة؛ لأن الوقوف في الجهات الضيقة قد تضيق على من يريد أن يخرج من بيته ونحو ذلك من بعض الإخوة.هنا فيه سيارتين تضيق على أصحابها تقول سيارة [...] رقمها مائتين وخمسة، صفر ثلاثة وخمسين و[...] سبعمائة وعشرين أربعة وخمسين سبعة وتسعين استحضر دائما قول النبي  «لا ضرر ولا ضرار» لا تضر إخوانك، قد يكون أحدهم عنده موعد يريد أن يستفيد بعض الوقت من العمل ثم يذهب إلى موعد مهم له إما لمستشفى أو ضروري بمصالحه أو لأهله أو نحو ذلك، فلا تفترض أن الذي يحضر يحضر كل الفترة، وأنهم جميعا سيخرجون خروجا واحدا، لا تفترض هذا، بل استحضر أن منهم من سيخرج مبكرا منهم من عنده كذا ولا يفترض أن الذي سيحضر يتخلص من كل المشاغل، يحضر نصف ساعة يستفيد بعض الشيء ثم أذهب إلى بعض الأعمال فيعين بعضكم بعضا على أمر دينه ودنياه.1/ هل صفة العلو ذاتية أم فعلية ؟ صفة علو الله جل وعلا ذاتية، هو جل وعلا لم يزل عاليا على خلقه سبحانه وتعالى، له علو الذات وعلو الصفات.2/ نسأل الله بكل اسم له حسن، فهل هناك لله بعض الأسماء السيئة؟أعوذ بالله، أعوذ بالله، فأسماء الله جل وعلا حسنى حسنة، والشر ليس إلى الله جل وعلا لا في ذاته ولا في أسمائه ولا صفاته ولا أفعاله؛ يعني لو قال الداعي أسألك اللهم بأسمائك الحسنى هل يفهم منه أنه ثم أسماء غير حسنى؟ لا يفهم ذلك.3/ هذا السؤال فيه طول بعض الشيء نقل قول بعضهم.الكفر الظاهر والباطن هو الذي ذكرت لكم تفصيله، وأما الجاهل قد يكفر قد يكون جهله عن إعراض مع وجود من ينبه، مثل مثلا واحد في هذه البلاد يجهل التوحيد ويعمل الشرك مع قيام الحجة وقيام الدعوة ووكل يبلغ ومن يبلغون هم موجودون في المجلات وفي الصحف وفي مناهج التعليم وفي كلماتهم وفي الإذاعة إلى آخره، فهذا من أعرض من قيام تمكنه، مع تمكنه من السؤال وطلب الحق هذا لا شك أنه لا يعذر بجهله في هذه المسألة؛ لأنّ جهله لا بسبب عدم وجود من ينبهه، ولكن بسبب إعراضه أصلا عن هذا الأمر، لأنه هناك من ينبهه. أما إذا جهل لأجل أنه لم يأتِ من ينبهه هو الذي ذكرنا لكم قول الشيخ رحمه الله فيه وإن كنا لا نكفر من عند قبة الكوّاز لأجل عدم وجود من ينبههم، والكفر إنما قلنا كفر ظاهر وباطن تبع لقول بعض أئمة الدعوة كالشيخ ابن معمر وغيره، وهو ظاهر كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في بعض المواضع، وتفصيل هذه المسألة يأتي إن شاء الله تعالى في مسألة الإباء والإعراض وأشباه ذلك.4/ هل هناك فرق بين المشرك والكافر؟نعم، الكافر قد يكون كافرا بلا شرك؛ يكون كافرا بلا شرك، يكون كافر بلا شرك، مثل من ارتكب شيئا من الأمور التي يرتد بها غير الشرك فإنه يكون كافرا وإن لم يحصل منه شرك فالشرك تشريك في العبادة، والكفر قد يكون ببعض ما يحكم عليه بالكفر والردة لكن ليس ثم تشريك. إذن إذا راجعت باب حكم المرتد في كتب أهل العلم لوجدت أنّ من أحوال الردة الشرك قد يكفر بغير ذلك.5/ هذا ينبه على أن الشيخ محمد العثيمين حفظه الله قد نقل اللقاء اليومي والدرس اليومي من مسجد علي بن المديني إلى جامع ذي النورين.... اعتبارا من غد يوم الأحد  [المتن]واعلم أن الله سبحانه من حكمته لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداءً كما قال الله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾[الأنعام:112]، وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج كما قال الله تعالى ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ ﴾[غافر:83].إذا عرفت ذلك وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلم وحجج، فالواجب عليك أن تتعلم من دين الله ما يصير لك سلاحا تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك عز وجل ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾[الأعراف:16-17]، ولكن إذا أقبلت على الله وأصغيت إلى حججه وبيناته فلا تخف ولا تحزن﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾[النساء:76]، والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء هؤلاء المشركين كما قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ﴾[الصافات:173] فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان كما هم الغالبون بالسيف والسنان، وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح، وقد من الله علينا بكتابه الذي جعله تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها كما قال تعالى ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾[الفرقان:33]، قال بعض المفسرين هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة. [الشرح]بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حق الحمد وأوفاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هو ولي من تولاه، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.اللهم إنا نسألك عما نافعا وعملا صالحا وقلبا خاشعا ودعاء مسموعا، اللهم أعِنا على الحق، اللهم أعنا على الحق، اللهم أعنا على الحق، اللهم لا تجعلنا إلى الباطل سبيلا، نعوذ بك من الحور بعد الكور، نعوذ بك من الضلال بعد الهداية، نعوذ بك أن نضل أو نضل أو نزل أو نزل أو نجهل أو يجهل علينا.قال الإمام رحمه الله تعالى في مقدماته العظيمة في الفائدة بين يدي كشف شبهات المشركين التي لبَّسوا بها أهل عقول الجهلة في توحيد الله جل جلاله وما يستحقه سبحانه وتعالى من إفراده بالعبادة وحده دونما سواه وأن يكون الأمر كله له وأن يكون الحكم كله لله جل وعلا فيما يختص بالشرعيات وفيما يختص بما يعمله المكلف. فالحكم جميعا لله جل وعلا، فالواجب على العبد أن يجعل الفيصل فيما يطلبه وفيما يريد الصواب فيه أن يجعل الفيصل كلام الله جل وعلا وكلام رسوله  كما قال سبحانه ﴿إِن الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾[يوسف:40]، فكما أنه سبحانه الحكم بأمره في ملكوته، كذلك هو الحكم فيما يختلف الناس فيه وفيما يطلبون العلم فيه والصواب والحق فيه في الشرعيات والعمليات.قال رحمه الله بعد أن ذكر المقدمات التي سلفت (واعلم أن الله سبحانه من حكمته لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداءً كما قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾[الأنعام:112]) قد يأتي الشيطانُ للعبد بشبهة أن التوحيد والدين إذا كان من عند الله حقا وإذا كان ذلك فيه مرضاة الله جل وعلا والله ينصر أولياءه ويعز أولياءه ويخذل أعداءه فالمفترض أن يكون –يعني في إيقاع الشيطان في النفوس- أن يكون أهل التوحيد هم الغالبين، وأن يكون الرسل ليس لهم أعداء لأنهم من عند الله جل وعلا، وهذا الظّن قد ظنه طائفة من المشركين فرغبوا في إنزال ملك حتى يُتفق عليه، ورغبوا في أن يكون للنبي كذا وكذا من الأشياء التي يكون معها الاتفاق وعدم المعاداة له وعدم الجحود ما جاء به، كما قال جل وعلا ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾[الإسراء:90] الآيات في سورة الإسراء، وكذلك الآيات في سورة الفرقان ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا(7)أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا(8)انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾[الفرقان:9]، فمن حكمة الله جل جلاله أنه بعث الرسل وجعل لكل رسول أعداء، وأعداء الرسل من الإنس والجن؛ لأن بَعثة الرسل للإنس أقوامهم وللجن الذين يسمعون حديثهم، إلاّ محمدا عليه الصلاة والسلام فإن بعثته للعالمين جميعا للإنس كافة وللجن كافة، فلكل رسول أعداء وهؤلاء الأعداء جعلهم الله جل وعلا أعداء لحكمة؛ لأن أمر التوحيد عظيم، فلهذا قال سبحانه (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ)، وقال جل وعلا في الآية الأخرى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾[الفرقان:31]، فحكمة الله جل وعلا اقتضت أنْ يجعل لكل نبي أعداء، وهكذا لكل أتباع الرسل والأنبياء جعل لهم أعداء؛ لأن حكمة الله سبحانه وتعالى اقتضت أن يُفْرَق بين حزب الله وحزب الشيطان، هذا الفرق بين حزب الله وحزب الشيطان قد يكون فرْقا بالعلوم وقد يكون فرْقا بالسيف والسنان، لهذا القرآن فرقان فَرَقَ الله جل وعلا فيه بين علوم الحق وبين علوم المشركين. المقصود أن حكمة الله اقتضت أن يكون لكل نبي عدوا، فلا ينظر الموحد في زمن ما إلى أنّ أهل التوحيد قلة، أو إلى أنهم مزدرَوْن، أو إلى أنهم لا يؤبه لهم، أو إلى أنهم مكثوا زمنا طويلا لم يُنصروا، أو نحو ذلك من الأشياء، أو أنهم يُعذبون، أو أنهم يُطردون، أو ما يفعله الأعداء بأهل التوحيد، لا ينظر إلى ذلك وإنما ينظر إلى الحق في نفسه، وحكمة الله عرفها أهل السنة بأنها وضع الأشياء في مواضعها الموافقة للغايات المحمودة منها، وضع الأشياء في مواضعها الموافقة للغايات المحمودة منها، والله جل وعلا أَذِنَ بالشر في ملكه والشر ليس إليه ليظهر طيب الطيب وليظهر طيب أهل الحق على خبث غيرهم، فأذِن به جل وعلا أذِن بالشر فِداءً بالخير حتى يظهر، فلولا هذه العداوة ما ظهر المستمسك بالتوحيد من غيره ما ظهر الذي على قناعة تامة من توحيد الله جل وعلا من المتردد الذين هم في ريبهم يترددون، ونحو ذلك من الحِكم العظيمة. فالله جل وعلا أنزل العداوة في موضعها، وهذه العداوة موافقة لغاية محمودة منها، فَجَعْلُ بعض الجن والإنس بل الأكثر من شياطين الإنس والجن أعداء للرسل هذا فيه غايات محمودة، ومن هذه الغايات المحمودة التي هي حكمة الله جل وعلا أنْ يظهر أنصار الله جل وعلا الذين يستحقون فضله ومِنَّتَه ودار كرامته، ومنها أن يظهر الفرقان بين أهل الحق وأهل الباطل بشيء بشري وليس سماوي، وربما يُنعم الله جل وعلا بشيء من عنده من السماء كتأييد بملائكة أو نحو ذلك، ومنها أن يظهر أن هؤلاء الذين نصروا دينه ليس عندهم شك ولا شبهة مع كثرة المعادين ومع كثرة الشبه ومع كثرة ما يَرِد فإن استمساكهم بالحق دليل على صحة التوحيد، فالرسل مع قلة من استجاب لهم استمسكوا بالحق وبعضهم مكث مدة طويلة، فظهر أنّ هؤلاء الذين استمسكوا بالحق وثبتوا عليه، حتى إن أحدهم ليؤخذ فينشر بالمنشار نصفين ما يَرُدُّه ذلك عن دينه هذا شهادة عظيمة بأنّ هذا الذي حملوه حق لأن الله جل جلاله جعلهم مكرمين بهذا الأمر ومكرمين باتباع الرسل يعني باتباع الحق، فيه حكم شتى. والشيخ رحمه الله هنا (لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء) وهذا الحصر مأخوذ من الآية ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾( ) فلفظ (كل) ظاهر في العموم وهو بمعنى لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء. وأعداء التوحيد أعداء الأنبياء والرسل على قسمين: أعداء رؤساء، وأعداء تبع. • فالرؤساء: إما أهل الرئاسة والتدبير في أمور الدنيا، وإما أهل الرئاسة في أمور الفكر والدين، هؤلاء هم الذين تزعموا العدواة وصدوا الناس عن الدين، هذا الصنف من أصناف الأعداء. • والصنف الثاني منهم الأتباع الرّعاع: الذين أعرضوا عن الحق، أو الذين أخذتهم الحمية والعصبية في ألا يقبلوا التوحيد وأن ينصروا رؤساءهم. فلا يوصف بالعداوة العلماء فقط أي الرؤساء فقط، بل أعداء التوحيد العامة والرؤساء جميعا؛ لأن من لم يستجب للتوحيد فقد سب الله جل جلاله كل مشرك بالله فهو متنقص الرب جل وعلا ساب له، فمن ادعى أن مع الله إله آخر يتوسط به ويزدلف به إلى الله جل وعلا عن طريقه بوساطته وشفاعته سواء كان ذلك عالما أو لم يكن عالما وإنما يكن تبعا لرؤسائه فإنه عدو للتوحيد، وربما كان هؤلاء من جهة انتشارهم في الناس أبلغ في إحياء عداوة التوحيد وبثها من الخاصة، وهذا ظاهر بيّن؛ لأن العامة ينشرون من الأقوال والأكاذيب أعظم مما يبثه الخاصة. وإذا نظرت إلى دعوة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، فإن الذي نشر أنه صابئ والذي نشر أنه ساحر والذي نشر أنه مجنون أتباع الكبار أتباع الرؤساء والملأ في العرب. وكذلك إذا نظرت إلى دعوة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فإنّ الذي نشر في الناس مقالة أعداء الشيخ من علماء زمانه إنما هم العامة، فالعامة عداوتهم تأتي من جهة التعصب ومن جهة نصرة الباطل لقناعتهم بمن قال لهم ذلك، فعندهم علماء معظمون ورؤساء معظمون فيقتدون بهم ويحتجبون لمقالهم دون نظر وتدبر، فهؤلاء أعداء لتوحيد الله جل وعلا.وكلٌّ من هذين الصنفين يجب الحذر منه ويجب على الموحد أن يعاديه، فليست عداوة الموحد لعلماء المشركين خاصة، أو الذين أعلنوا الحرب على التوحيد خاصة هؤلاء لهم نصيب من العداوة أكبر، وكلّ من لم يوحد الله جل وعلا وانغمس في براثن الشرك وأشرك بالله فهو عدو لله جل وعلا، فكلّ مشرك عدو لله جل وعلا، كما قال سبحانه وتعالى ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾[التوبة:114].قال جل وعلا﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾[الأنعام:112]، و(شَيَاطِينَ الْإِنسِ) جمع شيطان والشيطان هو البعيد عن الخير مأخوذ من شَطَنَ إذا بَعُدَ، فالشَّاطِن هو البعيد، والشيطان -النون فيه أصلية- وهو البعيد من الخير، والخير بما يناسبه، ولهذا قيل لبعض الحيوانات شيطان لما يناسبه من بعده عن الخير وما يلائمه، وقيل للحمامة في الحديث شيطانة في قوله «شيطان» حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي رواه أبو داوود وغيره «شيطان يتبع شيطانة» فالشيطان هو البعيد عن الخير، والخير في كلٍّ ما يناسبه، وقد قال الشاعر في ذلك:أيام كنا يدعونني من الشيطان من غزل وكنا يهوينني إذ كنت شيطانيعني كنت بعيدا عن الخير مع بقاء اسم الإسلام عليه، لكن يكمن البعد عن الخير في الكفر، فالكافر والمشرك شيطان من شياطين الإنس، ولابد أن يمدَّه شيطان من شياطين الجن لأنه ما من أحد إلا وابتلى به القرين.قال (عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ) شياطين الإنس يرون وشياطين الجن لا يرون، وهم الذين يلقون أيضا بعض الشبه في نفوس شياطين الإنس من جهة الوسواس والقرين. قال(يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) في قوله (زُخْرُفَ الْقَوْلِ) ما ينبئ على أنّ علوم المشركين وشبه المشركين.... ( ) الشيء الناصع البيّن الجيد ومنه قيل للذهب زخرف؛ لأنه ناصع واضح، فزخرف القول الذي له مشروع وضياء يبصره ببصيرته المتأمل له فيخدعه، فقال جل وعلا هنا (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ) لهذا أنّ ما عند المشركين من العلوم لها زخرف فليُحذر منه، لا يتصور في هذا المقام مقام كشف الشبهات أن شبهة المشرك ليس لها وجه البتة، لا تتصور هذا، فإن المشرك يوحي بعضهم يوحي بعض المشركين إلى بعض بزخرف القول حتى تزين الشبهة، فلا يقال هذه الشبهة فيها نصيب من الحق فتكون حقا، أو أن يظن أن شبهة المشرك ليس لها نصيب من النظر البتة، بل يكون لها زخرف ويكون لها نظر، فإذا تأملها أهل العلم وجدوها داحضة، كما قال جل وعلا ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾[الشورى:16]، فالحجج التي يدلي بها أهل الشرك فيها زخرف وفيها تدليس وفيها تلبيس، ولها بعض الشبه لها بعض ما يجعلها ملتبسة بالحق. ولهذا لا تتصور أن الشبه التي تأتي، التي أدلى بها أعداء التوحيد أن كل واحدة لا تدخل العقل أصلا، بل منها أشياء خدع بها الشياطين هؤلاء من خدعوا من أمم الإنس والجن، ولكن هذا القول غرور يعني أنه يُظهر و[...] ويتزخرف عند سماعه أو عند رؤيته، ولكنه عند التحصيل ليس بشيء وهذا لأنه إذا تدبر وفحص وجد أن حججهم داحضة.قال (وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج) وهذه مقدمة مهمة في سبيل كشف الشبهات التي أدلى بها علماء المشركين، (قد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج)، العدو للتوحيد لا تتصور خاصة من أمة محمد  من العلماء الذين جاؤوا في هذه الأمة لا يتصور أن عدو التوحيد لا يكون عنده البتة لا يتصور أن عدو التوحيد لا يكون فقيها لا يكون محدثا لا يكون مفسرا لا يكون مؤرخا بل قد يكون مبرزا في فن من هذه أو في فنون كثيرة، كحال الذين ردوا على إمام هذه الدعوة فإنهم كان يشار إليهم بالبنان فيما اختصوا فيه من العلوم، منهم من كان فقيها، منهم من كان مؤرخا، وهذا حال أيضا من رد عليهم أئمة الدعوة فلا تتصور أن عدو التوحيد لا يكون عالما، وهذه شبهة ألقاها الضُّلال في نفوس الناس، فجعلوا اعتراض العالم على العالم دال على صحة كل من المذهبين، هذا وهذا [والمعنى] واسع، ولهذا بعضهم يقول في مسائل التوحيد هذا أصح من القول الثاني أو في أصح قولي العلماء هو كذا وكذا، هذا لا يسوغ أن يقال في مسائل التوحيد؛ لأن من خالف في مسائل التوحيد فإنه ليس من علماء التوحيد ولا علماء السنة الذين يصح أن تنسب لهم مقالة أو أن يؤخذ بقولهم في الخلاف، بل التوحيد دلت عليه الدلائل الكبيرة من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وبينه الأئمة فمن خالف ولو كان من العلماء الكبار في الفقه أو في التاريخ أو في الحديث أو غيره فإنّ مخالفته لنفسه، ولا يقال إن في المسألة خلافا. لهذا لا بد أن تنتبه إلى أن عدوّ التوحيد من علماء المشركين ليس من صفته أن يكون غير عالم، بل قد يكون عالما وإمام في فن من الفنون؛ إمام في التفسير، وإمام في الفقه، مرجع في القضاء ونحو ذلك مثل أعداء الدعوة الذين عارضوا الشيخ رحمه الله وعارضوا الدعوة كحال مثلا من المتأخرين داوود بن جرجيش، فإنه كان على علم واسع ولكن من علماء المشركين، وكحال محمد بن حميد الشرقي صاحب كتاب السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة أيضا كان من أعداء التوحيد فصنف ردا على المشايخ فيما تكلموا فيه على منظومة البوصيري المعروفية الميمية وأبطل أن يكون ذلك شركا وقرر ما قاله البوصيري إلى آخر ذلك، وللشيخ عبد الرحمن بن حسن صاحب كتاب فتح المجيد المجدّد الثاني رحمه الله له في ذلك رسالة ردّ بها على صاحب هذا الكتاب، فهو بارز في الفقه وأشير إليه في التفسير وبالتراجم إلى آخره ولكنه من علماء أعداء التوحيد من علماء المشركين؛ لأنهم نافحوا عن الشرك، وردوا على أهل التوحيد [........] في تعريف التوحيد والشرك [....] المسلم مشركا مرتدا فأضلوا الناس في ذلك.فإذن المقدمة المهمة بين يدي هذه الرسالة: ألاّ تظن أن العلماء الذين يشار إليهم بالبنان أنّ هؤلاء لا يكونون مشركين، بل في زمن الشيخ رحمه الله وما بعده كان هناك علماء يشار إليهم ولكنهم كانوا مشركين مثل مفتي الشافعية أيضا في مكة أحمد بن زيني دحلان وأشباه هؤلاء، فالناس يرجعون إليهم ويستفتونهم فيصدرون عنهم، فلا يتصور أن الشرك ليس له علماء تحميه. فإذن كمقدمة لا تقل في مسألة من المسائل التي يأتي كشف الشبهة فيها قالها العالم الفلاني، وقالها الإمام الفلاني، وكيف يفعلها الإمام الفلاني، فهذا إما أن يكون جاهلا ما حرر المسألة كبعض العلماء المشهورين المذكورين بالخير، وإما قد يكون قد علم فعاند وعارض وصنف في تحسين الشرك، مثل ما فعل مثلا الرازي فخر الدين الرازي صاحب التفسير المسمى بمفاتيح الغيب، حيث صنف في تحسين دين الصابئة ومخاطبتهم للنجوم كتابا سماه: سرّ المكتوم في أسرار الأفلاك ومخاطبة النجوم. وبه كفره طائفة من أهل العلم، فيحسن كيف تخاطب النجوم وكيف يستغاث بها وكيف تستنبط إلى آخره، وصنف في ذلك ليدل صابئة حران على ذلك، وهذا لا شك أنه من الضلال البعيد، فلا يقال في أي شبهة يأتي ردها أو رد عليها أئمة السنة والتوحيد، لا يقال كيف العالم الفلاني قالها؟ كيف راجت على هذا العالم الفلاني؟ وهؤلاء إما أن يكونوا جُهالا فلا يصنفون في أعداء التوحيد، وإما أن يكونوا صنّفوا في الشرك وتحسينه، هؤلاء هم الذين عناهم الشيخ بقوله (وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج)، إذا رأيت نقولهم قد تكون عن شيخ الإسلام وعن ابن القيم كما فعل داوود بن جرجيش مثلا صنف كتابا سماه: صلح الإخوان. نقل فيه عن شيخ الإسلام وابن القيم نقولا، ونقل عن أقوال المفسرين وأقوال كثير من العلماء، مثل في هذا العصر ما صنف مثلا محمد بن علوي المالكي كتابا حشد فيه أقوال نحوا من مائتين أو ثلاثمائة من العلماء الذين أقروا بعض الشركيات وبعض التوسلات ونحو ذلك في كتبهم، هذا ليس هو العبرة. فإذن القاعدة التي يجب أن يكون عليها قدما الموحّد أن علماء المشركين قد يكون لهم علم كبير وحجج لأنه ليس الشركُ سببا في انسلاخهم من العلم، كما قال جل وعلا عن أوائلهم ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ ﴾[غافر:83]، وقد يكون هذا العلم بالإلهيات كما قالوا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾[ص:5]، هذا اعتراض شبهة، وقالوا ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾[الزمر:3]، وقد يكون في الفقهيات كما قالوا ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾[البقرة:275] ونحو ذلك، فجنس العلوم جنس العلوم التي وجهت لهذه الأمة موجودة عند أعداء الرسل إما من جهة الإلهيات وإما من جهة الشرعيات، فعارضوا الرسل بما عندهم من العلم بل إن الله جل جلاله سمى قولهم حجة فقال وذلك تعظيما له من جهة قوة الشبهة فيه قال ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾[الشورى:16]. (وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج) هل هذه الكتب الكثيرة التي له والفقهيات والتراجم والتفسير وما أشبه ذلك، يجعله ليس عدوا للتوحيد إذا صنف في عداوة التوحيد، وصنف في تحسين الشرك، ودعا الناس إلى ذلك؟ لا، فإنه يكون عدوا للتوحيد ناصرا للشرك ولا كرامة، ولو كان أثر السجود في جبهته، ولو كان عنده من المؤلفات أكثر مما عند المكثرين كالسيوطي وغيره، فهذا ليس بعبرة، وكلامه بالتالي ليس بعبرة؛ لأنه ليس من علماء التوحيد فعلومه ضارة وليست نافعة.قال بعد ذلك رحمه الله (إذا عرفت ذلك ) يعني ما تقدم من أنّ أعداء الرسل قد يكون لهم علوم وكتب يصنفونها وحجج يُدلون بها قد يكون يحتجون بالكتاب، قد يكون يحتجون بالسنة وأشباه ذلك، وبأقوال المحققين من أهل العلم مثل ما ينقلون عن أحمد ببعض الأشياء، ينقلون عن شيخ الإسلام، ينقلون عن ابن القيم، ينقلون عن ابن حجر، ينقلون وينقلون، وهذا كله من العلوم الضارة ليست من العلوم النافعة، قال (إذا عرفت ذلك وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من ( ) أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلم وحجج) انتبه لهذه الكلمة (لا بد له) لا بد لطريق التوحيد طريقة التوحيد لابد لها من أعداء كما ذكرنا، وهؤلاء الأعداء قد يكونون علماء، وهؤلاء العلماء أهل فصاحة وعلم وحجج، لا بد أن تكون حاجزا من أن يصدوك عن الهدى ويدخلوك في الضلال، أو أن يلبسوا عليك الدين، أليست الفصاحة هي المعيار، فإبليس كان فصيحا، وليس العلم في نفسه هو المعيار، بل لابد أن العلم هو العلم النافع وليست الحجج وإيرادات وجواب هو المعيار، فإذا كان هذا موجودا فانتبه إلى وصية الشيخ رحمه الله في مقدمة هذه الرسالة العظيمة كشف الشبهات. قال (فالواجب عليك) إذا علمت أن ثَم أعداء والأعداء قد يكونون علماء وعندهم فصاحة وعلم وحجج، معناه العداوة استحكمت وتوجه التصديرات عليه، وتوجه الأسلحة عليك أعظم، فما الذي واجب عليك؟ هنا يجب عليك أن تصون نفسك وأن تحمي نفسك أعظم حماية في هذا الأمر الجلل الذي من ضل فيه كان من الخاسرين أبد الدهر، قال (فالواجب عليك) وجوبا شرعيا (أن تتعلم من دين الله ما يصير لك سلاحا)، وقوله (من دين الله) هذا للتبعيض؛ لأن العلم منه واجب عيني ومنه واجب كفائي، وقوله (الواجب عليك أن تتعلم من دين الله ) يعني به ما كان من الدين فرضا عينيا على كل أحد، وهو الذي لا يُعذر أحد بالتقليد فيه وذلك في معنى الشهادتين وتحقيق مسائل القبر الثلاث من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فهذا العلم واجب بأدلته، وهو الذي وصف لك وصنّف فيه الشيخ الرسالة العظيمة ثلاثة الأصول لنجاتك في هذا الأمر الخطير بين علماء المشركين. قال (فالواجب عليك أن تتعلم من دين الله ما يصير لك سلاحا تقاتل به هؤلاء الشياطين) تقاتل به ابتداءً أو تقاتل به دفعا؟ كلاهما؛ لا بد من الدفع في حينه، ولابد من الابتداء في حينه، مقاتلة بالحجة والبيان، إذا لم تكن ذا سلاح فالخوف ثم الخوف عليك، ولهذا تجد أن بعض أهل الفطرة وأهل هذه البلاد وأهل التوحيد الذين يُفترض فيهم ويظن فيهم أن يكونوا حماة لهذا الأمر العظيم -توحيد رب العالمين جل جلاله، الذي هو حق الله على العبيد- أن لا يُصْغُوا لشبهة في التوحيد؛ والآن تجد أن منهم من عنده شبه في السحر، من عنده شبه في الكهانة، وتجد من يردد كلاما في أن هؤلاء الذين يعبدون القبور ويعبدون الأوثان وينادون الموتى والغائبين بما لا يقدر عليه إلا الله جل جلاله أو فيما لا يقدرون عليه يقول هؤلاء فيهم كذا التكفير صعب، الحكم عليهم بالشرك صعب، لهم صلاة يعرفون الله، عندهم محبة للدين ونحو ذلك من الكلام، وهذا يزلزل نفس الموحد؛ لأنه يظن أن المسألة فإن ما دامه صاحب صلاة وصاحب زكاة وعنده حب للخير وكذا، فلا يحكم عليه بحكم الشرك أو الكفر مع أنه ساب لله جل جلاله وذلك بعبادته غير الله جل وعلا، فنفس الموحد في هذا المقام تأتيها أنواع كثيرة من الهجوم؛ تارة في أشياء نفسية، وتارة بشبه علمية، وتارة بأشياء راجعة إلى الضعف الذي في نفس بعض أهل التوحيد. فإذن لا بد من الانتباه لهذا وهو أن الواجب أن يتعلم المرء من دين الله ما يصير له سلاحا يقاتل به هؤلاء الشياطين، ما هو هذا السلاح؟ هو تعلم التوحيد وضده وتعلم الشرك بأنواعه كما صنف فيه الشيخ رحمه الله في كتابه؛ كتاب التوحيد، ثم إن كان بين قوم عندهم مجادلة في التوحيد لابد من الإطلاع على ردود الأئمة على علماء المشركين الذين شبهوا في التوحيد، كما قدمت لك في المقدمة، أنّ معرفة هذا الباب يعني كشف الشبهات مبنية على أشياء منها مطالعة كتب العلماء في رد شبه المشبهين الذين عارضوا الدعوة وعارضوا التوحيد. قال(تُقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك عز وجل ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾[الأعراف:16]) يعني قد تكون سائرا على الصراط ويكون إبليس الشيطان ومن معه من الإنس والجن يأتونك في هذا الصراط المستقيم ليحرفوك عنه، ثم قال ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ﴾ يعني وهم على الصراط ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾[الأعراف:17]، يعني هجوم من كل جهة هذا يعظم المصيبة ويعظم الابتلاء فيكون إذن التعلم وأخذ السلاح واجب وجوبا لا محيد له. قال بعد ذلك رحمه الله (ولكن إذا أقبلت على الله ) أقبلت على الله بصدق وإخلاص وإنابة وتخلّص من الحول والقوة، وانطراح بين يدي الله جل وعلا أن يخلصك من كيد الشيطان وكيد أعدائه بالشبهات والشهوات، قال (وأصغيت إلى حججه) إلى حجج الله (وبيناته فلا تخف ولا تحزن) يعني إذا فعلت السبب الواجب عليك من تعلُّم الحجج والبينات التي بينها الله جل وعلا في كتابه وأقبلت على الله بقلب منيب صادق مخلص محب لما عند الله راغب في الخير ملتمس له فلا تخف ولا تحزن.الشيخ لما صنف ذلك استحضر زمنه واستحضر بعض البلاد؛ بلاد هذا الزمن التي فيها قلة من أهل التوحيد، وأكثر من حولهم وأكثر أقاربهم وأكثر العلماء في بلدهم ينافحون عن الشرك ويدعون إليه، فإنه يجد نفسه في خوف وفي حذر، في خوف من أن يصاب، وقد يكون إذا كان ضعيفا قد يكون يأتيه التردد في هذا الأمر إلاّ إذا أقبل على هذا الأمر الجلل ولم يحد عنه، قال (وأصغيت إلى حججه وبيناته فلا تخف ولا تحزن ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾[النساء:76]) والله جل وعلا ﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾[النحل:128]. قال (والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء هؤلاء المشركين كما قال تعالى ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ﴾[الصافات:173]) العامي من الموحدين عنده محكمات وهي العلم الواجب الذي ذكرنا أنه لا يصح إسلام العبد إلا به، عنده من المحكمات ما يردّ بها شبه المشبهة وشبه علماء المشركين.مثاله ما ذكره أئمة الدعوة أن رجلا من عوام الموحدين كان في المدينة في المسجد النبوي فقال له أحد العلماء لما عرف أنه من هذه الجهة هذا في الزمن الأول قال له: أنتم تقولون يطلب من الموتى، هؤلاء الشهداء أحياء بنص القرآن، والله جل وعلا يقول ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾[آل عمران:169]، هؤلاء أحياء وليسوا بأموات، فلماذا لا نطلب منهم؟ قال له العامي -هذا من الموحدين-: لو قال الله جل جلاله (أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْزَقُونَ) لطلبنا منهم ولكن قال (يُرْزَقُونَ) فهم يُرزقون مثل ما نُرزق نحن، فنطلب من الرزاق. وهذا رجوع إلى المحكمات، فالموحِّد ولو كان عاميا لا بد أن يستمسك في هذا الباب العظيم بالمحكمات:من المحكمات مثلا تعريف كلمة التوحيد. من المحكمات تعريف العبادة التي تَرجع إليها مهما شبه المشبه. من المحكمات إجماع أهل العلم على أن صرف العبادة لغير الله كفر، وأنّ من صرف العبادة لغير الله فهو مشرك. من المحكمات أنّ المسلم قد يرتد بأشياء، كما نص عليه العلماء في باب حكم المرتد. من المحكمات التي ترجع إليها أنّ مشركي العرب كانوا يعبدون الأصنام والأوثان لا لأنها حجارة ولكن عبدوها لأن فيها أرواح الصالحين، تحل في الأصنام أرواح الصالحين والأولياء هل اتخذوا من دونه أولياء؟ ﴿ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾[الرعد:16] ونحو ذلك، اتخذوا الأوثان إما [.....] أو أنبياء أو صالحين.فإذن من المحكمات التي ترجع إليها في هذا المقام أن شرك مشركي العرب ليس هو بعبادة الصنم، هذه مهمة من المحكمات والأساسيات. فإذا تقرر هذه الأربع محكمات ومنَّ الله عليك بأشياء زيادة على ذلك من حفظ بعض الآيات في هذا المقام كقوله جل وعلا ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ(13)إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾[فاطر:13-14]، وكقوله جل وعلا ﴿ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ(5)وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾[الأحقاف:5-6]؛ لأنّ هذا فيمن يبعث، لأن هذه الآيات فيمن يحشر يوم القيامة فيجيب وهو غافل عن الدعاء في الدنيا، وإذا حشر الناس يوم القيامة كانوا لهم أعداء، يعني لمن عبدهم. فمن المحكمات أن ترد على كل من قال إنّ عبادة المشركين لغير الله هي عبادة الأصنام، كما يدندن حوله أكثر المفسرين المتأخرين، كل ما أتت آية فيها عبادة غير الله يجعلونها في الأصنام، بينما إذا رأيت تفسير ابن جرير رحمه الله تجد أنّ كل نص فيه عبادة غير الله جل وعلا يجعله في الأصنام والأوثان والأنداد جميعا، وهذا لا شك أنه فقه عظيم لنصوص القرآن. إذن عرفت المحكمات التي ترجع إليها، فلا يحتاج العامي من الموحدين إلى أن يعلم التفاصيل كلها، فإذا علم ثلاثة الأصول بأدلتها، وعلم الذي ذكرنا المقدمات الأربع هذه فإنه يغلب الألف من علماء المشركين، لم؟ لأنّ معه المحكم وأولئك معهم المتشابه والذي معه المحكم يغلب من معه المتشابه لأنه واضح والمتشابه غير واضح، المتشابه مشتبه وأما المحكم فواضح بيّن. فكل شيء شبه عليك به ارجع به إلى أصله إلى المحكم منه فتجد أن المسألة اتضحت، فتدع المتشابه في النظر وفي الجدال وتردع إلى المحكمات فتعلوا الحجة. قال (كما قال تعالى ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ﴾[الصافات:173])، قال (فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان كما هم الغالبون بالسيف والسنان)، هذه الآية (وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ) قال فيها شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله وجماعة ممن بعده: إنّ الأمة ظاهرة -لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق- ظاهرة وغالبة في كل زمن، وأنه لا يتصور مجود زمن لا يكون في هذه الأمة طائفة ظاهرة على الحق غالبة لأن الله جل وعلا قال (وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ) فأكد ذلك بـ(إِنَّ) وأكده باللام، وهذان نوعان من المؤكدات، وهذه لغلبة وهذا الظهور قد يكون بالحجة والبيان، وقد يكون بالسيف والسنان، فإن عَدِم أهل الحق الظهور بالسيف والسنان فهم غالبون في كل زمن بالحجة والبيان، ومعلوم أنّ النبي  مكث مُدَّة في مكة وهو يجاهدهم بالقرآن. فإذن الجهاد والقتال قائم في كل حين حتى في لحظتنا هذه بيننا وبين المشركين وبين أعداء الملة والدين إما بحجة وبيان نجاهدهم بها، وإما بسيف وسنان والسيف والسنان له شروطه المعتبرة شرعا، والحجة والبيان قائمة في كل زمان، فإذن هذه الأمة منها طائفة ظاهرة على الحق لا يضرها من خالفها ولا من خذلها إلى قيام الساعة وهم ظاهرون بالحجة والبيان، وأهل التوحيد ظاهرون على أعدائهم بالحجة واللسان والحجة والييان؛ لأن حججهم محكمات واضحات، ولأن حجج غيرهم داحضة لأنها شبهات. قال (وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح).الآن كل هذه المقدمات فيها وصف، يأتي بعد إن شاء الله الدرس القادم ابتداء الدخول في لب الكتاب وتفاصيل الشبه وتقعيد الردود عليها في تبيان كلام الشيخ رحمه الله.قال(وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح) وهذا والله حق، فالخوف على الموحد أن يأتي ويسلك طريقا ليس معه سلاح، فقد سُمع من بعض أهل التوحيد والمنتسبين إليه من يسهّل بين خلاف الأديان وربما بعضهم سماها الأديان السماوية الثلاثة، وسُمع منهم من يسهّل في أمر تبيان السحرة وسُمع منهم من يشكك في كُفر أهل الشرك وكُفر عبّاد القبور والأوثان وهكذا، بل حرك ترى في الناس، فقد يكون في هذا الزمان عندنا هذا البلد بخاصة فكيف بغيره من إذا حركته في مسائل التوحيد ربما سلم لك شيئا أو أشياء وجادلك في أشياء كانت من الواضحات، وهذا لأجل أنهم خاضوا الطريق واختلطوا بالناس وذهبوا جاؤوا وسافروا وانفتحوا على الأقوال المختلفة ووسائل الإعلام المختلفة دون سلاح، مثل ما قال الشيخ رحمه الله هنا (وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح) فكل يصيبه ما معه سلاح هذا يصيبه بطعنة وهذا يصيبه بطعنة من الشبهات، حتى يكون ذهنه قائما على غير الحق نسأل الله جل وعلا العافية.قال (وقد من الله علينا بكتابه الذي جعله تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) هذه الكلمة تأصيل لـ: أنّ الردود على المشركين وكشف الشبه الأصل فيها كتاب الله جل وعلا كل حجة عندنا وإنما هي في القرآن في هذا الأمر العظيم أمر التوحيد ومضادة الشرك وأهله، وهي في القرآن، لم؟ لأن القرآن كما قال جل وعلا ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾[النحل:89]، فقوله (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) بما فيه بيان كل الأشياء، وأعظم الأشياء حاجة إلى تبيانها مسألة التوحيد والشرك وبيان التوحيد وبيان الشرك، وهذا أعظم ما يحتاج غليه العباد فكان هذا داخلا دخولا أوليا في قوله (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ)، فإذن الرجوع في التبيان والبيان والحجة إلى القرآن، وهذا كما سيأتي بأنّ كل الحجج إنما هي من القرآن والسنة مبيِّنة للقرآن.قال (فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبيِّن بطلانها) هذا حال قاعدة عامة في كل شيء في مسائل العقيدة والتوحيد، وكل مسألة يُحتاج فيها إلى حكم الشرع فإنها في القرآن، كما قال جل وعلا ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾[الأنعام:38] على أحد وجهي التفسير، قال (إلاّ وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها كما قال تعالى ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾[الفرقان:33]) المثل ليس المراد به ما يسير مسير؛ كما يقال في الأمثال كذا وكذا، وإنما المثل هو القول الذي يسر في الناس، القول إذا كان له حجة وله مسير في الناس من جهة القناعة به لشبهة فيه، قيل له مثل لهذا قال جل وعلا هنا (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ) يعني بحجة باطلة في التوحيد في إبطالهم أو في تحسين الشرك أو في إيراد الشبه وأنهم ليسوا بكفار ولا مشركين إلا جئناك بالحق يعني في رده وبيان بطلانه وبيان الحق في ذلك وأحسن تفسيرا وأوضح تبيانا وأحسن تأويلا وشرحا لذلك المثل وللحق الذي فيه لأن القرآن غامض (قال بعض المفسرين هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة).نقف عند هذا، وما بعده يبدأ الكلام الذي يدخل في العلم الغزير، وما سبق مقدمات، وهذه المقدمات مهمة للغاية، نجيب على بعض الأسئلة:1/ هذا سؤال جيد يقول: نرجوا عندما تذكر شيخ الإسلام أو قول غيره أن تذكر الكتاب الذي يوجد فيه هذا القول حتى يسهل الرجوع إليه للاستفادة وتدوينه.بالنسبة لأقوال شيخ الإسلام ابن تيمية أحيانا أتذّكر مثلا أو يتذكر الذي ينسب القول لشيخ الإسلام ويعزوه عليه، يتذكر المرجع يعني المظنة يقول مثلا في الفتاوى في كذا أو في اقتضاء الصراط المستقيم أو في كتاب كذا من كتب شيخ الإسلام، وتارة يحفظ القول وينسى مكانه بالنسبة للشباب المطالعين القريبين من كتب شيخ الإسلام دائما لقرب عهدهم بالمطالعة، تجد عنده تذكر للقول مستمر للقول ومكانه إلى آخره، لكن إذا تطاول العهد بكلام شيخ الإسلام أو كلام غيره فإنه يؤثر القول، وقد [...] عن الذهن المرجع، فلا بأس إذا حصل مني تذكر للمرجع نذكره إن شاء الله تعالى، وإذا صار به تردد فيه أو نسيان فنرجئه أو نمر عنه.2/ من ذبح عند قبر مثلا متى يحكم عليه أنه مشرك ؟إذا ذبح عند القبر متقربا لصاحب القبر فهو مشرك، تحكم عليه بالشرك بذبحه؛ لأنه صرف العبادة لغير الله، ثم تقيم عليه الحجة، فإن مات بعد قيام الحجة عليه فهو خالد مخلد في النار.يقول ومتى يعذر بالجهل؟سبق لنا بعض كلام في هذه المسألة.3/ ما رأيكم فيمن يقول اللهم لا تشغلنا إلا في طاعتك؟ لا تشغلنا عن طاعتك أو لا تشغلنا إلا في طاعتك، دعاء طيب لقول الله جل وعلا ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾[الشرح:7]، يعني في طاعة الله ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾[الشرح:8]، فشغل الإنسان بالنية يكون طاعة فإذا دعا بهذه الدعوة يعني يدعو بتحسين نية كل عمل حتى يكون طاعة.4/ يقول في هذا العصر نجد من الدعاة إلى الله من مكث سنين طويلة يكتب للإسلام بنية صحيحة حتى الوفاة وعليه بعض الأخطاء في العقيدة والمنهج هل يمكن أن نقول بعد كل ما فعل أن منهجه غير إسلامي؟بالنسبة للذين يكتبون وعليهم أخطاء ننظر فيه -يعني فيما يخص بحثنا اليوم- ننظر هل هو معاد للتوحيد هل هو يحسن الشرك أو يهون من شأنه فإنّ كان كذلك فلا كرامة، أو على الأقل نقول مثل ما يقول علماؤنا الأوائل إذا واحد مثلا ما يعرفونه في تحقيق التوحيد ولا بنصرة التوحيد يقولون ما نعرفه بشيء، يسكتون عنه لا يمدحون ولا يذمون، إذا ما حقق التوحيد ولا دعا إليه في بلد فيها الشرك بالله جل وعلا.وكلمة (منهجه غير إسلامي ) إسلامي هذه دخل فيها فئات كثيرة دخل فيها أصناف من الناس، منهم من هو قريب ومنهم من هو متوسط ومنهم من هو بعيد، فهي كلمة لا تقال (منهجه غير إسلامي) كلمة فيها سعة.5/ لقد قلت أنّ أحمد زيني دحلان من الذين يدافعون عن الشرك لهذا نذكر كتب مثل علوم الآلة في علوم النحو فهل ننتفع بها؟لا علماء المشركين لا تنتفع منهم بشيء؛ لأن الانتفاع منهم بشيء يجعل في القلب شيء من التعاطف معهم، وهذا مخالف لما يجب من البراءة منهم، فمثل كتاب زيني دحلان هذا في النحو ليس بشيء، وثَم كتب كثيرة جدا بل مئات تغني عنه. أحمد زيني دحلان له كتاب سماه الدرر السنية في الرد على الوهابية، وكان مفتي الشافعية في مكة وبسببه بسبب هذا الكتاب وبسبب مؤلفه انتشرت الدعايات السيئة على هذه الدعوة وعلى إمامها رحمه الله تعالى، كان إذا أتى الناس إلى الحج جمعهم مفتي الشافعية فيجمع [...] مثلا ويجمع أهل مصر ويجمع أهل الشام ويجمع أهل أفريقيا ويجمع ويجمع ويعطيهم نسخ من هذا الكتاب، ويقول: ظهر في جهتنا رجل يقال له كذا وأصحابه يقال لهم الوهابية هؤلاء خوارج هؤلاء يدعون إلى كذا إلى آخره. ولهذا يردد الناس جميعا ما كتبه أحمد زيني دحلان في كتابه هذا الدرر السنية قد قال عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: وكان هذا الرجل يأمر بحلق، يأمر النساء اللاتي يتبعهن بحلق رؤوسهن وكان يختار منهن الزوجة التي يريد، والظاهر من حاله بالقرائن أنه يدعي النبوة -هذا في الكتاب- وقد روى بعضهم حديثا عن النبي  قال فيه يخرج في ثاني عشرة من الزمان رجل يلعق براطنه، يحدث فتنة يعتز فيها الأراذل والسفل، ويذل فيها أهل الفضل والكمل -أو شيء من هذا- وهي فتنة تتجارى بها الأهواء - وما شابه ذلك قال بعدها- وهذا الحديث وإن لم يعرف من خرجه لكن شواهد الصحة تدل عليه. وهو موجود إلا في كتابه ومن نقل عنه، فهؤلاء علماء مشركون حقيقة يعني حسنوا الشرك دافعوا عنه ردوا على أهل التوحيد طعنوا في الدعوة في أئمة الدعوة رحمهم الله تعالى، فماذا يبقى في حالهم لا شك أنه أقل ما يجب العداوة القوية والمفاصلة والبراءة منهم، إذْ هذا هو معنى قوله ﴿ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾[الممتحنة:4] والله المستعان.6/ إذا مات عالم يروج شبهة فما موقف أهل السنة منه ؟هذه الشبهة التي يروجها إن كانت في الشرك يحسّن الشرك فهو مشرك، فهذا يُتبرأ منه، وليس بموحِّد؛ لأن كل عالم حسن الشرك ودعا إليه فهو مشرك لأن الحجة قامت عليه بكونه عالما بالقرآن أو بالسنة والقوة عنده قريبة فلا يعذر لعدم بحثه أو يعذر إذا كان حسن الشرك أو دعا إليه، مثل تحسين الاستغاثة بغير الله، ومثل الدعاء إلى الإشراك بالموتى وأشباه ذلك. بخلاف من عنده شبهة راجت عليه في مسائل يحرم الاشتباه فيها مثل مسألة الشفاعة في سؤال النبي  ذلك، وهذا لا يتبع فيما وقع فيه وما أروده وإن دعا إلى ذلك فيرد عليه إلا إذا كانت الشبهة كما ذكرنا في التوحيد فإنه يخرج من الدين إذا كان حسّن الشرك رد على التوحيد.7/ هناك من العلماء من أخطأ في الأسماء والصفات، وقد أولوا بعض الصفات وهؤلاء العلماء لهم جهود كبيرة في خدمة هذا الدين والعلم والعلماء، فهل نحكم عليهم حكما على أهل الشرك من العلماء؟لا حاشا وكلا، الذي يخطئ في توحيد الأسماء والصفات يؤول بعض الصفات لا نحكم عليه بالكفر بل هو مبتدع مخالف عاصي، فهو ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا، ويجب النهي عما أخطأ فيه إذا كان مما أخطا فيه متعديا على الناس يعني منتشر في الناس، يجب التحذير من ذلك، إنكارا للمنكر حتى لا يقتدي الناس به فيما أخطأ فيه. وبعض الأئمة منهم أحمد وغيره، قيل له ترد على فلان وفلان ولهم من المقامات كذا وكذا، يعني من الصلاح والطاعة، فقال: ويلك أنا خير لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم، ألا ترى كيف أدفع عنه من يقتدي به في سوئه حتى لا تعظم عليه ذنوبه يوم القيامة. يقول: أنا خير لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم، ألا ترى كيف أدفع عنهم الإقتداء بهم في السوء حتى لا تعظم ذنوبهم يوم القيامة. هذا فقه عظيم لأن النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم توجب أن يبين خطأ المخطئ، حتى لا يتبعه الناس في خطئه، الذي صنف أو الذي دعا إذا أخطأ وأخطأ بخطئه اقتدى به أمم مع قرب الحق منهم وإن كان الوصول إليه، فلم يقانعوا بالحق ولم يأخذوا به فكما قال النبي عليه الصلاة والسلام «ومن دعا إلى ضلالة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيء»، وقال أيضا في الحديث الآخر «من سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها».فإذن التحذير من خطأ المخطئ في توحيد الأسماء والصفات أو بدعة المبتدع أو ضلال من ضل في بعض المسائل هذا في مصلحته والإسلام أغلى من فلان أو فلان، حتى ولو كان ممن يشار إليهم من المصنفين القدماء أو المحدثين؛ لأن المقصود حذر التأثير فيما أخطأ فيه عن أن يتبع في ذلك، فالتنبيه ليجتنبهم. وكل رد له مقام، فأحيانا يكون المقام بذكر حسنات وسيئات، وتارة يكون المقام لا يجوز فيه أن تُذكر حسناته في مقام الرد، والسلف رحمهم الله تعالى في ردودهم على المخالفين تارة يذكرون ما لهم، وتارة لا يذكرون ما لهم بل يذكرون ما عليهم، وهذا لأجل تنوع المقام، فإن كان ذكر ما له في مقام الرد يُغْري به ويوقع الشبهة في تحسين كلامه فإنه يكون ذلك شبهة توقعها في الناس. مثلا ترد على الرازي مثلا في الأسماء والصفات أو في التوحيد بعامة، أو ترد على فلان، فتقول كان إمام مبرزا وكان ذا علوم، وكان العلماء لا يصلون إلى شيء من علومه، وحفظ كذا وكذا، الذي يقرؤه ينبهر يقول كل هذا ثم تريد أن أصدقك أنه أخطأ أنت من أنت؟ هل أنت في مقامه؟ وهذا وقع في بعض من كتب في ردوده مدحا لمن رد عليه، يأتي القارئ له لا تتصور القارئ طالب علم، الشيء إذا نشر يقرؤه العامي، ويقرؤه واحد في بيته، ويقرؤه مثقف عادي، يقرؤه يقول طيب العلماء إذن كان هذا عالم وأنت الآن مجدته هذا التمجيد وأخطأ، فليش أنا آخذ كلامك ولا آخذ كلامه، فتقع الشبهة. لهذا هدي السلف في الردود أنه بحسب المقام تارة يذكرون ما له وما عليه، مثل ما ذكر شيخ الإسلام في مقامات ما للمخالفين وما عليهم وتارة لا يحسن أن يذكر ما له؛ لأنه قد يُغري ذلك الجاهل بالإقتداء به أو تكون المسألة فيها قولان واختلاف العلماء وكل يأخذ ما يشتهي.هذا تحقيق في مسألة ما أشيع أو ما كثر الكلام عليه في مسألة الحسنات والسيئات وفي ذكر الحسنات والسيئات، فيكون تحقيق المقام: أن هذا يختلف فإذا كان المقام مقام تقييم له فيذكر ما له وما عليه وإذا كان المقام مقام رد عليه فلا تذكر حسناته إذا كان في ذكرها إغراء لقَبول ما قال عند بعض الجهلة؛ لأن هذا يحجب عن قبول الحق الذي يأتي به الرأي.8/ هذا يتكلم على المنهجية في طلب العلم يحتاج إلى تفصيل بعض الشيء.9/ ما رأيكم في قراءة كتب شبهات المشركين، أو الشبهات التي يلقيها بعض المسلمين على العلماء والدعاة بقصد التحذير منها والرد عليها؟لا هذه لا تؤخذ ولا تقرأ إلا لمحكِم أمره عالم يمكن أن يرد عليها، أما الذي يخوض في هذا الميدان بلا سلاح ويعرف أن سلاحه ضعيف لا بد أن يحذر ولا يعرض دينه وعقيدته ويقينه للتردد والتذبذب.10/ من المعلوم أن العقيدة من الأمور التي لا يجوز فيها التقليد البتة، وهناك من العلماء من أراد الوصول إلى الحق ولم يعرف بعدائه للتوحيد، ولكن لمعرفته أن العقيدة لابد فيها التحرير حصّل ما كان مخالفا للصواب، فهل نحمل ذلك على التأويل وأنه كان من تأويله، أرجو البيان، علما أن من أعداء الدعوة من قصد وصول الحق ولعل منهم من رجع وتاب إلى آخره؟هذا راجع إلى تفصيل الكلام في مسألة الظاهر والباطن، بالنسبة إلى اجتهاده في الوصول إلى الحق هذا بينه وبين الله جل وعلا، لكن إذا كان مشركا دعا إلى الشرك وحسّنه وأبطل حجج أهل التوحيد وعادى التوحيد وأهله، فلا شك أنه مشرك كافر ولا كرامة، إذا كان من العلماء لأن الحجة عليه قامت، والقوة عنده قريبة يمكن أن يبحث ويبحث والحق موجود في الكتب، بل هناك من قال أهل العلم في هؤلاء إنّ الله جل جلاله قال في القرآن ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾[الأنعام:19] وهؤلاء العلماء بلغهم القرآن وفهموا معناه، فإن كانوا أعرضوا على القرآن مع علمهم فهؤلاء قد قامت عليهم الحجة. فالمقصود أن الرؤساء رؤساء الضلال والكفر والشرك من الذين حسنوا الشرك ودعوا إليه وأبطلوا التوحيد أو أبطلوا حجج أهل التوحيد ودعوا الناس لمعاداة أهل التوحيد، هؤلاء طواغيت مشركون.11/ الذين خلّطوا في باب الأسماء والصفات قسمان: منهم علماء وصلهم اجتهادهم إلى ذلك ومنهم من هو على جهل واتباع هوى فعل يساوى بينهم؟لا، لاشك المخطئون والضلاّل ليسوا على درجة واحدة في أبواب الاعتقاد.نفعني الله جل وعلا وإياكم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. ( ) [الجواب المجمل] [المتن]وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر اللهُ في كتابه جوابًا لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا. فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين مجملٍ ومفصّل.أما المجمل فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها، وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾[آل عمران:7] وقد صح عن رسول الله ، أنه قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمَّى اللهُ، فاحذروهم».مثال ذلك: إذا قال لك بعض المشركين: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[يونس:62]، أو إن الشفاعة حق، وأن الأنبياء لهم جاه عند الله، أو ذكر كلامًا للنبي  يستدل به على شيء من باطله وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره فجاوبه بقولك: إن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتّبعون المتشابه، وما ذكرته لك من أن الله تعالى ذكر أن المشركين يقرّون بالربوبية وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم: ﴿هَـؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾[يونس:18] هذا أمر محكم بيّن، لا يقدر أحد أن يغيّر معناه، وما ذكرت لي أيها المشرك من القرآن أو كلام النبي  لا أعرف معناه ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي  لا يخالف كلام الله عز وجل. وهذا جواب جيد سديد ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله تعالى فلا تستهن به فإنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾[فصلت:35].( ) [الشرح]بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا وتُقًى وخشية يا أرحم الراحمين.أما بعد: فمِن هذه الجملة من هذه الرسالة العظيمة كشف الشبهات يبتدئ الكلام على الشبهات وعلى إبطالها، وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى قبل ذلك مقدمات غاية في الأهمية وهي المحكَمات التي يحتاج الموحد إلى أن يرجع إليها في حجاجه مع أهل الباطل وأهل الظلم والطغيان.قال الإمام رحمه الله هنا (وأنا أذكر لك أشياء مما ذكره الله في كتابه جوابا لكلامٍ احتج به المشركون في زماننا علينا، فنقول: جواب أهل الباطل علينا من طريقين: مجمل ومفصل) كل شبهة في كلام المشركين أدلَوْا بها فإن جوابها في القرآن، إما عن طريق الجواب المجمل وإما عن طريق التفصيل، لقول الله جل وعلا ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾[الفرقان:33]، فالله جل وعلا أبطل حجج المشركين بالإجمال وبالتفصيل، وقول الشيخ رحمه الله هنا (جواب أهل الباطل علينا من طريقين : مجمل ومفصل).كلمة (مجمل) تارة يقابل بها المبيَّن، وتارة يقابل بها المفصَّل، ومعناها إذا قوبل بها المبيَّن يختلف عن معناها إذا قوبل بها المفصل:والأول هو الذي يبحثه الأصوليون حين يجعلون في مباحثهم في الركن الثالث من أركان أصول الفقه -وهو البحث في الاستدلال- المجمل ويقابلون به المبيَّن، والمجمل الذي يقابل به المبيَّن اختلفت عباراتهم في تعريفه؛ ولكن حاصلها يرجع إلى: • أن المجمل ما لم تتضح دلالته. • أو كما قال بعضهم: ما احتمل شيئين ولا مرجِّح. • أو كما قال بعضهم: ما لم يكن متحد المعنى، ولم يكن ثَم ما يبين ذلك المعنى فيه.فإذن المجمل الذي يقابَل بالمبيَّن هذا يبحث فيه من جهة دِلالة الألفاظ ومن جهة الاستدلال، فيقال هذا مجمل وهذا مبيَّن.ومعلوم أن النصوص إذا جاء فيها شيء مجمل فلا بد من البحث عما يبيِّنه حتى يتم الاستدلال؛ لأن الاستدلال بالمجمل لا يصح؛ لأنه محتمل لأشياء ولا مرجح لأحد الاحتمالات من اللفظ أو من التركيب، وإنما لابد من البحث؛ البحث عن البيان في أدلة أخرى.وأما في مقام البرهان وعند أهل الحجاج والاستدلال فإنهم يستخدمون لفظة المجمل المقابل لها المفصَّل، وهو الذي عناه الشيخ رحمه الله في هذا المقام حيث قال (من طريقين: مجمل ومفصل)، والمجمل هنا هو المجمل في باب الحجاج وباب الاستدلال وإقامة البرهان، وذلك أنّ البراهين في إقامتها تنقسم إلى براهين مجملة وبراهين مفصَّلة.ويُقصد بالإجمال البرهان العام الذي يمكن أن تُرجع أفرادا كثيرة إليه من جهة الاحتجاج، فيصلح حجة لأشياء كثيرة دون تحديد.وأما المفصل المقابل بالمجمل هذا فإنه الرد الذي يقابل به كل شبهة على حدا، وتكون الشبهة لها رد بالتفصيل عليها. وقد يكون هناك في الرد المفصل ما يشترك فيه بين رد ورد، وهذا يأتينا إن شاء الله تعالى. فتحصّل لك أن قول الإمام رحمه الله تعالى (جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل ومفصل) أن:المجمل: هو الجواب العام، والاستدلال العام، والبرهان العام، الذي يصلح لكل حجة يوردها المورد؛ يوردها المجادِل.والمفصل: هو البرهان والدليل لإبطال كل شبهة على حِدَى ذلك على وجه التفصيل.فإذن عندنا هنا الإجمال غير الإجمال المعروف في أصول الفقه، الإجمال هنا واضح بخلاف المجمل في أصول الفقه فإنه ما لم تتضح دلالته.فإذن قول الشيخ رحمه الله (أما المجمل فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة) يعني أما الجواب الذي فيه البرهان والدليل العام والشامل لردّ أفراد كثيرة من شبه أهل الباطل -بل لرد كل شبهة يوردها المبطلون- قال (فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقَلَها) وهذا واضح فإن النبي  أحال على هذا الجواب المجمل وأحال على هذا الأمر العام في قوله عليه الصلاة والسلام في بيان آية آل عمران «فإذا رأيتهم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» وهذا إحالة إلى تحذير عام من كل صاحب شبهة، وهذه يحتاجها كل مسلم كل موحد؛ لأن درجات العلم تختلف حتى بعض أهل العلم قد يخفى عليه جواب بعض الإشكالات؛ لكن إن كان من الراسخين في العلم ومن الموفَّقين آمن بما اشتبه وأحال الجواب على المحكمات، ولا يلزم من ذلك أن تكون كل شبهة مردودة عند كل عالم -كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى-؛ لكن المحكَمات -الأمر المجمل العام- هذا تستفيده في كل موقف من المواقف التي يجادلك من يخالف طريقة أهل التوحيد طريقة أهل السنة والجماعة طريقة السلف الصالح، فالاستمساك بهذا الجواب المجمل هذا غاية في الأهمية؛ لأنه قد لا يستحضر طالب العلم أو يستحضر الموحِّد جواب كل شبهة على تفصيلها، فإذا تمكَّن من هذا الجواب المجمل فإنه يتمكن من رد كل شبهة أوردها المبطلون.وتفصيل هذا الاستدلال المجمل بردِّ كلام أهل الباطل في التوحيد وبه تنكشف شبههم جميعا قال فيه (وذلك قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾[آل عمران:7]) هذه الآية في بيان من الحق جل وعلا أنّ هذا القرآن أُنزل على النبي  وهو قسمان: منه محكم، ومنه متشابه. والمتشابه والمحكم راجعان إلى دلالة الألفاظ وراجعان إلى المعنى، لا إلى المراد به.فالمحكم اختلفت أقوال العلماء في تعريفه، ما هو المحكم وما هو المتشابه؟ فقال بعضهم: إن المحكم هو ما استبان معناه واتضحت دلالته، فلا لَبْسَ فيه متضح لكل أحد، لا لَبْسَ فيه ولا إشكال، والمتشابه ما يشتبه معناه المراد به فلا يتَّضح.فإذن رجع على هذا التعريف المحكم إلى المتضح البيِّن، والمتشابه إلى ما يحتاج إلى اجتهاد ونظر لا يتضح معناه.ومن الأقوال في ذلك ما رواه علي بن أبي طلحة في صحيفته المعروفة في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: المحكم هو ناسخه وأمره ونهيه وحلاله وحرامه. فأرجع ابن عباس المحكم إلى ما يكون من جهة العمل، وأما الأخبار فإنها لا يعلم تأويلها إلا الله جل جلاله؛ لأنّ حقيقتها غير معلومة -يعني في الأمور الغيبية- كما سيأتي.وقال آخرون من أهل العلم: المحكم راجع إلى ما لا تعدد في دلالته، والمتشابه إلى ما تتعدد الدلالة فيه.والأقوال في هذا كثيرة معروفة في كتب الأصوليين.ومن الباطل فيها ما يجعل المحكم ما رجع إلى أمور الفقه -الأحكام- والمتشابه ما يرجع إلى أمور العقيدة؛ لأن هذا معناه أن الله جل جلاله لم يبين لنا بيانا محكما شيئا من أمور العقيدة، وهذا باطل. ومن الباطل فيه ما يقال إن من المتشابه أو المتشابه منه آيات الصفات ومنه الحروف المقطّعة في أول السور، وهذا أيضا من الأقوال الباطلة فيه، وليس هذا محل ضبط الكلام في المحكم والمتشابه.لكن المقصود من ذلك أن الراجح عند أهل العلم أن:المحكم: هو ما تبينت دلالته واتضحت.والمتشابه: هو ما يحتاج في بيان دلالته إلى اجتهاد ونظر.والقرآن جعله الله جل وعلا محكما كلَّه، وجعله جل وعلا متشابها كله في آيات أخر.قال جل وعلا في بيان أن القرآن جميعَه محكم ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾[هود:1]، فالقرآن على هذا كله محكم، بمعنى أنه لا تفاوت فيه ولا اختلاف، مُتقن لا تفاوت فيه ولا اختلاف لا من جهة الأخبار ولا من جهة الإنشاءات، فهو جل وعلا أحكمه لا اختلاف فيه كما قال جل وعلا ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾[النساء:82].والقرآن أيضا متشابه كله كما قال جل وعلا ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾[الزمر:23]، فالقرآن متشابه لأنه بعضه يشبه بعضا آيات في التوحيد وآيات في التوحيد، وآيات في وصف أحد الرسل وبيان حاله مع قومه وآيات كذلك، آيات في الجنة والجنة والنار والنار والآخرة والآخرة، كذلك في صفات الله وصفات الله وهكذا فبعضه يشبه بعضا، في الأمر والنهي وفي الأمر والنهي، في الحلال والحرام في الحلال والحرام وهكذا.وهذان القسمان غير القسم الذي في هذه الآية، هذه الآية فيها تقسيم ثالث للقرآن، وهو أن القرآن منه محكم ومنه متشابه، والمحكم ما اتضحت دلالته وبان، والمتشابه ما يحتاج في بيان دلالته إلى اجتهاد أهل العلم فيه أو إلى رده للمحكم، ومن الاجتهاد أن يرد إلى المحكم، فالمتشابه من القرآن ما لم تتضح دلالته في نفسه، يشتبه على الناظر فيه، وذلك من قوله تعالى ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾[البقرة:70]؛ يعني لا ندري المراد أي واحدة من هذه البقر (إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا) فلا ندري أي واحدة من البقر أردت بالأمر، وهذا هو المراد هنا في قوله (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) يعني يشتبه بعضها من حيث الدِّلالة والأمر فلا بد من إرجاعها إلى المحكم.إذا كان كذلك فالمحكمات التمسك بها هو الأصل الأصيل في رد الشبه، وهذه الآيات المحكَمات أنواع؛ الآيات المحكمات في رد شبه أهل الباطل في التوحيد جميعا. النوع الأول: الآيات التي فيها بيان أن الكفار مُقِرُّونَ بتوحيد الربوبية، وأنه لا إشكال عندهم في ذلك، هذا نوع.والنوع الثاني: من الآيات أن الكفار ما أردوا عبادة ما عبدوا إلا لأجل التقرب إلى الله جل جلاله، بالزلفى والشفاعة، إلى آخر الآيات في ذلك.والنوع الثالث: من الآيات المحكمات في هذا الباب الواضحة أن الأموات التي عُبدت لا تملك شيئا وأنها يوم القيامة تتبرأ ممن عبدها.والنوع الرابع: من الأدلة المحكمة في هذا الباب في رد حجج المشركين، الآيات التي فيها بيان أنّ الله جل جلاله لم يتَّخذ ولدا ولم يتَّخذ شريكا ولم يتَّخذ وليا ولم يتخذ شفيعا، كآية سورة سبإ، وآية سورة الإسراء، وآية الفرقان، وأشباه ذلك.والنوع الخامس: من هذه الأنواع المحكمة أن معبودات المشركين في القرآن مختلفة:فمنهم من عبد الأصنام.ومنهم من عبد الأوثان، والصنم ما كان على هيئة صورة مصورة منحوتة، والوثن ما لم يكن على هيئة صورة؛ شجر قبر كوكب إلى آخره.ومنهم عبد الملائكة.ومنهم من عبد الأولياء.ومنهم من عبد الجن.ومنهم من عبد الشجر والحجر إلى آخره.فهذه التصانيف في الآيات لمعبودات المشركين، هذه تُنزل عليها كل حالة من حالات أهل الشرك في هذا الزمن وفي ما قبله وما بعده.فهذه آيات محكمات أصول في باب توحيد العبادة؛ هذه الأنواع.لهذا ترى أن شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يكثر من تنويع هذه الأدلة؛ لأنها حجة في هذا الباب محكمة، لا يستطيع أحد أن يَنْقُضها ولا أن يردَّها.قال جل وعلا (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)، معنى (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) أي هُنَّ الأصل الذي يُرجع إليه في الكتاب فالمحكمات البينات الواضحات، وما من آية مشتبهة في القرآن إلا ويمكن إرجاعها إلى محكم فيه، فمعنى (أُمُّ الْكِتَابِ) يعني هُنَّ أصل الكتاب الذي يرجع إليه؛ لأن الأم هي أصل الولد، وأم الكتاب الأصل الذي يرجع إليه الكتاب في آيِهِ وذلك أنها مشتملة على معاني الكتاب، ومن هذا كانت الفاتحة أم القرآن؛ لأن جميع آيات القرآن راجعة على آيات الفاتحة إما بظهور أو بشيء من البيان.قال (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) فهنا بين أن القرآن منه كذا ومنه كذا، منه محكم ومنه متشابه -متشابه لم تتضح دلالته- وهذا المتشابه قد يكون في الأخبار، وقد يكون في الأمر والنهي، قد يكون في الأخبار وقد يكون في الإنشاءات، فلا يُحَد المتشابه لقسم الإنشاء دون الإخبار أو بقسم الأخبار دون الإنشاء؛ بل التشابه وقع في قسمي الكلام، الأخبار والإنشاءات، ومعنى الأخبار يعني التي يكون امتثالها بالتطبيق، والإنشاءات معناه التي يكون امتثالها بالعمل.قال هنا في بيان موقف الذين زاغوا قال (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ)، وهنا تلحظ أنّ قوله (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) فيه إثبات أنَّ القلوب زاغت قبل النظر في القرآن، فَهُم زاغوا قبل، ثم بعد ذلك تلمسوا الدليل على زيغهم، قال (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ) فزاغت قلوبهم ثم اتبعوا ما تشابه منه، (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) يستدلون بما تشابه بما لم يتّضح معناه أو بما يحتمل أو بما لو رُدّ إلى المحكم لبان، (يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) يعني يتبعونه ويجمعونه لأجل الاستدلال به، ويتركون المحكم.وهذا مثل ما حصل من النصارى أنَّهم نظروا في القرآن فزعموا أن رسالة محمد  خاصّة بالعرب لقول الله جل وعلا ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾[الزخرف:44]، وأيضا في قول الله جل وعلا ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾[الشعراء:214]، فاحتجوا بآيات على خصوص بعثة محمد  للعرب.وهذا احتجاج بالمتشابه واتباع له؛ لأن في قلوبهم زيغا، فوجود الزيغ في القلوب، وهو عدم رد الكتاب، وعدم اتباع محمد عليه الصلاة والسلام، فتلمسوا وتتبعوا الدليل.كذلك كما هو ظاهر في هذه الأمة الفرق الضالة من الخوارج والمرجئة والقدرية والمعتزلة وأشباه هذه الفرق، فإن كل فرقة احتجت بالمتشابه وتركت المحكم.فأخذت بعض الآيات الخوارج على بدعتهم في تكفير صاحب الكبيرة استدلوا بقول الله جل وعلا ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾[النساء:93]، فقالوا هذا يدل على أن فاعل الكبيرة كافر لأنه حكم عليه بأنه خالد في النار.واحتجت المرجئة مثلا على بدعتهم بآيات، واحتجت القدرية على بدعتهم بآيات، والجبرية على بدعتهم بآيات.إذن القرآن فيه احتجاج لكل صاحب زَيْغ، حتى في هذا العصر أتت طائفة وقالوا الصلوات في القرآن ثلاث؛ لأن جل وعلا لم يذكر في القرآن خمس صلوات فلا نصلي إلا ثلاثا. وهنا قال عدد من أهل العلم المفسرين وغيرهم إن الحكمة من وجود المتشابه في القرآن الابتلاء؛ لأنه لو كان القرآن واضحا صار الزائغ عنه معاند فقط؛ لأنه واضح فلم يزيغ إلا المعاند، والله جل وعلا بحكمته جعل القرآن منه محكم ومنه متشابه لم تتضح دلالته؛ ليبتلي الناس كيف يعملون، هل يسلطون أهواءهم مستدلين بالمتشابه أم يتخلصون من الهوى، فيُرجعون المتشابه إلى المحكم، ويرجعون ذلك إلى الراسخين في العلم وإلى أهل العلم الذين يفهمون المتشابه فيفهمون المحكمات.فإذن الحكمة من وجود المتشابه في القرآن الابتلاء، والله جل وعلا ابتلى الناس بالحياة ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾( ) وابتلاهم بالرسول عليه الصلاة والسلام هل يؤمنون به أم لا يؤمنون «إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك» كما في صحيح مسلم، وكذلك ابتلى الله جل وعلا الناس بالقرآن بجعل بعض القرآن متشابها؛ هل يُرجعونه للمحكم ويسلمون لأهل العلم أم أنهم يخوضون في المتشابه فيقعون في الفتنة.لهذا قال أهل العلم بالتفسير معنى قوله (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) يعني ابتغاء فتنة أتباعهم كما نص عليه ابن كثير في تفسيره، فهم اتبعوا ما تشابه منه لأجل أن يُضِلوا ويفتنوا الأتباع معهم.فهم إذن تقررت عندهم أشياء ثم نظروا ولم يُسلِّموا لأهل العلم الانقياد الراسخين في العلم، فلم يرجع الخوارج للصحابة ولم يرجع القدرية للصحابة، وهكذا في أشياء كثيرة، ولم يرجع المعتزلة لأئمة السنة، ولم يرجع الأشاعرة إلى أئمة أهل الحديث والسلف قبلهم فيما اُختلف فيه، فاتبعوا ما تشابه منه وتركوا المحكمات ابتغاء الفتنة؛ يعني لأجل أنْ يحصل لهم اتِّباع الأتباع.وقوله (ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) نفهم منه أنّ من أضلَّ بشبهة فهو مبتغ للفتنة، سواءً قال أنا لم أرد الإضلال أو قال أنا أردته؛ لأن الله جل وعلا قال (مَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ) وإذا نظرت إلى قول النبي  «فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» ما يبين أنهم لم يبتغوا الفتنة في الناس قصْدا في الإضلال فيعلمون أنهم على باطل فيضلون الناس، هذا غير مراد، وإنما ابتغوا الفتنة كحالة لهم فهم حين اتبعوا ما تشابه منه فقد ابتغوا الفتنة في حالتهم، فحالهم حين اتبعوا المتشابه وتركوا المحكم أنهم يبتغون الفتنة، فنُزِّ لوا منزلة القاصد لذلك؛ لأنهم تركوا المحكم واتبعوا المتشابه، فلما أنهم لم يتخلَّصوا من الزيغ مع وضوح الهدى ووضوح طريقه ولم يتبعوا المحكم وإنما اتبعوا المتشابه فالحال أنهم بطريقتهم هذه ابتغوا الفتنة لهم ولأتباعهم، فكأنهم قصدوا ذلك قصدا وإن كانوا يقولون إنما أردنا الخير، فالخوارج كانوا أشد الناس عبادة؛ أشد من الصحابة عبادة، يحقر أحد الصحابة عبادته مع عبادتهم وصلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، فلا يُظن بهم أنهم اتبعوا المتشابه من القرآن قصدا في مخالفة القرآن وقصدا في الإضلال، وإنما حصل منهم الضلال لشيئين:أولا: أنهم تركوا المحكم واتبعوا المتشابه.ثانيا: أنهم لم يرجعوا في بيان المتشابه على الراسخين في العلم في زمانهم في زمن الصحابة رضي الله عنهم.قال جل وعلا (وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) والتأويل هنا الذي ابتغوه أن ينزلوا المتشابه على ما أرادوا؛ يعني وابتغاء تفسيره، والذي يجب أنه إذا عرض المتشابه فإنه يُرجَعُ في تفسيره إلى المحكم ويرجع إلى تفسيره إلى أهل العلم، أما من عرض له المتشابه فدخل في تأويله بجهله وبهواه وبما عنده فلا شك أنه سيقع في الزيغ والضلال؛ لأنه ليس متأهلا لرد المتشابه إلى المحكم في كل مسألة أو إلى بيان معنى المتشابه.والتأويل في القرآن أتى على معنيين:المعنى الأول للتأويل: ما تؤول إليه حقيقة الشيء، ما تؤول إليه حقيقة الآيات، والآيات على قسمين: منها آيات أخبار ومنها آيات إنشاء، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾[الأنعام:115]، صدقا في الأخبار، وعدلا في الإنشاء يعني في الأمر والنهي. فالأخبار تأويلها ما تؤول إليها حقيقتها، فإذا كانت الأخبار غيبيات عن الله جل وعلا، فتأويل الخبر حقيقته وكنهه الذي عليه الله جل وعلا، وتأويل الخبر الذي هو وصف مثلا للجنة تأويله ببيان حقيقة الجنة ما هي، هذا معنًى للتأويل، ومنه قوله جل وعلا في سورة الأعراف ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾[الأعراف:53]الآية؛ يعني هل ينظرون إلا ما تؤول إليه حقيقة الأخبار التي أخبر الله جل وعلا بها، (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) يعني ما تؤول إليه حقيقة الأخبار، رأوا الجنة ورأوا النار وحصل يوم البعث (يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ) إلى آخر الآيات، هذا هو النوع الأول من التأويل في القرآن. الثاني: التأويل بمعنى التفسير: وهذا في قول الله جل وعلا ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾[يوسف:44] ومنه أيضا في هذا قوله جل وعلا ﴿أَناَ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأَوِيلِهِ﴾[يوسف:45]، وأشباه ذلك، فالتأويل هنا بمعنى التفسير، تأويل الأحلام بمعنى تفسير الأحلام، فالتأويل بمعنى التفسير هذا في القرآن، وهذا هو الذي اعتمده ابن جرير الطبري في ما اعترى في تفسيره حيث يقول: قال أهل التأويل، وبنحو الذي قلنا في هذه الآية قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك، قال أهل التأويل يعني قال أهل التفسير.وهناك معنى ثالث للتأويل ليس في القرآن ولا في السنة وإنما هو اصطلاح حادث للأصوليين، وهذا ليس هو المراد هنا؛ لأن التأويل عندهم في مقابلة الظاهر، وهو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى معنًى آخر قريب، هذا معنى جديد اصطلاحي، وهو منقسم إلى ثلاثة أقسام كما هو معروف عند الأصوليين صحيح وضعيف وباطل.هنا والمراد بـ(وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) في هذه الآية يحتمل المعنى الأول ويحتمل المعنى الثاني، (وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ)يعني ابتغاء معرفة ما تؤول إليه أخباره وأوامره ونواهيه، أو (وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) بمعنى ابتغاء تفسيره، فيصح الأول ويصح الثاني.وهنا نقف عند قوله (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ)، (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) اختلف السلف على الوقف هنا، هل الوقف على قوله (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ)؟ أو الوقف على (الْعِلْمِ)؟ فيكون معطوف على ما قبله، (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) على قولين للسلف، وسبب الخلاف أنه هناك قولين، هنا ما المراد بالتأويل؟ فمن نظر إلى أن التأويل هو العلم بما تؤول إليه حقيقة أخباره؛ حقيقة صفات الله جل وعلا، حقيقة الجنة، حقيقة الإخبار عن النار، حقيقة الإخبار عن الملائكة، فهذا لاشك أمر غيبي لا يعلمه أحد، فمن نظر إلى هذا قال: الوقف على لفظ الجلالة. فقال (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ) يعني وما يعلم تأويل ما تؤول إليه حقائق أخباره إلا الله جل وعلا، وهذا المعنى صحيح فإن حقيقة الأخبار وما تؤول إليه ليس ثم أحد يعلمها إلا الله جل وعلا.ومن نظر إلى أنَّ التأويل المراد به ما تؤول إليه حقيقة الأمر حقيقة النهي، قال: الأوامر تأويلها بامتثالها بفعلها بعملها على وجه أحكام الشريعة، والنواهي تأويلها بالاجتناب لها والبعد عنها على أحكام الشريعة، وهذا من التأويل في الإنشاءات يعلمه الراسخون في العلم من جهة العلم والعمل جميعا، في هذا قال بعضهم هنا: يقف على (الْعِلْمِ)؛ لأن الراسخين في العلم يعلمون التأويل على ما ذكرنا يعني ما تؤول إليه حقائق الإنشاءات، ما تؤول إليه حقيقة الأمر: امتثال الأمر على الوصف الشرعي، ما تؤول إليه حقيقة النهي: امتثال النهي على الأمر الشرعي يعني الأمر بالكف. وقال آخرون الوقف على (الْعِلْمِ)، فالعلماء يعلمون كما قال ابن عباس: أنا ممن يعلمون تأويله. فيكون المعنى هنا في التأويل التفسير؛ لأن النبي  دعا لابن عباس فقال «اللهم علمه التأويل»، قال: أنا ممن يعلمون تأويله. فيكون هنا معنى (وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) يعني وابتغاء تفسيره فلا يعلم تفسيره الحق إلا الله جل جلاله وإلا الراسخون في العلم.......( ) هو الصحيح.فإذن نقول يحتمل أن يكون الوقف على لفظ الجلالة ويحتمل أن يكون على العلم، فمن وقف على لفظ الجلالة ورأى أن الراسخين في العلم لا يعلمون التأويل فهو إنما يعني من أهل السنة ومن الصحابة؛ لأنه مروي عن السلف نوعان من الوقف هنا:فمن رأى أن الوقف على لفظ الجلالة رأى أن التأويل هو ما تؤول إليه حقائق الأخبار فقط.ومن رأى أن الوقف على العلم قال التأويل هو ما تؤول إليه حقائق الإنشاءات مثل ما قال ابن عباس: ناسخه وحلاله وحرامه وأمره ونهيه، أو التأويل هنا بمعنى التفسير. ومن قال إن المتشابه لا أحد يعلمه البتة إلا الله جل جلاله، فليس علم المتشابه إلى علم أحد من الخلق، فهذا غلط ولا يصح نسبته إلى أحد من أهل السنة، وهذا يعني أن المتشابه المطلق الذي لا يعلمه أحد هذا غير موجود في القرآن عند المحققين من أهل السنة والجماعة، فإن المتشابه الموجود في القرآن متشابه نسبي إضافي، فعندنا المتشابه هنا في هذه الآية قسمان: متشابه مطلق، ومتشابه نسبي.فالمتشابه المطلق غير موجود البتة؛ بمعنى يشتبه معناه فلا يعلم له معنى أصلا.والثاني المتشابه النسبي الإضافي نقول اشتبه عليّ، اشتبه على العالم الفلاني المعنى، اشتبه على الإمام الكلام في هذه المسألة، اشتبه عليه تأويل الآية وأشباه ذلك، فهذا ممكن، فيكون متشابها إضافيا.لكن لا يوجد آية في القرآن معناها - ما نقول تأويلها يعني ما تؤول حقائق الأخبار فيها؟ لا- إنما معناها، هذا لا يوجد آية في القرآن يشتبه معناها على جميع الراسخين في العلم من هذه الأمة، هذا القول ليس من أقوال أهل السنة والجماعة وإنما هو من أقوال أهل البدع الذين ذهبوا مذهب التجهيل.فإذن نقول الصحيح أن الراسخين في العلم يعلمون؛ لكن يعلمون المتشابه الذي يمكنهم علمه وهو ما كان في باب الإنشاءات أو كان باب التفسير تفسير المعنى، وهذا متعيِّن لأن الله جل وعلا قال ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾[آل عمران:7] لو كان الراسخون في العلم لا يعلمون البتة وإنما يقولون آمنا به كل من عند ربنا، فليس لهم فضيلة على ما سواهم في المتشابه.فما فضيلة أهل العلم الراسخين فيه في المتشابه إذا كانوا كعوام المسلمين إنما يعلمون المحكم والمتشابه جميعه يقولون فيه آمنا به كل من عند ربنا؟ هذا فيه إبطال لمزية أهل العلم في العلم، والمحكمات قلنا إن معناها هي ما تضح معناه وبانت دلالته، والمتشابه ما خفي معناه ولم تتضح دلالته.فإذن على قول من قال: إن الراسخين في العلم لا يعلمون. فهذا فيه إبطال لمزية أهل العلم كما حرره ابن عطية رحمه الله تعالى والخطَّابي وأجادا في ذلك؛ في هذا البيان، وهذا يعني أن الراسخ في العلم يعلم.وإذا كان كذلك فهنا يشكل على كثيرين تركيب الآية (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ)كيف يكون التركيب على هذا الوجه؟ فنقول قال أئمة التفسير على هذا الوجه يكون التركيب ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾[آل عمران:7] يعني حالتهم أنهم يقولن آمنا به، فيعلمون مع الإيمان به ويقولون كل من عند ربنا؛ لأجل أنه ليس في قلوبهم شك من ورود المتشابه، وأما ضعاف الإيمان وأما ضعاف العلم فقد يكون في قلوبهم شك من وجود المتشابه في القرآن، كما فعل صبيغ بن عسل المعروف في زمن عمر حيث كان ما ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾[الذاريات:1]، ويشكك الناس بها، فإذا ضعف العلم ربما وقعت الشبهة في القلب من صحة القرآن، أما الراسخون في العلم فيعلمون ويقولون آمنا به كل من عند ربنا، فليس في قلوبهم شك ولا شبهة من ورود المتشابه في القرآن لأنهم يعلمون أن المتشابه في القرآن لأجل ابتلاء الناس.هذا خلاصة معنى الآية ومعناها مهم في هذا الموضع.قال (وقد صح هم رسول الله  أنه قال «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم») فإذن الواجب على الموحد، الواجب على المسلم، أنه إذا ضبط المحكمات في التوحيد بأنواعه وفي الشريعة فإنه إذا أتى من يتَّبِع ما تشابه منه فإنه يجب عليه أن يعمل شيئين:الأول: الحذر كما أوصى النبي  بقوله (فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) والحذر هذا يوجب المفاصلة في القلب بأن لا يصغي إلى حديثه ولا يجعل أحدا يلبِّس عليه دينه، هذا الأول.والثاني: يجب عليه أن يقول آمنا به كل من عند ربنا، فيُرجع سبب الإشكال إلى جهله، وأما الآية في نفسها فواضحة يعلمها الراسخون في العلم.ولهذا مثلا في باب التوحيد يأتيك من يحتج بالمتشابهات، مثلا وربما مجالها سيأتي؛ ولكن لإيضاح المقام يقول في قول الله جل وعلا ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾[الكهف:82]، فهذا فيه دليل على تأثير الصلاح فيما بعد، أو يقول الشهداء أحياء وأنت لا تسأل ميتا إنما تسأل حيا بنص القرآن هم أحياء لقوله ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾[البقرة:154]، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾[آل عمران:169]، ونحو ذلك.فإذن هناك احتجاجات في توحيد العبادة بآي من القرآن، وفي توحيد الأسماء والصفات بآي من القرآن وهكذا، حتى إن أهل شرب الخمر والعياذ بالله وأهل الربا ونحو ذلك من الموبقات وجدوا لهم بعض المشتبهات فاحتجوا بها.فالموحد المسلم يحرص تمام الحرص على أن يحذر ممن يوقع في قلبه الشبهة، ولهذا انتبه لقوله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ)، فاحذر أشد الحذر من أن يوقع أحد في أذنك شبهة تبقى ولا تستطيع الرد عليها، ثم ينميها الشيطان حتى يوقع في القلب الزيغ. ولهذا قال بعض السلف: لا تُصغي إلى ذي هوًى بأذنيك فإنك لا تدري ما يوحي إليك. إذا كان الرجل غير محكم العلم قوي لا يجلس مع أهل الشبه، يحذر؛ لأن السلامة في الدين( ) أعظم ما ينبغي الحرص عليه.قال الشيخ رحمه الله هنا (مثال ذلك) الآن الجواب المجمل اتضح وأنه في كل مسالة تُرجعه إلى المحكم إذا أتى بشبهة فترجعه إلى المحكمات، وذكرت لك أنواع المحكمات في القرآن من الآيات، فإذا أتى أحد بشيء من المشتبهات فأنت ترجعه إلى نوع من الآيات المحكمات فتبطل شبهته، ولو شبه وشبه فتقول له: ما عندي من الاستدلال محكم بين لا يستطيع أحد أن يدفعه وما أتيت به شبهة، فأنا أومن أن الجميع من عند الله؛ ولكن لا أترك المحكم للمتشابه؛ لأن هذا طريقة أهل الزيغ. فتمسَّك بها فإن هذه من أعظم الفوائد والعوائد.قال الشيخ رحمه الله بعد ذلك (مثال) مثال تطبيقي لما ذكرنا، الجواب المجمل عرفناه بالاستمساك بالمحكم في ورود المتشابه، إذا أتى استدلال متشابه ما عرفت الجواب عليه، أو جاوبت فأورد عليك شبهة ثانية تتمسك بالمحكم واترك الإصغاء للمتشابه.قال (مثال ذلك إذا قال لك بعض المشركين ﴿أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[يونس:62]) استدل هنا المشرك بهذه الآية ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(63)لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾[يونس:62-64] الآية دلت على أن الأولياء لهم منزلة عند الله جل وعلا لأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وأنهم الذين آمنوا وكانوا يتقون وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، معنى ذلك أن الولي له المنزلة العظيمة عند الله جل وعلا.ثم يستدل بأن الشفاعة حق، الشفاعة حق فيقول هنا: الولي له جاه وله حرمة وله منزلة عند الله جل وعلا، والشفاعة حق، والأنبياء لهم جاه أيضا والمنزلة العظمى عند الله جل جلاله، فكيف تجعل من سأل الأولياء من الأموات أو سأل بعض الأنبياء من الأموات ودعاهم يكون مشركا مع منزلتهم الرفيعة عند الله، والشفاعة حق والمنزلة لهم ثابتة؟ فهنا هذه شبهة يأتي جوابها تفصيليا؛ لكن إذا وقعت هذه الشبهة في القلب، أو وقعت على الأذن وعرضت على القلب، فكيف يكون الجواب؟ إذا لم تعرف الجواب التفصيلي -هذه شبهة عظيمة- فماذا تقول؟تقول: ما عندي من العلم محكم، وهذه محتملة لأنه هو دخل فيها باستدلال؛ لأن الأولياء الله جل وعلا بيّن أن لهم فضل (لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)، أن الله أكرمهم واستدل بهذا الإكرام على أن لهم جاها عند الله جل وعلا، وهذا النوع صار متشابها؛ لأنه جعل الفضل الذي آتاه الله جل وعلا الأولياء أو الشهداء أو الأنبياء بعد مماتهم دالا على الجاه، وعلى أن هذا الجاه لا يُرَدّ إذا توسطوا به، فتلحظ أنه أدخل أشياء زائدة عن معنى الآية، فالآية فيها اشتباه في المعنى؛ لكن إذا فسّرها أهل العلم أوضحوا معنى ذلك. فإذن هنا يأتينا رد ذلك تفصيليا؛ لكن هنا كيف ترد عليه فتقول ما عندي محكم وهو أنّ الله جل جلاله بين أن المشركين الذين كفرهم النبي  وقاتلهم إنما أرادوا الزلفى إنما أرادوا القربى، وهم ما توجهوا إلا للأولياء ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾[الزمر:3]، فأولئك تقربوا للأولياء لماذا؟ لأجل الزلفى فهذه محكمة واضحة المعنى، كذلك بيان أن المشركين كانوا يقرون بالربوبية وأنهم مشركون، وسبب شركهم -مع عبادتهم وطاعتهم بأشياء كما ذكرنا- سبب الشرك هو طلب الشفاعة، كما قال جل وعلا ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ وَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ(43)قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾[الزمر:44]، فنفاها عنهم فهذا أصل.كذلك النوع الثالث من الآيات المحكمات التي فيها بيان أن الله جل جلاله حكم على من ألَّهَ عيسى بالكفر ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾[المائدة:72].إذن فهو يورد الشبهة وأنت تورد عليه المحكمات، المحكمات واضحة المعنى؛ لكن هذه الشبهة التي أوردها في هذه الآية تلحظ أن الاستدلال بها فيه مقدمات، فقال جل وعلا (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) فهو يأتي ويقول هذا معناه أنَّ لهم جاه عند الله، تلحظ أن هذا الاستنتاج هذا اتباع للمتشابه؛ لأن الآية تدل على أنهم مُكرَمون وليسوا أصحاب جهل؛ لأن الآية فيها ما أعطاهم الله جل وعلا من الفضل؛ لكن أنّ لهم جاها هذه لم تأت في الآية، فجعل من تبع المتشابه هناك تلازما بين المكانة والرفعة وبيّن أن يكون لهم جاها، ما معنى الجاه؟ الجاه معناه إذا توسط فلا يرد، فجعل هذه ملازمة لهذه وهذا لاشك أنه اتباع للمتشابه؛ لأنه ليست دلالة الآية على ذلك.فإذن هذا مثال لحجة يُدلي بها المشرك فإذا أدلى بهذه الحجة فتدمغه بالمحكمات الكثيرة.قال هنا (أو ذكر كلاما للنبي  يستدل به على شيء من باطله وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره) يعني لا تفهم معناه الصحيح، لا تستطيع أن توضح له كلام المفسرين فيه كلام أهل العلم فيه إبطال ما أرد من الاستدلال، قال (فجاوبه) يعني أجبه (بقولك إن الله ذكر أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه، وما ذكرته لك من أن الله ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم ﴿هَـؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾[يونس:18]، هذا أمر محكم بين لا يقدر أحد أن يغير معناه) يعني ليس له معنيان لأن المشركين عبدوا غير الله للزلفى قال ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾[الزمر:3] هذا بين واضح لا يحتاج إلى مقدمات في الاستدلال، كذلك قولهم (هَـؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ) فهم طلبوا الشفاعة أيضا هذا أمر بين واضح.قال الشيخ رحمه الله (هذا أمر محكم بين لا يقدر أحد أن يغير معناه، وما ذكرته لي أيها المشرك من القرآن أو من كلام النبي  لا أعرف معناه) هذا هو الذي يجب به الموحد إذا أدلى أحد بشبهة تقول: أنا لا أعرف المعنى. وهذا ليس بعيب، وأن تكون لا تعلم بعض الآيات؛ لأن العلم واسع فتقول: أنا لا أعرف معنى هذه الآية الصحيح؛ لكن أعلم أن المحكم هو كذا؛ لكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، لم؟ لأن القرآن كله من عند الله جل وعلا وهو محكم وكله حق والحق لا يناقض حقا بل يؤيده ويدلّ عليه.قال (وأن كلام النبي  لا يخالف كلام الله عز وجل) لأن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ إذا ثبتت سنته وصارت مقبولة محتجا بها فإنها مبينة للقرآن ودالة عليه، كما قال جل وعلا ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾[النحل:44]، فأنزلت السنة وكان جبريل يأتي النبي  بالسنة كما يأتيه بالقرآن لبيان معنى الذكر، تارة يكون بيانا لفظيا وتارة بيانا عمليا، فكلام النبي  لا يخالف ما جاء في القرآن؛ لكن التوفيق بين هذا وهذا تقول: أنا أجهله. تقول: كلام النبي  هو بيّن لا يخالف كلام الله جل وعلا، وكلام الله جل وعلا لا يناقض كلامه جل وعلا؛ ولكن التوفيق بين هذه الآية وهذه الآية رد هذا المتشابه إلى المحكم حتى يتضح المعنى هذا لا أعلمه أنا، وإنما يعلمه الراسخون في العلم؛ لكن ما عندي من العلم بالتوحيد هذا بين محكم لا يستطيع أحدٌ أن يرده أو يشكك في دلالته.قال رحمه بعد ذلك في نهاية هذا الجواب المجمل (وهذا جواب جيد سديد ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله تعالى) تحتاج إلى توفيق بالتخلّص؛ هنا التوفيق يأتي بتخلص العبد من هواه وتخلّص العبد من رؤيته لعقله ونفسه.بعض الناس يأتي للمتشابه ويخوض فيه؛ لأن عقله جيد، يقول أنا عقلي ليش ما أحاول أفهمها؟ ليش؟ ما أفهم؟ أنا أفهم، فيدخل في المتشابه يغوص ويغوص فيُخرج منه أشياء يضل بها، كما قال جل وعلا ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾[آل عمران:7]؛ يعني ابتغاء تفسيره، فيخوض في المتشابه المشكل المعنى رغبة وطلبا للتفسير فيضل في التفسير فيعتقد أن تفسيره صواب وأن فهمه للآي صواب وفهمه للسنة صواب، فيكون ممن اتبع المتشابه وترك المحكم، والواجب عليه ألا يخوض في ذلك وأن يرد معناه إلى أهل العلم الراسخين فيه.قال (وهذا جواب جيد سديد ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله تعالى) وإذا أردت الخير في هذا الباب فإياك ثم إياك من تعظيم عقلك وأن تقول قد حصلت من العلم كذا وكذا، فتخوض في أشياء وتطعن بفهمك على فهم أهل العلم.فإذا خالفت في فهمك فهم الراسخين في العلم فاعلم أنك لو استرسلت في فهمك فإن هذا من اتباع المتشابه؛ لأننا نقطع بأن الراسخين في العلم يعلمون المعنى، ولا يمكن أن يكون المعنى مفقودا من الراسخين في العلم وأنْ يؤتاه من ليس براسخ في العلم؛ لأن الله جل وعلا قال ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾[آل عمران:7]. قال(ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله تعالى فلا تستهن به فإنه كما قال جل وعلا ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾[فصلت:35])، يحتاج إلى صبر؛ لأن النفس تُنازع -خاصة طالب العلم أو الذي قرأ عنده قراءات وثقافات وأشباه ذلك- تنازعه نفسه في حل كل إشكال، تنازعه نفسه في الدخول في الاستدلال كل متشابه، ولهذا تجد بعض طلبة العلم الآن أو بعض المنتسبين للعلم والقراء تجد أنهم يوردون إشكالات كثيرة، فالعالم يردّ عليهم بالمحكمات ولا يضطرب لورود المتشابه؛ لكن من ليس براسخ في العلم إذا ورد المتشابه عنده فإنه يضطرب،لم؟ يضطرب لأنه لا يعرف عظمة المحكمات وكثرتها ووضوح معناها، فإن المحكمات في الأدلة والمحكمات في العقيدة والمحكمات في الأحكام هذه واضحة عند أهل العلم بينة ما يمكن أننا نضطرب معها، فقد يرد إشكال فنقول والله هذا مشكل نبحث عن جوابه ماذا قال أهل العلم في جوابه؛ لكن من لم يكون صابرا على الاكتفاء بالمحكمات فإنه سيدخل في المتشابهات متعجلا وسيضل من حيث ظن أنه سيبحث أو سيحل الإشكال، ولهذا هنا لابد في المتشابه من الصبر (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ الَّذِينَ صَبَرُوا) مثل ما قال الشيخ رحمه الله وأجزل له المثوبة، تحتاج إلى صبر، كثيرين ما صبروا جاءتهم الشبه فاتبعوها ما صبروا، دخلوا فيها بأهوائهم وآرائهم وما صبروا، ولو صبر زمنا طويلا وتمسك بالمحكمات كان قد أدى الذي عليه.قال (﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾[فصلت:35]) ولا شك أنّ الذي يستمسك بالمحكم في رد المتشابه فإنه قد أدّى الذي عليه وامتثل قول الله جل وعلا وخَلَصَ من الابتلاء والفتنة بالمتشابه، ويكون حاله -إذن- أنه ذو حظ عظيم؛ لأنه سلِم من الابتلاء بذلك وسلِم من الفتنة فنجح حيث لم يتبع المتشابه ورد المتشابه إلا المحكم.ولا شك أن هذه كلمة ينبغي لك أن ترددها في مسائل العلم جميعا، وخاصة المسائل التي يكون هناك فيها إلقاء للشبه في أمر توحيد العبادة وكذلك في أمور العقيدة بشكل عام:فـلا تجهـل لها قـدْرا وخـذها شـكورًا للـذي يحـيي الأناما

ونختم بهذا ونسأل الله جل وعلا أن ينور قلوبنا بالعلم الصالح النافع، وأن يجعلنا ممن يحذر من المتشابهات ويفقه المحكمات، ويستعين بالله جل وعلا وبأمره كله.اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك فأنر قلوبنا بالإيمان، واجعلنا من الصابرين، نعوذ بك أن نَضل أو نُضل أو نجهل أو يجهل علينا أو نزل أو نزل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.[الجواب المفصّل][المتن]وأما الجواب المفصّل: فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل، يصدّون بها الناس عنه: منها قولهم: نحن لا نشرك بالله، بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدًا  لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلاً عن عبد القادر أو غيره، ولكن أنا مذنب، والصالحون لهم جاه عند الله وأطلب من الله بهم. فجاوبه بما تقدم؛ وهو أنّ الذين قاتلهم رسول الله  مقرّون بما ذكرتَ، ومقرّون أنَّ أوثانهم لا تدبّر شيئًا وإنما أرادوا الجاه والشّفاعة، واقرأ عليهم ما ذكر الله في كتابه ووضَّحه. [الشرح]بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.أسأل الله لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح والقلب الخاشع، ربنا اجعل ما علمتنا حجة لنا، نعوذ بك أن نضل أو نُضل أو نزل أو نُزل أن نجهل أو يُجهل علينا.لما ذكر إمام الدعوة رحمه الله تعالى ورفع درجته أنّ جواب أهل الباطل من طريقين مجمل ومفصل: ذكر المجمل، ثم ذكر المفصل.ومن المعلوم في فن التأليف أن التقاسيم إذا وردت فإنه يناسب أن يقدَّم ما كان الكلام عليه مختصرا، وما كان الكلام عليه مطولا فإنه يؤخر، ولهذا الشيخ رحمه الله قدَّم المجمل على المفصل لاعتبارات:منها أن الكلام على المجمل قليل والكلام على المفصل كثير، ولو أخر الكلام القليل لذهب الذهن في المفصل ونسي أنه سيأتي المجمل.ومن فوائد تقديم المجمل على المفصل أن المجمل يفهمه كل أحد، يحتاجه كل موحِّد، وسهل الفهم إذا علم عقيدة التوحيد وفهم بعض أدلتها فإنه يمكنه أن يجعل ذلك محكَما، فإذا أتى من يشبِّه عليه دينه ومن يجعله يتردد في بعض هذه أو يشككه أو يورد عليه الشبه فإنه يحتجّ عليه بالمحكَم فلا يجد ذلك صعبا، وأما المفصَّل فيحتاج إلى علم، يحتاج إلى مقدمات تارة لغوية وتارة أصولية وتارة من واقع حال العرب.وقال رحمه الله تعالى ابتداء بالمفصل بعد المجمل؛ ابتداء برد شبهة وهي شبهة تحتاج إلى تأمل؛ لأنَّ أكثر الذين يكون عندهم نوع قرب أو قبول للتوحيد ربما تروج عليهم هذه أكثر من غيرها.فقال (وأما الجواب المفصَّل فإن أعداء الله لهم اعتراضات كبيرة على دين الرسل يصدُّون بها الناس عنه)، هذه الكلمة (وأما الجواب المفصل) ليست موجودة في كثير من النسخ المطبوعة، ولم أرَ النسخ الخطية حتى نتثبت هل هي موجودة أم لا؟وعلى العموم فإن الشبهة على الجواب المفصل الشبهة التي سيجيب عليها في المفصل هي قوله (نحن لا نشرك بالله) إلى آخره، فقوله إذن (وأما الجواب المفصل فإن أعداء الله لهم اعتراضات كبيرة على دين الرسل يصدون بها الناس عنه) هو إيراد لهذه الاعتراضات الكبيرة على التفصيل، ويلزم من إيراد الاعتراضات إيراد الأجوبة فقوله (فإن أعداء الله لهم اعتراضات) هذا لأجل أنه سيورد بعد الاعتراضات الأجوبة، هذا من ناحية الأسلوب ومن ناحية التأليف؛ لكن المعنى ظاهر.قال (منها قولهم تحت لا نشرك بالله بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا  لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا عن عبد القدر أو غيره؛ ولكن أنا مذنب والصالحون لهم جاه عند الله وأطلب من الله بهم)، قال (فجاوبه بما تقدم وهو أن الذين قاتلهم رسول الله  مقِرُّون بما ذكرت ومقرون بأن أوثانهم لا تدبر شيئا، وإنما أرادوا الجاه والشفاعة واقرأ عليه ما قال الله في كتابه ووضحه) هذه الشبهة يمكن تقسيمها إلى أقسام:الجملة الأولى: قولهم (نحن لا نشرك بالله)، وهذا القول منهم (نحن لا نشرك بالله) يريدون به الإشراك بالله في الربوبية، ولهذا قالوا بعده (بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق) إلى آخره، وقولهم (نحن لا نشرك بالله) راجع إلى أن الشرك له حقيقة شرعية جاءت في النصوص؛ ولكن حُرِّفت هذه الحقيقة وصُرفت عن وجهها.ففي النصوص الإشراك والشرك هو اتخاذ الند مع الله جل وعلا في المحبة والعبادة الإشراك أو الشرك هو أن يجعل لله شريك إما في ربوبيته أو في ألوهيته أو في أسمائه وصفاته يعني أن يعتقد أن له مماثلا في اتصافه وفي أسمائه، هذا معنى الشرك.ولهذا الشرك في النصوص تارة يتوجه إلى الشرك في الإلهية، وتارة يتوجه إلى الشرك في الربوبية.أما الشرك في الربوبية فكقوله جل وعلا في سورة سبإ مثلا ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾[سبإ:22]، يعني من شركٍ في التدبير والتصريف.وتارة يكون نفي الشرك أو النهي عنه لأجل الألوهية كقوله جل وعلا في آخر سورة الكهف ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾[الكهف:110]، هذا شرك في الألوهية في العبادة والآيات أيضا في هذا كثيرة.والشرك الثالث في الأسماء والصفات كقوله جل وعلا ﴿وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾[الكهف:26]، وكقوله ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾[النحل:74]، وكقوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11]، وكقوله ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾[الإخلاص:4].هذا هو الذي يعلمه أهل العلم بما دلّت عليه بالتنصيص الآيات فكان ذلك معلوما عند العرب تفهمه بلغتها.لما أتى اليونان إلى بلاد المسلمين بكتبهم؛ يعني استقدم بعض المسلمين كتب اليونان في قصة معلومة، ولا بأس أن نذكرها، وهي أن أحد ولاة العباسيين أرسل وفدا إلى ملك الروم، وطلب منه أنْ يُرسل إليه بكُتب الأوائل التي عنده، كتب الأوائل المقصود بها كتب الروم واليونان وكتب من يسمونهم الحكماء والفلاسفة، فعرضوا هذا على الملك الوافدون من عند الوالي المسلم من ولاة العباسيين، فقال: أمهلوني، فاستشار علماء النصرانية وعلماء بلده، فقالوا له وكانت موجودة في بيت للكتب قالوا: هذه هي زينة مملكتنا فكيف تعطيهم إياها، فأجبه بالنفي، فإن هذه لا يجوز أن تُخرج من بلدنا. وسكت واحد منهم فقال له: مالك سكت؟ وكان من حكمائهم وحذاق علماء نحلتهم وملتهم، فقال: يا عظيم قومنا أرى أن ترسل بالكتب إليهم ولا تمنعهم منها. فقال له ولم؟ قال لأن هذه الكتب ما دخلت إلى أمة إلا أفسدت عليها دينها. ووافقه عليه البقية، فحصل أنها أرسلت الكتب -كتب اليونان- وتُرجمت إلى آخر ذلك، اليونان فلاسفة، أرسلت كتب أرسطو وأفلاطون، هذه الفلسفة غايتها توحيد الربوبية، غايتها أن ينظر في الملكوت ينظر في الوجود فيُثبت أن هذا الكون له صانع؛ لأن هذا غاية الحكمة؛ يُثبت أن هذا الكون معلول عن علة، وهذه العلة عاقبة فيسمونها علة العلل أو العقل الأول في كلام فلسفي؛ يعني له تفاصيل.فدخل هذا على المسلمين، فلما دخل رأى من قرأ تلك الكتب بعد ترجمتها أن هذه هي كتب الحكمة وكتب الحكماء وكتب الفلسفة؛ يعني طلب الحكمة، قالوا: إن هذه هي الغاية، فكيف نوجد وسيلة للجمع ما بين الشريعة ما بين الإسلام -القرآن- وما بين هذه الكتب وفلسفة اليونان؟ فأخرجوا ما يسمى بعلم الكلام؛ وهو خليط من الشريعة -من النصوص- وما بين عقل الفلاسفة، وهذا الخليط جُعلت فيه الشريعة والعقل هذا يقارِن هذا، وهذه تقارن ذاك، يعني ما قدموا الشريعة على العقل ولا العقل على الشريعة، فنظروا في هذا ونظروا في هذا؛ لكن ينظرون في الشريعة بالعقل وينظرون في العقلانيات بالشريعة، هنا نظروا إلى أن غاية الغايات هو النظر في الملكوت، فلهذا أجمع المتكلمون على أنَّ أول مهمة، على أن أول واجب على العبد أن ينظر في الملكوت ويُثبت وجود الله جل وعلا.هذا الأصل صار مستغرقا عندهم لا مَحيد عنه، وخاصة بعد مرور عقيدة جهم أن الغاية عنده إثبات وجود الله أيضا في مناظرته مع طائفة السُّمنية كما ذكرت لكم فيما سبق.هذا الخليط الذي نتج صار هو الغاية عند كثير من الناس، فبالتالي نظروا في تفسير كلمة التوحيد، الشريعة فيها لا إله إلا الله هذه أصل التوحيد، وكلام الحكماء -كما يقولون- فيه أن الغاية هو إثبات وجود الله والنظر في علة العلل، والنظر في الملكوت حتى يطلب الحكمة فيما وراء الطبيعة. قالوا: إذن معنى هذا لأن ذاك عقل صحيح وهذه الشريعة صحيحة معناه أن يفسَّر بالعلة؛ علة العلل؛ لأن أول واجب في الشريعة لا إله إلا الله، أول واجب في الفلسفة أن ينظر في الملكوت فيُثبت أن لهذا الملكوت أو لهذا الكون علة نتج عنها.فخلطوا ما بين هذا وهذا، فقالوا: إذن ولا يمكن للعقل أن يكون مخطئا -عندهم نتاج الفلاسفة عقل قطعي-، ولا يمكن أن تكون الشريعة أيضا فاسدة، فهذا صحيح وهذا صحيح، فقالوا: إذن نفسر الإله بأنه الخالق؛ بأنه القادر على الاختراع. قالوا: إله هنا، نظروا قالوا: لكن إله في اللغة ليس معناها الخالق. فتأملوا في ما جاء في كتب اللغة فوجدوا أن هناك من قال: إله هذا بمعنى آلِهْ إذا جعله غيره متحيِّرا، فَأَلَه الرجل تحيَّر وتردد، وهذه مادة ربما تكون موجودة في بعض استعمالات العرب، أَلَهَ الرجل يعني تحير وتردد، فقالوا: إذن (لا إله إلا الله) إذا كان معنى الإله هو الخالق القادر على الاختراع فهو الذي فيه تتحير الأفهام؛ لأن قصدهم هنا أن ينظر، وهم إذا نظروا وتأملوا تحيرت الأفهام حتى يثبت الوجود، فقالوا: هنا التقت اللغة مع الشريعة مع العقل. وهذا قرروه في كتبهم، فحصل منه أنّ معنى لا إله إلا الله عندهم يعني لا قادر على الاختراع إلا الله، لا خالق إلا الله.وإذا كان كذلك فيكون الشرك الذي يخرج من كلمة التوحيد هو أن يقول: ثَم قادر على الاختراع، ثَم رازق، ثَم من تحيرت الأفهام في حقيقته غير الله جل وعلا، فمتى يكون مشركا عندهم؟ إذا لم يثبت لا إله إلا الله، ومتى لا يثبت لا إله إلا الله؟ إذا قال إنه ثم خالق غير الله جل وعلا.هذا الخليط من العقل واللغة الضعيفة التي نقلوها أو القليلة والشرع فيما نظروا فيه -يعني في بعض النصوص- أنتج لهم: أن الشرك هو الشرك في الربوبية؛ يعني اعتقاد أن ثم خالقا مع الله جل جلاله، ودُوِّنَ هذا في كتب المتكلمين الأوائل ونقله عنهم الأشاعرة، وأثبتوا ذلك في كتبهم، ولهذا الأشاعرة يقولون والماتريدية: أول واجب عند العبد النظر، وبعضهم يقول: الشك، وبعضهم يقول: القصد إلى النظر فهذا أول واجب.والإله من هو؟ الإله:منهم من يقول: الإله هو القادر على الاختراع.ومنهم من يقول: الإله هو المستغني عما سواه المفتقر إليه كل ما عداه.ومنهم من يقول: الإله بمعنى آلِه وهو المحيِّر، فلا يوصل إلى حقيقته وهو الله جل وعلا.فنتج من هذا -وهو موجود في كتب المتكلمين وكتب الأشاعرة والماتريدية إلى يومنا هذا- نتج من هذا انحراف خطير في الأمة، وهو أن الإله ليس هو المعبود، وأن لا إله إلا الله معناها لا قادر على الاختراع إلا الله، لا مستغنيا عمل سواه ولا مفتقرا إليه كل ما عداه إلا الله، لا متحيِّرا في حقيقته إلا الله، فنتج من ذلك إخراج العبودية عن أن تكون في كلمة التوحيد، ونتج من ذلك الانحراف الخطير أن لا إله إلا الله ليست نفيا لاستحقاق أحدا العبادة مع الله جل جلاله.فنتج وهي النتيجة قدم لها الشيخ هنا أن طوائف كثيرة من المؤمنين يعني من المسلمين فَشَا فيهم كلام الأشاعرة هذا وكلام المتكلمين وكلام المبتدعة هذا في معنى كلمة التوحيد، فيكون معنى الشرك عندهم راجع إلى واحد مما دلت عليه النصوص وهو الإشراك بالربوبية الذي جاء مثلا في سورة سبإ وفي غيرها.أما الإشراك في العبادة ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾[الكهف:110]، فهذا عندهم لا يَنْقُضُ كلمة التوحيد طيب نظروا بعد ذلك فيما فعلته العرب -ستأتي في الشبهة التي تليها- فيما فعلته العرب بما أشركت العرب؟ قالوا أشركت بعبادتها الأصنام وفي أنها ما وحَّدت الله في ربوبيته ولم تقل لا إله إلا الله؛ بل قالت إن الأصنام لها نصيب من الإلهية؛ يعني لها نصيب من الربوبية؛ ولهذا من أعظم ما راج على كثير من المفسِّرين من المتقدمين والمتأخرين، وراج على كثير من علماء الأمصار أن الألوهية تفسر بالربوبية، وأن لا إله إلا الله تفسر بمقتضيات الربوبية هذا نتيجة إلى هذا الانحراف، لهذا هذا المشرك الذي قال في شبهته -قد يكون عالما وقد يكون غير عالم- يقول (نحن لا نشرك بالله) هو قال هذه بحسب اعتقاده، هو لا يشرك بالله بحسب اعتقاده أن الشرك إنما هو الشرك في الربوبية وليس في الإلهية، وهذا نتيجة لما ذكرت لكم.فإذن هذه الكلمة (لا نشرك بالله) ردُّك عليها كشف هذه الشبهة كما ذكر الشيخ رحمه الله في آخر الكلام وبما أوضحت لك في أنه:أولا: تُوضِحُ موارد الشرك في القرآن، ما الذي نُفي من الإشراك بالله، نفيت الثلاثة التي ذكرت لك وكل واحدة عليها أدلة، حبذا تجمع هذه الأدلة في كل موضع يعني في كل نوع وتحفظ ذلك، هذا نوع.الثاني: معنى الإشراك في النصوص.الثالث: أن تبين أن الانحراف وقع، فصُرِف معنى الإشراك عن معناه في النصوص إلى المعنى الباطل ونتج عنه أن كلمة التوحيد فهمت أيضا غلطا، وفهم منها أنها نفي لربوبية غير الله جل وعلا، وهذا باطل.فإذن قولهم (نحن لا نشرك بالله) هذه جملة يمكن أن تردَّها تفصيلا، وهذه الشبهة التي أوردوها لها رد بما أورده الشيخ رحمه الله.الشيخ ما أجاب عن كل جُملة جملة؛ لكن أجاب عن النتيجة التي وصلوا إليها بهذه المقدمات الباطلة، قالوا (نحن لا نشرك بالله) لِمَ لا تشركون بالله؟ قالوا (لأننا نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له) يعني لا يخلق ولا يرزق استقلالا ولا ينفع ولا يضر استقلالا إلا الله وحده لا شريك له، (وأن محمدا  لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا) كما جاء في النصوص يقولون نحن نقول ذلك؛ فهو عليه الصلاة والسلام لا يملك نفعا ولا ضرا، استقلالا لا يمكن أن يعطينا شيء؛ ولكن هو عليه الصلاة والسلام يمكن أن يعطينا عن طريق الوساطة، عن طريق التقريب، عن طريق التزلف؛ يعني أن يقربنا زلفا.وهذه الشبهة أوّل من أوردها فيما أعلم في كتابه إخوان الصفا في كتابهم ورسائلهم المشهورة رسائل إخوان الصفا الرسائل الخمسين المعروفة، فإنهم قرروا أن التوحيد هو الربوبية وأن هؤلاء الأموات من الأنبياء والصالحين أنهم لا يملكون نفعا ولا ضرا كما قال هنا هذا الذي أورد الشبهة ولكن تتوسط بهم، لِمَ تتوسط بهم؟ عللوا بأن أرواحهم عند الله؛ لأن الله قال عن أرواح الشهداء ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾[آل عمران:169]، والعندية معناها أنهم لهم القربى عند الله، فلهم الجاه ولهم الزلفى عند الله جل وعلا، فإذا سألتهم إذا دعوتهم فإنما تتوسط بهم لا تسألهم استقلالا، فيقول هؤلاء نحن لا نعتقد أن هذا ينفع ويضر بنفسه ينفع ويضر استقلالا ويخلق استقلالا يرزق استقلالا، حاشا وكلا، ولكن يمكن أن يخلق الله بواسطته، الولد في رحم الأم إذا سألناه أن يرزق الله بواسطة شفاعته؛ لأنه مقرب عند الله جل جلاله( ) ..... هذا التقريب عند الله جل جلاله وَصَفوه بقولهم (ولكن أنا مذنب والصالحون لهم جاه عند الله) فقدموا هاتين المقدمتين، يقول (أنا مذنب) والمذنب لا يمكن أن يكون وليا لله أو مقربا عند الله، فعلى اعتقاده أنه لا يمكن أن يصل إلى الله مباشرة، وأولئك قالوا (والصالحون لهم جاه عند الله) هذا الجاه ماذا يفعل قالوا هذا الجاه بمعنى أنه لو سأل لم يَرُد، وإن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّه، فأتى من هذه الشبهة ورد التوحيد باعتبار أن هذا الصالح الذي عند الله جل وعلا مقرب وهذا الصالح الذي عند الله له الزلفى والمقام الأعظم بحيث إنه لو سأل لم يُرد، تكملة الشبهة قالوا (وأطلب من الله بهم ) أطلب من الله لا منهم؛ يعني أني لا أسألهم؛ ولكن أطلب من الله بهم، كلمة (بهم) هما ليس معناه التوسل بهم يعني بجاههم؛ يقول أسأل الله بالنبي أسأل الله بالولي أسأل الله بأبي بكر وعمر؛ لأن سؤال الله بالصالحين هذا بدعة ووسيلة إلى الشرك وليس شركا أكبر؛ ولكن القصد من قولهم (وأطلب من الله بهم) يعني أطلب من الله بوساطتهم وبشفاعتهم وبتقريبهم إياي عند الله زلفى.فإذن كلمة (بهم) لا يقصد بها التوسل بالجاه؛ لأن هذه بدعة وليس شركا وإنما يقصدون بها الشفاعة والتقريب زلفى.قال (فجابه بما تقدم) هذه الشبهة تلحظ شكلها مركبة، لاشك أنها شبهة وهي التي تروج عند الجميع، كيف واحد يؤمن بالله ويقول إن الله واحد في ربوبيته لا ينفع إلا هو، لا يخلق إلا هو، ولا يرزق إلا هو، إلى آخر ذلك، ويقول أنا مذنب؛ ولكن أتوسل يعني أتقرب إلى الله بالصالحين بشفاعتهم، أسألهم أن يدعو الله لي، أتقرّب إليهم بالدعاء حتى يشفع لي عند الله جل وعلا، هذا لا يجعلني مشركا، معناه -على حد قولهم- هو لا يشرك بالله وهذا ليس شركا بالله، فما الجواب؟قال (فجاوبه بما تقدم وهو أن الذين قاتلهم رسول الله  مُقِرُّون بما ذكرت).هذا الآن الدرجة الأولى من الجواب، تقول الآن له: نحن معك فيما ذكرت؛ لكن ننظر إلى حال المشركين الذين قاتلهم النبي  وحكم عليهم بالكفر والشرك، ما حالهم؟ ننظر إلى القرآن ماذا فيه؟ القرآن فيه أنهم مقرون بأن الله هو الخالق وحده وهو الرازق وحده وهو الذي ينفع وحده وهو الذي يضر وحده، إذا قال: ما الدليل على هذا؟ هل المشرك كان يعتقد هذا؟ نقول: نعم مشركوا العرب كانوا يعتقدون ذلك كما قال الله جل وعلا ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُِم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[الزخرف:87]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾[الزمر:38]، وفي الآية الأخرى ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾[الزخرف:9] وقال جل وعلا ﴿ قُلْ لِمَنْ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(84)سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾[المؤمنون:84-85]، وفي آية سورة يونس ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾[يونس:31]، إذن في آيات كثيرة هذا الاعتقاد الذي وصفت أنك لست مشركا باعتقاده، نقول هذا وصف الله جل وعلا به مشركي العرب مشركي أهل الجاهلية، هذه الدرجة الأولى من جواب هذه الشبهة.الدرجة الثانية (ومقرون بأن أوثانهم لا تدبر شيئا)، الأوثان جمع وثن وهو المتجَه إليه بالعبادة، وفي غالبه لا يكون على هيئة صورة، والأصنام ما كان على هيئة صورة، وقد يقال للأصنام أوثانا باعتبار أنها معبودة من دون الله جل وعلا كما قال جل وعلا في صورة العنكبوت في قصة إبراهيم ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾[العنكبوت:17]، وفي الآيات الأخرى في قصة إبراهيم قال ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ التِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾[الأنبياء:52]، فإذن هي أصنام وأوثان، فالأوثان ما لم يكن على هيئة صورة، فإذن نذهب إلى شرك المشركين ونقول له: المشركون مقرون بأن أوثانهم لا تدبر شيئا. إذن المشرك مقر بأن الوثن ليس له نصيب في التدبير، فإذن ما رفضه من كلمة لا إله إلا الله وصار به مشركا ليس من جهة اعتقاده أن ثَم مدبرا غير الله جل جلاله؛ لأن الله جل وعلا قال ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾[يونس:31] هذه المقدمة الثانية.المقدمة الأولى: اعتقاد المشركين في الربوبية في الله جل وعلا أنه هو المتفرد بالأمر، كما قال ذلك عن نفسه؛ يعني كما قال المشرك عن نفسه أنه يشهد هذه الشهادة.

( )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق