الثلاثاء، 3 مايو 2016

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أرسل رسله بالبينات ، وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ، وأنزل الحديد فيه بأس شديد ، ومنافع للناس ، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ، إن الله قوي عزيز ، وختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، الذي أرسله بالهدى ودين الحق ، ليظهره على الدين كله ، وأيده بالسلطان النصير ، الجامع معنى العلم والقلم للهداية والحجة ، ومعنى القدرة والسيف للنصرة والتعزير ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة خالصة خلاص الذهب الإبريز ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، وسلم تسليما كثيرا ، وشهادة يكون صاحبها في حرز حريز .


( أما بعد ) فهذه رسالة مختصرة ، فيها جوامع من السياسة الإلهية والإنابة النبوية ، لا يستغني عنها الراعي والرعية ، اقتضاها من أوجب الله نصحه من ولاة الأمور ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما ثبت عنه من غير وجه : { إن الله يرضى لكم ثلاثة : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم } [ ص: 12 ] موضوع الرسالة ( وهذه ) وهذه رسالة مبنية على آية الأمراء في كتاب الله ، وهي قوله تعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا . يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا }

( قال العلماء ) نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور ، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها ، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل ، ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم ، عليهم أن يطيعوا أولي الأمر [ ص: 13 ] الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك ، إلا أن يأمروا بمعصية الله ، فإن أمروا بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، فإن تنازعوا في شيء ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . وإن لم تفعل ولاة الأمر ذلك ، أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله ، لأن ذلك من طاعة الله ورسوله ، وأديت حقوقهم إليهم كما أمر الله ورسوله { وتعاونوا على البر والتقوى ، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها ، والحكم بالعدل . فهذان جماع السياسة العادلة ، والولاية ============] الفصل الأول استعمال الأصلح


فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة وتسلم مفاتيح الكعبة من بني شيبة طلبها منه العباس ، ليجمع له بين سقاية الحاج ، وسدانة البيت ، فأنزل الله هذه الآية ، بدفع مفاتيح الكعبة إلى بني شيبة

فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين ، أصلح من يجده لذلك العمل ، قال النبي صلى الله عليه وسلم { : من ولي من أمر المسلمين شيئا ، فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله } . [ ص: 16 ] وفي رواية : { من قلد رجلا عملا على عصابة ، وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه ، فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين } رواه الحاكم في صحيحه وروى بعضهم أنه من قول عمر لابن عمر روي ذلك عنه .

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : من ولي من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا لمودة أو قرابة بينهما ، فقد خان الله ورسوله والمسلمين وهذا واجب عليه فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات ، من نوابه على الأمصار ، من الأمراء الذين هم نواب ذي السلطان ، والقضاة ، ومن أمراء الأجناد ومقدمي العساكر والصغار والكبار ، وولاة الأموال من الوزراء والكتاب والشادين والسعاة على الخراج والصدقات ، وغير ذلك من الأموال التي للمسلمين .

وعلى كل واحد من هؤلاء ، أن يستنيب ويستعمل أصلح من يجده ، وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة والمؤذنين ، والمقرئين ، والمعلمين ، وأمير الحاج ، والبرد ، والعيون الذين هم القصاد ، وخزان الأموال ، وحراس الحصون ، والحدادين الذين هم البوابون على الحصون والمدائن ، ونقباء العساكر الكبار والصغار ، وعرفاء القبائل والأسواق ، ورؤساء القرى الذين هم الدهاقون .

فيجب على كل من ولي شيئا من أمر المسلمين ، من هؤلاء وغيرهم ، أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع ، أصلح من يقدر عليه ، ولا يقدم الرجل لكونه طلب الولاية ، أو يسبق في الطلب .

بل [ ص: 17 ] ذلك سبب المنع ، فإن في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم : { أن قوما دخلوا عليه فسألوه الولاية ، فقال : إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه } .

وقال لعبد الرحمن بن سمرة : { يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة ، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها ، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليه } أخرجاه في الصحيحين

وقال صلى الله عليه وسلم : { من طلب القضاء واستعان عليه وكل إليه ومن لم يطلب القضاء ولم يستعن عليه ، أنزل الله إليه ملكا يسدده } رواه أهل السنن .

فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره ، لأجل قرابة بينهما ، أو ولاء عتاقة أو صداقة ، أو موافقة في بلد [ ص: 18 ] أو مذهب أو طريقة أو جنس ، كالعربية والفارسية والتركية والرومية ، أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة ، أو غير ذلك من الأسباب ، أو لضغن في قلبه على الأحق ، أو عداوة بينهما ، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ، ودخل فيما نهي عنه في قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون } .

ثم قال : { واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة ، وأن الله عنده أجر عظيم } .

فإن الرجل لحبه لولده ، أو لعتيقه ، قد يؤثره في بعض الولايات ، أو يعطيه ما لا يستحقه ، فيكون قد خان أمانته ، كذلك قد يؤثره زيادة [ ص: 19 ] في ماله أو حفظه ، بأخذ ما لا يستحقه ، أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات ، فيكون قد خان الله ورسوله ، وخان أمانته .

ثم إن المؤدي للأمانة مع مخالفة هواه ، يثبته الله فيحفظه في أهله وماله بعده ، والمطيع لهواه يعاقبه الله بنقيض قصده فيذل أهله ، ويذهب ماله .

وفي ذلك ، الحكاية المشهورة ، أن بعض خلفاء بني العباس سأل بعض العلماء أن يحدثه عما أدرك فقال : أدركت عمر بن عبد العزيز ، فقيل له : يا أمير المؤمنين أقفرت أفواه بنيك من هذا المال ، وتركتهم فقراء لا شيء لهم وكان في مرض موته ، فقال : أدخلوهم علي ، فأدخلوهم ، بضعة عشر ذكرا ، ليس فيهم بالغ ، فلما رآهم ذرفت عيناه ، ثم قال : يا بني ، والله ما منعتكم حقا هو لكم ، ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم ، وإنما أنتم أحد رجلين : إما صالح ، فالله يتولى الصالحين ، وإما غير صالح ، فلا أترك له ما يستعين به على معصية الله ، قوموا عني قال : فلقد رأيت ولده ، حمل على مائة فرس في سبيل الله ، يعني أعطاها لمن يغزو عليها .

قلت : هذا وقد كان خليفة المسلمين ، من أقصى المشرق ، بلاد الترك ، إلى أقصى المغرب ، بلاد الأندلس وغيرها ، ومن جزائر قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس ونحوها ، إلى أقصى اليمن

وإنما أخذ كل واحد من أولاده ، من تركته شيئا يسيرا ، يقال : أقل من [ ص: 20 ] عشرين درهما - قال وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه ، فأخذ كل واحد منهم ستمائة ألف دينار ، ولقد رأيت بعضهم ، يتكفف الناس - أي يسألهم بكفه - وفي هذا الباب من الحكايات والوقائع المشاهدة في الزمان والمسموعة عما قبله ، ما فيه عبرة لكل ذي لب .

وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الولاية أمانة يجب أداؤها في مواضع ، مثل ما تقدم ، ومثل { قوله لأبي ذر رضي الله عنه في الإمارة : إنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزي وندامة ، إلا من أخذها بحقها ، وأدى الذي عليه فيها } . رواه مسلم .

وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن النبي قال : { إذا ضيعت الأمانة ، انتظر الساعة } .

وقد أجمع المسلمون على معنى هذا ، فإن وصي اليتيم ، وناظر الوقف ، ووكيل الرجل في ماله ، عليه أن يتصرف له بالأصلح فالأصلح ، كما قال الله تعالى : { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } ولم يقل إلا بالتي هي حسنة وذلك لأن الوالي راع على الناس بمنزلة راعي الغنم ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : { كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن [ ص: 21 ] رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها ، وهي مسئولة عن رعيتها ، والولد راع في مال أبيه ، وهو مسئول عن رعيته ، والعبد راع في مال سيده ، وهو مسئول عن رعيته ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته } أخرجاه في الصحيحين

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : { ما من راع يسترعيه الله رعية ، يموت يوم يموت ، وهو غاش لها ، إلا حرم الله عليه رائحة الجنة } رواه مسلم . [ ص: 22 ]

ودخل أبو مسلم الخولاني ، على معاوية بن أبي سفيان ، فقال : السلام عليك أيها الأجير ، فقالوا : قل السلام عليك : أيها الأمير ، فقال السلام أيها الأجير فقالوا : قل أيها الأمير فقال السلام عليك أيها الأجير فقالوا قل الأمير فقال معاوية : دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول فقال : إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها ، فإن أنت هنأت جرباها ، وداويت مرضاها ، وحبست أولاها على أخراها وفاك سيدها أجرك ، وإن أنت لم تهنأ جرباها ولم تداو مرضاها ، ولم تحبس أولاها على أخراها عاقبك سيدها

وهذا ظاهر الاعتبار ، فإن الخلق عباد الله ، الولاة نواب الله على عباده ، وهم وكلاء العباد على أنفسهم ، بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر ، ففيهم معنى الولاية والوكالة ، ثم الولي والوكيل متى استناب في أموره رجلا ، وترك من هو أصلح للتجارة أو المقارب منه ، وباع السلعة بثمن ، وهو يجد من يشتريها بخير من ذلك الثمن ، فقد خان صاحبه ، لا سيما إن كان بين من حاباه وبينه مودة أو قربة ، فإن صاحبه يبغضه ويذمه ، أنه قد خان وداهن قريبه أو صديقه =========لباب الثاني الأموال

وفيه أربعة فصول

الثاني من الأمانات والأموال كما قال تعالى في الديون : { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ، وليتق الله ربه }

[ ص: 44 - 45 ] الفصل الأول

ما يدخل في باب الأموال

ويدخل في هذا القسم : الأعيان ، والديون الخاصة والعامة ، مثل رد الودائع ، ومال الشريك ، والموكل ، والمضارب ، ومال الولي من اليتيم وأهل الوقف ونحو ذلك ، وكذلك وفاء الديون من أثمان المبيعات ، وبدل القرض ، وصدقات النساء ، وأجور المنافع ونحو ذلك وقد قال تعالى : { إن الإنسان خلق هلوعا ، إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا ، إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ، والذين في أموالهم حق معلوم ، للسائل والمحروم } إلى قوله : { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون } .

وقال تعالى : { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما } أي لا تخاصم عنهم .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : { أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك }

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : { المؤمن من أمنه المسلمون [ ص: 46 ] على دمائهم وأموالهم ، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ، والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله } وهو حديث صحيح بعضه في الصحيحين ، وبعضه في سنن الترمذي ، وقال { : من أخذ أموال الناس يريد أداءها ، أداها الله عنه ، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله } رواه البخاري .

وإذا كان الله قد أوجب أداء الأمانات التي قبضت بحق ، ففيه تنبيه على وجوب أداء الغصب والسرقة والخيانة ونحو ذلك من المظالم ، وكذلك أداء العارية [ ص: 47 ] وقد { خطب النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، وقال في خطبته : العارية مؤداة ، والمنحة مردودة ، الدين مقضي ، والزعيم غارم ، إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث } .

وهذا القسم يتناول الولاة والرعية ، فعلى كل منهما : أن يؤدي إلى الآخر ما يجب أداؤه إليه ، فعلى السلطان ونوابه ، أن يؤتوا كل ذي حق حقه ، وعلى جباة الأموال ، كأهل الديوان أن يؤدوا إلى ذي السلطان ، ما يجب إيتاؤه إليه ، وكذلك على الرعية ، الذين يجب عليهم من الحقوق ، وليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأموال ما لا يستحقونه فيكونوا من جنس من قال الله تعالى فيه : { ومنهم من يلمزك في الصدقات ، فإن أعطوا منها رضوا ، وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ، ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله ، إنا إلى الله راغبون إنما الصدقات للفقراء والمساكين [ ص: 48 ] والعاملين عليها ، والمؤلفة قلوبهم ، وفي الرقاب والغارمين ، وفي سبيل الله ، وابن السبيل فريضة من الله ، والله عليم حكيم } .

ولا لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه من الحقوق ، وإن كان ظالما ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، لما ذكر جور الولاة ، فقال : { أدوا إليهم الذي لهم ، فإن الله سائلهم عما استرعاهم } ففي الصحيحين ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء ، كلما هلك نبي ، خلفه نبي ، وإنه لا نبي بعدي ، وسيكون خلفاء ويكثرون قالوا : فما تأمرنا ؟ فقال : أوفوا ببيعة الأول فالأول ثم أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم }

وفيها عن ابن مسعود رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إنكم سترون بعدي ، أثرة أو أمورا تنكرونها ، قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله ؟ قال : أدوا إليهم حقهم ، واسألوا الله حقكم } [ ص: 49 ]

وليس لولاة الأموال أن يقسموها بحسب أهوائهم ، كما يقسم المالك ملكه ، فإنما هم أمناء ونواب ووكلاء ، ليسوا ملاكا ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إني - والله - لا أعطي ولا أمنع أحدا ، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت } رواه البخاري عن أبي هريرة عنه نحوه .

فهذا رسول رب العالمين ، قد أخبر أنه ليس المنع والعطاء بإرادته واختياره ، كما يفعل ذلك المالك الذي أبيح له التصرف في ماله ، وكما يفعل ذلك الملوك الذين يعطون من أحبوا ، وإنما هو عبد الله ، يقسم المال بأمره ، فيضعه حيث أمره الله تعالى .

وهكذا قال رجل لعمر بن الخطاب : يا أمير المؤمنين - لو وسعت على نفسك في النفقة ، من مال الله تعالى ، فقال له عمر : أتدري ما مثلي ومثل هؤلاء ؟ كمثل قوم كانوا في سفر ، فجمعوا منهم مالا ، وسلموه إلى واحد ينفقه عليهم ، فهل يحل لذلك الرجل ، أن يستأثر عنهم من أموالهم ؟ .

وحمل مرة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، مال عظيم من الخمس ، فقال : إن قوما أدوا الأمانة في هذا لأمناء ، فقال له بعض الحاضرين : إنك أديت الأمانة إلى الله تعالى ، فأدوا إليك الأمانة ، ولو رتعت رتعوا [ ص: 50 ]

وينبغي أن يعرف أن أولي الأمر ، كالسوق ، ما نفق فيه جلب إليه ، هكذا قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه . فإن نفق فيه الصدق والبر والعدل والأمانة ، جلب إليه ذلك ، وإن نفق فيه الكذب والفجور والجور والخيانة ، جلب إليه ذلك والذي على ولي الأمر ، أن يأخذ المال من حله ، ويضعه في حقه ، ولا يمنعه من مستحقه وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، إذا بلغه أن بعض نوابه ظلم ، يقول : اللهم إني لم آمرهم أن يظلموا خلقك ، أو يتركوا حقك .================لقسم الثاني الحدود والحقوق ، وفيه بابان .

الباب الأول : حدود الله وحقوقه وفيه ثمانية فصول .

الباب الثاني : الحدود والحقوق التي لآدمي معين وفيه ثمانية فصول .

[ ص: 87 ] الفصل الأول : أمثلة من تلك الحدود والحقوق ، وواجب الولاة نحوها وأما قوله تعالى : { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } فإن الحكم بين الناس ، يكون في الحدود والحقوق ، وهما قسمان :

فالقسم الأول : الحدود والحقوق التي ليست لقوم معينين بل منفعتها لمطلق المسلمين ، أو نوع منهم .

وكلهم محتاج إليها ، وتسمى حدود الله ، وحقوق الله مثل : حد قطاع الطريق ، والسراق ، والزناة ونحوهم ، ومثل : الحكم في الأمور السلطانية ، والوقوف والوصايا التي ليست لمعين ، فهذه من أهم أمور الولايات ، ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " لا بد للناس من إمارة برة كانت أو فاجرة ، فقيل : يا أمير المؤمنين هذه البرة قد عرفناها فما بال الفاجرة ؟ فقال يقام بها الحدود ، وتأمن بها السبل ، ويجاهد بها العدو ، ويقسم بها الفيء " .

وهذا القسم يجب على الولاة البحث عنه ، وإقامته من غير دعوى أحد به وكذلك تقام الشهادة فيه ، من غير دعوى أحد به ، وإن كان [ ص: 88 ] الفقهاء قد اختلفوا في قطع يد السارق : هل يفتقر إلى مطالبة المسروق بماله ؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره ، لكنهم يتفقون على أنه لا يحتاج إلى مطالبة المسروق ، وقد اشترط بعضهم المطالبة بالمال ، لئلا يكون للسارق فيه شبهة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق