الثلاثاء، 3 مايو 2016

الوعيد على القول بالرأي ] .

وقالت طائفة من أهل العلم : من أداه اجتهاده إلى رأي رآه ولم تقم عليه حجة فيه بعد فليس مذموما ، بل هو معذور ، خالفا كان أو سالفا ، ومن قامت عليه الحجة فعاند وتمادى على الفتيا برأي إنسان بعينه فهو الذي يلحقه الوعيد ; وقد روينا في مسند عبد بن حميد ثنا عبد الرزاق ثنا سفيان الثوري عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار } [ ص: 43 ]

فصل .

فيما روي عن صديق الأمة وأعلمها من إنكار الرأي .

[ ذم أبي بكر القول بالرأي ]

روينا عن عبد بن حميد ثنا أبو أسامة عن نافع عن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة قال : قال أبو بكر رضي الله عنه : أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في آية من كتاب الله برأيي ، أو بما ولا أعلم .

وذكر الحسن بن علي الحلواني حدثنا عارم عن حماد بن زيد عن سعيد بن أبي صدقة عن ابن سيرين قال : لم يكن أحد أهيب بما لا يعلم من أبي بكر رضي الله عنه ، ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب بما لا يعلم من عمر رضي الله عنه ، وأن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله منها أصلا ولا في السنة أثرا فاجتهد برأيه ثم قال : هذا رأيي ، فإن يكن صوابا فمن الله ، وإن يكن خطأ فمني وأستغفر الله .

فصل .

في المنقول من ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

[ ذم عمر القول بالرأي ]

قال ابن وهب : ثنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال وهو على المنبر : يا أيها الناس إن الرأي إنما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبا ، إن الله كان يريه ، وإنما هو منا الظن والتكلف . قلت : مراد عمر رضي الله عنه قوله تعالى : { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله } فلم يكن له رأي غير ما أراه الله إياه ، وأما ما رأى غيره فظن وتكلف .

قال سفيان الثوري : ثنا أبو إسحاق الشيباني عن أبي الضحى عن مسروق قال : كتب كاتب لعمر بن الخطاب " هذا ما رأى الله ورأى عمر " فقال : بئس ما قلت ، قل : هذا ما رأى عمر ، فإن يكن صوابا فمن الله ، وإن يكن خطأ فمن عمر

وقال ابن وهب : أخبرني ابن لهيعة عن عبد الله بن أبي جعفر قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : السنة ما سنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة .

قال ابن وهب : وأخبرني ابن لهيعة عن أبي الزناد عن محمد بن إبراهيم التيمي أن [ ص: 44 ] عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : أصبح أهل الرأي أعداء السنن ، أعيتهم أن يعوها وتفلتت منهم أن يرووها ، فاستبقوها بالرأي .

قال ابن وهب : وأخبرني عبد الله بن محمد بن عجلان عن عبيد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال : اتقوا الرأي في دينكم .

وذكر ابن عجلان عن صدقة بن أبي عبد الله أن عمر بن الخطاب كان يقول : أصحاب الرأي أعداء السنن ، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها ، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا نعلم ، فعارضوا السنن برأيهم ، فإياكم وإياهم .

وذكر ابن الهادي عن محمد بن إبراهيم التيمي قال : قال عمر بن الخطاب : إياكم والرأي ; فإن أصحاب الرأي أعداء السنن ، أعيتهم الأحاديث أن يعوها وتفلتت منهم أن يحفظوها ، فقالوا في الدين برأيهم .

وقال الشعبي : عن عمرو بن الحارث قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن ، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها ، فقالوا بالرأي ، فضلوا وأضلوا ، وأسانيد هذه الآثار عن عمر في غاية الصحة .

وقال محمد بن عبد السلام الخشني : ثنا محمد بن بشار حدثنا يونس بن عبيد العمري ثنا مبارك بن فضالة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر { عن عمر بن الخطاب أنه قال : أيها الناس ، اتهموا الرأي في الدين ، فلقد رأيتني وإني لأرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيي فأجتهد ولا آلو ، وذلك يوم أبي جندل والكتاب يكتب وقال : اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال : يكتب باسمك اللهم ، فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبيت ، فقال : يا عمر تراني قد رضيت وتأبى ؟ } .

وقال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن حبيب عن معمر بن أبي حبيبة مولى بنت صفوان عن عبيد بن رفاعة عن أبيه رفاعة بن رافع قال : بينما أنا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ دخل عليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين هذا زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة ، فقال عمر : علي به ، فجاء زيد ، فلما رآه عمر فقال عمر : أي عدو نفسه قد بلغت أن تفتي الناس برأيك ؟ [ ص: 45 ] فقال : يا أمير المؤمنين ، والله ما فعلت ، ولكن سمعت من أعمامي حديثا فحدثت به من أبي أيوب ، ومن أبي بن كعب ، ومن رفاعة بن رافع ، فقال عمر : علي برفاعة بن رافع ، فقال : قد كنتم تفعلون ذلك إذا أصاب أحدكم المرأة فأكسل أن يغتسل ، قال : قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأتنا فيه عن الله تحريم ، ولم يكن فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء ، فقال عمر : ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك ؟ قال : ما أدري ، فأمر عمر بجمع المهاجرين والأنصار ، فجمعوا ، فشاورهم فشار الناس أن لا غسل ، إلا ما كان من معاذ وعلي فإنهما قالا : إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل ، فقال عمر : هذا وأنتم أصحاب بدر قد اختلفتم ، فمن بعدكم أشد اختلافا ، فقال علي : يا أمير المؤمنين إنه ليس أحد أعلم بهذا من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه ، فأرسل إلى حفصة فقالت : لا علم لي ، فأرسل إلى عائشة فقالت : إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل ، فقال : لا أسمع برجل فعل ذلك إلا أوجعته ضربا .

[ ذم ابن مسعود القول بالرأي ]

قول عبد الله بن مسعود - قال البخاري : حدثنا جنيد ثنا يحيى بن زكريا عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله قال : لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي قبله ، أما إني لا أقول أمير خير من أمير ، ولا عام أخصب من عام . ولكن فقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفا ، ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم .

وقال ابن وهب : ثنا شقيق عن مجالد به ، قال : ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم ، ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فينهدم الإسلام ، ويثلم .

وقال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا أبو خالد الأحمر عن مجالد عن الشعبي عن مسروق قال : قال عبد الله بن مسعود : علماؤكم يذهبون ، ويتخذ الناس رءوسا جهالا يقيسون الأمور برأيهم .

وقال سعيد بن داود : حدثنا محمد بن فضل عن سالم بن حفصة عن منذر الثوري عن الربيع بن خثيم أنه قال : قال عبد الله : ما علمك الله في كتابه فاحمد الله ، وما استأثر به عليك من علم فكله إلى عالمه ، ولا تتكلف ; فإن الله عز وجل يقول لنبيه : { قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين } يروى هذا عن الربيع بن خثيم وعن عبد الله .

وقال سعيد بن منصور : حدثنا خلف بن خليفة ، ثنا أبو زيد عن الشعبي قال : قال ابن مسعود [ ص: 46 ] إياكم وأرأيت أرأيت ، فإنما هلك من كان قبلكم بأرأيت أرأيت ، ولا تقيسوا شيئا فتزل قدم بعد ثبوتها ، وإذا سئل أحدكم عما لا يعلم فليقل : لا أعلم فإنه ثلث العلم .

وصح عنه في المفوضة أنه قال : أقول فيها برأيي ، فإن يكن صوابا فمن الله ، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان ، والله ورسوله بريء منه .

[ ذم عثمان القول بالرأي ]

قول عثمان بن عفان رضي الله عنه - قال محمد بن إسحاق - : حدثني يحيى بن عباد عن عبيد الله بن الزبير قال : وأنا والله مع عثمان بن عفان بالجحفة إذ قال عثمان وذكر له التمتع بالعمرة إلى الحج : أتموا الحج وأخلصوه في أشهر الحج ، فلو أخرتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زورتين كان أفضل ; فإن الله قد أوسع في الخير ، فقال له علي : عمدت إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورخصة رخص الله للعباد بها في كتابه تضيق عليهم فيها وتنهى عنها ، وكانت لذي الحاجة ولنائي الدار ، ثم أهل علي بعمرة وحج معا ، فأقبل عثمان بن عفان رضي الله عنه على الناس فقال : أنهيت عنها ؟ إني لم أنه عنها ، إنما كان رأيا أشرت به ، فمن شاء أخذه ومن شاء تركه .

فهذا عثمان يخبر عن رأيه أنه ليس بلازم للأمة الأخذ به ، بل من شاء أخذ به ومن شاء تركه ، بخلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يسع أحدا تركها لقول أحد كائنا من كان .

[ ذم علي القول بالرأي ]

قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه - قال أبو داود - : حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، ثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي إسحاق السبيعي عن عبد خير عن علي رضي الله عنه أنه قال : لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه .

[ ذم ابن عباس القول بالرأي ]

قول عبد الله بن عباس رضي الله عنه - قال ابن وهب - : أخبرني بشر بن بكر عن الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة عن ابن عباس أنه قال : من أحدث رأيا ليس في كتاب الله ولم تمض به سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله عز وجل .

وقال عثمان بن مسلم الصفار : ثنا عبد الرحمن بن زياد ، حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي [ ص: 47 ] عن أبي فزارة قال : قال ابن عباس : إنما هو كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن قال بعد ذلك برأيه فلا أدري أفي حسناته يجد ذلك أم في سيئاته .

وقال عبد بن حميد : حدثنا حسين بن علي الجعفي عن زائدة عن ليث عن بكر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار .

[ سهل بن حنيف يذم القول بالرأي ]

قول سهل بن حنيف رضي الله عنه - قال البخاري - : حدثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي وائل قال : قال سهل بن حنيف : أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم ، لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته .

[ ابن عمر يذم الرأي ]

قول عبد الله بن عمر - رضي الله عنه ، - قال ابن وهب : أخبرني عمرو بن الحارث أن عمرو بن دينار قال : أخبرني طاوس عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا لم يجد في الأمر يسأل عنه شيئا قال : إن شئتم أخبرتكم بالظن .

وقال البخاري : قال لي صدقة عن الفضل بن موسى عن موسى بن عقبة عن الضحاك عن جابر بن زيد قال : لقيني ابن عمر فقال : يا جابر ، إنك من فقهاء البصرة وتستفتى فلا تفتين إلا بكتاب ناطق أو سنة ماضية .

وقال مالك عن نافع عنه : العلم ثلاث : كتاب الله الناطق ، وسنة ماضية ، ولا أدري .

[ زيد بن ثابت يذم الرأي ]

قول زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال البخاري : حدثنا سنيد بن داود ثنا يحيى بن زكريا مولى ابن أبي زائدة عن إسماعيل بن خالد عن الشعبي ، قال : أتى زيد بن ثابت قوم ، فسألوه عن أشياء ، فأخبرهم بها ، فكتبوها ثم قالوا : لو أخبرناه ، قال : فأتوه فأخبروه ، فقال : أعذرا لعل كل شيء حدثتكم خطأ ، إنما أجتهد لكم برأيي .

[ معاذ بن جبل يذم الرأي ]

قول معاذ بن جبل رضي الله عنه قال حماد بن سلمة : ثنا أيوب السختياني عن أبي قلابة عن يزيد بن أبي عميرة عن معاذ بن جبل قال : تكون فتن فيكثر فيها المال ، ويفتح القرآن حتى يقرأ الرجل والمرأة والصغير والكبير والمنافق والمؤمن ، فيقرأه الرجل فلا يتبع ، فيقول : والله لأقرأنه علانية ، فيقرأه علانية فلا يتبع ، فيتخذ مسجدا ، ويبتدع كلاما ليس من [ ص: 48 ] كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإياكم وإياه فإنه بدعة وضلالة ، قاله معاذ ثلاث مرات .

[ أبو موسى الأشعري يذم الرأي ]

قول أبي موسى الأشعري - قال البغوي - : ثنا الحجاج بن المنهال ثنا حماد بن سلمة عن حميد عن أبي رجاء العطاردي قال : قال أبو موسى الأشعري : من كان عنده علم فليعلمه الناس ، وإن لم يعلم فلا يقولن ما ليس له به علم فيكون من المتكلفين ويمرق من الدين .

[ معاوية يذم الرأي ]

قول معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، - قال البخاري : حدثنا أبو اليمان ثنا شعيب عن الزهري قال : كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه كان عند معاوية في وفد من قريش ، فقام معاوية فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد فإنه قد بلغني أن رجالا فيكم يتحدثون بأحاديث ليست في كتاب الله ، ولا تؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأولئكم جهالكم

فهؤلاء من الصحابة أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وسهل بن حنيف ومعاذ بن جبل ومعاوية خال المؤمنين وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهم يخرجون الرأي عن العلم ، ويذمونه ، ويحذرون منه ، وينهون عن الفتيا به ، ومن اضطر منهم إليه أخبر أنه ظن ، وأنه ليس على ثقة منه ، وأنه يجوز أن يكون منه ومن الشيطان ، وأن الله ورسوله بريء منه ، وأن غايته أن يسوغ الأخذ به عند الضرورة من غير لزوم لاتباعه ولا العمل به ، فهل تجد من أحد منهم قط أنه جعل رأي رجل بعينه دينا تترك له السنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبدع ويضلل من خالفه إلى اتباع السنن ؟ .

فهؤلاء برك الإسلام ، وعصابة الإيمان ، وأئمة الهدى ، ومصابيح الدجى ، وأنصح الأئمة للأمة ، وأعلمهم بالأحكام وأدلتها ، وأفقههم في دين الله ، وأعمقهم علما ، وأقلهم تكلفا ، وعليهم دارت الفتيا ، وعنهم انتشر العلم ، وأصحابهم هم فقهاء الأمة ، ومنهم من كان مقيما بالكوفة كعلي وابن مسعود ، وبالمدينة كعمر بن الخطاب وابنه وزيد بن ثابت ، [ ص: 49 ] وبالبصرة كأبي موسى الأشعري ، وبالشام كمعاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان ، وبمكة كعبد الله بن عباس ، وبمصر كعبد الله بن عمرو بن العاص ، وعن هذه الأمصار انتشر العلم في الآفاق ، وأكثر من روي عنه التحذير من الرأي من كان بالكوفة إرهاصا بين يدي ما علم الله سبحانه أنه يحدث فيها بعدهم . ==================تأويل ما روي عن الصحابة من الأخذ بالرأي ]

قال أهل الرأي : وهؤلاء الصحابة ومن بعدهم من التابعين والأئمة - وإن ذموا الرأي ، وحذروا منه ، ونهوا عن الفتيا والقضاء به ، وأخرجوه من جملة العلم - فقد روي عن كثير منهم الفتيا والقضاء به ، والدلالة عليه ، والاستدلال به ، كقول عبد الله بن مسعود في المفوضة : أقول فيها برأيي ، وقول عمر بن الخطاب لكاتبه : قل هذا ما رأى عمر بن الخطاب ، وقول عثمان بن عفان في الأمر بإفراد العمرة عن الحج : إنما هو رأي رأيته ، وقول علي في أمهات الأولاد : اتفق رأيي ورأي عمر على أن لا يبعن .

وفي كتاب عمر بن الخطاب إلى شريح : إذا وجدت شيئا في كتاب الله فاقض به ، ولا تلتفت إلى غيره ، وإن أتاك شيء ليس في كتاب الله فاقض بما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يسن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بما أجمع عليه الناس ، وإن أتاك ما ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتكلم فيه أحد قبلك ، فإن شئت أن تجتهد رأيك فتقدم ، وإن شئت أن تتأخر فتأخر ، وما أرى التأخر إلا خيرا لك ، ذكره سفيان الثوري عن الشيباني عن الشعبي عن شريح أن عمر كتب إليه .

[ طريقة أبي بكر وعمر في الحكم على ما يرد عليهما ]

وقال أبو عبيد في كتاب القضاء : ثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال : كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به ، وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به ، فإن أعياه ذلك سأل الناس : هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه بقضاء ؟ فربما قام إليه القوم فيقولون : قضى فيه بكذا وكذا ، فإن لم يجد سنة سنها النبي صلى الله عليه وسلم جمع رؤساء الناس فاستشارهم ، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به ، وكان عمر يفعل ذلك ، فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنة سأل : هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء ؟ [ ص: 50 ] فإن كان لأبي بكر قضاء قضى به ، وإلا جمع علماء الناس واستشارهم ، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به .

[ طريقة ابن مسعود ]

وقال أبو عبيد : ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمارة عن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود قال : أكثروا عليه ذات يوم فقال : إنه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي ، ولسنا هناك ، ثم إن الله بلغنا ما ترون ، فمن عرض عليه قضاء بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله ، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم فليقض بما قضى به الصالحون فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأيه ، ولا يقل : إني أرى ، وإني أخاف ; فإن الحلال بين والحرام بين ، وبين ذلك مشتبهات ، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك .

وقال محمد بن جرير الطبري : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، أنا هشيم ، أنا سيار عن الشعبي قال : لما بعث عمر شريحا على قضاء الكوفة قال له : انظر ما يتبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدا ، وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما لم يتبين لك فيه السنة فاجتهد فيه رأيك .

[ من قياس الصحابة ]

وفي كتاب عمر إلى أبي موسى : اعرف الأشباه والأمثال ، وقس الأمور وقايس علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت في المكاتب ، وقايسه في الجد والإخوة ; فشبهه علي بسيل انشعبت منه شعبة ، ثم انشعبت من الشعبة شعبتان ، وقايسه زيد على شجرة انشعب منها غصن ، وانشعب من الغصن غصنان ، وقولهما في الجد إنه لا يحجب الإخوة ، وقاس ابن عباس الأضراس بالأصابع ، وقال : أعتبرها بها ; وسئل علي عن مسيره إلى صفين : هل كان بعهد عهده إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أم رأي رآه ؟ قال : بل رأي رأيته .

وقال عبد الله بن مسعود وقد سئل عن المفوضة : أقول برأيي ، فإن يكن ثوابا فمن الله ، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان ، والله ورسوله منه بريء .

[ حال ابن مسعود ]

وقال ابن أبي خيثمة : ثنا أبي ثنا محمد بن خازم عن الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال : من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله ، فإن لم يكن في كتاب الله فليقض بما قضى فيه نبيه صلى الله عليه وسلم ، فإن جاء أمر ليس في [ ص: 51 ] كتاب الله ولم يقض فيه نبيه صلى الله عليه وسلم فليقض بما قضى به الصالحون ، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيه ولم يقض به الصالحون فليجتهد رأيه ، فإن لم يحسن فليقم ولا يستحي .

[ حال ابن عباس ]

وذكر سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد قال : سمعت ابن عباس إذا سئل عن شيء فإن كان في كتاب الله قال به ، وإن لم يكن في كتاب الله وكان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال به ، فإن لم يكن في كتاب الله ولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عن أبي بكر وعمر قال به ، فإن لم يكن في كتاب الله ولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أبي بكر وعمر اجتهد رأيه .

[ حال أبي بن كعب ]

وقال ابن أبي خيثمة : حدثني أبي ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن عبد الملك بن أبجر عن الشعبي عن مسروق قال : سألت أبي بن كعب عن شيء فقال : أكان هذا ؟ قلت : لا ، قال : فأجمنا حتى يكون ، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا .

[ جملة من أخذ الصحابة بالرأي ]

قال أبو عمر بن عبد البر : وروينا عن ابن عباس أنه أرسل إلى زيد بن ثابت : أفي كتاب الله ثلث ما بقي ؟ فقال : أنا أقول برأيي وتقول برأيك .

وعن ابن عمر أنه سئل عن شيء فعله : أرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل هذا أو شيء رأيته ؟ قال : بل شيء رأيته .

وعن أبي هريرة أنه كان إذا قال في شيء برأيه قال : هذه من كيسي ، ذكره ابن وهب عن سليمان بن بلال عن كثير بن زيد عن وليد بن رباح عن أبي هريرة .

وكان أبو الدرداء يقول : إياكم وفراسة العلماء ، احذروا أن يشهدوا عليكم شهادة تكبكم على وجوهكم في النار ، فوالله إنه للحق يقذفه الله في قلوبهم .

قلت : وأصل هذا في الترمذي مرفوعا : { اتقوا فراسة المؤمن ; فإنه ينظر بنور الله ، ثم قرأ { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } } [ ص: 52 ]

وقال أبو عمر : ثنا عبد الوارث بن سفيان ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا إبراهيم بن أبي الفياض البرقي الشيخ الصالح ثنا سليمان بن بزيع الإسكندراني ثنا مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن علي ، قال : { قلت : يا رسول الله الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه القرآن ، ولم تمض فيه منك سنة ، قال : اجمعوا له العالمين ، أو قال العابدين ، من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم ، ولا تقضوا فيه برأي واحد } وهذا غريب جدا من حديث مالك ، وإبراهيم البرقي وسليمان ليسا ممن يحتج بهما .

وقال عمر لعلي وزيد : لولا رأيكما لاجتمع رأيي ورأي أبي بكر ، كيف يكون ابني ولا أكون أباه ؟ يعني الجد .

وعن عمر أنه لقي رجلا فقال : ما صنعت ؟ قال : قضى علي وزيد بكذا ، قال : لو كنت أنا لقضيت بكذا ، قال : فما منعك والأمر إليك ؟ قال : لو كنت أردك إلى كتاب الله أو إلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم لفعلت ، ولكني أردك إلى رأي ، والرأي مشترك ، فلم ينقض ما قال علي وزيد .

وذكر الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود أنه قال : إن الله اطلع في قلوب العباد فرأى قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاختاره لرسالته . ثم اطلع في قلوب العباد بعده فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبته ، فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن ، وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح .

وقال ابن وهب عن ابن لهيعة : إن عمر بن عبد العزيز استعمل عروة بن محمد السعدي على اليمن ، وكان من صالحي عمال عمر ، وإنه كتب إلى عمر يسأله عن شيء من أمر القضاء ، فكتب إليه عمر : لعمري ما أنا بالنشيط على الفتيا ما وجدت منها بدا ، وما جعلتك إلا لتكفيني ، وقد حملتك ذلك ، فاقض فيه برأيك .

وقال محمد بن سعد : أخبرني روح بن عبادة ثنا حماد بن سلمة عن الجريري أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال للحسن : أرأيت ما تفتي به الناس ، أشيء سمعته أم برأيك ؟ فقال الحسن : لا والله ما كل ما نفتي به سمعناه ، ولكن رأينا لهم خير من رأيهم لأنفسهم .

وقال محمد بن الحسن : من كان عالما بالكتاب والسنة وبقول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما استحسن فقهاء المسلمين وسعه أن يجتهد برأيه فيما يبتلى به ، ويقضي [ ص: 53 ] به ، ويمضيه في صلاته وصيامه وحجه وجميع ما أمر به ونهي عنه ، فإذا اجتهد ونظر وقاس على ما أشبه ولم يأل وسعه العمل بذلك ، وإن أخطأ الذي ينبغي أن يقول به ==============فصل ولا تعارض بحمد الله بين هذه الآثار ، عن السادة الأخيار ، بل كلها حق ، وكل منها له وجه ، وهذا إما يتبين بالفرق بين الرأي الباطل الذي ليس من الدين والرأي الحق الذي لا مندوحة عنه لأحد من المجتهدين فنقول وبالله المستعان :

[ معنى الرأي ]

الرأي في الأصل مصدر " رأى الشيء يراه رأيا " ثم غلب استعماله على المرئي نفسه ، من باب استعمال المصدر في المفعول ، كالهوى في الأصل مصدر هويه يهواه هوى ، ثم استعمل في الشيء الذي يهوى ; فيقال : هذا هوى فلان ، والعرب تفرق بين مصادر فعل الرؤية بحسب محالها فتقول : رأى كذا في النوم رؤيا ، ورآه في اليقظة رؤية ، ورأى كذا - لما يعلم بالقلب ولا يرى بالعين - رأيا ، ولكنهم خصوه بما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الأمارات ; فلا يقال لمن رأى بقلبه أمرا غائبا عنه مما يحس به أنه رأيه ، ولا يقال أيضا للأمر المعقول الذي لا تختلف فيه العقول ولا تتعارض فيه الأمارات إنه رأي ، وإن احتاج إلى فكر وتأمل كدقائق الحساب ونحوها .

[ الرأي على ثلاثة أنواع ]

وإذا عرف هذا فالرأي ثلاثة أقسام : رأي باطل بلا ريب ، ورأي صحيح ، ورأي هو موضع الاشتباه ، والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف ، فاستعملوا الرأي الصحيح ، وعملوا به وأفتوا به ، وسوغوا القول به ، وذموا الباطل ، ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به ، وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله .

والقسم الثالث : سوغوا العمل والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إليه حيث لا يوجد منه بد ، ولم يلزموا أحدا العمل به ، ولم يحرموا مخالفته ، ولا جعلوا مخالفه مخالفا للدين ، بل غايته أنهم خيروا بين قبوله ورده ; فهو بمنزلة ما أبيح للمضطر من الطعام والشراب الذي يحرم عند عدم الضرورة إليه كما قال الإمام أحمد : سألت الشافعي عن القياس ، فقال لي : عند الضرورة ، وكان استعمالهم لهذا النوع بقدر الضرورة : لم يفرطوا فيه ويفرعوه ويولدوه ويوسعوه كما صنع المتأخرون بحيث اعتاضوا به عن النصوص والآثار ، وكان أسهل عليهم من حفظها ، كما يوجد كثير من الناس يضبط قواعد الإفتاء لصعوبة النقل عليه وتعسر [ ص: 54 ] حفظه ، فلم يتعدوا في استعماله قدر الضرورة ، ولم يبغوا العدول إليه مع تمكنهم من النصوص والآثار ; كما قال تعالى في المضطر إلى الطعام المحرم : { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم } فالباغي : الذي يبتغي الميتة مع قدرته على التوصل إلى المذكى ، والعادي : الذي يتعدى قدر الحاجة بأكلها ==============ذكر تحريم الإفتاء في دين الله بغير علم وذكر الإجماع على ذلك [ إثم القول على الله بغير علم ]

قد تقدم قوله تعالى : { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } وأن ذلك يتناول القول على الله بغير علم في أسمائه وصفاته وشرعه ودينه . وتقدم حديث أبي هريرة المرفوع : { من أفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه } .

وروى الزهري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : { سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوما يتمارون في القرآن فقال : إنما هلك من كان قبلكم بهذا ، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض ، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا ، ولا يكذب بعضه بعضا ، فما علمتم منه فقولوا ، وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه } فأمر من جهل شيئا من كتاب الله أن يكله إلى عالمه ، ولا يتكلف القول بما لا يعلمه . وروى مالك بن مغول عن أبي حصين عن مجاهد عن عائشة أنه لما نزل عذرها قبل أبو بكر رأسها ، قالت : فقلت : ألا عذرتني عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت ما لا أعلم ، ؟

وروى أيوب عن ابن أبي مليكه قال : سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن آية ، فقال : أي أرض تقلني وأي سماء تظلني ؟ وأين أذهب ؟ وكيف أصنع إذا أنا قلت في كتاب الله بغير ما أراد الله بها ؟ [ ص: 127 ] وذكر البيهقي من حديث مسلم البطين عن عزة التميمي قال : قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة : وأبردها على كبدي ، ثلاث مرات ، قالوا : يا أمير المؤمنين ، وما ذاك ؟ قال : أن يسأل الرجل عما لا يعلم فيقول : الله أعلم . [ على من لا يعلم أن يقول : لا أدري ]

وذكر أيضا عن علي رضي الله عنه قال : خمس إذا سافر فيهن رجل إلى اليمن كن فيه عوضا من سفره : لا يخشى عبد إلا ربه ، ولا يخاف إلا ذنبه ، ولا يستحي من لا يعلم أن يتعلم ، ولا يستحي من يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول : الله أعلم ، والصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد .

وقال الزهري عن خالد بن أسلم وهو أخو زيد بن أسلم : خرجنا مع ابن عمر نمشي ، فلحقنا أعرابي فقال : أنت عبد الله بن عمر ؟ قال : نعم ، قال : سألت عنك فدللت عليك ، فأخبرني أترث العمة ؟ قال : لا أدري ، قال : أنت لا تدري ؟ قال : نعم ; اذهب إلى العلماء بالمدينة فاسألهم ; فلما أدبر قبل يديه قال : نعما قال أبو عبد الرحمن ; سئل عما لا يدري فقال : لا أدري .

وقال ابن مسعود : من كان عنده علم فليقل به ; ومن لم يكن عنده علم فليقل : " الله أعلم " فإن الله قال لنبيه : { قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين }

وصح عن ابن مسعود وابن عباس : من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه فهو مجنون .

وقال ابن شبرمة : سمعت الشعبي إذا سئل عن مسألة شديدة قال : رب ذات وبر لا تنقاد ولا تنساق ; ولو سئل عنها الصحابة لعضلت بهم .

وقال أبو حصين الأسدي : إن أحدهم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر .

وقال ابن سيرين : لأن يموت الرجل جاهلا خير له من أن يقول ما لا يعلم .

وقال القاسم : من إكرام الرجل نفسه أن لا يقول إلا ما أحاط به علمه ، وقال : يا أهل العراق والله لا نعلم كثيرا مما تسألوننا عنه ، ولأن يعيش الرجل جاهلا إلا أن يعلم ما فرض الله عليه خير له من أن يقول على الله ورسوله ما لا يعلم .

[ ص: 128 ] وقال مالك : من فقه العالم أن يقول : " لا أعلم " فإنه عسى أن يتهيأ له الخير . وقال : سمعت ابن هرمز يقول : ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده " لا أدري " ، حتى يكون ذلك أصلا في أيديهم يفزعون إليه .

وقال الشعبي : " لا أدري " نصف العلم .

وقال ابن جبير : ويل لمن يقول لما لا يعلم : إني أعلم .

وقال الشافعي : سمعت مالكا يقول : سمعت ابن عجلان يقول : إذا أغفل العالم " لا أدري " أصيبت مقاتله ، وذكر ابن عجلان عن ابن عباس .

[ طريقة السلف الصالح ]

وقال عبد الرحمن بن مهدي : جاء رجل إلى مالك ، فسأله عن شيء فمكث أياما ما يجيبه ، فقال : يا أبا عبد الله إني أريد الخروج ، فأطرق طويلا ورفع رأسه فقال : ما شاء الله ، يا هذا إني أتكلم فيما أحتسب فيه الخير ، ولست أحسن مسألتك هذه .

وقال ابن وهب : سمعت مالكا يقول : العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخرق ، قال : وكان يقال : التأني من الله والعجلة من الشيطان . وهذا الكلام قد رواه الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن سعد بن سنان عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { التأني من الله والعجلة من الشيطان } ، وإسناده جيد .

وقال ابن المنكدر : العالم بين الله وبين خلقه ، فلينظر كيف يدخل بينهم .

وقال ابن وهب : قال لي مالك وهو ينكر كثرة الجواب في المسائل : يا عبد الله ما علمت فقل ، وإياك أن تقلد الناس قلادة سوء .

وقال مالك : حدثني ربيعة قال : قال لي أبو خلدة وكان نعم القاضي : يا ربيعة ، أراك تفتي الناس ، فإذا جاءك الرجل يسألك فلا يكن همك أن تتخلص مما سألك عنه .

وكان ابن المسيب لا يكاد يفتي إلا قال : اللهم سلمني وسلم مني .

وقال مالك : ما أجبت في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني : هل تراني موضعا لذلك ؟ سألت ربيعة ، وسألت يحيى بن سعيد ، فأمراني بذلك ، فقيل له : يا أبا عبد الله فلو نهوك ؟ قال : كنت أنتهي .

وقال ابن عباس لمولاه عكرمة : اذهب فأفت الناس وأنا لك عون ، فمن سألك عما يعنيه فأفته ، ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته ، فإنك تطرح عن نفسك ثلث مؤنة الناس . [ ص: 129 ] فوائد تكرير السؤال ]

وكان أيوب إذا سأله السائل قال له : أعد ، فإن أعاد السؤال كما سأله عنه أولا أجابه ، وإلا لم يجبه ، وهذا من فهمه وفطنته رحمه الله ، وفي ذلك فوائد عديدة : منها أن المسألة تزداد وضوحا وبيانا بتفهم السؤال ، ومنها أن السائل لعله أهمل فيها أمرا يتغير به الحكم فإذا أعادها ربما بينه له ، ومنها أن المسئول قد يكون ذاهلا عن السؤال أولا ، ثم يحضر ذهنه بعد ذلك ، ومنها أنه ربما بان له تعنت السائل وأنه وضع المسألة ; فإذا غير السؤال وزاد فيه ونقص فربما ظهر له أن المسألة لا حقيقة لها ، وأنها من الأغلوطات أو غير الواقعات التي لا يجب الجواب عنها ; فإن الجواب بالظن إنما يجوز عند الضرورة ، فإذا وقعت المسألة صارت حال ضرورة فيكون التوفيق إلى الصواب أقرب ، والله أعلم .
============ذكر تفصيل القول في التقليد وانقسامه إلى ما يحرم القول فيه والإفتاء به ، وإلى ما يجب المصير إليه ، وإلى ما يسوغ من غير إيجاب .

[ أنواع ما يحرم القول به ]

فأما النوع الأول فهو ثلاثة أنواع : أحدها : الإعراض عما أنزل الله وعدم الالتفات إليه اكتفاء بتقليد الآباء . الثاني : تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهل لأن يؤخذ بقوله . الثالث : التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المقلد ، والفرق بين هذا وبين النوع الأول أن الأول قلد قبل تمكنه من العلم والحجة ، وهذا قلد بعد ظهور الحجة له ; فهو أولى بالذم ومعصية الله ورسوله .

وقد ذم الله سبحانه هذه الأنواع الثلاثة من التقليد في غير موضع من كتابه كما في قوله تعالى { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون } وقال تعالى : { وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم } وقال تعالى : { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا } وهذا في القرآن كثير يذم فيه من أعرض عما أنزله وقنع بتقليد الآباء .

فإن قيل : إنما ذم من قلد الكفار وآباءه الذين لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ، ولم يذم من [ ص: 130 ] قلد العلماء المهتدين ، بل قد أمر بسؤال أهل الذكر ، وهم أهل العلم ، وذلك تقليدهم ، فقال تعالى : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } وهذا أمر لمن لا يعلم بتقليد من يعلم .

فالجواب أنه سبحانه ذم من أعرض عما أنزله إلى تقليد الآباء ، وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق السلف والأئمة الأربعة على ذمه وتحريمه ، وأما تقليد من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله وخفي عليه بعضه فقلد فيه من هو أعلم منه فهذا محمود غير مذموم ، ومأجور غير مأزور ، كما سيأتي بيانه عند ذكر التقليد الواجب والسائغ إن شاء الله .

وقال تعالى : { ولا تقف ما ليس لك به علم } والتقليد ليس بعلم باتفاق أهل العلم كما سيأتي ، وقال تعالى : { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } وقال تعالى : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء } فأمر باتباع المنزل خاصة ، والمقلد ليس له علم أن هذا هو المنزل وإن كان قد تبينت له الدلالة في خلاف قول من قلده فقد علم أن تقليده في خلافه اتباع لغير المنزل ، وقال تعالى : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } فمنعنا سبحانه من الرد إلى غيره وغير رسوله ، وهذا يبطل التقليد . وقال تعالى : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة } ولا وليجة أعظم ممن جعل رجلا بعينه مختارا على كلام الله وكلام رسوله وكلام سائر الأمة ، يقدمه على ذلك كله ، ويعرض كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة على قوله فما وافقه منها قبله لموافقته لقوله وما خالفه منها تلطف في رده وتطلب له وجوه الحيل ، فإن لم تكن هذه وليجة فلا ندري ما الوليجة ، وقال تعالى : { يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا } وهذا نص في بطلان التقليد .

فإن قيل : إنما فيه ذم من قلد من أضله السبيل ، أما من هداه السبيل فأين ذم الله تقليده ؟ قيل : جواب هذا السؤال في نفس السؤال ، فإن لا يكون العبد مهتديا حتى يتبع ما أنزل الله على رسوله ; فهذا المقلد إن كان يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو مهتد ، وليس [ ص: 131 ] بمقلد ، وإن كان لم يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو جاهل ضال بإقراره على نفسه ، فمن أين يعرف أنه على هدى في تقليده ؟ وهذا جواب كل سؤال يوردونه في هذا الباب وأنهم [ إن كانوا ] إنما يقلدون أهل الهدى فهم في تقليدهم على هدى .

فإن قيل : فأنتم تقرون أن الأئمة المقلدين في الدين على هدى ، فمقلدوهم على هدى قطعا ; لأنهم سالكون خلفهم .

قيل : سلوكهم خلفهم مبطل لتقليدهم لهم قطعا ; فإن طريقتهم كانت اتباع الحجة والنهي عن تقليدهم كما سنذكره عنهم إن شاء الله ، فمن ترك الحجة وارتكب ما نهوا عنه ونهى الله ورسوله عنه قبلهم فليس على طريقتهم وهو من المخالفين لهم . وإنما يكون على طريقتهم من اتبع الحجة ، وانقاد للدليل ، ولم يتخذ رجلا بعينه سوى الرسول صلى الله عليه وسلم يجعله مختارا على الكتاب والسنة يعرضهما على قوله . وبهذا يظهر بطلان فهم من جعل التقليد اتباعا ، وإيهامه وتلبيسه ، بل هو مخالف للإتباع . وقد فرق الله ورسوله وأهل العلم بينهما كما فرقت الحقائق بينهما ، فإن الاتباع سلوك طريق المتبع والإتيان بمثل ما أتى به . [ الفرق بين الاتباع والتقليد ] .

قال أبو عمر في الجامع : باب فساد التقليد ونفيه ، والفرق بينه وبين الإتباع ، قول أبو عمر : قد ذم الله تبارك وتعالى التقليد في غير موضع من كتابه فقال : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } } روي عن حذيفة وغيره قال : لم يعبدوهم من دون الله ، ولكنهم أحلوا لهم وحرموا عليهم فاتبعوهم .

وقال عدي بن حاتم : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب ، فقال : { يا عدي ألق هذا الوثن من عنقك ، وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } قال : فقلت : يا رسول الله إنا لم نتخذهم أربابا ، قال : بلى ، أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه ويحرمون عليكم ما أحل لكم فتحرمونه ؟ فقلت : بلى ، قال : فتلك عبادتهم } .

قلت : الحديث في المسند والترمذي مطولا .

وقال أبو البختري في قوله عز وجل : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } أما إنهم لو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم ، ولكنهم أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه حلاله فأطاعوهم فكانت تلك الربوية .

وقال وكيع : ثنا سفيان والأعمش جميعا عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي ثابت عن أبي البختري [ ص: 132 ] قال : قيل لحذيفة في قوله تعالى : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } : أكانوا يعبدونهم ؟ فقال : لا ، ولكن كانوا يحلون لهم الحرام فيحلونه ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه .

وقال تعالى : { وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم } فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء ، فقالوا : إنا بما أرسلتم به كافرون ، وفي هؤلاء ومثلهم قال الله عز وجل : { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم } وقال تعالى معاتبا لأهل الكفر وذاما لهم : { ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين } وقال { وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا } ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء ، وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها ; لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر ، وإنما وقع التشبيه بين المقلدين بغير حجة للمقلد ، كما لو قلد رجلا فكفر وقلد آخر فأذنب وقلد آخر في مسألة فأخطأ وجهها كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة ; لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه ، وقال الله عز وجل : { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون } .

قال : فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها ، وهي الكتاب والسنة وما كان في معناهما بدليل جامع ، ثم ساق من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { إني لا أخاف على أمتي من بعدي إلا من أعمال ثلاثة ، قالوا : وما هي يا رسول الله ؟ قال : أخاف عليهم زلة العالم ، ومن حكم جائر ، ومن هوى متبع } وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما : كتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم }============ أمثلة لمن أبطل السنن بظاهر من القرآن ]

ولنذكر لهذا الأصل أمثلة لشدة حاجة كل مسلم إليه أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب .

المثال الأول :

رد الجهمية النصوص المحكمة غاية الإحكام المبينة بأقصى غاية البيان أن الله موصوف بصفات الكمال من العلم والقدرة والإرادة والحياة والكلام والسمع والبصر والوجه واليدين والغضب والرضا والفرح والضحك والرحمة والحكمة ، وبالأفعال كالمجيء والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا ونحو ذلك ، والعلم بمجيء الرسول بذلك وإخباره به عن ربه إن لم يكن فوق العلم بوجوب الصلاة والصيام والحج والزكاة وتحريم الظلم والفواحش والكذب فليس يقصر عنه ، فالعلم الضروري حاصل بأن الرسول أخبر عن الله بذلك ، وفرض على الأمة تصديقه فيه ، فرضا لا يتم أصل الإيمان إلا به ، فرد الجهمية ذلك بالمتشابه من قوله { ليس كمثله شيء } ومن قوله { هل تعلم له سميا } ومن قوله { قل هو الله أحد } ثم استخرجوا من هذه النصوص المحكمة المبينة احتمالات وتحريفات جعلوها به من قسم المتشابه .

المثال الثاني :

ردهم المحكم المعلوم بالضرورة ( الجهمية ) أن الرسل جاءوا به من إثبات علو الله على خلقه واستوائه على عرشه بمتشابه قول الله تعالى : { وهو معكم أينما كنتم } وقوله : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } وقوله : { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا } ونحو ذلك ، ثم تحيلوا وتمحلوا حتى ردوا نصوص العلو والفوقية بمتشابهه . =====================فصل في تغيير الفتوى ، واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد

الشريعة مبنية على مصالح العباد

هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به ; فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهي عدل كلها ، ورحمة كلها ، ومصالح كلها ، وحكمة كلها ; فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور ، وعن الرحمة إلى ضدها ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى البعث ; فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل ; فالشريعة عدل الله بين عباده ، ورحمته بين خلقه ، وظله في أرضه ، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها ، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون ، وهداه الذي به اهتدى المهتدون ، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل ، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام [ ص: 12 ] على سواء السبيل .

فهي قرة العيون ، وحياة القلوب ، ولذة الأرواح ; فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة ، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها ، وحاصل بها ، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها ، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم ، وهي العصمة للناس وقوام العالم ، وبها يمسك الله السموات والأرض أن تزولا ، فإذا أراد الله سبحانه وتعالى خراب الدنيا وطي العالم رفع إليه ما بقي من رسومها ; فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم ، وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة .

ونحن نذكر تفصيل ما أجملناه في هذا الفصل بحول الله وتوفيقه ومعونته بأمثلة صحيحة ===================فصل :

ولنختم الكتاب بذكر فصول يسير قدرها ، عظيم أمرها ، من فتاوى إمام المفتين ، ورسول رب العالمين ، تكون روحا لهذا الكتاب ، ورقما على جلة هذا التأليف .

[ فتاوى في مسائل من العقيدة ] فصح { عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن رؤية المؤمنين ربهم - تبارك وتعالى - ، فقال : هل تضارون في رؤية الشمس صحوا في الظهيرة ليس دونها سحاب ؟ قالوا : لا ، فقال هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس دونه سحاب ؟ قالوا : لا ، قال فإنكم ترونه كذلك } متفق عليه .

{ وسئل : كيف نراه ونحن ملء الأرض ، وهو واحد ؟ فقال أنبئكم عن ذلك في آلاء الله ، الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة لا تضارون في رؤيتهما ، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه } ذكره أحمد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق