الأربعاء، 25 مايو 2016

الخطوة الثانية: اعتقاد أولئك في الأوثان بم؟ قال اعتقد في الأوثان العربُ أنها لا تدبر شيئا.إذا استدللت على هذه بالآيات وبحال العرب يأتي النتيجة وهي وإنما أرادوا الجاه والشفاعة، لماذا أرادوا الجاه والشفاعة فقط؟ لأن الله جل وعلا قال ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾[الزمر:3] ومن المتقرر في اللغة أن كلمة (مَا) وبعدها (إلا)، (ما) النافية التي تأتي بعدها (إلا) هذه تفيد الحصر فكأنه قال عن قولهم: لا نعبدهم لشيء ولا لعلة من العلل، لا لأنهم يملكون الرزق ولا يملكون الموت والحياة، ولا لأنهم يدبرون الأمر، ولا نعبدهم إلا لشيء واحد: وهو أن يقربونا إلى الله زلفى.فإذن ينتج من ذلك أنّ المشركين كان شركهم باعتقاد أن هذه الأوثان تقرِّب إلى الله زلفى، باعتقاد أن هذه الأوثان لأجل أن لها منزلة عند الله وأن لها جاه عند الله فهي تقرّب، ما هذه الأوثان التي عُبِدت؟ الملائكة، أليس كذلك؟ ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ(40)قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾[سبإ:40-41]، وقال جل وعلا في الأولياء ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾[الشورى:9]، وقال جل وعلا في قصة عيسى عليه السلام ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾[المائدة:116]، وقال للنبي عليه الصلاة والسلام ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾[ الجن: 18 ].فإذن نُوِّعت المعبودات المنفية ولما نزل قول الله جل وعلا ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ(98)لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾[الأنبياء:98-99] فرح المشركون قالوا: إذن سنكون مع الصالحين، سنكون مع اللات، وسنكون مع عيسى، وسنكون مع عزير، وسنكون مع كذا وكذا، مع من عبدنا. فأنزل الله جل وعلا قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ(101)لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾[الأنبياء:101-102]الآيات.إذن ترتَّب على ما ذكرنا أن ما قاله صاحب الشبهة هي دعوى، لا تجابهه بأن تقول هذه دعوى بل أنت مشرك، لا، تقول له: نأخذها واحدة واحدة، أنت الآن تقول أنا لا أشرك بالله وأنك تشهد كذا وكذا، فنقول ننظر إلى حال المشركين في الآيات.فإذا تأملت حال المشركين وقصصت عليه وتلوت عليه الآيات وأفهمته إياها كيف كانت حالة المشركين وأنهم مُقِرُّون بما أقر هذا به.فإذن تنقله إلى الخطوة الثانية: وهي أن المشركين كانوا لا يعتقدون في أوثانهم أنها تدبر شيئاننقله بعد ذلك الخطوة الثالثة فيما قدمت لك سالفا في معنى الشرك، ما معنى الشرك، ومعنى كلمة لا إله إلا الله، ثم تنقله إلى أن أولئك لم يرضوا بلا إله إلا الله لأنهم إنما أرادوا الزلفى بنص الآية، وأرادوا الشفاعة بنص آية الزمر أيضا ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ وَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ(43)قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾[الزمر:44]، فهي له وحده دون ما سواه؛ يعني مِلكا، هو الذي يخبرك عن حكمها جل وعلا لا تبتدئ أنت بتصريف أمرك في الشفاعة كما تريد؟ لا، هي لله جل وعلا سبحانه استحقاقا، وله جل وعلا مُلكا وأمرا ونهيا.قال(واقرأ عليه ما ذكر الله في كتابه ووضحه).بهذا يتبين لك أن هذه الشبهة وهي من الشبه التي قد تواجهها، كثير من الناس تروج عليه؛ يقول كيف أنا مؤمن أنا كذا وكذا، يعني على شان ذهبت إلى رجل من الصالحين والأولياء عند قبره وقلت له: اشفع لي فأن لك جاه عند الله ومقاما عند الله، فاسأل الله لي أن يرزقني ولدا، واسأل الله لي أن يعطيني وظيفة، واسأل الله لي أن ييسر أمري، أكون مشركا كأبي جهل وكذا. هذه تروج على كثير من جهة العاطفة ومن جهة التقريب، إنما أنا أصلي وأنا أزكي وأنا كذا، وأعتقد أن الله هو الخالق الرازق، أنا لا أشرك بالله جل وعلا، فينفي شيئا هو في حقيقته واقع فيه، ولهذا قال الصنعاني في رسالته تطهير الاعتقاد( )، هذا الصنعاني وكذا الشوكاني في رسالته توحيد العبادة المعروفة قالوا فيما جابهوه في اليمن قالوا: إن الأسماء لا تغير الحقائق؛ يعني إن غير المشركون وعلماء المشركين الأسماء فإن الحقائق لا تتغير، إذا سمَّوْا طلب الشفاعة وطلب الزلفى توسلا فإن هذا لا يغير الحقيقة، إذا سموه سؤالا بهم كما قال الشيخ هنا عنهم (قالوا: وأطلب من الله بهم) فهذا لا يغير حقيقة الأمر وهو أنهم يطلبون من الله صحيح؛ ولكن متوسلين بشفاعة أولئك لا بذواتهم، فالتوسل بشفاعتهم: اشفع لي، واسأل الله لي، وأطلب من الله لي، واسال الله لي وأشباه ذلك، هذا كله هو طلب الزلفى، أو يتقرب إليهم ليشفعوا من دون التنصيص على الشفاعة، يقول: أنا أتقرب إليه أذبح صحيح الولي؛ ولكن أنا أقصد الذبح لله؛ لكن للولي حتى ينعطف قلب هذا العبد الصالح علي لأني ذبحت فيسأل الله لي.فإذن مقصود من عبد غير الله، من عبد الأوثان، من عبد الأصنام، من عبد القبور، من عبد الأولياء، من عبد الموتى، مقصودهم أن يشفع أولئك لهم، ليس مقصود أولئك أن يتخذوا هذه أربابا أو آلهة استقلالا، ما هذا المقصود أحد ممن أشرك؛ ولكن هذا مقصود أولئك من أنهم يريدون القربى والزلفى.فإذن تحتاج في رد الشبه إلى:• أن تتدرج في المقدمات أولا.• الثاني أن تفهم كيف ترد الشبهة بعمومها وكيف تفصل جمل الشبهة فترد عليها بخصوصها.• الثالث أن تقدم الرد المجمل أو الرد الإجمالي على ما أورد من الشبهة برد مفصل على تفصيل كل جملة جملة، مثل ما ذكر الشيخ رحمه الله. هنا قال (حالتهم) أذكر لهم حالة المشركين لا تجادلهم بأنه لست أنت مشرك أو أنه كذا وكذا لا؛ ولكن صف له حال المشركين وتفصيل الكلام الذي ذكرنا، ثم انتقل بعد ذلك إلى معنى كونه مشركا إلى معنى كونه نافى كلمة التوحيد إلى آخر ما ذكرنا.هذه من المهمات في أن تتصور كيف تتدرج في رد الشبهة، واحذر من أن تنساق وراء الشبهة مع العاطفة فتجبهه بكلام قد يقوي الشبهة عنده، فلا بد أن يكون الانتقال كما عليه قواعد إقامة البرهان وإقامة الحِجاج مع المخالف؛ أن تنتقل في شأنه من المتفق عليه إلى ما هو أقل اختلافا، ثم إلى ما هو أكثر، وهكذا.المسألة التي يقوى الاختلاف فيها لا تبتدئ بها، ابتدئ بالواضح واضح جدا، ثم انتقل بعده درجة إلى الأقل وضوحا، ثم إلى الأقل وضوحا وهكذا، أما إذا ابتدأت بما هو أكثر إشكالا فإنه لن يقتنع؛ لأن ما هو أكثر إشكالا يحتاج إلى مقدمات كثيرة.فإذن تبتدئ معه بما هو أكثر وضوحا، والأكثر وضوحا:• وصف حال المشركين من مشركي العرب من جهة إقرارهم بالربوبية، واحد.• الثاني إقرارهم بأن أوثانهم لا تدبر شيئا.• الثالث بأنهم إنما أرادوا الزلفى والشفاعة بنصوص القرآن في ذلك.لكن لو ابتدأت معه بمعنى العبادة ربما يأتيك بمخالفات، يقول لك: لا العبادة هي كذا، إذا أتيت معه في التكفير، هنا يخالفك يقول لك: لا، هو كذا وكذا وكذا، فتبتدئ معه بتقرير شرك المشركين وترد عليه شبهته هذه بأن أولئك ما أرادوا إلا الزلفى، والتدرج إذن مهم.وبعض الذين دعوا إلى التوحيد مع الأسف أوقعوا المدعو في شبهة أعظم مما كانت عنده، لأنه جاء للمستغرق من المسائل فأراد أن يجيب عليها بما عنده واضح؛ لكن هي ليست بواضحة، فأراد أن يجيب فزاد الإشكالَ إشكالا.... ( )الشبهة الثانية تحتاج إلى وقت أيضا وهي قوله (فإن قال هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام؟) هذه تحتاج إلى رد أيضا مفصَّل.ننبه إلى أنه بقرب الحج والمدة القادمة أكثر الوقت ربما أكون في مكة إن شاء الله، فالدروس تقف بعد اليوم، ونبدأ إن شاء الله في 20/12 إن شاء الله.[الأسئلة]س1/ هل توزيع رسالة كشف الشبهات مناسب ؟ج/ نعم مناسب ما فيه شك؛ لأنه هو وضع سهل العبارة واضح البيان.س2/ هل يمكن لأهل السنة والجماعة أن يستخدموا كلمة إله بمعنى محيِّر؟ج/ لا، لا يمكن؛ لأنها صارت لها معنى شرعي جاءت في النصوص بمعنى معبود، خلاص لا تستخدم تلك الكلمة في غير ما جاءت في النصوص؛ لكن نقول: هذا المعنى هم قالوا إنه ورد في اللغة هذا على شكل شاذ. بمعنى إذا ورد في نص يعني في شعر أو في خطبة من خطب العرب أو نحو ذلك فنفهم المعنى بمراجعة كتب اللغة، أما كلمة إله فهي لا نستخدمها إلا بمعنى المعبود، إله بمعنى مألوه معبود.س3/ ما الفرق بين أن يدعو أحد الله بأبي بكر أو بعمر، أو أن يدعو بواسطة أبي بكر أو عمر؟ج/ أنا نبهتكم على هذا.التوسل، التوسل بغير الله في الدعاء له قسمان:الأول: أن يسأل الله بذات فلان، أن يسأل الله بجاهه؛ يعني يقول: اللهم إني أسألك -في دعاء في المسجد أو في بيت أو في أي مكان- اللهم إني أسألك بمحمد عليه الصلاة والسلام، أسألك برسولك محمد، أسألك بأبي بكر، أسألك بعمر، أسألك اللهم بعثمان أن تعطيني كذا وكذا، فيكون هو قد سأل الله؛ ولكن جعل وسيلته فلان يعني عمل فلان وعمل فلان له، وعمل النبي عليه الصلاة والسلام له، عمل أبي بكر له، عمل عمر له، فلا مناسبة بين سؤالك وسؤاله، والنبي عليه الصلاة والسلام ما أرشد إلى هذا، لهذا نقول: هذا النوع بدعة، ولا يجوز لأنه لا مناسبة بين عمل فلان وعمله، وما بين ما عمله وقدمه وما بين ما عملت. أو يسأله بجاهه فيقول: أسألك اللهم بجاه نبيك، بحرمة نبيك، بجاه أبي بكر، بجاه فلان من الصالحين أن تعطيني كذا وكذا، هذا أيضا بدعة واعتداء في الدعاء، ووسيلة إلى الشرك وهو القسم الثاني.القسم الثاني: الذي هو شرك أكبر أن يكون معنى التوسل أن يسأل الله متوسطا بأولئك، ما يقول الله أعطني بفلان، لا، يقول: يا فلان اشفع لي عند الله اللهم اعطني كذا وكذا بشفاعة فلان لي؛ هذا التركيب جميعا، أو يقول يا نبي الله اسأل الله لي كذا وكذا، يا حسين اشفع لي عند الله بكذا وكذا، يا عبد القادر أسألك أن تسأل لي الله كذا اشفع لي بكذا، يكون قد صلى مثلا عند قبته عند قبره ركعتين تقربا أو طاف أو ذبح أو نذر أو من دون ذلك، فهذا معنى الوساطة، الوساطة يعني أنه طلب منهم الوساطة، طلب منهم الزُّلفى، طلب منهم الشفاعة، ففرق بين أن يسأل الله بهم وما بين أن يتوسَّط عند الله بهؤلاء، فالسؤال بهم أن يقول: اللهم إني أسألك بنبيك أسألك بأبي بكر هذا بدعة ووسيلة للشرك واعتداء في الدعاء، أما لو سأل هذا أن يشفع له عند الله أو تقرب إليه بشيء من العبادات ليشفع له عند الله فهذا هو الشرك الأكبر الذي عناه الشيخ بما ذكرت.س4/ هل المعبودات من الأحجار والأشجار تكون في النار مع من عبدها؟ج/ نعم، كلها والأصنام والجن الذين عُبدوا ورضوا بالعبادة.س5/ الأخ يقول أنا ما اتضحت لي الشبهة ولا ردَّها.ج/ مع أني اجتهدت أن يكون الأسلوب بأكثر سهولة وأكثر وضوح، ما لأدري إذا كان [...] هذه مشكلة يعني صعب أني أسهّل أكثر من كذا، ودي اتضح له الشبهة ويتضح له الرد يشير بأصبعه يعني يرفع أصبعه، طيب جزاكم الله خيرا، الذي هي واضحة عنده جدا، واضحة جدا، إيراد الشبهة والرد أيضا يرفع أصبعه، طيب، وضوح متوسط واضحة؛ لكن بوضوح متوسط، التوسط معناه أنه يحتاج إلى مراجعة يعني فيما أوردت يحتاج إلى مراجعة حتى يفهمه من؟ طيب الأخير الذي ما اتضحت له يعني كان فيه قصور عنده في إيراد الشبهة أو إيراد الرد عليها يرفع، ما فيه عيب هذا عشان أجتهد لكم أكثر أو أشوف لنا طريقة.يقول لماذا لا تصاغ الشبهة بأسلوب أكثر وضوحا مما عليه ثم يكون الجواب بأسلوب أوضح كذلك؟أنا عندي أوضحتها وربما يُعتب علي ليش أوضحت الشبهة بمثل هذا التوضيح، هذا الذي جعلني في ما مضى أتردد في شرح الكتاب كثيرا؛ لأن تعليم الشبهات مشكلة، يعني إيضاح الشبهة ثم الرد عليها صعب ليس منهجا؛ لكن بما أنكم من دعاة التوحيد وممن سينافحون عنه فلابد من إيضاحها؛ لعل الله جل وعلا يجعل منكم مجاهدين في سبيل الله.س6/ هل تدخلون بعض المناظرات التي تقوم اليوم بين بعض الدعاة مع النصارى وغيرهم من إيراد الشبهة على المدعو وإضعافها؟ج/ طبعا والمحاجة والمجادلة فن، ولها علم خاص بها؛ علم البرهان وعلم الحجاج، وهي من علوم المنطق أو من علوم الفلسفة بالعموم وعلوم المنطق بالخصوص، تحتاج إلى فهم؛ لأنه لابد من ترتيب المقدمات؛ يعني تهتم في الجواب سواء في الفقه في أي حجة تريد إبطالها أو تريد مناقشتها:أولا تأتي بالمقدمات جميعا، وتنظر هل النتيجة بنيت على هذه المقدمات مجتمعة أو على واحدٍ منها، فإن كانت عليها مجتمعة نظرت في صلة المقدمات بعضها ببعض، فإن وجدت سبيلا إلى الطعن فيها كان هذا أقوى حجة؛ يعني شيخ الإسلام مع المتكلمين والفلاسفة يأتي للمقدمة ويطعن فيها، لما بنيت عليه النتيجة، يطعن فيها بالعقل ويطعن فيها أيضا بالنقل، إذا كانت المقدمات كل واحدة أنتجت نتيجة، فتناقش كل مقدمة على حِدا، إذا كانت هذه المقدمات ظنية ناقشتها مناقشة الظنيات، إذا كانت قطعية أيضا نظرت إلى النتيجة التي أنتجتها وتناقشها، هنا ترتب الحجاج بالأسهل فالأسهل، لا تأتي بالأصعب ثم الأسهل ثم آخر شيء الأسهل، لا، تبتدأ بالمتفق عليه بالأسهل قبولا، ثم بما بعده.فإذا تناقش واحد حتى عند في البيت أو المجلس يأتيك مثلا في كلامك يأتي إلى جزئية ويمسكها، تأتي أنت تنشغل عن الكلام كله وهو مهم ويُشغلك بجزئية في كلامك، تروح تناقشه في جزئية ويضيق لب الموضوع، هذا يكون إذن أنت ضعيفا في الحجاج والنقاش؛ لأنه أضاع عليك الأصل بجعلك تلتفت إلى جزئية، وهذا الآن مع الأسف أهل الصحف وأهل المجلات أغرقوا كثير من الذين يكتبون كتابات إسلامية بشبهات صغيرة والتأصيل العام لا يناقش، يأتي في كلام يعني شبهة فرعية من فروع الإسلام، فرع من الفروع ويستغرقون ويسلطون عليه الضوء ويناقشونه وأخذ ورد وأخذ وعطاء ليشغلوا الناس بذلك؛ لكن أين أصول الإسلام؟ هنا تُحجب؛ لأنه لو نوقشت الأصول صار الكلام فيها أقرب وأوضح وصارت الحجة فيها من جهة العمل أقوى وإقامة الحجة على المخالف أوضح، خلاف الفرعيات، الفروع يكون كثير الخلاف فيها أو الجزئيات قد ما تصل مع المخالف فيها إلى نتيجة واضحة.فينتبه الذي يجيب على الشبهات ويحاج أي مخالف أو أي صاحب شبهة سواء في الأصول يعني في التوحيد أو في الفروع في الفقه فإنه ينبغي له أن ينتبه كيف يورد الجواب، وكيف يرتب الأجوبة حتى يكون ذلك أبلغ في التأثير.هنا الاعتبار بـ: لا تأتي في رد الشبه في المحاجة بتقديم العذر لمن تحاجُّه، لا تقل له أنت معذور؛ لأن هذا يقويه هو، خل سماعه لك ضعيفا، الأخ يقول فلا أقول له إن هؤلاء معذورون لأنهم جهال، لا تقل له معذور؛ بل تقول له المسألة عظيمة وهذا كفر وإيمان وشرك وإيمان، لابد تفهمها، لابد أن تكلم عنها بوضوح، إذا سهلت له الأمر تساهل صار ما عنده قلق من وضعه.نكتفي بهذا القدر، أسأل الله جل وعلا أن يجمعنا وإياكم بعد الحج في ثبات على الطاعة وقبول للعمل.وصلى الله وسلم على محمد.[المتن]فإن قال هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام، أم كيف تجعلون الأنبياء أصناما؟ فجاوبه بما تقدم، فإنه إذا أقرّ أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة، ولكن إذا أراد أن يفرِّق بين فعلهم وفعله بما ذكر فاذكر له أنَّ الكفار منهم من يدعو الأصنام ومنهم من يدعو الأولياء الذين قال الله فيهم ﴿أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾[الإسراء:57] ويدعون عيسى ابن مريم وأمه، وقد قال الله تعالى ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(75)قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾[المائدة:75-76]، واذكر قوله تعالى ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ(40)قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾[سبإ:40-41]، وقوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾[المائدة:116]، فقل له: عرفتَ أنّ الله كفَّر من قصد الأصنام وكفَّر أيضا من قصد الصالحين وقاتلهم رسول الله . [الشرح]بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أنّ محمدا عبد الله ورسوله هو النبي الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. أما بعد:فأسأل اللهَ جل وعلا لي ولكَ العلم النافع والعمل الصالح والقلب الخاشع والدعاء المسموع، وأن يثبِّت العلم في قلوبنا، وأن يرزقنا البصيرة فيما نقول وفيما نعمل وفيما نترك.ثم إنَّ هذه الرسالة العظيمة -كشف الشُّبهات- ساق فيها الإمام المجدد رحمه الله تعالى مقدِّمات قد مرَّ بيانها مفصلا، ثم ساق أصول شبه المشركين وأجاب جملة يعني بجواب مجمل ثم بدأ في ذكر شبههم والجواب المفصل على ذلك، فذكرنا من ذلك ما ذكرنا، ووقفنا عند قوله رحمه الله تعالى (فإن قال: هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام؟ أم كيف تجعلون الأنبياء أصناما؟ فجاوبه بما تقدم؛ فإنه إذا أقرَّ أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة، إذا أراد ذلك فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الأصنام ومنهم من يدعو الأولياء) إلى آخر ذلك مما سمعت.هذه الشبهة راجت على كثيرين، حتى إنّ المفسرين المتأخرين إذا ذكرت عبادة غير الله جل وعلا في القرآن من جهة النهي عنها أو وصف المشركين أنهم يعبدون غير الله فسروا ذلك بعبادة الأصنام، وقد تقرر في اللغة أنًَّ الصنم صورة منحوتة؛ يعني ما نُحِت على شكل صورة، وإذا كان كذلك فإن الصنم إما أن يكون حجرا وإما أن يكون خشبا وإما أن يكون عجينا وإما أن يكون تمرا إلى آخر ذلك.فعليه جعلوا العبادة التي توجه بها المشركون من العرب وغيرهم إلى غير الله جعلوها متوجَّهة إلى الأصنام، ولهذا جعلوا كفّار قريش ما كفروا إلا بعبادتهم الأصنام، وكذلك الكفار فيمن قبلهم كفروا بعبادتهم الأصنام، وهذا أصل أصّله كثيرون في جملة من المنتسبين إلى العلم في كتب التفسير وفي كتب العقائد المخالفة لعقائد أهل السنة وغيرها، وأصل هذا الباب وأصل هذا الضلال جاء -كما وصفتُ لكم فيما قبل- من جهة الباطنية ومن جهة المتكلمين.فإنّ الباطنية لمّا قرروا أن التوسل بالأرواح؛ بل لما قرروا أنَّ الأرواح لها تصرف بعد مفارقتها للجسد أعظم مما كانت تفعل لما كانت في الجسد، قالوا: لأنها لما كانت في الجسد كانت محجوزة بهذا الجُثمان، لا تنطلق، لا تتصرف إلا بما يطيقه هذا الجثمان؛ فلا تعطي، ولا تمنع، ولا تأخذ، ولا ترفع، إلا بمقدرة الجثمان، فأما إذا انفصلت عن هذا الجثمان فإنها تعود إلى انطلاقها، وتكون مهيأة لقوة أعظم مما كانت عليه لمّا كانت في الجسد، فالجسد محل الشهوات ومحل العاهات ومحل الأمراض والروح مقيدة مسجونة فيه، فإذا فارقت الروح البدن انطلقت وصار لها من القوة ما ليس لها لما كانت مرتهنة بالجسد.لما كان كذلك قالوا: إن التوسل بهذه القوى وبهذه الأرواح والرَّغب إليها حتى تتوسط عند الله جل وعلا، ليس هو مثل توسط المشركين؛ لأن المشركين توسَّطوا بأصنام والأصنام لا مكانة لها عند الله جل وعلا، وأما التوسط بالأرواح فإنّ الأرواح الطيبة الصالحة -أرواح الأنبياء والأولياء- هذه لها مكانها ولها مقامُها ولها جاهها وحرمتها عند الله جل وعلا، فجعلوا هذا الفرق لازما.ولهذا جعلوا الوساطة هذه ليست داخلة في التوحيد، والتوحيد عندهم هو توحيد الربوبية دون توحيد الإلهية؛ يعني هو التوحيد بأن الهس هو المتصرف القادر على الاختراع المستغني عما سواه المفتقر إليه كل ما عداه.وراج هذا على المتكلمين، فكان المتكلِّمون يجعلون الغاية من تحقيق الإيمان هو الإيمان بالرُّبوبية؛ الإيمان بلا إله إلا الله التي معناها أن لا ربّ إلا الله؛ يعني أن لا قادر على الاختراع والإبداع إلا الله جل وعلا وحده، فمتى أقر بذلك كان مؤمنا وكان مسلما.فعندهم أن مشركي العرب لم يكونوا على هذا الاعتقاد، وأنهم يعتقدون أن الأنواء تخلق، وأن الأصنام هذه تخلق وأنها تضر وأنها تنفع، وأمّا من وحّد الله في الربوبية فإنه يكون مؤمنا، لهذا قالوا: لا إله إلا الله معناها لا قادر على الاختراع والإبداع إلا الله، أو كما قال الآخر: لا مستغنيا عما سواه ولا مفتقرا إليه كل ما عداه إلا الله.هذه الفكرة وهذا الانحراف راج في المسلمين ولما كان مذهب المتكلمين مذهب الأشاعرة والمعتزلة في التوحيد هو السائد، تأثر أكثر المفسرين وأكثر الفقهاء بهذا القول الخبيث، لهذا يفسِّرون الآيات التي فيها ذكر عبادة غير الله بأنها عبادة للأصنام.ولهذا استنكر وأنكر طوائف على الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله دعوته، كيف تجعل الصالحين والأولياء مثل الأصنام؛ لأن الأصنام لا روح لها، والصالحون والأولياء أرواحهم مطهرة مقدسة عند الله جل وعلا.لهذا أورد الشيخ رحمه الله هذه الشبهة، وأورد الجواب عليها، فقال(فإن قال: هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام؟ أم كيف تجعلون الأنبياء أصناما؟) قال (فجاوبه بما تقدم فإنه إذا أقر أنّ الكفار يشهدون بالربوبية كلها) إلى آخر كلامه.يعني بقوله (فجاوبه بما تقدم) ما قدمه في المقدمات فيما سبق، وقوله (فإنه) هذا تفصيل لذلك الجواب، قال (إذا أقرَّ أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله) فأوَّل إبطال لقولهم أن يقام عليه حال الكفار مع الربوبية ( ) والله جل وعلا بيَّن لنا أنَّ أفراد توحيد الربوبية كان الكفار يقرون بها، فلما كان الكفار مقرين بتوحيد الربوبية كان شركهم جائيًا من جهة توحيد الإلهية، فقد بيَّن ذلك جل وعلا في آيات كثيرة كقوله جل وعلا ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾[الزخرف:9]، وكقوله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[لقمان:25]، وكقوله ﴿[وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ]( ) مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾[العنكبوت:63] الآية، وكقوله ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾[يونس:31] الآيات، وكقوله الآيات التي في أول النمل، والآيات ذكرناها وهي كثيرة في بيان إقرار المشركين بالربوبية.إذا كان كذلك وأقر بهذا فإن جزءا من شبهته قد زال، حتى يعلم أنَّ شرك مشركي العرب لم يكن من جهة اعتقادهم أنّ هذه الأصنام تخلق أو قادرة على الاختراع أو لها نصيب في الملك.فإذا كان كذلك نقول: هم من هذه الجهة أرادوا من الأصنام هذه الشفاعة، كما قال جل وعلا ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾[الزمر:3]، وكقوله جل وعلا ﴿هَـؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾[يونس:18]، وكقوله جل وعلا ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾[ص:5].فإذن المشركون لهم اعتقاد في إلهية هذه الأصنام، ويرون أنهم إنما يتقربون إليها لأجل التوسط لأجل الشفاعة، فهذا برهان ثاني.فالبرهان الأول على هذه الشبهة: حال المشركين مع إقرار الربوبية.والبرهان الثاني في الرد على هذه الشبهة: بيان أنهم مع الأصنام ما قصدوا إلا التوسط والشفاعة؛ لأن الله جل وعلا بيَّن لنا أنهم لا يعتقدون في الأصنام أنها تخلق وترزق وتأتي بالمطر وتسيِّر الرياح إلى آخر ذلك؛ بل إنما قصدوا منها الشفاعة واتخاذ الأصنام وسائل.البرهان الثالث ما ذكره الشيخ بعد ذلك بقوله: (ولكن إذا أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكر، فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الأصنام ومنهم من يدعو الأولياء).كما أسلفنا أنَّ عبادة المشركين بغير الله كانت متجهة إلى أربعة أنواع ذكرناها لكم فيما سلف، وتلخيصها: • أنهم عبدوا الأصنام المصوَّرة.• وعبدوا الملائكة.• وعبدوا الأنبياء والأولياء.• وعبدوا الأشجار والأحجار يعني اعتقدوا فيها وعبدوها.فهذه جملة الأنواع. ويدخل في الأشجار والأحجار عبادة الشمس والقمر والكواكب؛ لأن لها نصيبا من كونها أحجارا.ويدخل في عبادة النوع الثاني أصناف.ويدخل في النوع الأول أصناف، إلى آخره.فإذن لم تكن عبادة العرب منصبّة على نوع واحد.إذا أراد الدليل فنقول له: من جهة أن العرب وغير العرب من المشركين والكفار عبدوا أنبياء وعبدوا صالحين فالآيات في هذا كثيرة كقوله جل وعلا ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ﴾[المائدة:75] وكقوله جل وعلا ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ(40)قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾[سبإ:40-41]، وكقوله جل وعلا ﴿أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ﴾[الإسراء:57] وكقوله جل وعلا ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾[المائدة:116]، وكقوله جل وعلا ﴿أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى(19)وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾[النجم:19-20]، على القراءة (اللّاتَّ والعُزَّى) وهو رجل صالح كان يلتُّ السويق فمات فعكفوا على قبره إلى آخر ذلك.إذن فنجمع لهم الآيات التي هي صريحة في أن الصالحين عُبدوا.ثم الدرجة الثانية من هذا البرهان الثالث أن نقول في القرآن أيضا بيّن جل وعلا أن الذين عبدهم المشركون كانوا أمواتا غير أحياء كما قال جل وعلا في سورة النحل في ذكر الحِجاج مع المشركين قال في وصف الآلهة ﴿لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(20)أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾[النحل:20-21]، فهذه الآية فيها بيان أنَّ الذين عَبَدَهم المشركون والكفار من العرب كانوا لا يَخلقون شيئا وهم يُخلقون، وأنهم أموات غير أحياء ومعنى قوله (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ) أنهم الآن ليسوا على وصف الحياة بل هم على وصف الموت وهذا يعني أنهم كانوا قبل هذا الوصف أحياء لأن الذي يوصف بأنه ميت هو من كان حيا، قال جل وعلا هنا (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ)، ثم أكد ذلك بقوله (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) يعني ما يشعرون متى يبعث، والذي يُبعث هو الميت الذي يوصف بأنه كان حيا فمات، وهذا واضح في خروج الجمادات والأصنام عنها، الذي يبعث ذووا النفوس الجن والإنس والحيوان، وهنا معلوم أن المقصود من عُبِدَ من الإنس.فإذا كان كذلك بطل ادِّعاء أن العرب إنما عبدت أصناما لها وصف الحجارة فقط.وقد ذكرنا لكم لِم تعلق العرب ومن قبلهم بالأصنام؟ لأنهم يعتقدون أن هذا الصنم الذي هو مصوَّر على هيئة صورة ما تحلُّه روح أو كما يقولون روحانية تلك الصورة، فإذا كانت الصورة صورةَ بشر حلَّت فيه حين الخطاب، وإذا كانت الصورة صورة كوكب حلت فيه روحانية الكوكب حين الخطاب، وإذا كانت الصورة ملك حضر الملك حين الخطاب، وهكذا، فيما يزعمون، وكل الذين يحضرون ويخاطبونهم، وهم صادقون حين يقولون: خاطبنا الصنم فخاطبنا وكلمناه فكلمنا وسألناه فأجابنا. ولكن لم تجبهم الأرواح الطيبة وإنما أجابتهم الأرواح الخبيثة؛ أرواح الشياطين والجن، ولهذا قال جل وهلا في آية سبإ ﴿وَيَوْمَ يحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ(40)قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾[سبإ:40-41]، يعني أن الحقيقة أن الذي خاطبهم وأوقعهم في هذا إنما هم شياطين الجن، وقد قال جل وعلا ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَلاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوُّ مُبِينٌ(60) وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾[يس:60-62]، وكان إضلال الشيطان ليس من جهة الشهوات فحَسْب؛ بل هو في أعظم إضلال وهو في عبادة غير الله جل وعلا.إذن جواب هذه الشبهة ترتَّب على ثلاث أنواع من البراهين مرتبة:الأول: كما ذكرنا في أن عبادة المشركين كانت في أنّ إقرار المشركين كان في الربوبية على وجه التفصيل وتسوق الآيات.الثاني: أنهم ما أرادوا ممن عبدوهم ولو كانت الأصنام إلا التوسّط والشفاعة كما هي الآيات.الثالث: أن الآيات فيها ذكر أن تلك المعبودات لم تكن أصناما فحسب؛ بل كانت تلك المعبودات من البشر والملائكة والجن يعني أنَّ غير الله جل وعلا عبد بجميع أنواع غير الله، فعُبدت الملائكة وعُبد الصالحون وعُبد الأولياء وعبد الأنبياء.إذا تبين ذلك واتضح، فنأتي إلى خاتمة هذا البرهان قبل أن نمشي مع كلام الإمام رحمه الله تعالى فنقول: إن هذا البرهان وَرَدّ هذه الشبهة بما ذكرنا واضح؛ ولكن يبقى نتيجته وهو فهم معنى التوسط، وفهم معنى التوسل، وفهم معنى الشفاعة -وهذا سيأتي في جواب الشيخ أو في تكملة جواب الشيخ رحمه الله-؛ لكن المقدمة قبل هذا أنه إن سلم بهذه البراهين الثلاث مرتبة تنتقل معه إلى الكلام على الشفاعة، ولا تتكلم بالشفاعة قبل هذه البراهين؛ لأن الكلام في الشفاعة الشبه القولية فيه والعملية والنقلية كثيرة، فيحتاج إلى محكم وإلى واضح حتى يُرجع إليه عند الاختلاف.فإذن حين الحجاج مع المشركين يقدم لهم إذا قالوا إنّ الأولين ما عبدوا إلا الأصنام البراهين الثلاثة ولا يُتكلم في الشفاعة إلا بعدها؛ ما معنى الشفاعة وكيف توسلوهم ومعنى التوسل وما شابه ذلك.سؤال: يسأل فيقول ما الفرق بين درجتي البرهان الثالث؟الجواب: قلنا: الدرجة الأولى في البرهان الثالث الآيات التي فيها ذكر عبادة الأنبياء والصالحين صراحة.والرجة الثانية منه كالاستحضار بأن قال: لا، هذا ليس بصحيح إنما عبدوا الأصنام عبدوا أصنام هؤلاء، ما عبدوهم مباشرة، فيقال له: الله جل وعلا بين أن الذين دعاهم المشركون ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾[النحل:21]، والآيات في أول الأحقاف أيضا واضحة في الدلالة على هذا.فإذن الدرجة الثانية من البرهان لتبين أنهم ما عبدوا صور الصالحين أصنام فقط، وإنما عبدوا من كان حيا فمات ومن لا يشعر متى يبعث، واضح؟ نعم. [المتن]فإن قال: الكفار يريدون منهم وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر لا أريد إلا منه والصالحون ليس لهم من الأمر شيء ولكن أقصد من الله شفاعتهم.فالجواب أن هذا قول الكفار سواء بسواء فقرأ عليه قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾[الزمر:3]، وقوله تعالى ﴿وَيَقُولُونَ هَـؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾[يونس:18].[الشرح]هذه الشبهة وأنهم ما قصدوا إلا الشفاعة تحتاج إلى شيء من التقرير:فإن المشركين وأشباه المشركين والمدافعين عن المشركين يقولون: إنّ الأسباب جعلها الله جل وعلا منتجة لمسبباتها، فجعل الأكسية سببا في دفع الحر ودفع البرد، وجعل القلم سببا للكتابة، وجعل الطعام سببا لدفع الجوع، وجعل الشراب والماء سببا لدفع الضمأ، إلى آخر ذلك، وجعل بيتك سببا، وجعل العصا التي تحملها سببا، وجعل كذا وكذا سببا.قالوا: فكيف يعقل أن تكون هذه الأسباب نافعة، والأنبياء والأولياء والصالحون بعد الموت لا ينفعون؟ فلا شك أنهم أعظم قدرا وسببيّتهم أعظم من هذه الأشياء، فكيف يقال أن الطعام ينفع والنبي  لا ينفع -كما يقولون-؟ وكيف يقال أن الأكسية تنفع والنبي  بعد مماته لا ينفع أو أن الأولياء والصالحين لا تنفع؟فيدخلون لك في تقرير الشفاعة والتوسل من جهة الأسباب والارتباط بالمسببات.وجواب هذا يكون بمعرفة حال المشركين، فإن المشركين حين أشركوا ما أرادوا إلا أن يتخذوا هذه الأسباب مسبِّبات، حينما توجهوا إلى عيسى عليه السلام وإلى أمه وإلى اللاتِّ وإلى الصالحين وإلى القبور لِم توجهوا؟ هل يعتقدون فيها الاستقلالية؟ إنما اعتقدوها أسبابا.فإذن شبهة السببية هي مقدمة شبهة الشفاعة، فإنهم يقررون السببية حتى يصلوا منها إلى أنه لا بأس أن تتشفع برسول الله ، أو تتشفع بالأولياء والصالحين.فإذن فهمُك لعبادة المشركين يقضي على هذه الشبهة من أساسها، وتستطيع بفهمك لعبادة المشركين أن ترد على من أتى بهذه الشبهة التي هي مقدمة للقول بالشفاعة.الأسباب كما هو معلوم في الشرع نوعان:• أسباب مأذون بها.• وأسباب محرمة.فليس كل سبب جائز في الشرع أن يتعاطى، وكون النبي  سببا بعد موته أو كون الصالحين أسبابا بعد موتهم، هذا عند الجدال والبرهان نقول هذا احتمال؛ احتمال أن يكونوا أسبابا واحتمال ألا يكونوا أسبابا؛ لأن السبر والتقسيم ومقتضى الجدل الصحيح يقضي أن نقسِّم بأنه احتمال أن يكونوا كذلك واحتمال ألا يكونوا كذلك.فننظر في حال الأولين فنقول: الله جل وعلا بين لنا أن أرواح الشهداء عنده في مقام عظيم وأنه لا يجوز لنا أن نقول إن الشهيد ميِّت كما قال جل وعلا ﴿تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾[البقرة:153]، وقال جل وعلا في آية آل عمران ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾[آل عمران:169-170]، وأوَّلهم شهداء بدر وشهداء أحد...وفي زمن النبي  من السنة الثانية إلى وفاته عليه الصلاة والسلام ننظر في هذا السبب، هل كان شيء من النبي عليه الصلاة والسلام أو فيما تنزل من القرآن وجهنا إلى الانتفاع بهذا السبب على فرض أنه سبب نافع، فهذا باليقين لا يقول أحد إنّ ثمة آية أو حديث أو سلوك للصحابة بأنهم توجهوا إلى أرواح الشهداء -وهم أحياء بنص القرآن- للانتفاع بهذا السبب، وحال الصالحين والأولياء الذين توجه لهم المشركون غير الأنبياء لاشك أنهم أقل حالا من هؤلاء الشهداء الذين شهد الله جل وعلا لهم بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون؛ لأن أولئك ما شاركوهم في وصف الشهادة، الأنبياء أعظم وأرفع درجة من الشهداء.فإذا كان كذلك صار هذا إجماعا قطعيا في زمن النبوة -وهو أعلى أنواع الإجماع- صار هذا إجماعا قطعيا في زمن النبوة أنَّ هذا السبب ولو فُرِض أنه ينفع فإنهم تركوه قصدا، ولم ينزل فيه شيء، فدل على أنه سبب غير نافع وأنه سبب غير مأذون به، هذا من جهة.والدرجة الثانية: أنه بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام وكونه عليه الصلاة والسلام مع الرفيق الأعلى واضحا كان هذا عند الصحابة، ومع ذلك لم يتوجه الصحابة ولا التابعون قطعا إلى روح النبي عليه الصلاة والسلام يطلبون منها أو يجعلونها سببا، فهذا إجماع ثانٍ توالت عليه أعصر.والإجماع الثالث في حادثة نُقلت أن عمر رضي الله عنه لما أصاب الناس في عام الرَّمادة سنة 17هـ، لما أصاب الناس الضيق والكرب والجفاف والجوع كان يستسقي كما في الحديث المعروف في البخاري وفي غيره، فلما خطب قال: إنا كنا نستسقي برسول الله  يعني في حياته، والآن نستسقي بعمِّ رسول الله ، يا عباس قم فادعُ. فقام العباس فدعا وأمَّن الناس على دعائه، وهذا يدل دِلالة قطعية على أنهم انتفعوا بسبب دعاء العباس ولم يطلبوا الانتفاع بسبب دعاء النبي عليه الصلاة والسلام لعلمهم بأنّ ذلك السبب غير مشروع وأنه من توجَّه إلى النبي  طالبا منه أن يدعو أنه مخالف للشريعة وأنه شرك؛ لأنه لا يمكن أن يتوجهوا إلى المفضول ويتركوا الفاضل، لا يمكن أن يتوجهوا إلى الأقل ويتركوا الأعلى وهو رسول الله ؛ بل هذا لو كان..... ( ) لغير المصطفى  وهم في حياته كانوا يستغيثون به فيما يقدر عليه ويستشفعون به فيما يقدر عَليه عليه الصلاة والسلام إلى آخر ذلك، وهذا إجماع ثالث لأن الحديث صحيح فيه.إذا تقرر هذا فنقول هذا كله على فرض أنَّ السبب نافع ولكنه لم يؤذن بالسبب، فقد تكون الخمر نافعة لكن لم يؤذن بها، والله جل وعلا قال في الخمر والميسر ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾[البقرة:219]، ومع ذلك حرمها، وقال عليه الصلاة والسلام «تداووا عباد الله ولا تتداووا بحرام»، وقال «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» الحديث في أبي داوود وفي غيره.إذا تبين ذلك فنقول إذن على فرض أن هذا السبب ينفع فإنه سبب محرم غير مأذون به في الشرع لتلك الأنواع الثلاثة من الاجماعات.ثم ننتقل إلى درجة ثانية من الحجاج معهم فنقول: في الحقيقة هذا السبب غير نافع في الدنيا. وهو ما تعلقوا به من جهة الشفاعة أيضا نقول: تقرر أن هذا السبب غير مأذون به وأنه مردود في الشريعة؛ لأنه شرك المشركين. نقول الدرجة الثانية نقول هذا السبب في الحقيقة غير نافع، لم؟ نقول للآتي:أولا: أنَّ الله جل وعلا بين أن روح عيسى عليه السلام وروح أمَّه لا تنفعهم ولا تضرهم بنص القرآن، فقال جل وعلا ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(75)قُلْ أَتَعْبُدُونَ﴾ يعني عيسى وأمه ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾[المائدة: 75-76]، فإذن في هاتين الآيتين من سورة المائدة والتي ساقها الشيخ رحمه الله في الأولى بيان التوجه إلى أرواح الأنبياء والصالحين؛ لأن عيسى عليه السلام من أولي العزم من الرسل، ولأن أمه من عباد الله الصالحين ومن القانتات، فتوجهوا إلى روح نبي وإلى روح أَمَة صالحة وأم نبي وأم أحد أولي العزم من الرسل، بيَّن جل وعلا أن توجههم لتلك الأرواح تعلُّقٌ بسبب غير نافع ما الدليل؟ قال ﴿قُلْ أَتَعْبُدٌونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا﴾[المائدة:76]، وهذا يدلُّ على أن هذا السبب غير نافع، وقال جل وعلا في الآية الأخرى في سورة الجن في وصف النبي عليه الصلاة والسلام وبالأمر له أن يقول ﴿قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ رَشَدًا﴾[الجن:26]، بيَّن جل وعلا أن محمدا عليه الصلاة والسلام لا يملك لهم ضرا ولا رشدا إلا فيما جعله الله جل وعلا سببا نافعا في حياته وهو أعظم عليه الصلاة والسلام أعظم سبب نفع الناس وأعظم الأسباب النافعة في حياتهم حيث هداهم إلى الإيمان وأنقضهم من الضلالة إلى الهدى وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وبعد وفاته عليه الصلاة والسلام السبب هذا الذي هو سبب الهداية وما أقدره الله عليه في الدنيا أصبح باطلا لأنه جل وعلا بيَّن أن الأنبياء والصالحين لا يملكون ضرا ولا نفعا لما عبدوه، وقد قال جل وعلا في أول سورة الفرقان ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا(1)الذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا(2)وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾[الفرقان:1-3]، اربطها بـمن اتخذ ولدا من اعتقد أن لله جل وعلا ولدا قال ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلاَ حَيَاةً وَنُشُورًا﴾[الفرقان:3].إذن فهذه كلها تبيِّن أن هذه الأسباب غير نافعة، وإنما هي نافعة في حياتها أو يوم القيامة، كيف؟ لأن الله جل وعلا جعلها أسبابا نافعة في هذين النوعين من الحياة.هذا تدرُّج في البرهان، وإيضاح فيما ذكره الإمام رحمه الله تعالى، وهو الذي فتح هذه المعاني بما ذكر بعد توفيق الله جل وعلا.قال (فإن قال: الكفار يريدون منهم، وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء؛ ولكن أقصد من الله شفاعتهم.فالجواب أنَّ هذا قول الكفار سواء بسواء) لأنهم ما عبدوهم إلا ليشفعوا، ما توجهوا إليهم إلا للشفاعة، ما قصدوهم إلا لاعتقاد أنهم أسباب تنفع، الصنم سبب ينفع، والروح سبب ينفع، وروح النبي سبب ينفع والوثن والقبر سبب ينفع، والجني سبب ينفع فيما حرم الهن جل وعلا، وهذا من الشرك الذي بينه الله جل وعلا في القرآن.قال (فقرأ عليه قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾[الزمر:3]، وقوله تعالى ﴿هَـؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾[يونس:18]) ثم قال (واعلم أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم فإذا عرفت أن الله وضحها في كتابه وفهمتها فهما جيدا فما بعدها أيسر منها) ورحمه الله رحمة واسعة كم كان بصيرا بشُبه المشركين وبالحجاج عنها في ذلك وبيان الصواب ووجه الحجة في وضبطها ودحضها، فكانت الشبه واضحة عند إمام الدعوة رحمه الله، وكان فقه الكتاب والسنة والرد عليها أوضح وأبيّن عنده، فشرح الله صدره لذلك، وإلا فإن كثيرين إذا جاءتهم الشبه وراجت عليهم فإنهم يترددون؛ ولكن الله جل وعلا شرح صدره بالقيام بهذه الدعوة وبيان التوحيد فضلا من الها جل وعلا ونعمة.إذن نقف عند هذا، وليكن لك مراجعة على المقدمات والشبه الثلاث والجواب عليها الجواب المجمل والمفصل؛ لأن تأصيل ما ذكرنا وفهمه فهما جيدا ينبني عليه ما سيأتي من ذكر الشبه والجواب عليها.أسأل الهص جل وعلا أن يرحم إمام الدعوة وأن يرفعه في عليين وأن يجعله مع الأنبياء والصديقين والصالحين والشهداء وحَسُنَ أولئك رفيقا.اللهم أجزهم عنا أحسن الجزاء على ما أوضحوا وبينوا وجاهدوا في الله حق الجهاد.وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.[المتن]فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله، وهذا الالتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة.فقل له: أنت تُقِرُّ أن الله افترض عليك إخلاص العبادة وهو حقه عليك.فإذا قال: نعم.فقل له: بين لي هذا الذي فرضه الله عليك وهو إخلاص العبادة لله وحده وهو حقه عليك لأنه لا يعرف العبادة ولا أنواعها فبينها له بقولك قال الله تعالى ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾[الأعراف:55]، فإذا أعلنته بهذا قل له: هل علمت أن هذا عبادة لله؟ فلا بد أن يقول نعم فالدعاء مخ العبادة فقل له إذا أقررت أنه عبادةٌ لله ودعوت الله ليلا ونهارا خوفا وطمعا ثم دعوت في تلك الحاجة نبيا أو غيره هل أشركت في عبادة الله غيره؟فلا بد أن يقول: نعم.فقل له: إذا علمت بقول الله تعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾[الكوثر:2]، وأطعتَ الله ونحرت له فهل هذا عبادة؟فلابد أن يقول: نعم.فقل له: فإن نحرت لمخلوق نبي أو جني أو غيرهما هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلابد أن يقر ويقول: نعم.وقل له أيضا: المشركون الذين نزل فيهم القرآن هل كانوا يعبدون الملائكة و الصالحين وغير ذلك؟فلابد أن يقول: نعم.فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك وإلا فهم مقرون أنهم عبيده وتحت قهره وأن الله هو الذي يدبر الأمر ولكن دعوهم والتجأوا إليهم في الجاه والشفاعة، وهذا ظاهر جدّا.[الشرح]بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.نشهد أنَّ لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى الآل والصحب أجمعين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين.اللهم نسألك علما نافعا وعملا صالحا وخالصا.اللهم نعوذ بك أن نَضل أو نُضل أو نَزل أو نُزل أو نَجهل أو يُجهل علينا.اللهم اجعل قلوبنا خاشعة لك وعيوننا دامعة لك.اللهم وهيئ لنا من أمرنا رشدا، نعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات ومن فتنة المسيح الدجال ومن فتنة القبر.وهذه صلة للكلام على ما قرره إمام هذه الدعوة رحمه الله تعالى في كشف شبهات المشركين، فإن المشركين لهم شبهات متنوّعة قد مرّ معنا أعظم شبهاتهم وأكثرها تفصيلا.ثُم يأتي الآن من شبهاتهم ما انتشر فيهم؛ لكنه عن طريق المكابرة والجهل، فقال طائفة منهم إنهم لا يعبدون إلا الله وإنّ الالتجاء للصالحين وسؤال الصالحين ودعاءهم والاستغاثة بهم ليس بعبادة، وهذا هو الذي ذكره الإمام رحمه الله في قوله (فإن قال أنا لا أعبد إلا الله)، وإذا قال الشيخ في هذا الكتاب (فإن قال) فلا يستحضر أن الذي قول الشبهة هو الذي قال بالشبه التي قبلها؛ بل هو يستحضر جنس المدلين بالشبه، فقال (فإن قال) يعني الذي يورد الشبهة أو الذي يقع في الشرك، وقد يكون من الأولين وقد لا يكون.قال (فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وهذا الالتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة) وهذه يقولها كل مشرك فإنه ما من مشرك يُقِرُّ على نفسه بالشرك وبأنه يعبد غير الله جل وعلا لأن هذه الأمة ببعثة محمد  أُنقذت من الشرك إلى التوحيد ومن عبادة غير الله إلى عبادة الله وحده دونما سواه.وكل أحد من هذه الأمة يقول: أنا لا أعبد إلا الله. وقد يكون مصيبا في قولِه، وفعلُه يحقق قوله، وقد يكون ضالا يقول شيئا وهو يخالفه إلى غيره.وهذه المخالفة ناتجة عن أنه يظن أنّ ما يفعله من صرف العبادة لغير الله أنه ليس بشرك وليس بعبادة، فعنده أن الدعاء؛ دعاء غير الله ليس بعبادة، وأن الالتجاء إلى الصالحين وسؤال الأولياء الأموات كشف الكرب ورفع الضر والشفاعة وأشباه ذلك أنه ليس من العبادة، وكذلك يزعمون أن النّحر لهم وأن الذبح ليس بعبادة، وأنّ النذر لهم ليس بعبادة، وهكذا، ما من صورة شركية يفعلها أهل الشرك إلا وإذا احتججت عليهم بأنّ فعلهم شرك قالوا نحن لا نعبد إلا الله، وهذه الأشياء التي نفعلها ليست بعبادة، وإنما هي للوسيلة، وأما العبادة إنما هي لله وحده دونما سواه.وهذا القول منهم دعوى بلا برهان ولا دليل؛ بل هم المشركون الذين عبدوا مع الله جل وعلا غيره، قال رحمه الله مقررا لشبهتهم ومستحضرا الجدال والحجاج مع رجل منهم (فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وهذا الالتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة فقل له) فترتَّبت هذه الشبهة على مرتبتين:الأولى: زعمه أنه لا يعبد إلا الله.المرتبة الثانية: زعمه أنّ الالتجاء للصالحين ودعاء الصالحين بأنواع الدعاء من الاستغاثة والاستعانة والاستشفاع إلى آخره أنه ليس بعبادة.والثانية هي التي قادتهم إلى الأولى؛ لأجل عدم وضوح الثانية قالوا إنهم لا يعبدون إلا الله، فلهذا الشيخ رحمه الله ابتدأ بالثانية لأنها هي وسيلة إثبات صحة الأولى أو خطأ المرتبة الأولى.قال (فقل له أنت تقر أن الله افترض عليك إخلاص العبادة وهو حقه عليك) فتسأله وتقول له: هل تقر بأن الله فرض عليك إخلاص العبادة وأنّ العبادة حق الله عليك؛ لأن الله أمر بها في القرآن في قوله ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾[غافر:14]، وفي قوله جل وعلا في سورة الزمر ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي(14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾[الزمر:14-15]، وكذلك قوله في آية البينة، وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي فيها إثبات وجوب الإخلاص لله جل وعلا، وهذا نوع من الأدلة التي فيها الأمر بالإخلاص.والنوع الثاني من الأدلة الذي فيه الأمر بالإخلاص بيان أن المشرك الذي لم يخلص لله جل وعلا أنه كافر ( ) وأنه من أهل النار، كقول الله جل وعلا ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾[الكهف:110]، وكقول الله جل وعلا ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾[المائدة:72] ونحو ذلك من الآيات التي فيها بيان مصير المشرك الذي جعل مع الله في العبادة غيره؛ يعني لم يخلص دينه لله، وأشباه ذلك من الأدلة.فتقول له: أنت تُقِر بأن الله فرض عليك إخلاص العبادة وهو حق الله عليك. وكل منتسب للقبلة يقول: نعم أنا مُقِر أن الله جل وعلا فرض علينا الإخلاص -إخلاص العبادة-، وأن إخلاص العبادة حق الله علينا.قال الشيخ (فإذا قال: نعم. فقل له: بيِّن لي الذي فرض عليك وهو إخلاص العبادة لله وحده) تسأله عن بيان هذا الذي يقر أن الله فرضه عليه، وكثير بل الأكثر من المشركين جهّال؛ لا يعلمون معنى العبادة، ولا يعلمون معنى الإخلاص، ولا يعلمون معنى الذي فرض الله جل وعلا عليهم، ولهذا فإذا سألته عن هذه فإنه لن يجيب؛ بل سيقول لا أعرف معنى العبادة أو لا أعرف جواب هذا؛ بل إخلاص العبادة لله أن أصلي لله وأزكي لله وأشباه ذلك، فإنه يجعل الإخلاص في بعض الصور.لهذا قال الشيخ رحمه الله (فإن كان لا يعرف العبادة ولا أنواعها فبينها له بقولك) إلى آخره، (فإن كان لا يعرف العبادة ولا أنواعها فبينها له)، وهذا خلوص منه في الحجاج إلى تعليم الجاهل، فإن المحتج على الخصم لا يسوغ أن ينزِّله دائما منزلة المعاند أو أن يجعله معاندا فيُغلظ به في القول ويغلظ له في الحجة؛ لأنه ربما نفر من ذلك وانتصر لنفسه وترك سماع الحجة، فإنك تستدرجه حتى يُقِرَّ بأنه جاهل، فإذا أقر بأنه جاهل لا يعرف معنى العبادة ولا يعرف معنى الإخلاص ولا يعرف معنى الدعاء وأشباه ذلك، فإنك تبين له ذلك حتى تقوم الحجة على أفراد واضحة في قلبه وفي عقله وذهنه.لهذا هذا الحوار الذي ذكره إمام الدعوة فيه فائدة عظيمة ذكرتُها لك الآن؛ وهي أنه من أقوى وأنفع وسائل الحجاج أن تنزِّل من أمامك منزلة الجاهل، حتى تنقلب معه إلى معلم غير مناظر؛ لأنّ المعلم دائما أعلى من المتعلم؛ أعلى من جهة الحجة وأعلى من جهة قَبول المتعلم لما يقول، فإنّ المقابل لك إذا أحسّ أنه عند علما ليس عنده فإنه سيصير إلى الاستفادة منك، وهذا يثير كثيرا من النفوس في قَبول الحق إذا علم أنه جاهل بما أَوْجب الله جل وعلا عليه وهو يدعي شيئا يجهله، فهذه وسيلة من الوسائل العظيمة في الحجة وفي جواب الشبهة.فإذن نستفيد من هذا أننا إذا رأينا من هو مشرك بالله جل وعلا أو من جادل عن نفسه بأنه ليس بمشرك فإنه لا يَحسُن أن يُنَزَّل دائما منزلة المعاند الذي تقام عليه الحجة بنوع من الشدة والغِلظة؛ بل يُنظر في أمره ويستدرج حتى يجعله في منزلة الجاهل، وإذا كان كذلك فإنك تقيم عليه الحجة وتعلمه دين الله جل وعلا.قال (فإن كان لا يعرف العبادة ولا أنواعها فبينها له) والعبادة سبق أن أوضحنا معناها في شرح ثلاثة الأصول وفي كتاب التوحيد، وأنَّ العبادة تحصل معرفتها في الأدلة من الكتاب والسنة بنوعين من الاستدلال:أما النوع الأول من الاستدلال: فالنصوص التي فيها الأمر بالعبادة بعبادة الله وحده دون ما سواه، وأن من صرف العبادة بغير الله فهو كافر مشرك.كقول الها جل وعلا في الأول ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أعْبُدُوا رَبَّكُمْ الذِي خَلَقَكُمْ﴾[البقرة:21] الآية في أول البقرة.ومن الثاني قول الله جل وعلا في آخر سورة المؤمنون ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾[المؤمنون:117]، ومن السنة قول النبي  «الدعاء هو العبادة».فإذا بينت له هذه الأدلة بعامة فتقول له: العبادة نعلم أن هذا الشيء عبادة لأن الله جل وعلا أمر به أو أمر به رسوله ، فإذا كان هذا الشيء مأمورا به علمنا أنه عبادة؛ لأن الله جل وعلا لم يأمرنا إلا للتعبّد، فصحّ أن هذا الذي أُمِرنا به أمر إيجاب فإنه عبادة وكذلك أمر استحباب. فتقول له: أمرنا الله جل وعلا بإخلاص الدين له، فإذن إخلاص الدين لله عبادة.أمرنا الله جل وعلا بخوفه، فالخوف عبادة.أمرنا الله جل وعلا برجائه، فالرجاء عبادة.أمرنا الهه بالصلاة، فالصلاة عبادة.أمرنا الله بالزكاة، فالزكاة عبادة.أمرنا الله بالنحر، فالنحر عبادة.أمرنا الله بكذا وكذا فهذه عبادات، وهذا النوع الأول من الاستدلال.والنوع الثاني: ما جاء في كل مسألة من تلك المسائل التي عددناها من العبادة؛ لأن الله أمرنا بها، ما جاء في كل مسألة من دليل خاص يُثبت وجوب اختصاص الله جل وعلا بهذا النوع من العبادة.فإذن الدليل الأول دليل عام، تقول: إن هذا الشيء قد أمر الله جل وعلا به فهو عبادة والله جل وعلا أمرنا أن نعبده دون ما سواه وأخبرنا أنّ من عبد غيره فإنه مشرك كافر.والنوع الثاني من الأدلة والاستدلال ما كان في كل مسألة بحسبها فنقول مثلا: أمر الله جل وعلا بإفراده بالعبادة بقوله ﴿إَيَّاكَ نَعْبُدُ﴾[الفاتحة:5] فقدّم المفعول على الفعل والفاعل ليفيد الاختصاص؛ اختصاص العبادة به وقصر العبادة عليه وحده دونما سواه، وقال ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾[الفاتحة:5]، فقدّم المفعول على الفعل من المفاعيل والفاعل ليدلنا على أن الاستعانة في العبادة إنما تكون بالله جل وعلا وحده هو المختص بها، وكذلك قوله جل وعلا ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162)لَا شَرِيكَ لَهُ﴾[الأنعام:162-163]، فيها أنَّ هذه الأشياء لله وحده المستحقة؛ يعني الصلاة والنسك مستحقة لله دون ما سواه لا شريك له.كذلك تأتي للإنابة والتوسل فتقول قال الله جل وعلا ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾[هود:88]( )فدل على أن التوكل عليه وحده دون ما سواه لأنه قدم الجار والمجرور على ما يتعلق به وهو الفعل فدلّ على اختصاص التوكل بالله جل وعلا؛ يعني بأن التوكل يكون عليه وليس على غيره، وكذلك الإنابة فإنها إليه لا إلى غيره، وهكذا في غيرها من المسائل.وكذلك الدعاء فإن الدعاء أمر الله بدعائه وحده فقال ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾[غافر:14]، وقال﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾[الجن:18].إذن فتوضح له معنى العبادة، ثم توضح له الأمر بالعبادة بأن يعبد الله دون ما سواه، ثم تبين له ما أمر الله به إن كل مسألة مما أمر الله به أنها تدخل في العبادة؛ فدخل الذبح في العبادة، ودخلت الصلاة في العبادة، ودخل الخوف في العبادة، ودخل التوكل في العبادة، ودخلت الاستغاثة في العبادة، ودخل الرجاء في العبادة، إلى آخر مفردات توحيد العبادة، ثم بعد ذلك تقيم عليه الدليل الثاني أو النوع الثاني من الأدلة والاستدلال بأنّ الله في القرآن والنبي  في السنة جعل هذه الأنواع مختصة به وحده دون ما سواه، فصار الدليل من جهتين:• من جهة دخولها في العبادة والله أمر بعبادته وحده دون ما سواه.• ومن جهة أن الله جعلها مختصة به دون ما سواه.وهذان نوعان من الأدلة يكثر أفرادهما، وتكثر الآيات والأحاديث في كل واحد من هذين النوعين.فإذا بينت له ذلك فقد تم البيان في إيضاح أن هذه المسائل من العبادة.والشيخ رحمه الله تعالى مثل بذلك بمثال، بمثال في الدعاء لأن الدعاء هو الذي يدخل فيه كثير من الصور، فقال (فبيّنها له بقولك: قال الله تعالى ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾)، وفي قوله رحمه الله (فبيّنها له بقولك: قال الله تعالى) أنَّ حجة الموحد يجب أن تكون دائما بالأدلة وألاّ يحتج بحجج عقلية لأنه قد يكون الخصم عنده من العقليات ما ليس عند الموحد فيغلبه إما بتأصيل أو برد إلى المنطق أو ما أشبه ذلك فتضعف حجة الموحد؛ ولكن يبين له الحجة بأدلة ثم يوضح له وجه الاستدلال من الدليل، قال(فبيّنها له بقولك: قال الله تعالى ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾) ووجه الاستدلال من هذا الدليل أن الله جل وعلا أمرنا بدعائه، فيكون الدعاء عبادة لأنه مأمور به، وأمر بدعائه تضرعا وخفية، وسبب ذلك أن المشركين يدعون آلهتهم التي يعبدونها مع الله أو من دونه يدعونها جِهارا يدعونها برفع الصوت، والله جل وعلا حي سميع بصير أقرب إلى الداعي من نفسه ومن عُنق راحلته، فلما أمر الله جل وعلا بذلك علمنا أن هذا مخالفة لصنيع المشركين، قال سبحانه (ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) وذلك لأنه سبحانه يعلم السرَّ وأخفى، وقد قال الحسن رحمه الله تعالى: ما كان دعاؤهم إلا فيما بينهم وبين ربهم إلا همهة. أو قال: إلا حديثا بينهم وبين ربهم حتى إنه يدعو الداعي والرجل بجنبه لا يسمعه. في حديثٍ له ساقه ابن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره ونقله عنه أيضا ابن كثير وجماعة، فالتضرع والخُفْيَة صفة الداعي.فنقول له: أليس الدعاء ؛ دعاء الرب جل وعلا على هذه الحالة عبادة لله جل وعلا، (فلابد أن يقول نعم والدعاء مخ العبادة) يعني أن الدعاء لب العبادة، فإن العبادة أنواع وأعظم أنواعها الدعاء، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام «الدعاء هو العبادة» تعظيما لشأن الدعاء، كما قال «الحج عرفة»، فالدعاء مخ العبادة ومعظمها ولبها، ولهذا قال الشيخ رحمه الله (فلابد أن يقول: نعم)، (والدعاء مخ العبادة) هذه جملة استطرادية، (فقل له: إذا أقررت أنه عبادة) لأنّ الخصم لابد أن يقر أن دعاء الله وحده عبادة، قال(إذا أقررت أنه عبادة ودعوتَ الله ليلاً ونهارًا خوفًا وطمعًا، ثم دعوت في تلك الحاجة نبيًا أو غيره) تبدأ تناقشه في تعريف العبادة وما قدمنا تقول: إذا دعوت الله وحده ليلا ونهارا في حاجة خوفا وطمعا، ثم في هذه الحاجة بعينها سألت الوليَّ أو الميت أو صاحب السّر أو صاحب المشهد أو صاحب القبة أو ما أشبه ذلك، دعوته وسألته هذا السؤال، هل يكون هذا شركا في العبادة أم لا؟ فلابد أن يقول: نعم. لم؟ إلا أن يكون مكابرا، لابد أن يقول: نعم. لأن عين الشيء سأله الله جل وعلا ودعا به الله وحده طمعا وخوفا ورجاء ليلا ونهارا ثُم تَوَجَّه به إلى غير الله في الحاجة عينها، فلابد أن يقول: نعم، سألتُ الله الحاجة وسألتُ الولي الحاجة، فيقول: نعم هذا شرك بالله جل وعلا، لهذا قال الشيخ رحمه الله (فقل له: إذا أقررت أنه عبادة ودعوت الله ليلاً ونهارًا خوفًا وطمعًا، ثم دعوت في تلك الحاجة نبيًا أو غيره هل أشركت في عبادة الله غيرَه؟ فلابد أن يقول: نعم، فقل له: فإذا عملت بقول الله تعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾[الكوثر:3]) هذه صورة ثانية، الصورة الأولى في الدعاء، الصورة الثانية في النحر قال (فإذا عملت بقول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾) يعني انحر لربك ولا تنحر لغيره، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162)لَا شَرِيكَ لَهُ﴾[الأنعام:162-163]، قل له إذا نحرتَ لله وحده وذكرتَ اسم الله على الذبيحة ونحرت الإبل أو البقر أو ذبحت الذبائح متقربا بها إلى الله جل وعلا هل هذا عبادة؟ فسيقول: نعم هذا من أعظم العبادات؛ لأن الذبح في الأضاحي والنحر في الحج وأشباه ذلك، هذا من أعظم العبادات لله جل وعلا، (فقل له: إذا نحرت لمخلوق) يعني تقربت بهذا الدم لمخلوق كما فعلت بأن تقربت بدم آخر لله فتقربت بالدم لمخلوق، فما الفرق بين هذا وهذا؟ لا فرق؛ لأنك تقربتَ بالذبح الأول لله، وبالذبح الثاني تقربت للنبي أو لولي أو لصالح، أو لجني تخاف شره أو لساحر أو ما أشبه ذلك، (هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلا بد أن يُقِرَّ ويقول: نعم) لأنه لا مفرّ له، فعين الفعل فعلته لله والفعل عينه فعلته لغير الله، فهل هذا شرك أم لا؟ فلابد أن يقول: إن هذا النوع عبادة لغير الله؛ لأني قصدت بها غير الله، وذاك عبادة لله لأني قصدت بها الله جل وعلا. ولا يمكن أن يقول في الصورة الثانية: إن هذا ليس بعبادة ولم أقصد بها غير الله؛ لأنه حين فعل تقرُّبا إلى الله بالذبح أقر بأن الذبح عبادة وحين توجه إلى غير الله بهذا الذبح وإراقة الدم أقرّ بأن هذه العبادة توجه بها لغير الله، فلابد إذن أن يقول: نعم. للحجة.وهذا تمام الوجه الأول من هذا الاحتجاج، وهو ظاهر بين قوي في أن يُتدرج مع المشرك ومع هذا الذي يَعبد غير الله ويدعو غير الله ويستغيث بغير الله -نعوذ بالله من الخِذلان- أو يذبح لغير الله أو أنواع الصور الشركية، فإنه يُتدرج معه في هذا حتى يُقر بأنّ الحجة واضحة، وأنه إذا فعل ذلك فقد عَبَد مع الله جل وعلا غيره، نسأل الله السلامة والعافية.وعلى هذا الاحتجاج ولابد أن يقر، وما أُمر به فهو عبادة هذا بالاتفاق العلماء، فإنْ جادلت عالما فإنه إن لم يكن مكابرا فسيُقر بأن ما أمر به عبادة؛ لأنّ الله جل وعلا لا يأمر بشيء ويكون مباحا، لابد أن يكون عبادة، إما أن تكون عبادة واجبة أو أن تكون عبادة مستحبة يترتب عليها الثواب.وإذا كان لا يعلم فليس بعالم فتدرجه مثل ذكرنا مثل ما ذكر الشيخ رحمه الله، حتى ولو كان عالما فإنك إذا ذكرت هذه الحجج مع المقدمات التي ذكرنا فإنها أبلغ ما يكون من الحجاج معه.والْحَظْ أن الشيخ رحمه الله صار هذا النوع من الحجاج لتجربته ولكثرة ما جادل عن المشركين، فهو أعلم رحمه الله بالحجة الأقوى وبالشبه التي أدلى بها الخصوم وكيف تُكْشَف هذه الشبه، هذا نوع. وأما النوع الثاني قال (وقل له أيضًا) يعني هذه الوجهة الثانية، وهذه الوجهة أيضا متجهة إلى المرتبة الثانية فيما قاله المشرك حيث قال: هذا الالتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة. فبينا له أنه عبادة بما ذكرنا له أولا.فإذن تكون النتيجة أنه يعبد غير الله، فيكون.. قوله: أنا لا أعبد إلا الله. قول ليس له نصيب من الصحة؛ بل هو قول مجرد دعوى.النوع الثاني قال (وقل له أيضًا)وهذا وجه آخر من الحجة (المشركون الذين نزل فيهم القرآن هل كانوا يعبدون الملائكة والصّالحين واللاتّ وغير ذلك؟) فإنه (لا بد أن يقول: نعم.) إن كان عارفا لما حصل من المشركين، وإن كان غير عالم بذلك فتُقيم عليه الحجة بإيضاح حال شرك المشركين بما قدمناه لك في الدروس السابقة، فإذا أقمت عليه ذلك وأوضحته فلابد أن يقول: نعم. لأن القرآن أوضح ذلك أتم إيضاح.قال (فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك) عبادتهم لآلهتهم فيما كانت؟ إنما كانت في الدعاء كانوا يدعونهم قال ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾[الزمر:3]، يعني ما ندعوهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وكانوا يذبحون لغير الله،كما في حديث ثَابِت بن الضّحّاكِ ، أنَّ رَجُلا نَذَرَ أنْ يَنْحَرَ إبِلاً بِبُوَانَةَ، فسأل النبي  فقال له: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أوْثَانِهم؟». قال: لاَ. قالَ: «فهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أعْيَادِهِمْ؟» قال: لاَ. قالَ: «فأوْفِ بِنَذْرِكَ»، فدل قوله (هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أوْثَانِهم) أنهم كانوا يذبحون للأوثان، فإذن تعبد المشركين بالذبح وبالنذر وبالدعاء ونحو ذلك هذا أمر معروف، ولم يكن شركهم من جهة أنهم يصلون لهم، أو أنهم يزكون لهم أو أنهم يحجون لها؛ لهذه الآلهة؟ لا، كانوا يحجون لله وكانوا يصلون لهم صلاة وكانوا يغتسلون من الجنابة وكانوا يذكرون الله ونحو ذلك مما ذكرناه من أنواع العبادات في أول هذا الشرح، إنما كان شركهم من جهة أنهم يدعون غير الله ويذبحون لغير الله ويلتجئون لغير الله ويتخذون تلك الآلهة والأولياء والأنبياء وُسطاء بينهم وبين الله جل وعلا. قال (وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك. وإلا فهم مقرون أنهم عبيد الله وتحت قهره) يعني بما قال الله جل وعلا في آيات كثيرة في إقرار المشركين بالربوبية، (وأن الله هو الذي يدبر الأمر ولكنهم دعوهم والتجأوا إليهم بالجاه والشفاعة، وهذا ظاهر جدا)، لاشك أنه ظاهر جدا وحجة واضحة مبنية على فهم حال المشركين، وقد أوضحنا حالهم مفصلا في أول شرح هذا الكشف المبارك .بعدها انتقل إلى مسألة الشفاعة، وهي مسألة طويلة تحتاج منا إلى درس مستقل فنرجئها إن شاء الله تعالى.[الأسئلة] نجيب عن بعض الأسئلة.س1/ كثير مما شُرح في الدرس الماضي لم يُفهم لدى كثير من الإخوة، ولم نفهم إلا أشياء مما كانت تكرارا لبعض ما سبق؟ج/ هذه مشكلة؛ لكنها ليست مشكلتي، إنما هي مشكلة من حضر هذا الدرس دون مقدمات؛ لأن كشف الشبهات في الحقيقة ترددتُ كثيرا مثل ما تذكرون في الابتداء به؛ لأنه لا يصلح إلا لمن ضبط ثلاثة الأصول بشرحها، وضبط كتاب التوحيد بشرحه، فينتقل إلى فهم كتاب كشف الشبهات، هذا من جهة.والجهة الأخرى أن أوائل هذا الشرح فيها كثير من المقدمات التي نحيل إليها فمن لم يستحضر ما ذكرناه في المقدمات في أوائل هذا الشرح ربما يخفى عليه بعض المقدمات التي ينبني عليها الحِجاج.وكما قال الشاعر:غيري جنى وأنا المعذَّبُ فيكم فكأنني سبابة المتندمس2/ شخص ذهب إلى القبر ولكن لم يدعُ صاحب القبر، ولكنه التجأ إلى الله بإخلاص وصدق أن يكشف كربته، ولم يكن لصاحب القبر عند الدعاء شيء في قلبه، ولكن دعا اله بصدق هل هذا العمل جائز؟ج/ الجواب أن هذا العمل بدعة وخيمة ووسيلة من وسائل الشرك؛ لأنّ تحري إجابة الدعاء عند قبور الصالحين والأولياء هذا يفضي إلى اعتقاد أنّ لهم حرمة وأنّ لمكان قبرهم خصوصية، فيؤدي إلى التوسل بهم وإلى الاستغاثة أو الاستشفاع بهم، فالله جل وعلا يُسأل الحاجات بأي مكان، وأعظم الأمكنة التي يدعى الله جل وعلا فيها المساجد وهي أحق البقاع إلى الله، فمن أراد أن يُجاب طلبه وأن يُعطى ما سأل فليتحرّى الأمكنة التي يحبها الله جل وعلا في المساجد وشبه ذلك وحِلق الذكر، وليتحرّى أيضا أوقات الدعاء التي يجاب فيها، ويتحرّى الدعاء الجامع ويتوسل إلى الله جل وعلا بأسمائه وصفاته، ويكون عنده اضطرار وأشباه ذلك مما هو من أسباب إجابة الدعاء.أما من دعا عند قبر لنفسه سأل الهو جل وعلا ولو كان مخلصا فإنه مبتدع آثم على أمرٍ أكبر من الكبائر.... لا، القبر ليس الفائدة منه أن تدعو عنده، القبر الفائدة منه أن تتذكر الآخرة، «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة»، «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة» والزيارة المشروعة هي التي فيها تذكّر والسلام على الأموات المسلمين وسؤال الله جل وعلا لهم والدعاء للميت، ويجوز أن يدعو لنفسه عَرَضا مع الدعاء للميت دون القصد، فأما أن يتحرى الدعاء عند القبور فهو بدعة، أو أن يقصد الدعاء لنفسه عند القبور فهو بدعة أيضا؛ لكن يدعو بنفسه عرضا مع الدعاء للميت كما كان عليه الصلاة والسلام يقول إذا زار القبور «نسأل الله لنا ولكم العافية» فهذا على جهة العرض لا القصد.س3/ قال: قلت أن المشرك لا يشهد على نفسه بأنه مشرك فما معنى قوله تعالى ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾[التوبة:17]؟ج/ الشهادة في هذه الآية شهادة بلسان الحال لا بلسان المقال كما قال ابن كثير وغيره من المفسرين، الشهادة هنا كالشهادة في قوله جل وعلا ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾[الأعراف:172]، فهذه شهادة بلسان الحال لا بلسان المقال.س4/ هل يجوز التوجه بالدعاء إلى الله بالتوسل بجاه محمد عليه الصلاة والسلام أو بحق الصالحين من عباد الله؟ج/ الجواب أن التوجه أو التوسل في الدعاء بالجاه بدعة ووسيلة من وسائل الشرك، فلا يجوز أن يدعو متوسلا إلى الله بجاه نبيه أو بجاه عبد صالح أو بالحرمة أو بالمكانة أو ما أشبه ذلك..... ( ) والاعتداء في الدعاء بأن يدعو بما لم يؤذن به، هذا من جهة.والثانية أن هذا الدعاء وسيلة إلى الشرك بهؤلاء باعتقاد عظمتهم أو أنهم يشفعون أو ما أشبه ذلك.والثالث أن السؤال بالجاه بجاه فلان وبحرمته سؤال بأمر أو بشيء أجنبي عن السائل وعن الداعي، والمشروع أن تسأل بشيء لك أو بشيء تملكه كالسؤال والتوسل بالعمل الصالح أو أن تسأل بأسماء الله جل وعلا وبصفاته أو أن تسأل الله جل وعلا بإيمانك وطاعتك لله، فهذا توسل بأمر لك وليس بأجنبي عنك، وعمل غيرك وحرمته وجاهه له وليس لك.ولهذا ترك الصحابة رضوان الله عليهم هذا السؤال وهذا الدعاء فإنه اعتداء وبدعة ووسيلة إلى الشرك.س5/ تقول كل ما أمر الله به عبادة وقد قال تعالى ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾[البقرة:109] هل هذا عبادة؟ج/ نعم إذا عفا متقربا بالعفو إلى الله جل وعلا فقد تعبَّد، وإذا صَفَحَ متقربا بالصفح إلى الله جل وعلا فقد تعبّد؛ لأن المأمور به عبادة إذا تقرب به، أما إذا فعله هكذا من غير قربة فليس بعبادة.س6/ ما حكم قول بعض الصحف إن الغبار الذي أتى مدينة الرياض هو بسبب دخول فصل الخريف؟ج/ إذا كان قول هذا القائل يعني به أنّ هذه الفصول تسبب هذه المتغيرات الكونية فإن هذا لا يجوز ومحرم وهو نوع شرك بالله جل وعلا، وإذا كان يجعلها زمنا وظرفا ووقتا أجرى الله جل وعلا سنَّته أنه يحصل في هذا الوقت هذه الأشياء هذا لا بأس به، فيفرَّقُ في هذا الباب ما بين الباء التي للسببية و(في) التي للظرفية.فمثلا نقول: في الوسم تأتي الأمطار؛ لكن ليس معناه أنه بالوسم يأتي المطر، وإنما أجرى الله سنَّتَه أنه في هذا الوقت الذي هو طلوع هذا النجم الذي هو الوسم وأشباه ذلك، طلوع أنجم يكون عنها الوسم، هذا ظرف ووقت يحصل فيه أنواع من سنة الله جل وعلا في كونه، إذا جاء نجم كذا جاء البرد؛ لكن مجيء البرد ليس بسبب النجم وإنما ظهور النجم وقتٌ للبرد؛ مثل ما يكون ظهور الهلال وقت لدخول الشهر، وليس هو الذي أدخل الشهر، وأشباه ذلك.فإذن هذه الأشياء الفصول والأنجم إذا جُعلت ظرفا ووقتا فلا بأس، وإذا جُعلت سببا باستخدام الباء؛ باء السببية فإن هذا كقول من قال مطرنا بنوء كذا وكذا .وبهذا القدر كفاية وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.[المتن]فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله  وتبرأ منها؟فقل: لا أنكرها ولا أتبرّأ منها؛ بل هو  الشَّافع والمشفَّع وأرجو شفاعتَه؛ ولكن الشفاعة كلَّها لله تعالى كما قال تعالى ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾[الزمر:44]، ولا تكون إلا بعد إذن الله كما قال تعالى ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾[البقرة:255]، ولا يَشْفَعُ في أحد إلا بعد أن يأذن اللهُ فيه، كما قال تعالى ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾[الأنبياء:28]، وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد، كما قال تعالى ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾[آل عمران:85].فإذا كانت الشفاعة كلُّها لله ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي  ولا غيرُه في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن اله تعالى إلا لأهل التوحيد، تبيّن لك أن الشفاعة كلَّها لله وأطلبها منه فأقول: اللهمَّ لا تحرمني شفاعته، اللهمَّ شفّعه فيّ، وأمثال هذا.[الشرح]بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.اللهم نسألك علما نافعا وعملا صالحا وقلبا خاشعا.اللهم نعوذ بك أن نذل أو نذل أو نضل أو نضل أو نجهل أو يجهل علينا.وقفنا عند قول الإمام المصلح المجدد رحمه الله تعالى (فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله  وتبرأ منها؟ فقل: لا أنكرها ولا أتبرأ منها؛ بل هو  الشَّافع والمشفَّع وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلُّها لله) شفاعة النبي  جنس تحته أنواع، فهو عليه الصلاة والسلام يشفع يوم القيامة؛ في أنواع من الشفاعة وأعظمها وأجلُّها شفاعته عليه الصلاة والسلام في أهل الموقف أن يُعَجَّل لهم الحساب بعد أن نالهم من الكرب والشدة ما جعلهم يستغيثون به عليه الصلاة والسلام في عرصات القيامة في ذلك الموقف العظيم، وهذا هو المقام المحمود الذي خصّ الله جل وعلا به محمدا عليه الصلاة والسلام كما قال سبحانه ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾[الإسراء:79]، وهذا المقام المحمود هو شفاعته عليه الصلاة والسلام في الناس جميعا لكي يُفْصَلَ بينهم ولكي يعجل لهم الحساب، ولهذا جاء في حديث جابر وغيره أنَّ النبي  قال «من سمع النداء فقال مثل ما يقول المؤذن ثم قال -في الدعاء المعروف بعد الأذان-: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته. إلاّ حلت له شفاعتي يوم القيامة». وذلك أنه سأل الله جل وعلا لنبيه  المقام المحمود وسأل له الوسيلة والفضيلة ( ) وهي متحققة للنبي عليه الصلاة والسلام؛ ولكن السائل إذا دعا الله جل وعلا بذلك وسألها للنبي  ففي سؤاله ذلك له عليه الصلاة والسلام أنواع من العبادات التي بها استحق أن تَحِلَّ عليه له شفاعة المصطفى :منها يقينه بما وعد جل وعلا نبيه.ومنها حبه للمصطفى  ودخوله في أمته ورغبته ومحبته أن يكون عليه الصلاة والسلام أنفع الخلق للناس يوم القيامة، وهو عليه الصلاة والسلام كذلك إذْ خصه الله جل وعلا بالشفاعة.ومر معنا في شرح الواسطية، ومر معنا في غير ذلك أنواع الشفاعات التي أعطاها الله جل وعلا نبيه محمدا  في ذلك المقام العظيم يوم القيامة.فهنا قال (فإن قال: أتُنكر شفاعة رسول الله  وتبرأ منها؟) هذا يشمل إنكار الشفاعة العظمى والشفاعات الأُخَرْ الشفاعة في أهل المعاصي ألا يدخلوا النار، والشفاعة فيمن دخل النار واستحقها ودخلها أن يخرجه الله جل وعلا منها، والشفاعة في أقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم أن يدخلهم ربهم جل وعلا الجنة، وأشباه هذا.(فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله  وتبرأ منها؟ فقل: لا أنكرها ولا أتبرأ منها؛ بل هو  الشَّافع والمشفَّع)، (الشافع) يعني لما أعطاه الله جل وعلا، (والمشفَّع) فيمن شفع له عليه الصلاة والسلام، فإنه لا يشفع في أحد يوم القيامة إلا أعطاه الله جل وعلا ما سأله وإلا أعطاه الله جل وعلا ما شفع فيه، حتى الكافر -عمُّه- فإنه يشفع فيه عليه الصلاة والسلام ويخفّف عنه من العذاب بسبب شفاعته عليه الصلاة والسلام، فهو عليه الصلاة والسلام الشافع وهو عليه الصلاة والسلام المشفَّع، ونرجوا شفاعته، نرجو أن نكون ممن شفّع الله جل وعلا فيهم نبيه عليه الصلاة والسلام، ونأخذ بأسباب تلك الشفاعة فإن شفاعة المصطفى  فيمن يشفع فيه هي بإذن الله كما سيأتي ولا تكون إلا فيمن رضيه الله جل وعلا، وهذا يعني أن يبلغ العبد الأسباب التي بها يكون المصطفى  شفيعا له، وهذه الأسباب كثيرة جاء بيانها في سنة محمد عليه الصلاة والسلام.قال (وأرجو شفاعته) وكوننا نرجو شفاعة المصطفى  ونسأل ذلك ببذل الأسباب الشرعية في هذا لا يعني أن نسأل الشفاعة ممن لا يملكها ابتداء؛ بل الذي يملك الشفاعة هو الله جل وعلا لظاهر قول الله جل وعلا ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾[الزمر:44]، واللام هنا لام الملكية فالشفاعة ملك لله جميعا وجميع أنواعها يملكها الرب جل وعلا، ويعطيها من شاء بشرط الإذن والرضا كما سيأتي.قال (لكنّ الشفاعة كلَّها لله تعالى كما قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾[الزمر:44]). والشفاعة معناها ضم الداعي والسائل طلبه إلى طلب سائل آخر ليتحقق طلبه، ويكون الشافع -يعني الثاني- أقوى من الأول. هذا في مقتضى اللغة، وهي مأخوذة من الشفع وهو ضد الوِتْر كما قال جل وعلا ﴿وَالفَجْرِ(1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ(2) وَالشَّفْعِ وَالوَتْرِ﴾[الفجر:1-3]، فالشفع مغاير للوتر، وسُمِّي الشافع شافعا والشفيع شفيعا لأنه صار بالنسبة للسائل زوجا وشَفْعا بعد أن كان الطالب والسائل واحدا، فشفع طلبه؛ يعني صار هذا الشافع ثانيا في السؤال، فبدل أن يطلب الشيء واحد في الشفاعة صار الطالب له اثنين، الأول صاحب الحاجة والثاني صاحب الشفاعة.فإذن الشفاعة حقيقتها ضم الشافع طلَبه لطلب السائل ليحقق له مراده، وهذا عامّ في موارد الشفاعة في اللغة.فإذن على هذا تكون الشفاعة ممن يمكنه ذلك، فإذا دعا الداعي في الدنيا لأخ من إخوانه أو لمن دعا له فإنه شافع له بالدعاء؛ يعني أنه سأل الله جل وعلا أن يعطي فلانا مطلوبه الذي هو كيت وكيت، وكما جاء في حديث الأعمى المروي في السنن بإسناد حسن أن النبي  لما جاءه الأعمى يشكو حاله علمه دعاء ثم قال له « فقل اللهم إني استشفع إليك بنبيك محمد » وهذا يعني أنه يجعل دعاء المصطفى  في حياته شافعا له؛ يعني دعا هو بما أوصى عليه الصلاة والسلام ثم رغب في أن يكون الشافع له محمدا عليه الصلاة والسلام؛ يعني الداعي له بما أراده من الرب جل وعلا. فإذا كان كذلك صارت حقيقة الشفاعة قائمة على أن الشافع يطلب كما طلب الأول وأنه لا يشفع إلا فيمن رضي أن يشفع له، لا يشفع ممن طلب منه الشفاعة رغْمًا عنه؛ يعني إذا سأل سائل آخر أن يشفع له فالشافع لا يشفع إلا إذا رغِب أن يشفع، وليس كل من طلب الشفاعة من الناس، من فلان، من النبي عليه الصلاة والسلام، من أهل العلم، أن يجاب إلى طلبه فيشفع فيه المصطفى عليه الصلاة والسلام ويشفع فيه العلماء إلى آخر ذلك بالدعاء في الدنيا، فإنه قد يطلب ويرد، قد يطلب من الشافع أن يشفع فيقول الشافع لا أشفع لك، والمصطفى عليه الصلاة والسلام هو الذي أنزل الله جل وعلا عليه قوله ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ولهذا قال الشيخ رحمه الله (ولا تكون إلا من بعد إذن الله كما قال عز وجل: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾[البقرة:255]) وإذْن الله في القرآن وفي الشفاعة نوعان: إذن قدري كوني، وإذن شرعي ديني.فحصول الشفاعة لا يكون إلا بعد أن يأذن الله بالنوعين:فالأول الإذن الشرعي: يعني أن يكون هذا المشفوع له ممن أذن شرعا أن يُشفع فيه، ومعلوم أن الله جل وعلا نهى المؤمنين أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى، فقال جل وعلا في سورة براءة ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ(113)وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾[التوبة:113-114]، فدل هذا على أن الشرع نهى أن يُستغفر للمشرك؛ يعني أن يشفع في مغفرة الذنوب عند الله جل وعلا لأهل الشرك.وإذا كان كذلك فإن اشتراط الإذن الشرعي؛ يعني أن من طلب الشفاعة من النبي  في الدنيا وهو من أهل الشرك، أو في الآخرة وهو من أهل الشرك، فإنه لم يؤذن الإذن الشرعي في أن يُشفَّع فيهم أو أن يسأل الشفاعة لهم، وكذلك في البرزخ -وهو ما بين الحياتين الأولى والآخرة وهو حياة خاصة- كذلك فإن من سأل النبي  الشفاعة وهو في قبره عليه الصلاة والسلام فقد سأل ما لم يؤذن به شرعا، ولهذا الصحابة رضوان الله عليهم ما سألوا النبي  في الشفاعة بعد موته، وكذلك ما سألوا شهداء أحد الشفاعة، والشهداء يشفعون كما جاء في الحديث؛ لأن الشفاعة مشروطة بالإذن الشرعي، ولو حصل من أحد أنه طلب الشفاعة فإنه لو فُرض أنه عليه الصلاة والسلام يشفع في البرزخ فإنّ هذا الذي طلب الشفاعة فإنه أشرك حيث سأل الشفاعة بما لم يؤذن به في الشرع؛ لأنه طلب الشفاعة ممن لم يؤذن له في ذلك والشفاعة كلها لله جل وعلا.فتحصَّل لنا من الشرط الأول وهو الإذن أنه ينقسم إلى قسمين:• الإذن الشرعي وهو أنْ يكون الله جل وعلا أذِنَ للشافع أن يشفع الإذن الشرعي.• وكذلك أذن للمستشفع أن يطلب الشفاعة الإذن الشرعي.وربنا جل وعلا قال في الشافع ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾[البقرة:255] يعني لا أحد يشفع عند الله جل وعلا إلا بعد أن يأذن الله جل وعلا الإذن الشرعي، فإن أهل الإيمان من الرسل والأنبياء والصالحين والملائكة لا يشفعون لمن لم يؤذن له شرعا لمن خالف الشرع وطلب الشفاعة من غير الله؛ لأن الله جل وعلا قال ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾[الزمر:44].فإذن طلب الشفاعة منهي عنه بقوله (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ)، وطلب الشفاعة معناه طلب الدعاء، فالشفاعة وطلب الدعاء واحد، فإذا جاء أحد إلى قبر وقال لصاحب القبر: أسألك أن تدعو الله لي. معناه أنه سأل الشفاعة فهي بمنزلة قوله: أسألك أن تشفع لي. لأن الشفاعة -كما ذكرت لكَ- هي طلب الدعاء؛ ضم الشافع طلبه إلى المشفوع له، فقول القائل لأحد: أسألك أن تدعو لي. يعني أن تشفع لي، وهذا بالنسبة للأموات مهما علت مرتبتهم فإنه لا يجوز، وطلبها منهم لا يوافق إذن الله جل وعلا الشرعي.إذا تبين ذلك: فالقسم الثاني من الإذن؛ الإذن الكوني القدري: يعني أنَّ الشافع عند الله جل وعلا لا يشفع ابتداءً كما هو الحال في الدنيا في أحوال الشافعين عند البشر، يأتي ويطلب سواءً كان المشفوع عنده يرضى بهذه الشفاعة أو لا يرضى، يرغب فيها أو لا يرغب، هذا من حال أهل القصور حال أهل الفقر والمسكنة؛ يعني هم أهل الدنيا.أما ربنا جل وعلا ذو الكمال المطلق وذو الإحسان إلى خلقه وذو الغنى التام وذو القدرة التامة جل وعلا فإنه لا يشفع أحد عنده ابتداءً؛ بل لا يشفع أحد حتى يأذن الله للشافع أن يشفع الإذن الكوني القدري؛ يعني يعلم الله جل وعلا أنّ هذا يريد أن يشفع فيقول له: اشفع، كما ثبت في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام إذا كانت الشفاعة العظمى يوم القيامة ويأتيه الناس قال «فآتي فأخِرُّ بين يدي العرش، فأحمد ربي بمحامد يفتحها عليّ لا أحسنها الآن» يخر ساجدا فيبتدئ بالحمد والثناء على الله جل وعلا، والهد سبحانه يعلم أنه يريد أن يشفع، ولا يشفع ابتداءً؛ لأنه لابد من الإذن الكوني لابد أن يقال له: اشفع، قال عليه الصلاة والسلام «فيقول الرب أو فيقول: يا محمد ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع» فهذا يدل على أن الشفاعة يوم القيامة لا يبتدئ بها أهلها حتى يأذن الله جل وعلا لهم في أن يشفعوا، وهذا أصل عظيم في هذا الباب.إذن الإذن الكوني القدري -بالدليل الذي ذكرت لك- يدلُّ على أن هذا الذي شفع لا يملك الشفاعة، وإنما هو محتاج لأنْ يشفع كما أنّ الطالب محتاج في أن يُشفع له، والهأ جل وعلا هو الذي يملك الشفاعة، فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يملكها فيشفع شفاعة من يملك، وإنما هو يرجو أن يُقبل منه أن يشفع، كما جاء في هذا الحديث ودِلالته واضحة على ما ذكرنا.إذن قوله جل وعلا (مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه) يعني لا أحد يشفع عند الله جل وعلا إلا بإذنه سبحانه الشرعي وبإذنه سبحانه القدري، فإن شفع من لم يأذن الله فيه شرعا فإنه لا تقبل شفاعته مثل ما شفع نوح عليه السلام في ابنه قال ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ﴾[هود:45]، فأجابه ربنا جل وعلا بقوله ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ﴾[هود:46] الآيات.فإذن دلَّ على أنه إذا ابتدأ أحد في أن يشفع فيمن لم يُؤذن له بالشفاعة شرعا فإنه لا تقبل شفاعته وترد عليه، وأما الإذن الكوني فإنه في الآخرة لا يحصل يعني بعد الموت لا تحصل الشفاعة ولا تقع إلا بعد الإذن الكوني.أما في الدنيا فإنه قد يشفع أحد فيؤذن له كونا بالشفاعة بحسَب إرادته، فيبتدئ بالشفاعة ثم ترد عليه إن لم يكن شفاعته موافقة للإذن الشرعي أو لم تكن شفاعته موافقة لحكمة الله جل وعلا.فتحصّل من هذا أن الشفاعة لها من حيث الزمن حالان: في الدنيا، وما بعد الممات. أما في الدنيا: فإن الإذن الكوني للشافع يحصل بإرادة الشافع، فقد يشفع والله جل وعلا يأذن سبحانه ولو كانت حكمته في أنْ يرد هذا الشافع في الدنيا، مثل ما حصل من شفاعة نوح عليه السلام في ابنه، ومن شفاعة إبراهيم في أبيه، ومن شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام في عمه فأنزل الله جل وعلا ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾[التوبة:113].أما بعد الممات: فإنه لا يبتدئ أحد الشفاعة -يعني في يوم القيامة ولا في البرزخ- حتى يأذن الله جل وعلا، ومعلوم أن الله جل وعلا لا يأذن في وقوع الشرك، ولا يأذن إذنا كونيا ولا إذا شرعيا في حصول ذلك من الأموات؛ لكن من الأحياء قد يبتدئون ويطلبون ذلك لأنها دار تكليف، فيأذن الله جل وعلا كونا بحصول ما لم يأذن به شرعا لأنها دار تكليف.فقوله سبحانه (مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه) معناها لا أحد يشفع عن الله إلا بإذنه وذلك لكمال قدرته جل وعلا وقهره وجبروته وكمال مُلكه وكمال عزته وكمال صفاته سبحانه وأسمائه، أما الخلق فقد يُشفع عندهم بلا إذن منهم.قال الشيخ رحمه الله تعالى بعد ذلك (ولا يَشْفَعُ في أحد) يعني النبي  أو (يُشفع في أحد) يعني من جميع أنواع الشفعاء (إلا بعد أن يأذن الله فيه) هذا إذن آخر.فباعتبارٍ آخر الإذن ينقسم إلى قسمين:• إذن للشافع أن يشفع.• وإذن للمشفوع فيه أن يشفع له.قال (ولا يَشْفَعُ في أحد إلا بعد أن يأذن الله فيه) يعني في حق المشفوع له أن يشفع.أما أن يشفع لكل أحد، والله جل وعلا لا يأذن لهذا أن يُشفع له فإن هذا لا يحصل، والله سبحانه وتعالى لا يرضى إلا بالشفاعة لأهل التوحيد كما سيأتي.قال (كما قال عز وجل ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾[الأنبياء:28]) (وَلا يَشْفَعُونَ) يعني الملائكة هذه الآية في سورة الأنبياء (وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى) يعني الملائكة، فلا يشفعون فيمن يريدون كما يظن أهل الشرك؛ بل لا يشفعون إلا لمن رضي الله جل وعلا قولَه وعملَه فيمن ارتضاهم ربنا جل وعلا، والله سبحانه لا يرضى إلا لأهل التوحيد، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الهي خالصا من قلبه أو نفسه» فقوله (أسعد الناس بشفاعتي) قال العلماء (أسعد) هنا جاءت على أفعل التفضيل لكن معناها الوصف لا التفضيل؛ يعني سعيد الناس بشفاعتي يوم لقيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قبله أو نفسه، فـ(أسعد) بمعنى سعيد ،كقوله جل وعلا في سورة الفرقان ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾[الفرقان:24]، ومعلوم أن مقيل أهل النار ليس فيه حُسْنٌ بل هو قبيح وشر وعذاب عليهم، فقوله (أَحْسَنُ مَقِيلًا) يعني حسنا مقيلهم.فهذا معلوم في اللغة أن أفعل قد تخرج عن بابها إلى الوصف وهذا كقوله كما ذكرنا (أسعد الناس بشفاعتي) فسعيد الناس بشفاعتي عليه الصلاة والسلام أهل التوحيد، والذين يرضاهم الله جل علا ورضي لهم قولا هم أهل التوحيد، فإذا كان كذلك فمن سأل من لا يملك الشفاعة الشفاعة فإنه ليس ممن رضي الله قوله ولا رضي عمله؛ لأن الله جل وعلا نهانا عن ذلك ولأن الصحابة رضوان الله عليهم لم يفعلوا ذلك.قال جل وعلا قال ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾[الأنبياء:28] وهذا هو الشرط الثاني وهو شرط الرضا فإن الشفاعة لا تنفع عند الله جل وعلا إلا بتحقق شرطين: الإذن والرضا.والرضا نوعان أيضا:• رضًا عن الشافع.• ورضًا عن المشفوع له.فالذين يشفعون هم الذين رضي الله عنهم، وهم الأصناف الذين جاء ذكرهم في الأحاديث: الأنبياء وأولهم محمد عليه الصلاة والسلام، والعلماء، والشهداء، والصالحون. هؤلاء هم الذين يشفعون فرضي الله جل وعلا قولهم.وكذلك النوع الثاني الرضا لمن شُفِعَ له وهذا الرضا قد يكون رضا عن مآل حاله؛ لأنه من أهل الإسلام، وقد يكون رضًا في الشفاعة لحكمة يعلمها جل وعلا وهذا إخراج لحال أبي طالب.قال (﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾[الأنبياء:28] وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد) لدلالة الحديث الذي ذكرنا وكذلك دلالة قول الله جل وعلا ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[آل عمران:85]، وكقوله جل وعلا ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلاَمُ﴾[آل عمران:19]، يعني التوحيد الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله، هذا هو الإسلام وهو التوحيد الذي جاء به الأنبياء والرسل جميعا.فإذن هو سبحانه لا يرضى إلا الإسلام العام ومن كان من هذه الأمة فلا يرضى يعني بعد بعث محمد عليه الصلاة والسلام لا يرضى إلا اتباع المصطفى عليه الصلاة والسلام فقوله (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) يعني من ابتغى غير دين محمد عليه الصلاة والسلام (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)؛ لأن محمدا عليه الصلاة والسلام بعثه الله وبعثه بالإسلام الخاتم الذي نسخ كل دين قبله.قال رحمه الله بعد ذلك (فإذا كانت الشفاعة كلُّها لله) هذا استنتاج؛ ترتيب النتائج على المقدمات، (فإذا كانت الشفاعة كلُّها لله ولا تكون إلا بعد إذنه، ولا يشفع النبي  ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد) يعني هذه أربعة أشياء.(إذا كانت الشفاعة كلُّها لله) أولا هذه مقدمات في الحجة ليبني على هذه المقدمات النتيجة، وهذه المقدمات كل واحدة منها سبق شرحها ودليلها.قال (فإذا كانت الشفاعة كلُّها لله) يعني من جهة المِلك، في أن الذي يملكها الرب جل وعلا، فإذن هو الذي يتصرّف ويقول سبحانه هذا يُشفع فيه وهذا يشفع وهذه الحال فيها شفاعة وهذه الحال ليس فيها شفاعة إذْ هو المالك للشفاعة سبحانه بخلاف أهل الدنيا فإنه يملك المرء الشفاعة في أحد، أنا مثلا أريد أن أشفع لفلان فإني أملكها بحيث أبتدئ الشفاعة ولو لم يرض المشفوع عنده، فأبتدئ سواء قبل أو لم يقبل، هذا لأجل حال القصور الذي أنا عليه والضعف والمسكنة فلا أملك ولا أستطيع أن أفرض على أحدٍ شيئا.أما حقيقة الشفاعة فإنها لله جل وعلا يملكها سبحانه، فالشفاعة عنده جل وعلا ليست كالشفاعة عند خلقه جل وعلا بل هو الذي يملك الشفاعة، فالذي يجيء يطلب الشفاعة لا يجيء وهو يتقدم عند الله جل وعلا بشيء يملكه هو؛ بل الذي يملك الشفاعة الرب سبحانه وتعالى.فحقيقة الشروط ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾[البقرة:255]، قال ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾[الأنبياء:28] ونحو ذلك من الآيات دالة على أن الشفاعة ملك لله، فآية الزمر ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾[الزمر:44]، دالة وكذلك الشروط دالة على أن الشفاعة كلها لله جل وعلا.قال في الشرط الثاني (ولا تكون إلا بعد إذنه) مثل ما مر معنا، (ولا يشفع النبي  ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه) هذا الشرط الثالث، (ولا يأذن إلا لأهل التوحيد) هذا الشرط الرابع، (تبين لك أن الشفاعة كلَّها لله) يعني أن لا أحدا ليس له من الأمر شيء كما قال جل وعلا ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾[آل عمران:128].قال بعدها (فأطلبها منه) يعني إذن إذا كانت لله وهذه الشروط الأربعة والمقدمات الأربعة واضحة فتحصل ان الشفاعة لله والطلب إذن يكون لمن يملك قال (فأطلبها منه فأقول: اللهمَّ لا تحرمني شفاعة المصطفى ، اللهمَّ شفّعه فيّ) فتسأل الله جل وعلا أن يأذن للنبي  وأن يسخره عليه الصلاة والسلام للشفاعة فيكَ، وهذا هو وجه التوحيد والطريقة الشرعية المأذون بها، قال (وأمثال هذا) يعني من الأدعية التي تناسب هذا المقام.إذن فهذا الكلام الذي ذكرناه جواب على قول من قال (أتنكر شفاعة رسول الله  وتبرأ منها؟) وهذه الشبهة كثيرا ما تقال لأهل التوحيد، فإذا قالوا لغيرهم ممن طلبوا الشفاعة من المصطفى  أو من الأولياء قالوا لهم: الشفاعة لله وطلب الشفاعة من الموتى شرك؛ لأن الله جل وعلا لم يأذن بهذا والله هو الذي يملك الشفاعة، هذا لا يملكها، ومن طلب من الميت ما لا يملكه ولا يقدر عليه ابتداءً فقد طلب منه، ما هو مختص بالله وهذا يعني أنه أشرك به، قالوا أتنكر الشفاعة؟ فإذن هم إذا أُنكر عليهم الشرك قالوا: أتنكر شفاعة المصطفى ؟ لأن أهل العلم من أهل السنة ومن الفرق الأخرى غير المعتزلة -الأشاعرة والماتريدية وأشباه هؤلاء- مجمعون على أن المصطفى  يشفع، وعلى أنّ الأولياء والصالحين يشفعون، فإذا قلت لهم: طلب الشفاعة شرك. أرادوا أن ينسبوك لأهل الضلال ممن يُنكرون الشفاعة فقالوا أتنكر الشفاعة؟ حتى ينسبك إلى الخوارج أو إلى المعتزلة أو ما أشبه ذلك.فإذن قوله هنا (فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله  وتبرأ منها؟) هذه يقولها المشرك للموحد حتى ينسِبَه -وحتى ينسُبه يصح الوجهان- لأهل البدع من الخوارج والمعتزلة، فكأنه قال لك: أأنت خارجي؟ إذا أنكرت عليه طلب الشفاعة. أأنت خارجي؟ أأنت معتزلي؟ فتقول له: لا أنكرها ولا أتبرأ منها؛ بل أنا سلفي سني موحد ولست من أهل البدع والفرق الضالة؛ بل هو عندنا عليه الصلاة والسلام هو الشافع المشفَّع بأنواع من الشفاعات نثبتها قد لا يثبتها بعض أهل البدع كالأشاعرة ونحوهم، وأرجو شفاعته عليه الصلاة والسلام، نرجو شفاعته ونبذل الأسباب في ذلك، ونسأل الله جل وعلا أن يشفع فينا نبيه عليه الصلاة والسلام، وكذلك نأتي بالأسباب من الدعاء بعد الأذان، ومن محبة المدينة، ومن الرغبة في الموت فيها، وكذلك السعي في القتال في سبيل الله، وأشباه ذلك مما هو من أسباب نيل شفاعته عليه الصلاة والسلام( ) ... وإنما نطلبها ممن يملكها والذي يملكها هو الله جل وعلا.هذا حقيقة هذا البرهان وهذا التفصيل من الشيخ رحمه الله تعالى.قال (فإن قال: النبي  أُعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله تعالى.) قال (فالجواب: أن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا) يعني نهاك عن طلب الشفاعة (فقال سبحانه ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾[الجن: 18]، فإذا كنت تدعو الله أن يشفّع نبيّه فيك فأطعه في قوله: ﴿فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾) وهذا دليل وبرهان سديد للغاية.كما ذكرت لك أن الشفاعة طلب والشفاعة هي الدعاء، فإذا طلب أحد من النبي  وهو في البرزخ -مع حياته الكاملة عليه الصلاة والسلام أكمل من حياة الشهداء عليه الصلاة والسلام- إذا طُلب منه أن يشفع، فهذا الطالب سأله والسؤال دعاء، فحقيقة طلب الشفاعة أنها دعوة الميت -سؤال الميت-، سؤال النبي عليه الصلاة والسلام في قبره وهو في الرفيق الأعلى عليه الصلاة والسلام، سؤاله ودعاؤه وقد طلب منه، فإذا قال القائل: يا محمد، يا رسول الله اشفع لي. فقد دعاه وطلب منه، إذا قال: يا محمد، يا رسول الله اسأل الله لي. فقد سأله وطلب منه عليه الصلاة والسلام، وهذا طلب الدعاء ممن ليس في الحياة الدنيا ممن هو عند الله جل وعلا، والله سبحانه نهانا أن ندعوا أحدا غيرَه فقال جل وعلا (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)، وقوله (فَلا تَدْعُوا) هذا نهي، نهانا عن الدعاء.ومن المعلوم المتقرر في الأصول أنَّ الفعل المضارع لاشتماله على مصدر ينزل منزلة النكرة في سياق النهي أو النفي فتعم أنواع الدعاء، (فَلا تَدْعُوا) هذا يعم جميع أنواع الدعاء؛ لا يدعى مع الله أحدا؛ دعاء استغاثة، دعاء استعانة، دعاء استسقاء، دعاء شفاعة، دعاء نذر إلى آخره، فجميع هذه الأنواع داخلة في النهي في قوله جل وعلا (فَلا تَدْعُوا) دعاء العبادة ودعاء المسألة، وكذلك دلّت الآية على عموم آخر وهو قوله جل وعلا (فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)؛ لأن (أَحَدًا) نكرة جاءت في سياق النهي فدلت على عموم كلِّ أحد، فالملائكة لا يدعون والأنبياء والرسل عليهم صلوات الله وسلامه لا يُدعون، وكذلك الصالحون ممن انتقلوا عن الدنيا لا يُدعون، والأولياء الأموات لا يُدعون، والشهداء شهداء المعركة لا يُدعون أيضا.وكما ذكرتُ لكم في درس سبق أن الصحابة أجمعوا في حياة النبي عليه الصلاة والسلام والنبي عليه الصلاة والسلام مقرهم على ذلك بل والتشريع ينزل أنَّ أحدا منهم لم يسأل الشهداء شهداء أحد الشفاعة، ولم يطلب منه شيئا مع أنهم كانوا في حياة أولئك الشهداء ربما طلبوا من أولئك؛ لكن لما ماتوا تركوا الطلب مع أنهم قال الله جل وعلا ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169)فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾[آل عمران:169-170]الآية.فدلّ هذا على أنَّ طلب الشفاعة من الميت داخل في سؤال الميت وفي دعاء الميت، وهذا كما قال الشيخ رحمه الله (فإن قال: النبي  أُعطي الشفاعة وأنا أطلبُه مما أعطاه الله) قل: نعم النبي  أعطي الشفاعة في عرصات القيامة بأنواعٍ من الشفاعة؛ لكن الذي أعطاه الشفاعة في عرصات القيامة هو الذي نهاك عن طلب الشفاعة في البرزخ؛ يعني أن تطلبه وأنت في الحياة الدنيا وهو في البرزخ، فالجواب كما ذكر الشيخ (أن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا) ما الدليل على النهي؟ قال (فقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾) ووجه دخول طلب الشفاعة في الدعاء ما ذكرته لك وهو واضح تقريره.فال (فإذا كنت تدعو الله أن يُشفّع نبيّه فيك) إذا كنت تريد أن يشفع فيك المصطفى  (فأطع الله في قوله ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾-، يعني فلا تسأل مع الله أحدا وقوله (مَعَ اللَّهِ) فيه إشارة إلى سؤال من لا يملك شيئا، ومن لا يقدر عليه، وأن من سأل غير الله وهذا الغير لا يملك الشيء فقد دعا مع الله أحدا، وهذا ظاهر من جهة الاستدلال ومن جهة البرهان الواضح القوي.قال في برهان آخر (وأيضًا) هذا نوع آخر من البرهان على المسألة (فإن الشفاعة أعطيها غير النبي  فصح أن الملائكة يشفعون، والأفراط( ) يشفعون والأولياء يشفعون أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة وأطلبها منهم؟) فإذا قال إن الفَرَط لأنه يقول النبي  أعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله، فقل -هذا من جهة الإلزام؛ لأن الإلزام إن التزمه تناقض فصار مبطلا، وإن لم يلتزمه تناقض أيضا وصار مبطلا- فقل له (الأفراط يشفعون) ولهذا إذا مات فرط صغير فندعوا لوالديه بالمغفرة وندعو أن يشفعه في والديه، كما جاء في السنة من الدعاء في الآثار.فإذن هل يكون هذا الذي احتج بأن النبي  أعطي الشفاعة يقول بأن كل من أعطي الشفاعة يُسأل الشفاعة ونقول هؤلاء الأفراط يشفعون فاسألهم الشفاعة، ولا قائل به أن الأطفال الصغار يؤتى إلى قبورهم ويطلب منهم الشفاعة، مع أن الحجة التي احتجوا بها في حق النبي  هي الحجة التي تسوغ في حق هؤلاء الصبيان.كذلك الملائكة إذن الملائكة يشفعون فهل يطلب المسلم الشفاعة من الملائكة ويقول: يا جبريل اشفع لي عند الله، وهذا لا قائل به حتى عباد القبور لا يقول بهذا لأنهم لو قالوا به صاروا إلى دين الجاهلية بالاتفاق وصاروا مشركين بالاتفاق.فإذن هذه الحجة حجة إلزامية، يُحتج عليهم بما يقرون به على ما يحتجون له، فهم يقرون أن الملائكة يشفعون، ويقال لهم: النبي  أعطي الشفاعة كما ذكرتم؛ ولكن نهينا أن نسأله الشفاعة، فإن قالوا: لا؛ بل أعطيها ونسأله الشفاعة، نقول لهم الملائكة يعني نبرهن لهم بالبرهان الأول (فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) فإن لم ينفع فيهم فنقول لهم الملائكة أيشفعون؟ فإن قالوا: لا. فنقول لهم: بل يشفعون؛ لأن الله جل وعلا قال فيهم قال ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾[الأنبياء:28] ولأنه ثبت في الحديث الصحيح أن الله جل وعلا يقول يوم القيامة«شفعت الملائكة وشفعت الأنبياء وشفع العلماء ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين فيخرج بعثا من النار» إلى آخر الحديث.فإذن إذا قلنا له الملائكة تشفع بنص القرآن، وأخبر الله أنهم يشفعون والنبي  أخبر، فاسأل الملائكة أن يشفعوا لك، فإن قال به ولا قائل به فيصير إلى دين المشركين بالاتفاق الذي بيننا وبين عباد القبور.كذلك قل (الأفراط يشفعون) لما جاء في الحديث، أفتذهب إلى قبر طفل وتسأله الشفاعة، وهذا لا قائل به بالاتفاق.إلى أن قال (أتقول إن الله أعطاهم الشفاعة وأطلبها منهم، فإن قلت هذا فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه.) يعني بالاتفاق هذه عبادة الصالحين، عبادة الملائكة، عبادة غير الله التي أجمع عليها الناس بأن يسألوا الشفاعة ويُتقرب إليهم بطلب الشفاعة.(وإن قلت: لا)؛ لا أطلبها من هؤلاء، لا أطلب الشفاعة من الملائكة، ولا أطلب الشفاعة من الأفراط، قال الشيخ رحمه الله (وإن قلت: لا.) يعني لا تطلبها منهم (بطل قولك: أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله) لأن هذا إلزام بما هو لازم في نفس الأمر، فإما أن يطرق الباب فيجعل هذا وهذا بابا واحدا، وهذا يُرجعه بالاتفاق إلى دين المشركين، وإما أن يفرق بين هذا وهذا فيتناقض فيدل على بطلان حجته التي ادعاها بقوله أطلبه مما أعطاه الله.نقف عند هذا إلى الدرس القادم إن شاء الله تعالى، وأسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يمنَّ علينا بشفاعة المصطفى عليه الصلاة والسلام.[الأسئلة]... هم احتجوا قالوا النبي  أعطي الشفاعة، على هذا القدر من الإطلاق نقول نعم أعطي الشفاعة، فيقول إذن أنا أطلبه مما أعطاه الله، فإذن لو ما شفع لي يوم القيامة فأطلبه مما أعطاه الله يشفع يوم القيامة، فيقول أيضا الملائكة تشفع يوم القيامة والأفراط يشفعون يوم القيامة أفتطلب منهم الآن أن يشفعوا لك؟ فإذا قال ذلك رجع إلى عبادة المشركين بالاتفاق.... هذا من عندك، هذا من كِيفِك؛ لأن أهل التوحيد هم الذين يقولون بأن النبي  أفضل من الملائكة، أما أهل الشرك يعني الأشاعرة والماتريدية فعندهم أن الملائكة أفضل من الأنبياء والمرسلين، وما أحد يحتج منهم بهذا -واضح؟، يعني أنت جمعت بين قولين متناقضين، هم ما يقولون، واضح.س/ في الحقيقة سؤال غريب لا بأس أن نذكره -ما له علاقة بالدرس يقول: أعتذر عن هذا السؤال فهو خارج عن الدرس، ظهر فلم فيديو بعنوان فاتح القسطنطينية، وفي هذا الفلم يمثلون القائد محمد الفاتح بشكل أفلام كرتونية مع العلم أن هذا القائد شخصية إسلامية، فما حكم...، وقد رأينا بعض طلاب العلم يشاهدون هذا الفلم ويسهرون عليه الليل أغلبه.ج/ ما أظن طالب علم يسهر على هذا اللهو وأمثاله قد يستفيد منه لصغار عنده أو نحو ذلك لكن يسهر عليه ويشاهده هذا ما يصلح أن يكون طالب علم، لأنّ طالب العلم عليه واجبات كثيرة والله جل وعلا يعين الجميع على أدائها.لكن بالنسبة لتمثيله هذا مختلَف فيه؛ يعني تمثيل مثل الشخصيات هؤلاء مختلف فيه ما بين العلماء منهم من يجيز ومنهم من لا يجيز، أنا ما أعرف هذا الفلم على حقيقته كيف هو. إيش يعني كرتون، إذا كان رسم تصوير، فالمصوِّر له يأثم لكن المشاهد لما صور لا يأثم؛ لأنه ما دخل في التصوير، هذا يحتاج منكم إلى نظر من نظر إليه يعطينا صفة هذا حتى يكون الحكم فرعا عن التصور.س/ هل تجوز الشفاعة من الشخص الغائب؟ج/لا، دعاء الغائب هذا شرك بالله؛ يعني يكون في مكة ويقول يا خالد لا تنسني من دعائك هذا شرك بالله؛ لأنه كيف يصل إلى ذلك.س/ قال: ما جاء في لامية أبي طالب وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال لليتامى عصمة للأراملهل يصح قول من قال فيه استغاثة بغير الله؟ج/ لا، هو عليه الصلاة والسلام يسأل الله أن يسقي الناس، وهو في حال حياته يدعو من جنس دعائه عليه الصلاة والسلام بالاستسقاء وفيمن طلب منه الدعاء في الدنيا، فهذا له أن يدعو؛ بل قد دعا لعمه ولم يستجب له عليه الصلاة والسلام فيه.س/ ما الضوابط في أسماء الله الحسنى؟ج/ الأسماء الحسنى موضع الكلام في درس العقيدة العام يعني كالواسطية والطحاوية وغيره؛ لكن نذكره على عجل.الأسماء الحسنى هي ما جمع ثلاثة شروط:الأول مجيئها في الكتاب والسنة.والثاني أنها هي التي يدعا الله جل وعلا بها.والثالث هي المشتملة على الكمال المطلق الذي لا نقص فيه.فما لم تتوفر فيه هذه الشروط الثلاثة جميعا فإنه ليس من السماء الحسنى، قد يكون اسما من أسماء لله لكن لا يكون من الأسماء الحسنى، وقد يكون اسما يخبر به عن الله جل وعلا ولا يكون من الأسماء الحسنى. بالنسبة لدرس يوم الاثنين الزاد لانشغالي ليلة الثلاثاء لفترة تتوقف وأخبركم إن شاء الله باستئنافه، هذا نبهت في أول الدروس لكن بعض الإخوان ما سمعوا صاروا يحضرون جزاهم الله خيرا.س/ إذا قيل للشهيد أو للرسول عند قبره اشفع لي يوم تبعث فما حكم ذلك؟ج/ هذا الذي نتكلم فيه من الصباح، هذا هو الذي نتكلم فيه من بعد صلاة العشاء، هو شرك لأنه سأل طلب منه دعاه سأله، هذا شرك.س/ هذا سائل يقول: مهم. جعل الكتابة بالقلم الأحمر عشان تصير خطر يعني، يقول: ما رأيك فيمن ينسب لشيخ الإسلام ابن تيمية أن سؤال الميت أن يدعو الله لك ليس من الشرك الأكبر بل هو بدعة؟ج/ هذا جاء في كلام شيخ الإسلام صحيح لكن البدعة يريد بها البدعة الحادثة؛ يعني التي حدثت في هذا الأمة، وليس مراده رحمه الله بالبدعة أنها البدعة التي ليست شركا لأن البدع التي حدثت في الأمة منها بدع كفرية شركية ومها بدع دون ذلك فإذن قوله: وأما سؤال الميت أن يدعو الله للسائل فإنه بدعة. يعني هذا حدث في هذه الأمة حتى أهل الجاهلية ما يفعلون هذا، ما يقولون أدعو الله لنا، إنما يقولون اشفع لنا.فمسألة أن يطلب من الميت الدعاء هذه بدعة حدثت، حتى المشركين ليست عندهم، وأهل الجاهلية ليست عندهم بل حدثت في هذه الأمة، وإنما كان عند أهل الجاهلية الطلب بلفظ الشفاعة اشفع لنا، يأتون ويتقربون لأجل أن يشفع، يتعبدون لأجل أن يشفع أو يخاطبونه بالشفاعة ويقولون اشفع لنا بكذا وكذا، أما أدع الله لنا هذه بدعة حدثت في الأمة.فكلام شيخ الإسلام صحيح أنها بدعة محدثة، وكونها بدعة لا يعني أن لا تكون شركا أكبر، فبناء القباب على القبور وسؤال أصحابها والتوجه إليها على هذا النحو الذي تراه من مشاهد والحج إلى هذه المشاهد وجعل لها مناسك كلها بدعة، نقول بدعة حدثت في هذه الأمة، وهي يعني سؤال أصحاب هذه المشاهد والذبح لها وعلى هذا النحو الموجود لم يكن موجودا في الجاهلية على هذا النحو، وإنما كانت عبادتهم للأموات على شكل أصنام وأوثان والتجاء للقبور وأشباه ذلك؛ لكن ليس على هذا النحو، فلم يكن أهل الجاهلية يحجون كالحج إلى بيت الله الحرام يحجون إلى مشهد أو إلى قبر أو ما أشبه ذلك.نقول هذه بدعة؛ لكن هل يعني أن هذا ليس شركا أكبر؛ لا؟ لأن البدع منها ما هو مكفِّر.س/ ما حكم إطلاق لفظ خير خلق الله جميعا محمد ، ولفظ سيد الخلق، وحبيب الله والحبيب المصطفى ؟ج/ هو عليه السلام هو سيد ولد آدم وأشرف الأنبياء والمرسلين وخير خلق الله جميعا عندنا لأن الصحيح عندنا في مسألة التفضيل بين الملائكة والرسل والأنبياء أنّ الرسل والأنبياء أفضل من الملائكة، ولا نقول البشر أفضل من الملائكة؛ بل نقول الأنبياء والرسل وأولياء الله أفضل من الملائكة، ولهذا يصح أن نقول خير خلق الله محمد عليه الصلاة والسلام، وهو عليه الصلاة والسلام سيد الخلق وهو حبيب الله وخليل الله.س/ قول القائل: اللهم إني أسألك بحق جبريل عندك أن تفعل لي كذا وكذا هل يجوز؟ج/ هذا سؤال بالحق وبالجاه وأشباه ذلك وهو سؤال بأمر أجنبي، قد ذكرت لكم أن هذا ممنوع من ثلاثة أوجه ذكرناهم في الدرس الماضي أو في الدرس الذي قبله.فمن سأل الله بحق فلان بحق ملك أو حق نبي سأله بأمر أجنبي عنه، وهؤلاء لهم منزلة عند الله وجاه لكن ليس هذا الحق لك، وسؤالك به سؤال بأمر خارج عنه، فسؤال العبد ربه جل وعلا متوسلا يكون بأسماء الله جل وعلا وبصفاته؛ لأن هذا سؤال بإيمانه بالأسماء والصفات وإيقانه بها وإقراره بذلك ووصف الله جل وعلا بذلك وتسميته بها، وسؤال أيضا بالعمل الصالح تسأل الله جل وعلا بأعمالك الصالحة.أما سؤالك الله بعمل غيرك الصالح أو بمُقامه عند الله أو بالمنزلة عند الله فهو سؤال بأمر أجنبي ولذلك صار اعتداء في الدعاء وبدعة وخيمة ووسيلة أيضا إلى الشرك. س/ هل يجوز -لا حول ولا قوة إلا بالله- يقول هل يجوز الاستشفاع بأحد من الخلق مثل طلبة العلم، وهل تأذن لي في الاستشفاع بك في دعائي؟ج/ نحن نذكر في هذه الدروس من أولها إلى آخرها أن مثل هذا لا يجوز، وأن مثل هذا بدعة، حتى ولو استشفعت بحي سواء كان صالحا وعالما أو من تظن فيه، هذا كله من البدع المحدثة في الدين، إنما تسأل الدعاء على قولٍ بجوازه، تقول يا فلان أدعو الله لي هذا الذي يجوز في الحياة، مثل ما روي أن النبي  قال «يا عمر لا تنسنا من دعائك».والعلماء مختلفون هل يجوز طلب الدعاء من الحي مطلقا أم يجوز في بعض الأحوال أم هو مكروه؟ على أقوال.والسلف الصالح رضوان الله عليهم ما كانوا يأذنون لأحد أن يطلب منهم الدعاء فقد جاء مرة رجل لحذيفة فقال: أدع الله لي. فدعا له فجاءه آخر مرة أخرى فصاح في وجهه فقال: أأنبياء نحن؟ فإذا ساغ مرة فلا يسوغ أن يؤتى فلانا حتى ولو كان صالحا أو عالما أو كان يَظن فيه هذا ظن خير أن يطلب منه الدعاء دائما، والمسؤول الدعاء أيضا يجب عليه أن ينكر مثل ما أنكر حذيفة، حتى لا تتعلق القلوب بغير الله، مرة يحصل ذلك فلا بأس.إلا في حال ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله حيث قال: إن طلب الدعاء يجوز إذا كان من طلب الدعاء من غيره يريد منفعة ذلك الغير ولا يريد منفعة نفسه، وعلى هذا يحمل طلب النبي  من عمر أن يدعو له؛ لأن هذا فيه إحسان إلى السائل، فإذا أردت لفلان مثلا من الناس أن يدعو لك لكي ينتفع هو بتأمين الملائكة له بقولهم: ولك بمثل هذا. وأشباه ذلك، يقول شيخ الإسلام هذا هو الجائز.أما الدعاء أصلا يا فلان أدعو الله لي لا تنسنا من دعائك ونحو ذلك فيقول شيخ الإسلام: هو مكروه.وإن قيل بجوازه فإنه ليس على وجه الديمومة.أما أن يقول الطالب في دعائه: أستشفع بفلان أو يا فلان اشفع لي وهو غائب فهذا شرك بالله جل وعلا ولا يجوز أن يحوم حول مثل هذه المعاني ذهن طالب علم أو موحد، ولو قيل مثل هذا لعامي من العامة من أهل نجد أو من غيرهم ممن عرفوا التوحيد لصاح في وجه من قال هذا؛ لأن هذا هو الشرك أو وسيلة الشرك.فينبغي أن يُنتبه لمداخل الشيطان على النفوس.س/ ما الفرق بين قول القائل: اللهم مُنّ علينا بشفاعة نبيك وبين سؤال النبي  الشفاعة؟ج/ مثل ما ذكر الشيخ محمد رحمه الله: تطلب الشفاعة من الله، تسأل الله أن يُشفِّع فيك نبيه، فإذن طلبت الشفاعة ممن يملكها وهو الله جل وعلا، أما إذا طلبت الشفاعة من النبي  فقد دعوته عليه الصلاة والسلام ودعوة غير الله شرك، ثم سألته الشفاعة وهو بعد موته عليه الصلاة والسلام لا يملك أن يشفع حتى يأذن الله جل وعلا له، والله جل وعلا لا يأذن في هذه الصورة.وطلب الشفاعة منه عليه الصلاة والسلام هو الذي بحثناه في هذه الجلسة من أولها.س/ كيف يكون الذي يطلب الشفاعة من الملائكة كافر بالاتفاق، مع أن هناك من لا يقر أن عبادة المشركين للملائكة هي بالدعاء؟ج/ أنا لا أذكر أحدا من أهل العلم -يعني من المفسرين- قال: إن تعبد المشركين من أهل الجاهلية بالملائكة أنه ليس بالدعاء، لا أعرف من قال بغيرها؛ يعني على ظاهر السؤال هناك من لا يقر أنَّ عابدة المشركين للملائكة هي الدعاء لا أدري من قال هذا، لعل السائل يفيدنا فإذا كان هناك من يقول به من الأولين يعني من السلف أو من المتأخرين فإنه يمكن حصر الإجماع في فترة زمنية، أما على علمي فإنه لا أحد قال إنّ العرب مثَّلت الملائكة على صور على أصنام وإنما يدعون الملائكة ويطلبون منهم كما قال جل وعلا ﴿وَيَوْمَ يحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ(40)قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾[سبإ:40-41].س/ هل قول الرسول  لعمر «لا تنسنا يا أخي من دعائك» ثابت؟ج/ رواه أبو داوود والترمذي وجماعة وإسناده ضعيف.س/ هل جميع أنواع الشفاعة التي ذكرها الشيخ في كتاب التوحيد ثابتة في الكتاب والسنة؟ج/ ما أدري إيش يعني كتاب التوحيد، كتاب التوحيد ما ذكر فيه أنواع الشفاعة، أنواع الشفاعة مذكورة في الواسطية وفي كتب العقيدة العامة.في شرح كتاب التوحيد؟إذا كان في الشرح نعم ثابتة.س/ لو بلغ شخصا خبرٌ يسره فقال للذي أعلمه: أشكر حياتك. فما حكم قول هذه العبارة؟ج/ يعني أشكرك ما فيه بأس إن شاء الله.س/ قوله جل وعلا ﴿وَالذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ(4) سَيَهْدِيهُمْ وَيُصْلِحْ بَالَهُمْ﴾[محمد:4-5]، قرأت في أحد مختصرات التفسير أن معنى (سَيَهْدِيهُمْ) إلى العمل فكيف يكون العمل بعد الموت؟ج/ هذا أحد الأقوال في الآية وهو أن قوله تعالى (سَيَهْدِيهُمْ) يعني في الدنيا وأن مجيء السين فيها مع إفادتها التعقيب هذا باعتبار القَدَر يعني (وَالذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) قدرا يعني بما مضى في علم الله، (فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ(4)سَيَهْدِيهُمْ) في الدنيا ويبين لهم الطريق هداية الدلالة والإرشاد وهداية التوفيق.والقول الثاني وهو الصحيح أن الهداية هنا هداية في الآخرة لطريق الجنة فهو ليس اعتبار القتل هنا اعتبار قدري سابق بل هو اعتبار بالواقع فقوله (وَالذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) يعني فحصل لهم القتل (فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) يعني أن الله جل وعلا يبارك عملهم القليل وينمي لهم عملهم إلى يوم القيامة كما ثبت في الحديث «أن الشهيد ينمى له عمله إلى يوم القيامة»، قال (فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ(4) سَيَهْدِيهُمْ) يعني في الآخرة ويصلح بالهم الهداية إلى طريق الجنة يعني سيهديهم على الصراط لأن هذا هو النوع الرابع من أنواع الهداية عند أهل السنة وهو هداية أهل الجنة لطريق الجنة وهداية أهل النار للنار، ففي أهل الجنة في الشهداء قال هنا ﴿سَيَهْدِيهُمْ وَيُصْلِحْ بَالَهُمْ(5)وَيُدْخِلُهُمْ الجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾[محمد:5-6]؛ يعني بعد أن يهدوا إلى طريق الجنة.في الهداية إلى النار قال جل وعلا في سورة الصافات ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الجَحِيمِ(23) وَقِفُوهُمْ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ(24)مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ﴾[الصافات:23-25] الآيات.س/ من يرى عليه سمات الصلاح تقول العامة لها زرنا تحصل البركة، هل هذا جائز؟ج/ البركة كما هو معلوم نوعان: بركة ذات، وبركة عمل وإيمان وصلاح.بركة الذات: بمعنى أن أجزاء الذات تكون مباركة، فإذا لمست هذا المبارك الذات انتقلت لك بركة وحصل لك بركة وانتفاع من ذاته -من شعره من عرقه من بدنه-، فهذه ليست إلا للأنبياء والمرسلين، فهم الذين يتبرك بذواتهم بعرقهم ببقية سورهم بدمهم إلى آخره، فهذا لا بأس به، كما جاء ذلك في السنة الصحيحة عن النبي .والنوع الثاني من البركة بركة عمل: وهذه لكل مؤمن بركة راجعة إلى عمله الصالح وذلك من جهة إيمانه وتقواه وصلاحه وعمله الصالح، فلكل مؤمن بركة بقدر ما عنده من الإيمان والعمل الصالح، مثل ما جاء في الحديث الذي رواه البخاري وغيره أن أُسيد قال لأبي بكر لما نزلت آية التيمم في قصة عائشة المعروفة تخفيفا على الأمة قال: ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر. وثبت أيضا في البخاري وفي غيره أن النبي  قال «إن من الشجر شجرة بركتها كبركة المسلم» فدل على أن كل مسلم فيه وله بركة، ولما تزوج النبي  صفية وأعتق قومها وجعل عتقهم صداقها قال: فلم تكن -أو معنى ما جاء- لم تكن امرأة لها بركة على قومها أعظم من بركة صفية. فدل هذا على أن كل مؤمن له بركة؛ بركة عمل.فإذن إذا أتى رجل صالح أو زارك أحد من إخوان المؤمنين وقال قائل: حلت البركة أو جاءت البركة يعني أن هذا الزيارة عمل صالح والعمل الصالح مبارك، وهذا العبد الصالح إذا جاء، وقال القائل: حلت البركة؛ يعني لأنه إذا جاء العبد الصالح فإنه سيشغل أهل البيت في زيارته لهم بما ينفعهم في آخرتهم فهذه من بركة إيمانه وعمله الصالح فلا بأس.أما بركة الذات فليست إلا للأنبياء والرسل عليهم صلوات الله وسلامه.في هذا القدر كفاية، وأسأل الله لي ولكم المغفرة والعلم النافع والعمل الصالح وصلى الله وسلم على نبينا محمد.( )[المتن]فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئًا حاشا وكلا؛ ولكن الالتجاء إلى الصّالحين ليس بشرك. فقل له: إذا كنت تقر أن الله حرّم الشرك أعظم من تحريم الزنى، وتقرُّ أن الله لا يغفره، فما هذا الأمر الذي حرمه الله وذكر أنه لا يغفره؟ فإنه لا يدري فقل له: كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ أم كيف يحرم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه؟ أتظن أن الله يحرّمه ولا يبيّنه لنا؟ فإن قال: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام.فقل له: ما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبّر أمر من دعاها؟ فهذا يكذّبه القرآن، كما في قوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾[يونس:31]،الآية.وإن قال: هو من قصد خشبةً أو حجرًا أو بِنْيَةً على قبرٍ أو غيره يدعون ذلك ويذبحون له يقولون: إنه يقربنا إلى الله زلفى، ويدفع الله عنا ببركته أو يعطينا ببركته، فقل: صدقت وهذا هو فعلكم عند الأحجار والأبنية التي على القبور وغيرها. فهذا أقرّ أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام فهو المطلوب. ويقال له أيضًا: قولك: (الشرك عبادة الأصنام) هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا، وأن الاعتماد على الصّالحين ودعاءَهم لا يدخل في ذلك؟ فهذا يردّه ما ذكره الله في كتابه من كُفْر من تعلق على الملائكة أو عيسى أو الصّالحين، فلا بد أن يُقِرّ لك أن من أشرك في عبادة الله أحدًا من الصّالحين فهذا هو الشرك المذكور في القرآن وهذا هو المطلوب. وسر المسألة أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله. فقل له: وما الشرك بالله، فسره لي؟ فإن قال: هو عبادة الأصنام. فقل: وما معنى عبادة الأصنام فسرها لي، فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وحده، فقل: ما معنى عبادة الله وحده فسرها لي؟ فإن فسّرها بما بيّنه القرآن فهو المطلوب، وإن لم يعرفه فكيف يدَّعي شيئًا وهو لا يعرفه؟ وإن فسر ذلك بغير معناه، بيّنتَ له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان أنه الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه، وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي يُنكرون علينا ويصيحون فيه كما صاح إخوانهم حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾[ص:5].[فإن قال: إنهم لا يكفرون بدعاء الملائكة والأنبياء وإنما يكفرون لما قالوا: الملائكة بنات الله، فإنّا لم نقل عبد القادر ابن الله وغيره. فالجواب: إن نسبة الولد إلى الله كفر مستقل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ﴾[الصمد:1-2]والأحد الذي لا نظير له والصمد المقصود في الحوائج، فمن جحد هذا فقد كفر ولو لم يجحد السورة، وقال تعالى ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَّلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾[المؤمنون:91]، ففرق بين النوعين، وجعل كلاَّ منهما كفرا مستقلا وقال تعالى ﴿وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾[الأنعام:100]، ففرق بين كفرين، والدليل على هذا أيضا أن الذين كفروا بدعاء اللاتّ -مع كونه رجلا صالحا- لم يجعلوه ابن الله، والذين كفروا بالجن لم يجعلوهم كذلك، وكذلك أيضا العلماء في جميع المذاهب الأربعة يذكرون في باب حكم المرتد أنّ المسلم إذا زعم أن لله ولدا فهو مرتد، ويفرقون بين النوعين وهذا في غاية الوضوح.] ( )[الشرح]بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا من العلم والعمل، يا أرحم الراحمين.ربَّنا لا تكلنا لأنفسنا طرفة عين، لا حول لنا ولا قوة لنا إلا بك.اللهم كما علمت العلماء فعلمنا وكما فهمتهم ففهمنا، ألحقنا بزمرة ورثة الأنبياء، يا أرحم الراحمين.أما بعد:فهذا الكلام الذي سمعناه جواب على شبهة أدلى بها طائفة أخرى، وهذه الشبه التي ذكرها الشيخ رحمه الله تجد فيها تكريرا؛ وذلك أنه أورد ما أورده الناس من الشبه على التوحيد،وقد يكون ما قاله فلان يدخل بعضه في ما قاله الآخر، ولهذا ترى أنه فيها نوع تكرير ونوع إعادة؛ لأن الشبه متداخلة، وهذا يدلّ على أن القوم يتواردون على شبه أصلها واحد.فإذا أحْكم طالب العلم المقدمات التي ذكرناها في أول هذا الشرح وجواب الشبه الثلاث التي هي أكبر ما عندهم، سَهُل عليه الجواب عن الشبه الأخرى مهما اختلفت وتلوَّنت، وهذا الذي ذُكر هنا جواب الشبهة التي يمكن أن تُعَنْوَنَ بقولهم: الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك، وأنّ الشرك مخصوص بعبادة الأصنام.وفي الحقيقة أنّ الذين عبدوا غير الله جل وعلا لا يعرفون معنى الشرك؛ كجهلهم بعلوم الشريعة وبأصول الدين، فإنهم لا يعرفون معنى العبادة، ولا يعلمون معنى الشرك ولا يعلمون معنى التوحيد، لهذا قد ينكرون شيئا وهم واقعون فيه، وقد ذكر الشوكاني رحمه الله في رسالته الدّر النضيد( ) أن عُبّاد القبور عندهم تغيير للأسماء، فيسمونها بغير اسمها؛ فيسمون الشرك توسلا، ويسمون طلب الشفاعة من الأولياء توسلا، ويسمون إنزال الحاجات بالأولياء والأنبياء التجاءً إلى الصالحين؛ لأنَّهم عند الله جل وعلا لهم المقامات العالية وأشباه ذلك، قال الشوكاني: وهذا لا يغير من الحقائق شيئا إذِ العبرة بالحقائق لا بالأسماء، العبرة بالمسميات لا بالأسماء. فلو سُميت الخمر ماءً -هذه تتمة من عندي- فلو سميت الخمر ماء فإنها خمر، ولو سميت سرقة الأموال إنها هدايا فإنها سرقة، فالأسماء لا تغيِّر في الأحكام الشرعية، إذ الأحكام مرتبطة بحقائق الأمور، فإذا وجدت حقيقة الأمر الذي حرّمه الشرع أو أمر به الشرع فإنه هو المقصود بالتحريم وهو المقصود بالأمر وإن اختلفت الأسماء إذْ لا عبرة باختلاف الأسماء.هنا تفريعا على ذلك قال الإمام رحمه الله تعالى ورفع درجته في الجنة (فإن قال) يعني المُدلي بالشبهة (أنا لاَ أشرك بالله شيئًا حاشا وكلا) وهذا صنيع كل من يعبد غير الله يعبد الأولياء والأنبياء ويتقرب إليهم أو يتقرب إلى المشاهد أو إلى الجن أو إلى ما شابه ذلك من أنواع المعبودات من دون الله، كلهم يقولون: نحن لا نشرك. إذْ لا أحد يقر على نفسه بالشرك والكفر.قال (فإن قال) يعني بعد ما ذكرنا من مسألة الشفاعة أو من أدلى بهذه الشبهة (أنا لا أشرك بالله شيئًا حاشا وكلا) يعني أنا لستُ من المشركين وعندي إباء أن أكون من أهل الشرك أو أن أفعل الشرك، فحاشا وكلا أن أشرك بالله شيئا، لِم؟ قال لأن (الالتجاء إلى الصّالحين ليس بشرك).فإذن رجع أمر هذه الطائفة إلى أنهم يتبرؤون من شيء يفعلونه، وإذا كان هذا المتبرّأ منه من أصول الدين من التوحيد، فإن فعله يدل على أنهم لم يعلموا معنى الشرك ومعنى التوحيد، فلابد لهم إذن من إقامة الحجة؛ لأنه ينفي عن نفسه أن يكون من المشركين ويكره الشرك ويكره الكفر؛ لكنه واقع فيه، فلابد من البيان لهم والتعليم وإقامة الحجة عليه في أنَّ ما يفعله داخل فيما نفاه عن نفسه.قال رحمه الله (فقل له) هذا ابتداء جواب الشبهة (إذا كنت تُقِرُّ أن الله حرّم الشرك أعظم من الزنى، وتقرُّ أن الله لا يغفره) إلى آخر الكلام هذا الجواب للشبهة ملني على مراتب:الأولى: هذه المرتبة التي سمعتَ وهي أن يُطلب منه تفسير الشرك، ما هو هذا الشرك الذي لا يغفره الله وأنت تنفيه عن نفسك؟ هاتِ معنى الشرك.المرتبة الثانية: أن يفسر الشرك بعبادة الأصنام؛ فيُسأل ما معنى عبادة الأصنام؟الثالثة: هل الشرك مخصوص بعبادة الأصنام أم لا؟فهذه ثلاث مراتب لجواب هذا الإشكال فمن قال إن التوسل بالصالحين ليس بشرك يعني التوسل الشركي الذي يفعله عباد القبور والخرافيون ويعدونه توسلا وهو دعاء غير الله جل وعلا وطلب الشفاعة من الأموات هذا مبني على هذه الثلاث مراتب، فنأتيها واحدة واحدة.فالأولى: قال الشيخ رحمه الله (إذا كنت تقر أن الله حرّم الشرك أعظم من الزنى، وتقرُّ أن الله لا يغفره، فما هذا الأمر الذي حرمه الله وذكر أنه لا يغفره؟ فإنه لا يدري) هذا تنزيل لطائفة إذا قلت له: ما هذا الشرك الذي حرمه الله وعظمه بين أنه لا يغفره وأن أعظم من الزنى ومن شرب الخمر ومن إتيان المحارم إلى غير ذلك فطائفة منهم يقولون لا ندري، ما هذا الشرك لا نعلم ما هذا الشرك.فإذن هذه الطائفة يقال لها: كيف تُبرِّئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ إذا كنت لا تعرف حقيقة الشرك فكيف تقول: أنا لا أشرك بالله شيئا ومعلوم أن المشركين الذين بعث فيهم رسول الله  ينفون عن نفسهم الكفر وينفون عن أنفسهم الشرك بالله جل وعلا؛ لأن هذا الشريك الذي دعوه مع الله جل وعلا هو لله جل وعلا فنفوا أن يكونوا مشركين على الحقيقة، مثل ما قال قائلهم وهو يُلَبِّي: إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. فإذا كان الشريك لله فإن سؤاله لا يعد سؤالا لأحد غير الله جل وعلا، مثل اعتقاد النصارى واعتقاد الملائكة أنها بنات الله وكذلك الاعتقاد في الأصنام والأوثان.وهم إذن لا أحد يُقِرُّ على ننفسه أنه مشرك مطلقا، إذْ يلزم من ذلك أن الشرك المطلق يعني أنه يقرّ بأن ثمة مصرّف للأمور غير الرب جل وعلا، والمشركون مُقِرُّون بأن المصرف للأمور هو الله جل وعلا وحده، إذ يلزم لازما عقليا واضحا وأيضا شرعيا أنّ من اعتقد مع الله إله آخر يلزمه أن يعتقد أنه ربٌّ وأنه يعطي ويمنع وأنه هو الذي يسخِّر الأمر يدبر الأمر وهو الذي يسخر السحاب وينزل المطر.ولهذا تجد أن في القرآن كثيرا ما يحتج على المشركين بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية.فهم خروجًا من هذا الإلزام قالوا: إن هذه الآلهة لله جل وعلا فهو يملكها وهي تحت تصرفه، وهم ينقلون ما يحتاجه خلقه إلى الله جل وعلا، مثل ما فعل غلاة المتصوفة حيث قالوا: إن العالَم له أقطاب أربعة فوَّض الله إليهم رفع حاجات أهل الأرض، فالقطب الفلاني في مصر، والقطب الثاني في الهند، والقطب الثالث في الشمال، والقطب الرابع في الجنوب؛ يعني أن هؤلاء فوّض الله إليهم أمر رفع الحاجات.فنخلص من ذلك: أن من وقع في الشرك فإنه قد يقول أنا لم أقع في الشرك وحاشاي أن أشرك، فإذا طُلِب منه تفسير الشرك لم يعرف تفسيره، وهذه مرتبة العوام، فهؤلاء جوابهم أن يقال: كيف تبرئ نفسك من شيء وأنت لا تعرفه؟ كيف تبرئ نفسك من الشرك، وأنت لا تعرفه؟ كيف يحرم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه؟ لا شك أنّ هذا يدل على عدم رغبة في الخير؛ بل يدلّ عدم معرفة وعلم بما خلق الله جل وعلا العباد له، فإنه إذا علم أن الشرك محرم وأنه لا يغفره الله وأن أهله مخلدون في النار إن لم يتوبوا، فكيف يقول أنا لا أعرف هذا الشرك؟ فهذا إعراض عن الدين كما قال الله جل وعلا ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾[الأنبياء:24]، فإذن لا تسأله عنه؟ كيف تَتَعَرَّفه؟ (أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا؟) وهذا في الحقيقة جواب يصلح للعوام؛ لأن العامي لا يصلح له ما يصلح لمن يجادل ببعض الشبه العلمية، فهذا يقول: أنا لا أشرك. فتسأله عن الشرك فيقول: أنا لا أعرفه. فيقال له كيف تنفي عن نفسك شيئا وأنت لا تعرفه؟فهذا يكفي في جواب هذا العامي أن يجعلك معلما له، وكما ذكرنا لك في السابق إذا استطعت في مجادلة عوام المشركين في أنْ تجعلهم في مرتبة أدنى منك فتكون معلما بحسن عبارة في أن تجرَّه إلى أن يعترف على نفسه بالجهل، ثم تنتقل من مناظر إلى معلم، فهذا من أعظم الوسائل للإقناع ولإحداث الخير وإقامة الحجة وبيان المَحَجَّة، فلا ينزل العالم العامي منزلة العالم، لا ينزل من هو خال من الحجة أصلا جاهل من هو عنده شبه، فإذا عاملتَ هذا معاملة هذا فإنك تخسر؛ بل ينبغي أن تسلك ما ذكره الشيخ رحمه الله هنا في أن تطلب منه تفسير الشيء فإذا كان عنده علم ناقشه برد تفسيره، وإذا لم يكن عنده علم فتقول له: كيف تكون على هذه الحال تنفي عن نفسك شيئا وأنت واقع فيه وأنت جاهل بمعناه.فإذن تنتقل معه إلى التعليم لهذا تقول له كما قال الشيخ رحمه الله (أتظن أنَّ الله يحرّمه ولا يبيّنه لنا؟) فلا شك أنه سيقول: لا، إنّ الله إذا حرّم علينا هذا فهو سيبينه لنا وستبدأ معه في بيان التوحيد ومعنى لا إله إلا الله والشرك والكفر بالطاغوت والعبادة إلى غير ذلك.ثم قال وهي المرتبة الثانية في أناس من أهل هذه الشبهة وهم الذي قولون: نحن لسنا مشركين وحاشانا من ذلك والالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك، أهل المرتبة الثانية من هذه الطائفة هم الذين يقولون (الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام) تلحظ أن هذه الكلمة مرت معنا في شبهة قبل ذلك؛ لكنها مرتبة لطائفة ممن يقولون الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك، والشيخ رحمه الله كرّر لأن المقام يحتاج إلى هذا؛ لأن هؤلاء يدخلون تحت مَظَلَّة من يقول الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك، وأولئك يدخلون تحت مظلة الشفاعة يعني طلب الشفاعة من الأموات، وآخرون يدخلون تحت مظلة أخرى.إذن أصول الشبهات مختلفة وقد يختلف أهلها في الإيراد في طوائف منهم كما يمر معنا هنا.إذن فهؤلاء طائفة ثانية مرتبة ثانية من أهل هذه الشبهة قال الشيخ رحمه الله (فإن قال: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام) قد يكون لُقِّنَ هذه الحجة فيكون عاميا وقد يكون عنده شبهة في هذه المسألة؛ لأن الشرك إنما هو عبادة الأصنام، ولذلك احتاج إلى التفصيل (فقل [له]: وما معنى عبادة الأصنام؟) تسأله ما معنى عبادة الأصنام:إما أن يقول: لا أعرف معنى عبادة الأصنام.وإما أن يقول: عبادة الأصنام هي كذا وكذا.فإن قال: لا أعلم معنى عبادة الأصنام، فنقول له" كيف تفسر شيئا بشيء وتحتج عليه وأنت لا تعلمه؟ فإذا سكت فإنك تدلي عليه معنى عبادة الأصنام.فإن قال: معنى عبادة الأصنام أنهم يتوجهون إلى هذا الحجر بسؤاله فهو يعتقدون في الأحجار لأنها أحجار، فتقول له مثل ما قال الشيخ هنا (أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبّر أمر من دعاها؟) فتسأله هؤلاء الذين عبدوا الأصنام كيف عبدوها؟ وكيف سُمُّوا عبدة للأصنام؟فإما أن يقول لأنهم اعتقدوا فيها الخلق والرزق والإحياء والإماتة فتقول له: هذا يكذبه القرآن وتسرد له الآيات مثل ما قال الشيخ (كما في قوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾الآية) الآية في يونس ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾[يونس:31]؛ يعني إذا كنتم مقرِّين بتوحيد الربوبية أفلا تتقون الله في إشراككم معه آلهة أخرى، فهذا نوع، إذا قال: اعتقدوا فيها أنها تخلق وترزق وتنفع وتضر وترسل المطر إذا غير ذلك فقل هذا بكذبه القرآن وتسرد له الأدلة.(وإن قال) هذا احتمال ثاني (وإن قال: هو من قصد خشبةً أو حجرًا أو بِنْيَةً على قبرٍ أو غيره يدعون ذلك ويذبحون له) فإنه قد يقول هذا نتيجة لعلم له بحال المشركين؛ لأنه يقصد الخشبة يقصد الحجر يقصد البنية على القبر على أنواع من أشرك بهم في الجاهلية يدعون ذلك، مثل ما أخبر الله جل وعلا في كتابه بقوله ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾[العنكبوت:65]، فإذن صار الشرك دعاء لأنه قال (دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ) ثم قال (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) يعني الشرك في الدعاء، فإذا فسره بهذا التفسير بأنه قصد الخشبة أو الحجر أو البنية على قبر؛ يعني قصد هذه الأشياء لم يقصد من في القبر قصد الخشب قصد الحجر قصد نفس البناء (يدعون ذلك ويذبحون له ويقولون إنه يقربنا إلى الله زلفا ويدفع عنا ببركته ويعطينا ببركته فقل صدقتَ) هذا هو الشرك، وهم ما قصدوا خشبة يدعونها لاعتقاد في الخشبة؛ بل لاعتقاد في الروح التي تحُلُّ في الخشب حين السؤال، فالمشركون يعتقدون أنّه إذا سُئلت الخشبة التي هي ممثلة على صورة كوكب من الكواكب المؤثرة - في اعتقادهم- أو على صورة ملك، أو على صورة نبي، أو على صورة ولي، أو على صورة صالح، أو على صورة من يعتقدون فيه، فإن هذا الصنم أو الوثن إذا سئل تكلم، وهذا الكلام منه إنما هو من شيطان، فهم يعتقدون أنهم إذا خاطبوه ودعوه فإن رَوْحانية هذا الكوكب تتكلم، أو روحانية الملك، تتكلم أو روحانية الولي أو النبي تتكلم، حتى ربما إنه ينطق الجني على لسان الميت وهم يعرفون أن هذا هو كلامه، فيقول سمعنا من القبر كذا وكذا وكذا بصوت الولي فلان الذي نعرفه، ويكونون قد صدقوا فيما سمعوا لأنهم سمعوا صوت الولي نفسِه؛ ولكنه لم يسمعوا الولي نفسَه، وإنما سمعوا صوته الذي قلّده الشيطان والجني، ومعلوم أن شياطين الجن عندها قدرة على التشكّل بالصور، وعندها قدرة على التشكل في الأصوات، وعندها قدرة أيضا على أن تنزل الأشياء على غير حقيقتها، وهذا مما أقدرهم الله جل وعلا عليه ليحصل الابتلاء وتحصل الفتنة، فإبليس عليه لعنة الله حصل منه ما حصل من التشكل في صورة رجل وصورة شيخ نجدي عند المشركين إلى آخره وفي يوم بدر كذلك، والجن يتشكلون ربما أتاك جني في صورة آدمي وأنت لا تعلم، ربما تكلم من تكلم بصوت وهو شيطان.فإذن ما يذكرونه من أنهم حين يسألون الأخشاب أو الأحجار أو الغرف التي على القبور أو المشاهد أو يأتون إلى القبر وأن هناك من تكلم وقال سَأُلبِّي حاجتكم أو أمرهم بأشياء فهم صادقون لكن هذا من الجن ودخلوهم في هذا الأمر إنما من جراء الشرك بالله جل وعلا، كما قال سبحانه في آخر سورة سبإ ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾[سبإ:41] يعني في الحقيقة مع أنهم إنما دعوا الملائكة ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾[سبإ:40] لأنهم كانوا يطلبون من الملائكة، وقالت الملائكة ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ يعني في الحقيقة أنهم كانوا يعبدون الجن؛ لأن الذي تكلم وخاطبهم هو الجني وهم تقربوا لمن خاطبهم وهو الجني، وفي الحقيقة العبادة توجهت للجن لا إلى الملائكة كما قال جل وعلا ﴿ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾[سبإ:41]، وكما قال سبحانه في سورة الأنعام ﴿وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾[الأنعام:100]، (جَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ) فالجن اتخذوا له شركاء، وإن لم يعتقدوا ذلك هم أنهم عبدوا الصنم يعني عبدوا الجن لكن في الحقيقة هم عبدوا ذلك واتخذوهم شركاء.فإذن فتقول له: صدقت في أنهم قصدوها يدعونها ويذبحون لها ويقولون إنها تقربنا إلى الله زلفا ويُدفع عنا ببركتها ويعطينا الله ببركتها.مثل ما قال بعضهم لبعض الموحدين من نحو أكثر من مائة سنة، قابل رجل من المشركين فقال له الموحد: كثير من أهل الطائف لا يعرفون الله إنما يعرفون قبر ابن عباس، فأجابه المشرك بقوله: معرفة ابن عباس تكفيهم، معرفة ابن عباس تكفيهم.لم؟ لهذا الأمر؛ لأنهم إذا توجهوا إلى ابن عباس معناه توجهوا إلى الله جل وعلا مثل ما قال هذا القائل.(فقل له صدقت، وهذا هو فعلكم عند الأحجار والأبنية التي على القبور وغيرها) إذا أتوا إلى البنايات التي على القبور، أكثر القبور الآن التي بنيت عليها بنايات لا يوصل إلى القبر ولا يُخلص إليه، وإنما هم يدعون ويعتقدون ويتمسحون ويطلبون بركة هذه النية وفي قلبهم من في هذا القبر وقد لا يكون في القبر أحد أصلا أو يكون فيه مشرك أو يكون فيه حيوان ونحو ذلك، يكون قد دفن في هذا واعتقد فيه.فإذن الذي سأله هؤلاء الأولون عند الأصنام والأوثان والخشب والحجر والبنايات التي على القبور هو الذي فعله أهل هذه الأزمان عند البنايات التي على القبور، (فقل له: صدقت وهذا هو فعلكم عند الأحجار والأبنية التي على القبور [وغيرها]. فهذا إن أقر أن فعلهم فهذا أقر أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام فهو المطلوب) وهذه حجة واضحة بينة.إن كابر وقال: لسنا معتقدين فيهم الاستقلال؛ بل نعتقد فيهم الأسباب مثل ما يقول طائفة يقولون: نحن لا نعتقد أنهم يعطوننا استقلالا ولا يغفرون لنا ولا يشفون مرضانا ولا يدفعون عنا الضر بأنفسهم وإنما هم أسباب، فكما أن الله جل وعلا جعل أسبابا تقينا الحر وأسبابا تقينا البرد وأسبابا تقينا كذا وأسبابا تجلب لنا كذا وكذا فإن الله جل وعلا جعل هؤلاء أسبابا.فيجاب بما أجبته لك مفصلا من قبل ومطولا، فيجاب بأن هذا السبب هو عينه الذي تعلق به المشركون، فإنهم قالوا: ما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى. وهذا هو معنى السببية بنفسها، وهذا هو معنى طلب الوساطة وطلب الجاه. (ويقال له أيضًا) وهذه الفئة الثالثة من أهل هذه الشبهة، (قولك) واضح التعلق بين هذا القول وبين قوله (الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك)؛ لأن الالتجاء معناه عندهم الدعاء؛ دعاء الصالحين، طلب بركة الصالحين بسؤالهم، وطلب الشفاعة عندهم، الالتجاء إليهم بالذبح لهم مثل ما فسره هنا.فإذن قوله الالتجاء مساو لقوله (يدعون ذلك ويذبحون له ويقولون إنه يقربنا إلى الله زلفا ويدفع الله عنا ببركته ويعطينا ببركته) هذا هو الالتجاء إلى الصالحين، وهذا هو عين ما يُفعل عند الأصنام والأوثان والآلهة المختلفة.(ويقال له أيضا قولك الشرك عبادة الأصنام)، هذا تتمة لهذا الجواب (هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا) هذا تتمة لهذا الجواب لكنه في طائفة ثالثة؛ فيمن يقول الشرك مخصوص بعبادة الأصنام (هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا، وأن الاعتماد على الصّالحين ودعاءَهم لا يدخل في ذلك؟) فإذا قال: نعم الشرك مخصوص بعبادة الأصنام، (فهذا يردّه ما ذكره الله في كتابه من كُفْر من تعلق على الملائكة أو عيسى أو الصّالحين) وهذا قد قدمناه بوضوح في أن أنواع الشرك عند أهل الجاهلية متنوعة ليست نوعا واحدا، فمنها الأصنام وفيها أدلة في القرآن كثيرة، ومنها الأوثان المصورة الأنبياء الأولياء وما شابه ذلك، ومنها الاعتقاد في الأحجار والأشجار المصورة على صور الكواكب وأشباه ذلك.قال (فهذا يردّه ما ذكر الله في كتابه من كفر من تعلق على الملائكة أو عيسى أو الصّالحين، فلا بد أن يقِرَّ لك أن من أشرك في عبادة الله أحدًا من الصّالحين فهو الشرك المذكور في القرآن وهذا هو المطلوب.) يعني تقول لهذا الذي قال الشرك مخصوص بعبادة الأصنام هل عيسى عليه السلام أُشرك به أم لا؟ فإن قال: لا. فقل بل أُشرك به كما قال جل وعلا في القرآن ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾[المائدة:116]، وكذلك كقوله جل وعلا ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إلهاً﴾[التوبة:31] والآيات في هذا الباب كثيرة.فإذن قل هل عيسى عبد عليه السلام واتخذ إلها أم لا؟ • فإن قال: لا. بيّن له الآيات.• وإن قال: نعم. فهو المقصود أيضا.وعلى كل من الاحتمالين مع الجواب فإنه يردّ هذا تخصيصه الشرك بعبادة الأصنام، وهذه الكلمة الشرك عبادة الأصنام تراها في كثير من تفاسير المتأخرين، فقلّ أن ترى تفسيرا من تفاسير المتأخرين إلا وإذا ذُكر الشرك بالله في القرآن وعبادة غير الله فسروها بأنها عبادة الأصنام، والمفسرون الأولون كالإمام ابن جرير رحمه الله تعالى وكغيره من الأئمة يفسِّرون الشرك حيث ورد بعبادة غير الله بأنواع ما ورد، فيكثر أن يقول ابن جرير رحمه الله تعالى نهى الله عن الشرك به ودعوة غيره من الأصنام والأوثان والأنداد، ابن جرير يكثر من هذه الثلاثة الأصنام والأوثان والأنداد لأنها أنواع ما جاء في القرآن.قال (فلا بد أن يُقِرَّ لك أن من أشرك في عبادة الله أحدًا من الصّالحين فهو الشرك) فهو إذن يكون قوله: الشرك مخصوص بعبادة الأصنام. يكون غلطا فتقول له إذن (فلا بد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحدًا من الصّالحين فهو الشرك المذكور في القرآن وهذا هو المطلوب.)قال رحمه الله (وسِرّ المسألة أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله فقل له: وما الشرك بالله، فسره لي؟ فإن قال: هو عبادة الأصنام فقل وما معنى عبادة الأصنام فسرها لي: فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وحده، فقل: ما معنى عبادة الله وحده فسرها لي؟ فإن فسّرها بما بيّنه القرآن فهو المطلوب، وإن لم يعرفه فكيف يدَّعي شيئًا وهو لا يعرفه؟ وإن فسر ذلك بغير معناه، بيّنت له الآيات الواضحات) يبين لك الشيخ رحمه الله أن سِرّ إقامة الحجة وكشف الشبهة في هذه المسألة مبني على هذه المراتب التي ذكر.(سر المسألة) يعني سر مسألة جواب هذه الشبهة أن تقول (إذا قال: أنا لا أشرك بالله. فقل له: وما الشرك بالله؟) لكن أن تسأل ما هذا الذي نفيته؟ (إن قال: هو عبادة الأصنام. فقل: ما عبادة الأصنام؟)، (إن قال أنا لا أعبد إلا الله فقل ما عبادة الله وحده؟) فدائما تجعله جاهلا بمعنى تجره إلى ميدان الجهل حتى يقول: أنا جاهل، فإن قال: أنا جاهل. فتنتقل معه من الحجاج إلى التعليم.وإن فسرها هذا نوع ثاني من الناس إن فسرها بما في القرآن لكنه جهل أو اشتبه عليه دخول المعاصرين وعبادة غير الله في هذه الأزمنة بما جاء في القرآن، ففسرها بما في القرآن، فتقول هذا هو المطلوب فتبيِّن له وجه الشبه.إن فسر ذلك -هذه الحال الثالثة- بغير معناه، وهذه خاصة بأهل العلم ومن يُدلون بالشبه من المنتسبين إلى العلم وعلمهم غير نافع، إن فسر ذلك بغير معناه بينت له الآيات الواضحة في معنى الشرك بالله.إن فسر الشرك بغير معناه الصحيح تذكر له الآيات الواضحة في معنى الشرك، وأنّ الشرك يكون بأنواع كما جاء في القرآن وكما بينه الشيخ رحمه الله في كتاب التوحيد.بيّن له معنى عبادة الأوثان، فإذا بينت له ذلك يتضح (أنه الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرونها علينا ويصيحون فيه كما صاح إخوانهم حيث قالوا ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾[ص:5])قال رحمه الله بعد ذلك (فإن قال) هذا دخول في شبهة جديدة، (فإن قال) يعني نوع من موردي الشبه (إنهم لا يكفرون بدعاء الملائكة والأنبياء) هذا نوع من الناس يقول: لا كفرهم كان بشيء آخر ليس بالشرك بالله ولا بالتوجه بالصالحين ولا التوجه للأنبياء، هذه الأمور جائزة؛ لكن كفرهم كان بشيء آخر ما هذا الشيء؟ قال (وإنما يكفرون لما قالوا: الملائكة بنات الله، فإنّا لم نقل عبد القادر ابن الله ولا غيره) وهذه كثير ما يوردها الصوفية في أن الأولين كفروا باعتقادهم أن الملائكة بنات الله جل وعلا، وهذا الاعتقاد مبين في القرآن في سور كثيرة كسورة النحل وسورة الصافات وسورة الزخرف وغير ذلك من السور.قال (لم نقل عبد القادر) يعني الجيلاني وهو معظم ومؤلَّه في العراق وفي الباكستان والهند وفي غيرها أيضا إن قال أنا لم أعتقد في عبد القادر أنه ابن لله ولا في النبي  أنه ابن لله ولا في عيسى أنه ابن لله ولا في كذا أنه ابن لله ولا في البدوي أنه ابن لله ولا في علي رضي الله عنه أنه ابن لله إلى آخر ذلك، وهؤلاء إنما كفروا في أن الملائكة بنات الله؛ يعني اعتقاد البنوة، مثل ما قال البوصيري في قصيدته الميمية المعروفة قال: دَعْ ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت [مدحا] فيه واحتكمأو كما قال.وقال أيضا لو ناسبت قدْرَه.......... ...........................يعني النبي  لو ناسبت قدره آياته عظما أحيى اسمه حين يُدعى دارس الرممفيقول قل ما شئت في النبي  من وصفه بما شئت إلا في شيء واحد، وهو ألا تقول كما قالت النصارى في عيسى إنه ابن لله جل وعلا، ويفهمون هذا على الحديث الذي رواه البخاري وغيره في قوله عليه الصلاة والسلام «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، وإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» قالوا فمعنى الحديث أنه لا تبلغوا بي مبلغ النصارى في قولهم إن عيسى ابن الله وما هو غير ذلك فجائز لكم، هكذا يفهمونه، وهذه حجة طائفة كبيرة من غلاة الصوفية وأصحاب الطرق في قولهم: إنّ المحرم والشرك هو ادعاء البنوة، أما غير ذلك فليس من الشرك بالله كما قال:دع ما اعدته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكمأو كما قال.قال (فالجواب) هذا جواب هذه الشبهة (إن نسبة الولد إلى الله كفر مستقل) بيّن أن نسبة الولد إلى الله كفر لكنها ليست كل الكفر، فقال جل وعلا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ(2)لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4)﴾[الصمد]، (والأحد الذي لا نظير له) (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) أحد يعني لا نظير له في ذاته ولا نظير له في أسمائه ولا نظير له في صفاته جل وعلا، واحد في ألوهيته لا شريك له واحد في ربوبيته لا شريك له واحد في أسمائه وصفاته لا سمي له، فكما أنه لا شريك له في الربوبية.....( ) (المقصود في الحوائج) ودلت الآية على نوعين (فمن جحد هذا كفر ولو لم يجحد السورة) دلت الآية على نوعين النوع الأول هو من لم يجعل الله واحدا وجعله اثنين كاعتقاد طائفة من النصارى، أو اعتقده ثلاثة كاعتقاد طائفة أخرى من النصارى وغيرهم، فقوله جل وعلا (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ... لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) هذا فيه رد على من اعتقد البنوة، وقوله (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ) رد على أنه يُصمد في الحوائج إلى غيره.فإذن سورة الإخلاص دلت على كفر نوعين من الناس:• وهم من لم يجعل الله مختصا بالأحدية.• ومن لم يجعل الله مختصا بالصمدية، والصمد هو الذي يصمد إليه في الحوائج؛ يعني يقصد وحده كزن ما سواه.قال (فمن جحد هذا فقد كفر ولو لم يجحد السورة) هذا برهان على أن الشرك في القرآن ليس هو وأن المشركين -مشركي العرب وغيرهم- ليسوا معتقدين في البنوة وحدها بل معتقدين في البنوة ومعتقدين أيضا في الشريك مع الله جل وعلا في العبادة، وقال تعالى ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَّلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾[المؤمنون:91]، قال الشيخ رحمه الله (ففرق بين النوعين وجعل كلاًّ منهما كفرا مستقلا) وهذا استدلال واضح قوي؛ إذ قال جل وعلا (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَّلَدٍ) يعني قبل أن يخلق الخلق ولا بهد أن يخلق بعد أن خلق الخلق ولو اتخذ الرحمن ولدا لعبدنا ذلك الولد طاعة لله جل وعلا وامتثالا لأمره كما سبحانه في سورة الزخرف ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِينَ﴾[الزخرف:81]، على الصحيح في تفسيرها أنها على ظاهرها: أنا أول من يعبد هذا الولد لو اتخذه الرحمن امتثالا لأمر الله وطاعة له جل وعلا، والواقع أن هذا لا يكون ولا يمكن إذ الله جل وعلا ما اتخذ مما يخلق بنات ولم يتخذ سبحانه ولدا؛ لأنه لم يلد ولم يولد، ولو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء، بتنزهه سبحانه وتعالى عن الولادة بدأ وأصلا وفرعا.فإذن فقوله (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَّلَدٍ) هذا نفي للولادة ولاتخاذ الولد، قال (وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) وهذا نفي لنوع آخر، وكما هو مقرر في العربية والأصول أن واو العطف هذه تفيد التغاير -تغاير الذات وتغاير الصفات-.• فتغاير الذات كما تقول دخل محمد وخالد، فذات محمد غير ذات خالد.• وتغاير الصفات كما في قوله جل وعلا ﴿تِلْكَ آيَاتُ القُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾[النمل:1]، فهنا القرآن هو الكتاب؛ ولكن الواو هنا دلت على تغاير الصفة فهو كتاب وهو قرآن.فقوله جل وعلا هنا ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَّلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾[المؤمنون:91] كما قال الشيخ (فرّق بين النوعين) ودلت الواو على تغاير ذات الإله عن ذات الولد باعتبار اعتقاد المشركين وعلى تغاير صفة الإله عن صفة الولد وهذا هو الواقع في اعتقدهم، فإنهم إذا توجهوا للولد فإنهم إنما يتوجهون إلى الله كما يقول النصارى أب وابن وروح القدس إله واحد يجعلون الإله الواحد له ثلاثة أقانيم، أو كما يقول طائفة أخرى من النصارى إنه أب وابن فيجعلونه أقنومين فقط، فهذا توجه لشيء واحد باختلاف الأقانيم، وهذا داخل في الولادة حيث قال جل وعلا (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَّلَدٍ) الشيء الثاني (وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) فالآلهة في الواقع هذه مغايرة في الذات للولد ومغايرة في الصفات، لا يقال إن الولد متخذ إله؛ لأن قول العلماء "مغايرة في الذات" يصدق عليه اختلاف الجمع والمفرد والعام والخاص، فإذا عُطف عام على خاص فيعتبر عندهم تغاير في الذات.مثل ما قال جل وعلا ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾[البقرة:98]، فعطف جبريل وميكال على الملائكة وهذا تغاير في الذات، واضح؟ تغاير في ذوات؛ لأن الثاني بعض الأول فالعام إذا جاء بعده خاص يعتبر تغاير في الذوات.﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾( ) هذا تغاير في الصفات -لأني أشوف كثير منكم وأنا أتكلم يفكر في.... يعني ما فهم هذا-.المقصود أن استدلال الشيخ في محله حجة واضحة حيث قال (ففرّق بين النوعين وجعل كلا منهما كفرا مستقلا وقال تعالى ﴿وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ﴾) بعني مع خلقه لهم جعلوا له شركاء الجن (﴿وَخَرَقُوا لَهُ﴾ -وفي القراءة الأخرى ﴿وَخَرَقُوا لَهُ﴾- ﴿بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾[الأنعام:100] ففرَّق بين كفرين) فجعل الشرك بالجن هذا نوع، وجعل خرق البنين والبنات له سبحانه نوع آخر، قال (ففرق بين كفرين والدليل على هذا أيضا أن الذين كفروا بدعاء اللاتّ) إلى آخره.المقصود من هذه الأدلة أن قول القائل: ما كفرت العرب ولا النصارى ولا اليهود إلى آخره إلا باعتقاد البنوة. فهذا الكلام باطل وهذه الشبهة مردودة على أصحابها بالأدلة التي ذكرت.وتوسع الشيخ رحمه الله فقال (والدليل على هذا أيضا أن الذين كفروا بدعاء اللاتّ -مع كونه رجلا صالحا- لم يجعلوه ابنا لله والذين كفروا بالجن لم يجعلوهم كذلك، وكذلك أيضا العلماء في جميع المذاهب الأربعة يذكرون في باب حكم المرتد أن المسلم إذا زعم أن لله ولدا فهو مرتد ويفرقون بين النوعين، وهذا في غاية الوضوح) الأمة مجمعة والفقهاء والأئمة مجمعون على أن الردة ليست مخصوصة باعتقاد الولد لله جل وعلا، فدلّ هذا على بطلان هذه الشبهة، وهذا استدلال واضح بين والحمد لله وهذا كما قال الشيخ في آخره (وهذا في غاية الوضوح).نقف عند هذا، ونسأل الله جل وعلا أن يوفقني وإياكم إلى ما يحب ويرضى.وأكرر في أن الانتفاع فيما نذكر يعظُم عندما تعرف كتاب التوحيد وشرحه، وخاصة ما ذكرناه من الأدلة وأوجه الاستدلال في شرحي على كتاب التوحيد؛ لأن فهم كشف الشبهات مبني على فهم كتاب التوحيد؛ لأنك إذا قلت إيراد: ما معنى العبادة؟ ما معنى عبادة الأصنام؟ الشفاعة؟ كل هذه تفصيلها هناك وليس تفصيلها في هذا الكتاب.[الأسئلة]... أنا نبهت في أول الأمر إلى أن هذه الشبهة التي جاءت اليوم هي تكرير لما سبق لكن باعتبار مختلف؛ لأن المُورِد لهذه الشبهة عنده ما ليس عند المورد للأولى، الشيخ قد يكرر لهذا.... هذا الذي خلاّني أستطرد بعض الشيء، لما قلت المغايرة بين الذات والصفات شفت كثير من الإخوة حلقت عيونهم في السماء، الواو تقتضي في اللغة الجمع مطلق الجمع والمغايرة، وإذا قلنا مطلق الجمع فالمراد بلا ترتيب، بلا ترتيب في الزمان ولا في المكان ولا في الفضل، وتفيد أيضا المغايرة، والمغايرة تعني أنّ ما بعد الواو غير ما قبل الواو، وقد يكون ما بعد الواو يعني المعطوف والمعطوف عليه ما قبل الواو قد يكون هذا وهذا من الذوات.فإذن الثاني غير الأول مثل ما مثّلتُ لكم دخل محمد وخالد، (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ) كل شيء مختلف عن الثاني هذا تغاير في الذوات واضح؟.الثاني التغاير في الصفات.ذكرت لك أن التغاير في الذوات لا يسقط بأن يكون الأول بعض الثاني ولا أن يكون الثاني بعض الأول؛ يعني إذا جاء عام بعد خاص معطوف بالواو، فيصدق عليه أنه تغاير ذوات؛ لأن الذات الثانية أعظم وأكثر من الذات الأولى في عطف العام على الخاص، أو الأولى أكثر ذواتا من الثانية.فإذن تغاير في الذوات يعني هذا ليس هو هذا، من جهة الذات.والثاني تغاير في الصفات، والتغاير في الصفات يكون في المعاني مثل ما ذكرت لكم (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) الإيمان والعمل الصالح ليس ذاتا، وإنما هو معنى، أليس كذلك؟ الإيمان هل هو ذات تُرى؟ العمل الصالح ذات ترى؟ ليس عينا ولا ذاتا وإنما هو معنى، فإذن العطف بالواو بين المعاني يدل على تغاير الصفات، فيكون الأول غير الثاني من جهة الصفة، ولهذا نقول إنه إذا قيل (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) على تعريف أهل السنة للإيمان ودخول العمل في مسماه هذا يفهم من وجهين:الأول: أن العمل خاص بعد عام، فالإيمان عام والعمل خاص فحصل تغاير في الصفة من جهة الشمول.والثاني: أن الإيمان إذا قرن به العمل الصالح فيعنى بالإيمان التصديق الجازم بالأشياء والعمل الصالح هو العمل، فهذا يغاير ذاك في الحيثية.والثاني اختيار شيخ الإسلام بن تيمية (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدَّا﴾[مريم:96]، يعني بالإيمان الأصل اللغوي ومعناه وهو أيضا الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله إلى آخره؛ يعني ما هو قسيم للإسلام، الإسلام العمل الظاهر الإيمان الاعتقاد الباطن (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) تغاير في الصفة، إذْ الأول يدل على العمل الباطن والثاني يدل على العمل الظاهر مثل قوله جل وعلا ﴿تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾[الحجر:1]. بعض المعاصرين الجهلة قال: هذا يدل على أن القرآن غير الكتاب؛ لأن الواو تقتضي المغايرة فالقرآن شيء والكتاب شيء، والقرآن هو ما لا يقبل التغيير أما الكتاب فيقبل التغيير في مؤلف ألفه باطل معروف، هذا ناتج من الجهل باللغة.فقوله (تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ)، (تِلْكَ آيَاتُ القُرْآنِ وَكِتَابٌ مُبِينُ) في سورتين هذا يدل -العطف بالواو- على تغاير صفة الكتاب عن صفة القرآن، لا على تغاير القرآن عن الكتاب، والصفة التي حصل فيها التغاير أن القرآن فيه صفة القراءة، والكتاب فيه صفة الكتابة.فإذن هذا دليل على أنه مكتوب وأنه سيُقرأ حيث كان مكتوبا.وهذا البحث يُبحث في الأصول وأيضا في النحو وفي كتب حروف المعاني وبحث معروف ومهم؛ لأن فهم الاستدلال مبني عليه.س/ الآية في قوله جل وعلا ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَّلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾[المؤمنون:91] ما وجه المغايرة في الصفات؟ يسأل الأخ.ج/ الجواب: أن الإلهية غير صفة اتخاذ الولد وما كان معه من إله فالاتخاذ اتخاذ الولد شيء غير كون إله معه، فاتخاذ الولد من الله كما يقول أولئك اتخذ الله عيسى ولدا، أو اتخذ الله العزير ولدا.فإذن جعلوا عيسى ولدا ليس بدعواهم ولكن باتخاذ الله له، وأما وجود الإله (وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) فهذا وجود للإله الحق مع الله جل وعلا فمن هذه الجهة كان غير متخذ، فالأولى فيها الاتخاذ والثانية فيها وجود الإله، فهذا كفر وهذا كفر.نقف عند هذا وأسأل الله جل وعلا لي ولكم التوفيق والسداد وصلى الله وسلم على نبينا محمد[المتن][وإن قال: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[يونس:62]، فقل: هذا هو الحق لكن لا يعبدون ونحن لم نذكر إلا عبادتهم مع الله وشركهم معه وإلا فالواجب عليك حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهلُ البدع والضلال، ودين الله وسط بين الطرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين.]( )فإذا عرفت أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا هذا "كبيرُ الاعتقاد" هو الشرك الذي نزل فيه القرآن وقاتل رسول الله  الناس عليه، فاعلم أنَّ شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين: أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء، وأما في الشّدَّة فيخلصون لله الدين كما قال تعالى ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾[الإسراء:67]، وقوله ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾[الأنعام:40-41]، وقوله ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ للهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾[الزمر:8]، وقوله ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾[لقمان:32].فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه وهي أن المشركين الذي قاتلهم رسول الله يدعون الله تعالى ويدعون غيره في الرخاء، وأما في الضر والشدة فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له، وينسون ساداتهم، تبيّن له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، ولكن أين من يفهم قلبُه هذه المسألة فهمًا راسخًا؟! والله المستعان.[الشرح]بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.أما بعد:فأسأل الله جل وعلا لي ولك العلم النافع والعمل الصالح والقلب الخاشع، وأن يجعلنا ممن إذا علموا عملوا، وإذا عملوا سألوا الله جل وعلا الثبات والرشد والسداد، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، فلا حول لنا إلا بك.ذكر الإمام رحمه الله تعالى مسألة جديدة يوردها المشركون ويُلَقَّنُها من يلقنها من عوام المشركين ومن المتعلمين عندهم، وهذه المسألة هي مسألة كرامات الأولياء، فإن عبَّاد الأموات وعبَّاد غير الله جل وعلا في الأعصر المتأخرة يروِّجون كرامات الأولياء ليدلُّوا الناس بذلك على أن هذا الولي الذي صار له من الكرامات كذا وكذا أنه يستحق أن يُدعى وأن يستشفع به وأن يستنصر به وأن يستعاذ به وأن يتوكل عليه إلى آخر أنواع العبادة، فجعلوا حصول الكرامات ورؤية من رأى هذه الكرامات والإقرار بذلك، وأنَّ أهل السنة يقرون بكرامات الأولياء، جعلوا ذلك سُلَّما لدعوة الناس لعبادة غير الله جل وعلا، وهذه حجة كثير ما يرددها الخرافيون، فينبغي لأهل التوحيد وللدعاة إليه أن يقفوا عند هذه الشبهة كثيرا، وهذا الوقوف بيّنه الشيخ رحمه الله تعالى أتم بيان.فقال (وإن قال ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[يونس:62] فقل هذا هو الحق ولكن لا يُعبدون)؛ يعني أن قوله تعالى (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) رُتِّبَ آخره على أوله فجُعل الأولياء لهم كرامة، وهذه الكرامة هي أنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فالولي ولي الله جل وعلا الذي حقق الوَلاية بالإيمان التقوى لا خوف عليه ولا يحزن، وهذا ظاهر الآية ودلَّ ذلك على أن هؤلاء لهم منزلة خاصة عند أهل الإيمان؛ بل عند الله جل وعلا وهذه المنزلة إنما هي لأجل إيمانهم ولأجل تقواهم، ولهذا قال بعدها في وصف الأولياء ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(63)لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾[يونس:63-64]، ففي الآية التي ساقها الشيخ ذِكر الأولياء وذِكر أنهم لا خوف ولا هم يحزنون، وهذه يحتج بها كل من يعبد غير الله جل وعلا، ويحتجون بها على أن الوَلي له ما ليس لغيره، فماذا يصنع الموحد لجواب هذه الشبهة؟ قد ينساق إلى أن يقول إنَّ هذا الذي تقول إنه ولي ليس بولي أصلا، وهذا يجعل الموحِّد في زاوية ضيقة ويحرج نفسه كثيرا لأنه يخرج عن ميدان الحجة إلى ميدانٍ الحجة فيه متوهمة.فميدان الحجة أن الولي يَعبد ولا يُعبد، وهو من جهة غيرته يخطئ فيقول: هذا أصلا ليس بولي.فمثلا لو ناقش أحدا عن عبادة البدوي وما يحصل عند قبره من الاستغاثة بغير الله ومن النذور للبدوي ومن الاستعانة به ومن طلب كشفه للضر وأشباه ذلك، لو جاء وناقش من يقول هذا ولي والله جل وعلا يقول (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) قد يبتدئ بعض أهل التوحيد فيقول: من قال لك أن هذا ولي؟فتنصرف الحجة إلى مسألة يصعب معها الإثبات أو النفي، فيكون ذاك يستدل بما يورده أصحاب الكرامات أنه كان له كذا وكذا، ونذهب عن أصل المسألة وهي أنه لا يُعبد سواء كان وليا أو غير ولي إلى هل هو ولي أم لا؟وبعض الموحدين في بعض الأقطار الإسلامية يسلكون هذه الطريقة، وهي غلط وليست على طريقة أهل العلم وأئمة الدعوة رحمهم الله، وليس كذلك أيضا ما جاء في القرآن لتقرير التوحيد ومناقشة المشركين في آلهتهم، فإن الذي في القرآن أنَّ ألآلهة التي عُبدت أنها لا تستحق العبادة قال جل وعلا ﴿أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى(19)وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾[النجم:19-20] إلى آخره، بيَّن أنه لا تستحق العبادة، وكذلك فيما هو غير ذلك من عبادة من يُعبد، بين أنه لا يستحق العبادة، أما الكلام في ذاته وأحواله فهذا ليس من الدعوة الحقة؛ بل يترك هذا لأن الغرض هو تقرير التوحيد.فإذا قال لك هذا ولي من أولياء الله. فلو كان عندك ليس بولي بل نقل عنه العلماء ونقلت عنه التراجم أنه كان ينرك الصلاة أنه كان يقول كلمات كفرية أو لم يكن صالحا أو كان كافرا أو إلى آخره، فلا تذهب إلى هذا؛ لأن مصير هذا الرجل عند الله جل وعلا، ولكن إذهب إلى الحق المطلق وهو أن الولي يَعبد ولا يُعبد، وأن الكرامات التي أعطيها الولي له وليست لغيره، وهذا هو الذي بينه الإمام رحمه الله تعالى هنا فقال (فقل هذا هو الحق)؛ يعني أن الأولياء لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (ولكن لا يُعبدون)؛ يعني أن الأولياء في الآية أنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وأنهم الذين آمنوا وكانوا يتقون وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لم يذكر أنهم يعبدون؛ بل في آيات أخر بين أن من اتخذ وليا من دون الله فقد ضلّ وخسر خسرانا مبينا كما قال جل وعلا ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا ﴾[الرعد:16]، وكقوله جل وعلا ﴿وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾[النساء:119]، يعني أنّ المردّ ليس إلى كونه وليا أو غير ولي، المردّ أن العبادة لله جل وعلا، قال سبحانه (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) فهذه الآية قد تنفع أهل التوحيد في الاحتجاج على أهل الشرك في أن الله جل وعلا ذكر أن الأولياء لا يتخذون من دونه، (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) يعني فيكون من دونه يعني من دونه في العبادة أولياء فجعلتهم الأولياء معبودين، وهذا وإن كان ليس هو من تفسيرها الصحيح؛ ولكنها حجة في رد الاحتجاج بلفظ الأولياء على العبادة، وإلا فمن المعلوم أن قوله تعالى (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) لا يقصد به فلان الولي إنما يقصد به الوَلاية يعني النصرة والمودة وأشباه ذلك؛ لكن هذه الآية وأشباهها في القرآن يُحتج بها على إبطال التعلق بلفظ الأولياء، والشيخ رحمه الله هنا قال (فقل هذا هو الحق؛ ولكن لا يُعبدون) لأن الآية دلت على أن هؤلاء الأولياء لهم الكرامة لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكن ليس في الآية أنهم يُعبدون ولا أنهم يستغاث بهم ولا أنهم يُدعون من دون الله جل وعلا.قال بعد ذلك (ونحن لم نذكر إلا عبادتهم مع الله وشركهم معه جل وعلا) يعني أننا لم نتكلم معك بأن هذا ليس بولي وليس بصالح وليس له كرامات؛ بل له كرامات وهو ولي وهو كذا وكذا؛ لكن ليس معبودا مع الله جل وعلا، ونحن لم نناقشك في شأنه؛ بل شأنه وكرامته حصلت له والأمر غيبي فهو عند الله جل وعلا ولا يُدرى بماذا خُتِم له؛ لكن إن كان مات على الولاية فهو عند الله جل وعلا له مقام الأولياء، ونحن لم نتكلم معك في شأن ولايته هل هو ولي أو ليس بولي، إنما الكلام في أنه هل يستحق أن يُعبد هل هو يشرك به مع الله في هذه الأفعال أم لا؟ فهذا يجعل الموحد مُنصفا ويجعله صاحب برهان جيد وواضح ويجعله أيضا حاذقا بأن لا يجرُّه الخصم إلى ميدان معركة يصرفه فيها عن الحق.مثل مرة أتاني بعض الإخوة وقال: هناك رجل من بعض البلاد الأفريقية يريد أن يبحث بعض الأمور وأنا ذكرت له أن يأتيك، جاءني وذكرت له بعض المسائل في التوحيد وتعريف التوحيد والعبادة وكلام أهل العلم في الشرك إلى آخره بكلام مطوّل. فقال: الذي كرَّه الذين يدعون إلى التوحيد في بلادنا -كره الناس فيهم- هو أنهم ينشرون في الناس أن هؤلاء الذين يتعلَّقون بهم أنهم ليسوا بصالحين وليسوا بأولياء؛ بل هؤلاء الأموات منهم المشرك ومنهم الكافر ومنهم الذي كان يفعل كذا ويفعل كذا ويفعل الموبقات، فينشرون أشياء عنهم لا يمكن أن نقبل حمية لهم ولهؤلاء الأولياء لا يمكن أن يتكلم أحد فيهم، فأخذتنا الحمية لهم عن سماع ما عند هؤلاء من الكلام في التوحيد.وهذه في الحقيقة أفادت كثيرا مع أنها واضحة في كشف الشبهات؛ لكن أفادت من حيث التطبيق فإن الذي ينبغي على طالب العلم أن يكون صبورا في دعوته، وأن لا يستجره الخصوم إلى ميدان ليس هو ميدان الدعوة؛ بل يركِّز على الأصل الذي دعا الناس إليه، وأما الكلام على فلان وهل هذا كان وليا أو ليس بولي صالح أو ليس بصالح ليس الكلام في هذا.أولياء الله جل وعلا عندنا لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولهم الكرامات؛ لكن الكلام في أنه هل يجعل الولي معبودا مع الله؟ هل يستغاث بالولي؟ هل يذبح للولي؟ وإلا فلا شك أن الولي له المقام عند الله جل وعلا إذا خُتم له بخير.وهذا يجعل الموحد يحتج بحجة واضحة ولا ينساق بعاطفته إلى إثبات شيء أو إبطاله لا صلة له بمحض الحق أو ربما يكون هذا متأخرا من حيث الاحتجاج.قال (فقل هذا هو الحق ولكن لا يعبدون ونحن لم نذكر إلا عبادتهم مع الله وشركهم معه) وهنا من قال كيف أُشرك بهم هل عبدوا لم يعبدوا؟ ترجع إلى المسائل التي مرت في الدرس الماضي بتفصيلاتها.قال (وإلاّ فالواجب عليك حبهم واتباعهم والإقرار بكراماتهم) الواجب علينا جميعا حب أولياء الله جل وعلا إجمالا وتفصيلا فيمن علمنا أنه من أهل الإيمان والتقوى واتباعهم على ما هم عليه من العمل؛ ولأنهم لم يكونوا أولياء إلا باتباع محمد عليه الصلاة والسلام، ولهذا نتبعهم فيما به صاروا أولياء، فنحب نبينا عليه الصلاة والسلام ونتبع سنته ونحكِّم ما جاء فيها على مرادات القلب وعلى الظاهر وعلى المقامات وعلى الأحوال التي تعرض، والإقرار بكراماتهم يعني الواجب أن نقر بكرامات الأولياء؛ لأنه لا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال.وذكرنا لك في الكلام على الواسطية معنى كرامات الأولياء، ومن هو الولي، وما شروط الولاية، ومذهب أهل السنة في كرامات الأولياء، والمذاهب في ذلك، فيراجع في ذلك الموضع.فقول الشيخ رحمه الله (ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال) يعني بهم الخوارج والمعتزلة فإنه الذين ينكرون كرامات الأولياء كما سبق.قال (ودين الله وسط بين الطرفين) هذا بعامة دين الله وسط بين الغالي والجافي، الإسلام وسط ما بين غلو النصارى وما بين جفاء اليهود، وأهل السنة وسط ما بين الفرق بين الخوارج والمرجئة وما بين المجسمة والمعطلة وما بين الطوائف المختلفة في هذا الباب في الإيمان وفي أسماء الله جل وعلا وصفاته، وفي الأسماء والأحكام وفي الصحابة وفي أمهات المؤمنين وفي الفتن إلى آخره، وأهل السنة أيضا وسط؛ لأن دين الله جل وعلا وسط، قال (وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين).أشار بذلك إلى أن مسألة الأولياء منهم من غلا فيها فجعل الولي ينازع الله في الألوهية أو له نصيب من الألوهية كقول غلاة الصوفية والباطنية وطوائف جعلوا الولي له شيء من خصائص الألوهية بل جعلوا الولي يفوض إليه شيء من الربوبية والعياذ بالله فهذا في الجهة الغالية.والجهة الجافية كالخوارج والمعتزلة الذين أنكروا كرامات الأولياء، وذكرنا لكم أنهم أنكروا كرامات الأولياء حتى لا تشتبه حجج الأنبياء والآيات والبراهين والمعجزات التي يعطيها الأنبياء بكرامات الأولياء فنحن أعني أهل السنة يقرون بأن الأولياء لهم كرامات، وأنهم مكرمون عند الله وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة كما أخبر الله جل وعلا بذلك عنهم؛ لكن لا نغلوا في ذلك ونجعل لهم صفات ليست في البشر ولا نجفوا عنهم وننكر كراماتهم؛ بل نحن وسط بين الجافين والغالين، فهم يَعبدون ولا يُعبدون ويُرزقون ولا يَرزقون، ويدعونه جل وعلا رغبا ورهبا وكانوا له جل وعلا خاشعين، ويدعون الناس إلى محبته جل وعلا وإلى توحيده وإلى نصرته.كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن نفسه أنّ أصحابه وقعوا مرة في دمشق ومرة في خارجها في شدة فظهر لهم الشيطان في صورة شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: أتَحتاجون شيئا فأنصركم؟ فمنهم من طلب منه فلما ذكروا ذلك لشيخ الإسلام، ظن بعضهم أنه في دمشق أنه جاءهم فقال لا أنا لم أبرح مكاني وهذا الشيطان عرض لكم ليوقعكم في الشرك.وإذا تأملت في سيرة الأولياء الصالحين من الصحابة فمن بعدهم ومن أهل البيت وجدتهم جميعا ينكرون الشرك بالله جل وعلا، ويأمرون أتباعهم بالإخلاص -إخلاص الدين لله- واتباع السنة وعدم مخالفة الكتاب والسنة والرغب فيما عند الله وحده وألا يُعَظَّم البشر كتعظيم الله جل وعلا التعظيم الذي لا يجوز إلا له إلى آخر ذلك.فمن جمع كلام الأولياء في التوحيد وجاء أنهم أقاموا الحجة على من اقتدى بهم أو من اتبعهم، ومعلوم أن الفِرَق الصوفية والطرق المختلفة بَنَتْ كلُّ طريقة على أقوال شيخ لها اعتقدوه وليا فأخذوا كلامه.فيناسب الموحِّد في البلد الذي يكون فيها طائفة من الطوائف الصوفية أو الطريقة أن يجمع كلمات هذا في مؤلَّف وينشرها بينهم لتكون حجة بين من أخذ بطريقة هذا الشيخ.فمثلا في البلاد التي فيها عبد القادر الجيلاني عبد القادر له كتب قيمة الغنية وغيرها والفتوحات كتب فيها التوحيد وفيها الأمر بعبادة الله وحده، فلو استخرجت لكان فيها حجة على أقوامهم.شيخ الإسلام ابن تيمية هو الذي لفت النظر إلى هذه الطريقة حيث كتب الرسالة السنية المعروفة المسماة بالوصية الكبرى لأتباع عدي بن مسافر، وعدي بن مسافر يغلو أصحابه فيه وطائفته يقال لهم العدوية في الشام، وكذلك نقل عن أحمد الرفاعي كلمات في الأمر بالسنة والنهي عن البدع والنهي عن الشرك، فيَحسن أن تكون طريقة الداعية في البلد أن يجمع كلام هؤلاء الأولياء -إذا كانوا بحق أولياء- ويقول للناس هذا كلام الأولياء في التوحيد، فهذا فيه حجة في هذه المسألة ويعطي الحقيقة المخالف أننا نحب أولياء الله بعامة، وأننا نتولاهم ولا ترد كلّ ما يقولون، وإنما نرد ما خالفوا فيه الحق فقط.قال (فإذا عرفت أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد والشرك الذي أنزل فيه القرآن وقاتل رسول الله  عليه) قوله (الذي يسميه المشركون في زماننا هذا الاعتقاد) أو (الاعتقاد الكبير) أو (كبير الاعتقاد) يعني اعتقاد الناس في الأولياء وما لهم من الكرامات، لأنّ الاعتقاد قسمان عند الضلال عند الخرافيين:الاعتقاد العام وهو الاعتقاد في الله جل وعلا العقيدة المعروفة كل على حسب مذهبه، الأشعري على أشعريته، والماتريدي على ماتريديته، بحسب البلد الذي هو فيه.وهناك شيء يتّفقون عليه وهو الاعتقاد الكبير أو كبير الاعتقاد وهو الاعتقاد في الموتى وفي تصرّف أرواحهم، وأن أرواحهم لها من التصرف والجولان في الملكوت ما يمكنها أن تسمع نداء من يناديها، أو أن تجيب طلب من يطلب منها وأنّ لها التصرف في الكون وأنها تطلب من الله وأن الله جل وعلا لا يردّ لها طلبا إلى آخره، ويُدخلون هذا في الحديث عن الأولياء؛ بل يجعلون كرامات الأولياء منشأ هذا الاعتقاد، فيذكرون الكرامات ثم يبعثون هذا الاعتقاد.وكان هذا موجود في نجد وهناك كتب أو رسائل مؤلفة في هذا في ذلك الزمان.قال (فإذا عرفت هذا الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد أو كبير الاعتقاد هو الشرك الذي أنزل فيه القرآن وقاتل رسول الله  عليه فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين).الأول: التفريق ما بين حال المشركين في هذا الزمان وفي زمان العرب الأول؛ لأن أولئك لا يُشركون إلا في السّراء، وأما إذا جاءت الشدة والكرب يعلمون أنه لا منجِيَ إلا الله، ويخافون أن يفوت الوقت عليهم باتخاذ الواسطة، فيقولون هذا متى يصل إليك ومتى يرفع وهل سيرفع الآن أم لا يرفع الآن( ) حاجاتهم فيجعلون التشفع في وقت السعة والإخلاص في وقت الضيق كما أخبر الله جل وعلا عنهم بقوله ﴿[وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ]( ) فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾[لقمان.32]، آية لقمان، والآية الأخرى في العنكبوت ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾[العنكبوت:65]، وقال جل وعلا أيضا في الآيات التي ساقها الشيخ (﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾[الإسراء:67]) وهذه المسألة مُبَيَّنة على التفصيل في شرحنا للقواعد الأربع هذه هي القاعدة الرابعة الأخيرة في القواعد الأربع.أهل هذا الزمان من المشركين عندهم أن الإشراك يكون في السراء والضراء على السواء؛ بل ربما عظم الرغب في وقت في وقت الضُّر فكانوا مثلا يعتقدون حتى في الكتب، مثل ما ذُكر مثلا في بعض التراجم أن أهلا بلد سموها كانوا لا يرحلون في البحر إلا وقد وضعوا نسخة من كتاب الشفاء للقاضي عياض المغربي المعروف في السفينة فهو إذن ليس اعتقادا في شخص ولكن هو في كتاب لما اشتمل عليه الكتاب من حقوق النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، وهذه تراجع في شرح القواعد الأربع.قال في آخرها (ولكن أين من يفهم قلبُه هذه المسألة فهْمًا راسخًا؟! والله المستعان.) صحيح فإن كثيرين ممن عارضوا الدعوة استغربوا من الشيخ أن يقول شرك هؤلاء أعظم من شرك الأولين، قالوا: ما اكتفيت أن جعلتنا مساووين لأهل الجاهلية في الشرك حتى تجعل شرك أهل الإسلام أعظم من شرك أهل الجاهلية، فقال (أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهما راسخا)، وفي قول الشيخ (أين من يفهم قلبُه) فيه إشارة للمذهب الحق وهو أن الفهم والإدراك وأشباه ذلك مردُّها إلى القلب، وليس إذا الذهن أو المخ أو العقل أو أشباه ذلك ولكن العقل إدراكه من جهة القلب كقول النبي  «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» والقلب ليس محط الإدراك لأنه مضغة؛ ولكن لأنه المكان الذي فيه أصل انتشار الروح في البدن تعلق الروح بالبدن، ومعلوم أن الإدراكات تبع للروح، فالروح هي المدركة ووسيلة الإدراك الآلات التي في البدن، فكما أن اليد وسيلة تناول الشيء والمحرك الروح، وكذلك المحرك الروح للسان والكلام الطيب أو بالكلام الخبيث المحرك الروح في التصرفات، والبدن أعضاؤه هذه وسائل لتنفيذ ما قام في النفس، لهذا المدرك في الحقيقة ليس هو البدن إنما المدرك الروح، والبدن وسيلة، البدن آلات، العينان آلة، واللسان آلة، والشم آلة، والمخ والدماغ آلة، والقلب آلة إلى آخره آلة لتحصيل المعارف للروح فهذه المسألة طويلة معروفة، قال الشيخ رحمه الله هنا (ولكن أين من يفهم قلبُه هذه المسألة فهمًا راسخًا؟!)، لاشك أن من فهم هذه المسألة فهما راسخا علِم أن هذا الذي قاله الشيخ حق وأن شرك هذا الزمان أعظم من شرك الأولين لمن أين من يفهمه.  [المتن]والأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أُناسًا مقرّبين عند الله: إما أنبياء، وإما أولياء، وإما ملائكة، أو يدعون أشجارًا وأحجارًا مطيعة لله ليست عاصية، وأهل زماننا يدعون مع الله أناسًا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنى والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك، والذي يعتقد في الصّالح والذي لا يعصي مثل الخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يُشاهد فسقه وفساده ويشهد به.[الشرح] هذه المسألة لأهل التوحيد، وليست للجواب على أهل الشبهات؛ بل هذه ليفهمها أهل التوحيد فهما راسخا، وهي أن الأولين يدعون مع الله أناسا مقرّبين عند الله، أو يدعون أشياء مطيعة لله جل وعلا، إما يدعون أنبياء مثل ما كان يدعى موسى ويدعى عيسى وتدعى أنبياء بني إسرائيل ويدعى إبراهيم عليه السلام أو أولياء من الصالحين كاللات وكغيره وإما ملائكة، ويدعون أشجارا أو أحجارا مطيعة لله ليست بعاصية، يدعون أشياء مسبحة لله مطيعة لن تخرج عن توحيده وطاعته، وأما أهل الزمان هذا فيدعون مع الله أناسا من أفسق الناس، فمثلا قوله (من أفسق) الناس، قد يكون من جهة أنه قد عرف في حياته الفسق والفجور بدعواه أنه سقطت عنه التكاليف، أو بكونه كان مجنونا وكان يفعل الأشياء لجنونه يفعل أشياء من الفسق والمنكرات والكبائر لجنونه، أو لكونه محادا معاندا فاسقا فاجرا أو كافرا في نفس الأمر، هذا نوع.والنوع الثاني قد يدعون أشياء في محلاَّت يكون الدعاء منصبّ على نصراني، أو يكون الدعاء منصب على حيوان، أو يكون الدعاء منصب على يهودي أو نحو ذلك، وهذه المسائل تختلف باختلاف التحقيق فيها؛ يعني أن يقال هذا الذي يدعى ليس بصالح؛ بل هو نقل عنه أنه قال لأتباعه كذا وكذا، ذكر عن نفسه أنه سقطت عنه التكاليف، كان يعاشر المردان أو النساء فيفعل كذا وكذا من الفواحش، كان يشرب الخمر، كان لا يصلي كان يسرق كان يحتال إلى آخر ذلك، وهؤلاء لاشك أنهم ليسوا بأولياء وليسوا بصالحين؛ بل هم فسقة فجار وقد يكونون كفارا.صنف من هؤلاء يدعى ويسأل، وهذا عند التحقيق إذا جمعت الكلام وجدت هذا الكلام صحيحا.المعاندون أو الخرافيون ينقسمون تجاه هذا الكلام إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول من يقول هذا الذي تقولونه عنه ليس بصحيح أصلا، الذي ينقل عن عبد الوهاب الشعراني أنه قال كذا وكذا وكذا، يقولون هذا مدسوس على كتبه ليس من كتبه أصلا.والصنف الثاني من المتأولين من يقول هذا الكلام لأهله فيه تأويل فإن اصطلاحات الصوفية تختلف عن اصطلاحات غيرهم فقد يقولون العبارات التي فيها كفر وليسوا يعنون ظاهرها، إنما يعنون معاني باطنة أخرى يفهمها القوم، مثل ما نقل عن ابن عربي أنه كذا وكذا أراد مقاصد طيبة؛ ولكن فهم كلامه على ظاهره، وهو لم يرد الظاهر ومثل ما ينقل عن التلمساني وابن سبعين وأشباه هؤلاء.والطائفة الثالثة من تقول هؤلاء سقطت عنهم التكاليف أصلا، والتكليف يُراد منه أن يصفو الباطن ويَفْنَى عن شهود سواه ويفنى عن شهود غير الله جل وعلا، فإذا وصل إلى هذه المرتبة فلم ير إلا الله جل وعلا ولم يتجه إلا إلى الله جل وعلا فإن التكاليف والصلاة وتحريم الفواحش إنما هي لإصلاح نفسه، ونفسه قد بلغت المرتبة العليا فليس لإصلاحها مجال، وهذا قول الغلاة منهم، فيقول لا بأس لو فعل هذه الأفعال هو أصلا وصل وسقطت عنه التكاليف.وهؤلاء الطوائف الثلاثة موجود حتى في المؤلفات من يتجه إلى فئة من هذه الفئات الثلاث.هناك من المدفونين من الموتى من يتجه إليه على أن المدفون فلان الولي ويكون المدفون غيره، مثل ما ذكر شيخ الإسلام عن قبر الحسين بن علي رضي الله عنه في القاهرة، فقد حقق والعلماء كذلك حققوا والمؤرخون أنه لم يصل القاهرة، وإنما سيق من العراق إلى دمشق إلى يزيد بن معاوية رحمه الله تعالى ودفن هناك، والآن تجد قبر للحسين في العراق ومشهد عظيم، وفي الشام، وفي القاهرة. قال إن المدفون في القاهرة رجل يهودي في المكان هذا، وقالت طائفة المدفون حيوان أصلا في هذا المكان.فإذن هم اعتقدوا في شيء؛ اعتقدوا في يهود، اعتقدوا في حيوانات، وهذا الصنف لم يكن يحوم حوله ذهن أهل الجاهلية أصلا ولهذا صار هؤلاء أعظم وأقبح.هناك عمود كان في دمشق يُذهب إليه بالحيوانات، أو لأنواع من الحيوانات مثل البقر أو الجاموس أو الأغنام أو الإبل أو أشباه ذلك التي لم تلد؛ يعني طالت ولادتها أو صار فيها مرض أو أشباه ذلك فيطوقونها على هذا العمود فتلقي ما في بطنها فورا، فيظنون أن هذا من بركة ما تحت العمود، ويقولون هذا العمود كان يتعبد عنده رجل صالح، وشيخ الإسلام رحمه الله بيّن قال: هذا العمود دفن تحته رجل نصراني وساق الأدلة على ذلك، والحيوانات تسمع تعذيب النصراني في قبره، فلذلك إذا سمعت العذاب لن تتحمل فتسقط ما في بطنها؛ لأنه قد جاء في الحديث أنه إذا تولى عنه أهله طرق بمطرقة يسمعها من يليه إلا الثقلان، فالجن والإنس لا يسمعون العذاب لأنهم مكلفون لو سمعوا لهلكوا ولرعبوا ولما استقامت لهم الحياة أم الحيوانات فربما وصلها من ذلك شيء وربما سمعت، فكان تعلقهم ليس بولي وليس بنبي، وإنما بمكان تحته رجل نصراني وأشباه ذلك.وهذه الأشياء لم يكن عليها شرك الأولين فالأولون لم يجعلوا يعني ما اتخذوا لعمرو بن لحي المشرك -الذي هو أول من سيب السوائب وساق الآلهة- ما اتخذوا له قبرا يعبدونه إلى آخر أصناف علمائهم المشركين لكن أهل الأزمنة المتأخرة اعتقدوا في أنواع من الناس من فسقة هذه الأمة أو ممن ارتد أو من النصارى أو من اليهود.لهذا قال الشيخ رحمه الله تعالى هنا (والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور) -وفي النسخة التي عندي (هم الذين يُحِلُّون لهم الفجور) - (يحكون عنهم الفجور) هذا الذي أعرفه (يحكون عنهم الفجور من الزنى والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك) والذي يعتقد في الصالح أو الذي لا يعصي مثل الخشب أو الحجر أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده، لاشك يراه يزني ويعتقد أنه ولي من أولياء الله، يراه لا يصلي ويعتقد أنه من أولياء الله هذا لاشك أنه ضلال ما وراءه ضلال، ويسأله ويدعوه ويراه أنه يستشفع به لاشك أن هذا أعظم وأبشع مما يذكر عن أهل الجاهلية.نقف عند هذا لأن التي بعدها يدخل فيها شبهة جديدة.والمطلوب من كل طالب علم بعد معرفته لدلائل التوحيد والحجج أن يُمَرِّنَ نفسه على جواب الشبه بعد إحكام الأصل، الإخوة الذين لم يحكموا كتاب التوحيد ولم يحكموا ثلاثة الأصول ودخلوا في كشف الشبهات مباشرة أو ما ضبطوا تلك الكتب، فلا يَحسن أن يجيبوا عن الشبه إلا بعد أن يحكموا الأصول؛ لأن هذه فرع عن تلك، من أحكم تلك يدرب نفسه على جواب هذه الشبه على طريقة الشيخ رحمه الله، يتأنى ويكون حليما يعرف موقع الاحتجاج، يعرف كيف يجرّ المخالف إلى الحجة الصحيحة، يعرف كيف يخلي القلب قلب -قلب المخالف-؛ من الحجة ثم يبتدئ يعطيه الحق إلى آخر ذلك فتحتاج إلى دُربة والملاحظ أن كثيرين يرغبون ورغبهم محمود لله جل وعلا ولكن يكون جوابهم للشبهات ليس على أصوله فيوقعون المجادل في شبهة جديدة؛ بل قد يقتنع أن ما عليه حق؛ لأن هذا ما استطاع أن يجيب بجواب جيد.فالواجب على طالب العلم أن يكون متأنيا في جواب الشبهات، حاذقا، يعرف كيف يسوق المجادل أو يسوق الخصم إلى ميدان الحجة دون أن يلزمه شيء وفي كشف الشبهات.......... أهل لشرك فيقيده حتى نجمعه في الآخر يكون كالمقدمة و الخاتمة لهذا الكتاب، ذكرنا أنا أذكر ذكرنا أربع أو خمس فيما مضى، وهذه الآن واحدة جديدة لعل أحدكم تنهض همته فيجمع هذه الأصول الهامة في كيفية المناقشة يعني كيف يجمع الموحد نفسيته ليواجه الخصوم.نكتفي بهذا القدر فيه بعض الأسئلة؟[الأسئلة]س1/ ذكرت في الدرس السابق في تفسير قوله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِينَ﴾[الزخرف:81]، بأن العبادة تكون للولد إرضاء لله تعالى، فبهذا التفسير يكون حجة للنصارى؟ج/ هذا ظاهر الآية يحتجون أو لا يحتجون هذا ظاهر الآية، (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِينَ) يعني لو كان للرحمن ولد فأنا سأعبده إرضاء له لأنه هو الذي أمرنا بعبادته، وهذا هو تفسير الجمهور.والتفسير الثاني للآية أن معنى (العَابِدِينَ) الرافضين فإن كان للرحمن ولد فأنا أول من يرفض هذه العبادة، وهذا التفسير ساقه ابن جرير وابن كثير عن طائفة من المفسرين؛ لكن قالوا هذا الوجه ضعيف لأن هذه اللغة لا يحمل عليها الكلام وإن كانت موجودة في لغة العرب؛ لكن لا يحمل بمخالفتها لتفسير جمهور الصحابة فمن بعدهم.بالعكس فقد يكون هذا حجة على النصارى (إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِينَ) هل له ولد؟ لا، القرآن كله فيه نفي أن يكون لله سبحانه وتعالى ولد ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَّلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾[المؤمنون:91]....﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(40)بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾[الأنعام:40-40]، صححوها (قُلْ أَرَأَيْتَكُم) طيب الآية الثانية يصححها الأخ جزاه الله خيرا ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ﴾[الرعد:16].س2/ ذُكر في الأربعين النووية أن العقل في القلب، وقد أشكلت عليّ، ما هي ولو باختصار؟ج/ العقل إدراك ليس جرما، العقل إدراك، عَقَل الشيء أي أحاط به فأدركه، هذا العقل من الذي يعقل؟ الذي يعقل إيش البدن أو الروح؟ الذي يعقل الروح والبدن وسيلة، وسيلة لتحصيل معارف الروح مثل ما ذكرنا، الروح منتشرة في البدن، أصلها مركزها -هي منتشرة-؛ لكن مركزها والله أعلم بكيفية ذلك مركز الادراكات في الموقع الذي فيه القلب، ولهذا قال «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله» والأصوليون يبحثون هذا ويفيضون فيه هل العقل أم في القلب، والصحيح أنه في القلب ما هو موافق لظاهر الآيات هكذا.س3/ كلهم يسألون نفس المسألة: هل يُفهم أن الروح في القلب؟ج/ لا، الروح ليست في القلب، الروح على هيئة البدن ، الروح منتشرة مثل البدن بمعنى لو فصلت الروح على البدن فصارت نفس الصورة؛ لكنها صورة غير جثمانية؛ لأن الميت يُرى في المنام، يرى الرائي النبي  في المنام فقال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي» ومعلوم أن رؤية النبي  في المنام على صورته التي كان عليها رؤية لروحه؛ لأن بدنه مدفون عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، رؤية النبي  للأنبياء في السماء رأى موسى ورأى آدم ورأى عيسى، رأى إيش؟ رأى أرواحهم، لهذا صورة الإنسان الجثمانية في البدنية، وغير لجثمانية في الروح، الروح منتشرة لها أيضا موقع أصل مثل ما يكون القلب هو الأصل بالنسبة للبدن؛ يعني من حيث ضخ الدم وحركة البدن، كذلك من جهة الادراكات ومن جهة تعلقات الأشياء بالروح فموقعها في هذا الأصل.هذا ظاهر ما دلت عليه النصوص ويجمع على هذا النحو، وليس هذا من الخوض في الروح المنهي عنه في قوله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾[الإسراء:85]؛ لأن البحث في الروح الذي يكون نتيجة للتفقه في الكتب والسنة هذا مطلوب؛ ولكن إذا كان عن ظن وعن عقل وتجارب وأشباه ذلك بلا برهان شرعي فهذا هو المذموم.س4/ هل يكون المقصود من الكلام الثاني خاص لأهل التوحيد؟ج/ نعم، أنا ذكرت أن الثاني أن منهم أنهم يعبدون ويدعون أو أن منهم من لا يصلي ومنهم من يأمر بالفسق ويُحكى عنه الزنى وشرب الخمر إلى آخره هذه لإيقان الموحد لكن لا تدخل معه في النقاش، تقول هذه الأشياء جادلك فيهم، وهيهات كيف تثبت، لا سبيل إلى الإثبات يعني لكل مجادل.س5/ لو قام دعاة للتوحيد وقالوا لعباد القبور نحن نوافقكم أن هؤلاء أولياء، فإنه يكون هناك تناقض بين الدعاة الذين قالوا أنهم ليسوا بأولياء فيشك المدعوون في هذه الدعوة؟ج/ الداعي لابد أن يكون حكيما قد يكون المناسب أن يسكت يكون ليس الكلام فيها، إذا كانوا أولياء ومقامهم عند الله تعلقها بالشرط إذا كان يرى مصلحة، وإذا كان هذا المدفون وليا من أولياء الله يقر بذلك، إذا قال الحسين بن علي قال نعم أهل البيت الذين لم يعرف عنهم شيء من الفسق إلى آخره فيقول نعم هم أولياء، لا مانع من هذا، ولو صار فيه تعارض بينه وبين غيره، والحق أحق أن يتبع.س6/ سؤال لم أفهم المقصود منه لكن أقول:كتب أهل العلم الراسخين أليس فيها بركة ويؤجر حاملها ويتوسل مقتنيها بطلبه لعلمها الشرعي؛ لأن ذلك مما يتقرب به إلى الله بذلك؟ج/ الجواب نعم لا شك، كتب أهل لعلم الراسخين فيها بركة، ويؤجر حاملها بنية طلب العلم، ويتوسل مقتنيها بطلبه لعلمها الشرعي، هذا ما لها علاقة بوجود الكتاب في السفينة، أو وجود الكتاب في السيارة، فجعل الكتاب في السيارة توسلا به هذا من التبرك الباطل، حتى المصحف ما يجعل يتخذ تميمة على الصحيح مثل ما ذكرنا لا يجوز، فاتخاذ كتاب آخر تميمة يرجو نفعه ويرجو دفع الضر هذا من الشرك، نوع من أنواع اتخاذ التمائم، التوسل بطلب العلم بعملك أنت للكتاب هذا شرك.س7/ أستشيرك في حضور هذا الدرس، وهو أني لم أسمع شرح كتاب التوحيد والقواعد الأربع، فهل أستمر؟ج/ الذي ينبغي أن لا تستمر، فتنظر تحضر درس آخر أو دروس أخر ويكون فيها بداية لطالب العلم، بداية صحيحة.س8/ ذُكر في كتاب نُزُل الأبرار أن الحامل إذا اشتد عليها الحمل يوضع على بطنها موطأ الإمام مالك فيخف بإذن الله وهو مجرب.ج/ يمكن الشافعية يقولون تحط مسند الشافعي، هذا المالكية قالوا تحط موطأ الإمام مالك، والشافعية يقولوا تحط مسند الشافعي، هذا يقال مجرب ولا أثر لذلك، قد يتفق أنه حصل مرة حصل مرتين بإذن الله فوافق هذا؛ لكن لا يجوز الاعتقاد في الكتب هذا الاعتقاد أن فيها بركة وتتخذ تمائم.س9/ الكلام على الشهداء مر علينا، يقول: الذين يطوفون حول أضرحة وقبور الشهداء ويقول الله يقول ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾[آل عمران:169]؟ج/ ذكرنا في أول شرح كشف الشبهات الجواب عن حال الشهداء بالتفصيل؛ لكن من أقوى الحجج اختصارا أن شهداء أحد الذين نزلت فيهم هذه الآية من آل عمران أجمع المسلمون في حياة النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ وهو بينهم وكذلك أجمع الصحابة في حضرة الخلفاء، وأجمع من بعدهم إلى انتهاء القرون المفضلة الثلاث، أجمعوا على أنهم لا يؤتى الشهداء في قبورهم ليسألوا، وإنما يأتي من مر عليها دون قصد أو شد رحل فيسلِّم عليهم السلام المعتاد، فهذا الإجماع قطعي والإجماع حجة وقد قال جل وعلا ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾[النساء:115].س10/ هل يجوز أن نقول فلان من الناس ولي جازما وهو رجل معروف بالفضل؟ج/ ترجو أن يكون وليا، وعموما هدي السلف ليس فيه أنه يقل هذا ولي وهذا ولي، يرجون أن يكون فلانا وليا، وتطالع هدي الصحابة والتراجم الصحابة والتابعين لا تجد هذه الأسماء هذا ولي وهذا ولي، إنما يذكرون فضله وصلاحه ليقتدي الناس به، أما منزلته فهي عند الله جل وعلا.س11/ بعض الناس يشتبه يقول تقسيم التوحيد المعروف لدينا لم يكن على أصل الرسول  بل كان الرسول  يأمر من أراد الإسلام بالشهادتين ولا يقسم التوحيد المعروف عند الناس؟ج/ لو كان الناس كألئك ما احتجنا إلى تقسيم التوحيد، إنما لما فشى الجهل في الناس احتاج أن تقول له خرج محمد ومحمد فاعل، أما عند الصحابة تقول خرج محمد فعل وفاعل إيش هذا، يضحكون عليك إيش هذا؟ فحين وقع الناس في الجهل احتجنا إلى التفصيل، وإلا من المعلوم أن من قال أشهد أن لا إله إلا الله فهو مقر بأنواع التوحيد الثلاثة، تكفي لأنها متضمنة لتوحيد الربوبية مطابقة في توحيد الإلهية ومستلزمة لتوحيد الأسماء والصفات، أو تقول أيضا متضمنة لتوحيد الأسماء والصفات، فهذه ظاهرة من كلمة لا إله إلا الله.فإذا فشى الجهل في لناس فلا بأس أن يفصل لهم من العلم ما هو ثابت في الكتاب والسنة بتقسيمات ليتّضح المرادمثل: ما عند الصحابة شروط الصلاة كذا، أركان الصلاة كذا، وواجباتها كذا، كل هذه العلوم تقسيمات لأجل حاجة في الناس.س12/ ما صحة الحديث الذي يحتج به على دعاء غير الله «إذا كنت في أرض فلاة فقل يا عباد الله احبسوا»؟ج/ هذا الحديث رُوِي من أهل العلم من حسنه، وعلى القول بتحسينه فلا حرج يعني لا إشكال فيه؛ لأن قول الذي ضل الطريق يا عباد الله احبسوا يقصد به الملك الذي معه، لا يقصد به الجن أو يقصد به مخاطبة من لا يقدر أو ما أشبه ذلك، وهذا على القول بصحته وقد استعمله بعض العلماء، فدُلُّوا على الطريق ، فليس في الحديث مناداة الغائبين الذي يحتج به أهل الشرك، وإنما هو قول (يا عباد الله احبسوا) تتمة الحديث «فإن له جل وعلا عبدا حاضرا سيحبسه» والظاهر عند أهل العلم أن المراد بالعبد الحاضر هو الملك الذي يسدده لأن الإنسان معه الملائكة كم قال سبحانه ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾[الرعد:11]، يعني يحفظونه بأمر الله.س13/ ما معنى قول بعض السلف أن معنى (الصَّمَد) هو الذي لا جوف له. ما معنى ذلك وكيف نوفق بينه وبين المعاني الأخرى؟ج/ الصمد فسرت بتفسيرات مثل ما ذكرنا لكم آنفا أو فيما سبق:الصمد الذي يصمد إليه عند الحوائج وهذا أكثر التفاسير على هذا عند السلف.والصمد أيضا في اللغة يقال فلان صمد إذا كملت خصال سؤدده وصفات فضله، كمال الصفات والخصال المحمودة يقال فلان صمد، يقال لسيد القبيلة التي كملت صفاته هذا صمد؛ يعني بلغ في الصفات البشرية عندهم الغاية؛ في الكرم كذا، وفي التواضع كذا وفي الحنكة كذا وفي الحكمة كذا وفي الرأي إلى آخره.وفُسرت أيضا الصمد بأن الصمد هو الذي لا جوف له؛ يعني الإنسان والمخلوق لذي تراه هذه لها جوف ولها أحشاء ولها أشياء في داخلها فالصمد هو الذي لا جوف له هذا يخرج مشابهة المخلوقات، فلا يُظن أن اتصاف الله جل وعلا باليد أن ذلك عن طريق تجويف، أو اتصاف الله جل وعلا بالقدم أن ذلك عن طريق تجويف أو اتصاف الله جل وعلا بالعينين أن ذلك عن طريق تجويف إلى آخره، فهو سبحانه وتعالى صمد قد كَمُل سبحانه في أسمائه وصفاته.س14/ ما معنى الأقانيم؟ج/ الأقانيم هذه عند النصارى، التي ذكرناها عندكم في الدرس الماضي، الأقانيم النصارى يعجزون عن أن يفسرونها بتفسير صحيح، مثل الكسب عند الأشاعرة يعجزون عن تفسيرها تفسيرا صحيحا، ومعناه القريب.معنى الأقنوم الصورة أو إحدى الصور للأصل؛ يعني أن الشيء إذا كان له ثلاث جهات يعني أشبه ما تقول يعني شيء له بعد ثلاثي، إذا أتيت من هنا قلت هذا هو، وإذا أتيت من هنا قلت هذا هو وإذا أتيت من الجهة الثالثة قلت هذا هو.فعندهم أن الله جل وعلا ثلاثة أقانيم إله واحد آب يعني أب وابن وروح القدس هذا عند الكاثوليكيين؛ أب وابن وروح القدس يشكلون جميعا ثلاث صور لشيء واحد وهو الله.لهذا يقولون بعدها إله واحد وهذا كّرهم الله جل وعلا بهذا فقال ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾[المائدة:73]، ونعلم أن قول (ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) من حيث اللغة يعني أنه منها وليس خارجا عنها، ففي اللغة أن الشيء إذا كان من جنس عدده أُدخل فيه، وإذا لم يكن من جنسه أخرج منه، تقول مثلا كنت ثالث ثلاثة، كنت رابع أربعة، كنت خامس خمسة إذا كانوا من الإنسان، الله جل وعلا قال ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾[المجادلة:7]، لاحظ هنا قال (ثلاثة رابعهم) لأن الله مباين لهم أما إذا كان المعدود من جنس المعدود عليه من جنس المعدود فيدخل في العدد، مثل ما قال جل وعلا في سورة المائدة (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ)، فهم قالوا إن الله ثالث ثلاثة يعني داخل في العدد؛ الآب الذي هو الله والابن وروح القدس شيء واحد كلها إلهية لم تأخذ صفة الناسوتية، فلهذا يكون ثالث ثلاثة بحسب تعبيرهم فهو دخل في التثليث، نسأل الله العافية.س15/ ما حكم الأبيات التي في نهج البردة، وهل يجوز للموحدين حفظها؟ج/لا، يجوز لأحد يحفظ الأبيات الشركية؛ إلا لأهل العلم الذين يحتاجون إذا حفظوها أن يردوا على الخصوم، أما لسائر الناس أو لعامة طلبة العلم؛ لأن هذا شرك والشرك لا يحث عليه ولا يخاطب المرء بتوحيده فيه، فالأصل السلامة إلا عند الحاجة فيؤخذ الشيء بقدره.نكتفي بهذا وصلى لله وسلم وبارك على نبينا محمد.[المتن]إذا تحقَّقتَ أن الذين قاتلهم رسول الله  أصحّ عقولاً وأخف شركًا من هؤلاء، فاعلم أن لهؤلاء شُبْهة يوردونها على ما ذكرنا وهي من أعظم شبههم فأصغ سمعك لجوابها وهي: أنهم يقولون إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله ويكذّبون الرسول  وينكرون البعث ويكذّبون القرآن ويجعلونه سحرًا، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ونصدق القرآن ونؤمن بالبعث ونصلي ونصوم فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟ فالجواب: أن لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدّق رسول الله  في شيء وكذّبه في شيء أنه كافر لم يدخل في الإسلام، وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضَه، كمن أقرّ بالتّوحيد وجحد وجوب الصلاة أو أقرّ بالتوحيد والصّلاة وجحد وجوب الزكاة أو أقرّ بهذا كله وجحد الصوم، أو أقرّ بهذا كله وجحد الحج، ولما لم يَنْقَدْ أناس في زمن النبي  للحج أنزل الله في حقهم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾[آل عمران:97]. ومن أقرّ بهذا كلِّه وجحد البعث كفر بالإجماع وحلّ دمه وماله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً(150) أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا للكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾[النساء:150-151].فإذا كان الله قد صرح في كتابه أن من آمن ببعض وكفر ببعض فهو الكافر حقًا زالت هذه الشبهة وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الأحساء في كتابه الذي أرسله إلينا. ( )[ويقال أيضًا: إذا كنت تقرّ أن من صدّق الرسول  في كل شيء وجحد وجوب الصّلاة فهو كافر حلال الدم والمال بالإجماع، وكذلك إذا أقرّ بكل شيء إلا البعث، وكذلك لو جحد وجوب صوم رمضان وصدَّق بذلك كله وهنا لا تختلف المذاهب فيه وقد نطق به القرآن كما قدمنا.فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي  وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج. فكيف إذا جحد الإنسان شيئًا من هذه الأمور؟ كفر ولو عمل بكل ما جاء به الرسول ، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر؟! سبحان الله ما أعجب هذا الجهل!][الشرح]بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.اللهم نسألك علما نافعا وعملا صالحا وقلبا خاشعا ودعاء مسموعا، ربنا لا تكلنا لأنفسنا في ديننا وفي دنيانا طرفة عين.اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، نسألك أن تجعلنا ممن إذا أُعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر.أما بعد:فهذه شبهة جديدة ذكرها إمام الدعوة رحمه الله تعالى مما يورده الخصوم، وهذه الشبهة شبهة العلماء لأنّ الذي يوردها من أهل العلم، فإن لشبه التي ذكرنا فيم سبق وإن جوابها الذي ذكره الشيخ أقرّ بحسنه جمع كثير من أهل العلم في الأمصار كما قال إمام الدعوة رحمه الله تعالى: وقد عرضت ما عندي على علماء الأمصار فوافقوني في التوحيد وخالفوني في التكفير والقتال. يعني وافقوه في معنى العبادة وفي معنى التوحيد وفي معنى الشرك بالله جل وعلا؛ لكن خالفوا بأن عبّاد القبور وعبّاد الأضرحة والأوثان والأشجار والأحجار إلى آخره خالفوا في أن هؤلاء مشركون تقام عليهم الحجة فإن استجابوا وإلا قوتلوا.خالفوا لشبهة وهي أن هؤلاء ليسوا كالأولين؛ لأن الأولين الذين بعث إليهم رسول الله  وبعثت إليهم الأنبياء هؤلاء يقرون بأنهم اتخذوا آلهة مع الله جل وعلا ولم ينقادوا للرسل؛ بل قالوا: إن هناك آلهة مع الله، كما قال سبحانه مخبرا عن ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ(35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلهَِتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾[الصافات:35-36]، وكقول الله جل وعلا ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ(5) وَانْطَلَقَ المَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾[ص:5-6]، وكقوله جل وعلا في سورة هود ﴿إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾[هود:54]، إلى آخر الآيات في هذا الباب التي فيها اعتقاد أولئك بأن هناك آلهة مع الله جل وعلا.قال طائفة من الناس من المنتسبين للعلم: إن المشركين من هذه لأمة من عباد القبور هؤلاء وقعوا في الشرك، نعم؛ ولكن هذا الشرك ليس كفرا منهم لأنهم يشهدون أن لا إله إلا الله، فإذا سألتَ الواحد منهم هل هناك إله مع الله؟ قال: لا. فحين يَفعل يفعل الشيء بعدم اعتقاد أنه تأليه لغير الله جل وعلا فخالف صنيع أولئك المتقدمين الذين اعتقدوا بإلهين؛ بل اعتقدوا بآلهة مع الله جل جلاله كذلك قالوا هؤلاء إن وقعوا في هذه الأشياء فهي كفر عملي لا يُخرج من الملة ككفر من قاتل مسلما، وكفر من أتى حائضا، وكفر من أتى امرأة في دبرها، وكفر كذا وكذا مما جاء في النصوص تسميته كفرا وليس بالكفر الأكبر؛ بل هو كفر أصغر وأشباه ذلك.وقالوا أيضا إن هؤلاء الذين من هذه الأمة فعلوا تلك الشركيات هؤلاء لا يكذِّبون الرسول  ولا ينكرون البعث ولا يكذبون القرآن ويجعلونه سحرا، ولا ولا يقولون بإنكار الزكاة والصلاة أو بعد تحريم الخمر أو بعد تحريم الزنى كفعل المشركين في الزمن الأول؛ بل هم مقرون بكل هذه التفاصيل لكنهم فعلوا ما فعلوا، فهذا يعني أنه لا يُخرجهم من الملة وليسوا بمشركين الشرك الأكبر.وإذا تقرر هذا فإن هذه الشبهة كما ذكر الإمام رحمه الله تعالى وما عرضه من شبه القوم قال (فاعلم أن لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا وهي من أعظم شبههم فأصغ سمعك لجوابها) ففي هذه الجملة ذكر أنّ هذه الشبهة يوردونها على ما ذكر الإمام؛ يعني ما ذكره في المحاجة ورد الشبه في التوحيد، في معنى التوحيد، ومعنى الشرك، ومعنى عبادة غير الله، ومعنى الالتجاء؛ إلى الالتجاء إلى لصالحين والالتجاء إلى الصالحين شرك أم لا؟ ومعنى التوسل وأشباه ذلك وتفاصيله مما ذكر من أول الرسالة إلى هذا الموضع.فإذا تبين ذلك قال (لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا) يعني من كل جواب الشبه السالفة فإن محصل الشبه السالفة أن يقال أنت محق في هذا الجواب، وأن هذا لذي يفعل شرك، وأن الالتجاء إلى الصالحين شرك، وأما طلب الشفاعة من الأموات شرك، إلى آخر ذلك وأن صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله شرك، وأنت محق وأن هؤلاء لذين أدلوا بالشبه في استحسان الأفعال مبطلون، وما ذكرته صواب بأن هذه الأشياء شرك؛ لكن هذه الأشياء شرك ولكنها لا تخرج من الملة من صنعها من فعلها، وهذا هو جواب هذه الشبهة فيما يأتي من كلام الإمام رحمه لله تعالى.قال الشيخ رحمه الله (وهي من أعظم شبههم) لم صارت من عظم الشبه؟ لأنها كما ذكرت شبهة العلماء التي يذكرونها ويروجون به على العامة، فكثيرون من الذين ردوا على الشيخ نقلوا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكلام ابن القيم وقالوا أنت محق في ما تقول؛ لكن كون هؤلاء يكفرون الكفر الأكبر هذا ليس بصحيح؛ بل هؤلاء على كفر أصغر، هؤلاء على شرك أصغر وليسوا بمشركين الشرك الأكبر.هذا تقرير الشبهة على حسب ما يوردونها وهذه الشبهة أجاب عنها الإمام رحمه الله تعالى هنا إجابة مختصرة، وفي ردود أئمة الدعوة ابتداء من الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتابه إفادة المستفيد في كفر ترك التوحيد، وكتب تلامذته وأبنائه وتلاميذهم إلى هذا الزمن ما يُبين رد هذه الشبهة.فإن هذه الشبهة من أعظم الشبه فتفصيل رد هذه الشبهة في ردود أئمة الدعوة المختلفة من وقت الشيخ محمد رحمه الله إلى زماننا هذا فيها تفصيل الرد على هذه الشبهة، ولا يتسع المقام لإيراد كل ما ذكروه؛ لكن نذكر تقرير ما ذكره لإمام رحمه الله وهو أصل هذه الردود وبه كفاية.قال (وهي: أنهم يقولون: إنّ الذين نزل فيهم القرآن) يعني من المشركين (لا يشهدون أن لا إله إلا الله ويكذّبون الرسول  ويُنكرون البعث ويكذّبون القرآن ويَجعلونه سحرًا، ونحن) يعني نفارق أولئك (ونحن نشهد أنّ لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ونصدق القرآن ونؤمن بالبعث ونصلي ونصوم فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟) وهذه لاشك إذا أوتي إليها من ناحية عاطفية فإنها تروج، وأن الناظر نظرا عاطفيا مجردا عن الحجة والبرهان قد يروج عليه ذلك، فيقول هؤلاء مصلون ويصومون، وقد يكون بعضهم في جبهته أثر السجود، وبعضهم يصوم يوما ويفطر يوما، وبعضهم تصدق بكل ماله، وبعضهم مجاهد في سبيل الله وحارب الكفار، وفعل ما فعل من أنواع الجهاد وبعضهم كذا وكذا، فيسرد جملة الأعمال الصالحة التي عملهاـذ، فيقول كيف تجعله كأبي جهل؟ كيف تجعله مثل أبي لهب؟ كيف تجعله مثل فلان وفلان؟ كيف تجعله مثل المشركين؟وهذه حجة عاطفية ومعلوم أن الديانة قامت على البرهان، والبرهان العاطفي أو القضية العاطفية ليست برهانا باتفاق العقلاء؛ لأن العاطفة لها مدخل أو للهوى مدخل عليها، والبراهين خارجة عن مقتضى الهوى.البرهان يقام بالحجة المتفق على الاحتجاج بها شرعية سمعية أو عقلية في كلام العقلاء وكلام النظّار من جميع الفرق؛ يعني في كون الحجة تمضي والحجة العاطفية ليست بحجة؛ لأنها ناشئة عن رغبة وهوى.فلذلك نقول: هذه الشبهة ينبغي أن يتخلص صاحبها أولا من العاطفة، والعاطفة لا مدخل لها في الدين؛ لأنها ليست أحد الأدلة، وإنما الأدلة على المسائل التي يُحْتَجُّ بها في هذه الشريعة الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح والعقل الصريح وأقوال الصحابة إلى آخر الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها؛ يعني أن الحجج في الشريعة ليست فيها الحجة العاطفية؛ كيف نجعل هذا مثل هذا؟ هذا أمره عظيم، هذا فيه كذا وكذا فكيف يجعل على شبه بأولئك.فقال الشيخ رحمه الله مبديا حجة علمية وإبطالا لهذه الإيرادات العاطفية قال (فالجواب: أنّه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدّق رسول الله  في شيء وكذّبه في شيء أنه كافر لم يدخل في الإسلام) وهذا حكاية للإجماع وهذا القدر من الحجة صحيح كما أورده الإمام رحمه الله تعالى في أنّ الإجماع انعقد باتفاق الأئمة الأربعة وأتباعهم، وكذلك غيرهم في أنه من أراد الدخول في الإسلام، فقال: أنا أدخل مصدِّقا بأشياء ومكذبا في أشياء أنه لا يدخل في الإسلام وإن قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن ومحمدا رسول الله فإن تصديقه ببعض الأشياء في الدين وتكذيبه ببعض آخر لا يدخله في الإسلام أصلا وهذا من جهة أنه أول ما يدخل في الإسلام كذلك من دخل في الإسلام فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم كذب ببعض القرآن ولو بحرف واحد متفق عليه فإنه لا يدخل في الملة ويخرج منها بتكذيبه؛ لأن العلماء نصوا على أن من أنواع الردة أن يكون مكذبا أو شاكا أو جاحدا فمن كذب بشيء؛ ولو بحرف واحد من القرآن متفق عليه فإنه كافر ولا تنفعه صلاته ولا صيامه بالاتفاق؛ قال (وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه) آمن ببعض القرآن يعني من حيث الألفاظ، وجحد بعضه يعني من المتفق عليه، ولم يؤمن به لو قال هذا ليس من القرآن والأمة متفقة على أن هذا اللفظ الذي جحده من القرآن يعني لفظا فإنه يكون كافرا بالاتفاق بالإجماع، وكذلك من آمن ببعض أحكام القرآن المتفق عليها وجحد بعض أحكام القرآن المتفق على معناها؛ يعني التي دلالتها قطعية فإنه يكون أيضا كافرا خارجا من الدين باتفاق العلماء وبالإجماع، حتى من أورد هذه الشبهة فإنه لا ينكر هذا الإجماع.مثّل لهذا بقوله (كمن أقرّ بالتّوحيد وجحد وجوب الصلاة) من أقرّ بالتوحيد موحد مؤمن بأنه لا إله إلا الله وبأنّ محمدا رسول الله، وكثير الزكاة والصدقات، ويصوم فرضا ونفلا، ويحج بيت الله جل وعلا كل سنة؛ لكن قال: هذه الصلاة ليست بواجبة إما مطلقا أو ليست بواجبة عليه، فإن هذا يعد كفرا بالإجماع لأنه جحد معلوما من الدين بالضرورة، وبالإجماع لا يشفع له توحيده، وبالإجماع لا يشفع له كثرة زكاته وصدقاته، وبالإجماع لا يشفع له صومه الفرض والنفل، وبالإجماع لا يشفع له التزامه بقية أحكام الشريعة؛ لأنه جحد وجوب الصلاة إما مطلقا أو عليه.فإذا كان كذلك صارت هذه القاعدة التي أوردوها أو هذه الشبهة منتقِضة بالإجماع إذْ إنهم قالوا كيف تجعلون من جحد الرسالة من المشركين ومن لم يؤمن بالله إله واحدا ومن كذّب الرسول كيف تجعلونه من كذب بالبعث يعني لم يؤمن بالبعث كيف تجعلونه كالذي يصلي ويصوم ويفعل ويفعل من هذه الأفعال والأعمال الصالحة؟ ونقول بالإجماع هذه منتقضة بالصلاة، وكذلك منتقضة بالزكاة بالاجماع، فإنه لو كان مصليا كثير الصلاة وجحد وجوب الزكاة إما مطلقا -يعني على الناس جميعا-، وإما عليه بخاصة ولم يلتزم، فإنه يكون كافرا بالاتفاق.فإذن يدل على أن الإيراد العاطفي الذي أوردوه ليس بواردٍ شرعا باتفاق أهل العلم.قال (أو أقرّ بالتوحيد والصلاة وجحد وجوب الزكاة، أو أقرّ بهذا كله وجحد الصوم، أو أقرّ بهذا كله وجحد الحج) العلماء من كل مذهب من المذاهب الأربعة المتبوعة مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى جميعا، وكذلك غيرهم من المذاهب المهجورة كمذهب سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق ابن راهوية وابن جرير وجماعات أهل العلم وكذلك مذهب الظاهرية الذي ألف فيه ابن حزم وقبله داوود الظاهري متفقون على أنّ المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يخرج من الإسلام بقول أو فعل أو اعتقاد أو شك، فذكروا أن المكفرات بالاتفاق أربعة تُخرج الموحد من الدين وهي: القول والفعل والاعتقاد والشك.وذلك لأنهم اتفقوا على أنّ من قال قولا يناقض الشهادة أو يناقض أصل توحيده أو يناقض أمرا معلوما من الدين بالضرورة فإنه يخرج من الدين، وكذلك إذا عمل عملا أو اعتقد اعتقادا يعني مكفرا يعني شركا؛ اعتقد في الله بأنه جسك كالأجسام أو اعتقد في الله صفة قبيحة، أو شك في أمر من الأمور فإنه يكفر لو كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.إذن الأئمة متفقون على أن المسلم الذي يعمل بأركان الإسلام ويعمل بفروعه قد يكفر بعمل أو قول أو اتقاد أو شك.فإذن هذه الشبهة التي أوردوها مخالفة أيضًا لإجماع علماء الذين ألفوا في هذا الباب، وفي كل مذهب تجد بابا خاصا بهذا وهو باب حكم المرتد، وهو الذي يكفر بعد إسلامه.وفي الحقيقة قولنا عن هؤلاء -يعني عباد القبور- الذين نشأوا على ذلك أنهم مرتدون، أصعب من أن نقول إنهم كفار أصليون، ولهذا ذهب جمع من علماء الدعوة بل الأكثر منهم ومن غيرهم أنّ هؤلاء الذين لم يعرفوا التوحيد أصلا ونشأوا عليه وشبوا عليه وكانوا مشركين بالله جل وعلا ولم يعرفوا الإسلام الصحيح أنهم لم يدخلوا في الدين أصلا حتى يقال إن أحكام المرتد تجري عليهم؛ بل هم كفار أصليون ومعلوم أن الكافر الأصلي في أحكامه أخص من أحكام المرتد لأن لهم في ذلك تفاصيل معلومة في بابها.نقول: وهنا الإجماع إذن منعقد على هذا، ومن احتج بهذا القول من أتباع مذهب مالك أو الشافعي أو أبي حنيفة أو الإمام أحمد يقال لهم ما قاله علماؤهم في كتب مذاهبهم، فإنه سيقف.ولهذا يناسب أن يقوم الدعاة إلى الله جل وعلا في كل بلد فيه أنواع الشرك بالله بالمقبورين والمدفونين والأولياء وغيرهم أن يوردوا الأدلة والأقوال من أقوال علماء مذهبهم، ويجمعونها وينشرونها في الناس؛ لأن في هذا إقامة للحجة عليهم؛ ولأن في هذا أيضا إبعادا للشبهة التي أوردها هذا المورد؛ لأنه قد يتخيل بعض من لم يحقق من طلبة العلم أو بعض العوام أن هذا القول إنما جاء به الوهابية، وليس عليه علماء المذاهب، فإذا جمعت هذه الأقوال ونشرت في البلد؛ البلد الذي يشيع فيه مذهب الإمام مالك ينقل فيه كلام المالكية، والمالكية لهم توسع في هذا أيضا، والحنفية أيضا أكثر منهم، والشافعية والحنابلة في باب التكفير أقل؛ يعني فيما يحصل به الكفر، فيُنقل من كتبهم ما به يكون رد هذه الشبهة، حتى لا يتوهم أن هذه الشبهة تفرّد به الوهابية كما يزعمون.والدعوة السلفية بعامة في كل بلد إنما عمدتها الكتاب والسنة وإجماع هذه الأمة؛ إجماع علمائها وما كان عليه سلفنا الصالح وما عقده أئمة أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح وأتباع الأثر، هذه عمدتهم في أي بلد، فالوسيلة التي يقررون بها الحجة ويُضعفون بها الشبهة ينبغي لهم أن يسلكوها؛ لأن الحق أحق أن يُتَّبع.قال رحمه الله بعد ذلك (ولما لم يَنْقَدْ أُنَاسٌ في زمن النبي  للحج أنزل الله في حقهم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾[آل عمران:97])، قوله (ولما لم يَنْقَدْ أناس) عبر رحمه الله بانقياد الذي معناه الالتزام، وإلا فإن عدم الحج مع الانقياد للحكم -يعني مع اعتقاد وجوبه على المخاطب به- ليس بكفر، وإنما يكفر من جحده أو من لم يلتزم به -يعني قال لا يجب علي وإنما يجب على غيره-، من لم ينقد للحكم؛ قال: هم واجب على الناس واجب على غيري وأنا لا يجب علي الحج. فهذا غير ملتزم به، كحال الرجل الذي نكح امرأة أبيه بعد نزول قول الله جل وعلا ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾[النساء:22]،لم يلتزم بالحكم، لم ينقد له، فقال: أنا غير مخاطب بذلك. ولم يلتزم به ولم ينقد له فصار كافرا.خلاف من لو التزم وانقاد يعني قال: أننا ملتزم، وهذا حرام علي. لكن فعله فهذا له حكم أمثاله من أهل الكبائر.فقول الشيخ رحمه الله (ولما لم ينقد) هذا تعبير دقيق. ولهذا قرأتم في شروط لا إله إلا الله وتعلمتم أنّ من شروطها الانقياد، فالانقياد معناه الالتزام، التزام بما دلت عليه ولو لم يفعل؛ لكنه يلتزم أن يقول: هذا واجب وأنا مخاطب به وهذا محرم وأنا مخاطب بذلك بتحريم كذا، لكنه لم يفعل، فله حكم أمثاله من أهل الكبائر؛ لكن إن قال هذا غير واجب عليّ، أنا ممن ارتفعت عنه التكاليف هذا يجب على الناس، وأما أنا فلا يجب علي هذا يحرم على الناس أما أنا فلا يحرم علي، فيعتقد أنه واجب في نفسه هذا الأمر محرم في نفسه يعني محرم؛ لكن يقول أنا لا ألتزمه لأني غير مخاطب به، كفعل طوائف من هذه الأمة فهؤلاء لم ينقادوا للحكم الشرعي.فالشيخ عبر بالانقياد وهو تعبير علمي له دلالته في الأحكام الفقهية وفي التوحيد.قال (ولما لم يَنْقَدْ أناس في زمن النبي  للحج أنزل الله في حقهم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾[آل عمران:97]) قوله (عَلَى النَّاسِ) هذا من ألفاظ الوجوب عند الأصوليين (لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ) عليك كذا وأشباه هذا، فإن ألفظ الوجوب عندهم كثيرة متعددة، ومنها كلمة (عليك) وعلى وأشباه ذلك ولله على الناس يعني يجب عليهم (حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ) بهذا الحكم ولم ينقد له (فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).بعد ذلك قال الإمام رحمه الله (ومن أقرّ بهذا كلِّه وجحد البعث كفر بالإجماع) ما رأيكم فيمن قال: أنا موحد أقول لا إله إلا الله محمد رسول، لا أعبد إلا الله مقر لله بالواحدنية في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، ومقرّ للنبي  وشاهد له بالرسالة وبأنه خاتَم المرسلين، وأصلي وازكي وأصوم وأحج؛ لكن مسألة البعث هذه فيها نظر عندي والأقرب أنْ لا بعث بعد الموت. ولو كان من أتقى الناس في تلك الأمور؛ لكنه قال: أنا أتعبد لله وأصلي وأصوم هذا طاعة لله جل وعلا؛ لكن لا بعث فإنه بالإجماع كافر ويحل دمه وماله لإجماع المسلمين لذلك (كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً(150) أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا للكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾[النساء:150-151]) فهذه الآية دلت على أن من فرّق بين حكم وحكم فجحد حكما وقبل حكما فإنه يكون كافرا لقوله تعالى (أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا).قال رحمه الله (فإذا كان الله قد صرّح في كتابه أن من آمن ببعض وكفر ببعض فهو الكافر حقًا زالت هذه الشبهة) لأن الذي أنكر عبادة الذي قال إن عبادة غير الله جل وعلا ليست شركا أكبر وإنما هي شكر أصغر فإنه لم يؤمن بقول الله جل وعلا ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾[المائدة:72]، وبقول الله جل وعلا في سورة الحج ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾[الحج:31]، ونحو ذلك من الآيات الكثيرة في هذا الباب فآمن بأن المشرك بدعاء غير الله مشرك؛ لكنه ليس بالمشرك الشرك الأكبر الذي يستحق معه النار، فإن هذا لاشك جحْد أو عدم إيمان ببعض ما أنزل الله جل وعلا.هذا من حيث التأصيل العام.ومن حيث التفصيل قال رحمه الله بعد ذلك (ويقال أيضًا) يعني تفصيلا للجملة السالفة، (إذا كنت تقرّ أن من صدّق الرسول  في كل شيء وجَحَدَ وجوب الصّلاة فهو كافر حلال الدم والمال بالإجماع) يعني بعد أن تقوم عليه الحجة (وكذلك إذا أقرّ بكل شيء إلا البعث، وكذلك لو جحد وجوب صوم رمضان وصدَّق بذلك كله وهنا لا تختلف المذاهب فيه وقد نطق به القرآن كما قدمنا) يعني إذا كنت تقر هذا؛ يعني ما أوردناه من الإجماع وأن المذاهب متفقة على هذا، وأن من أنكر البعث فهو كافر حلال الدم والمال باتفاق العلماء وبإجماعهم ويذكر هذا في كتبهم، فنرجع إلى خصوص المسألة التي أوردت الشبهة فيها وهي مسألة التوحيد قال (فمعلوم أنّ التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي  وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج.) وجه كونه أعظم أنه بدأ به الرسول  في الدعوة، فالنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ دعا الناس سنين عددا إلى التوحيد فقط، ولم تُفرض الصلاة ولم تُفرض الزكاة ولم يفرض الصوم ولم يفرض الحج، ومعلوم أنه في هذا الحال -يعني في حال الأمر بالتوحيد دون غيره- أنه إنما تكون البداءة بالأهم كما قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ لمعاذ حين أرسله إلى اليمن «إنك تأتي قوما أهل كتاب» يعني من اليهود وثم نصارى هناك «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله»، «فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله» فهذا يدل على أن هذا أعظم من غيره، ومعلوم أنّ الصلوات الخمس لم تفرض إلا ليلة الإسراء والمعراج في السنة العاشرة من البعثة، ومعلوم أن صوم رمضان الفرض لم يكن إلا في السنة الثانية من الهجرة، ومعلوم أن الزكاة المفروضة بأنصبائها المعروفة لم تفرض إلا في السنة الثانية من الهجرة، وأن الحج فلم يفرض إلا في السنة التاسعة من الهجرة، وهذا يدل على تأخر هذه المسائل التي تقول إن من جحد واحدة منها ولم يأت بها فإنه يكفر بالإجماع، فما شأن أصل الأصول؟ ما شأن أول واجب؟ ما شأن الأمر الذي دعا إليه النبي في مكة سنين عددا؟ ما شأنه؟ هل هو أقل من هذه في الحكم؟فالجواب: أن التوحيد هو أعظم فريضة بالاتفاق. ولهذا يذكر العلماء في المكفرات في باب حكم المرتد أول ما يذكرون في المكفِّر ما يتصل بالتوحيد؛ توحيد العبادة أو توحيد الربوبية أو توحيد الأسماء والصفات، فإنهم يذكرون هذا قبل غيره؛ لأنه أعظم فريضة جاء بها النبي ، ودعت بها الأنبياء، ومعلوم أن الصلوات والزكاة والصوم والحج إلى آخره اختلفت فيه الشرائع والأنبياء جميعا اتفقوا في التوحيد، فدل على أنه حق الله الأعظم وعلى أنه الفريضة العظمى فإذن يكون منزلتها أعظم من غيرها.قال (فكيف إذا جحد الإنسان شيئًا من هذه الأمور كفر ولو عمل بكل ما جاء به الرسول ؟ وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر؟! سبحان الله ما أعجب هذا الجهل!) وهذا الاستدلال بالقياس وهذا قياس صحيح قوي.ومعلوم أن قاعدة الشريعة العظيمة التي دلت عليها النصوص واتفقت عليها العلماء أنّ الشريعة لا تفرّق بين المتماثلات، ولا تماثل بين المختلفات، فإن المتماثلات في العلّة لا تفرّق بينها الشريعة إذِ الحكم يدور مع علته وجودا وعدما.ومما جاءت به الشريعة وجاء في القرآن الاستدلال به والاستدلال بقياس الأولى، فإنه القياس الذي اتفقت عليه هذه الأمة حتى الظاهرية لا ينكرون القياس المسمى عند الفقهاء الأربعة بقياس الأولى، لا تنكره الظاهرية وإن كانوا لا يسمونه قياسا؛ بل يسمونه تمثيلا أولويا، فيقال هذا مثل هذا عندهم بل أولى منه، ويخرجون من تسميته قياسا، وفي الحقيقة أنهم يقرون به، فالقياس الأولوي؛ يعني أن هذا أولى من هذا فهذا بالاتفاق عند الجميع، وإذا أنكر المرء متفقا عليه بين العقلاء وبين الفقهاء ومجمعا عليه من الدليل فإنه يكون ليس على أصل لا في التفريع ولا في التأصيل، ومعلوم أن هذا رد قوي على الذين يفرقون فإن الشريعة لم تأت بالتفريق بين المتماثلات، فكيف بالتفريق ما بين هو أدنى وأعظم رتبة.التوحيد أعظم رتبة، كيف يتفق العلماء، كيف تقول أنت أيها المورد لهذه الشبهة كيف تقول إن الذي جحد الصلاة وهو يقر بغيرها، أو جحد الزكاة وهو يقر بغيرها، أو جحد الصوم وهو يقر بغيره، أو أقر بهذه كلها وجحد البعث، كيف تقول أنه يكفر وحلال الدم والمال، ومن ترك التوحيد وجحده لا يكفر ولا يكون حلال الدم والمال بعد إقامة الحجة عليه؟ كيف تقول هذا سبحان الله ما أعجب هذا الجهل؛ لأنه جهل بالعقليات وجهل أيضا بالشرعيات وجهل بكلام العلماء!!!نقف عند هذا( ) ........قتال بني حنيفة وقتال المرتدين وهذه تحتاج إلى تفصيل ونأتي إليها إن شاء الله في المرة القادمة.فتحصل من هذا إلى أن هذه الشبهة هذا جوابها العام، وحبذا لو يطالع الإخوة وطلاب العلم الردود التي صنفها إمام الدعوة على المخالفين، وخاصة كتابه (مفيد المستفيد بكفر تارك التوحيد) وكتب أئمة الدعوة في الردود على المخالفين، فإن فيها تفصيلا لهذه الجملة التي أوردها الإمام رحمه الله تعالى، والحجة التي ذكرها كافية لمن ألقى السمع وهو شهيد. [الأسئلة]الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كان عظيم الإطلاع على كتب التفسير، وله عناية بالتفسير وكلام السلف فيه عناية عظيمة جدا، ولهذا من أشْكَل عليه شيء مما يذكره الإمام رحمه الله تعالى في مسائل الآيات ومعاني الآيات فإنه يرجع إلى التفاسير وسيجد ما ذكره، وقد اختبرتُ ذلك مرارا فوجدته كما قال رحمه الله تعالى، فيُراجَع ما أشكل مما ذكره أحد السائلين فستجد في كتب التفسير ما ذكره الشيخ رحمه الله.س/ يقال: إن الأشاعرة كما ضلوا في باب الأسماء والصفات فهم ضالون أيضا في توحيد الألوهية فأكثرهم يعتقد في القبور ويتوجه إلى الأموات بالدعاء والاستغاثة إلى آخره، فما مدى صحة هذا القول؟ج/ الجواب أن قول الأشاعرة ضالون في باب الأسماء والصفات فقط دون غيره هذا غلط، فالأشاعرة ليس خلافهم مع أهل السنة في باب الأسماء والصفات؛ بل في مسائل كثيرة؛ فهم في معنى الربوبية يخالفون أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح، وفي معنى الألوهية يخالفوننا، وفي معنى توحيد السماء والصفات أيضا يخالفوننا، وفي التطبيق العملي لكل هذه المسائل في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات وما يجب على المكلَّف فيها وما يُعتقد أيضا يخالفوننا، وفي معنى الإيمان يخالفوننا في ذلك؛ لأن الأشاعرة مرجئة في باب الإيمان، وكذلك في القدر يخالفوننا، وهم جبرية في باب القدر وفي مسائل تفصيلية وتفريعية كثيرة يخالفون أهل السنة.لهذا شاع عدم التكفير؛ تكفير عباد القبور لأن الأشاعرة أصَّلوا أنَّ التوحيد هو اعتقاد وحدانية الله جل وعلا في ربوبيته وأسمائه وصفاته، فمن اعتقد أن القادر على الاختراع والخلق هو الله وحده فهو موحِّد عندهم لأنهم يفسرون الإله بأنه القادر على الاختراع، ومن اعتقد بأن الله هو المستغني عما سواه المفتقر إليه كل ما عداه فهو موحد عندهم، فمن اعتقد هذه العقيدة في الربوبية وعبد غير الله فلا يكون ناقضا لتوحيده، وهذه شاعت في الناس ببلاء عظيم عندهم وعند الماتريدية في أصناف كثيرة.ولهذا نقول الخلاف مع الأشاعرة ليس في مسألة واحدة في الأصول والفروع؛ يعني في الأصل وفي فروع ذلك الأصل والله المستعان.س/ ما رأيك في من يقول إن القياس كالميتة لا يرجع إليه إلا عند الضرورة؟ج/ هذا القول معروف عند طائفة من أهل العلم، والجواب عليه: أن الضرورة هذه ما هي؟ الضرورة لهم تعاريف فيها لا تنطبق على هذا الكلام.فالقياس يقال: يؤخذ به عند الحاجة، إذا احتيج إليه أخذ به، والحاجة إلى القياس تكون في مسائل:الأولى: عند تدعيم دليل شرعي؛ يعني إذا دلّ الدليل على شيء فإن دعم هذا الفهم من الدليل بالأقيسة يقوّيه، وهذا الذي يسمى عند العلماء ذكر النظائر في المسائل، وهذه طريقة أهل السنة وقد امتثلها كثيرا في الفقه شيخ الإسلام ابن تيمية، فتجده يذكر دلالة القرآن والسنة على مسألة، ثم يذكر النظائر الكثيرة ويفرِّع ويقول هذا نظيره كذا ونظيره كذا، مثل مثلا في أول كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم تجد أنه نحو 150 صفحة كلها تنظير، هذا الاستدلال بالقياس؛ يعني أن هذا مثل هذا وهذا مثل هذا وهذا مثل هذا، وهذه لها نظير كذا ونظير كذا، والاستطراد في هذا الباب يقوي الاستنتاج والاستدلال من الدليل؛ لأنه قد يأتي آت ويقول فهمك للدليل قاصر وناقص فليس الكلام في الدليل؛ ولكن في وجه الاستدلال، فيأتي الفقيه والعالم فيُنَظِّر ويأتي بنظائر كثيرة -يُنَظِّر يعني يأتي بنظائر ليس معنى يُنَظِّر يعني يقول فيه نَظَر، يُنَظِّر يعني يأتي بنظائر كثيرة- فيقول هذه مثل هذه مثل هذه مثل هذه مثل هذه ليقوي استدلاله وأن استدلاله لم يخرج عن القواعد. ثانيا من إيراد القياس: أن يورِد القياس لإلغاء الفارق، ومعلوم أن الجمع والفرق من أصول قواعد الفقهاء، فإن فقه المسائل مبني على فهم الجمع والفرق في التعليل ما بين المسائل، وعلم الجمع والفرق كعلم المقاصد من أهم علوم المجتهدين، فيَحتاج المجتهد إلى أن يقيس ويذكر المسائل واحدة تلوى الأخرى ليبين الجمع بينها وليبين إلغاء الفارق بينها، ومعلوم أنه إذا حصل الجمع وأُلغي الفارق قامت الحجة.الثالث أن تكون المسألة لا دليل فيها نقلي؛ يعني من الكتاب أو السنة، وإنما هي مسألة اجتهاد، فيحتاج إلى القياس ليلحق الفرع بالأصل لعلة جامعة بينهما، أو يلحق الحكم المسكوت عليه بالحكم المنصوص عليه لعلة جامعة بينهما.وهذا النوع الثالث هو الذي يجري فيه قول بعضهم القياس كالميتة لا يرجع إليه إلا عند الضرورة، وهذا ليس بجيد؛ يعني هذه المقالة ليست بجيدة على إطلاقها، ومن قالها فيُفهم منه هذا النوع الثالث لأنه إذا احتيج إلى القياس قيل به وتفاصيل هذه الكلمة معلومة في الركن الرابع في مباحث القياس في الأصول.... لا، لا يكفَّرون، الأشاعرة مبتدعة ضلال على بدعة عظيمة راجت في الأمة بسببهم، لا يكفَّرون؛ ولكن يضللون ويبدعون على اعتقاداتهم الفاسدة في صفات الله جل وعلا وفي ربوبيته وإلهيته وفي الإيمان وفي القدر وفي بعض مسائل البعث، إلى آخره.س/ ماذا تعلمون عن الرسالة التي أُرسلت إلى الشيخ من الأحساء؟ج/ هناك عدة رسائل تأتي للشيخ من بعض علماء الأحساء، وأخص منهم الشيخ عبد الهر بن محمد بن عبد اللطيف الأحسائي، عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف له عدة رسائل مع الشيخ، والشيخ رحمه الله لما رجع من البصرة مرّ عليه في الأحساء وجلس عنده عدة ليالي، وفرح الشيخ رحمه الله بعبد الله بن عبد اللطيف فرحا عظيما؛ لأنه وجده يخالف الأشاعرة الذين مشى على طريقتهم في مسائل الإيمان، حيث قال له مرة في رسالة له: ولما كنتُ جئتك ورايتك كتبت على أول صحيح البخاري في مسائل الإيمان هذا هو الحق الذي يجب القول به، فرِحتُ بذلك لأنك خالفت ما عليه أهل بلدتك من كلام الأشاعرة. يعني في مسألة الإيمان، وقال الشيخ رحمه الله في رسالته أيضا لعبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الأحسائي هذه: وأنا كثير الدعاء لك، وأدعو لك في سجودي، وكنت أقول أرجو أن تكون فاروقا لهذه الأمة في آخرها كما كان عمر بن الخطاب فاروقا للأمة في أولها.ورسائله مع عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الأحسائي هذه فيها فوائد كثيرة في العلم تبين لك عظم علم الشيخ لأنه إمام الدعوة؛ لأن إمام الدعوة إذا كاتب العلماء كاتبهم بلهجة علمية قوية وتفصيل في المسائل، وإذا خاطب العوام أو المتوسطين في العلم خاطبهم بما يعرفون، حدثوا الناس بما يعرفون.س/ أليس الشك إذا دافعه الإنسان واستعاذ بالها من الشيطان ليس خروجا من الملة ومجرد الشك لا يخرج من الملة؟ج/ معلوم أن الشك ليس هو العارض، الشك حين يعبّر به العلماء يريدون الشك في اصطلاحهم، والشك عندهم استواء طرفي القضية في العلم، استواء طرفي القضية يسمى شكا، وأما العارض والتوهمات التي تأتي للقلب والأوهام التي يلقيها الشيطان هذه لا تسمى شكا عند العلماء، الشك أن يقول هذه وهذه مستوية عندي، فيكون شاكا ليس من جهة اعتقاد سريان الشيء على قلبه؛ ولكن يقول جواز البعث وعدم جوازه، إمكان البعث وعدم إمكانه في حد سواء عندي، قد نبعث وقد لا نبعث، هذا قد وقد، هل تُرجَّح أحد الجانبين على الآخر؟ قال لا هذه وهذه مستوية، فهذا يسمى شكا.وإذا قال: نعم أرجح جانب البعث ولكن قد يكون ألا نبعث فهذا يسمى ظنا.فإن قال لا البعث قائم وأومن به ولا احتمال عندي لعدم البعث، فيكون هذا علما.وهذا على حسب كلامهم، ففهم مصطلحات العلماء ينبغي أن يكون على لغتهم لا على لغة العوام.س/ ذكرتَ بأن من شك في شيء مما جاء به محمد  فهو كافر؟فما معنى الحديث الصحيح الذي جاء فيه أن رجلا قال: «إذا مت فحرقوني وذروني في اليم والله لئن قدر الله علي ليعذبني» إلى آخره، الحديث المعروف الذي في الصحيح.ج/ هذا الحديث اختلف العلماء في الإجابة عليه.والتحقيق فيه الذي يتفق مع أصول الشريعة من جهة الاعتقاد والفقه أنّ هذا الرجل لم يشك في صفة من صفات الله، وإنما شك في تعلق الصفة ببعض الأفراد، فهو لم يشك في القدرة أصلا، ولو شك في قدرة الله لكفر ولم ينفعه إيمانه، إذا قال: أنا لا أدري هل الله قدير أم ليس بقدير؟ يعني شك في أصل القدرة، فهذا يكفر، أما شك هذا ففي نعلُّق القدرة بإعادة الأجزاء، وهذا فرد من الأفراد التي تتعلق بها القدرة، ومعلوم عندنا أنَّ من أنكر فردا من الأفراد في أصلٍ ليس كافرا، وإنما هو على ذنب عظيم.لهذا نقول: هذا الرجل شك في فرد من أفراد القدرة، فرد من أفراد تعلق القدرة بذلك الفرد ولم يشك في قدرة الله أصلا، وحاله كحال حواريِّي المسيح الذين قالوا لعيسى عليه السلام ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلُ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ -وفي القراءة الأخرى ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ ربَّك أَنْ يُنَزِّلُ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ﴾- ﴿قَالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[المائدة:112]، هل يستطيع الله أن ينزل علينا مائدة فهم لم ينكروا القدرة وإنما شكوا في تعلق القدرة بهذا النوع، هل يستطيع أو لا يستطيع؟ فتعلق القدرة بإنزال مائدة من السماء حصل لهم شك فيها، فقال لهم عيسى عليه السلام (اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) فبينوا وجهتهم قالوا ﴿نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنَّكَ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾[المائدة:113]، إلى آخر السورة.المقصود أن الشك في فرد من أفراد الصفة ليس كالشك في أصل الصفة، وهذا الرجل غُفر له بسبب خوفه، ومعلوم أن الحسنات يذهبن السيئات، فأحسن إذ خاف من الله جل وعلا، وأساء إذ شك في تعلق قدرة الله بهذا الفرد من مخلوقات الله وهو الأجزاء التي فرقها بإحراقه.ولهذا تلحظ في الحديث قال: لئن قدِرَ الله علي ما قال لئن قدر الله مطلقا، قال: لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا لم يعذبه أحدا من العالمين؛ يعني أنه تعلق قوله ذلك بقدرته عليه بالخاصة لما ذر جسمه ورماده.وهذا هو التحقيق لهذا القول في هذا الحديث وهو الذي يستقيم مع الاعتقاد ومع الفقه.س/ ما رأيك فيمن يقول إن مجرد الطواف على القبر ليس عبادة؟ج/الطواف عبادة؛ لأن الله جل وعلا أمر به ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾[الحج:29]، معلوم أن الله إذا أمر بشيء وأثاب عليه فإنه عبادة، وإذا كان كذلك فمن تعبَّد؛ يعني طاف على مكان يرجو الثواب ويتقرب إلى الله أو إلى هذا المقبور بالطواف على غير الكعبة وما بين الصفا والمروة فإنه صرف العبادة لغير الله.س/ إذا رأى أحد الناس في منامه أنه يفعل منكر كجماع من لا تحل له أو لواط، هل يدل هذا على فسق في دينه، مع أنه في المنام لا يرى أنه محرم وأنه فاعل لمنكر؟ج/ الجواب أن هذا تكلم عليه العلماء وذكروا فيه تفصيلا، قالوا هذا له حالان:الحال الأول أن يكون هذا الذي يرى معروف بالفسق فهذا إذا رأى مثل هذه المرائي فإنها إنذار له وتخويف ويُخشى أن يفعلها.وإذا كان وهو القسم الثاني من الصالحين فإن فعله لذلك لا يكون في خاطره فعل بالمحارم أو يدور في ذهنه استحسان المرأة التي هي محرم له أو استحسان الرجال أو أشباه ذلك فإنه يكون دليلا على أنه سيصل هؤلاء؛ لأن الذَّكر من الذِّكر، والصلة من الوصل؛ يعني إذا كان صالحا فإنه سيصلهم ويزيد في صلتهم.ولا شك أن مثل هذه المرائي ينبغي أن يستعيذ العبد بالله جل وعلا إذا رآها وأن ينفث عن يساره ثلاثا وأن يغير جنبه الذي نام عليه وألا يحدث بها أحدا.س/ هل زوجة المرتد تطلق من حين ردته ولو رجع بعد ردته بساعات؟ج/ لا، تطلق إذا حكم حاكم شرعي قاضٍ بردته أما دون ذلك فلا يتفسخ العقد تلقائيا لابد من حكم حاكم.س/ ما مدى صحة العبارة لكل نبي حوض إلا صالح عليه السلام فحوضه ضرع ناقته؟ج/ هذه ذكرها بعض من صنّف في السنة كالبربهاري وهو على عهدته فإني لا أعلم لها أصلا.س/ ما معنى قول شيخ الإسلام في التدمرية وقوله ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ﴾[الذاريات:47]، أي بقوة فما معنى تفسير الأيد بالقوة؟ج/ الجواب أن الأيد هنا هذه مصر آدَ الشيء أو آد فلان يئيد أيدا إذا قوي، وليست جمع يد كقوله جل وعلا ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ﴾ يعني ذا القوة ﴿إِنَّهُ أَوَّابْ﴾[ص:18] فالأيد هذا مصدر بمعنى القوة، هذا في اللغة ليس جمع يد.س/ متى يعذر بالجهل وما الضابط في ذلك؟ج/ هذه لها تفصيل إن شاء الله.نكتفي لهذا القدر وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.[المتن]ويقال أيضًا: هؤلاء أصحاب رسول الله  قاتلوا بني حنيفة وقد أسلموا مع النبي  وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ويصلّون ويؤذّنون فإن قال إنهم يقولون: إن مسليمة نبي. قلنا: هذا هو المطلوب، إذا كان من رفع رجلاً إلى رتبة النبي  كفر وحل ماله ودمه ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة فكيف بمن رفع شَمْسَان أو يوسف أو صحابيًا أو نبيًا إلى مرتبة جبَّار السماوات والأرض سبحان الله ما أعظم شأنه ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾[الروم:59].ويقال أيضًا: الذين حرّقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنَّار كلهم يدّعون الإسلام وهم من أصحاب علي رضي الله عنه وتعلموا العلم من الصحابة ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما، فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟ أتظنون أن الصحابة يكفّرون المسلمين؟ أتظنون أن الاعتقاد في تاج وأمثاله لا يضر والاعتقاد في علي بن أبي طالب كفر؟ويقال أيضًا: بنو عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر في زمان بني العباس كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويدّعون الإسلام ويصلون الجمعة والجماعة، فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياءَ دون ما نحن فيه أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم وأن بلادهم بلاد حرب وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين.[الشرح]بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا من العلم والعمل وأنتَ أرحم الراحمين.أما بعد: فهذه صلة لما سبق تقريره من كشف شبهةٍ أدلى بها الأكثرون؛ وهي أن المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويصلي ويزكي ويصوم رمضان ويحج بيت الله الحرام ويأتي بنوافل الطاعات والعبادات، كيف يُجعل مثل مَنْ عبد اللات والعزى والأصنام ويُكفَّر ويخرج من دين الإسلام ويقاتل إلى آخر ذلك، فأجاب الإمام رحمه الله بما أجاب به في أول الكلام، ثم واصَل أيضا الأوجه التي بها يجاب عن هذا الإيراد أو هذه الشبهة، فقال رحمه الله تعالى (ويقال أيضًا: هؤلاء أصحاب رسول الله  قاتلوا بني حنيفة وقد أسلموا مع النبي  وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويصلّون ويؤذّنون، فإن قال إنهم يقولون: إن مسليمة نبي. قلنا: هذا هو المطلوب، إذا كان من رفع رجلاً إلى رتبة النبي  كفر وحل ماله ودمه ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة فكيف بمن رفع شَمْسَان أو يوسف أو صحابيًا أو نبيًا إلى مرتبة جبار السماوات والأرض سبحان الله ما أعظم شأنه: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾[الروم:59]) خلاصة هذا أنَّ بني حنيفة الذين قاتلهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ومعه أصحاب رسول الله  لم يكفروا بكل أمور الدين؛ بل كفروا بأنَّ محمدا خاتَمُ الأنبياء والمرسلين فرفعوا مسيلمة الكذّاب إلى مقام النبي  في تبليغ الرسالة، وهذا النوع من كُفرهم تبعه معه أنهم أطاعوا مسيلمة فيما أمرهم به وجعلوا رسالة مسيلمة الكذاب لهم، فمَا أمرهم به ائتمروا به وما نهاهم عنه انتهوا عنه، وهذا هو الذي جعلهم كفّارا وذلك لأنهم جعلوا مسيلمة الكذاب نبيا بعد محمد عليه الصلاة والسلام، ولم يجعلوا رسالة النبي  خاتمة الرّسالات والاستدلال هذا الذي أوردوه كما قال الشيخ رحمه الله (هذا هو المطلوب)؛ لأن كفر هؤلاء دون ما يكفَّر به غيرهم من عبدة القبور والأوثان وعبدة الصالحين وعبدة الأولياء وغير الأولياء والأشجار والأحجار؛ لأنَّ من عبد هؤلاء واستغاث بهم وأنزل بهم حاجتَه طلب منه دفع الضر ودفع المدلهمات في الواقع قد رفع منزلة هذا المدفون إلى منزلة رب العالمين، فقتال الصحابة رضوان الله عليهم لبني حنيفة الذين اتَّبعوا مسيلمة الكذاب يدل بدلالة الأَوْلى على أن من رفع شخصا مسلما كان أو غير مسلم إلى مرتبة جبار السموات والأرض في استحقاق العبادة أو الطاعة المطلقة الدينية فإنه أعظمُ كفرا من أولئك الذين لم يشركوا بالله جل وعلا أحدا، وإنما كفروا من جهة أنهم جعلوا مسيلمة نبي؛ لأنهم لم يعودوا إلى عبادة الأصنام وإنما جعلوا مسيلمة الكذاب نبيا لهم وبعد محمد عليه الصلاة والسلام إلى آخر تفاصيل قصتهم، وكذب مسيلمة في نبوته واتباع أولئك له.فتحصَّل من هذا الإيراد الذي أوردوه ليدلُّوا على أن المسلم الذي يدعو غير الله جل وعلا؛ يدعو نبيا أو يدعو صالحا أنه لا يكفر بدلالة أن أولئك الذين قاتلهم الصحابة ما كفروا إلا بادّعاء نبوة مسيلمة، قلنا: ما هو أَوْلى يدل على أن غيرهم ممن ألَّهوا الأشخاص أعظم كفرا من أولئك، فمن انخرم في حقه الشق الأول من الشهادة وهو شهادة أن لا إله الله لاشك أنه أعظم كفرا ممن انخرم في حقه الإقرار بأنَّ محمدا رسول الها وخاتم الأنبياء والمرسلين؛ لأن تأليه الله جل وعلا وحده دونما سواه فرْض ودليله الشهادة، وهذه الشهادة تنفي هذا القِسْم، والشهادة بأن محمد رسول الله تنفي أن يكون أحدٌ نبيا بعد محمد عليه الصلاة والسلام، فدلّ هذا على أن من جعل بعد محمد  نبيا فهو كافر ومن جعل مع الله جل وعلا إلها يعبده ويرجوه ويستغيث به ويسأله رفع الضُّر وجلب النفع أنه كافر من باب أولى؛ لأن حق الله جل وعلا أعظم من حق خلقه، وهذا الذي ذكره الإمام رحمه الله تعالى وجيه وعظيم من جهة أنَّ حال أولئك هو دون ما نحن فيه.فالذين اتبعوا مسيلمة الكذاب وأقروا له بالنبوة هم أخفّ حالا ممن ألَّه غير الله وسجد له واستغاث به وتقرَّب إليه رجاءَ شفاعته ليكون له شافعا عند الله جل وعلا وطالبا وداعيا له عند الله جل وعلا فَكُفْر هؤلاء أعظم كفرا من الأولين بدلالة القياس الذي ذكرناه.ثم أيضا يقال: إنَّ قتال مانعي الزكاة وتكفير الصحابة لمن لم يلتزم وجوب الزكاة لخليفة رسول الله  وقتال أولئك قتال المرتدين لا قتال البغاة يدل على ما نحن فيه من باب الأوْلى، فإن مانعي الزكاة أكثرهم مرتد على الدين ولهذا سماهم الصحابة رضوان الله عليهم مرتدين، وقالوا في قتال بني حنيفة وفي قتال مانعي الزكاة جميعا قتال المرتدين، ولم يفرقوا ما بين طائفة وطائفة؛ لأن أهل العلم أجمعوا على أن الطائفة الممتنعة عن تحريم ما حرم الله جل وعلا أو عن تحليل ما أحلّ الله أو الطائفة الممتنعة عن امتثال ما أمر الله جل وعلا أنه يجب قتالها.ثم إن كان امتناعها من جهة عدم الالتزام والانقياد فإنها تكفر بذلك، ولهذا نص العلماء على أنه لو اجتمع أهل قرية على أن يتركوا الأذان فإنه يجب قتالهم مع أنَّ الأذان سنة عند كثير من أهل العلم وفرض كفاية عند آخرين، ولو اجتمعوا على ترك سنة من السنن فإنهم يقاتَلون حتى يلتزموها يعني حتى يعملوا بها ولا يجتمعون على تركها، فإنْ كانوا غير منقادين ممتنعين امتناع عدم التزام فإنهم مرتدون بذلك.ومعنى الممتنعة؛ الطائفة الممتنعة يعني غير الملتزمة، ومعنى الالتزام في هذا الموضع أن يقول: إن هذا الأمر إما الواجب أو المحرم حق في نفسه فهو واجب أوجبه الله أو هو حرام حرَّمه الله؛ ولكن أنا غير مخاطب بهذا يخاطب به غيري من الناس فأنا غير داخل في هذا الخطاب، كما قال مانعي الزكاة: إن هذا طلب الزكاة أن ترسل إلى المدينة هذا لغير أهل نجد لغيرنا -يعني فيما قالوا-.... يلتزموا تجاه الخطاب إليهم، فخرجوا إذن بقولهم عن عموم المخاطبة، وهذا رِدَّة عن الدين لنه انتفى معه شرط الانقياد؛ لأنَّ من شروط لا إله إلا الله الانقياد، ومعنى الانقياد الالتزام بتحليل ما أحلَّ الله يعني باعتقاد حله وأنَّ هذا المسلم مخاطَب بهذا التحريم، وتحريم ما حرم الله باعتقاد حرمته، وأنه مخاطب بهذا التحريم.فمانعوا الزكاة كانوا على صنفين:منهم من لم يلتزم؛ يعني امتنع حيث قال إنه غير مخاطب بهذا الحكم، ولا يلزمه أن يعطي الزكاة للخليفة، مع إقراره بأنّ هذا الحكم متوجه إلى غيره، فيقول هذا واجب ولكن أنا لا أدخل في هذا الواجب، فلم ينقد لكل الأحكام؛ يعني لم يجعل نفسه داخلا في خطاب الله جل وعلا للمكلَّفين بأحكام الإسلام، فهذا يسمى امتناع؛ امتناع عن دخوله في بعض أحكام الشريعة، وهذا كفر وردة كما ذكرنا.ومنهم من مانعي الزكاة طائفة أخرى منعوها للتأويل، فقالوا أهل المدينة ليسوا بحاجة ونحن بحاجة إلى الزكاة فنحن أولى بها.والصحابة رضوان الله عليهم لم يفرقوا بين هؤلاء وهؤلاء؛ بل جعلوا قتال مانعي الزكاة كقتال المرتدين؛ بل لم يجعلوا المرء من المرتدين الأولين من بني حنيفة أتباع مسيلمة ولا من مانعي الزكاة لم يجعلوه سالما حتى يشهد على قتلاهم أنهم في النار وعلى قتلى المؤمنين أنهم في الجنة.وهذا يدلّ على أن من لم يلتزم توحيدَ العبادة بمعنى جعل توحيد العبادة حقا؛ ولكن قال نحن غير مخاطبين بذلك لأنَّ الناس لهم كذا وكذا من التأويلات فهذا داخل في جنس هذه المسألة.ولهذا استدلال الشيخ رحمه الله بالاستدلال الأولوي في محله واستدلال وجيه وحكيم؛ لأن هذه المسألة التي نحن فيها أعظم مما قاتل فيه الصحابة رضوان الله عليهم المرتدين ومانعي الزكاة، فقِتالهم لهم في شأن أقل مما نحن فيه، وليس كل طائفة تترك شريعة من شرائع الله أو شعيرة من شعائر الله فتقاتل تعتبر مرتدة؛ بل تقاتل لتلتزم:• وقد يكون تركها لعدم الالتزام؛ يعني من جهة الامتناع فتكون كافرة.• وقد يكون تركها لأجل شبهة أو تأويل لا لأجل عدم الالتزام فلا تكفَّر بذلك.وإنما يكفر من لم ينقد لشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وضابط الانقياد هو ما ذكرتُ لك في أن يكون ملتزما، وبهذا يكون هناك فرق عظيم ما بين الجحد والامتناع، وما بين القبول والالتزام، فالجحد في الحكم على الطوائف يقابله القبول، والامتناع يقابله الالتزام، فالامتناع والالتزام لفظان لدخول المخاطََب في الأحكام الشرعية، والقَبول والجحد لفظان لإقرار المخاطب بالحكم له ولغيره.فمن أقرَّ بأن هذا الحكم شامل له ولغيره هذا واجب عليه وعلى غيري فهذا يُعتبر قابلا.وإذا قال: هذا الحكم ليس لي ولا لغيري ليس واجبا فهذا يعدّ جاحدا.وإذا قال: نعم هذا الحكم واجب أداء الصلوات واجب فرضه الله جل وعلا لكن إنما وجب على طائفة من الناس، وطائفة أخرى لا يجب عليها كحال الذين سقطت عنهم التكاليف وارتفعت أحوالهم حتى لا تؤثِّر فيهم الطاعات في زيادة يقين، فهذا كحال غلاة الصوفية فهذا يكون ممتنعا غير ملتزم.وهذا قررَّه العلماء في مواطن عدة، وبحثه شيخ الإسلام ابن تيمية في بحث جيِّد في الفرق ما بين الالتزام والقبول والامتناع والجحد في كلامه على ترجيح الطاعة أو ترجيح الأمر على النهي أو النهي على الأمر في مجموع الفتاوى، وهو مقرر عند كثير من أهل العلم.إذا تقرر هذا: فمسألة مانعي الزكاة ربما تجد من أهل العلم من يقول إنهم قوتلوا قتال بغاة، ومنهم من قال إنهم قوتلوا قتال مرتدين، وهذا لأجل انقسامهم في أنفسهم فليس الجميع غير ملتزم، ليس الجميع ممتنعا؛ بل فيهم هذا وفيهم هذا؛ لكن الصحابة أجمعوا على قتالهم قتال مرتدين، حتى قال عمر رضي الله عنه ما زلت بأبي بكر لعله أن يترك القتال حتى قال أبو بكر رضي الله عنه: والله لو منعوني عَنَاقا كانوا يؤدُّونها للرسول الله  لقاتلتهم على منعها، والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة. قال عمر: فما رأيت إلا أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمتُ أنه الحق. وقاتل مع الصحابة رضوان الله عليهم وأقرّ بذلك.إذا تقرر هذا فالمسألة التي نحن فيها أعظم وأبلغ من هذه المسائل التي قاتل الصحابة الناس عليها، والتي كفَّروا المرتدين بها.لهذا نقول من رفع كما قال الشيخ هنا من رفع شمسان ويوسف أو تاج أو صحابيا أو نبيا إلى مرتبة الله جل وعلا فأعطاه صفات الحق تبارك وتعالى في كونه يغيث الملهوف وينيب المضطر وكونه يغفر الذنب وكونه يمنع ويعطي ويتصرف في الملكوت، فلا شك أن هذا أعظم كفرا من الأولين وأن قتالهم بعد إقامة الحجة عليهم أوجب من قتال الأوائل، فإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم قاتلوا من لم يلتزم حكم الزكاة وتأدية الزكاة إلى الخليفة وقاتلوا الطائفة الممتنعة عن هذا الحكم فإن قتال الطائفة الممتنعة عن توحيد العبادة أظهر في البرهان وأوجب. فهذه الشبهة التي أوردوها هي في الواقع تنعكس عليهم، والحجة لنا فيها وليست علينا؛ ولكن كما قال الله جل وعلا ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾[الروم:59].قال الشيخ رحمه الله (ويقال أيضًا: الذين حرّقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنَّار كلهم يدّعون الإسلام وهم من أصحاب علي رضي الله عنه وتعلموا العلم( )من الصحابة ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما، فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟ أتظنون أنَّ الصحابة يكفّرون المسلمين؟ أم تظنون أن الاعتقاد في تاج وأمثاله لا يضر والاعتقاد في علي بن أبي طالب يكفر؟) هذا جواب أيضا من أجوبة على الشبهة التي أوردوها أولا؛ من أنَّ المسلم الذي شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأتى بأركان الإسلام أنه لا يكفر، قال الإمام رحمه الله (ويقال أيضًا: الذين حرّقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه) لِم حرَّقهم؟ وحديث تحريقهم في الصحيح، هل حرقهم لأنهم أنكروا أمرا من الإسلام أو أنهم عبدوا الأصنام أو عبدوا الأوثان؟ أم أنهم جعلوا لعلي منزلة الإله؟ فجعلوا عليا رضي الله عنه له ما للرب جل وعلا، ولهذا قال علي رضي الله عنه ورحمه لما رأيت الأمر أمرا منكرا أججت ناري ودعوت قندرة يعني مولاه -هذا في الصحيح- فخدّ لهم الأخاديد وأتى بهم واحدا واحدا ورماهم في النار، وخالفه أكثر الصحابة رضوان الله عليهم في التحريق، ولم يخالفوه في قتلهم، واحتج عليه ابن عباس رضي الله عنه بما سمعه من رسول الله  أو بقول رسول الله  «إنه لا يُعِّذب بالنار إلا ربُّ النار» لكن هم مجمعون على من ادّعى هذا فهو كافر يجب قتله لأنها ردة والنبي  قال «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث» وذكر منها «التارك لدينه المفارق للجماعة» فالذي يترك دينه ويرتد فإنه يجب قتله ويحل دمه والصحابة أجمعوا على قتلهم وكفرهم، وحرّقهم علي رضي الله عنه لم؟ لأنهم جعلوا لعلي بعض خصائص الألوهية.وإذا كان كذلك فهذا الإجماع يمكن أن يسلط على هذه المسألة التي يوردون علينا فيها الشبهات، وهي مسألة هؤلاء الذين يعبدون الطواغيت أو يعبدون الأولياء أو يعبدون الصالحين ويقولون: إنَّ هؤلاء يغيثون، وأنهم يُعطون المرأة الولد، وأنهم يغفرون الذنب، وأنهم يقضون الدَّين؛ بل ربما جعلوا لهم أعظم مما للرب جل وعلا وتعالى وتقدس.هؤلاء لاشك أنهم مثل الذين حرّقهم علي رضي الله عنه فأولئك ادعوا الإلهية قولا وهؤلاء ادّعوا الإلهية فعلا وعملا حيث جعلوا ما للإله من حقه في عبادته وحده دون ما سواه لهؤلاء البشر.قال (ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما) اعتقدوا في علي مثل هذا الاعتقاد لا فرق بين هذا وهذا، قالوا علي له صفات الألوهية، وهؤلاء قالوا هؤلاء يغيثون، هؤلاء الموتى يغيثون ويُعطون العطايا ويتصرَّفون في الأرض ويغفرون الذنب، والمرأة الحامل يجعلون لها ولدا إلى آخر ذلك، فإذا تُقُرِّب إليهم أعطَوْا السائل هذا، ومنهم من يعتقد فيهم الاستقلال يعني أنه يعطي استقلالا ويمنع استقلالا ويغفر استقلالا بتفويض الله جل وعلا له وهذه الأمور، ومنهم من يقول لا هو يعطي ويمنع بتوسطه عند الله جل وعلا، مثل ما قال الأولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفا.قال الشيخ (فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟ أتظنون أن الصحابة يكفّرون المسلمين؟ أم أتظنون أن الاعتقاد في تاج وأمثاله لا يضر والاعتقاد في علي بن أبي طالب يكفِّر؟) لاشك أن هذا لا يقوله أحد منهم؛ لأن معناه أن مرتبة تاج وشمسان إلى آخره أرفع من مرتبة علي رضي الله عنه، إذا قالوا إن من اعتقد في علي يكفر ومن اعتقد في شمسان وتاج لا يكفر، من اعتقد في علي يكفر ومن اعتقد في البدوي وفي العيدروس وفي المرغني وفي فلان وفي عبد القادر لا يكفر، لا شك أن هذا معناه رفع هؤلاء عن مرتبة علي رضي الله عنه، وهذا تكفيره من باب أولى.وهذه الحجة واضحة في الدلالة وواضحة في البيان.قال الإمام رحمه الله في إيراده للأدلة والتقعيدات على جواب هذه الشبهة (ويقال أيضًا: بنو عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر في زمان بني العباس كلُّهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويدّعون الإسلام ويصلون الجمعة والجماعة، فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياءَ دون ما نحن فيه أجمع العلماء على كُفْرِهم وقتالهم وأن بلادهم بلاد حرب وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين)، (بنو عبيد القداح) هم الذين يسميهم كثير من المؤرخين الفاطميين ويسمون دولتهم العبيدية الدولة الفاطمية، ونسبتهم إلى فاطمة الزهراء رضي الله عنها أو إلى علي نسبة مرفوضة؛ إذْ إنّ المحققين من المؤرخين غلَّطوا هذه النسبة وقالوا: إن هؤلاء من المجوس ومن الفرس ولا ينتسبون إلى علي رضي الله عنه في النَّسب. ولهذا يُقال لهم العبيديون ولا يقال لهم الفاطميون، فهم بنو عبيد القداح.وهذا القدَّاح قد نشأ على عقيدة الإسماعيلية ثُم هرب بعقيدته إلى اليمن، وأنشأ فيها دعوة إسماعيلية باقية إلى الآن، وانتقل بعد ذلك لما طلب إلى المغرب الأقصى فابتدأ فيها دعوته وانتقل بعد ذلك وقوي، ثم مع الزمن كثر أتباعه وجنده فبدؤوا بالحروب.فابتدؤوا من المغرب إلى أن وصلوا إلى مصر واحتلوا كل هذه البلاد وغلبوا عليها، وأقاموا فيها الدولة المسماة بالدولة العبيدية.والقرامطة نوع منهم من الإسماعيليين، وكان بينهم وبين بني عبيد القداح صلات قوية، وهؤلاء خدموا لهؤلاء؛ لكن حصل بينهم خلاف في آخر الأمر أدى إلى استقلال هؤلاء وهؤلاء.فالقرامطة هم الذين غزوا البيت الحرام وقتلوا الناس فيه مثل ما قال: كبيرهم أنا الله، والله أنا، يخلق الخلق وأفنيهم أنا. وهذا لأجل اعتقادهم في نوع من الحلول واعتقاداتهم الباطنية كفرهم العلماء بها، ولما وَلُوا مصر وكانت شوكتهم فيها لم يتقدموا إلى الشام ولا إلى العراق، وإنما كانت شوكتهم فيها، ودام حكمهم نحو مائتين من السنين.ابتلوا العلماء في عقائد باطلة حتى ذكر الحافظ الذهبي في العبر وفي غيره أنهم يأتون بالعالم السُّني فيذكرون له أشياء من عقائدهم الباطنية فإن لم يقر سُلخ جلده أمام الناس؛ يعني أحميت الناس والحديد وسلخ جلده كما تسلخ الذبيحة، وعَظُم هذا في الناس جدا.وأسسوا للدعوة إلى دين الباطنية الأزهر المعروف الآن، ومضى عليه قرون وهو على طريقة الإسماعيلية ثم بعد ذلك لما انتهت الدولة العبيدية رجع إلى جملة أهل السنة مقابلة طوائف الباطنية.فكانت عقائدهم في الباطن عقائد إلحادية من جنس الذين حرقهم عليه رضي الله عنه وخدّ لهم الأخاديد.ومنهم ظهرت النصيرية.ومنهم ظهر الدروز الذين يؤلهون الحاكم بأمر الله العبيدي.ويعتقدون ولم يُظهروا ذلك أن الإله يَحِل في الأشخاص وأنه تنقل في سبعة حتى كان آخر هؤلاء السبعة هو الحاكم بأمر الله العبيدي؛ لأنهم يعتقدون في هذا الرقم سبعة وأول ما يدعون حين يدعون إلى الحكمة من الرقم سبعة ويذكرون له -لهم كتب كثيرة ومطبوعة وموجودة بينت مذاهبهم على الحقيقة- يذكرون له الرقم سبعة وما فيه يقولون مثلا هل تعتقد أن الله جل وعلا الحكيم يخلق سبعة سموات ويخلق سبع أراضين، ويجعل أيام الأسبوع سبعة، ويجعل الطواف سبعة، ويجعل السعي سبعة، ويجعل كذا سبعة وسبعة وسبعة، ويترك الأئمة بلا عدد سبعة فلا بد أن الإمامة ستقف عند سبعة؛ لأن الإمامة أعظم من هذه الأشياء فإذا أقر لهم بهذه المقدمة، قالوا الأئمة السبعة آخرهم إسماعيل لأن الرافضة افترقوا فرقتين فرقة يعني أبناء جعفر الرافضة بعد جعفر الصادق افترقوا فرقتين فرقة تسمى الجعفرية وفرقة تسمى الإسماعلية.وكانت القاعدة في بنيهم -لو فصلنا بعض الشيء- كانت القاعدة في الإمامة فيهم أن الإمام هو الولد الأكبر بعد الإمام الذي قبله، وكان جعفر الصادق الإمامة منعقدة عند الرافضة والشيعة له، وكان ولده الأكبر اسمه إسماعيل وولده الأصغر اسمه موسى، فغاب إسماعيل في حياة والده جعفر الصادق في نحو ثمان وأربعين ومائة ذهبت به أمه وغابت به؛ لأن الذين كانوا يحبون أن تكون الولاية في موسى كادوا لأمه في قصة تاريخية، المهم أنها هربت وغاب إسماعيل عن الناس، فلما غاب إسماعيل مات جعفر الصادق رحمه الله تعالى وهو من العلماء الأخيار والفقهاء، لما مات رحمه الله جعفر الصادق اختلفوا من الإمام بعده؟ فقالت طائفة القاعدة أن الإمام هو الولد الأكبر فإسماعيل هو الإمام، وقال آخرون إسماعيل أمره هل نُبقي الناس بلا إمام؟ فمن قال ببقاء الإمامة في الولد الأكبر وأن إسماعيل هو الإمام وأنه هو المستحق سنقف بالإمامة حتى يرجع، سمي هؤلاء إسماعيلية.ومن قال بإمامة موسى إذ إن الابن ألأكبر في جعفر مات أو انقطعت أخباره سُمُّوا موسوية.ولهذا تجد أن الرافضة الاثني عشرية يركزون على نسبتهم إلى الاثني عشرية الموسوية الجعفرية، فبنسبتهم إلى جعفر يخرجون عن أهل السنة، وبنسبتهم إلى موسى يُخرجون الإسماعيلية، وبنسبتهم إلى الأئمة الإثنا عشر يخرجون كثيرا من طوائف الشيعة التي كانت في الزمن الأول لا تقول ببقاء الإمامة في اثني عشرة فقط بل تتسلسل وآخر أئمتهم العسكري، حصل له مثل ما حصل لإسماعيل في الاختفاء.حصل للطائفتين اعتقادات مختلفة في أن هذا الغائب هو المهدي المنتظر.فالإسماعيلية اعتقدوا في إسماعيل وأنه هو الإمام المنتظر فدعو في مواجهة الموسوية إلى نحلتهم سرا، فأصبح لهم عقائد باطنية مختلفة، وأصبح لهم تفسيرات غير ظاهرة، فهم من جهة تفسير النصوص أكثر غلوا من الرافضة؛ لأنهم يجعلون لكل نص ظاهرا وباطنا، فالظاهر للعامة يعني للسنة، والباطن لأهل الحكمة وهم الإسماعيلية.فبنو عبيد القداح لما أقاموا دولتهم دعوا في الباطن إلى نحلتهم، بتفاصيل الأحكام الشرعية التي هي عند الإسماعيلية، ومعلوم أن حكم الإسماعيلية من جهة الفقه خارج عن نصوص الكتاب والسنة، فمن جهة فهمهم للأدلة واستنباط الأحكام من الأدلة إنما هو بالاعتقادات الباطنة؛ لأنهم جعلوا لكل نص ظاهرها وباطنا، كذلك عندهم نصوص من الأثر الذي يعتمدون عليه خلاف ما عند السنة.فصار أمرهم إذن نبذ أحكام كثيرة من الشريعة التي جاءت في الكتاب والسنة وقررها أئمة.فحاصل أمرهم أنهم في الباطن ملاحدة زنادقة، وفي الظاهر دعوا الناس إلى نبذ أحكا كثيرة من الشريعة، وإبطال كثيرا من ألأحكام التي دلت عليها السنة.فرجع أمرهم إلى أنهم لم يلتزموا أحكام الكتاب والسنة، وامتنعوا عن أحكام الكتاب والسنة في كثير بل في الأكثر من المسائل الفقهية وكذلك العقدية.فصار إذن حكمهم حكم الممتنعين عن تحكيم الكتاب والسنة في المسائل، وصار حكمهم حكم المشرِّعين الذين أتوا بدين جديد للناس والزموا به الناس، فينطبق عليهم قاعدة الطائفة الممتنعة الذين لم يلتزموا الأحكام الشرعية؛ بل هم أبلغ من غير الملتزمين؛ لأنهم جحدوا الأحكام وعذبوا الأئمة والعلماء في مصر على تلك المسائل.فإذن قول الشيخ رحمه الله (فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه) يعني بإظهار مخالفة الشريعة يعني أظهروا عدم الالتزام، وأظهروا جحد الشريعة في الأحكام الشرعية التي هي دون ما نحن فيه من مسألة التوحيد والعبادة، ومن عرف حقيقة أمرهم عرف أن كفرهم وقتال العلماء لهم وتكفير العلماء للدولة العبيدية كان من جهة أنها دولة باطنية في عقيدتها مؤلِّهة لغير الله جل وعلا هذا في الباطن، وفي الظاهر أظهروا جحد الشريعة وعدم الالتزام بأحكامها وعدم الانقياد لها بضابط الانقياد والالتزام الذين ذكرتهما لك آنفا.فلا شك أن من أله غير الله وتوجه إلى غير الله فحكمه الردة أولى من هؤلاء بحسب الظاهر، لهذا قال الشيخ رحمه الله (قد فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه) وهم الذين سنّوا في الناس الموالد المختلفة، فجعلوا لكل ليلة مولدا، هذا مولد لفلان، وهذا مولد لفلان، وهم الذين سنوا السنة السيئة الاحتفال بمولد المصطفى  وبمولد الحسين، وبمولد فلان وفلان من الأئمة إلى آخر أمورهم. المقصود أن كفرهم جاء من جحدهم للشريعة وتكذيبهم لتفسير الأئمة للنصوص وتفسيرهم للآيات القرآن وأحاديث النبي  بتفسيرات باطنية مبتدعة، فلا شك أن هذا إظهار للكفر.قال (أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم وأن بلادهم بلاد حرب)، وقوله (وأن بلادهم بلاد حرب) لأن هؤلاء تغلبوا عليها وحكموها بتلك العقيدة الباطنية والشريعة الإسماعيلية وغلب هذا.والبلاد التي فيها اختلاط ما بين أحكتم المسلمين وأحكام الكفار اختلف العلماء هل تسمى بلاد حرب أم لا؟فقالت طائفة: إنها تسمى بلاد مسلمين باعتبار الأصل، دار إسلام باعتبار الأصل، ما لم يغلب حكم الكفر.وقال آخرون: إنها دار إسلام ما دام يسمع فيها الأذان.وقال آخرون من أهل العلم: إن دار الإسلام ودار الحرب -يعني البلد التي فيها هذا وفيها هذا- لا يطلق عليها يتوقف في أن يطلق عليها اسم دار الإسلام أو اسم دار الحرب بل يعامل كل فيها بحسبه ولا تعامل معاملة دار الإسلام من كل وجه ولا معاملة دار الحرب من كل وجه في البلاد المختلطة.وقال آخرون من أهل العلم: إن أحكام الإسلام، إذا غلبت فالدار دار إسلام، وإذا غلبت أحكام الكفر فالدار دار كفر، فالمدار على ما يغلب منهما.وهذا الأخير يذهب إليه أكثر أئمة الدعوة رحمهم الله تعالى، والذي قبله من أنه لا يعطى هذا ولا هذا هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية لما سئل عن بلد أظنها [دارين] في سؤال بأنها فيها أحكام الإسلام وفيها أحكام الكفرة.قول الشيخ رحمه الله (وأن بلادهم بلاد حرب ) لأن أحكام غير الإسلام غلبت فيها فأحكام الإسلام لا توجد..... من بلدان المسلمين .هذا الذي ذكره الإمام رحمه الله تعال واضح الدلالة فيما نحن فيه من أن العلماء لم يجعلوا من أظهر الشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج وبعض العبادات أنه لا يكفر مطلقا؛ بل نصوا على أنه يكفر في باب حكم المرتد إذا فعل أشياء أو اعتقد أشياء أو قال أشياء، كذلك هذه الأمة حصل منها تكفير لطوائف كفّروا من قال برسالة مسيلمة وقاتلوهم، وكفّروا ما نعي الزكاة غير الممتنعين عن الالتزام بها، وكفروا بني عبيدة القداح لعقائدهم الباطلة وتأليههم لعلي رضي الله عنه وللأئمة، وعلي رضي الله عنه كفر من ألهه وحرقهم بالنار.فهذا كله يدل بوضوح على أن ما ذكره صاحب الشبهة من أن المسلم الذي يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ويصلي ويزكي ويصوم ويحج أنه لا يكفر بها أن هذا باطل بالأوجه الكثيرة التي أوردها في الدرس السابق وبهذا الدرس.نقف عند هذا.[الأسئلة]س1/ يقول هل لك مؤلف في كرامات الأولياء وهل هو مطبوع أم لا؟ وإذا كان الجواب لا فكيف أستطيع الحصول عليه؟ج/ كرامات الأولياء فيها كتاب الفرقان لشيخ الإسلام ابن تيمية الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وفيها كتاب كرامات الأولياء للالكائي هو مطبوع أيضا، ولمقدمة المحقق كافٍ في بابه، كتاب النبوات فيه أيضا بحثا كبير للكرامات والكتب التي بحثت هذا كثيرة.بالنسبة لدرس فتح المجيد الذي أنهيناه بحمد الله ونعمته، نبتدئ إن شاء الله في كتاب آخر ربما الأسبوع القادم نبلغكم إن شاء الله في حينه، يكون في الغالب الثلاثاء ليلة الأربعاء بعد العشاء، الأسبوع هذا ما فيه، نبلّغكم الأسبوع القادم إن شاء الله إن كنا سنبدأ.س2/ هل كان المرتدين من كان قابلا للزكاة منقادا لها إلا أنه ممتنع عن دفعها للإمام؟ج/ الجواب السؤال ينبغي أن يكون كالتالي: هل كان من المرتدين من كان قابلا للزكاة منقادا لها إلا أنه ممانع عن دفعها للإمام؟ يعني لفظة ممتنع ليست هي ممانع، ممتنع مصطلح ممتنع يعني غير ملتزم، ممانع يعني منع هذا الشيء لم يفِ به، منع، مثل ما قال الناس في زمن النبي  منع خالد زكاة ماله؛ لكن ما امتنع، فالمنع شيء في النصوص وفي كلام أهل العلم والامتناع شيء، منع خالد زكاة ماله قال «فأما خالد فإنكم تظلمون خالدا إنه احتبس أسيافه وأذرعه في سبيل الله» المنع هنا غير الامتناع، المنع يعني يقول: أنا لن أأدي هذه. هذا له حكم أمثاله من أهل الذنوب والمعاصي، أما الامتناع يقابل الالتزام، لهذا يقول إلا أنه ممتنع ممانع عن دفعها للإمام.الجواب كما ذكرنا أن مانعي الزكاة على فئتين:منهم من كان ممتنعا.ومنهم من كان مانعا. لكن المانعين قاتلوا مع الممتنعين قاتلوا قتالا واحدا، فلما صاروا يقاتلون الصحابة تحت هذه الراية راية الامتناع عن أداء الزكاة صار لهم حكمهم من هذه الجهة.أما مسألة المنع فهي غير مسألة الامتناع، فلا يكفر المانع وإنما المانع غير المستجيب الرافض، وإنما يكفر الممتنع غير الملتزم الذي يُخرج نفسه من الدخول في الخطاب التكليفي في هذه المسألة بخصوصها.س3/ هل هناك فرق بين الطائفة والفرد في هذه الأحكام؟ج/ الفرق بين الطائفة والفرد في القتال، أما في مسألة الامتناع والالتزام واحد، الطائفة الممتنعة والفرد الممتنع الطائفة التي تقول لا ألتزم بهذا الحكم يخص غيري، والفرد الذي يقول هذا الحكم لا يوجَّه لي وإنما لغيري، الحكم من حيث الردة واحد، أما في القتال فيفرق ما بين الفرد وما بين الجماعة، فالجماعة التي لها منعة تقاتل، والفرد يستتاب فإن تاب وإلا قُتل.س4/ كيف خفي على جُلهم كفر من لم يلتزم بالزكاة؟ج/ ما خفي عليهم كفر من لم يلتزم، خفي عليهم أن هل هؤلاء منعوا أو امتنعوا الزكاة أم لا، يعني ما يدرون أوش حقيقة أمرهم. عمر كان يرى أن يرسل إليهم أحد وينظر حالهم.س5/ على قول أئمة الدعوة أنه إذا غلبت أحكام الكفر على أحكام الإسلام فهي دار كفر؟ج/ أنا ما قلت قول أئمة الدعوة، أنا قلت إيش؟ أكثر، أكثر أئمة الدعوة في علمي؛ يعني بحسب ما اطلعت على كتبهم، لكن هذا قولهم يعني قولهم جميعا؟ لا؛ أنه إذا غلبت أحكام الكفر على أحكام الإسلام فهي دار كفر.هنا نقول يعني يشخَّص على بعض بلاد المسلمين، اليوم نقول هنا هل غلبت أحكام الكفر أم لم تغلب هذه يختلف فيها العلماء؟ فالنظر يكون للعالم في تشخيص البلد، هل هذا البلد غلبت فيه أحكام الكفر أم لم تغلب.الذين سألوا شيخ الإسلام ابن تيمية عن [دارين] أظن قالوا له أن فيها كذا وكذا فما حكمها، ولهذا ينبغي أن يشخص لأهل العلم والفتوى العلم بأحكام المرتد هذه المسائل، والفتوى تكون تبعا لذلك.س5/ ...ج/ دار الكفر ودار الإسلام لا علاقة لها بالحاكم، قد يكون الحاكم مسلما والدار دار كفر، مثل النجاشي في الحبشة هو مسلم وداره دار كفر، وقد يكون الحاكم كافرا والدار دار إسلام، إذا كان حصل منه موجب للردة بشخصه، فلا ارتباط بين حكم الدار والحاكم، الحاكم إذا كفر يجب خلعه مع الاستطاعة مع القدرة؛ يعني إذا لم يكن له شبهة أو تأويل كالمأمون ومن بعده.المهم أنّ حكم الدار لا صلة له بالحاكم:• قد يكون الحاكم مسلما والدار دار كفر.• وقد يكون الحاكم كافرا والدار دار إسلام.• وقد تكون المسألة مشتبهة.فهذه الأحكام دقيقة، ودائما أوصي الشباب بأن لا يخوضوا فيها؛ لأن الشاب أو طالب العلم المبتدئ ربما خاض فيها من جهة الغيرة، فأثرت غيرته على الحكم، وهذا غير مطلوب بل ينبغي تركه.س6/ ما أدري هذا السؤال تحبون نقرأه أو لا، على كل حال ينشطكم شوي يقول: إذا جلست على يدي أو رجلي فترة من الزمان فإنها تنام؛ أي لا أقدر أن أحركها وأحس فيها مثل الدبابيس وهناك طريقة لرفعها.إذا كان فيه طريقة جزاك الله خيرا.يعني وضع -ما أدري كذا- على الجسم؛ يعني طريقة خاصة به، أنا ما أعرف أن هذه من الطرق الممنوعة. نكتفي بهذا القدر وفقكم الله.صلى الله وسلم على نبينا محمد.[المتن]ويقال أيضًا: إذا كان الأولون لم يَكْفُرُوا إلا لأنهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول [] والقرآن وإنكار البعث [وغير ذلك]، فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب (بابِ حكم المرتد) وهو المسلم يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أنواعًا كثيرة، كل نوع منها يكفّر ويحل دمَ الرجلِ وماله، حتى إنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها؛ مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المزْح واللعب.ويقال أيضًا: الذين قال الله فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾[التوبة:74]، أما سمعت الله كفّرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله  و[هم] يجاهدون معه ويصلّون معه ويزكّون ويحجّون ويوَحِّدون؟ وكذلك الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ(65)لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾[التوبة:65-66]. فهؤلاء الذين صرّح الله أنهم كفروا بعد إيمانهم وهم مع رسول الله  في غزوة تبوك قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزْح.فتأمل هذه الشبهة هي قولهم تكفّرون من المسلمين أناسًا يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون ويصومون. ثم تأمل جوابها فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق.ومن الدليل على ذلك أيضًا ما حكى الله تعالى عن بني إسرائيل مع [إسلامهم] وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾[الأعراف:138]، وقول أناس من الصحابة «اجعل لنا ذات أنواط» فحلف النبي  أن هذا مثل قول بني إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا﴾. ولكن للمشركين شبهةٌ يُدْلُون بها عند هذه القصة وهي أنهم يقولون: إن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك، وكذلك الذين قالوا للنبي  :«اجعل لنا ذات أنواط» لم يكفروا. فالجواب أن نقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا [ذلك]، وكذلك الذين سألوا النبي  لم يفعلوا [ذلك]. ولا خلاف في أن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك لكفروا. وكذلك لا خلاف أن الذين نهاهم النبي  لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب.ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم -بل العالم- قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها، فتفيد التعلم والتحرز ومعرفة أنّ قول الجاهل: التوحيد فهمناه. أن هذا من أكبر الجهل ومكايد الشيطان.[الشرح]بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا من العلم والعمل يا أرحم الراحمين.اللهم اجعلنا من المتقين لك، المنيبين إليك، المتوكلين عليك، المؤمنين بك، الصادقين في دينهم يا أكرم الأكرمين. نسألك الله أن تعيذنا من مظلات الفتن، وأن تجنبنا ما ظهر منها وما بطن وأن تحملنا على الحق وأن تعيننا عليه، وأنت على كل شيء قدير.أما بعد: فهذه تتمة للأجوبة التي ساقها إمام هذه الدعوة على الشبهة التي أوردها المشركون الذين عبدوا غير الله جل وعلا ولم يعترفوا بأنهم يعبدون غير الله جل وعلا.وهذه الشبهة هي قولهم: كيف تكفرون وتحكمون بالشرك على من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ويصلي ويصوم ويزكي ويحج البيت الحرام ويؤمن بما أنزل الله جل وعلا على رسوله .فأجاب عن هذه الشبهة بأجوبة متعددة، إلى أن قال في جواب هذه الشبهة ولعله يكون الجواب السابع أو الثامن من الأجوبة قال (ويقال أيضًا: إذا كان الأولون لم يَكْفُرُوا إلا لأنهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول  والقرآن وإنكار البعث وغير ذلك، فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب (بابِ حكم المرتد) وهو المسلم يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أنواعًا كثيرة، كل نوع منها يكفّر ويُحل دمَ الرجلِ وماله، حتى إنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه أو كلمة يذكرها على وجه المزْح واللعب.) وتحصيل هذا أن العلماء من جميع المذاهب المتبوعة من الحنفية والمالكية ولشافعية والحنابلة والظاهرية كل هؤلاء من المذاهب المتبوعة الباقية ومن المذاهب المنقرضة أيضا كمذهب ابن جرير ومذهب سفيان ومذهب الأوزاعي ومذهب الليث إلى غير ذلك، هؤلاء عندهم المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قد يكفر بعد إسلامه، وجِماع أنواع الكفر عندهم -يعني عند جمهور هؤلاء- ترجع إلى أربعة:الأول الاعتقاد.والثاني القول.والثالث الفعل.والرابع الشك.فيُرجعون جميع أنواع الكفرات إلى أحد هذه الأنواع: إما باعتقاد يضاد لا إله إلا الله محمد رسول الله ولوازم الشهادتين، وإما بقول يضاد الإسلام، أو بفعل يضاد الإسلام، أو بشك فيما أنزل الله جل وعلا على رسوله ، فمن اعتقد عقيدة تضاد الإسلام من أصله خرج من الدين، ومن قال قولا يضاد الإسلام من أصله خرج من الدين وكفر بعد إسلامه.ولهذا قالوا باب حكم المرتد وهو المسلم الذي كفر بعد إسلامه، قالوا: ويكفر المسلم -وبعضهم يقول يرتد المسلم- باعتقاد ككذا وكذا أو قول ككذا وكذا أو فعل أو شك، فهذه الأربعة جعلوها أنواعا لأصول المكفرات.وإذا كان كذلك فإن العلماء بهذا مجمعون على أن من كان مسلما فإنه قد يكفر ببعض ما يَعرض له مما يضاد الإيمان من أصله، أو يضاد الشهادتين من أصلهما، أو يضاد الإسلام من أصله، والجميع بمعنى واحد.فإذا كان كذلك لم يكن لهذه الشبهة معنى عند الأئمة وعند أتباع الأئمة؛ لأنهم نصوا على كفر المسلم إذا أتى بشيء من المكفرات.فإذن قولهم لا يكفر من عبد غير الله، لا يكفر من استغاث بالأموات، لا يكفر من ذبح لغير الله، لا يكفر من استعاذ بغير الله بشرطه، لا يكفر من استغاث بالأموات، لا يكفر من استعاذ بالأموات، لا يكفر من توكل على ميت، لا يكفر كذا وكذا لأنه مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.فنقول هذا باطل، ثم إن شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم تتابعوا على نقل الإجماع على أن من اتخذ مع الله جل وعلا وسائط يدعوهم أو يتوكل عليهم فقد كفر إجماعا، وهذا إجماع أقره عليه علماء الحنابلة وطائفة من علماء الشافعية وغير هؤلاء من علماء المذاهب الأخر.وهذا من الإجماع المعلوم من الدين بالضرورة المعروف؛ لأن معنى التوحيد معنى الشهادتين أن يوحد الله جل وعلا في العبادة، فمن اتخذ مع الله جل وعلا وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم معنى ذلك أنه توجه بالعبادة لغير الحق جل وعلا، ومن توجه بالعبادة لغير الحق جل وعلا فإنه مشرك كافر.فإذن هذه الشبهة التي أوردوها يقال لهم فيها: ما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب (باب حكم المرتد)؟ولهذا ( ) من العلم الجيّد أن يفرد من كل مذهب أنواع المكفرات التي يقولها أئمة ذلك المذهب في كتبهم سواء منهم المتأخرون أو المتقدمون، فإنك تجد أن الجميع قد أقرّ بأن المسلم الذي ثبت إسلامه قد ينتقل عنه بنوعٍ من أنواع المكفرات.قال الشيخ رحمه الله هنا (ثم ذكروا أنواعًا كثيرة، كل نوع منها يكفّر ويُحِل دمَ الرجلِ ومالَه) وإحلال الدم والمال بالمكفرات فيه تفصيل:منها ما يحتاج معه إلى إقامة حجة، ومنها ما لا يُحتاج معه إلى إقامة حجة.ومنها ما يستتاب فيه، ومنها ما لا يُحتاج معه إلى استتابة.كمثل المعلوم من الدين بالضرورة يعني الذي لا يحتاج فيه إلى الاستدلال يُعلم ضرورة لا يحتاج إلى إثباته استدلال فيه إذ كل مسلم ثبت إسلامه فإنه يعلم هذه المسائل بالاضطرار؛ يعني علمها لأن أصل دخوله في الدين متوقف عليها، إلا في حالات نادرة من نزعة بدائية بعيدة أو ما أشبه ذلك؛ لكن المسائل المعلومة من الدين بالضرورة يعني التي لا يُحتاج في إثباتها لاستدلال بل هي شائعة في المسلمين مثل وجوب الصلوات الخمس ووجوب الزكاة في الجملة وتحريم الزنى وتحريم الخمر وأشباه ذلك، فإنه لا يحتاج إلى دليل؛ لأن كل مسلم نشأ على الإسلام أو دخل في الدين وفهمه فإنه يقر بوجوب هذه ويحرم تلك المحرمات، فليست مما تقع في الشبهة.فإذن التكفير قد يكون في مسائل يحتاج إلى إقامة حجة وفي مسائل لا يحتاج معه إلى إقامة حجة، والذي يكفر ويحل الدم والمال هو الحاكم الشرعي -يعني القاضي أو العالم المفتي- فإنه هو الذي يفتي بكفره وحِلّ دمه وماله، وهذا ليس لآحاد الناس لأن التكفير حكم شرعي يُحتاج في إثباته إلى وجود شرائط وانتفاء موانع وإزالة شبهة فيما يُحتاج معه إلى إزالة شبهة إلى غير ذلك، فيُحتاج في ذلك إلى حكم حاكم.ثم -كما ذكرت لك- منها ما يحتاج فيه إلى استتابة، ومنها -يعني في القتل- ما لا يحتاج فيه إلى استتابة، فلو تاب تكون توبته بينه بين ربه جل وعلا، وأما في الظاهر ففي مسائل لا تُقبل التوبة الظاهرة، وإن كان يجوز أن تُقبل باطنا؛ يعني إذا صدق في توبته.قال (حتى إنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه) وهذا متفق عليه ما بين علماء المذاهب الأربعة والأئمة الأربعة في أنّ الكفر قد يكون بالكلمة دون اعتقاد القلب، فليس من شروط الخروج من الدين أن يعتقد بقلبه، بل يقول كلمة يذكرها بلسانه دون اعتقاد القلب لما دلت عليه فيكون كافرا بذلك، أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب ولا يواطئ قلبُه عليها، لأن حماية الشريعة واجبة، ولأن من فعل ذلك فقد ترك التعظيم الواجب، وأصل الديانة والتوحيد هو تعظيم الله جل وعلا، فإذا وقع في كلمة مكفرة فإن بعض الكلمات لا يحتاج معه إلى اعتقاد القلب؛ مثل سب الله جل وعلا أو سب الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معيّنا أو سب دين الإسلام هكذا بالإطلاق أو ما أشبه ذلك، فإن هذا لا يحتاج معه إلى أن يعتقد؛ بل إذا سب الله جل وعلا كفر ولو لم يعتقد، وكذلك إذا سب الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كفر ولو لم يعتقد كما حقق ذلك شيخ الإسلام بن تيمية في كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول.(أو كلمة يذكرها على وجه المزْح واللعب) هذا من جنس المستهزئين الذين قال الله جل وعلا فيهم ﴿قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (65) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾[التوبة:65-66].قال الشيخ رحمه الله بعد ذلك (ويقال أيضًا) وهذا جواب آخر لأصل الشبهة (الذين قال الله فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾[التوبة:74]، أما سمعت [أنّ] الله كفّرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله  و[هم] يجاهدون معه ويصلّون [معه] ويزكّون ويحجّون ويوَحِّدون؟) وهذا الذي نسبه الشيخ رحمه الله إليهم قد يكون باعتبار الظاهر والباطن جميعا، وقد يكون باعتبار الظاهر؛ فإن العلماء اختلفوا هل هؤلاء كانوا من المنافقين أصلا أو لم يكونوا من المنافقين؟ يعني الذين نزل فيهم قوله (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ) وعلى كلٍّ فإن قوله (وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ) حيث جعل الكفر بعد الإسلام والإسلام هو الظاهر، دلّ على أن الكفر حصل منهم بمنافاة ما قالوا للإسلام الظاهر، وهذا يشمَل أن يكونوا منافقين أو أن يكونوا غير منافقين؛ لأن المنافق أسلم ظاهرا ولم يؤمن باطنا، وهو إذا أظهر شيئا مما يخالف أصل الدين يكفر بعد إسلامه، وكذلك إذا كان من غير المنافقين فإن كلمته تلك جعلته يكفر بعد إسلامه.قال (وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ) وهذا يدل على أن الكفر يكون بالكلمة ولم يُشترط هنا ولا في آية الاستهزاء الاعتقاد، ولهذا بنى العلماء قولهم: إن المسلم يكفر باعتقاد أو قول أو فعل أو شك على أدلة منها كهذه الآية.قال الإمام رحمه الله (وكذلك الذين قال الله فيهم:﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ﴾) أيضا يضاف إلى ما سبق في تقرير الجواب الأول أنه قال جل وعلا (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ)، قوله جل وعلا (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ) دل على أن الكفر معتبر فيه القول، ولو كان يحميهم منه عدم الاعتقاد لنفوا عن أنفسهم الاعتقاد وأقروا بالقول؛ لأنهم يقصدون البعد عن الكفر، فلما لم يحتجوا باعتقادهم الباطن ولا بإيمانهم الباطن دل على حصول الكفر منهم بالظاهر بكلمة الظاهر، فقوله جل وعلا (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ ) احتاجوا إلى الحلف بالله أنهم لم يقولوا؛ لأن الكفر يعلمون أنه يحصل بقولهم، ولو علموا أنهم لو حلفوا بأنهم لم يعتقدوا أو لم يقروا بهذا أو يلتزموه في قلوبهم؛ يعني لو علموا أنهم لو أحالوا على ما في قلوبهم لنجوا لأحالوا على ما في قلوبهم؛ ولكن الله جل وعلا بيّن أنهم حلفوا على انتفاء قولهم أصلا، وذلك لأجل أن يسلموا من الكفر وقد قال جل وعلا بعدها (وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ).(كذلك الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ(65)لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾[التوبة:65-66]) ففي هذه الآية (صرح الله جل وعلا أنهم كفروا بعد إيمانهم وهم مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة تبوك، قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح)، وهؤلاء كانوا من المنافقين كما قال الله جل وعلا ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (65) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً﴾[التوبة:64-66]، فدلت هذه الآيات على أن هؤلاء كانوا منافقين وأن تكفيرهم لأجل ما حصل منهم من الاستهزاء بالله والآيات والرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فتعليق حكم التكفير في الآية بالاستهزاء بهذه الثلاثة دلّ على أن المسلم الذي يُحكم بإسلامه ظاهرا:• إذا استهزأ بالله فإنه يكفر بعد إيمانه.• أو استهزأ بآي الله المتلوة -يعني القرآن- فإنه يكفر بعد إيمانه.• أو استهزأ بالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه يكفر بعد إيمانه. (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ) فدل هذا على تغليق التكفير بالاستهزاء بهذه الثلاثة وهي الاستهزاء بالله ويدخل في ذلك السب واللعن واشباه ذلك أو الاستهزاء القرآن بنفس الآيات في الآيات نفسها أو بالآي نفسها أو بسورة من القرآن، أو استهزاء بالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو سب القرآن أو سب الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه لا يقبل منه اعتذاره بأنه لم يعتقد أو أنه إنما قالها على وجه المزح واللعب (لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)، فدل هذا على أن من حصلت منه كلمة الكفر فإنه يكفر بعد إسلامه ويكفر بعد إيمانه، وهذا هو المراد من تقرير هذا الجواب.قال رحمه الله بعد ذلك (فتأمل هذه الشبهة [و]هي قولهم تكفّرون من المسلمين أناسًا يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون ويصومون. ثم تأمل جوابَها فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق) وهذه الأجوبة أظنها تبلغ تسعة أو عشرة التي ذكرها الشيخ رحمه الله في جواب هذه الشبهة، وهي لاشك مثل ما وصفها الإمام رحمه الله أنها (من أنفع ما في هذه الأوراق)؛ لأن الأكثرين ممن أقروا بالتوحيد واعتقدوا صحته صعُب عليهم أن يُخرجوا أحدا ممن أظهر الإسلام عن إسلامه بدعوة غير الله ودعاء الأموات والذبح لهم وأشباه ذلك مما فيه صرْف العبادة لغير الله؛ لأجل أن هؤلاء مسلمون يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويصلون إلى آخره، حتى إن بعضهم في جبهته أثر العبادة، وحتى أن بعضهم يصوم يوما ويفطر يوما، فيقول كيف تحكمون عليه بالكفر من الدين وهذه حاله وهذا ديدنه في العبادة وفي الطاعة وفي قيام الليل وفي الصيام وفي كثرة التلاوة وكثرة الصلاة لأجل أنه دعا غير الله أو استغاث بغير الله أو اعتقد في الولي الفلاني أنه يملك له نفعا أو ضرا أو أنه يتصرف بشيء من العالم كيف تكفرونه وهو من أهل الصلاح؟ والجواب أن العلماء -كما ذكر- ذكروا أجوبة كثيرة على هذا، وكل مسلم مهما كانت منزلتُه فإنه يكفر بعد إسلامه بالشرك باعتقادٍ باطل أو بقولٍ باطل يضاد الإسلام من أصله أو بعمل يضاد الإسلام من أصله كالسجود لصنم أو رمي المصحف في القاذورات متعمدا عالما وأشباه ذلك، فإنه يكفر بعد إسلامه لأنه فعل هذه الأشياء، والله جل وعلا قال لنبيه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ وهو أكرم الخلق ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ﴾[الزمر:65-66]، قال (لَئِنْ أَشْرَكْتَ ) يا محمد (لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)، وفسر الشرك بعد ذلك بقوله (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ)؛ يعني أن من عبد غير الله فهو المشرك الذي حبِط عمله، فقال (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)؛ يعني الذين خسروا عبادتهم وخسروا دنياهم وخسروا آخرتهم، (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ) يعني اُعبد الله وحده دون ما سواه (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ).ثم ذكر تطبيقا لهذا الأصل وهو أن المسلم قد يكفر بعد إسلامه بأشياء بمَثَلَين أو حادثتين:الأولى لأصحاب موسى عليه السلام.والثانية لبعض أصحاب محمد عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.قال (ومن الدليل على ذلك [أيضًا]) يعني على الجواب الأخير (ما حكى الله تعالى عن بني إسرائيل مع [إسلامهم] وعلمهم وصلاحهم)، قوله (ما حكى الله تعالى) يعني قصّ، فالحكاية هنا بمعنى القصة، (حكى الله تعالى عن بني إسرائيل) يعني قص الله تعالى عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم هربوا من فرعون وآمنوا بموسى وهاجروا معه وساروا في التيه حنى حصل منهم ما حصل قال الله جل وعلا عنهم أنهم قالوا لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾[الأعراف:138]، قال سبحانه ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾[الأعراف:138-139] وجه الاستدلال أن المسلم والمتبع للنبي المؤمن به قد يتخذ إلها مع الله جل وعلا حيث قالوا لموسى عليه السلام (اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) وهؤلاء فهموا وهم أهل الفهم والإدراك أن طلب العكوف على الأصنام والتماثيل أو على الأوثان أو على القبور أو ما أشبه ذلك أن العكوف عند هذه الأشياء تقربا بأصحابها عبادة وأنه اتخاذ إله مع الله جل وعلا فقال (اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا) يعني يعني نتوجه إليه في الأرض كما نتوجه لله جل وعلا في السماء (اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) واحد نتوجه إليه في الأرض تمثال أو وثن أو صنم فقال لهم موسى عليه السلام (إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) فطلبوا فلما أنكر عليهم موسى وعلمهم الصواب عليه السلام تركوا طلبهم ورجعوا إلى توحيدهم. قال الشيخ رحمه الله وهو المثال الثاني (وقول أناس من الصحابة « اجعل لنا ذات أنواط» فحلف النبي  أن هذا نظير قول بني إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا﴾) وهذا حديث ذات الأنواط أنه لما خرج الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه إلى حنين وجدوا للمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يعني يعكفون ويعلقون الأسلحة رجاء البركة. وهذان الفعلان وهو العكوف ونوط الأسلحة نوط الأشياء لتنتقل البركة من الشجر إلى الأسلحة فينتفعون بذلك في الدنيا والآخرة جميعا هذان نوعان من العبادة:• فالعكوف والاعتكاف عبادة مستقلة.• وطلب البركة والانتفاع في الدنيا والآخرة أيضا عبادة أخرى. فهؤلاء طلبوا إلها مع الله جل وعلا حبث قالوا للنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ إجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، وذات الأنواط تلك فعل عندها المشركون فعلين:الأول العكوف.والثاني تعليق الأسئلة للتبرك بها؛ يعني لينتفعوا بالتبرك في الدنيا لمضاء أسلحتهم، وفي الآخرة بثوابهم على ذلك أو طلب القربى عند الله. قال «الله أكبر الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده ما قال أصحاب موسى لموسى إجعل لنا إلها كما لهم آلهة» و فدل على أن العكوف عند شيء غير ما أذن الله جل وعلا به وهو البيت الحرام في المساجد عكوف لله جل وعلا يتقرب إلى الله وحده أنّ هذا صرْف للعبادة بغير الله، فمن عكف عند شيء يتقرب باعتكافه وعكوفه عند هذا الشيء فإن هذا شرك أكبر، وكذلك طلب البركة في الدنيا والآخرة جميعا من أحد بفعل من الأفعال فإن هذا شكر أكبر.هل كفر أولئك الذين قالوا تلك الكلمة؟ قال أهل العلم طلبوا شيئا ولم يفعلوه، فتكفير المشركين حصل بشيئين:• بالعكوف.• وبطلب البركة وبنوط الأسلحة بالشجرة. وهذان الفعلان التكفير بهما والحكم بالشرك بهما راجع إلى العمل، ولذلك من قال هذه الكلمة فإنه لا يكفر؛ لأنه لم يفعل، فكفر أولئك بالعمل، وهؤلاء لم يكفروا لأنهم لم يعملوا، وطلبهم أُنكر عليهم فرجعوا إلى توحيدهم فلم يحصل منهم ذلك، ولهذا من طلب هذتا الطلب من طلب شيئا أو قال شيئا كُفْرُه بالعمل يعني كفره بشيء ما ولم يحصل منه الفعل فإنما حصل منه القول فقط، فأُنكر عليه أو عُلِّم إن كان جاهلا، قال (إنكم قوم تجهلون)، فرجع فإنه لا يكفر ولا يخرج عن دينه بمقالته، مثل مثلا يقول أحد لماذا لا نذهب إلى الولي الفلاني ندعو عنده ندعوه ونسأله أن يحصل لنا كذا وكذا؟ فبمجرد القول إذا أنكر عليه فالتزم وفهم الصواب ووحد فإنه لا يكفر؛ لأنه بالقول طلب شيئا ومن طلب شيئا كفره بالفعل فإنه لا يُكفر بالقول لأن القول كبيرة وليس بكفر في هذه الصورة .قال (ولكن للمشركين شبهةٌ يُدلُون بها عند هذه القصة وهي أنهم يقولون: إن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك، وكذلك الذين قالوا للنبي  :«اجعل لنا ذات أنواط» لم يكفروا.) وهذا صحيح يعني هذا الإيراد كما ذكرت لكم صحيح لكن ليس على ما أرادوا من لزوم هذا الإيراد على شبهتهم فأجواب الإمام على شبهاهم فقال :(فالجواب أن نقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك) فإذن لم يكفروا لا لأجل أنه لا يكفر المسلم؛ ولكن لأجل أنهم لم يفعلوا بل هم قالوا (اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا) واتخاذ إله مع الله جل وعلا ينافي لا إله إلا الله.قال (وكذلك الذين سألوا النبي  لم يفعلوا. ولا خلاف) يعني بين أهل العلم (في أن بني إسرائيل [لم يفعلوا ذلك] ولو فعلوا ذلك لكفروا. وكذلك لا خلاف) يعني بين العلماء ([في] أن الذين نهاهم النبي  لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب) وهذا تقرير عظيم وجيه صحيح متفق كما ذكر الشيخ مع كلام أهل العلم في تقريرهم على الآية وعلى الحديث، فإن أهل العلم مجمعون -كما ذكرت لك- على أن ما كان كفره بالفعل فإن طلبه بالقول دون ممارسة للفعل لا يكفر صاحبه بذلك يعني إذا طلبه .قال وهذا استطراد من الإمام رحمه الله -هذا استطراد مهم وعظيم- قال (ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري [عنها] فتفيد التعلم والتحرز ومعرفة أن قول الجاهل: التوحيدَ فهمناه. أن هذا من أكبر الجهل ومكايد الشيطان) التوحيد فهمانه يعني فهمنا التوحيد وهذا الاستطراد مناسب جدا لأن قصة بني إسرائيل وقصة من كان مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ خرج في حنين وكانوا حدثاء عهد بكفر وكان نهم من طلب ذلك مسلمة الفتح ممن تأخر إسلامهم ولم يعلموا حقيقة الدين بعدُ هذا يفيد شيئا عظيما وهو أن الموحد الذي دخل في الإسلام وهو يعلم معنى كلمة التوحيد قد تقع له بعض الأفراد في التوحيد يجهلها ولا يفهمها فيقع في قول كفري وهو لا يعلم، قال (تفيد أن المسلم [بل العالم] قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري [عنها]) وهذا ظاهر فإنهم فلو لم يكن معهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد يكونون يفعلون ما طلبوا من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يأذن لهم به، وهذا راجع في الواقع إلى كثير من اهل العلم ومن المنتسبين للديانة فإنهم على ديانتهم وعلى علمهم قد استحسنوا بعض الأفعال الشركية سواء بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو بغيره من الصالحين أو الأنبياء كإبراهيم الخليل ونحو ذلك، فدل على أن الصحابة الذين هم أفضل هذه الأمة بالإجماع أفضل من علماء هذه الأمة بالإجماع أنهم لما وقعوا في ذلك لا يُؤمن أن يقع فيه من هو دونهم في الرتبة والمنزلة، فإذا وقع فيه عالم لا يقال هذا عالم كيف تقول إنه وقع في ذلك؛ بل نقول قد يقع فيه أصحاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما حصل من أصحاب موسى وحصل من بعض أصحاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهم على فضلهم وصحبتهم لكن جهلوا بعض أفراد التوحيد، وإذا جهل فإن التعليم والإنكار على الجاهل والإنكار على المعاند وتعليم الجاهل واجب، ولا يجوز أن يقال أن العالم لا يخطئ في هذه المسائل البتة؛ بل قد يقع الغلط في هذه المسائل ممن هو في المرتبة العليا في زمنه أو في بلده، وإنما المقصود أن الأمة لا يمكن أن تُجمع على ضلالة فإذا وجد من قام بالحق فبين له أن قوله ذلك يقود إلى باطل أو إلى شرك كفعل بعض المتأخرين حيث ذكروا في كتبهم الفقهية بعض الصور الشركية التي تحستحسن أن تفعل عند قير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما يذكرون قد ذكره طائفة من الكبار العلماء في كتب الحج سواء الفقهية المطولة أو المناسك المخصوصة في الحج ذكروا أنهم إذا أتى المسلم قبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالوا: يستحب له أن يدنو منه وأن يناديه بقوله:يا خير من دفن في القاع أعْظُمُه فطاب من طيبه القاع والأكمإلى آخر الأبيات التي فيها استغاثة للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والطلب منه، فذكروا أنه يفعل أشياء هي من الشرك بالله جل وعلا لا يقال هؤلاء علماء كيف نقول إنهم استحسنوا هذا الأمر؟ نقول من هو أفضل منهم قد يخفى عليهم ولا يُنقص هذا ن منزلتهم لأن الصحابة الذين قالوا ذلك وطلبوا هذا الطلب الكفري لما أُنكر عليهم وعلموا وتركوا هذا القول وأنابوا هم على منزلتهم وفضلهم وعظم مكانتهم في هذه الأمة وهم خير الناس لأنهم صحبوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإذا وقع شيء من ذلك فإن العالم إذا لم يكن داعيا إلى الشرك فإنما وقع هذا في كتبه من جهة الغلط فإنه قد يغلط الكبير قد يغلط العظيم غلطة وأشباه ذلك، وهذا لا ينزل من مرتبته؛ لأن هذا لو قيل به لكان معنى القول بمعدم غلط العالم أنه معصوم مطلقا، والصحابة رضي الله عنهم لم يعصموا وكذلك من بعدهم أولى بأن لا تكون لهم العصمة؛ لكن الإجماع لا تجمع هذه الأمة على ضلالة بل لا يزال في الأرض قائم لله بالحجة يُدلي بالحجة الشرعية الصحيحة ويبينها للناس.فإذن قوله هنا رحمه الله (ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري [عنها] فتفيد التعلم) تفيد التعلم لأن أفراد التوحيد كثيرة وربما سمعتم وقرأتم ورأيتم في هذا الزمن من بعض في هذا الزمن من بعض من ينتسبون إلى الدعوة في بعض البلاد وفي بعض الأمصار من فعلوا أشياء كثيرة وعلموا أشياء كثيرة يريدون نصرة دين الله جل وعلا؛ ولكن عندهم بعض شركيات، تجد عندهم بعض الأفعال أو أقوال التي فيها شرك، كمن استحسن الاستغاثة ببعض الأموات إما بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو بأبي بكر أو بعمر وكمن طلب أن يحضلا إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتتلى عنده أبيات معينة فيها الاستغاثة به وأشباه ذلك فالداعية وصاحب المقام إذا كان هو يريد نصرة دين الله إذا كان يريد نصرة دين الله فلا يعني أنه لا يقع في ذلك لا يعني أن فيه أن يخاف أشد الخوف أن يقع في الشرك وهو لا يعلم كما قال الشيخ رحمه الله هنا (فتفيد التعلم..... ( )والجهلُ داء قاتلٌ وشفـــاؤه أمران في التركيب متفقـانِنص من القرآن أو من سنــة وطبيب ذاك العالم الربانـيالعلم هو شفاء الجهل فالتعلم لابد منه ومن قال التوحيد أمر فطري لا نحتاج إلى أن تعلمه ولا إلى أن نبذل فيه الوقت ولا الجهد فهذا جاهل بنفسه وجاهل بحق ربه جل وعلا؛ بل التوحيد يحتاج العبد إلى أن يتعلمه دائما حتى لا يقع في شيء من نواقض ذلك التوحيد، وأعجب ما يكون من ذلك قول إبراهيم عليه السلام لربه في دعائه المخبت المنيب ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾[إبراهيم:35-36]، فدعا ربه أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام؛ يعني عبادة غير الله جل وعلا، وإبراهيم هو خليل الله، قال إبراهيم التيمي من سادات التابعين رحمه الله تعالى لما تلا هذه الآية قال: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم. فالعبد يجب عليه أن يتعلم وأن يخاف ويتحرز فمن علامات سعادة المؤمن وطالب العلم والدعي إلى الله جل وعلا: أن يكون دائم التعلم للتوحيد والقراءة في مسائله لأنه أعظم حق لله جل وعلا.والثاني أن يكون دائما خائفا من الشرك ووسائله فيكون متحرزا خائفا.كما قال الشيخ رحمه الله هنا في وصيته العظيمة (تفيد التعلم وهذا واحد والتحرز وتفيد أيضا معرفة قول الجاهل: التوحيدَ فهمناه. أن هذا من أكبر الجهل ومكايد الشيطان) فإنه لا يقال التوحيد فهمناه، نريد شيء غير التوحيد؛ لأن التوحيد ينسى وتتشابه مسائله وصور الشرك تتجد مع الأزمنة فلا بد أن يتعلم وتبين مسائله، والشيطان ينسي الناس أصل التوحيد ومسائله حتى يقع في الشرك ولهذا تعلمون حديث ابن عباس الذي في الصحيح صحيح البخاري لما عبد الصالحون من قوم نوح قال ابن عباس في شارة عظيمة قال لما اتخذوا صور الصالحين جاءهم الشيطان إلى آخر القصة -حديث عطاء عن ابن عباس- قال: فلما تنسَّخ العلم عبدت. ففي قوله تنسخ فائدتان:الأولى أن العلم بعد وجوده قد يذهب وإنما يذهب بإهماله.والفائدة الثانية أن قوله فلما تنسخ العلم يعني ذهب شيئا فشيئا يدل على أنّ العلم بالتوحيد لا يذهب جملة من الناس، وإنما يذهب شيئا فشيئا لأنه يتنسّخ، ما ينسخ ما يرفع فجأة ولكن يتنسخ شيئا فشيئا يذوب بإهمال الناس وعدم رعايتهم لهذا الأصل العظيم.قال (تفيد معرفة أن قول الجاهل: التوحيدَ فهمناه. أن هذا من أكبر الجهل ومكايد الشيطان) وهذه الكلمة التوحيد فهمناه قالها بعض تلامذة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إمام الدعوة قالوها له في درسه.فإنه لما أتم إقراء كتاب التوحبد وبيان مسائله فأراد أن يعيد الكرة ثالثة أو رابعة.قالوا له: يا شيخ نريد كتابا آخر، نريد الفقه أو الحديث.قال: لم؟ قالوا: التوحيد فهمناه نريد علما آخر. فقال لهم: أنظروني حتى أنظر في هذه المسألة.فلما أتى بعد بضعة أيام سألهم، جلس في مجلس درسه وبدا على وجهه التكدر جدا.قالوا له: ما به وجه الشيخ؟ قال: أبلغت بشيء كدرني.فقالوا له: وما هو؟قال: بلغني أن بيتا في الدرعية ذبح أصحابُه عند الباب ديكا لأجل نزولهم البيت، أرادوا أن ينزلوا البيت وعند النزول عند الباب ذبحوا ديكا وسال الدم على عتبة الباب، وأنا أرسلت من يتثبت في الأمر، ونقوم في ذلك بما يجب.فلما أتى من غد قالوا له: ماذا حصل يا شيخ ما الذي صار في هذا الذي...؟قال: وجد الأمر غير ذلك.قالوا: ماذا وجدت؟قال لهم: وجدت أن أهل البيت ما حصل منهم ذلك؛ ولكن فلان وقع على أمه.قالوا: أعوذ بالله وقع على أمه!! أعوذ بالله وقع على أمه،،،،،، فالشيخ قال هذه الكلمة منه تعلم أن قول الجاهل التوحيد فهمناه من أكبر الجهل ومكايد الشيطان؛ لأنهم استعظموا كبيرة من الكبائر، وأما الشرك الأكبر بالله المخرج من الملة ما أنكرته قلوبهم، لماذا ما أنكرت قلوبهم هذه الصورة وهو إسالة الدم عند عتبة الباب عند النزول نزول الدار؟ لأنهم لا يعلمون أن هذه الصورة لأجل التقرب إلى الجن لدفع شره أو لدفع شر أصحاب العين الذي هو تقرب بالذبح إلى غير الله الذي هو شرك أكبر بالحق جل وعلا، فاستعضموا كبيرة من الكبائر ولم يستعظموا الشرك الأكبر بالله جل وعلا، كما يحصل وترون ذلك من بعض الجهلة من أنهم إذا رأوا بعض الكبائر تغيضوا وقاموا وقعدوا، وأما إذا سمعوا بالشر الأكبر بالله جل وعلا وفلا يتحرك لهم ذلك، وتجد أنهم إذا تحرك أو سمعوا ببعض المنكرات في الأخلاق أو الزنا أو وسائل الزنا في بعض البلاد أو تبرّج النساء أو بعض الفجور أو بعض الظلم أو نحو ذلك قاموا وقعدوا وأصبحوا يتكلمون؛ لكن الشرك الأكبر بالله كونه يرى قبة تحتها معبود من دون الله جل وعلا أو يرى الناس يذبحون لغير الله جل وعلا أو يقرأ هذا في مجلة او يقرأ هذا في كتاب لا يحرك قلبه لحق الله الأعظم، وهذا دليل جهله، ودليل أنه لم يعرف مصلحة نفسه بأن هذا الجاهل إذا لم يتعلم التوحيد ويتغيض قلبه في حق الله جل وعلا بعيادته وحده دونما سواه فإنه على شر، فإن وجد في نفسه أنه إذا رأى منكرا تغيض وأما إذا رأى الشرك الأكبر بالله جل وعلا لا يتحرك قلبه، فليعلم أنه ما فهم التوحيد ولا عظمم الله جل وعلا حق تعظيمه، وهؤلاء الذين قالوا التوحيد فهمناه هؤلاء جهلة ودخل إليهم الشيطان من أكبر مكايده، كما قال الشيخ رحمه الله وأجزل له المثوبة (فتفيد التعلم والتحرز ومعرفة أن قول الجاهل: التوحيدَ فهمناه. أن هذا من أكبر الجهل ومكايد الشيطان). ( ) نقف عند هذا ولاشك أن هذه مسائل عظيمة تحتاج ممكن إلى درس ونظر وترديد لأن المسألة في هذا الأمر عظيمة جدا فنسأل الله جل وعلا أن يعيذنا وإياكم من الجهل بحقه والجهل بتوحيده وأن يجعلنا من يكثرون من قراءة التوحيد وتعلمه وتعلم مسائله، وإدمان المطالعة في كتب أئمة هذه الدعوة الذين مكثوا أكثر من قرنين من الزمان يتتابعون في تجلية مسائل هذا، واختصوا به وتفرغوا له، حتى غدت مسائله بإيضاحهم وبيانهم واضحة جلية لا لبس فيها.فالله الله في هذا الأمر الجلل والمداومة على فهم التوحيد وعلى مطالعة كتبه وحفظ ذلك ومدارسته، فإنه نعم العلم ونعمة العاقبة لأصحابه والعاقبة للمتقين. [الأسئلة]س1/ هل يكفر قوم بأن عندهم عادة سب الدين والرسول ومنهم جاهل بأن ذلك كفر وأنه منكر هل يكفر بالجهل؟ج/ من سب الإسلام الذي أنزله الله جل وعلا على محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو كافر ولا يعذر بالجهل ولا بأن يقول ما قلته على وجه المزاح واللعب أو غلطت ما علمت إلى آخر ذلك، كذلك سب الهِ جل وعلا كذلك سب الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن تعظيم الله جل وعلا تعظيم رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتعظيم القرآن وتعظيم دين الإسلام هذا واجب من الواجبات ويعلم بالضرورة من دين الإسلام فإذا سب معناه أنه نافى ذلك التعظيم وهذا كفر بمجرده.أما سب دين فلان فهذا لا يكفر به، فإذا سب معين من الناس، مثلا تخاصما اثنان فقال أحدهما للآخر: كذا دينك. فسب دينه فهذا لا يكفر، لأن هذا يحتمل أن يريد تدينه، والديانة التي هو عليها، فلا يكفر إلا إذا سب الإسلام مطلقا، أما إذا سب الدين المضاف إلى بعض الناس فإنه لا يكفر به، لأن هذا فيه شبهة لكن يعزر ويؤدب.س2/ الدرس الجديد متى سيكون؟ج/ ربما يكون ليلة الإثنين أو ليلة الإربعاء، وربما الراجح يكون ليلة الإثنين لكن إلى الآن ما تحدد ولا متى نبدأ به، ونبلغكم في حينه إن شاء الله .س3/ هناك بعض الإخوة في المنطقة الشرقية في مدارس يكون مديروها من الرافضة أو مدرسوها ؟ج/ أما إذا كان المدير من الرافضة فهذا يجب عليك أن تبلغنا به نسعى إن شاء الله في أمره، أما المدرس الذي يدرس فهذا فهذا له أحكام معاملة المبتدع معروفة في كتب أهل العلم وفي فتاويهم يمكن أن ترجع إليها.أما المدير فلا يجوز أن يسكت عليه لأن المدير موجه وآمر ناهي فتبلغنا بذلك إن شاء الله.س4/ فعل الشيخ محمد بن عبد الوهاب بما فيه اختبار التلاميذ هل يعتبر من الكذب من أجل العلم والتعلم وهل هو جائز؟ج/ نستفيد من فعل الشيخ أنه جائز، هذا للتعلم الكذب للمصلحة الشرعية جائز كما هو معلوم، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال «ليس الكذاب الذي يقول خيرا أو ينوي خيرا».وهذا الذي فعله الشيخ هذا خير له وليس من الكذب هذا بالمناسبة يذكر أن بعض الإخوة يكثر من الإعتراض وهذا لا ينبغي فإن أفعال أئمتنا والراسخين في العلم نستفيد منها، فالأصل فيها الاستفادة والسلامة إلا إذا عارضت نصا أو دليلا الكتاب والسنة أو فعل الصحابة أو نحو ذلك فإنه لا عصمة لهم؛ لكن الأصل فيها السلامة وأننا نستفيد من أقوالهم ومن أفعالهم.س5/ ما رأيكم من يزور أماكن الشرك للوقوف على حقيقة الشرك دون أن ينكر عليهم بحجة أنه سيتعرض للخطر إذا هو أنكر؟ج/ لا يجوز له أن يحضر مكان يعبد فيه غير الله، يستغاث فيه بغير الله، يصلى فيه للميت يتجه إليه للقبلة يطاف على قبره ويسكت ولا ينكر؛ لأن هذا أعظم المنكر وهو الشرك لكن كيف ينكر هذا يحتاج إلى بيان الشيخ محمد رحمه الله إمام الدعوة لما كان يحضر الذين كانوا يعبدون زيد بن الخطاب كان يقول لهم في أول الدعوة الله خير من زيد، فينبههم أن دعوة الله جل وعلا وحده أنها أفضل، وهذا من التدرج في الدعوة، فإذا كان يرى أن الإنكار عليهم ينفعهم وأنه إذا قالهم مثل هذه الكلمة أنها أنفع لهم، هذا لما يراه أن المصلحة الشرعية فيه، أما أن يحضر مثل هذه الأماكن ولا ينكر البتة فهذا حرام عليه ولا يجوز.ونسأل الله لنا ولإخواننا العفو والعافية والمغفرة.... السياحة!! يتفرج على الذين يعبدون غير الله!! أعوذ بالله يتغيض الواحد من رؤية قبة من دون أن يعرف ماذا تحتها فكيف يذهب وينظر ويجلس ويسمعهم ويسكت!! هذا......طبعا مفهوم الشرك في صوره المخنتلفة هذا يختلف فيه الناس، لكن ينبغي بل يجب أن لا يأخذ الشباب هذه المسائل من غير الراسخين في العلم؛ لأن كون صورة ما صورة شركية هذ ه إنما يعلمها أهل العلم في المسائل هذه الحادثة الجديدة هذا يسأل عن بعض ما يفهم من الأنظمة الرأسمالية والشيوعية والوطنية وتمجيد الماضي إلى آخره وغيره من الصور، فهذه تعرض المسألة على أهل العلم فإن قالوا إن هذه حكمها كذا فيصار إليه، لأن المسائل تختلف وليس كل ما ظنه المرء شركا يكون يكون شركا.بل قد رأيت في بعض الكتب كتاب اسمه الأوثان أو شيء أن مؤلفه جعل التلفاز وثنا وأن حال الجالسين أمامه لينظروا أنهم عاكفون عند هذا الوثن، فكل من فعل بأن عكف عند هذا الجهاز الساعات الطويلة، فإن هذا عبادة لغير الله جل وعلا، هذا لاشك أنه إفتآت على الدين وقول بلا علم وخروج عن ما يجوز، فإن القول على الله بلا علم أكبر من الكبائر العملية.س7/ ما رأيك يا شيخ في من ينكر أهمية هذا المتن ويقول إن كان له أهمية تذكر فهي للدعاة في الخارج ونحن تكفينا قراءته ؟ج/ هذا كلام الشيخ فيه (ومعرفة أن قول الجاهل: التوحيدَ فهمناه. أن هذا من أكبر الجهل ومكايد الشيطان) فليحذر على نفسه .س8/ ذكرت أن من سجد للصنم أنه يكون كافرا هل هذا بعد الاستفصال؟ج/ لا شك من سجد للصنم فإنه كافر ظاهرا، السجود للصنم من الكفر العملي الذي يضاد الإيمان، فإن الكفر قسمان:كفر اعتقادي يكون بالاعتقاد.وكفر عملي والكفر العملي قسمان -كما ذكر ابن القيم في أول كتابه الصلاة-: قسم يضاد الإيمان من أصله كسب الدين أو الإسلام أو سب الله أو سب رسوله أو السجود للصنم أو إلقاء المصحف في القاذورات متعمدا عالما وأشباه ذلك، فهذا كفر عملي؛ يعني كفر بعمله هو مخرج من الملة لأنه مضاد للإيمان.وقسم آخر من الكفر العملي ما لا يضاد الإيمان مثل المسائل التي ذكروها، ترك الصلاة عند طائفة كبيرة عند أهل العلم ومثل الحكم بغير ما أنزل الله، ومثل سباب المسلم، قتاله، سباب المسلم فسوق وقتاله كفر؛ يعني تقاتل المسلمين وأشباه ذلك مما جاء في الشريعة أنه كفر.فإذن من فهم أن تقسيم الكفر إلى اعتقادي وعملي: أن العملي لا يكفِّر هذا غلط عظيم، حتى غلط على ابن القيم رحمه الله فإن ابن القيم في كتابه الصلاة الذي نقلوا عنه هذا التقسيم قال وكفر عملي مثل السجود للصنم وهذا يضاد الإيمان وقال كفر عملي ومنه ما يضاد افيمان كالسجود للصنم مثل إلى آخره منه ما لا يضاد أفيمان كترك الصلاة والحكم بغير ما أنزل الله إلى آخر كلامه ، فالعلماء حيننما يقسمون الكفر إلى اعتقادي وعملي، هذا تقسيم لمورد الكفر فإن الكفر قد يكون مورده من جهة الاعتقاد وقد يكون من جهة العمل والاعتقاد منه الشك أيضا والكفر العملي منه القول ومنه ما لا يكفر.فإذن قول العلماء: أن الردة تكون باعتقاد أو عمل أو فعل أو شك. راجع إلى هذين القسمين: اعتقاد أو عمل ولكن الكفر العملي منه ما يضاد افيمان من أصله كما ذكرنا ومنه ما لا يضاد الإيمان من أصله فليس معنى كفر اعتقادي وكفر عملي أنها مساوية للكفر الأكبر والأصغر كما يظنه طائفة هذا غلط عظيم على أهل العلم؛ فإن الكفر قسمان كفر أكبر وأصغر، باعتبار كفر أكبر يعني مخرج من الملة وكفر أصغر يعني غير مخرج من الملة، فباعتبار حكم هذا الفعل فإنه يكون أكبر ويكون أصغر وباعتبار مورد الكفر قد يكون اعتقاديا وقد يكون عمليا واعتقادي أكبر ويكون بعض أقسامه أصغر والعملي قطعا منه أكبر ومنه أصغر.فقول بعض أهل العلم الكفر العلملي هو الكفر الأصغر هذا غلط؛ بل الكفر العملي منه أكبر ومنه أصغر، فكلمات العلماء متداخلة مثل ما نقول في الشرك أكبر وأصغر، والشرك يكون باعتقاد ويكون بالعمل، فإن من ذبح لغير الله فهو مشرك بالعمل ومن نذر لغير الله فهو مشرك بالعمل، ومن استغاث بغير الله فهو مشرك بالعمل، وهذا الفعل منه قد يؤول إلى اعتقاد وقد لا يؤول إلى اعتقاد، فالمكفرات العملية الكفر الأكبر أو الأصغر من الكفر العملي قد ترجعها إلى اعتقاد وقد ترجعها إلى عمل مجرد.فإذن ليس كل ما قيل فيه إنه كفر عملي يساوي الكفر الأصغر؛ بل قد يكون هذا وقد يكون هذا.س9/ نرى بعض الأشخاص يستشهد ببعض ما يحصل له من أحداث في حياته اليومية ببعض الآيات والأحاديث، فيضحك من حوله وهو في تلك الحالة ليس بمستهزئ، وإنما قالها لمناسبة الموقف، ما حكم هذا الفعل وبما ينصح هؤلاء؟ج/ أما من جهته فإذا كان أوردها إيرادا عاديا وهم الذين ضحكوا فهو ليس عليه حرج إذا لم يتعمد إضحاكهم بما أورده، وهم على قسمين :• إن ضحكوا لفعله فهذا مما هو سائغ مما هو مباح.• وإن ضحكوا على استشهاده بالآية أو ضحكوا على الآيات فهذا يدخل في الاستهزاء.هنا يستفصل ضحكوا لأي شيء؟ هل ضحكوا لفعله لما حصل له، أو ضحكوا على الآيات؟ إن ضحك على الآية فهذا داخل في الاستهزاء بالآيات.إن ضحكوا على استدلاله، فهذا ضحك على فعله فقد يكون ذلك خلاف الأدب فقط.س10/ يقول لم لا يكفر بعينه من فعل كذا وكذا؟ج/ التكفير حكم شرعي فقهي راجع إلى أهل العلم، ليس لمن سمع، فمن سمع كفرا يجب عليه إنكاره؛ لكن لا يكفر إلا بعد حكم عالم، التكفير ليس لآحاد الناس، حكم، فتوى.س11/ من يمثل في مسرح أو تمثيلية يمثل دور |أحد الكفار فيسب الممثل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هل يكفر بذلك؟ج/ هذا من المنكر الأعظم يمثل سب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هذا لاشك أنه منكر أعظم وصاحبه إن لم يكن له شبهة في ذلك فإنه يجب أن يعزر وأن يقام عليه؛ لأنه لا يجوز أن يمثِّل بسب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا من الاستهزاء.س12/ كيف نفرق بين ما بين تكفير الذين نزل فيهم قول الله ﴿قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ﴾[التوبة:65]، وبين الصحابة الذين ورد ذكرهم في حديث ذات أنواط، حيث إن أولئك كفروا بمجرد القول وهؤلاء قالوا واعتقدوا ولم يكفروا؟ج/ الفرق بينهما ما ذكرت لك التكفير قد يكون باعتقاد أو بقول أو بعمل أو بشك، فالذي قال تلك المقالة هو طلب كفرا، وطالب الكفر –أي القائل- ليس بكافر أما من عمل العمل المكفر فهذا انتقل إلى العمل المكفر فقول المستهزئين هذا داخل في قسم قول المكفر وأما من سألوا ذات أنواط فقوله لا يدخل بقول المكفر ولكن يدخل في العمل المكفر فالتقسيم يجعل فرقا بين هذا وهذا فأوةلئك مردهم إلى الفعل وأولئك مردهم إلى القول.وبهذا القدر كغاية وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.[المتن]وتفيد أيضًا أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري فنبّه على ذلك فتاب من ساعته فإنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي .وتفيد أيضًا أنه لو لم يكفّر فإنه يغلّظ عليه الكلام تغليظًا شديدًا كما فعل رسول الله . وللمشركين شبهة أخرى يقولون: إن النبي  أنكر على أسامة قتل من قال لا إله إلا الله وقال له: «أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله» وكذلك قوله : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» وأحاديث أخر في الكف عمن قالها. ومراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يكفر ولا يقتل ولو فعل ما فعل. فيقال لهؤلاء المشركين الجهّال: معلوم أن النبي  قاتل اليهود وسباهم وهم يقولون لا إله إلا الله وأن أصحاب النبي  قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويصلّون ويدّعون الإسلام، وكذلك الذين حرَّقهم علي بن أبي طالب وهؤلاء الجهلة مقرُّون أن من أنكر البعث كفّر وقتل ولو قال لا إله إلا الله وأن من جحد شيئًا من أركان الإسلام كفّر وقتل ولو قال لا إله إلا الله. فكيف لا تنفعه إذا جحد شيئًا من الفروع وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أصل دين الرسل ورأسه؟ ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث. ولن يفهموا. فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلاً ادّعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادّعى الإسلام إلا خوفًا على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالفه ذلك وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ﴾[النساء:94] أي فتثبّتوا، فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت. فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله: (فتبيّنوا) ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى.وكذلك الحديث الآخر وأمثاله معناه ما ذكرناه: أن من أظهر الإسلام والتوحيد وجب الكف عنه إلا إن تبين منه ما يناقض ذلك. والدليل على هذا أن رسول الله  الذي قال: «أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله» وقال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» وهو الذي قال في الخوارج: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم. لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد» مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلاً وتسبيحا حتى إن الصحابة يحقّرون أنفسهم عندهم وهم تعلموا العلم من الصحابة فلم تنفعهم لا إله إلا الله ولا كثرة العبادة ولا ادعاء الإسلام لما ظهر منهم مخالفة الشريعة. وكذلك ما ذكرناه من قتال اليهود وقتال الصحابة بني حنيفة من هذا الباب، وكذلك أراد النبي  أن يغزو بني المصطلق لمَّا أخبره رجل أنهم منعوا الزكاة حتى أنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾[الحجرات:6] وكان الرجل كاذبًا عليهم(5) ، فكل هذا يدل على أن مراد النبي  في الأحاديث التي احتجوا بها ما ذكرناه.[الشرح]بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.أما بعد:فهذه صلة للجواب عن الشُّبه التي أدلى بها المشركون في أن من قال لا إله إلا الله فإنه لا يكفر أبدا ولو فعل ما فعل لأن لا إله إلا الله تدخله في الإسلام، وفي أثناء ذلك ساق الشيخ رحمه الله قصة ذات أنواط والحديث في ذلك، وأخذ منها ثلاث فوائد، وذكرنا منها الفائدة الأولى في تلك القصة أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها فتفيد التعلم والتحرز ومعرفة أن قول الجاهل التوحيد فهمناه أن هذا من أكبر الجهل ومكايد الشيطان، وقد تقدم لنا الكلام على هذه الجملة.قال رحمه الله تعالى وأجزل له المثوبة ورفع درجته في الجنة في الفائدة الثانية (وتفيد أيضًا) يعني تلك القصة قصة ذات أنواط (وتفيد أيضًا أن المسلم إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري فنُبّه على ذلك فتاب من ساعته فإنه لا يكفر) لأن هذا الكلام الذي طلبوه قال في معناه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «قلتم والذي نفسي بيده كما قال أصحاب موسى لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة»، ومن طلب إلها مع الله جل وعلا فإنه يطلب عبادة ذلك الإله، فكفره يكون بعبادته غير الله جل وعلا، ومعلوم أن الطلب متصل بالمطلوب اتصال اللازم بالملزوم، ولهذا نستفيد منه أن الكفر إذا كان مورده القول فإن صاحبه إذا نبه عليه وهو جاهل به فتاب من ساعته فإنه لا يؤاخذ بذلك؛ يعني أنه لا يكفر بقول كفري؛ لأنه جاهل بهذا القول، وذلك إذا نبه فتنبه، إذا قيل له هذا كفر والدليل على ذلك كذا أو أجمع العلماء على كذا أو قال الأئمة كذا فتنبه فإنه لا يكفر بذلك؛ لأن مورد الغلط في اللسان والجهل يعذر به صاحبه في مثل هذا كما عَذَر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصحابة في قولهم بل أنكر عليهم عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ غلظ الكلام عليهم شديدا فأفاد كما قال الشيخ رحمه الله تعالى (أن المسلم إذا تكلم لكلام كفر وهو لا يدري) وقوله (وهو لا يدري) راجعة إلى أنه لا يدري أنه مؤاخَذ بقوله ذلك، لا يدري أن كلامه كفر وأن كلامه لا يجوز له أن يقوله، والجهل راجع إلى جهتين: جهة الحكم، والحكم بأن قوله لا يحل أو أن قوله كفر.والجهة الثانية راجع إلى الحكم عليه بما قاله.والأحكام الشرعية متعلقة بالنوع الأول لا بالنوع الثاني.يعني أنه إذا كان جهله وعدم درايته راجعة إلى أنه لا يعلم أنم هذا الكلام لا يحل له، لا يعلم أن هذا الكلام لا يجوز له، لا يعلم أن هذا الكلام كفر، فإنه إذا نبه فتنبه فإنه يعذر بذلك.وأما إذا علم أنه لا يجوز له ذلك، فيقول أعلم أن هذا كفر أن هذا لا يجوز، ولكن لا أدري أن هذا يوصل القائل إلى درجة الكفر، لا أدري أني أصير كافرا بذلك، فهو يدري أنه محرم ولكن لا يدري أنه يصير كافرا بذلك، فهذا لا يُعذر به مثل من يقول أدري أن القذْف محرم لكن لا أدري أني أجلد فهذا لا يعذر بجهله، يقول أدري ....فإذن هنا فعدم الدراية بالأحكام الشرعية إذا كان مردها إلى عدم الدراية بحرمة القول، عدم الدراية بأن القول حرام كبيرة كفر، فهذا يُعذر به في مسائل كثيرة.أما إذا علم الحكم ولكن جهل أنه يجب عليه الحد بهذا أو أنه يكفر بهذا فإنه يؤاخذ فيكفي درايته أنه لا يحل له هذا القول.وهذا له تطبيقات كثيرة في القواعد الفقهية في تقسيم عدم الدراية أو الجهل إلى جهل بالحكم يعني إلى جهل بعاقبة الحكم، معلوم أنه إذا كفر فإنه يصبح مرتدا، فيستتاب فإن تاب وإلا قتل، وفي بعض صور الكفر يقتل زندقة، ولا تقبل منه توبته، فإن قال أنا أعلم أن الكلام حرام ولكني أجهل أني إذا قلت ذلك أني أصبحت مرتدا أو أني أصبحت زنديقا قتل بهذا الكلام فإنه لا يعذر.فإنه يعذر إذا كان يجهل الحكم.فإذا قال مثلا في الزنا أنا أعلم أن الزنا حرام لكن لا أدري أن الزاني المحصن يرجم، فهنا لا يعذر بجهالته، ولكن يعذر إذا قال أنا لا أعلم أنه حرام.وهذا تفريق مهم في مسائل كثيرة عند العلماء والفقهاء في عدم دراية بعض المسائل، فإن عدم دراية الحكم أصلا شيء، وعدم دراية الحكم على صاحبه أو العقود المقدرة على صاحبه وأشباه ذلك هذا شيء آخر.لهذا قال الشيخ رحمه الله هنا (وتفيد أيضًا أن المسلم إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري فنبّه على ذلك فتاب من ساعته أنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي ) فإن بني إسرائل نبهوا فتنبهوا وإن الصحابة الذين كانوا حدثاء عهد بكفر نبهوا فتنبهوا.الفائدة الثالثة قال (وتفيد أيضًا أنه لو لم يكفّر فإنه يغلّظ عليه الكلام تغليظًا شديدًا كما فعل رسول الله ) يغلظ عليه الكلام تغليظا شديدا، وجه التغليظ الشديد أن ذاك تعزير، ومعلوم أن باب التعزير يكون -يعني التعزير في الشريعة- يكون بالقول، ويكون بالفعل، ويكون التعزير بالمال:القول بأن يقال له كلام يأنبه كلام شديد قال قوي.وبالفعل إما بضرب أو بهجر أو بأشباه ذلك.وبالمال بأخذ بعض ماله كثير له، وهذا من جهة القاضي.فإذا كان كذلك فالتعزير في الشريعة مطلوب لمن وقع منه المنكر بحسب الحال، فهؤلاء كان قولهم قبيحا، وكان طلبهم قبيحا إذ طلبوا إلها مع الله جل وعلا، فلهذا قال النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قال أصحاب موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة» وهذا الكلام قد يقال إن ظاهره ليس بشديد إن ظاهره ليس فيه تعزير، لكن هذا ليس بصحيح بل المسلم الموحد إذا قبل له الذي أحب التوحيد ودخل في دين الله بلا إله إلا الله وقد فقه هذه الكلمة ا قيل له أنت طلبت إلها مع الله جل وعلا، فإن هذه الكلمة تتفطر لها القلوب، فهي أعظم مما لو قيل له أسكت أو قيل له كذا أو كذا؛ بل قيل له أنت طلبت إلها مع الله جل وعلا، ومعلوم أنه ما دخل في الدين إلا للتوحيد إلا للإسلام الوجه لله جل وعلا وحده دون الآلهة المتعددة، فلهذا الوضوح في حال الواقع في المنكر نوع من التعزير فمن وقع في الباطل فقيل له أنت وقعت في كذا وكذا تأنيبا له، فإن هذا نوع من التعزير الشديد وتغليظ الكلام بما يناسب الحال.إذن أفادت أنه لو لم يكفر فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظا شديدا كما فعل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.هذا انتهاء لأحد الأجوبة على تلك الشبهة.ويتصل بتلك الشبهة التي مرت معنا قبل درسين وهي قولهم: أنتم تكفرون بالشرك من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وقام وصلى وزكى وحج ويكون له أعمال صالحة، فلهم شبهة متصلة بتلك الشبهة وهي قوله (وللمشركين شبهة أخرى يقولون: إن النبي  أنكر على أسامة قتل من قال لا إله إلا الله وقال له: «أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله» وكذلك قوله) إلى آخره، وهذا الكلام مع جوابه أفاد أن شبهة من احتج بقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله) الجواب على هذه الشبهة مترتب بأمور الأول أن يقال: لا إله إلا الله تدخل في الإسلام، ومن دخل في الإسلام بلا إله إلا الله فإنه يُنتظر له حتى يرى أيكون آتيا لحقوق لا إله إلا الله أم لا، فلا إله إلا الله لها حقوق وأعظم حقوقها التوحيد بل هي في التوحيد مطابقة، وإذا كان كذلك فإن قول القائل لا إله إلا الله محمد رسول الله يُنتظر به إذا كان قاله في معركة أو استسلامٍ أو نحو ذلك ولا يعاقب على ما كان منه من الكفر وإنما ينتظر به، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام «أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله الله وأن محمدا رسول الله»، وجاء في الحديث الآخر أيضا قال «حرم دمه وماله إلا بحقها»؛ «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني وقاتل النفس والتارك لدينه المفارق للجماعة» وقوله (إلا بحقها التارك لدينه المفارق للجماعة) وهنا (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) كلها متفقة غير مختلفة ولهذا نقول في جواب هذه الشبهة ما ذكره الشيخ رحمه الله أن من قال لا إله إلا الله فيما ظاهره أنه خوف فينتظر به فإن أتى بحقوق لا إله إلا الله قبلت وإن خالف حقها من التوحيد فإنه دل على نفاقه وإنما قالها تعوذا.وأسامة بن زيد رضي الله عنهما قتل قبل التثبت، قتل قبل أن يستفصل وأن يرى هل هذا قالها تعوذا أو قالها على الإسلام حقيقة.والجواب الثاني عن هذه الشبهة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاتل اليهود وسباهم بني قريضة أو بني النضير أو يهود خيبر، قاتلهم عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ وهم يشهدون أن لا إله إلا الله أو يقولون لا إله إلا الله بحسب تفسيرهم يقولون لا إله إلا الله فعَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ قاتلهم على الشرك، قاتلهم على اتخاذهم ندا مع الله جل وعلا قال تعالى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ﴾[التوبة:30]، فدل على أن قول لا إله إلا الله مع عدم تطبيقها مع عدم عمل ما دلت عليه لا ينفع صاحبه؛ لأنه خالف مقتضاها.كذلك بنو حنيفة الذين قاتلهم الصحابة قاتلهم أبو بكر رضي الله عنه فيما قدمنا وأصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كانوا يقولون لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويصلون ويدعون الإسلام، لكن لما لم يلتزموا بحكم أداء الزكاة لخليفة المسلمين قوتلوا قتال ردة لا قتال بغاة؛ لأنهم ادعوا أنهم مخاطبين بحكم الله جل وعلا بأداء الزكاة لخليفة المسلمين.كذلك الذين حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار فيما تقدم هم كانوا يقولون ظاهرا لا إله إلا الله محمدا رسول الله.وهؤلاء الجهلة يقولون أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال لا إله إلا الله وأن من جحد شيئا من أركان الإسلام كفر وقتل ولو قالها.يعني أن هؤلاء الذين احتجوا بفعل أسامة قالوا ما قاله الفقهاء والعلماء بأن من جحد البعث كفر وأن من جحد شيئا من أركان الإسلام كفر، فكيف إذن تقولون هنا يكفر مع قوله بلا إله إلا الله محمدا رسول الله وإتيانه بالصلاة والزكاة والصيام والحج إلى غير ذلك؟ وفي هذه المسألة العظيمة -مسألة التوحيد- تقولون لا يكفر؟ لا شك أن هذا خلف من القول وتناقض القاعدة عند أهل العلم واحدة وهي أنه من أتى بمكفر قولي أو عمليا أو اعتقادي أو شك فيما أنزل الله جل وعلا على رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما كانت دلاللته قطعية فإنه يكفر ولو كان أصلح الصلحاء بل قد قال الله جل وعلا لنبيه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ﴾[الزمر:65-66].قال المصنف رحمه الله في بيان تناقض أهل هذه الشبهة (فكيف لا تنفعه إذا جحد شيئًا من الفروع) يعني كيف لا تنفعه لا إله إلا الله محمد رسول الله إذا جحد فرعا من الفروع مسألة من المسائل جحد الصلاة جحد الزكاة جحد الحج جحد تحريم الربا جحد حِلّ البيع إلى آخر ذلك (وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أساس الملة وأساس دين الرسل ورأسه) لا شك أن هذا تناقض بل الباب باب واحد، الأصول والفروع في هذا سواء، فمن جحد التوحيد كفر من جحد الصلاة كفر ومن جحد الزكاة كفر إلى آخر الأمور،( ) الباب باب واحد ولا ينفعه قوله: لا إله إلا الله.قال (ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث [ولن يفهموا]) أما كونهم ما فهموا فهذا واضح هي ما قدمنا، أما كونهم لن يفهموا لأن الشبهة إذا قامت في القلب والبدعة إذا قامت بالروح وبالقلب فإن صاحبها يصعب عليه الخلاص منها، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داوود وغيره أن أهل الأهواء تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه مفصل ولا عرق إلا دخله ذلك، فأهل البدع استغرقت البدعة في قلوبهم حتى حجبتهم عن نور فهم الكتاب والسنة، وهذه من أنواع العقوبات التي يعاقب بها من ترك الكتاب والسنة إلى غيرهم، فهذا ملاحظ أن طائفة منهم من الأذكياء ومن العلماء وممن عنده علوم مختلفة في التفسير وفي الفقه وفي العقائد إلى غير ذلك، ومع ذلك يقعون في هذه المسألة، وإذا أفهمتهم لن يفهموا.وهنا بحث في أنهم إذا لم يفهموا فإنهم لا يُعذرون بذلك لأن فهم الحجة ليس بشرط؛ بل الشرط هو إقامة الحجة في التكفير يعني لا يكفر إلا من قامت عليه الحجة الرسالية التي يكفر من أنكرها أو ترك مقتضاها.وأما فهم الحجة فإنه لا يشترط لهذا قال الشيخ هنا رحمه الله (ما فهموا ولن يفهموا) وإذا كانوا لم يفهموا فإنه لا يعني أنه يسلب عنهم الحكم بالشرك الأكبر؛ لأن فهم الحجة ليس بشرط.وهذا مبحث بحثه علماء الدعوة والعلماء قبلهم هل فهم الحجة شرط أم ليس بشرط والله جل وعلا قال في كتابه ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾( ) يعني جعلنا على قلوبهم أكنة أغطية وحجب أن يفهموا هذا البلاغ وهذا الإنذار (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ) فدل على أن المشرك لم يفقه الكتاب ولم يفقه السنة يعني لم يفهم.وتحقيق المقام هنا لأن بعض الناس قال كيف لا تشترطون فعهم الحجة وكيف تقام الحجة إلى فهم، وتفصيل الكلام هنا أن فهم الحجة نوعان:النوع الأول فهم لسان.والنوع الثاني فهم احتجاج.أما فهم اللسان فهذا ليس الكلام فيه فإنه شرط في بلوغ الحجة لأن الله جل وعلا قال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾[إبراهيم:4]، والله جل وعلا جعل هذا القرآن عربيا لتقوم الحجة به على من يفقه اللسان العربي.وإذا كان كذلك فإن فهم اللسان هذا لابد منه؛ يعني إذا أتاك رجل يتكلم بغير العربية فأتيت بالحجة الرسالية باللغة العربية، وذاك لا يفهم منها كلمة، فهذا لا تكون الحجة قد قامت عليه بلسان لا يفهمه، حتى يَْبُلَغُه بما يفهمه لسانه.والنوع الثاني من فهم الحجة هو فهم احتجاج يفهم أن تكون هذه الحجة التي في الكتاب والسنة حجة التوحيد أو في غيره ارجح وأقوى واظهر وأبين أو هي الحجة الداحضة لحجج الآخرين، وهذا النوع لا يشترط؛ لأنه جل وعلا بين لنا وأخبر أن المشركين لم يفقهوا الحجة فقال جل وعلا (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ) وقال سبحانه ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾[الكهف:101]، ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾[الفرقان:44]، فهم لا يسمعون سمع فائدة، وإن سمعوا سمع أُذُن ولا يستطيعون أن يسمعوا سمع الفائدة وإن كانوا يسمعون سمع الأذن، وقد قال جل وعلا ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾[الأنفال:23]، وقال سبحانه ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن [رَّبِّهِم] ( ) مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾[الأنبياء:2]، (إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) حتى وصفهم بأنهم يستمعون وليس فقط يسمعون بل يستمعون يعني ينصتون ومع ذلك نفى عنهم السمع بقوله (وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) وبقوله ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾[الفرقان:44]، وقوله جل وعلا في سورة تبارك ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾[الملك:10].فإذن هم سمعوا سمع لسان لكن لم يسمعوا الحجة سمع قلب وسمع فهم للحجة يعني أنها راجحة فلم يفهموا الحجة ولكنهم فهموها فهم لسان فهموها لأنها أقيمت عليهم بلسانهم الذي يعلمون معه معاني الكلام ولكن لم يفهموها بمعنى أن الحجة هذه راجحة على غيرها، ولهذا قال تعالى (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ). الوجه الثاني أن الكفر والكفار أنواع:منهم من كفره كفر عناد. ومنهم من كفره كفر تقليد. ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾[الزخرف:22]، ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾[الزخرف:23].ومن الكفار من كفره كفر إعراض معرض عن الحق ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ﴾[الأنبياء:24].وإذا أشترط فهم الاحتجاج للحجة، فمعنى ذلك المصير إلى مخالفة الاجماع بالقول بأنه لا يكفر إلا المعاند، إذا قيل إنه يشترط فهم الاجتجاج يعني أن يفهم من أقيمت عليه الحجة أن هذه الحجة أقوى وتَدحض حجة الخصوم، فمعنى ذلك أن يصير القول إلى أنه لا يكفر إلا من كان معاندا فقط.ومعلوم أن الكفار ليسوا كلهم معاندين؛ بل منهم المعاند، ومنهم غير المعاند، فمنهم من جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم، ومنهم المقلد ومنهم المعرض إلى غير ذلك.فإذن فهم الحجة ليس شرط في إقامتها ونعني بفهم الحجة فهم الحجة من حيث كونها داحضة بحجج الخصوم ومن حيث كونها أوضح من حجج الخصوم، فلو قال بعد إقامة الحجة عليه وبيان الأدلة من الكتاب والسنة وبيان معنى العبادة ويقيم الحجة عالم يعلم كيف يقيم الحجة ويزيل الشبهة، لهذا يقول العلماء الحجة الرسالية، كما يقول شيخ الإسلام في مواضع كثيرة: ويكفر من قامت به الحجة الرسالية. الحجة الرسالية يعني التي يقيمها الرسل أو ورثة الرسل ممن يحسن إقامة الحجة سمع بالحجة وأنصت لها ثم لم يقتنع، وقال أنا لم أقتنع، عدم الاقتناع هو عدم الفهم ليس بشرط في سماع إقامة الحجة، لهذا الشيخ رحمه الله نبه على ذلك بقوله (ولم يفهموا) وكونهم لم يفهموا بما أشربت قلوبهم من حب الشرك وحب البدع ومخالفة السنة. ثم بين رحمه الله فقال (فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلاً ادّعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادّعى الإسلام إلا خوفًا على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالفه ذلك وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ الآية)، إلى أن قال في آخرها ﴿كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ﴾[النساء:94]؛ يعني أن الله جل وعلا يمن فمن قال هذه الكلمة فينتظر في شأنه حتى يُرى ما يأتي به من حقوق لا إله إلا الله.قال (فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت. فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله: (فتبيّنوا) ولو كان لا يقتل، إذا قالها لم يكن للتثبت معنى.وكذلك الحديث الآخر وأمثاله معناه ما ذكرناه: أن من أظهر الإسلام والتوحيد وجب الكف عنه إلا إن تبين منه ما يناقض ذلك.) هذا الذي قاله الشيخ رحمه الله محل إجماع بين أهل العلم في تفسير حديث أسامة بن زيد في قتله للرجل، وغير هذا الحديث من اسشباهه.وأما الحديث التي علق فيها قتال الناس بقول لا إله إلا الله أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، فإن في الحديث الاستثناء بقوله (إلا بحقها) وأعظم حقوقها الواجبة التي تدل عليها الكلمة المطابقة التوحيد.قال (والدليل على هذا أن رسول الله  الذي قال: «أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله» وقال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله») وهذا واضح أيضا، (وهو الذي قال في الخوارج: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم. لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد» مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلاً وتسبيحا) إلى آخر الكلام.وهنا تنبيه على أنه ليس ثم تلازم ما بين القتال والحكم بالكفر فقد يحكم بالكفر ولا يقاتل، وقد يقاتل وليس بكافر يعني ليس كل من قوتل فإنه كافر بل تقاتل الطائفة التي تمتنع عن إظهار شريعة من شرائع الإسلام التي تمنع شعيرة من شعائر الإسلام فاقول أنا لا أظهر الأذان لا أظهر الصلوات جماعة مثلا كل يصلي في بيته لا نقيم المساجد ونحو ذلك من شعائر الإسلام فإنه وإن كانوا مقرين بذلك؛ لكن إن منعوا هذا فإنهم يقاتلون وإن كان تركهم لبعض السنن؛ لأن الطائفة المانعة لشعيرة من شعائر الله تقاتل حتى تظهر شعائر الله.وأظهر منه الطائفة الممتنعة التي لم تلتزم حكم من أحكام الله فإنها تقاتل قتال كفر وردة.إذن فمن حكم عليه بأنه يقال أو يقاتل لا يلزم منه أنه يكفر وكل من كفر فقد بقتل وقد لا يقتل أيضا.فإذن قد يكون الحال أن الكافر يقتل، وقد يؤخر فلا يقتل، وكذلك حال القتال فقد يقاتل من كان كافرا وقد يقاتل من ليس بكافر.ومن النوع الأخير هذا الخوارج، فإن الخوارج لا يحكم بكفرهم لأن عليا رضي الله عنه سئل عنهم: أكفار هم؟ فقال من الكفر فروا. وفي كفرهم روايتان عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله والمنصور من الروايتان أنه لا يطلق القول بتكفير الخوارج لأن الذين قاتلوا عليا رضي الله عنه، وحصل منهم ما حصل مما هو معروف.قال (وهم تعلموا العلم من الصحابة فلم تنفعهم لا إله إلا الله) الصحابة رضوان الله عليهم علّموا العلم في المدينة وفي مكة وفي مصر وفي الشام وفي اليمن، والخوارج اجتمعوا من هذه الأقطار أتى طائفة منهم من اليمن وطائفة من المدينة وطائفة من مصر وطائفة من الشام، فتجمعوا على هذا، فلا يزكون بأنهم تلاميذ الصحابة، فإن التلمذة شيء والثبات على الحق شيء آخر، بل إن عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي رضي الله عن علي كان في المدينة من أكثر الناس إحكام للقرآن فكتب عمر رضي الله عنه إلى عاهله في مصر عمرو بن العاص فقال له: إني مرسل إليك برجل آثرتك به على نفسي وهو عبد الرحمن بن ملجم، اجعل له دارا يعلم الناس فيها القرآن، فلما وصل للمكتوب إلى عمرو استأجر له دارا أو اكترى له دارا فجعله يعلم الناس. وكان من أكثر الناس عبادة؛ عبد الرحمن بن ملجم، ومن أكثر الناس صلاحا في أول أمره حتى دخلته الفتنة بالقيام على عثمان رضي الله عنه، ثم سار مع علي إلى أن حصل قتل علي رضي الله عنه حتى إنه لما قتله وأرادوا القصاص منه قال لا تقتلوني دفعة واحدة؛ بل قطعوني أجزاء حتى أرى جسدي يقطع وأنا صابر في سبيل الله ولساني يلهج بذكر الله، وهذا من أعظم الفتن التي حصلت طائفة بعده حتى قال أصحابه بعده ممن غرهم هذا المظهر في مدح عبد الله بن ملجم قاتل علي: يا ضربة من تقي – يعني عبد الرحمن بن ملجم يصفه بأنه تقي صالح -.يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضواناإني لأذكره حينا فأحسبـه أوفى الـبرية عند الله ميزانـاكان هذا من قول عمران بن حِطان وقد تاب -فيما يقال- في آخر عمره من قول الخوارج .المقصود من هذا أن قول الشيخ رحمه الله (حتى إن الصحابة يحقّرون أنفسهم عندهم وهم تعلموا العلم من الصحابة) يدل على أن تعلم العلم على من هو على الحق لا يعني أن يوصف صاحبه بأنه على الحق دائما فإن المعلم لا يكوم حكما على من تعلم العلم دائما، فكم خرج ممن علمهم أهل السنة والأئمة وأهل العلم ممن ليسوا على طريقة أهل السنة بل راحوا إلى البدع وإلى الضلالات وإلى بعض الكفريات، نسأل الله جل وعلا والعافية، حتى بعض من درس التوحيد في هذه المدارس والجامعات إلى آخره وعرف السنة وعرف العقيدة الصحيحة زاغ عنها بعد ذلك، فليست التزكية بأن شيخه فلان، وإنما التزكية بأنه ثبت على قول أشياخ من أهل السنة، وهذا ظاهر والحمد لله وفي قصة الخوارج عبرة لمن اعتبر.قال (وهم تعلموا العلم من الصحابة فلم تنفعهم لا إله إلا الله) يعني في الكف عنهم بأن لا يقاتلوا (ولا كثرة العبادة ولا ادعاء الإسلام لما ظهر منهم مخالفة الشريعة) فإذا ظهرت مخالفة الشريعة فإنهم يقاتلون سواء أقلنا بكفرهم أو لم نقل بكفرهم؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال «أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم لمن قتلهم أجرا عند الله (جل وعلا)» وقال لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد .قال (وكذلك ما ذكرناه من قتال اليهود وقتال الصحابة بني حنيفة من هذا الباب، وكذلك أراد النبي  أن يغزو بني المصطلق لمَّا أخبره رجل أنهم منعوا الزكاة حتى أنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾[الحجرات:6] وكان الرجل كاذبًا عليهم، فكل هذا يدل على أن مراد النبي  في الأحاديث التي احتجوا بها ما ذكرناه) وهذا تطويل من الشيخ رحمه الله للإيضاح واستطراد للبيان بأن قول لا إله إلا الله محمد رسول الله لا ينفع صاحبه إلا إذا أتى بحقوقه إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل، فإذا لم يأت بحقها فإنه لا يقبل منه ذلك بل إنما يقاتل قتال كفر إذا كان من ترك من حقها التوحيد، وإما أن تقاتل الطائفة قتال بغاة إذا كان الذي تركوا من حقها دون التوحيد فمنعوه ولم يمتنعوا منه.نكتفي بهذا القدر ..[الأسئلة]س1/....ج/ هذه موجودة عندنا (لم يفهموا ولن يفهموا) لأن صاحب البدعة ما يرجع عن بدعته إذا دخلت قلبه، إذا استحكمت منه لا يرجع مثل ما جاء في بعض الأحاديث «أبى الله أن يقبل صاحب بدعة توبة» وفي لفظ آخر «إن الله حجز التوبة عن كل صاحب بدعة» وزاد في بعض ألفاظه «حتى يدع بدعته» والملاحظ أن الذين دخلت فيهم البدعة واستحكمت فيهم أنهم لا يرجعون لأن أولئك يرونها تدينا يرون أن هذا هو الحق وأن غيره باطل، فلهذا لا يدعه إلى غيره، فالعبرة بالحق المطلق لا بالحق الإضافي.س2/ ذكرت أن للإمام أحمد روايتين في تكفير الخوارج.ج/ في تكفير الخوارج الذين خرجوا على علي الحرورية، وأما الخوارج الذين ظهروا بعد ذلك ولهم اعتقادات مختلفة فإن هؤلاء يعامل كل بحسب حاله.س3/ هل هناك فرق بين الجهل والجهالة؟ج/ نعم الجهالة تعد، والجهل عدم العلم.س4/ أليس ظاهر كلام الشيخ أنه يرى كفر الخوارج كما ذهب إليه بعض العلماء من السلف؟ج/ نعم هو ظاهر كلامه وهو كلامه على القتال وعدم الانتفاع بلا إله إلا الله في ترك مقاتلتهم .س5/ « يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» هل يدل على كفرهم استدل به من رأى كفر الخوارج لكن الصواب أنه لا يدل على ذلك لأن المروق من الدين كما يمرق السهم من الرمية قد يكون مروقا مع بقاءء الأصل وقد يكون مروقا كاملا فهو محتمل.س6/ من عمِل عمَلَ كفر سواء أكان قوليا أو فعليا لكنه يجهل الحكم أن هذا كفر لأن عادة بدله هذا؟ج/ السؤال غير منضبط ، كيف يكون عمل كفر وهو قولي أو فعلي لابد يحدد الصورة التي يسأل عنها.س/ لم قام ابن ملجم بأمر أصحابه بتقطيع نفسه حنى الموت ؟ج/ هو ما أمر أصحابه أن يقطعوه حتى الموت هو طلب من ورثة علي من الحسن والمسلمين أن لا يقتلوه دَفعة واحدة وهو قتلوه بالسيف ضربة واحدة.نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. [المتن]ولهم شبهة أخرى وهي ما ذكر النبي  أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى فكلهم يعتذرون حتى ينتهوا إلى رسول الله  ، قالوا فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا. والجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه، فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها كما قال في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾[القصص:15]، وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب وغيرها في الأشياء التي يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله. إذا ثبت ذلك، فإن استغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منها أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرْب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة، [وذلك] أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك وتقول له: ادع الله لي، كما كان أصحاب رسول الله  يسألونه ذلك في حياته، وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره، بل أنكر السَّلف على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعائه نفسِه.[الشرح]بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.اللهم نسألك علما نافعا وعملا صالحا وقلبا خاشعا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، واجعلنا من عبادك المتقين.أما بعد:فهذه شبهة أخرى جديدة ذكرها الإمام المجدد رحمه الله تعالى بأن أهل الشرك في زمانه من العلماء وأشباههم كانوا يوردونها على الشيخ رحمه الله مستدلين بهذه الشبهة على إبطال توحيد الله جل وعلا في عبادة الاستغاثة، والمشركون حين احتجوا بهذه الشبهة وجادلوا بها يريدون إبطال الأصل الذي يعتمد عليه الموحدون، وهو أن صرف العبادة لغير الله جل وعلا شرك أكبر، فهم استدلوا ببعض ما ورد لإبطال توحيد العبادة، ويريدون بعد هذا أن يقصروا الشرك في عبادة الأصنام وفي عبادة الأوثان التي كان عليها أهل الجاهلية في الزمن الأول على ما فهموه من عبادة الأصنام والأوثان.وهذا الإيراد الذي ذكره الشيخ رحمه الله من العجب أنه تتابع عليه الذين ردوا على الشيخ قبله؛ يعني في زمانه وبعده رحمه الله تعالى، فالذين كتبوا في تجويز الاستغاثة بالقبور وبالمقبورين وبالأولياء الصالحين وغير الصالحين، هؤلاء احتجوا بهذا الدليل وهو أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، وهذا النوع من الاستغاثة هي استغاثة بعد الممات، فيقولون الممات حلَّ والاستغاثة هذه بعد الممات، وحياتهم في قبورهم كحياتهم في الموقف ولا فرق إذ هذا وهذا حياة لهم، فيستدلون بالاستغاثة بآدم وبنوح وبإبراهيم بموسى ثم بعيسى ثم بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يستدلون بذلك على أن الاستغاثة بغير الله جل وعلا ممن ليس في الحياة الدنيا جائزة.وهذا هو الذي ذكره الشيخ رحمه الله هنا حيث ساق ما ساق قال في آخر كلامه (قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا فالجواب أن نقول) وقبل سياق جواب الإمام رحمه الله تعالى نذكر أصلا في أصل شبه المشبهين من المشركين وذلك أن توحيد العبادة أدلته كثيرة محكمة والمجيب على الشبه إذا اشتبه عليه جواب، فإنه يعود إلى الأصل وهو تقرير الأدلة التي جاءت في توحيد العبادة، ثم يُدخل الصورة هذه التي أوردها المشبه في تلك الأدلة حتى يبطل الاستدلال من وجه إجمالي فهذه طريقة نافعة.ثم بعد ذلك يأتي إلى الجواب الذي يكون فيه تخصيص بتلك المسألة التي احتجوا عليها ببعض الأدلة، ومسألة الاستغاثة راجعة إلى الدعاء، فإن الاستغاثة طلب ودعاء؛ لأن الأصل في فعل (استفعل) أي طلب الشيء، وقد يكون من غير الطلب في مواضع متعددة، فإذا أوتي بـ(استفعل) فإنها تحمل على الطلب لأنها تدل عليه في مواضع فاستسقى طلب السقيا، واستغاث طلب الغوث، واستعان طلب العون إلى آخر أمثال ذلك.فإذا كانت طلبا فإنها سؤال وإنها دعاء، ولهذا الأدلة العامة في الكتاب والسنة امنع السؤال بغير الله جل وعلا تمنع دعاء غير الله تمنع الطلب من غير الله جل وعلا كما في قوله ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾[الجن:18]وكما في قوله جل وعلا ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾[المؤمنون:117]، وبخصوص الاستغاثة قال جل وعلا ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾[الأنفال:9]، وكما في قوله ﴿إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾[الرعد:36]، ونحو ذلك من الآيات التي فيها إفراد الله جل وعلا بالطلب وإذا كان كذلك في القرآن فهذا عام يشمل ما يقدر عليه المطلوب منه وما لا يقدر عليه وكذلك ما جاء في السنة من قوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله» حتى السؤال والطلب من مخلوق لا يجوز بل يجب إفراد الله بالطلب هذه أدلة الكتاب والسنة في هذا بخصوصه.لكن هذا العموم أو هذا الإطلاق ورد ما يقيده في النصوص، فالنصوص العامة كما ذكرنا لك أو المطلقة تمنع السؤال مطلقا إذا سألت فاسأل الله بلا تفصيل، هل يقدر أو لا يقدر؟ هل هو حي أم ليس بحي؟ هل هو حاضر أم ليس بحاضر؟ إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله وكذلك ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾[الجن:18] لكن جاء في القرآن والسنة تقييدات جعلتنا نقيد هذا العموم نقيد هذا الإطلاق أو نخص هذا العموم ببعض الصور، ولهذا القيود في الأدلة ظاهرة فجعلوا تلك المطلقات مشروطة بشروط ولهذا قال العلماء تلك المطلقات ينظر في النصوص هل قيدت أم لا ؟ كفهم عام فإنه يبقى على عمومه حتى يرد مخصص كفهم مطلق فإنه يبقى على إطلاقه حتى يرد ما يقيده فنظرنا في القرآن فوجدنا أن الرب جل وعلا ذكر أن نبيه موسى عليه السلام في أول سورة القصص ذكر قوله جل وعلا (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ) فعلمنا بذلك أن موسى عليه السلام وهو نبي الله وكليم الله وإن كان هذا قبل أن يوحى إليه فهو ليس إذ قال ذلك بمشرك الشرك الأكبر لأن الأنبياء منزهون عن الشرك الأكبر قبل النبوة وبعدها من باب أولى كما هو واضح ظاهر.فإذن قوله (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ) هنا الله جل وعلا ذكر الاستغاثة فدل على أن هذا النوع من الطلب خارج عن الإطلاق، فهذا ننظر في هذا الحال في بساط الحال في هذه الآية، فنقول: هذا طلب الغوث من موسى وهو حي أمامه وهو قادر لأنه وكزه فقضى عليه أو أنه في محل القدرة، أي في حكم القادر وكذلك أنه يسمع خطابه، فظهر لنا من هذا الدليل قيودات.وكذلك نعلم أن الصحابة رضوان الله عليهم استغاثوا بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حياته في مواضع، وإذا كان كذلك فإنهم استغاثوا بمن يسمع وهو حي ويقدر على أن يغيثهم.وكذلك إجازة طلب الغوث بهذه فيما يستغيث المرء بمن هو يقدر على إجابة ما به من كرب؛ يعني بشروطه.فدلنا ذلك على أن تلك المعلومات إذا سألت فاسأل الله (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) مقيدة، فلهذا قيّد العلماء بهذه النصوص المقيدة العموم فقالوا إذا كان المستغاث به المسؤول المطلوب إذا كان حيا -يخرج الميت-، إذا كان قادرا على الإنفاذ أو بحكم القادر، إذا كان حاضرا يسمع فإن الأدلة دلت على جواز الطلب منه وعلى جواز الاستغاثة به وعلى جواز الاستعانة، فإن كان غائبا فإنه يبقى العموم على بابه يبقى المطلقات على بابها، فإن كان غير حي فيبقى.فإذن هنا العمومات بالإجماع يعمل بها والمطلقات بالإجماع يعمل بها العموم مثل قوله (وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) ومثل قوله (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) وأشباه ذلك، فيُعمل بالعموم حتى يرد المخصص، وهنا المخصصات المنفصلة كما يرد في الأصول دلتنا على اعتبار الشروط.فإذن من منع هذا منع الاستغاثة بغير الله جل وعلا فيما لا يقدر عليه ذلك المستغاث به، مستمسك بالأصل مستمسك بالعمومات، مستمسك بالأدلة المحكمة في هذا الباب، فمن أجاز صورة من الصور فهو الذي عليه الدليل.ولهذا نقول هذا الدليل الذي أورثتموه لا يخرج عن القيود التي ذكرناها، هذه الشبهة بالاستدلال بهذا الدليل لا يخرج عما ذكرناه؛ بل هو مؤيد ودليل من السنة على ما ذكرناه من القيود.واستدلالكم به على أن الحياة التي بعد الموت لا تسمى حياة وإنما هي حياة الدنيا ثم بعده موت ويوم القيامة والبعث له حكم ما قبل الموت؛ لأن هؤلاء أحياء في قبورهم، ثم بعد ذلك هم أحياء، فلا فرق نقول هذا لا يستقيم مع الأدلة الكثيرة في القرآن في أن الناس أُحيوا حياتين وأميتوا ميتتين قال جل وعلا ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً﴾[البقرة:28]، يعني في بطون أمهاتكم فأحياكم بنفخ الروح ثم يميتكم بذهاب الروح ثم يحييكم بعود الروح، وكذلك قوله جل وعلا في سورة غافر ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾[غافر:11]، فدل على أن النصوص فيها حياتان وفيها مِيتتان، فمن جعل الموت والحياة حالة واحدة كحال هؤلاء المشبهة الذين أوردوا هذه الشبهة فإن النصوص تبطل هذا الإيراد، فهذا الإيراد هذه الشبهة مبطلة كما ذكرنا من هاتين الجهتين:أولا من حيث إن هذا الدليل هو لنا وليس علينا؛ لأن فيه القيود بأن هؤلاء أحياء يتكلمون قادرون، آدم قادر على الدعاء، نوح قادر على الدعاء، وموسى قادر على الدعاء، ومحمد عليه الصلاة والسلام قادر على الدعاء، وعيسى عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ قادر على الدعاء، ثم نقول إن هؤلاء كانوا في حياة ثم صاروا إلى موت، وهم مع موتهم في حياة برزخية أكمل من حياة الشهداء؛ لكن فرق بين أحكام الموت وأحكام الحياة، ثم يصيرون إلى حياة، فدل على تنوع الأحوال فلكل حال دليلها الذي يخصها.فإذن أولا جواب الشبهة هذه العمومات باقية، أدعاء هذا الدليل يصلح لجواز الاستغاثة بغير الله جل وعلا باطل؛ لأنهم استدلوا بدليل في الحياة والكلام معهم في الممات إذا قالوا الممات وما( ) بعده من يوم القيامة كل هذا يعتبر نوع واحد من الحياة، نقول النصوص دلت على أن ثمة حياتين وثمة موتين، فإذن يحتاجون إلى دليل آخر ولا دليل عندهم.هذا تقرير لهذه المسألة، ولك أن تُنَظِّرَ مثلها في كل أنواع الطلب، كل الأنواع التي يستدلوا بها في أنواع الطلب تستدل بمثل هذا؛ لأنهم يوردون بعض الأدلة والآثار والإشراك بالله في مثل هذا ولك أن تطرد هذا في أمثاله.قال الإمام رحمه الله تعالى وأجزل له المثوبة (والجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه) وهذا تنبيه من الله جل وعلا في مسألة عظيمة وهي مسألة القدر؛ لأنهم طبع على قلوبهم فلا يفقهون إلا قليلا، (فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها)، تستدلون بشيء ليس هو في المسألة التي فيها البحث، المسألة التي فيها البحث الاستغاثة بالأموات، الاستغاثة بمن لا يقدر، وأنتم تستدلون بدليل ليس في محل الدعوى فلا شك أن هذا باطل عند جميع العقلاء استدلال في بدليل ليس بمحل الدعوى استدلال باطل، فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، وتلحظ هنا قوله فيما يقدر عليه، وفي آخرها قال (في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله)، وبين العبارتين فرق، هنا (فيما يقدر عليه) وهناك (فيما لا يقدر عليه إلا الله).والجواب عن هذا الإيراد أن ضابط الاستغاثة كما ذكره في أول الكلام أن الاستغاثة بالمخلوق جائزة فيما يقدر عليه، والاستغاثة الشركية وأن يسنغيث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه المخلوق أو فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ لأن بين العبارتين فرقا، هو لا يقدر ولكن الآخر يقدر قد لا يقدر هو ولكن الآخر يقدر، وهذه من حيث الاستغاثة بغير الله جل وعلا مما لا يقدر عليه ذلك الغير يحتاج إلى تفصيل، وقد ذكرنا شيئا من تفصيلها في شرح كتاب التوحيد كما هو موجود في شروح كتاب التوحيد.وخلاصة الأمر أن الضابط الأيسر أن تقول فيما لا يقدر عليه إلا الله، وأما فيما يقدر عليه المخلوق بأنه جائز، وفيما لا يقدر عليه المخلوق لأنه شرك هذه تحتاج إلى ضوابط.فمثال ذلك لو استغاث بمهندس للعمارة فيما يتعلق بأمر طبي، هو لا يقدر على ذلك، صحيح؟ إنما يقدر عليه الطبيب لكن هنا الاستغاثة لا نقول إنها شرك أكبر لأن هذا جنسه وليست القدرة على ما يقدر عليه الطبيب بخصوصه بل القدر متنوعة، يأخذه ويذهب به إلى طبيب يكون معه إلى آخر الأنواع ولهذا بعض أهل العلم يعبر بقوله إن الاستغاثة بالميت فيما لا يقدر عليه أو الاستغاثة بالغائب فيما لا يقدر عليه إنها شرك أكبر، وهذه لا تنضبط عند أكثر الناس فهي صحيحة لكن تحتاج إلى عالم يضبطها لأن المسائل متشابهة فالذي يضبط المسألة هو قول الشيخ بآخر الكلام أو بغيبته في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله؛ يعني إذا طلب من المخلوق الميت أو الغائب شيء لا يقدر عليه إلا الله فإنه يكون شركا أكبر أما فيما يقدر عليه المخلوق لكن هذا المخلوق المعين لا يقدر عليه، قد تكون وقعت شبهة عند المستغيث وحال الاستغاثة يكون هناك ضعف، وقد يكون هناك ظن أن هذا يقدر أن يضيف إلى آخر مات يتصل بهذا مما ذكرنا شرحه.المقصود من هذا أن الضابط الأخير الذي ذكره الشيخ في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله هذا ضابط صحيح كما ذكره الشيخ في الحكم بالشرك والأول في الحكم بالجواز، لهذا الشيخ نوّع العبارة فقال الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه جائز، والاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك أكبر.وهذا ضابط صحيح وهو أحسن من أن نقول في المقامين فيما يقدر عليه المخلوق أو فيما لا يقدر عليه بما يحصل معه من الاشتباه.قال رحمه الله (وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب وغيرها من الأشياء التي يقدر عليها المخلوق ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم) استغاثة العبادة يعني طلب الغوث من الغائبين مع اعتقاد أن لهم تدبيرا في غيبتهم هذه استغاثة العبادة، ويكون معها رجاء وخوف، أو رجاء ومحبة أو خوف ومحبة أو الثلاثة معا.فإذن الاستغاثة منها ما هو عبادة ومنها ما ليس بعبادة، وما أنكرناه هو استغاثة العبادة، وهو أن يستغيث بغائب إما ميت أو حي غائب فيما يقدر عليه إلا الله جل وعلا يستغيث به في شفاء مرضه، يستغيث به في أن يخلص من المدلهمات التي أصابته، في كشف الكربات في إزالة المصائب التي أصابته، في مغفرة الذنب في إتيانه الولد في تأمينه مما يخاف إلى آخر ذلك.قال (إذا ثبت ذلك) يعني الجواب الأول الذي ذكره الشيخ وجه الاستدلال لصالحهم، قال هذا الدليل لنا وليس علينا ثم قال (إذا ثبت ذلك فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الله حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف وهذا جائز في الدنيا والآخرة) جوازه في الدنيا لأنه يجوز أن تطلب من أحد في الدنيا أن يدعو لك؛ لأنه يقدر على هذا الشيء، كذلك في الآخرة يجوز أن تطلب أن يدعو لك لأنه يقدر على ذلك وهاتان حياتان، والكلام في الموت، الكلام في الموت أو حين الغيبة هو محل النزاع قال (أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك وتقول له: ادع الله لي، كما كان أصحاب رسول الله  يسألونه ذلك في حياته، وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره) يعني أن الصحابة لم يرد عنهم شيئا البتة وحاشاهم وكلا أنهم أتوا قبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاستغاثوا به، أو أتوا قبره فاستشفوا به طلبوا منه الدعاء فهذا لم يكن يفعله الصحابة رضوان الهب عليهم بعد موته البتة، قال (بل أنكر السَّلف على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعائه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ نفسِه) يعني السلف كما في قضية علي بن الحسين وعدة حوادث في هذا عن السلف أنهم أنكروا من يأتي إلى القبر للدعاء، وإنما من دخل المسجد أن من أتى من سفر كما كان يفعل ابن عمر رضي الله عنهما وغيره يأتي فيسلم عن النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ سلاما، أما أن يتخذ القبر للدعاء يعني ما حول القبر أو أنه يدعى النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ نفسه هذا لم يكن عند السلف؛ بل بعضهم غلط ودعا الله جل وعلا وحده عند القبر فأنكر عليه بعض السلف كما ذكرت لك، إذا أنكروا على من قصد القبر لدعاء الله جل وعلا فكيف لا يُنكرون من قصد القبر لدعاء المقبور نفسه، لا شك أن هذا أولى بالإنكار.المقصود من هذا أن الشبهة هذه ليست بمستقيمة؛ بل هي داحضة كما هي شبه أهل الشرك، ولله الحمد أهل السنة وأهل التوحيد ليس لهم غرض في هذا الأمر، لم يأتوه عن هوى لم يأتوه عن شهوة وإنما أتوه تطبيقا لما جاء في الكتاب والسنة ورعاية لما ورد وإقامة لحق الله جل وعلا فلو أجاز الله جل وعلا ذلك لاتبعناه كما قال سبحانه ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾[الزخرف:81]، لو أجاز الرب جل وعلا ذلك لاتبعناه ولكن لا دليل البتة يجيز هذا لأن هذا هو الشرك الأكبر وهذا عند أهل التوحيد وظهور ولهذا قال في القصة المعروفة أن رجلا حاج عن أهل الشرك ما هم عليه من الشرك فقالوا له انتم تقولون هذا لأجل أن محمد بن عبد الوهاب قال تعصبا له فقال هذا الموحد كلمة التوحيد خالصة نتيجة عن بينة لا عن تقليد، قال: لو قام محمد بن عبد الوهاب من قبره فقال ما قلت لكم غلط ما اتبعناه. لم؟ لأنهم أخذوه بالحجة ليس بالحجة من قول محمد بن عبد الوهاب إنما بالحجة من قول الله جل وعلا وقول رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإجماع سلف الأمة، والإمام محمد بن عبد الوهاب إمام مصلح مجدد دل الناس على معاني النصوص، وهذه وظيفة أهل العلم أهل العلم الراسخون منهم يؤخذ قولهم؛ لأنهم دلوا الناس على نعاني النصوص، وفي فقههم للنصوص وفهمهم لها قالوا هذا معنى الآية، وهذا ما دل عليه القرآن وهذا ما دلت عليه السنة، أو تارة يجتهدون ويذكرون من القواعد ما يكون في نفوسهم من دلالات النصوص، فيفهمون من الشريعة بمجموع أدلتها وبروح الشريعة أن الشريعة أتت بكذا، فيقولون هذا ويقبل كلامهم لأنهم هم الفقهاء بالكتاب والسنة، والإمام المصلح رحمه الله إنما قال للأمة معنى الآيات كذا، ومعنى الأحاديث كذا، ودلت على هذا.فإذن هو ناقل للكتاب والسنة وموضح لمعناهما لما آتاهما الله جل وعلا من متابعة السلف الصالح ومن الرسوخ في العلم وفهم الأدلة.فإذن ليست المسألة عن تقليد، وإنما هي عن وضوح حجة ووضوح برهان، ولله الحمد والمنة. [المتن]ولهم شبهة أخرى: وهي قصة إبراهيم عليه السّلام لما ألقي في النّار اعترض له جبريل في الهواء فقال له ألك حاجة؟ فقال إبراهيم: أما إليك فلا(1) فقالوا: فلو كانت الاستغاثة بجبريل شركًا لم يعرضها على إبراهيم. فالجواب: أن هذا من جنس الشبهة الأولى، فإن جبريل عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه فإنه كما قال الله تعالى فيه: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾[النجم:5]، فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل، ولو أمره أن يضع إبراهيم [عليه السلام] في مكان بعيد عنهم لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل. وهذا كرجل غني له مال كثير يرى رجلاً محتاجًا فيعرض عليه أن يُقرضه أو أن يهب له شيئًا يقضي به حاجته فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ ويصبر حتى يأتيه الله برزق لا منّة فيه لأحد، فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون؟ [الشرح]هذه الشبهة أضعف من الشبهة الأولى ولكن المشرك والعياذ بالله يتشبث بخيط العنكبوت للإبقاء على ما هو عليه، قصة إبراهيم هذه ذكرها بعض المفسرين وأن جبريل عليه السلام اعترض له في الهواء لما ألقي في الهواء فقال له يا إبراهيم ألك حاجة؟ فقال إبراهيم عليه السلام وهو إمام الحنفاء، قال: أما إليك فلا؟ قالوا لو كانت الاستغاثة شركا لم يعرضها على إبراهيم، وكما ترى ان الاستدلال ليس في محل الدعوى والدليل ليس في محل الدعوى، فالكلام في الاستغاثة بالأموات، وأما الاستغاثة في أصلها كما قلنا دلت الأدلة على جوازها بشروطها، وأما الاستغاثة التي نتكلم فيها الاستغاثة بالغائبين الاستغاثة بالأموات، ولهذا لو قال قائل لهم، إذا قلتم تقولون ذلك فهل يجيز أحد منكم أن يستغيث بإنسان اليوم، مجمع على حياته بين المسلمين وهو عيسى عليه السلام رسول من أولي العزم من الرسل، فهل تجيزون الاستغاثة والطلب من عيسى عليه السلام، وهو حي في السماء رفعه الله جل وعلا إليه، ولا قائل بين المسلمين البتة أنه تجوز الاستغاثة والطلب من عيسى عليه السلام إنما كلامهم في الأولياء المقبورين.لهذا نقول هذه الشبهة لأنه عرض جبريل على إبراهيم هذه لنا وليست علينا؛ لأن جبريل عليه السلام قوي بل شديد القوى فقد أتى النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ وقال له: يا محمد لو شئت لأطبقت على أهل مكة الأخشبين، فقال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ وهو الرؤوف الرحيم «لا لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله» عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فجبريل عليه السلام يخلص إبراهيم من النار هذا امر سهل ميسور عليه وجبريل كان حاضرا عرض الإغاثة لإبراهيم، هذه بلا شك محل للدعوى لكن كما ذكرت لك المشرك يتشبث بخيط العنكبوت (فالجواب: أن هذا من جنس الشبهة الأولى فإن جبريل عليه السلام عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه فإنه كما قال الله تعالى فيه: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾) -﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾[النجم:5-6]- (فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل، ولو أمره أن يضع إبراهيم عليه السلام في مكان بعيد عنهم لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل.) ولكن إبراهيم عليه السلام في هذا أرادها من الله جل وعلا، وهذا يدل على الأصل الذي أصلناه ودلت عليه النصوص وهو أنه من استغنى عن الخلق فهو أحمد فهو المحمود؛ لأن الأصل أن يستغنى عن الخلق لكن الناس لا تستقيم أمورهم إلا بحاجة بعضهم إلى بعض، ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوصى عددا من أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئا، قال: كان أحدهم يسقط سوطه وهو على دابته فلا يسأل أحدا أن يرفعه إليه فينزل ويأخذه. وذلك الكمال، والنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ كان قلما يحتاج إلى غيره، إذا كان الشيء يمكن أن يعمله بنفسه عمله بنفسه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ –يعني في الأصل- وأما غير ذلك فهو جائز لكن ليس هو الأصل يعني أن هذا الدليل الذي أوردوه وغن لم يستقم دليلا هذا لنا وليس لهم. فقال من حيث التمثيل (هذا كرجل غني له مال كثير يرى رجلاً محتاجًا فيعرض عليه أن يقرضه أو أن يهبه شيئًا يقضي به حاجته فيأبى ذلك المحتاج أن يأخذ ويصبر إلى أن يأتيه الله برزق لا منّة فيه لأحد، فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون؟) وهذا الجواب واضح الدلالة واضح القوة، ولكن المشركون طبع الله على قلوبهم.نكتفي بهذا القدر بقي معنا قد يكون بقي درسان أو ثلاثة.[الأسئلة]س1/ لم نفهم حكم الاستغاثة بمهندس بأمر طبي!!ج/ لا، ليس شركا لأنه استغيث بغير عمله .س2/ هل المرأة التي قالت: وامعتصماه ارتكبت شركا أكبر؟ج/ لا، ليس ذلك من الشرك الأكبر، قد يكون إذا أرادت النداء وهي تعلم أنه لن يصل إليه وليست متوجعة قد يحصل ذلك، لكن الأصل فيها أنه ليس شركا.كل يسألون هل هذه القصة ثابتة تحتاج إلى مراجعة.س3/ ماذا تعني بقولك أن عيسى مجمع على حياته في السماء؟ج/ عيسى عليه السلام ما مات وما قتل وما صلب ولكن الله جل وعلا توفاه؛ يعني استوفى له مدته الأولى في الأرض ﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾[آل عمران:55]، فرفع إلى السماء حيا ووجه الشبه مكانه فتقل اليهود الشبه فصلبوا الشبه وأما عيسى عليه السلام فهو حي في السماء وينزل ونزوله من أشراط الساعة الكبرى. ينزل عليه السلام ويعيش في الأرض مدة قالوا سبع سنين ومنهم من قال أقل ومنهم من قال أكثر ثم يموت، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه، وهو الآن عليه السلام حي في السماء، ولا قائل إنه يجوز الاستغاثة به وهو حي، ما أحد يقول هذا إلزام لهم لو قالوه، لصرحت عليهم جميع المراجع التي يرجعون إليها شرك وأن هذا يضاهي فعل النصارى.س4/ هل الاستغاثة بعيسى عليه السلام شرك؟ج/ نعم. بلا شك.س5/ هل طلب الدعاء من شخص سنة؟ج/ طلب الدعاء من الحي؛ يعني ترى من ترجو أن يجاب إما بكونه صالحا، أو لأنه يتحرى أوقات الإجابة أو أنه في سفر، أو ما أشبه ذلك من أسباب الإجابة، فتطلب منه أن يدعو لك الأولى أن لا تطلب منه، وإذا طلبت فإن السنة أن تنوي نفعه ونفعك جميعا، لا تنوي حين تطلب أنك محتاج إلى أن يدعو لك، هذا خلاف السنة، السنة أن تنوي النفع حين تطلب منه الدعاء تريد أن تنفعه يعني بأن ينوي الملك ويقول لك بالمثل وتنفع نفسك أيضا بالدعاء هذا هو التحقيق.وعليه يحمل ما ورد من في السنن من حديث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن لعمر أن يدعو له مع أن لحديث ضعيف.وكذلك طلب الدعاء من [...].س6/ لماذا قول المرأة وامعتصماه شرك؟ج/ قلت أنه ليس بشرك، بمعنى أنها استغاثت بغائب ليس بموجود لأن وامعتصماه الواو هذه ليست متمحضة للنداء والاستغاثة في اللغة، تحتمل أنها للتوجع تحتمل أنها للندبة، وفي اللغة اللفظ محتمل وتدرأ الحدود بالشبهات.بارك الله فيكم وصلى الله وسلم على نبينا محمد  [المتن]ولنختم الكلام إن شاء الله تعالى بمسألة عظيمة مهمة [جدًا] تفهم مما تقدم ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها ولكثرة الغلط فيها فنقول: لا خلاف أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلمًا، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما، وهذا يغلط فيه كثير من الناس، يقولون إن حق ونحن نفهم هذا ونشهد أنه الحق ولكن لا نقدر أن نفعله ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، أو غير ذلك من الأعذار ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار كما قال تعالى ﴿اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾[التوبة:9]، وغير ذلك من الآيات كقوله ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾( ). فإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهرًا وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه فهو منافق وهو شر من الكافر الخالص ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾[النساء:145]. وهذه المسألة مسألة كبيرة طويلة تتبيّن لك إذا تأملتها في ألسنة النّاس، ترى من يعرف الحق ويترك العمل به لخوف نقص دُنيا أو جاه أو مداراة [لأحد]. وترى من يعمل به ظاهرًا لا باطنًا فإذا سألته عمّا يعتقد بقلبه فإذا هو لا يعرفه.[الشرح]بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.اللهم إنا نسألك البر والتقوى ومن العمل ما ترضى.اللهم علمنا ما ينفعنا ونفعنا بما علمتنا وزدنا علما وعملا يا أرحم الراحمين.أما بعد : فهذه صلة لما اتفق أن بينا من مقاصد هذه الرسالة العظيمة كشف الشبهات لما أورد الإمام المجدد رحمه الله تعالى جملا من أصول الشبهات التي يوردها أعداء الدين وأعداء دعوة والتوحيد، ختم الكلام بإيراد شبهة، وهذه الشبهة راجعة إلى العمل، والشبه السابقة راجعة إلى العلم يعني بالتوحيد وببيان أنه الحق ورد ما يجادل به المشركون في صحة التوحيد وصحة اعتقاد ما دلت عليه كلمة التوحيد.قال الإمام رحمه الله (ولنختم الكلام إن شاء الله تعالى بمسألة عظيمة مهمة جدًا) وفي قوله هنا (ولنختم الكلام إن شاء الله تعالى) فيه يعني في إيراده للاستثناء هذا إن شاء الله تنبيه لطالب العلم؛ بل ولكل مؤمن أن يستعمل هذه الكلمة فيما يريد أن يفعله من الأمور العلمية ومن الأمور العملية، واستعمال هذه الكلمة ينقسم إلى واجب مستحب ومتأكد فأما الواجب فهو إذا قرنها بتأكيد وعزم وتصميم او كان مع ذلك أو كان معها قسم في فعل شيء ما وهذا مأخوذ من قول الله جل وعلا ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾[الكهف:23-24]، فقوله هنا جل وعلا (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ) فيها النهي كما هو ظاهر، والنهي متعلق بقوله (إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا) وهذه الجملة مأكدة بإن كما هو وعلوم وأعظم من ذلك إذا أقسم على الشيء كأن يقول القائل والله لأسألن كذا وكذا فهذا يجب عليه أن يقول في ذلك إن شاء الله، والحال الثانية أن تكون متأكدة الاستحباب وذلك في غير ما ذكرنا مما يجري في عادة الكلام فيما تستقبل من أمور سأفعل كذا، وسأقوم بكذا وسأقول كذا وسأذهب ونحو ذلك هنا يسحب بتأكد أن يقول المرء إن شاء الله؛ لأنه لا يدري هل يفي أو لا يفي وتعليقه بالمشيئة إخراج له من الحول والقوة والتذلل والتبرؤ من الحول ولقوة إلى حول اله جل وعلا وقوته.فإذن فيما يستعمل أهل العلم فيما يعدون به يأتون بهذه الكلمة إن شاء الله تعالى، والإمام رحمه الله استحضر فيما يظهر عدة أشياء حين قال (ولنختم الكلام) استحضر عدة أشياء، فخشي أن ينسى فأتى بإن شاء الله تعالى؛ لأنه بالاستقراء وجدنا كثيرا من المصنفين وعدوا في كتبهم بأنهم سيبسطون القول في مسألة في موضع آخر ولم يقولوا إن شاء الله ففاتهم في الموضع التذكر، وهذا موجود في كتب كثيرة، فيكثر في فتح الباري في مواضع عدة قال ستأتي في كتاب كذا وسيأتي بيانها في باب كذا ولم يقل إن شاء الله ففاته، مع طول مدة التأليف حيث أمضى في تأليفه أكثر من ثلاثين سنة كما هو معلوم، كذلك صاحب الروض المُرْبع في فقه الحنابلة في مواضع بل في موضع أو موضعين قال وستأتي في كذا ثم لم يأت بها.المقصود أنّ طالب العلم حتى ولو كان بحثه قريبا فيما يكتب أو فيما سيتحدث به، فيقول إن شاء الله سنتكلم عليها إن شاء الله، حتى يوفَّق لأن كل شيء بمشيئة الله جل جلاله، قال هنا رحمه الله (ولنختم الكلام إن شاء الله تعالى بمسألة عظيمة مهمة جدًا تُفهم مما تقدم) يعني أنها لم تتقدم بنصها ولكن بمفهومها فما تقدم يفهم منه هذا التقرير والمفهوم لا يتفطن له كل أحد؛ بل الناس يختلفون في التنبه لباطن الكلام ولجِماعه وإشارته ودلالاته اللازمة، ولهذا أورد هنا ما يفهم لكن التصريح والإيضاح لشدة أهمية ذلك، قال (ولكن نُفْرد لها الكلام لعظم شأنها ولكثرة الغلط فيها) لعظم شأنها لأنها تفرق بين المؤمن والمنافق -كما سيأتي إن شاء الله- ولكثرة الغلط فيها؛ لأن الذين زعموا أنهم من أهل التوحيد وأنهم أقروا به في زمن الشيخ رحمه الله غلطوا في ذلك وظنوا أن الإقرار بالتوحيد يكفي، هل أن يتركوا الشرك فقالوا نعم هذا الذي قال محمد بن عبد الوهاب حق وهذه دلالات النصوص صحيحة؛ ولكنهم لم يتركوا الشرك هملا ولم يتبرؤوا منه عملا مداراة لقولهم أو خوفا على مال أو جاه أو ما أشبه ذلك.ولهذا قال (ولكثرة الغلط فيها) يعني في زمانه وفي كل زمان يشبه زمانه (فنقول: لا خلاف أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلمًا)، قوله (لا خلاف) يعني عند أهل السنة والجماعة لأن أهل السنة والجماعة عندهم الإيمان ثلاثة أشياء مسماه يقع على ثلاثة أشياء الاعتقاد الباطل والقول باللسان والعمل بالأركان، فالإيمان عندنا هو:• اعتقاد بالجنان وهذه هي النون الأولى.• والقول باللسان وهذه هي النون الثانية.• والعمل بالأركان. والإيمان أركانه ستة وأعظمها وأولها الإيمان بالله.والإيمان بالله منقسم إلى ثلاثة أقسام:• إيمان بتوحيد الله في ربوبيته.• وإيمان بتوحيد الله في إليهته.• وإيمان بتوحيد الله في أسمائه وصفاته. فإن أقر بقلبه بتوحيد الربوبية والألوهية ونطق بلسانه بتوحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات؛ لكنه لم يعمل بتوحيد الألوهية فلا خلاف أنه فقد ركنا من أركان الإيمان، لم يعمل بالإيمان بالله؛ لأن الإيمان بالله فيه توحيد الله بالعبادة فإذا أشرك مع الله جل وعلا إلها آخر فإنه لا خلاف كما ذكر الإمام رحمه الله أنه لم يَصِر مسلما بإيمانه بكل الأركان إذا فقد العمل بتوحيد الإلهية، ولهذا قال فإن اختل شيء من هذا؛ يعني من هذه الثلاثة مجتمعة، أن يكون بالقلب والمقصود به قول القلب وهو اعتقاده.وقولنا قول القلب هذا مسماها بعض السلف سمّى الإخلاص والاعتقاد قول القلب، وهذه تسمية اصطلاحية وإلا فإن القول لا يُنسب للقلب لفظا، وإنما قيل قول القلب للتقسيم ما بين العمل والقول، فالقول قسيم العمل، ولما كان للقلب عمل بالاتفاق سموا ما ليس من عمل القلب قول القلب، لاكتمال التقسيم، ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول في مواضع عن الإخلاص والاعتقاد يقول هو الذي يسميه بعضهم قول القلب، وهذا ظاهر المقصود أن قول الشيخ رحمه الله (لابد أن يكون بالقلب) يعني الإيمان يكون بالقلب الذي هو الإقرار بتوحيد الله جل وعلا والعلم بذلك وإخلاص الدين لله جل وعلا إخلاص الإقرار يعني أن لا يكون مقرا كحال المنافقين؛ بل أن يكون في اعتقاده مخلصا، أو كحال المستكبرين وما أشبه ذلك، واللسان يعني أن يشهد فيما دل عليه الإيمان، والشهادة عند السلف فيما فسروا به موالد الشهادة في القرآن كقوله شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولي العزم قائما بالقسط وكقوله إلا من شهد بالحق وهم يعلمون وأشباه ذلك، ففسروا الشهادة بأنها اعتقاد ونطق وإعلام وإخبار، فالشهادة ليست هي القول وحده وليست هي الاعتقاد وحده؛ بل لابد أن يعتقد وأن يقول وأن يُعلم غيره بذلك إلا إذا كان ثم ما يرخص به في كتمان الإيمان في مواضع، فالشهادة تضم هذا، ولهذا صار قول اللسان هذا جزء من الإيمان، هناك اعتقاد بالجنان وقول باللسان والعمل بالأركان يعني بما دل عليه.إذا تقرر هذا فمن المتقرر أيضا عند أهل السنة والجماعة بلا اختلاف بينهم أن الإيمان لا يصح من أحد إلا بقدر يصحح هذا الإيمان من الإسلام وكذلك من المتقرر عندهم باتفاق أن الإسلام لا يصح من أحد -يعني الأعمال العمل بالأركان الأربعة العملية وغير ذلك- إلا بقدر من الإيمان هو القدر المجزئ هذا القدر المجزئ من الإيمان الذي به يصح الإسلام هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله على القدر المجزئ، وإيضاح ذلك له موضعه وأوضحنا مرارا يعني القدر( ) المجزئ في الإيمان بالله، القدر المجزئ في الإيمان بالرسل، القدر المجزئ في الإيمان بالرسل إلى آخر ذلك، فلا يصح إسلام حتى يأتي بقدر مجزئ من الإيمان به يسمى مسلما فلا يتصور أن يكون ثم مسلم ليس معه إيمان البتة أو ثم مؤمن ليس معه إسلام البتة؛ بل لابد في الإسلام من إيمان يصحح ذلك الإسلام ولابد في الإسلام من إيمان يصحح \لك الإسلام ولابد في الإيمان من إسلام يصحح ذلك الإيمان يعني قدرا مجزئا.إذا تقرر هذا بلا خلاف تنبهت لدقة المصنف رحمه الله إذ قال (فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلمًا) ولم يقل مؤمنا، لم يقل مؤمنا لسببين: الأول أنه لو نفى الإيمان قد يتوهم أنه يثبت الدرجة التي هي اقل منه وهي الإسلام، وهذا غير مراد فنفى الأقل حتى لا يتوهم المعنى الباطل.السبب الثاني هي الإسلام لأنه أتى بعبادات ولكن لم يأتِ بالإيمان المصحح لها، فنفي عنه الإسلام لأنه وإن كان أتى بظاهر الإسلام لكن لم يأتِ بالتوحيد الذي دلت عليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ففيه الركن الأول من الإسلام، وكذلك لم يحقق الإيمان الذي هو بالقلب واللسان والعمل.إذا تبين لك ذلك ففصل بعد ذلك الإمام عليه رحمة الله تعالى بقوله (فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما) وتقرير هذا أن الكفر عندنا -يعني عند أهل السنة والجماعة- الكفر يكون إخراجا مما ضده الذي هو الإيمان فالإيمان إذا كان فيه اعتقاد وقول وعمل، فضده الكفر يكون باعتقاد يضاد الاعتقاد، وبقول يضاد القول، وبعمل يضاد العمل، ولهذا مورد الكفر يكون بالاعتقاد، ويكون بالقول، ويكون بالعمل؛ لأن الكفر ضد الإيمان، ويتصور أن يكون المرء يعتقد اعتقادا حقا؛ لكن لا يعمل، فليس إذن داخلا في الإيمان، فهؤلاء هم المستكبرون والاستكبار أحد نوعي الكفر؛ لأن الذين كفروا على قسمين منهم من كفر بعد علم هؤلاء هم المستكبرون إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين وقال جل وعلا في فرعون ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾[النمل:14]، وقال جل وعلا أيضا عن فرعون في آخر سور الاسراء في قِيلِ موسى عليه السلام ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا﴾[الإسراء:102]، (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ) فعلمه حاصل بذلك فإذن حين كفر لم يكفر عن جهل وإنما عن إباء واستكبار وكذلك أبو جهل وكذلك صناديد قريش سمعوا القرآن وعلموا حجته لكن صدهم عن ذلك الإيباء والاستكبار ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾[الزخرف:31].والقسم الثاني مما يكون به الكفر الإعراض، والإعراض قد يكون إعراضا بعد علم، وقد يكون إعراضا عن العلم، قال جل وعلا ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ﴾[الأنبياء:24]، هذا في الإعراض الذي هو إعراض عن العلم، كذلك إعراض بعد علم كما في آيات أُخر.فإذن العلم بالاتفاق لا يكفي في صحة الدين، حتى يعمل بما دل عليه العلم، علم التوحيد فلم يعمل به هذا مستكبر، علم الحق الذي هو الإيمان بالأركان فلم يعمل بما دل على ذلك فهو مستكبر.لم يعلم أصلا مع تمكنه من العلم؛ ولكن أعرض فهذا معرض، فإذا أعرض عن التوحيد مع التمكن فهذا معرض وهو غير عامل بالتوحيد وغير معتقد له، فلا يكون مؤمنا، لابد من اجتماع الإيمان بحدوده؛ يعني الإيمان الذي هو في القلب وهو الاعتقاد وقول اللسان وعمل الأركان.قال (فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند) وتعبيره هنا رحمه الله بقوله (فإن عرف التوحيد ولم يعمل به) فيه إشارة إلى أن معرفة التوحيد لمن لم يعمل به أنسب من أن يقال (علم التوحيد)؛ لأن المعرفة في القرآن أكثر ما جاءت على سبيل الذم، كما في قوله جل وعلا ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾[النحل:83]، ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾( ) ونحو ذلك من الآيات فمن رد الحق نقول عرفه ورده، وإن قلنا علمه ورده فلا بأس كما قال جل وعلا ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ﴾[الإسراء:102].قال رحمه الله (وهذا يغلط فيه كثير من الناس، يقولون إن حق، ونحن نفهم هذا، ونشهد أنه الحق؛ ولكن لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم) يعني أن هذا الأمر هو ما عليه كثير من الناس يقولون هذا حق ونحن نفهم هذا الشيء الذي هو دلالة التوحيد وأن الله جل وعلا هو المستحق للعبادة وحده دونما سواه، وأن صرف العبادة لغير الله بأنواعها من الدعاء والاستغاثة والاستعانة وأنواع الطلب والذبح والنذر والرجاء والخوف ورجاء العبادة وخوف السر ومحبة العبادة وأشباه ذلك، نعلم أنها حق لله جل وعلا؛ لكن لو لم نفعل ما يوافق أهل البلد ما تمكنا من الحياة، فلابد أن نوافقهم في الشرك، ففعلوا الشرك مع علمهم بالتوحيد، وهذا لا ينجيهم لأنهم علموا فلم يعملوا بالتوحيد، فمن علم بالتوحيد، علم حق اله جل وعلا في توحيده ولم يعمل به هذا كافر، مثل ما ذكر الإمام قال (فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند) يعني مستكبرا.(ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم) يعني ما يمشي عند أهل البلد الذين نسكن فيهم ونسكن معهم ما يمشي فيهم إلا الذي يوافقهم، لو عاندناهم وخالفناهم لثارت علينا مصائب، (أو غير ذلك من الأعذار. ولم يدر المسكين) وحقا هو مسكين؛ بل هو أكثر المساكين في عقله وفي عدم معرفته بمصلحته وما يؤول إليه أمره، قال (ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق) الأكثر في الناس في أئمة الكفر المعرفة والعلم بالحق؛ لكن تركوه إيباء واستكبارا، لم يتركوه عن شبهة قائمة، لم يتركوه عن عدم علم به أو إعراض عنه، إنما هم تركوه بعد العلم به بعد المعرفة به، قال (ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق)، ولاحظ استعمال كلمة (يعرفون) مرة أخرى، قال (ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار) لهم عذرهم، الأعذار تختلف:فهذا عذره أن يوافق أهل البلد. وهذا عذره أن يعيش.وهذا عذره أن يأكل هو وأولاده.وهذا عذره كذا وهذا عذره كذا.وإذا كان الله جل وعلا لم يعذر طائفة من أهل الإسلام في مساكنة المشركين وعدم الهجرة مع أنهم لم يعملوا الشرك ولم يوافقوا أهل الشرك في الشرك، فأنزل الله جل وعلا فيهم قوله العظيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾[النساء:97]، مع أن هؤلاء ليسوا مشركين؛ ولكنهم تركوا الهجرة مع القدرة على الهجرة وعدم القدرة على إظهار الدين، يقدرون على الهجرة لأن الله استثنى المستضعفين جل جلاله، ولم يقدروا أن يظهروا الدين وإنما تعبدوا بالتوحيد وسكتوا ولم يهاجروا، في أرضٍ لم يستطيعوا أن يظهروا فيها التوحيد، فتوعدهم الله جل وعلا بقوله (فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا) فكيف بمن مكث في بلد لا يستطيع فيها أن يظهر الدين وأعظم من ذلك أنه يعمل بالشرك والكفر موافقة لأهل البلد من غيره والله جل وعلا قال في سورة النحل ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾[النحل:106] الآية فاستثنى المكره، وأما هؤلاء الذين وصفهم الشيخ رحمهم الله فكل واحد يعتذر بعذر، فكذلك أئمة الكفر كل واحد له عذر هذا عذره جاهه وهذا عذره ماله، وهذا عذره أنه يشتري بآيات الله ثمننا قليلا يعني يبيع فيها ويشتري، وهذا عذره وهذا عذره والكل يجتمعون في أنهم علموا وعرفوا الحق ولكنهم سألوا وعلموا الشرك ولم يعملوا التوحيد، قال (كما قال تعالى ﴿اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾[التوبة:9]، وغير ذلك من الآيات كقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾( )).ثم قال (فإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهرًا وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه فهو منافق) لأن الإيمان كما ذكرنا بتوحيد الإلهية ثلاثة أقسام لابد منها مجتمعة اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان، فإن هو عمل بالتوحيد عملا ظاهرا موافق للناس؛ لكنه لا يعتقد ذلك بقلبه لا يعتقد أن هذا حق وأن ما عليه أهل الشرك هو الباطل، لا يعرف الطاغوت ولم يكفر به؛ يعني لم يتبرأ من عبادة غير الله جل وعلا، فهذا حاله كحال المنافقين؛ لأنه أحسن الظاهر وفي الباطن لم يقم شرط الباطن وهو العلم، المنافق في الباطن مخالف ففاته شرط الاعتقاد؛ لأنه اعتقد اعتقادا مخالفا، وهذا الذي عمل بالتوحيد عملا ظاهرا ولا يفهمه في الباطن ولا يعتقده، هذا فاته أن يكون في الباطن معتقدا للحق أصلا، لم يعتقد خلافه لكنه لم يعتقد الحق وإنما يفعله كما يفعله أهل بلده، فهذا منافق أيضا، قال (وهو شر من الكافر الخالص: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾[النساء:145].) لأن حاله حال أهل النفاق عمل شيئا بلا قصد، عمل شيئا بحركة آلة دون اعتقاد، وهذا في هذه الأزمنة نادر؛ لأن الذي يعمل للتوحيد مع وجود الشرك وأهله فهو قاصد للعمل للتوحيد.قال (وهذه المسألة مسألة كبيرة طويلة تتبيّن لك إذا تأملتها في ألسنة النّاس، ترى من يعرف الحق ويترك العمل به لخوف نقص دُنيا) يخاف أن تنقص دنياه، لا أن يصير فقيرا؛ بل حتى نقص الدنيا يوافق أهل الشرك على شركهم ويتعبد معهم بالشرك لأجل ألا تنقص دنياه، مثل ما حصل لأمير العيينة في وقت الشيخ لما قال له والي الأحساء أو أمير الأحساء أنك إذا وافقت الشيخ على ما هو عليه وأقمته عندك سوف أقطع عنك الخراج، قال للشيخ: أنا ما أقدر أن يقطع عني الخراج كيف يعيش أهل البلد. وأوصاه بقتله فأخرجه من البلد وبعث خلفه بأحد العبيد ليقتله، هذا لخوف نقص دنيا، يخاف أن تنقص دنياه أو جاه يخاف أن لا يكون معظما من كل الناس ينقسم عليه الناس، ناس يرضون وناس لا يرضون، هذا فيعمل بالشرك والكفر لكي يرضي طائفة من الناس، وهو يعلم الحق ولكن يريد بفعله الكفر والشرك أن يرضي طائفة، فهذا أيضا لم يعمل بالتوحيد وإنما علم وترك، أو مداراة لأحد؛ يعني مجاملة، جامل شيخه، جامل أمير بلده، جامل رئيس البلد إلى آخره، كما يحصل عند طوائف من الصوفية بعض مريديهم يدركون الحق لكن يجاملون مشايخهم فيما هم عليه من الضلالات الكفرية بالله.قال رحمه الله بعد ذلك (وترى من يعمل به ظاهرًا لا باطنًا) هذا قسم ثاني من الناس (ترى من يعمل به ظاهرا لا باطنا فإذا سألته عما يعتقده وبقلبه فإذا هو لا يعرفه) يعني وقع منه هذا الشيء اتفاقا يعم بالتوحيد ما أحب هذه الأشياء وما أحب هذه الخرافات؛ يعني ما أحب هذه الأشياء تعتقد التوحيد تعتقد بطلان الشرك؟ فيقول لا، ما أدري، هؤلاء عقولهم ناقصة سميا باللي يسميها، فهو يعمل بالتوحيد لكن لا يعتقد أن التوحيد هو الحق، وأن غيره باطل، لا يتبرأ من الكفر، لا يتبرأ من الطاغوت، لا يكفر بالطاغوت، وهذا فاته شرط لصحة التوحيد وهو الكفر بالطاغوت وهو اعتقاد أن عبادة غير الله جل وعلا باطلة، وأنها شرك؛ لابد أن يعتقد أن عبادة غير الله شرك، فإذا عمل بالتوحيد ظاهرا وهو لا يعتقد أن عبادة غيره شرك، فإن هذا كما ذكر الشيخ منافق، أو له أحكام المنافقين لأنه لم يعتقد بقلبه أن عمله هذا الذي هو التوحيد عمل واجب.ثم قال رحمه الله (ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله تعالى) وهذا نتركه للمرة القادمة.ونُذكّر أننا إن شاء الله تعالى نختم هذا الكتاب العظيم كشف الشبهات في الدرس القادم بإذنه تعالى وتوفيقه ومنّه، ثم بعده نبتدئ في شرح متن الطحاوية كما رغب ذلك عدد من الإخوة، وسيكون الشرح للمتن بطريقة ربما مخالفة لما عليه الشرح المعروف -شرح ابن أبي العز الحنفي- لأن الطحاوية فيها مسائل ليست في كتاب العقيدة الأخرى التي شرحناها، فنحتاج فيها إلى بسط الكلام تأصيلا وترتيب المسائل بما ينفع المبتدئ والمتوسط والذي سار معنا من زمان.أسأل الله لي ولكم التوفيق والهدى والسداد وصلى الله وسلم وبارك وعلى نبينا محمد[الأسئلة] أجيب عن بعض الأسئلة.س1/ ما رأي فضيلتكم في رجل يداهن قومه الذين هم على مذهب مخالف لمذهب أهل السنة قد يحتج بحجة تأليف قلوبهم للدعوة أرجو النصيحة وما هي الحلول؟ج/ أولا كلمة رجل يداهن قومه، ينبغي أن نفهم معنى المداهنة؛ لأن هناك مداراة هذه مشروعة، وهناك مداهنة والمداهنة لا تجوز؛ لأن الله جل وعلا قال لنا ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾[القلم:9]، فمداهنة أهل الكفر والبدع والمعاصي محرمة.والمداهنة معناها أن توافقهم على ما هم عليه من الباطل، تقر بالموافقة، أو أن تَدخل معهم في عملهم، فإذا كانت على هذا الوصف فهي مداهنة محرمة؛ لأن الموافقة هذه باطلة، والعمل أيضا باطل، ولا يكون هذا وهذا من مؤمن يعني العمل بالكفر، ولا أن يقول الكفر حق يوافقهم على الكفر، كما جاءوا للنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فقالوا له: تعبد إلهنا سنة ونعبد إلهك سنة. نوحّد فترة ونشرك فترة. هذا المداهنة.أقر بالبدع، احضر معنا الموالد احضر معنا الذبح عند القبور، ونحن ندخل معك في برامجك الإصلاحية، وفي برامجك السياسية الإصلاحية السلفية أو غيرها إلى آخره، فهذه المداهنة محرمة وقد تكون كفرا شركا إذا فعل شركا، أو أقر بكفر وشرك ووافق عليه، وقد تكون معصية محرمة بحسب ذلك.المسألة الثانية أو اللفظ الثاني المداراة، المداراة مأخوذة من لفظها دارى يداري مداراة؛ يعني لم ينكر لأجل مصلحة تتحقق له لكن لم يوافق ولم يعمل فعندنا إذن ثلاثة أشياء عدم الإنكار فقط؛ يعني لم ينكر فقط، ولكن في قلبه بطلان ما هم عليه، والبراءة مما هم عليه وهم، وهذا لا بأس به إذا كان في مقدور مصلحة شرعية، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمره ربه جل وعلا بأن لا يسب هو والمؤمنون الآلهة التي تعبد من دون الله فقال جل وعلا ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾[الأنعام:108]، وقال جل وعلا في آية آل عمران ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾[آل عمران:28]، وهي المداراة، والنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ دخل عليه رجل فبش في وجهه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ وأكرمه، ثم لما دخل إلى عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قال «بئس أخو العشيرة» فقالت: يا رسول الله رأيتك معه كيت وكيت. قال «يا عائشة إن شر لرجال أو شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره أو اتقاء سخطه» أو نحو ذلك، أو اتقاء لسانه.فإذن هذه مداراة المداراة أن تسكت عن شيء لأجل ما هو أصلح لك منه، وهذا يدخل ضمن القواعد الشرعية أن القاعدة الشرعية المعروفة أنه تفوت أدنى المصلحتين لتحقيق المصلحة العليا وتعمل أدنى المفسدتين لدرأ المفسدة الكبرى وهذا شيء معلوم باتفاق أهل الشريعة .فإنه إن داراهم بمعنى لم ينكر عليهم في البداية مثل ما فعل الإمام المصلح محمد عبد الوهاب يأتي إلى قبة زيد بن الخطاب ما يقول لهم هذا شرك بل يقول الله خير من زيد هذه مداراة حتى يصل معهم إلى ما هو الحق.وهذا لاشك أنه من الحكمة ومن النظر الصائب.س2/ ما حكم ذبح الذبائح عند نزول المنزل الجديد؟ج/ هذا معروف هذه إن كانت لإكرام الناس وجمعهم بمناسبة سكنى البيت لا بأس، وهذه المعروفة عندنا هنا وفي غيرها وهي للإكرام ولجمع الناس بمناسبة دخول مناسبة سكنى المنزل وشكرا لله جل وعلا على ما جدد من نعمة، وهذا أمر حسن ومرغب فيه.والشرك يكون أنه إذا نزل المنزل ذبح الذبائح عند أعتاب الأبواب يعني يأتي بكبش يأتي بخروف ويذبحه يسيل دمه عند عتبة الباب هذا اعتقاد شركي لأنه ذبح لاتقاء العين، ذبح لاتقاء الجن لاتقاء الضر فيكون ذبحا....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق