فصل : [ فقهاء المدينة المنورة ]
وكان المفتون بالمدينة من التابعين : ابن المسيب ، وعروة بن الزبير ، والقاسم بن محمد ، وخارجة بن زيد ، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام ، وسليمان بن يسار ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، وهؤلاء هم الفقهاء ، وقد نظمهم القائل فقال :
إذا قيل من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجه فقل هم عبيد الله عروة قاسم
سعيد أبو بكر سليمان خارجه
وكان من أهل الفتوى أبان بن عثمان ، وسالم ، ونافع وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وعلي بن الحسين .
وبعد هؤلاء أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وابناه محمد وعبد الله ، وعبد الله بن عمر بن عثمان وابنه محمد ، وعبد الله والحسين ابنا محمد بن الحنفية ، وجعفر بن محمد بن علي ، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر ، ومحمد بن المنكدر ، ومحمد بن شهاب الزهري ، وجمع محمد بن نوح فتاويه في ثلاثة أسفار ضخمة على أبواب الفقه ، وخلق سوى هؤلاء ===========فصل [ فقهاء مكة ]
وكان المفتون بمكة عطاء بن أبي رباح ، وطاوس بن كيسان ، ومجاهد بن جبر ، وعبيد بن عمير ، وعمرو بن دينار ، وعبد الله بن أبي مليكة ، وعبد الرحمن بن سابط ، وعكرمة .
ثم بعدهم أبو الزبير المكي ، وعبد الله بن خالد بن أسيد ، وعبد الله بن طاوس .
ثم بعدهم عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، وسفيان بن عيينة ، وكان أكثر فتواهم في المناسك ، وكان يتوقف في الطلاق .
وبعدهم مسلم بن خالد الزنجي ، وسعيد بن سالم القداح .
وبعدهما الإمام محمد بن إدريس الشافعي ، ثم عبد الله بن الزبير الحميدي ، وإبراهيم بن محمد الشافعي ابن عم محمد ، وموسى بن أبي الجارود ، وغيرهم .=====================فصل [ فقهاء البصرة ]
وكان من المفتين بالبصرة عمرو بن سلمة الجرمي ، وأبو مريم الحنفي ، وكعب بن سور ، والحسن البصري ، وأدرك خمس مائة من الصحابة ، وقد جمع بعض العلماء فتاويه في سبعة أسفار ضخمة قال أبو محمد بن حزم : وأبو الشعثاء جابر بن زيد ، ومحمد بن سيرين ، وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي ، ومسلم بن يسار ، وأبو العالية ، وحميد بن عبد الرحمن ، ومطرف بن عبد الله الشخير ، وزرارة بن أبي أوفى ، وأبو بردة بن أبي موسى .
ثم بعدهم أيوب السختياني ، وسليمان التيمي ، وعبد الله بن عوف ، ويونس بن عبيد ، والقاسم بن ربيعة ، وخالد بن أبي عمران ، وأشعث بن عبد الملك الحمراني ، وقتادة ، وحفص بن سليمان ، وإياس بن معاوية القاضي .
وبعدهم سوار القاضي ، وأبو بكر العتكي ، وعثمان بن سليمان البتي ، وطلحة بن إياس القاضي ، وعبيد الله بن الحسن العنبري ، وأشعث بن جابر بن زيد .
ثم بعد هؤلاء عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ، وسعيد بن أبي عروبة ، وحماد بن سلمة ، وحماد بن زيد ، وعبد الله بن داود الحرشي ، وإسماعيل بن علية ، وبشر بن المفضل ، ومعاذ بن معاذ العنبري ، ومعمر بن راشد ، والضحاك بن مخلد ، ومحمد بن عبد الله الأنصاري .
فصل .
[ فقهاء الكوفة ]
وكان من المفتين بالكوفة علقمة بن قيس النخعي ، والأسود بن يزيد النخعي وهو عم علقمة ، وعمرو بن شرحبيل الهمداني ، ومسروق بن الأجدع الهمداني ، وعبيدة السلماني ، وشريح بن الحارث القاضي ، وسليمان بن ربيعة الباهلي ، وزيد بن صوحان ، وسويد بن غفلة ، والحارث بن قيس الجعفي ، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي ، وعبد الله بن عتبة بن مسعود القاضي ، وخيثمة بن عبد الرحمن ، وسلمة بن صهيب ، ومالك بن عامر ، وعبد الله بن سخبرة ، وزر بن حبيش ، وخلاس بن عمرو ، وعمرو بن ميمون الأودي ، وهمام بن الحارث ، والحارث بن سويد ، ويزيد بن معاوية النخعي ، [ ص: 21 ] والربيع بن خثيم وعتبة بن فرقد ، وصلة بن زفر ، وشريك بن حنبل ، وأبو وائل شقيق بن سلمة ، وعبيد بن نضلة وهؤلاء أصحاب علي وابن مسعود .
وأكابر التابعين كانوا يفتون في الدين ، ويستفتيهم الناس ، وأكابر الصحابة حاضرون يجوزون لهم ذلك ، وأكثرهم أخذ عن عمر وعائشة وعلي ، ولقي عمرو بن ميمون الأودي معاذ بن جبل ، وصحبه ، وأخذ عنه ، وأوصاه معاذ عند موته أن يلحق بابن مسعود فيصحبه ويطلب العلم عنده ، ففعل ذلك .
ويضاف إلى هؤلاء أبو عبيدة وعبد الرحمن ابنا عبد الله بن مسعود ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وأخذ عن مائة وعشرين من الصحابة ، وميسرة ، وزاذان ، والضحاك .
ثم بعدهم إبراهيم النخعي ، وعامر الشعبي ، وسعيد بن جبير ، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، وأبو بكر بن أبي موسى ، ومحارب بن دثار ، والحكم بن عتيبة ، وجبلة بن سحيم وصحب ابن عمر .
ثم بعدهم حماد بن أبي سليمان وسليمان بن المعتمر ، وسليمان الأعمش ، ومسعر بن كدام .
ثم بعدهم محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وعبد الله بن شبرمة ، وسعيد بن أشوع ، وشريك القاضي ، والقاسم بن معن ، وسفيان الثوري ، وأبو حنيفة ، والحسن بن صالح بن حي .
ثم بعدهم حفص بن غياث ، ووكيع بن الجراح ، وأصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف القاضي ، وزفر بن الهذيل ، وحماد بن أبي حنيفة ، والحسن بن زياد اللؤلؤي القاضي ، ومحمد بن الحسن قاضي الرقة ، وعافية القاضي ، وأسد بن عمرو ، ونوح بن دراج القاضي ، وأصحاب سفيان الثوري كالأشجعي والمعافى بن عمران ، وصاحبي الحسن بن حي الزولي ، ويحيى بن آدم .
فصل .
[ فقهاء الشام ]
وكان من المفتين بالشام أبو إدريس الخولاني ، وشرحبيل بن السمط ، وعبد الله بن أبي زكريا الخزاعي ، وقبيصة بن ذؤيب الخزاعي ، وحبان بن أمية ، وسليمان بن حبيب المحاربي ، والحارث بن عمير الزبيدي ، وخالد بن معدان ، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري ، وجبير بن نفير [ ص: 22 ]
ثم كان بعدهم عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، ومكحول ، وعمر بن عبد العزيز ، ورجاء بن حيوة ، وكان عبد الملك بن مروان يعد في المفتين قبل أن يلي ما ولي ، وحدير بن كريب .
ثم كان بعدهم يحيى بن حمزة القاضي ، وأبو عامر عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، وإسماعيل بن أبي المهاجر ، وسليمان بن موسى الأموي ، وسعيد بن عبد العزيز ، ثم مخلد بن الحسين ، والوليد بن مسلم ، والعباس بن يزيد صاحب الأوزاعي ، وشعيب بن إسحاق صاحب أبي حنيفة ، وأبو إسحاق الفزاري صاحب ابن المبارك .
فصل .
[ فقهاء مصر ]
في المفتين من أهل مصر : يزيد بن أبي حبيب ، وبكير بن عبد الله بن الأشج ، وبعدهما عمرو بن الحارث .
وقال ابن وهب : لو عاش لنا عمرو بن الحارث ما احتجنا معه إلى مالك ولا إلى غيره - والليث بن سعد ، وعبيد الله بن أبي جعفر .
وبعدهم أصحاب مالك كعبد الله بن وهب ، وعثمان بن كنانة ، وأشهب ، وابن القاسم على غلبة تقليده لمالك إلا في الأقل ، ثم أصحاب الشافعي كالمزني والبويطي وابن عبد الحكم ، ثم غلب عليهم تقليد مالك وتقليد الشافعي ، إلا قوما قليلا لهم اختيارات كمحمد بن علي بن يوسف ، وأبي جعفر الطحاوي .
[ فقهاء القيروان ]
وكان بالقيروان سحنون بن سعيد ، وله كثير من الاختيار ، وسعيد بن محمد الحداد .
[ فقهاء الأندلس ]
وكان بالأندلس ممن له شيء من الاختيار يحيى بن يحيى ، وعبد الملك بن حبيب ، وبقي بن مخلد ، وقاسم بن محمد صاحب الوثائق ، تحفظ لهم فتاو يسيرة ، وكذلك مسلمة بن عبد العزيز القاضي ، ومنذر بن سعيد ، قال أبو محمد بن حزم : وممن أدركنا من أهل العلم على الصفة التي من بلغها استحق الاعتداد به في الاختلاف مسعود بن سليمان ، ويوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر [ ص: 23 ]
فصل .
[ فقهاء اليمن ]
وكان باليمن مطرف بن مازن قاضي صنعاء ، وعبد الرزاق بن همام ، وهشام بن يوسف ، ومحمد بن ثور ، وسماك بن الفضل .
فصل .
[ فقهاء بغداد ]
وكان بمدينة السلام من المفتين خلق كثير ، ولما بناها المنصور أقدم إليها من الأئمة والفقهاء والمحدثين بشرا كثيرا ، فكان من أعيان المفتين بها أبو عبيد القاسم بن سلام ، وكان جبلا نفخ فيه الروح علما وجلالة ونبلا وأدبا ، وكان منهم أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي صاحب الشافعي وكان قد جالس الشافعي وأخذ عنه ، وكان أحمد يعظمه ويقول : هو في سلاح الثوري ============ الإمام أحمد بن حنبل ]
وكان بها إمام أهل السنة على الإطلاق أحمد بن حنبل الذي ملأ الأرض علما وحديثا وسنة ، حتى إن أئمة الحديث والسنة بعده هم أتباعه إلى يوم القيامة ، وكان رضي الله عنه شديد الكراهة لتصنيف الكتب ، وكان يحب تجريد الحديث ، ويكره أن يكتب كلامه ، ويشتد عليه جدا ، فعلم الله حسن نيته وقصده فكتب من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سفرا ، ومن الله سبحانه علينا بأكثرها فلم يفتنا منها إلا القليل ، وجمع الخلال نصوصه في الجامع الكبير فبلغ نحو عشرين سفرا أو أكثر ، ورويت فتاويه ومسائله وحدث بها قرنا بعد قرن فصارت إماما وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم ، حتى إن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلدين لغيره ليعظمون نصوصه وفتاواه ، ويعرفون لها حقها وقربها من النصوص وفتاوى الصحابة ، ومن تأمل فتاواه وفتاوى الصحابة رأى مطابقة كل منهما على الأخرى ، ورأى الجميع كأنها تخرج من مشكاة واحدة ، حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان ، وكان تحريه لفتاوى الصحابة كتحري أصحابه لفتاويه ونصوصه ، بل أعظم ، حتى إنه ليقدم فتاواهم على الحديث المرسل ، قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في مسائله : قلت لأبي عبد الله : حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسل برجال ثبت أحب إليك أو حديث عن الصحابة والتابعين متصل برجال ثبت ؟ قال أبو عبد الله رحمه الله : عن الصحابة أعجب إلي [ ص: 24 ]
وكان فتاويه مبنية على خمسة أصول : [ أصول فتاوى أحمد بن حنبل ] أحدها : النصوص ، فإذا وجد النص أفتى بموجبه ، ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه كائنا من كان ، ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في المبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس ، ولا إلى خلافه في التيمم للجنب لحديث عمار بن ياسر ، ولا خلاف في استدامة المحرم الطيب الذي تطيب به قبل إحرامه لصحة حديث عائشة في ذلك ، ولا خلافه في منع المفرد والقارن من الفسخ إلى التمتع لصحة أحاديث الفسخ ، وكذلك لم يلتفت إلى قول علي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأبي بن كعب في الغسل من الإكسال لصحة حديث عائشة أنها فعلته هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلا ، ولم يلتفت إلى قول ابن عباس وإحدى الروايتين عن علي أن عدة المتوفى عنها الحامل أقصى الأجلين ; لصحة حديث سبيعة الأسلمية ، ولم يلتفت إلى قول معاذ ومعاوية في توريث المسلم من الكافر لصحة الحديث المانع من التوارث بينهما ، ولم يلتفت إلى قول ابن عباس في الصرف لصحة الحديث بخلافه ، ولا إلى قوله بإباحة لحوم الحمر كذلك ، وهذا كثير جدا ، ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا ولا قياسا ولا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعا ويقدمونه على الحديث الصحيح ، وقد كذب أحمد من ادعى هذا الإجماع ، ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت ، وكذلك الشافعي أيضا نص في رسالته الجديدة على أن ما لا يعلم فيه بخلاف لا يقال له إجماع ، ولفظه : ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعا .
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سمعت أبي يقول : ما يدعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب ، من ادعى الإجماع فهو كاذب ، لعل الناس اختلفوا ، ما يدريه ، ولم ينته إليه ؟ فليقل : لا نعلم الناس اختلفوا ، هذه دعوى بشر المريسي والأصم ، ولكنه يقول : لا نعلم الناس اختلفوا ، أو لم يبلغني ذلك ، هذا لفظه
ونصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف ، ولو ساغ لتعطلت النصوص ، وساغ لكل من لم يعلم مخالفا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص ; فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع ، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده [ ص: 25 ]
فصل .
[ الأصل الثاني فتاوى الصحابة ]
الأصل الثاني من أصل فتاوى الإمام أحمد : ما أفتى به الصحابة ، فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها لم يعدها إلى غيرها ، ولم يقل إن ذلك إجماع ، بل من ورعه في العبارة يقول : لا أعلم شيئا يدفعه ، أو نحو هذا ، كما قال في رواية أبي طالب لا أعلم شيئا يدفع قول ابن عباس وابن عمر وأحد عشر من التابعين عطاء ومجاهد وأهل المدينة على تسري العبد ، وهكذا قال أنس بن مالك : لا أعلم أحدا رد شهادة العبد ، حكاه عنه الإمام أحمد ، وإذا وجد الإمام أحمد هذا النوع عن الصحابة لم يقدم عليه عملا ولا رأيا ولا قياسا .
فصل [ الثالث الاختيار من فتاوى الصحابة إذا اختلفوا ]
الأصل الثالث من أصوله : إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة ، ولم يخرج عن أقوالهم ، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقول .
قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في مسائله : قيل لأبي عبد الله : يكون الرجل في قومه فيسأل عن الشيء فيه اختلاف ، قال : يفتي بما وافق الكتاب والسنة ، وما لم يوافق الكتاب والسنة أمسك عنه ، قيل له : أفيجاب عليه ؟ قيل : لا .
فصل [ الرابع المرسل من الحديث ]
الأصل الرابع : الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف ، إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه ، وهو الذي رجحه على القياس ، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به ; بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن ، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف ، بل إلى صحيح وضعيف ، وللضعيف عنده مراتب ، فإذا لم يجد في الباب أثرا يدفعه ولا قول صاحب ، ولا إجماع على خلافه كان العمل به عنده أولى من القياس [ ص: 26 ]
وليس أحد من الأئمة إلا وهو موافقه على هذا الأصل من حيث الجملة ، فإنه ما منهم أحد إلا وقد قدم الحديث الضعيف على القياس .
فقدم أبو حنيفة حديث القهقهة في الصلاة على محض القياس ، وأجمع أهل الحديث على ضعفه ، وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر على القياس ، وأكثر أهل الحديث يضعفه ، وقدم حديث " أكثر الحيض عشرة أيام " وهو ضعيف باتفاقهم على محض القياس ; فإن الذي تراه في اليوم الثالث عشر مساو في الحد والحقيقة والصفة لدم اليوم العاشر ، وقدم حديث { لا مهر أقل من عشرة دراهم } - وأجمعوا على ضعفه ، بل بطلانه - على محض القياس ، فإن بذل الصداق معاوضة في مقابلة بذل البضع ، فما تراضيا عليه جاز قليلا كان أو كثيرا .
وقدم الشافعي خبر تحريم صيد وج مع ضعفه على القياس ، وقدم خبر جواز الصلاة بمكة في وقت النهي مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد ، وقدم في أحد قوليه حديث { من قاء أو رعف فليتوضأ وليبن على صلاته } على القياس مع ضعف الخبر وإرساله .
وأما مالك فإنه يقدم الحديث المرسل والمنقطع والبلاغات وقول الصحابي على القياس .
[ الخامس القياس للضرورة ]
فإذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نص ولا قول الصحابة أو واحد منهم ولا أثر مرسل أو ضعيف عدل إلى الأصل الخامس - وهو القياس - فاستعمله للضرورة ، وقد قال في كتاب الخلال ، سألت الشافعي عن القياس ، فقال : إنما يصار إليه عند الضرورة ، أو ما هذا معناه فهذه الأصول الخمسة من أصول فتاويه ، وعليها مدارها ، وقد يتوقف في الفتوى ; لتعارض الأدلة عنده ، أو لاختلاف الصحابة فيها ، أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحد من الصحابة والتابعين [ ص: 27 ]
وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف ، كما قال لبعض أصحابه : إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام .
وكان يسوغ استفتاء فقهاء الحديث وأصحاب مالك ، ويدل عليهم ، ويمنع من استفتاء من يعرض عن الحديث ، ولا يبني مذهبه عليه ، ولا يسوغ العمل بفتواه .
قال ابن هانئ : سألت أبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث { أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار } قال أبو عبد الله رحمه الله : يفتي بما لم يسمع ، قال : وسألته عمن أفتى بفتيا يعي فيها قال : فإثمها على من أفتاها ، قلت : على أي وجه يفتي حتى يعلم ما فيها ؟ قال : يفتي بالبحث ، لا يدري أيش أصلها .
وقال أبو داود في مسائله : ما أحصي ما سمعت أحمد سئل عن كثير مما فيه الاختلاف في العلم فيقول : لا أدري ، قال : وسمعته يقول : ما رأيت مثل ابن عيينة في الفتوى أحسن فتيا منه ، كان أهون عليه أن يقول : لا أدري .
وقال عبد الله بن أحمد في مسائله : سمعت أبي يقول : وقال عبد الرحمن بن مهدي سأل رجل من أهل الغرب مالك بن أنس عن مسألة فقال : لا أدري فقال : يا أبا عبد الله تقول لا أدري ؟ قال : نعم ، فأبلغ من وراءك أني لا أدري .
وقال عبد الله : كنت أسمع أبي كثيرا يسأل عن المسائل فيقول : لا أدري ويقف إذا كانت مسألة فيها اختلاف ، وكثيرا ما كان يقول : سل غيري ، فإن قيل له : من نسأل ؟ قال : سلوا العلماء ، ولا يكاد يسمي رجلا بعينه قال : وسمعت أبي يقول : كان ابن عيينة لا يفتي في الطلاق ، ويقول : من يحسن هذا ؟ ، ====== =كراهة العلماء التسرع في الفتوى ] وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى ، ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره : فإذا رأى بها قد تعينت عليه بذل
اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى . وقال عبد الله بن المبارك : حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أراه قال في المسجد ، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث ، ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا [ص: 28 ]
وقال الإمام أحمد : حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منهم رجل يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه ، ولا يحدث حديثا إلا ود أن أخاه كفاه .
وقال مالك عن يحيى بن سعيد إن بكير بن الأشج أخبره عن معاوية بن أبي عياش أنه كان جالسا عند عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر ، فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال : إن رجلا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا فماذا تريان ؟ فقال عبد الله بن الزبير : إن هذا الأمر ما لنا فيه قول ، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشةزوج النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ائتنا فأخبرنا ، فذهبت فسألتهما فقال ابن عباسلأبي هريرة : أفته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة ، فقال أبو هريرة : الواحدة تبينها ، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره .
وقال مالك عن يحيى بن سعيد قال : قال ابن عباس : إن كل من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه لمجنون ، قال مالك : وبلغني عن ابن مسعود مثل ذلك ، رواه ابن وضاح عنيوسف بن عدي عن عبد بن حميد عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله ، ورواه حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل عن عبد الله .
وقال سحنون بن سعيد : أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما ، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه .
قلت : الجرأة على الفتيا تكون من قلة العلم ومن غزارته وسعته ، فإذا قل علمه أفتى عن كل ما يسأل عنه بغير علم ، وإذا اتسع علمه اتسعت فتياه ، ولهذا كان ابن عباس من أوسع الصحابة فتيا ، وقد تقدم أن فتاواه جمعت في عشرين سفرا ، وكان سعيد بن المسيب أيضا ، واسع الفتيا ، وكانوا يسمونه كما ذكر ابن وهب عن محمد بن سليمان المرادي عن أبي إسحاق قال : كنت أرى الرجل في ذلك الزمان وإنه ليدخل يسأل عن الشيء فيدفعه الناس عن مجلس إلى مجلس حتى يدفع إلى مجلس سعيد بن المسيبكراهية للفتيا ، قال : وكانوا يدعونه سعيد بن المسيب الجريء .
وقال سحنون : إني لأحفظ مسائل منها ما فيه ثمانية أقوال من ثمانية أئمة من العلماء ، فكيف ينبغي أن أعجل بالجواب قبل الخبر ؟ فلم ألام على حبس الجواب ؟ وقال ابن وهب: حدثنا أشهل بن حاتم عن عبد الله بن عون عن ابن سيرين قال : قال حذيفة : إنما يفتي الناس أحد ثلاثة : من يعلم ما نسخ من القرآن ، أو أمير لا يجد بدا ، أو أحمق متكلف ، قال : فربما قال ابن سيرين : فلست بواحد من هذين ، ولا أحب أن أكون الثالث=========ما يقوله المفتي فيما اجتهد فيه ]
والمقصود أن الله سبحانه حرم القول عليه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه ، والمفتي يخبر عن الله عز وجل وعن دينه ، فإن لم يكن خبره مطابقا لما شرعه كان قائلا عليه بلا علم ، ولكن إذا اجتهد واستفرغ وسعه في معرفة الحق وأخطأ لم يلحقه الوعيد ، وعفي له عن ما أخطأ به ، وأثيب على اجتهاده ، ولكن لا يجوز أن يقول لما أداه إليه اجتهاده ولم يظفر فيه بنص عن الله ورسوله : إن الله حرم كذا ، وأوجب كذا ، وأباح كذا ، وإن هذا هو حكم الله ; قال ابن وضاح : ثنا يوسف بن عدي ، ثنا عبيدة بن حميد عن عطاء بن السائب قال : قال الربيع بن خثيم : إياكم أن يقول الرجل لشيء : إن الله حرم هذا أو نهى عنه ، فيقول الله : كذبت لم أحرمه ولم أنه عنه ، أو يقول : إن الله أحل هذا أو أمر به ، فيقول الله : كذبت لم أحله ولم آمر به ; قال أبو عمر : وقد روي عن مالك أنه قال في بعض ما كان ينزل به فيسأل عنه فيجتهد فيه رأيه : { إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين }=============المراد بالناسخ والمنسوخ ]
قلت : مراده ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة وهو اصطلاح المتأخرين ، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة ، إما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد وتفسيره وتبيينه حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخا لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد ، فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ ، بل بأمر خارج عنه ، ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى ، وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر .
وقال هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال : قال حذيفة : إنما يفتي الناس أحد ثلاثة : رجل يعلم ناسخ القرآن ومنسوخه ، وأمير لا يجد بدا ، وأحمق متكلف ، قال ابن سيرين : فأنا لست أحد هذين ، وأرجو أن لا أكون أحمق متكلفا .
وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب " جامع فضل العلم " : حدثنا خلف بن القاسم ثنا يحيى بن الربيع ثنا محمد بن حماد المصيصي ثنا إبراهيم بن واقد ثنا المطلب بن زياد قال : حدثني جعفر بن حسين إمامنا قال : رأيت أبا حنيفة في النوم ، فقلت : ما فعل الله بك يا أبا حنيفة ؟ قال : غفر لي ، فقلت له : بالعلم ؟ فقال : ما أضر الفتيا على أهلها ، فقلت : فبم ؟ قال : بقول الناس في ما لم يعلم الله أنه مني ، قال أبو عمر : وقال سحنون يوما : إنا لله ، ما أشقى المفتي والحاكم ، ثم قال : ها أنا ذا يتعلم مني ما تضرب به الرقاب وتوطأ به الفروج وتؤخذ به الحقوق ، أما كنت عن هذا غنيا ، قال أبو عمر : وقال أبو عثمان الحداد : القاضي أيسر مأثما وأقرب إلى السلامة من الفقيه - يريد المفتي ; لأن الفقيه من شأنه إصدار ما يرد عليه من ساعته بما حصره من القول ، والقاضي شأنه الأناة والتثبت ومن تأنى وتثبت تهيأ له من الصواب ما لا يتهيأ لصاحب البديهة ، انتهى .
وقال غيره : المفتي أقرب إلى السلامة من القاضي ; لأنه لا يلزم بفتواه ، وإنما يخبر بها من استفتاه ، فإن شاء قبل قوله ، وإن شاء تركه وأما القاضي فإنه يلزم بقوله ، فيشترك هو والمفتي في الإخبار عن الحكم ، ويتميز القاضي بالإلزام والقضاء ; فهو من هذا الوجه خطره أشد
========== خطر تولي القضاء ]
ولهذا جاء في القاضي من الوعيد والتخويف ما لم يأت نظيره في المفتي ، كما رواه أبو داود الطيالسي من حديث عائشة رضي الله عنها أنها ذكر عندها القضاة فقالت : سمعت [ ص: 30 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط } وروى الشعبي عن مسروق عن عبد الله يرفعه : { ما من حاكم يحكم بين الناس إلا وكل به ملك آخذ بقفاه حتى يقف به على شفير جهنم ، فيرفع رأسه إلى الله فإن أمره أن يقذفه قذفه في مهوى أربعين خريفا } وفي السنن من حديث ابن بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { القضاة ثلاثة ، اثنان في النار وواحد في الجنة : رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة ، ورجل قضى بين الناس بالجهل فهو في النار ، ورجل عرف الحق فجار فهو في النار } .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ويل لديان من في الأرض من ديان من في السماء ، يوم يلقونه ، إلا من أمر بالعدل ، وقضى بالحق ، ولم يقض على هوى ، ولا على قرابة ، ولا على رغب ولا رهب ، وجعل كتاب الله مرآة بين عينيه وفي سنن أبي داود من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة ، ومن غلب جوره عدله فله النار } وفي سنن البيهقي من حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { الله مع القاضي ما لم يجر ، فإذا جار برئ الله منه ولزمه الشيطان } وفيه من حديث حسين المعلم عن الشيباني عن ابن أبي أوفى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن الله مع القاضي ما لم يجر ، فإذا جار وكله إلى نفسه } .
وفي السنن الأربعة من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : { من قعد قاضيا بين المسلمين فقد ذبح نفسه بغير سكين } وفي سنن البيهقي من حديث أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ويل للأمراء ، وويل للعرفاء ، وويل للأمناء ، ليتمنين أقوام يوم القيامة أن نواصيهم كانت معلقة بالثريا يتجلجلون بين السماء والأرض ، وأنهم لم يلوا عملا } .
[ الوعيد على الإفتاء ]
وأما المفتي ففي سنن أبي داود من حديث مسلم بن يسار قال : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من قال علي ما لم أقل فليتبوأ بيتا في جهنم ، ومن أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه ومن أشار على أخيه بأمر يعلم الرشد في غيره فقد خانه } فكل خطر على المفتي فهو على القاضي ، وعليه من زيادة الخطر ما يختص به ، ولكن خطر المفتي أعظم من جهة أخرى ; فإن فتواه شريعة عامة تتعلق بالمستفتي وغيره وأما الحاكم فحكمه جزئي خاص لا يتعدى إلى غير المحكوم عليه وله ; فالمفتي يفتي حكما عاما كليا أن من فعل كذا ترتب عليه كذا ، ومن قال كذا لزمه كذا ، والقاضي [ ص: 31 ] يقضي قضاء معينا على شخص معين ، فقضاؤه خاص ملزم ، وفتوى العالم عامة غير ملزمة ، فكلاهما أجره عظيم ، وخطره كبير =============فصل [ المحرمات على أربع مراتب ]
وقد حرم الله سبحانه القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء ، وجعله من أعظم المحرمات ، بل جعله في المرتبة العليا منها ، فقال تعالى : { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } فرتب المحرمات أربع مراتب ، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش ، ثم ثنى بما هو أشد تحريما منه وهو الإثم والظلم ، ثم ثلث بما هو أعظم تحريما منهما وهو الشرك به سبحانه ، ثم ربع بما هو أشد تحريما من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم ، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه وقال تعالى : { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم } فتقدم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه ، وقولهم لما لم يحرمه : هذا حرام ، ولما لم يحله : هذا حلال ، وهذا بيان منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول : هذا حلال وهذا حرام إلا بما علم أن الله سبحانه أحله وحرمه .
وقال بعض السلف : ليتق أحدكم أن يقول : أحل الله كذا ، وحرم كذا ، فيقول الله له : كذبت ، لم أحل كذا ، ولم أحرم كذا ; فلا ينبغي أن يقول لما لا يعلم ورود الوحي المبين بتحليله وتحريمه أحله الله ورحمه الله لمجرد التقليد أو بالتأويل
=============فصل في كلام الأئمة في أدوات الفتيا ، وشروطها ، ومن ينبغي له أن يفتي وأين يسع قول المفتي " لا أدري " ؟ .
[ أدوات الفتيا ] .
قال الإمام أحمد ، في رواية ابنه صالح عنه : ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على أن يكون عالما بوجوه القرآن ، عالما بالأسانيد الصحيحة ، عالما بالسنن ، وإنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها .
وقال في رواية ابنه عبد الله : إذا كان عند الرجل الكتب المصنفة فيها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلاف الصحابة والتابعين فلا يجوز أن يعمل بما شاء ويتخير فيقضي به ويعمل به حتى يسأل أهل العلم ما يؤخذ به فيكون يعمل على أمر صحيح .
وقال في رواية أبي الحارث : لا يجوز الإفتاء إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة [ ص: 36 ]
وقال في رواية حنبل : ينبغي لمن أفتى أن يكون عالما بقول من تقدم ، وإلا فلا يفتي .
وقال محمد بن عبد الله بن المنادي : سمعت رجلا يسأل أحمد : إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيها ؟ قال : لا ، قال : فمائتي ألف ؟ قال : لا ، قال : فثلاث مائة ألف ؟ قال : لا ، قال : فأربع مائة ألف ، قال بيده هكذا ، وحرك يده .
قال أبو الحسين : وسألت جدي محمد بن عبيد الله ، قلت : فكم كان يحفظ أحمد بن حنبل ؟ قال : أخذ عن ستمائة ألف .
قال أبو حفص : قال لي أبو إسحاق : لما جلست في جامع المنصور للفتيا ذكرت هذه المسألة فقال لي رجل : فأنت هو ذا لا تحفظ هذا القدر حتى تفتي الناس ، فقلت له : عافاك الله إن كنت لا أحفظ هذا المقدار فإني هو ذا أفتي الناس بقول من كان يحفظ هذا المقدار وأكثر منه .
قال القاضي أبو يعلى : وظاهر هذا الكلام أنه لا يكون من أهل الاجتهاد إذا لم يحفظ من الحديث هذا القدر الكثير الذي ذكره ، وهذا محمول على الاحتياط والتغليظ في الفتوى ، ثم ذكر حكاية أبي إسحاق لما جلس في جامع المنصور ، قال : وليس هذا الكلام من أبي إسحاق مما يقتضي أنه كان يقلد أحمد فيما يفتي به ، لأنه قد نص في بعض تعاليقه على كتاب العلل على الدلالة على منع الفتوى بغير علم ; لقوله تعالى : { ولا تقف ما ليس لك به علم } .
قلت : هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال لأصحاب أحمد :
================= الأمر بالرد دليل على أن الكتاب والسنة يشتملان على حكم كل شيء ]
ومنها : أن قوله : { فإن تنازعتم في شيء } نكرة في سياق الشرط تعم كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دقه وجله ، جليه وخفيه ، ولو لم يكن في كتاب الله ورسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه ولم يكن كافيا لم يأمر بالرد إليه ; إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فضل النزاع .
ومنها : أن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه ، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته [ ص: 40 ]
[ الرد إلى الله والرسول من موجبات الإيمان ]
ومنها : أنه جعل هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه ، فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان ; ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه ، ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين فإنه من الطرفين ، وكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر ، ثم أخبرهم أن هذا الرد خير لهم ، وأن عاقبته أحسن عاقبة ، ثم أخبر سبحانه أن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه ، والطاغوت : كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع ; فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله ، أو يعبدونه من دون الله ، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله ، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله ; فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم [ عدلوا ] من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت ، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت ، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته ، وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين الفائزين من هذه الأمة - وهم الصحابة ومن تبعهم - ولا قصدوا قصدهم ، بل خالفوهم في الطريق والقصد معا ، ثم أخبر تعالى عن هؤلاء بأنهم إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول أعرضوا عن ذلك ، ولم يستجيبوا للداعي ، ورضوا بحكم غيره ، ثم توعدهم بأنهم إذا أصابتهم مصيبة في عقولهم وأديانهم وبصائرهم وأبدانهم وأموالهم بسبب إعراضهم عما جاء به الرسول وتحكيم غيره والتحاكم إليه كما قال تعالى : { فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم } اعتذروا بأنهم إنما قصدوا الإحسان والتوفيق ، أي بفعل ما يرضي الفريقين ويوفق بينهما كما يفعله من يروم التوفيق بين ما جاء به الرسول وبين ما خالفه ، ويزعم أنه بذلك محسن قاصد الإصلاح والتوفيق ، والإيمان إنما يقتضي إلقاء الحرب بين ما جاء به الرسول وبين كل ما خالفه من طريقة وحقيقة وعقيدة وسياسة ورأي ; فرخص الإيمان في هذا الحرب لا في التوفيق ، وبالله التوفيق .
ثم أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الدقيق والجليل ، ولم يكتف في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق عن قضائه وحكمه ، ولم يكتف منهم أيضا بذلك حتى يسلموا تسليما ، وينقادوا انقيادا .
وقال تعالى : { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } فأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمن أن يختار بعد قضائه وقضاء رسوله ، ومن تخير بعد ذلك فقد ضل ضلالا مبينا .
[ ص: 41 ] معنى التقدم بين يدي الله ورسوله ]
وقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم } أي لا تقولوا حتى يقول ، ولا تأمروا حتى يأمر ، ولا تفتوا حتى يفتي ، ولا تقطعوا أمرا حتى يكون هو الذي يحكم فيه ويمضيه ، روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما : لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة ، وروى العوفي عنه قال : نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه .
والقول الجامع في معنى الآية لا تعجلوا بقول ولا فعل قبل أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يفعل وقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببا لحبوط أعمالهم فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه ؟ أليس هذا أولى أن يكون محبطا لأعمالهم .
[ ينزع العلم بموت العلماء ]
وقال تعالى : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه } فإذا جعل من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهبا إذا كانوا معه إلا باستئذانه فأولى أن يكون من لوازمه أن لا يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد استئذانه ، وإذنه يعرف بدلالة ما جاء به على أنه أذن فيه .
وفي صحيح البخاري من حديث أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال : حج علينا عبد الله بن عمرو بن العاص فسمعته يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { إن الله لا ينزع العلم بعد إذ أعطاكموه انتزاعا ، ولكن ينزعه مع قبض العلماء بعلمهم ، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم ، فيضلون ويضلون } .
وقال وكيع : حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا ينزع الله العلم من صدور الرجال ، ولكن ينزع العلم بموت العلماء ، فإذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فقالوا بالرأي ، فضلوا وأضلوا } وفي الصحيحين من حديث عروة بن الزبير قال : قالت عائشة : يا ابن أختي بلغني أن عبد الله بن عمرو مار بنا إلى الحج ، فالقه فاسأله فإنه قد حمل عن النبي صلى الله عليه وسلم علما كثيرا ، قال : فلقيته فسألته عن أشياء يذكرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال عروة : فكان فيما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الله لا [ ص: 42 ] ينزع العلم من الناس انتزاعا ، ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم ، ويبقى في الناس رءوس جهال يفتونهم بغير علم ، فيضلون ويضلون } قال عروة : فلما حدثت عائشة بذلك أعظمت ذلك وأنكرته ، قالت : أحدثك أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا ؟ قال عروة : نعم ، حتى إذا كان عام قابل قالت لي : إن ابن عمرو قد قدم فالقه ثم فاتحه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم ، قال : فلقيته فسألته فذكره لي نحو ما حدثني به في المرة الأولى ، قال عروة : فلما أخبرتها بذلك قالت : ما أحسبه إلا وقد صدق ، أراه لم يزد فيه شيئا ولم ينقص .
وقال البخاري في بعض طرقه { فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون } وقال : فقالت عائشة : والله لقد حفظ عبد الله ; وقال نعيم بن حماد : ثنا ابن المبارك ثنا عيسى بن يونس عن جرير بن عثمان الرحبي ثنا عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم ، يحرمون به ما أحل الله ويحلون ما حرم الله } قال أبو عمر بن عبد البر : هذا هو القياس على غير أصل ، والكلام في الدين بالخرص والظن ، ألا ترى إلى قوله في الحديث : { يحلون الحرام ويحرمون الحلال } ومعلوم أن الحلال ما في كتاب الله وسنة رسوله تحليله ، والحرام ما في كتاب الله وسنة رسوله تحريمه ، فمن جهل ذلك وقال فيما سئل عنه بغير علم ، وقاس برأيه ما خرج منه عن السنة ; فهذا الذي قاس الأمور برأيه فضل وأضل ، ومن رد الفروع إلى أصولها فلم يقل برأيه
=================
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق