الجمعة، 8 مايو 2015

العقيدة الوسيطية = الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:

وبعد:

فهذا شرح مختصر على العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية جمعته من المصادر التالية:

1- "الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية" للشيخ زيد بن عبد العزيز بن فياض.
2- "التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية" للشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد.
3- "التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة" للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي.
4- نقلت من فوائد علقتها على نسختي وقت الطلب.
5- وفيما يتعلق بتفسير الآيات نقلت من كتب التفسير "كفتح القدير" للإمام محمد بن علي الشوكاني و "تفسير القرآن العظيم" للشيخ: إسماعيل بن كثير
. وكانت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية قد طبعته عدة مرات ووزعته على طلبة المرحلة الثانوية فشكر الله للقائمين عليها وزادهم من الخير والتوفيق لما فيه صلاح المسلمين
كمآ أني أسال الله آن ينفع به ويجعله مؤديا للمطلوب من توضيح هذة العقيدة العظيمة وان يغفر لي ما وقع مني من خطأ ويثيبني على ما فيه من صواب إنه سميع مجيب وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه والحمد لله رب العالمين.
المؤلف
    قال المصنف:
بسم الله الرحمن الرحيم
 الشرح: ابتدأ المصنف رحمه الله كتابه بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز حيث جاءت البسملة في ابتداء كل سورة ما عدا سورة براءة. واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يبدأ بها في مكاتباته.
 وقوله: {بسم الله} الباء للاستعانة.
والاسم في اللغة: ما دل على مسمى وفي الاصطلاح: ما دل على معنى في نفسه ولم يقترن بزمان
والجار والمجرور متعلق بمحذوف ينبغي آن يقدر متأخرا ليفيد الحصر .
والله: علم ​​على الذات المقدسة، ومعناه: ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين مشتق من أله يأله ألوهة، بمعنى عبد يعبد عبادة فالله إله بمعنى مألوه أي معبود. .
و {الرحمن الرحيم}: اسمان كريمان من أسمائه الحسنى دالان على اتصافه تعالى بالرحمة على ما يليق بجلاله فالرحمن: ذو الرحمة العامة لجميع المخلوقات والرحيم: ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين، كما قال تعالى: {وكان بالمؤمنين رحيما}
 الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا به وتوحيدا. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما مزيدا.
 الشرح:
افتتح هذه الرسالة الجليلة بهذه الخطبة المشتملة على حمد الله والشهادتين والصلاة على رسوله تأسيا بالرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديثه وخطبه، وعملا بقوله: صلى الله عليه وسلم: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع) رواه أبو داود وغيره ويروى: (ببسم الله الرحمن الرحيم) ومعنى أقطع: أي معدوم البركة ويجمع بين الروايتين للحديث بأن الابتداء ببسم الله حقيقي وبالحمد لله نسبي إضافي.
 قوله: {الحمد لله} الألف واللام للاستغراق، أي: جميع المحامد لله ملكا واستحقاقا والحمد لغة: الثناء بالصفات الجميلة والأفعال الحسنة وعرفا: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما وهو ضد الذم
. {لله} تقدم الكلام على لفظ الجلالة
{الذي أرسل رسوله} الله سبحانه يحمد على نعمه التي لا تحصى ومن أجل هذه النعم أن {أرسل} أي: بعث رسوله {} محمدا صلى الله عليه وسلم. والرسول لغة: من بعث برسالة وشرعا: هو إنسان ذكر أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه {بالهدى} أي: العلم النافع وهو كل ما جاء به النبي صلى الله عليه سلم من الإخبارات الصادقة والأوامر والنواهي وسائر الشرائع النافعة
والهدى نوعان:
النوع الأول: هدى بمعنى الدلالة والبيان، ومنه قوله تعالى: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} الآية (17) فصلت وهذا يقوم به الرسول صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}.
النوع الثاني: هدى بمعنى التوفيق والإلهام وهذا هو المنفي عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يقدر عليه إلا الله تعالى كما في قوله تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} [القصص الآية: 56] (ودين الحق) هو العمل الصالح والدين يطلق ويراد به الجزاء، كقوله تعالى: { مالك يوم الدين}. ويطلق ويراد به الخضوع والانقياد، وإضافة الدين إلى الحق من إضافة الموصوف إلى صفته أي الدين الحق والحق مصدر: حق يحق بمعنى ثبت ووجب، وضده الباطل.
{ليظهره على الدين كله} أي: ليعليه على جميع الأديان بالحجة والبيان والجهاد حتى يظهر على مخالفيه من أهل الأرض من عرب وعجم مليين ومشركين وقد وقع ذلك فإن المسلمين جاهدوا في الله حق جهاده حتى اتسعت رقعة البلاد الإسلامية وانتشر هذا الدين في المشارق والمغارب.
{وكفى بالله شهيدا} أي: شاهدا أنه رسوله ومطلع على جميع أفعاله وناصره على أعدائه وفي ذلك دلالة قاطعة على صدق هذا الرسول، إذ لو كان مفتريا لعاجله الله بالعقوبة كما قال تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين} [الحاقة: الآيتان 44 45].
(وأشهد أن لا إله إلا الله ) أي: أقر وأعترف أن لا معبود بحق إلا الله (وحده لا شريك له) في هاتين الكلمتين تأكيد لما تضمنته شهادة أن لا إله إلا الله من النفي والإثبات: نفي الإلهية عما سوى الله وإثباته لله فقوله: (وحده) تأكيد للإثبات، وقوله: (لا شريك له) تأكيد للنفي.
وقوله: (إقرارا به وتوحيدا) مصدران مؤكدان لمعنى الجملة السابقة (وأشهد أن لا إله إلا الله) إلخ، أي: إقرارا باللسان وتوحيدا أي: إخلاصا في كل عبادة قولية او فعلية او اعتقادية
وقوله: (وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) أي: أقر بلساني وأعتقد بقلبي أن الله أرسل عبده محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة لأن الشهادة لهذا الرسول بالرسالة مقرونة بالشهادة لله بالتوحيد لا تكفي إحداهما عن الأخرى وفي قوله: (عبده ورسوله) رد على أهل الإفراط والتفريط في حق الرسول صلى الله عليه وسلم فأهل الإفراط غلوا في حقه ورفعوه فوق منزلة العبودية وأهل التفريط قد نبذوا ما جاء به. وراء ظهورهم كأنه غير رسول فشهادة أنه عبد الله تنفي الغلو فيه ورفعه فوق منزلته وشهادة أنه رسول الله تقتضي: الإيمان به وطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه، واتباعه فيما شرع.
وقوله: (صلى الله عليه) الصلاة لغة: الدعاء، وأصح ما قيل في معنى الصلاة من الله على الرسول: ما ذكره البخاري في صحيحه عن أبي العالية قال: صلاة على رسوله ثناؤه عليه في الملأ الأعلى. (وعلى آله) آل الشخص من ينتمون إليه بصلة وثيقة من قرابة ونحوها. وأحسن ما قيل في المراد بآل الرسول صلى الله عليه وسلم هنا أنهم أتباعه على دينه. جمع صاحب من عطف الخاص على العام والصحابي (وأصحابه): هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على ذلك.
(وسلم تسليما مزيدا) السلام بمعنى التحية، أو السلامة من النقائص والرذائل وقوله: (مزيدا) اسم مفعول من الزيادة وهي النمو وجمع بين الصلاة والسلام امتثالا لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} الآية [الأحزاب: 56].
 أما بعد: فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة.
الشرح: (أما بعد) هذه الكلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر، ومعناها: مهما يكن من شيء ويستحب الإتيان بها في الخطب والمكاتبات اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يفعل ذلك. (فهذا) إشارة إلى ما تضمنته هذه الرسالة واحتوت عليه من العقائد الإيمانية التي أجملها بقوله: (وهو الإيمان بالله إلخ). ( اعتقاد) مصدر: اعتقد كذا إذا اتخذه عقيدة ، والعقيدة: هي ما يعقد عليه المرء قلبه تقول اعتقدت كذا، أي :. عقدت عليه القلب والضمير وأصله مأخوذ من عقد الحبل إذا ربطه. . ثم استعمل في عقيدة القلب وتصميمه الجازم
(الفرقة) أي: الطائفة والجماعة (الناجية) أي: .. التي سلمت من الهلاك والشرور في الدنيا والآخرة وحصلت على السعادة وهذا الوصل مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله) رواه البخاري ومسلم.
(المنصورة) أي: المؤيدة على من خالفها (إلى قيام الساعة) أي: مجيء ساعة موتهم بمجيء الريح التي تقبض روح كل مؤمن، فهذه هي الساعة في حق المؤمنين وأما الساعة التي يكون بها انتهاء الدنيا فهي لا تقوم إلا على شرار الناس لما في صحيح مسلم (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله) وروى الإمام الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وفيه: (ويبعث الله ريحا ريحها ريح المسك ومسها مس الحرير فلا تترك أحدا في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس فعليهم الساعة تقوم).
 أهل السنة والجماعة
الشرح:
(أهل السنة) أهل بالكسر على أنه بدل من الفرقة، ويجوز الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هم) والسنة: هي الطريقة ألتي كان عليها رسول الله صلى الله عليه سلم من أقواله وأفعاله وتقريراته وسموا أهل السنة لانتسابهم لسنة الرسول صلى الله عليه سلم دون غيرها من المقالات والمذاهب، بخلاف أهل البدع فإنهم ينسبون إلى بدعهم وضلالاتهم كالقدرية والمرجئة، وتارة ينسبون إلى إمامهم كالجهمية ، وتارة ينسبون إلى أفعالهم القبيحة كالرافضة والخوارج.
(والجماعة) لغة: الفرقة المجتمعة من الناس والمراد بهم هنا الذين اجتمعوا على الحق الثابت بالكتاب والسنة وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان ولو كانوا قلة، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: الجماعة ما وافق الحق وان كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ
وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره.
 الشرح:
(وهو) أي: اعتقاد الفرقة الناجية (الإيمان) الإيمان معناه لغة: التصديق قال الله تعالى في الآية (17) من سورة يوسف: {وما أنت بمؤمن لنا} أي: مصدق وتعريفه شرعا: أنه قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح.
وقوله: (بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره) هذه هي أركان الإيمان الستة التي لا يصح إيمان أحد إلا إذا آمن بها جميعا على الوجه الصحيح الذي دل عليه الكتاب والسنة وهذه الأركان هي:
1 الإيمان بالله: وهو الاعتقاد الجازم بأنه رب كل شيء ومليكه، وأنه متصف بصفات الكمال منزه عن كل عيب ونقص، وأنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له والقيام بذلك علما وعملا
2 الإيمان بالملائكة : أي التصديق بوجودهم وأنهم كما وصفهم الله في كتابه كما في الآية (26 27) من سورة الأنبياء: {عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة وأوصافهم، وأنهم موكلون بأعمال يؤدونها كما أمرهم الله فيجب الإيمان بذلك . كله
3 الإيمان بالكتب: أي التصديق بالكتب التي أنزلها الله على رسله، وأنها كلامه وأنها حق ونور وهدى فيجب الإيمان بما سمى الله منها كالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن والإيمان بما لم يسم الله منها.
4 الإيمان بالرسل الذين أرسلهم الله إلى خلقه: أي التصديق بهم جميعا وأنهم صادقون فيما أخبروا به، وأنهم بلغوا رسالات ربهم لا نفرق بين أحد منهم بل نؤمن بهم جميعا: من سمى الله منهم في كتابه ومن لم يسم منهم كما قال تعالى في الآية (164) من سورة النساء: {ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك} وأفضلهم أولو العزم وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، ثم بقية الرسل ثم الأنبياء، وأفضل الجميع خاتم الرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأصح ما قيل في الفرق بين النبي والرسول: أن النبي: من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه. والرسول: من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه.
5 الإيمان بالقدر خيره وشره: وهو التصديق بأن الله سبحانه علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل وجودها، ثم كتبها في اللوح المحفوظ، ثم أوجدها بقدرته ومشيئته في مواعيدها المقدرة فكل محدث من خير أو شر فهو صادر عن علمه وتقديره ومشيئته وإرادته، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
هذا شرح مجمل لأصول الإيمان وسيأتي إن شاء الله شرحها مفصلا.
ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه ووصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
 الشرح:
بعد ما ذكر المصنف رحمه الله الأصول التي يجب الإيمان بها مجملة شرع يذكرها على سبيل التفصيل وبدأ بالأصل الأول وهو الإيمان بالله تعالى فذكر أنه يدخل فيه الإيمان بصفاته التي وصف نفسه بها في كتابه أو وصفه بها رسوله في سنته، وذلك بأن نثبتها له كما جاءت في الكتاب والسنة بألفاظها ومعانيها من غير تحريف لألفاظها ولا تعطيل لمعانيها ولا تشبيه لها بصفات المخلوقين. وأن نعتمد في إثباتها على الكتاب والسنة فقط لا نتجاوز القرآن والحديث لأنها توفيقية.
والتحريف: هو التغيير إمالة الشيء عن وجهه يقال: انحرف عن كذا إذا مال وهو نوعان:
النوع الأول: تحريف اللفظ وهو العدول به عن جهته إلى غيرها إما بزيادة كلمة أو حرف أو نقصانه، أو تغيير حركة كقول أهل الضلال في قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} أي: استولى، فزادوا في الآية حرفا وكقولهم في قوله تعالى: {وجاء ربك} أي: أمر ربك، فزادوا كلمة وكقولهم في قوله تعالى: {وكلم الله موسى تكليما} بنصب لفظ الجلالة فغيروا الحركة الإعرابية من الرفع إلى النصب.
النوع الثاني: تحريف المعنى، وهو العدول به عن وجهه وحقيقته وإعطاء اللفظ معنى لفظ آخر كقول المبتدعة: إن معنى الرحمة: ارادة الانعام وان معنى الغضب ارادة الانتقام
والتعطيل لغة: الإخلاء، يقال: عطله، أي: أخلاه والمراد به هنا نفي الصفات عن الله سبحانه وتعالى والفرق بين التحريف والتعطيل : أن التحريف هو نفي المعنى الصحيح الذي دلت عليه النصوص واستبداله بمعنى آخر غير صحيح والتعطيل: هو نفي المعنى الصحيح من غير استبدال له بمعنى آخر، كفعل المفوضة فكل محرف معطل وليس كل معطل محرفا.
والتكييف: هو تعيين كيفية الصفة يقال: كيف الشيء إذا جعل له كيفية معلومة، فتكييف صفات الله هو تعيين كيفيتها والهيئة التي تكون عليها وهذا لا يمكن للبشر لأنها مما استأثر الله تعالى بعلمه فلا سبيل إلى الوصول إليه، لأن الصفة تابعة للذات، فكما أن ذات الله لا يمكن للبشر معرفة كيفيتها، فكذلك صفته سبحانه لا تعلم كيفيتها ولهذا لما سئل الإمام مالك رحمه الله فقيل له: {الرحمن على العرش استوى} كيف استوى فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة وهذا يقال في سائر الصفات.
والتمثيل: هو التشبيه بأن يقال: إن صفات الله مثل صفات المخلوقين، كأن يقال يد الله كأيدينا وسمعه كسمعنا، تعالى الله عن ذلك، قال تعالى في الآية (11) من سورة الشورى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} فلا يقال في صفاته إنها مثل صفاتنا أو شبه صفاتنا أو كصفاتنا، كما لا يقال: إن ذات الله مثل أو شبه ذواتنا، فالمؤمن الموحد يثبت الصفات كلها على الوجه اللائق بعظمة الله وكبريائه . والمعطل ينفيها أو ينفي بعضها . والمشبه الممثل يثبتها على وجه لا يليق بالله وانما يليق بالمخلوق
بل يؤمنون بإن الله سبحانه ليس كمثله شيء . وهو السميع البصير فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه.
 الشرح:
. لما ذكر المصنف رحمه الله أن الواجب هو الإيمان بصفات الله الثابتة في الكتاب والسنة من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، بين موقف أهل السنة والجماعة من ذلك وهو إنهم يؤمنون بتلك الصفات على هذا المنهج المستقيم، فيثبتونها على حقيقتها نافين عنها التمثيل فلا يعطلون ولا يمثلون على وفق ما جاء في قوله تعالى في الآية (11) من سورة الشورى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} فقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} رد على الممثله وقوله: {وهو السميع البصير} رد على المعطلة لأن فيه إثبات السمع والبصر، فالآية الكريمة دستور واضح في باب الأسماء والصفات لأنها جمعت بين إثبات الصفات لله ونفي التمثيل عنها. وسيأتي تفسيرها إن شاء الله.
وقوله: (فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه) أي لا يحمل أهل السنة والجماعة إيمانهم بأن الله ليس كمثله شيء على أن ينفوا عنه ما وصف به نفسه، كما يفعل ذلك الذين غلوا في التنزيه حتى عطلوه من صفاته بحجة الفرار من التمثيل بصفات المخلوقين صفات تخصهم وتليق به، وللمخلوقين صفات تخصهم وتليق بهم، ولا تشابه بين صفات الخالق وصفات المخلوق فلا يلزم هذا المحذور الذي ذكرتم أيها المعطلة.
 وقوله: [ولا يحرفون الكلم عن مواضعه] تقدم بيان معنى التحريف أي: لا يغيرون كلام الله فيبدلون ألفاظه أو يغيرون معانيه فيفسرونه بغير تفسيره كما يفعل المعطلة الذين يقولون في: {استوى} استولى، وفي: {وجاء ربك} وجاء أمر ربك، ويفسرون رحمة الله بإرادة الانعام ونحو ذلك
ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يكيفون، ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه.
 الشرح:
(ولا يلحدون في أسماء الله وآياته) الإلحاد لغة: الميل والعدول عن الشيء، ومنه اللحد في القبر سمي بذلك لميله وانحرافه عن سمت الحفر إلى جهة القبلة والإلحاد في أسماء الله وآياته هو العدول والميل بها عن حقائقها ومعانيها الصحيحة إلى الباطل والإلحاد في أسماء الله وصفاته أنواع:
النوع الأول: أن تسمى الأصنام بها كتسمية اللات من الإله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان.
النوع الثاني: تسميته سبحانه وتعالى بما لا يليق به كتسمية النصارى له أبا، وتسمية الفلاسفة له موجبا أو علة فاعلة.
النوع الثالث: وصفه سبحانه وتعالى بما ينزه عنه من النقائض كقول اليهود الذين قالوا: {إن الله فقير ونحن أغنياء} وقولهم: {يد الله مغلولة} وأنه استراح يوم السبت. تعالى الله عما يقولون.
النوع الرابع: جحد معانيها وحقائقها، كقول الجهمية: إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني، فالسمع لا يدل على سمع والبصير لا يدل على بصر والحي لا يدل على حياة ونحو ذلك. .
النوع الخامس: تشبيه صفاته بصفات خلقه، كقول الممثل يده كيدي إلى غير ذلك تعالى الله وقد توعد الله الملحدين في أسمائه وآياته بأشد الوعيد فقال سبحانه في الآية (180) من سور الأعراف: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمآئه سيجزون ما كانوا يعملون} وقال في الآية (40) من سورة فصلت: {إن الذين يلحدون في آياتنا لا علينا يخفون}.
قوله: (ولا يكيفون ولا يمثلون) إلخ تقدم بيان معنى التكييف والتمثيل
لانه سبحانه لا سمي له ولا كفؤ له ولا ند له ولا يقاس بخلقه سبحانه تعالى. فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلا وأحسن حديثا من خلقه.
 الشرح:
(لأنه سبحانه لا سمي له) هذا تعليل لما سبق من قوله عن أهل السنة: (ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفاته بصفات خلقه) و (سبحانه ) سبحان: مصدر مثل غفران، من التسبيح وهو التنزيه (لا سمي له) أي: لا نظير له يستحق مثل اسمه، كقوله تعالى في الآية (65) من سورة مريم: {هل تعلم له سميا} استفهام معناه النفي أي: لا أحد يساميه أو يماثله (ولا كفؤ له) الكفؤ هو المكافئ المماثل أي: لا مثل له كقوله تعالى: في سورة الإخلاص: {ولم يكن له كفوا أحد} (ولا ند له) الند: هو الشبيه والنظير قال تعالى في الآية (22) من سورة البقرة : {فلا تجعلوا لله أندادا}.
(ولا يقاس بخلقه) القياس في اللغة: التمثيل، أي: لا يشبه ولا يمثل بهم، قال سبحانه في الآية 74 من سورة النحل: {فلا تضربوا لله الأمثال} فلا يقاس سبحانه بخلقه لا في ذاته ولا في أسمائه وصفاته ولا في أفعاله، وكيف يقاس الخالق الكامل بالمخلوق الناقص ؟! تعالى الله عن ذلك (فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره). وهذا تعليل لما سبق من وجوب إثبات ما أثبته لنفسه من الصفات ومنع قياسه بخلقه، فإنه إذا كان أعلم بنفسه وبغيره وجب . آن يثبت له من الصفات ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه سلم والخلق لا يحيطون به علما فهو الموصوف بصفات الكمال ألتي لا تبلغها عقول المخلوقين، فيجب علينا أن نرضى بما رضيه لنفسه فهو أعلم بما يليق به ونحن لا نعلم ذلك وهو سبحانه: (أصدق قيلا وأحسن حديثا من خلقه) فما أخبر به فهو صدق وحق يجب علينا أن نصدقه ولا نعارضه، وألفاظه أحسن الألفاظ وأفصحها وأوضحها وقد بين ما يليق به من الأسماء والصفات أتم بيان فيجب قبول ذلك والتسليم له.
ثم رسله صادقون مصدقون بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون.
 الشرح:
(ثم رسله صادقون مصدقون) هذا عطف على قوله: (فإنه أعلم بنفسه إلخ) الصدق: مطابقة الخبر للواقع أي: صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، مصدقون، أي: فيما يأتيهم من الوحي بواسطة الملائكة لأنه من عند الله فهم لا ينطقون عن الهوى وهذا توثيق لسند الرسل عليهم الصلاة والسلام، فقد قيل لهم الحق وبلغوه للخلق فيجب قبول ما وصفوا الله به فهم (بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون) أي: بخلاف الذين يقولون على الله بلا علم في شرعه ودينه وفي أسمائه وصفاته بل بمجرد ظنونهم وتخيلاتهم أو بما يتلقونه عن الشياطين كالمتنبئين الكذبة والمبتدعة والزنادقة والسحرة والكهان والمنجمين وعلماء السوء، كما قال تعالى في الآيات (221 ​​223) من سورة الشعراء: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون} وقال تعالى في الآية (79) من سورة البقرة: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله} الآية
فإذا كان الله سبحانه تعالى أعلم بنفسه وبغيره، وكان أصدق قولا وأحسن حديثا من خلقه، وكان رسله عليهم الصلاة والسلام صادقين في كل ما يخبرون عنه، والواسطة بينهم وبين الله التي تأتيهم بالوحي من عنده واسطة صادقة من ملائكته الكرام، وجب التعويل إذا على ما قاله الله ورسله لا سيما في باب الأسماء والصفات نفيا وإثباتا، ورفض ما قاله المبتدعة والضلال ممن يدعي المجاز في الرسل، معتمدين على أهوائهم، أو مقلدين لمن لا يصلح للقدوة من الضلال.
ولهذا قال: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين} فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب.  الشرح:
المفردات:
ولهذا: تعليل لما سبق من كون كلام الله كلام رسله أصدق أحسن
سبحان: اسم مصدر من التسبيح وهو التنزيه.
ربك: الرب هو المالك السيد المربي لخلقه بنعمه.
العزة: القوة والغلبة والمنعة وإضافة الرب إلى العزة من إضافة الموصوف إلى الصفة.
يصفون : أي يصفه به المخالفون للرسل مما لا يليق بجلاله.
وسلام: قيل: هو من السلام بمعنى التحية وقيل: من السلامة من المكاره
على المرسلين: الذين أرسلهم الله إلى خلقه وبلغوا رسالات ربهم، جمع مرسل وتقدم تعريفه.
العالمين: جمع عالم وهم كل من سوى الله
المعنى الاجمالي: قد بينه الشيخ رحمه الله بقوله: .. فسبح نفسه إلخ
 ما يستفاد من الآيات:
1 تنزيه الله سبحانه عما يصفه به الضلال والجهال مما لا يليق بجلاله
. 2 صدق الرسل ووجوب قبول ما جاءوا به وما أخبروا به عن الله
. 3 مشروعية السلام على الرسل عليهم الصلاة والسلام واحترامهم
4 رد كل ما يخالف ما جاءت به الرسل لا سيما ما يتعلق بأسماء الله وصفاته.
5 مشروعية الثناء على الله وشكره على نعمه التي من أجلها نعمه التوحيد.
وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون فإنه الصراط المستقيم.
 الشرح:
(وهو سبحانه قد جمع إلخ) هذا بيان للمنهج الذي رسمه الله في كتابه لإثبات أسمائه وصفاته، وهو المنهج الذي يجب أن يسير عليه المؤمنون في هذا الباب المهم فإنه سبحانه: (قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه) أي في جميع أسمائه وصفاته (بين النفي والإثبات) وهو نفي ما يضاد الكمال من أنواع العيوب والنقائص كنفي الند والشريك والسنة والنوم والموت واللغوب.
وأما الإثبات فهو إثبات صفات الكمال ونعوت الجلال لله كقوله تعالى في الآيتين (23 24) من سورة الحشر: {هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} وغير ذلك مما سيذكر له المؤلف نماذج فيما يأتي.
وقوله: (فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون) أي: .. لا ميل لهم ولا انحراف عن ذلك بل هم مقتفون آثارهم مستضيئون بأوارهم ومن ذلك إثبات صفات الكمال لله وتنزيهه عما لا يليق به. فإن الرسل قد قرروا ذلك الأصل العظيم. وأما أعداء الرسل فإنهم قد عدلوا عن ذلك.
وقوله: (فإنه الصراط المستقيم) تعليل لقوله: (فلا عدول لأهل السنة) أي لأن ما جاء به المرسلون هو الصراط المستقيم والصراط المستقيم هو الطريق المعتدل الذي لا تعدد فيه ولا انقسام وهو المذكور في قوله تعالى من سورة الفاتحة: {اهدنا الصراط المستقيم} وقوله في الآية (153) من سورة الأنعام: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} وهو الذى ندعو الله في كل ركعة من صلواتنا آن يهدينا إليه صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين الشهداء والصالحين.
 الشرح:
أي أن الصراط المستقيم الذي جاء به المرسلون في الاعتقاد وغيره وسلكه أهل السنة والجماعة هو (صراط الذين أنعم الله عليهم) أي: أنعم الله عليهم الإنعام المطلق التام المتصل بسعادة الأبد، وهم الذين أمرنا الله أن ندعوه أن يهدينا طريقهم، فهؤلاء الأصناف الأربعة هم أهل هذه النعمة المطلقة وهم:
1 النبيون: جمع نبي، وهم الذين اختصهم الله بنبوته ورسالته وتقدم تعريفهم. 2 الصديقون: جمع صديق وهو المبالغ في الصدق والتصديق، أي: المبالغ في الانقياد للرسول صلى الله عليه وسلم. مع كمال الإخلاص لله
3 الشهداء: جمع شهيد، وهو المقتول في سبيل الله سمي بذلك لأنه مشهود له بالجنة ولأن ملائكة الرحمة تشهده.
4 الصالحون: جمع صالح وهو القائم بحقوق الله وحقوق عباده
والصراط تارة يضاف إلي الله تعالى كقوله تعالى في الآية (153) من سورة الأنعام: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} لأنه هو الذي شرعه ونصبه، وتارة يضاف إلى العباد كما في قوله تعالى: {صراط الذين أنعمت عليهم} لكونهم سلكوه وفي قوله: {صراط الذين أنعمت عليهم} تنبيه على الرفيق في هذا الطريق وأنهم هم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ليزول عن سالك هذا الطريق وحشة التفرد عن أهل زمانه إذا استشعر أن رفقته على هذا الصراط الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون.
ثم أورد الشيخ رحمه الله فيما يلي نماذج من الكتاب والسنة تشتمل على إثبات أسماء الله وصفاته وفيما يلي إيراد ذلك.
  الاستدلال على إثبات أسماء الله وصفاته من القرآن الكريم
 1 الجمع بين النفي والإثبات في صفه تعالى
 وقد دخل في هذة الجملة ما وصف الله به نفسه في سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن ألتي حيث يقول: { قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد}.
  الشرح:
 (وقد دخل في هذه الجملة) أي: التي تقدمت وهي قوله: (وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات) فأراد هنا أن يورد ما يدل على ذلك من الكتاب والسنة، وبدأ بسورة الإخلاص لفضلها. وسميت بذلك لأنها أخلصت في صفات الله ولأنها تخلص قارئها من الشرك.
 قوله: (التي تعدل ثلث القرآن) أي: تساويه وذلك لأن معاني القرآن ثلاثة أنواع: توحيد وقصص وأحكام، وهذه السورة فيها صفة الرحمن فهي في التوحيد وحده، فصارت تعدل ثلث القرآن والدليل على أن هذه السورة تعدل ثلث القرآن ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلا سمع رجلا يقرأ: {قل هو الله أحد} يرددها فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك وكأن الرجل يتقالها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن) قال الإمام ابن القيم: والأحاديث بكونها تعدل ثلث القرآن تكاد تبلغ مبلغ التواتر
 (حيث يقول) الله جل شأنه: {قل } أي: يا محمد وفي هذا دليل على أن القرآن كلام الله إذ لو كان كلام محمد أو غيره لم يقل: {قل}، {هو الله أحد} أي واحد لا نظير له ولا وزير ولا مثيل ولا شريك له {الله الصمد} أي: السيد الذي كمل في سؤدده وشرفه وعظمته وفيه جميع صفات الكمال، والذي تصمد إليه الخلائق وتقصده في جميع حاجاتها ومهماتها.
 {لم يلد ولم يولد} أي ليس له ولد ولا والد. وفيه الرد على النصارى ومشركي العرب الذين نسبوا لله الولد. {ولم يكن له كفوا أحد} أي ليس له مكافئ ولا مماثل ولا نظير.
 والشاهد من هذه السورة: أنها تضمنت وجمعت بين النفي والإثبات فقوله: {الله أحد الله الصمد} إثبات وقوله: {لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد} نفي
 وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه حيث يقول: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما أي لا يكرثه ولا يثقله وهو العلي العظيم} ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ حتى يصبح.
  الشرح:
 (وما وصف به نفسه في أعظم آية من كتابه) أي: ودخل في الجملة السابقة ما وصف الله به نفسه الكريمة (في أعظم آية) والآية في اللغة: العلامة والمراد بها هنا طائفة من كلمات القرآن متميزة عن غيرها بفاصلة، وتسمى هذه الآية التي أوردها هنا آية الكرسي لذكر الكرسي فيها.
 والدليل على أنها أعظم آية في القرآن ما ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله: أي آية في كتاب الله أعظم قال: الله ورسوله أعلم، فرددها مرارا ثم قال أبي: آية الكرسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليهنك العلم أبا المنذر) وسبب كونها أعظم آية لما اشتملت عليه من إثبات أسماء الله وصفاته وتنزيهه عما لا يليق به.  فقوله تعالى: {الله لا إله إلا هو} أي: لا معبود بحق إلا هو، وما سواه فعبادته من أبطل الباطل {الحي} أي : الدائم الباقي الذي له كمال الحياة والذي لا سبيل للفناء عليه {القيوم} أي:.
 وقوله: {غير محلي الصيد وأنتم حرم} استثناء آخر من بهيمة الأنعام.
 والمعنى: أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها إلا ما كان منها وحشيا فإنه صيد لا يحل لكم في حال الإحرام، فقوله : {وأنتم حرم} في محل نصب على الحال، والمراد بالحرم من هو محرم بحج أو عمرة أو بهما. {إن الله يحكم ما يريد} من التحليل والتحريم لا اعتراض عليه.
 الشاهد من الآيات: أن فيها إثبات المشيئة والقوة والحكم والإرادة صفات لله تعالى على ما يليق بجلاله.
 وقوله: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء}.
  الشرح:
 {فمن يرد الله أن يهديه} أي: من شاء الله سبحانه أن يوقه وجعل قلبه قابلا للخير و {من}. اسم شرط جازم، ويرد: مجزوم على أنه فعل الشرط {يشرح صدره للإسلام} مجزوم بجواب الشرط والشرح :. الشق، وأصله التوسعة، وشرحت الأمر: بينته ووضحته والمعنى: يوسع الله صدره للحق الذي هو الإسلام حتى يقبله بصدر منشرح {ومن يرد أن يضله} أي: ومن شاء سبحانه أن يصرفه عن قبول الحق {يجعل صدره ضيقا} أي: لا يتسع لقبول الحق . {حرجا} أي: شديد الضيق فلا يبقى فيه منفذ للخير، وهو تأكيد لمعنى {ضيقا} {كأنما يصعد في السماء} أصله يتصعد، أي كأنما تكلف ما لا يطيق مرة بعد مرة كما يتكلف من يريد الصعود إلى السماء. شبه الكافر في ثقل الإيمان عليه بمن يتكلف ما لا يطيقه كصعود السماء.
 الشاهد من الآية الكريمة: أن فيها إثبات الإرادة لله سبحانه وأنها شاملة للهداية والإضلال، أي: يريد الهداية ويريد الإضلال كونا وقدرا لحكمة بالغة.
 فالإرادة الربانية نوعان:
 النوع الأول: إرادة كونية قدرية، وهذه مرادفة للمشيئة، ومن أمثلتها قوله تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها } وقوله تعالى: { وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له} وقوله: {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا}
 النوع الثاني : إرادة دينية شرعية، ومن أمثلتها قوله تعالى: {والله يريد أن يتوب عليكم} الآية (27) النساء وقوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} الآية (6) المائدة وقوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} الآية (33) الأحزاب.
 الفرق بين الإرادتين:
 1 الإرادة الكونية قد يحبها الله ويرضاها، وقد لا يحبها ولا يرضاها والإرادة الشرعية لابد أنه يحبها ويرضاها. فالله أراد المعصية كونا ولا يرضاها شرعا.
 2 والإرادة الكونية مقصودة لغيرها، كخلق إبليس وسائر الشرور لتحصل بسبب ذلك المجاهدة والتوبة والاستغفار وغير ذلك من المحاب. والإرادة الشرعية مقصودة لذاتها، فالله أراد الطاعة كونا وشرعا وأحبها ورضيها.
 3 الإرادة الكونية لابد من وقوعها، والإرادة الشرعية لا يلزم وقوعها فقد تقع وقد لا تقع.
 تنبيه: تجتمع الإرادتان الكونية والشرعية في حق المخلص المطيع وتنفرد الإرادة الكونية في حق العاصي
 تنبيه آخر : من لم يثبت الإرادتين ويفرق بينهما فقد ضل كالجبرية والقدرية فالجبرية أثبتوا الإرادة الكونية فقط، والقدرية أثبتوا الإرادة الشرعية فقط وأهل السنة أثبتوا الإرادتين وفرقوا بينهما.
  6 إثبات محبة الله ومودته لأوليائه على ما يليق بجلاله
 وقوله: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} {وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين } {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}، وقوله: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} وقوله: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} وقوله: {وهو الغفور الودود}.
  الشرح:
 لما ذكر الشيخ رحمه الله الآيات التي تدل على إثبات المشيئة والإرادة، ذكر الآيات على إثبات المحبة لله سبحانه وفي ذلك الرد على من سوى بين المشيئة والمحبة وقال: إنهما متلازمان فكل ما شاء الله فقد أحبه وقد قدمنا ​​أن في ذلك تفصيلا، فقد يشاء الله ما لا يحبه ككفر الكافر وسائر المعاصي. وقد يشاء ما يحب كالإيمان وسائر الطاعات.
 وقوله تعالى: {وأحسنوا} هذا أمر من الله تعالى بالإحسان، وهو: الإتيان بالعمل على أحسن أحواله وأكملها، والإحسان هو أعلى مقامات الطاعة {إن الله يحب المحسنين} هذا تعليل للأمر بالإحسان فهو أمر به لأنه يحبه ويحب أهله فيكون ذلك حافزا على امتثال الأمر به وقوله تعالى :. {} وأقسطوا أمر بالإقساط وهو العدل في المعاملات والأحكام مع القريب والبعيد {إن الله يحب المقسطين} تعليل للأمر بالإقساط فهو أمر به لأنه {يحب المقسطين} أي : العادلين ومحبته سبحانه لهم تستلزم أن يجزيهم أحسن الجزاء.
 وقوله تعالى: {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} أي: ما استقام لكم المشركون على العهد فلم ينقضوه فاستقيموا على الوفاء لهم فلا تقاتلوهم {إن الله يحب المتقين} تعليل للأمر بالاستقامة على العهد فهو أمر بها لأنها من أعمال المتقين الذين يحبهم الله، وفيه إشارة إلى أن الوفاء بالعهد والاستقامة عليه من أعمال المتقين، والتقوى: هي التحرز بطاعة الله عن معصيته رجاء ثوابه وخوفا من عقابه.
 وقوله تعالى: {إن الله يحب التوابين} التوابين: جمع تواب صغة مبالغة من التوبة وهي لغة: الرجوع وشرعا: الرجوع عن الذنب هذا تفسيرها في حق العبد، وأما في حق الله فالتواب من أسماء الله تعالى قال ابن القيم: العبد تواب، والله تواب، فتوبة البد رجوعة إلى سيده وتوبة الله نوعان: ... إذن وتوفيق وقبول واعتداد {ويحب المتطهرين} المتطهرين: جمع متطهر اسم فاعل من الطهارة وهي النزاهة والنظافة عن الأقذار حسية كانت أو معنوية وفي الآية الكريمة إخبار من الله سبحانه عن محبته لهذين الصنفين من عباده التوابين والمتطهرين.
 وقوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} سبب نزول هذه الآية الكريمة كما ذكره ابن كثير وغيره: أن قوما زعموا أنهم يحبون الله فابتلاهم الله (أي اختبرهم) بهذه الآية فهي حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية بأنه كاذب في دعواه وقوله: {يحببكم الله} أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته اياكم وهو أعظم من الأول
 وقوله تعالى: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} هذا جواب الشرط في قوله: {من يرتد منكم عن دينه} يقول تعالى مخبرا عن قدرته العظيمة: أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته أنه يستبدل به من هو خير منه، وهم قوم متصفون بصفات عظيمة من أعظمها أن الله يحبهم وهم يحبونه. والمراد بهم أبو بكر الصديق وجيشه من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم الذين قاتلوا أهل الردة، ثم كل من جاء بعدهم من المقاتلين للمرتدين إلى يوم القيامة.
 وقوله تعالى: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله} إخبار منه مؤكد أنه سبحانه يحب من اتصف بهذه الصفة {الذين يقاتلون سبيله في} أي: يجاهدون بأموالهم وأنفسهم لإعلاء كلمة الله {صفا} أي: يصفون أنفسهم عند القتال ولا يزولون عن أماكنهم {كأنهم بنيان مرصوص} قد رص بعضه ببعض، وألزق بعضه ببعض، فليس فيه فرجة ولا خلل وقوله. : {وهو الغفور} أي: يستر ذنوبه ويتجاوز عن خطاياه {الودود} من الود وهو خالص الحب فهو سبحانه (ودود) بمعنى: انة يحب أهل طاعته وفي ذكر هذين الاسمين الكريمين مقترنين سر لطيف وهو أنه يحب عبده بعد المغفرة فيغفر له ويحبه بعد ذلك.
 الشاهد من هذه الآيات الكريمة: أن فيها إثبات المحبة والمودة لله سبحانه وأنه يحب ويود بعض الأشخاص والأعمال والأخلاق فهو يحب بعض الأشياء دون بعض على ما تقتضيه حكمته البالغة فهو يحب المحسنين ويحب المقسطين ويحب المتقين ويحب المتبعين لرسوله صلى الله عليه وسلم ويحب المجاهدين في سبيله. ويحب التوابين والمتطهرين.
 وفيها إثبات المحبة من الجانبين، جانب العبد وجانب الرب. {يحبهم ويحبونه} {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} ففي ذلك الرد على من نفى المحبة من الجانبين كالجهمية والمعتزلة فقالوا. : لا يحب ولا يحب، وأولوا محبة العباد له بمعنى محبتهم عبادته وطاعته، ومحبته للعباد بمعنى إحسانه إليهم وإثابتهم ونحو ذلك وهذا باطل لأن مودته ومحبته سبحانه وتعالى لعباده على حقيقتهما كما يليق بجلاله كسائر صفاته ليستا كمودة ومحبة المخلوق
  7 إثبات اتصافه بالرحمة والمغفرة سبحانه تعالى
 وقوله: {بسم الله الرحمن الرحيم} {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} {وكان بالمؤمنين رحيما} {ورحمتي وسعت كل شيء} {كتب ربكم على نفسه الرحمة} {وهو الغفور الرحيم} {فالله خير حافظا وهو الراحمين أرحم}.
  الشرح:
 وقوله: {بسم الله الرحمن الرحيم} تقدم تفسيرها في أول الكتاب، ومناسبة ذكرها هنا أن فيها إثبات الرحمة لله تعالى صفة من صفاته كما في الآيات المذكورة بعدها قال الإمام ابن القيم: الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه ، والرحيم دال على تعليقها بالمرحوم كما قال تعالى: {وكان بالمؤمنين رحيما} ولم يجئ قط: رحمن بهم وكان الأول للوصف والثاني للفعل فالأول دال على أن الرحمة وصفة، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته. اه.
 قوله: {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} هذا حكاية عن الملائكة الذين يحملون العرش ومن حوله أنهم يستغفرون للذين آمنوا فيقولون: {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} أي: وسعت رحمتك كل شيء وعلمك ف {رحمة وعلما} منصوبان على التمييز المحول عن الفاعل، وفي ذلك دليل على سعة رحمة الله وشمولها.
      
       وقوله: {ذلك بأنهم} أي ما ذكر في الآية قبلها من شدة توفي الملائكة للكفار من أجل أنهم {اتبعوا ما أسخط الله} من الانهماك في المعاصي والشهوات المحرمة {وكرهوا رضوانه} أي: كرهوا ما يرضيه من الإيمان والأعمال الصالحة وقوله: {فلما آسفونا } أي: أغضبونا {انتقمنا منهم} أي: عاقبناهم، والانتقام هو أشد العقوبة.
 وقوله: {ولكن كره الله انبعاثهم} أي: أبغض الله خروجهم معكم للغزو {فثبطهم} أي: حبسهم عن الخروج معك وخذلهم قضاء وقدرا وإن كان قد أمرهم بالغزو شرعا . وأقدرهم عليه حسا، لكنه لم يعنهم عليه لحكمة يعلمها وقد بينها في الآية التي بعدها في قوله: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا} الآية.
 وقوله: {كبر مقتا} أي: عظم ذلك في المقت وهو البغض، ومقتا منصوب على التميز {أن تقولوا ما تفعلون لا} أي: آن تعدوا أنفسكم خيرا من ثم لا تفوا بمآ وعدتم وقد ورد في سبب نزولها آن ناسا من المؤمنين قبل آن يفرض الجهاد يقولون وددنا لو آن الله أخبرنا باحب الأعمال فنعمل به، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن أحب الأعمال إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به، فلما نزل الجهاد كره ذلك أناس من المؤمنين وشق عليهم أمره، فقال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون}
 الشاهد من الآيات: أن فيها وصف الله بالغضب والرضا واللعن والانتقام والكراهية والأسف والمقت، وهذه كلها من صفات الأفعال التي يفعلها جل وعلا متى شاء إذا شاء كيف شاء وأهل السنة يثبتون ذلك لله كما أثبته لنفسه على ما يليق بجلاله
  9 ذكر مجيء الله سبحانه لفصل القضاء بين عباده على ما يليق بجلاله
 وقوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملآئكة وقضي الأمر} وقوله: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملآئكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} {كلا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا} {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا}.
  الشرح:
 . {هل ينظرون} هذا تهديد للكفار التاركين للدخول في السلم أي الإسلام، المتبعين لخطوات الشيطان ومعنى {ينظرون} ينتظرون يقال نظرته وانتظرته بمعنى واحد {إلا أن يأتيهم الله} ذاته سبحانه لفصل القضاء بينهم يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله {في ظلل من الغمام} الظلل: جمع ظلة وهي ما يظلك، والغمام: السحاب الرقيق الأبيض سمي بذلك لأنه يغم، أي: يستر {والملآئكة} أي: والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام {وقضي الأمر} أي: فرغ من الأمر الذي هو إهلاكهم.
 وقوله: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملآئكة} أي: لقبض أرواحهم {أو يأتي ربك} أي: بذاته سبحانه لفصل القضاء بين العباد {أو يأتي بعض آيات} وهو طلوع الشمس من مغربها، وذلك أحد أشراط الساعة الكبار، إذا وقع أغلق باب التوبة فلا تقبل.
 وقوله: {كلا} حرف ردع وزجر عما ذكر قبلها أي: ما هكذا ينبغي أن يكون عملكم من عدم إكرام اليتيم وعدم الحض على طعام المسكين وأكل التراث وحب المال بكثرة شديدة {إذا دكت الأرض دكا دكا} أي: زلزلت وحركت تحريكا بعد تحريك حتى انهدم كل ما عليها من بناء وعاد هباء منبثا {وجاء ربك} بذاته سبحانه لفصل القضاء بين عباده {والملك} أي: جنس الملائكة، {صفا صفا} منصوب على الحال، أي: مصطفين صفا بعد صف، قد أحدقوا بالجن والإنس كل أهل سماء يكونون صفا واحدا محيطين بالأرض ومن فيها فيكونون سبعة صفوف.
 وقوله: {ويوم تشقق السماء} أي: يوم القيامة {تشقق السماء} أي: . تنفطر وتنفرج {بالغمام} الذي هو ظلل النور العظيم الذي يبهر الأبصار {ونزل الملائكة تنزيلا} إلى الأرض فيحيطون بالخلائق في مقام المحشر ثم يجيء الرب لفصل القضاء بين عباده.
 الشاهد من الآيات: أنها أفادت إثبات المجيء والإتيان لله يوم القيامة بذاته على ما يليق بجلاله فصل القضاء بين عباده ومجيئه وإتيانه سبحانه من صفاته الفعلية يجب إثباتهما على حقيقتهما، ولا يجوز تأويلهما بمجيء إتيان أمرو كما يفعله نفاة الصفات فيقولون: {وجاء ربك} أي: جاء أمره وهذا من تحريف آيات الله.
 قال الإمام ابن القيم رحمه الله: الإتيان والمجيء المضاف إليه سبحانه نوعان: مطلق ومقيد فإذا كان المراد مجيء رحمته أو عذابه ونحو ذلك قيد بذلك كما في الحديث: (حتى جاء الله بالرحمة والخير)، وقوله: {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم} النوع الثاني: الإتيان والمجيء المطلق فهذا لا يكون إلا مجيئه سبحانه كقوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام}، وقوله: {وجاء ربك والملك صفا صفا } ا ه.
  10 إثبات الوجه لله سبحانه
 وقوله: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} {كل شيء هالك إلا وجهه}.
  الشرح:
 {ويبقى وجه ربك} هذه الآية جاءت بعد قوله تعالى: {كل من عليها فان} يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم فإن الرب سبحانه لا يموت بل هو الحي الذي لا يموت أبدا {ذو الجلال} أي: العظمة والكبرياء {والإكرام} أي: المكرم لأنبيائه وعباده الصالحين وقيل: المستحق أن يكرم عن كل شيء لا يليق به.
 وقوله: {كل شيء هالك} أي: .. كل من في السماء ومن في الأرض سيذهبون ويموتون {إلا وجهه} منصوب على الاستثناء وهذا إخبار بأنه الدائم الباقي الذي تموت الخلائق ولا يموت.
 الشاهد من الآيتين: أن فيهما إثبات الوجه لله سبحانه وهو من صفاته الذاتية فهو وجه على حقيقته يليق بجلاله {ليس كمثله شيء} لا كما يزعم معطلة الصفات أن الوجه ليس على حقيقته وإنما المراد به الذات أو الثواب أو الجهة أو غير ذلك، وهذه تأويلات باطلة من وجوه:
 منها أنه جاء عطف الوجه على الذات كما في الحديث: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم) والعطف يقتضي المغايرة ومنها أنه أضاف الوجه إلى الذات فقال: {وجه ربك} ووصف الوجه بقوله: {ذو الجلال والإكرام} فلما قال: {ذو الجلال} تبين أنه وصف للوجه لا للذات وأن الجه صفة للذات ومنها: أنه لا يعرف في لغة أمة من الأمم أن وجه الشيء بمعنى ذاته أو الثواب، والوجه في اللغة مستقبل كل شيء لأنه أول ما يواجه منه وهو في كل شيء بحسب ما يضاف. إليه
  11 إثبات اليدين لله تعالى في القرآن
 وقوله: { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} {وقوله وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء}.
  الشرح:
 {ما منعك أن تسجد} الخطاب لإبليس لعنه الله لما امتنع من السجود لآدم عليه السلام أي: شيء صرفك وصدك عن السجود {لما خلقت بيدي} أي: باشرت خلقه بيدي من غير واسطة، وفي هذا تشريف وتكريم لآدم قوله: {وقالت اليهود} اليهود في الأصل من قولهم: {هدنا إليك} وكان اسم مدح ثم صار بعد نسخ شريعتهم لازما لهم وإن لم يكن فيه معنى المدح وقيل: سموا بذلك نسبة إلى يهودا بن يعقوب عليه السلام
 . {يد الله مغلولة} يخبر تعالى عنهم بأنهم وصفوه بأنه بخيل، كما وصفوه بأنه فقير وهم أغنياء، لا أنهم يعنون أن يده موثقة {غلت أيديهم} هذا رد عليهم من الله تعالى بما قالوه ومقابلة لهم بما افتروه واختلقوه وهكذا وقع لهم فإن فيهم من البخل والحسد الشيء الكثير، فلا ترى يهوديا إلا وهو من أبخل خلق الله {ولعنوا بما قالوا} معطوفة على ما قبله والباء سببية، أي :. أبعدوا من رحمة الله بسبب هذة المقاله
 ثم رد عليهم بقوله سبحانه: {بل يداه مبسوطتان} أي: بل هو في غاية ما يكون من الجود والعطاء فيداه مبسوطتان بذلك {ينفق كيف يشاء} جملة مستأنفة مؤكدة لكمال جوده فإنفاقه على ما تقتضيه مشيئته فإن شاء وسع وإن شاء ضيق فهو الباسط القابض على ما تقتضيه حكمته الشاهد من الآيتين الكريمتين: ... أن فيهما إثبات اليدين لله سبحانه وتعالى، وأنهما يدان حقيقيتان لائقتان بجلاله وعظمته ليسنا كيدي المخلوق، وزعم آن المراد باليد القدرة او النعمة وهذآ تأويل باطل وتحريف للقرآن الكريم
 فالمراد باليد القدرة والنعمة، إذ لو كان المراد باليد القدرة كما يقولون لبطل تخصيص آدم بخلقه بهما، فإن جميع المخلوقات حتى إبليس خلقت بقدرته، فأي مزية لآدم على إبليس في قوله: {لما خلقت بيدي} فكان يمكن لإبليس أن يقول: وأنا خلقتني بيديك إذا كان المراد بها القدرة وأيضا لو كان المراد باليد القدرة لوجب أن يكون لله قدرتان وقد أجمع المسلمون على بطلان ذلك، وأيضا لو كان المراد باليد النعمة لكان المعنى أنه خلق آدم بنعمتين وهذا باطل لأن نعم الله كثيرة لا تحصى وليست نعمتين فقط.
   12 إثبات العينين لله تعالى
 وقوله: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} {وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر} {وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني}.
  الشرح:
 {واصبر} الصبر لغة الحبس والمنع فهو حبس النفس عن الجزع وحبس اللسان عن التشكي والتسخط وحبس الجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب {لحكم ربك} أي: لقضائه الكوني والشرعي.
 قوله: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله} في هذه الآية ينزه تعالى نفسه على أن يكون له ولد أو شريك في الملك والتصرف والعبادة و {من} في الموضعين لتأكيد النفي {إذا لذهب كل إله بما خلق} هذا استدلال لما سبق في أول الآية من نفي الولد والشريك في الألوهية، أي: لو قدر تعدد الآلهة لانفرد كل منهم عن الآخر بما خلق، وحينئذ لا ينتظم الكون لوجود الانقسام والواقع المشاهد آن الكون منتظم أتم انتظام لم يحصل فيه تعدد ولا انقسام {ولعلا بعضهم على بعض} أي: ولو كان معه إله آخر لكان كل منهم يطلب قهر الآخر ومخالفته، فيعلو بعضهم على بعض كحال ملوك الدنيا، وحينئذ فذلك المغلوب الضعيف لا يستحق آن يكون إلها
 واذا تقرر بطلان المشارك تعين أن يكون الإله واحدا هو الله وحده، ولهذا قال: {سبحان الله عما يصفون} من الشريك والولد {عالم الغيب والشهادة} أي: هو المختص بعلم ما غاب عن العباد وعلم ما يشاهدونه وأما غيره فهو وإن علم شيئا من المشاهد فإنه لا يعلم الغيب {فتعالى} أي: تنزه الله وتقدس {عما يشركون} به فهو سبحانه متعال عن أن يكون له شريك في الملك.
 قوله: {فلا تضربوا لله الأمثال} ينهى سبحانه عن ضرب الأمثال له وضرب المثل هو تشبيه حال بحال وكان المشركون يقولون: .. إن الله أجل من أن يعبده الواحد منا فلابد من اتخاذ واسطة بيننا وبينه فكانوا يتوسلون إليه بالأصنام وغيره تشبيها له بملوك الدنيا فنهى سبحانه عن ذلك لأنه سبحانه لا مثل له فلا يمثل بخلقه ولا يشبه بهم {إن الله يعلم} أنه لا مثل له { وأنتم لا تعلمون} ففعلكم هذا صدر عن توهم فاسد وخاطر باطل. ولا تعلمون أيضا ما في عبادة الأصنام من سوء العاقبة.
 وقوله: {قل} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وفي ذلك دليل على أن القرآن كلام الله وأن النبي صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله {إنما} أداة حصر {حرم ربي الفواحش} أي: جعلها حراما والفواحش: جمع فاحشة وهي ما تناهى قبحه من المعاصي {ما ظهر منها وما بطن} أي: ما أعلن منها وما أسر {والإثم}: كل معصية يتسبب عنها الإثم، وقيل: هو الخمر خاصة {والبغي بغير الحق} أي: الظلم المجاوز للحد والتعدي على الناس {وأن تشركوا بالله} أي: تجعلوا له شريكا في العبادة {ما لم ينزل به سلطانا} أي: حجة وبرهانا وهذا موضع الشاهد من الآية {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} من الافتراء والكذب من دعوى أن له ولدا ونحو ذلك مما لا علم لكم به، ومثل ما كانوا ينسبون إليه من التحليلات والتحريمات التي لم يأذن بها.
 الشاهد من هذه الآيات الكريمة: أن فيها نفي الشريك عن الله تعالى وإثبات تفرده بالكمال ونفي الولد والمثل عنه سبحانه وأن جميع مخلوقاته تنزهه عن ذلك وتقدسه، كما فيها إقامة الحجة على بطلان الشرك وأنه مبني على جهل وخيال وأنه سبحانه لا مثل له ولا شبيه له. والله أعلم.
  18 إثبات استواء الله على عرشه
 وقوله: {الرحمن على العرش استوى } في سبعة مواضع: في سورة الأعراف قوله: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} وقال في سورة يونس عليه السلام: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} وقال في سورة الرعد: {الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش} وقال في سورة طه: {الرحمن على العرش استوى} وقال في سورة الفرقان: {ثم استوى على العرش الرحمن} وقال في سورة الم السجدة: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش} وقال في سورة الحديد: {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش}.
  الشرح:
 أي قد ورد إثبات استواء الله على عرشه في سبع آيات من كتاب الله، كلها قد ورد فيها إثبات الاستواء بلفظ واحد هو: {استوى على العرش} فهو نص في معناه الحقيقي لا يحتمل التأويل بمعنى آخر والاستواء صفة فعلية ثابتة لله سبحانه على ما يليق بجلاله كسائر صفاته، وله في لغة العرب أربعة معان هي: علا، وارتفع، وصعد ، واستقر وهذه المعاني الأربعة تدور عليها تفاسير السلف للاستواء الوارد في هذه الآيات الكريمة.
 فقوله في الآية الأولى والثانية: {إن ربكم الله} أي: هو خالقكم ومربيكم بنعمه والذي يجب عليكم أن تعبدوه وحده {الذي خلق السماوات والأرض} أي: هو خالق العالم . سماواته وأرضه وما بين ذلك {في ستة أيام} هي الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، ففي يوم الجمعة اجتمع الخلق كله وفيه خلق آدم عليه السلام {ثم استوى على العرش} أي: علا وارتفع على العرش كما يليق بجلاله وهذا محل الشاهد من الآية والعرش في اللغة هو سرير الملك والمراد هنا كما يدل عليه مجموع النصوص: ... سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم هو سقف المخلوقات.  وقوله في الآية الثالثة: {الله الذي رفع السماوات} أي: رفعها عن الأرض رفعا بعيدا لا ينال ولا يدرك مداه {بغير عمد ترونها} العمد هي الأساطين جمع عماد أي. : قائمة بغير عمد تعتمد عليها بل بقدرته سبحانه وقوله: .... {ترونها} تأكيد لنفي العمد وقيل لها عمد ولكن لا نراها ولأول أصح {ثم استوى على العرش } هذا محل الشاهد من الآية الكريمة لإثبات الاستواء. والكلام على بقية الآيات كالكلام على هذه الآية.
 ويستفاد منها جميعا: إثبات استواء الله على عرشه على ما يليق بجلاله، وفيها الرد على من أول الاستواء بأنه الاستيلاء والقهر، وفسر العرش بأنه الملك، فقال استوى على العرش، معناه استولى على الملك وقهر غيره وهذا باطل من وجوه كثيرة منها:
 أولا: أن هذا تفسير محدث مخالف لتفسير السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم، وأول من قال به: الجهمية والمعتزلة فهو مردود.
 ثانيا: لو كان المراد بالاستواء على العرش الاستيلاء على الملك لم يكن هناك فرق بين العرش والأرض السابعة السفلى والدواب وجميع المخلوقات، لأنه مستول على الجميع ومالك للجميع فلا يكون لذكر العرش فائدة.
 ثالثا: أن هذا اللفظ {استوى على العرش} قد اطرد في الكتاب والسنة ولم يأت في لفظ واحد (استولى على العرش ) حتى تفسر به بقية النصوص.
 رابعا: أنه أتى ب {ثم} التي تفيد الترتيب والمهلة، فلو كان معنى الاستواء الاستيلاء على العرش والقدرة عليه لم يتأخر ذلك إلى ما بعد خلق السموات والأرض فإن العرش كان موجودا قبل خلق السموات والأرض، بخمسين ألف سنة كما ثبت في الصحيحين فكيف يجوز أن يكون غير قادر ولا مسئول عليه إلى أن خلق السموات والأرض. هذا من أبطل الباطل، والله أعلم.
  19 إثبات علو الله على مخلوقاته
 وقوله: {يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي} {بل رفعه الله إليه} { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} {يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا} {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير}.
  الشرح:
 {يا عيسى} خطاب من الله تبارك وتعالى لعيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام {إني متوفيك} الذي عليه الأكثر أن المراد بالوفاة هنا النوم كما قال تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها} الآية ( 42) من سورة الزمر {ورافعك إلي} أي: رفعه الله إليه في السموات وهو حي وهذا محل الشاهد من الآية وهو إثبات العلو لله لأن الرفع يكون إلى أعلى.
 وقوله: {بل رفعه الله إليه} هذا رد على اليهود الذين يدعون أنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم فقال تعالى: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} إلى قوله: {وما قتلوه يقينا} الآية (157) من سورة النساء {بل رفعه الله إليه} أي: رفع الله سبحانه وتعالى المسيح عليه السلام إليه وهو حي لم يقتل . وهذا محل الشاهد لأن فيه إثبات علو الله على خلقه لأن الرفع يكون إلى أعلى.
 وقوله: {إليه يصعد} أي: إلى الله سبحانه لا إلى غيره يرتفع {الكلم الطيب} أي: الذكر والتلاوة والدعاء {والعمل الصالح يرفعه} أي: العمل الصالح ، يرفع الكلم الطيب، فإن الكلم الطيب لا يقبل إلا مع العمل الصالح فمن ذكر الله تعالى ولم يؤد فرائضه رد كلامه، قال إياس بن معاوية: ولولا العمل الصالح لم يرفع الكلام وقال الحسن وقتادة: لا يقبل قول إلا بعمل والشاهد من الآية: أن فيها إثبات علو الله على خلقه لأن والرفع يكونان إلى أعلى.
 وقوله تعالى: {يا هامان ابن لي صرحا} هذا من مقولة فرعون لوزيره هامان يأمره أن يبني له قصرا منيفا عاليا {لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات} أي: طرق السموات أو أبوابها {فأطلع إلى إله موسى} بنصب {فأطلع} بأن مضمرة بعد فاء السببية، ومعنى مقالته هذه تكذيب موسى عليه السلام في أن الله أرسله، أو أن إلها في السماء ولذلك قال: {وإني لأظنه كاذبا} أي: فيما يدعيه من الرسالة أو فيما يدعيه بأن له إلها في السماء والشاهد من الآية: أن فيها إثبات علو الله على خلقه، حيث أن موسى عليه السلام أخبر بذلك وحاول فرعون في تكذيبه.
 وقوله تعالى: {أأمنتم} الآمن: ضد الخوف {من في السماء} أي: عقوبة من في السماء وهو الله سبحانه ، ومعنى {في السماء} أي على السماء، كقوله تعالى: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} وهذا إن أريد بالسماء السماء المبنية، وإن أريد بالسماء مطلق العلو ففي للظرفية، أي: في العلو {أن يخسف بكم الأرض} أي: يقلعها بكم كما فعل بقارون {فإذا هي تمور} أي: تضطرب وتتحرك
 {أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا} أي: حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل وقيل: سحاب فيها حجارة، وقيل: ريح فيها حجارة {فستعلمون كيف نذير} أي : إنذاري إذا عاينتم العذاب ولا ينفعكم حينذاك هذا العلم.
 والشاهد من الآيتين: أن فيهما إثبات علو الله على خلقه حيث صرحنا أنه سبحانه في السماء، فقد دلت هذه الآيات التي ذكرها المؤلف رحمة الله عليه على إثبات العلو كما دلت هذه الآيات التي قبلها على إثبات استواء الله على العرش. والفرق بين الاستواء والعلو:
 1 أن العلو من صفات الذات والاستواء من صفات الأفعال، فعلو الله على خلقه وصف لازم لذاته، والاستواء فعل من أفعاله سبحانه يفعله سبحانه وتعالى بمشيئته وقدراته إذا شاء ولذا قال فيه: {ثم استوى} وكان ذلك بعد خلق السموات والأرض.
 2 أن العلو من الصفات الثابتة بالعقل والنقل. والاستواء ثابت بالنقل لا بالعقل.
   20 إثبات معية الله لخلقه
 وقوله: {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير} {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم} وقوله: {لا تحزن إن الله معنا} {إنني معكما أسمع وأرى} {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} {واصبروا إن الله مع الصابرين}.
  الشرح:
 قوله تعالى: {هو الذي خلق السماوات إلى قوله وما يعرج فيها} تقدم تفسيره وقوله: {وهو معكم أين ما كنتم} أي: هو معكم بعلمه رقيب عليكم شهيد على أعمالكم حيث كنتم وأين كنتم في بر أو بحر في ليل أو نهار في البيوت أو القفار الجميع في علمه على السواء تحت سمعه وبصره. يسمع كلامكم، يرى مكانكم، وهذا محل الشاهد من الآية الكريمة ففيه إثبات المعية العامة {والله بما تعملون بصير} لا يخفى عليه شيء من أعمالكم.
 وقوله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة} النجوى: السر، والمعنى: ما يوجد من تناجي ثلاثة { إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم} أي: جاعلهم أربعة وجاعلهم ستة من حيث إنه سبحانه يشاركهم في الاطلاع على تلك النجوى، وتخصيص هذين العددين بالذكر لأن أقل عادات المتناجين أن يكونوا ثلاثة أو خمسة، أو أن سبب النزول تناجي ثلاثة في واقعة وخمسة في واقعة أخرى. وإلا فهو سبحانه مع كل عدد قل أو كثر ولهذا قال تعالى: {ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم} أي: ولا أقل من العدد المذكور كالواحد والاثنين ولا أكثر منه كالستة والسبعة {إلا هو معهم بعلمه يعلم} ما يتناجون به ولا يخفى عيه شيء منه.
 قال المفسرون: إن المنافقين واليهود كانوا يتناجون فيما بينهم، ويوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوؤهم فيحزنون لذلك، فلما طال ذلك وكثر، شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن لا يتناجون فيما يتناجوا دون المسلمين فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم فأنزل الله هذه الآيات.
 وقوله تعالى: {أين ما كانوا} معناه: إحاطة علمه سبحانه بكل تناج يقع منهم في أي مكان {ثم ينبئهم} أي يخبرهم سبحانه {بما عملوا يوم القيامة} ويجازيهم على ذلك وفي هذا تهديد لهم وتوبيخ {إن الله بكل شيء عليم} لا يخفى عليه شيء.
 والشاهد من الآية أن فيها إثبات معية الله لخلقه، وهي معية عامة مقتضاها الإحاطة والعلم بجميع أعمالهم ولهذا يقول الإمام أحمد رحمه الله: افتتح الآية بالعلم واختتمها بالعلم.
 وقوله تعالى: {لا تحزن إن الله معنا } هذا خطاب من النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه أبي بكر رضي الله عنه حينما كانا في الغار وقت الهجرة وقد لحق بهما المشركون، فحزن أبو بكر رضي الله عنه خوفا على النبي صلى الله عليه وسلم من أذى الكفار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تحزن) أي: دع الحزن (إن الله معنا) بنصره وعونه وتأييده. ومن كان الله معه فلن يغلب.

 
 
 
 
 
 
 
 
 .
  
 
  
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق