الجمعة، 8 مايو 2015

الشفاعة الثالثة :. شفاعته صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب أن يخفف عنه العذاب وهذه خاصة به لأن الله أخبر أن الكافرين لا تنفعهم شفاعة الشافعين، ونبينا أخبر أن شفاعته لأهل التوحيد خاصة فشفاعته لعمه أبي طالب خاصة به وخاصة لأبي طالب. وهذه الأنواع الثلاثة من الشفاعة خاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.



الشفاعة الرابعة: شفاعته فيمن استحق النار من عصاة الموحدين أن لا يدخلها.


الشفاعة الخامسة: شفاعته صلى الله عليه وسلم فيمن دخل النار من عصاة الموحدين أن يخرج منها.


الشفاعة السادسة: شفاعته صلى الله عليه وسلم في رفع درجات بعض أهل الجنة.


الشفاعة السابعة: شفاعته صلى الله عليه وسلم فيمن استوت حسناتهم وسيئاتهم أن يدخلوا الجنة، وهم أهل الأعراف على قول.


الشفاعة الثامنة: شفاعته صلى الله عليه وسلم في دخول بعض المؤمنين الجنة بلا حساب ولا عذاب وهذه الأنواع الخمسة الباقية يشاركه فيها غيره من الأنبياء والملائكة والصديقين والشهداء.


وأهل السنة والجماعة يؤمنون بهذه الشفاعات كلها لثبوت أدلتها وأنها لا تحقق إلا بشرطين:


الشرط الأول: إذن الله للشافع أن يشفع، كما قال تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} الآية (255) البقرة {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} الآية (3) من سورة يونس.


الشرط الثاني: رضا الله عن المشفوع له كما قال تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} الآية (28) الأنبياء ويجمع الشرطين قوله تعالى: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} الآية (26) النجم.


وقد خالفت المعتزلة في الشفاعة لأهل الكبائر من المؤمنين فيمن استحق النار منهم أن لا يدخلها وفيمن دخلها أن يخرج منها، أي: في النوع الخامس والسادس من أنواع الشفاعة، ويحتجون بقوله تعالى: { فما تنفعهم شفاعة الشافعين} الآية (48) المدثر والجواب عنها: .... أنها واردة في حق الكفار فهم الذين لا تنفعهم شفاعة الشافعين أما المؤمنين فتنفعهم الشفاعة بشروطها هذا وقد انقسم الناس في أمر الشفاعة إلى ثلاثة أصناف:


الصنف الأول: غلوا في إثباتها وهم النصارى والمشركون وغلاة الصوفية والقبوريون حيث جعلوا شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا عند الملوك، فطلبوها من دون الله كما ذكر الله ذلك عن المشركين.


الصنف الثاني: وهم المعتزلة والخوارج غلوا في نفي الشفاعة فأنكروا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعة غيره في أهل الكبائر.


الصنف الثالث: وهم أهل السنة والجماعة أثبتوا الشفاعة على وفق ما جاءت به النصوص القرآنية والأحاديث النبوية فأثبتوا الشفاعة بشروطها





 إخراج بعض العصاة من النار برحمة الله بغير شفاعة واتساع الجنة عن أهلها

ويخرج الله من النار أقواما بغير شفاعة بل بفضله رحمته. ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله أقواما فيدخلهم الجنة. وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار، وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة من السماء، والآثار من العلم المأثور عن الأنبياء. وفي العلم الموروث عن محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك ما يشفي ويكفي، فمن ابتغاه وجده.



الشرح:


9 لما ذكر الشيخ رحمه الله أن من أنواع الشفاعات التي تقق بإذن الله الشفاعة بإخراج بعض من دخلوا النار منها. ذكر هنا أن الخروج من النار له سبب آخر غير الشفاعة، وهو رحمة الله سبحانه وفضله وإحسانه، فيخرج من النار من عصاة الموحدين من في قلبه مثقال حبة من إيمان قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } الآية (48) النساء وفي. الحديث المتفق عليه: (يقول الله: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط) الحديث.

وقوله: (ويبقى في الجنة فضل) أي: متسع (عمن دخلها من أهل الدنيا) لأن الله وصفها بالسعة فقال: {عرضها السماوات والأرض} الآية (133) آل عمران (فينشئ الله) أي: يخلق ويوجد (أقواما) أي: جماعات (فيدخلهم الجنة) بفضله ورحمته لأن الجنة رحمته يرحم بها من يشاء. وأما النار فلا يعذب فيها إلا من قامت عليه حجته وكذب رسله.

وقوله: (وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة إلخ) لما ذكر رحمه الله ما ذكر من أحوال اليوم الآخر وما يجري فيه، أحال على الكتاب والسنة في معرفة تفاصيل البقية مما لم يذكره، لأن ذلك من علم الغيب الذي لا يعرف إلى من طريق الوحي.
الإيمان بالقدر وبيان ما يتضمنه


وتؤمن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره. والإيمان بالقدر على درجتين كل درجة تتضمن شيئين.



الشرح:


القدر: مصدر قدرت الشيء إذا أحطت بمقداره والمراد به هنا: تعلق علم الله بالكائنات وإرادته لها أزلا قبل وجودها فلا حادث إلا وقد قدره الله، أي: سبق علمه به وتعلقت به إرادته. والإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة، وهو الإيمان بالقدر خيره وشره.

وفي قول الشيخ رحمه الله: (وتؤمن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره) إشارة إلى أن من لم يؤمن بالقدر فليس من أهل السنة والجماعة، وهذا هو مقتضى النصوص كما في حديث جبريل حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقال: (الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) فجعل صلى الله عليه وسلم الإيمان بالقدر سادس أركان الإيمان فمن أنكره فليس بمؤمن. كما لو لم يؤمن بغيره من أركان الإيمان.

وق



الأولى: علم الله الأزلي بكل شيء ومن ذلك عليه بأعمال العباد قبل أن يعملوها.وله: (والإيمان بالقدر على درجتين إلخ.) وذكر الشيخ رحمه الله هنا أن الإيمان بالقدر يشتمل على أربع مراتب هي إجمالا كما يلي:  


الثانية: كتابة ذلك في اللوح المحفوظ.


الثالثة: مشيئته الشاملة وقدرته التامة لكل حادث.


الرابعة: إيجاد الله لكل المخلوقات وأنه الخالق وما سواه مخلوق هذا مجمل مراتب القدر، وإليك بيانها بالتفصيل.




 تفصيل مراتب القدر


 الدرجة الأولى وما تتضمنه


فالدرجة الأولى:. .. الإيمان بأن الله تعالى عليم بما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا وأبدا وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق فأول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب قال: ما أكتب قال: ؟. اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. جفت الأقلام وطويت الصحف كما قال تعالى: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير} وقال: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلا. فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء. وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات فيقال له: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ونحو ذلك فهذا التقدير قد كان ينكره غلاة القدرية قديما ومنكروه اليوم قليل.



الشرح:


قوله: (أزلا) الأزل: القدم الذي لا بداية له وقوله: (أبدا) الأبد: هو الدوام في المستقبل الذي لا نهاية له و (الطاعات): جمع طاعة وهي موافقة الأمر و (المعاصي): جمع معصية وهي مخالفة الأمر، و (الأرزاق): جمع رزق وهو ما ينفع (والآجال ): ... جمع أجل وهو مدة الشيء وأجل الإنسان نهاية وقته في الدنيا بالموت و (اللوح المحفوظ) وهو أم الكتاب (محفوظ) من الزيادة والنقصان فيه. ذكر الشيخ هنا ما تتضمنه الدرجة الأولى من درجتي الإيمان بالقدر وأنها تتضمن شيئين أي مرتبتين.

المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات، هذا العلم الذي هو صفة من صفاته تعالى الذاتية التي لا يزال متصفا بها أزلا وأبدا ومن ذلك علمه بأعمال الخلق من الطاعات والمعاصي وعلمه بأحوالهم من الأرزاق والآجال وغيرها.


المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة هي آن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلق فما يتحدث شيء في الكون إلا وقد علمه الله وكتبه قبل حدوثه


ثم استدل الشيخ رحمه الله على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة فمن أدلة السنة على ذلك الحديث الذي ذكر الشيخ معناه ولفظه كما رواه أبو داود في سننه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: .. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب قال: وما أكتب قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة) فهذا الحديث يدل على مرتبة الكتابة وأن المقادير كلها مكتوبة.


وقوله: (أول ما خلق الله القلم قال له اكتب) روي بنصب (أول) و (القلم) على أن الكلام جملة واحدة ومعناه: أنه عند أول خلقه القلم قال له: اكتب وروي برفع (أول) و (القلم) على أن الكلام جملتان: الأولى (أول ما خلق الله القلم)، و (قال له اكتب) جملة ثانية فيكون المعنى: أن أول المخلوقات من هذا العالم القلم.


وقوله: (فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه إلخ.) من كلام عبادة بن الصامت راوي الحديث أي: ما يصيب الإنسان مما ينفعه أو يضره فهو مقدر عليه لابد أن يقع به ولا يقع به خلافه وقوله: (جفت الأقلام وطويت الصحف) كناية عن سبق كتابة المقادير والفراغ منها وهو معنى ما جاء في حديث ابن عباس: (رفعت الأقلام وجفت الصحف) رواه الترمذي.


ثم ذكر الشيخ من أدلة القرآن قوله تعالى: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير } {ألم تعلم} الاستفهام للتقرير. أي: قد علمت يا محمد وتيقنت {أن الله يعلم ما في السماء والأرض} فيه إحاطة علمه بالعالم العلوي والعالم السفلي وهذه مرتبة العلم {إن ذلك} أي: الذي في السماء والأرض من معلوماته {في كتاب} أي: أن إحاطة علمه بما في السماء والأرض وكتابته يسير عليه.

والشاهد من الآية الكريمة: أن فيها إثبات علم الله بالأشياء وكتابتها في اللوح المحفوظ، وهذآ هو ما تتضمنه الدرجة الأولى


واستدل الشيخ أيضآ بقوله تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} {ما أصاب من مصيبة في الأرض} من قحط مطر وضعف نبات ونقص ثمار {ولا في أنفسكم} بالآلام والأسقام وضيق العيش {إلا في كتاب} أي: إلا وهي مكتوبة في اللوح المحفوظ {من قبل أن نبرأها} أي : قبل أن نخلقها ونوجدها {إن ذلك على الله يسير} أي: أن لإثباتها في الكتاب على كثرتها يسير على الله سبحانه. 

ثم ذكر الشيخ من أدلة القرآن قوله تعالى: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير} {ألم تعلم} الاستفهام للتقرير.  أي: قد علمت يا محمد وتيقنت {أن الله يعلم ما في السماء والأرض} فيه إحاطة علمه بالعالم العلوي والعالم السفلي وهذه مرتبة العلم {إن ذلك} أي: الذي في السماء والأرض من معلوماته {في كتاب} أي: أن إحاطة علمه بما في السماء والأرض وكتابته يسير عليه.  

والشاهد من الآية الكريمة: أن فيها إثبات علم الله بالأشياء وكتابتها في اللوح المحفوظ، وهذآ هو ما تتضمنه الدرجة الأولى 

.
  2 تقدير حولي، وهو ما يقدر في ليلة القدر من وقائع العام كما في قوله تعالى: {فيها يفرق كل أمر حكيم} الآية (4) من سورة الدخان
  3 تقدير يومي وهو ما يقدر من حوادث اليوم من حياة وموت وعزل وذل إلى غير ذلك كما في قوله تعالى: {كل يوم هو في شأن} الآية (29) من سورة الرحمن. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (إن الله خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء دفتاه من ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابته نور وعرضه ما بين السماء والأرض، ينظر في كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يحيى ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء فكذلك قوله سبحانه: { كل يوم هو في شأن}) رواه عبد الرزاق وابن المنذر والطبراني والحاكم [رواه الحاكم (2/474) و (519) وصححه! وابن جرير الطبري (27/135) وأبو الشيخ في (العظمة) (2/492) والبيهقي في (الأسماء والصفات) (828)].
  وقوله: (فهذا القدر) أي: الذي سبق بيانه بنوعيه العام والخاص (قد كان ينكره غلاة القدرية ) أي: المبالغون في نفي القدر فنكرون علم الله بالأشياء قبل وجودها وكتابته لها في اللوح المحفوظ وغيره، ويقولون: إن الله أمر ونهى وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه فالأمر أنف أي :. مستأنف لم يسبق في علم الله وتقديره وهؤلاء كفرهم الأئمة لكنهم انقرضوا، ولهذا قال الشيخ: (ومنكروه اليوم قليل) وبقيت الفرقة التي تقر بالعلم، ولكن تنفي دخول أفعال العباد في القدر وتزعم أنها مخلوقة لهم استقلالا لم يخلقها الله ولم يردها. كما يأتي بيانه.
   الدرجة الثانية وما تتضمنه
  اما الدرجة الثانية: .. فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه لا يكون في ملكه ما لا يريد. وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات. فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه، لا خالق غيره ولا رب سواه.
    الشرح:
  هذا بيان للمرتبة الثالثة [. اعتبرها المصنف رحمه الله (الثانية) لأنه جعل العلم والكتابة درجة واحدة والمرتبة الرابعة من مراتب القدر] أشار إلى الثالثة بقوله: (فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة) والنافذة: هي الماضية التي لا راد لها، والشاملة هي العامة لكل شيء من الموجودات والمعدومات.
  وقوله: (وهو الإيمان) أي: ومعنى الإيمان بهذه المرتبة اعتقاد: (أن ما شاء الله كان) أي: وجد (وما لم يشأ لم يكن) أي: لم يوجد (وأنه ما في السموات من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله) أي: لا يحصل شيء من ذلك إلا وقد شاءه الله سبحانه (لا يكون في ملكه ما لا يريد) وقوعه كونا وقدرا (وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات) لدخولها تحت عموم (كل شيء) فالله قد أخبر في آيات كثيرة أنه على كل شيء قدير.
  وقوله: (فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه) هذا فيه إشارة إلى المرتبة الرابعة وهي مرتبة الخلق والإيجاد، فكل ما سوى الله فهو مخلوق وكل الأفعال خيرها وشرها صادرة عن خلقه وإحداثه لها (لا خالق غيره ولا رب سواه).
  ولما فرغ الشيخ من ذكر مراتب القدر نبه على مسائل تتعلق بهذا الموضوع.   المسألة الأولى: أنه لا تعارض بين القدر والشرع.
  المسألة الثانية: لا تعارض بين تقدير الله وقوع المعاصي وبغضه لها.
  المسألة الثالثة: لا تعارض بين تقدير الله لأفعال العباد وكونهم يفعلونها باختيارهم
  1، 2 لا تعارض بين القدر والشرع، ولا بين تقديره للمعاصي
  وبضغه لها ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله ونهاهم عن معصيته. وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين. ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا يحب الكافرين. ولا يرضى عن القوم الفاسقين. ولا يأمر بالفحشاء. ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد.
    الشرح:
  لما قرر الشيخ رحمه الله القدر بمراتبه الأربع: العلم، والكتابه، والمشيئة والإرادة، والخلق والإيجاد وأنه ما من شيء يحدث إلا وقد علمه الله وكتبه وشاءه وأراده وأوجده، بين هنا أنه لا تعارض بين ذلك وبين كونه أمر العباد بطاعته ونهاهم عن معصيته، ولا بين تقديره وقوع المعصية وبغضه لها فقوله: (ومع ذلك) أي: مع كونه سبحانه هو الذي علم الأشياء وقدرها وكتبها وأرادها وأوجدها (فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسوله ونهاهم عن معصيته) كما دلت على ذلك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، أمر فيها بالطاعة ونهى عن المعصية، ولا تعارض في ذلك بين شرعه وقدره كما يظنه بعض الضلال الذين يعارضون بين الشرع والقدر.
  يقول الشيخ رحمه الله في هذا الموضوع في رسالته التدميرية: وأهل الضلال انقسموا إلى ثلاث فرق: مجوسية ومشركية وإبليسية فالمجوسية: الذين كذبوا بقدر الله وإن آمنوا بأمره ونهيه فغلاتهم أنكروا العلم والكتاب، ومقتصدوهم أنكروا عموم مشيئته وخلقه وقدرته، وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم.
  والفرقة الثانية: المشركية الذين أقروا بالقضاء والقدر، وأنكروا الأمر والنهي، قال تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} الآية (148) الأنعام. . فمن احتج على تعطيل الأمر النهي فهو من هؤلاء
  والفرقة الثالثة: وهم الإبليسية الذين اقروا بالأمرين لكن جعلوا هذا تناقضا من الرب سبحانه تعالى وطعنوا في حكمته وعدله كمآ يذكر ذلك عن إبليس مقدمهم
  والمقصود آن هذا ممآ تقوله أهل الضلال. وأما أهل الهدى والفلاح فيؤمنون بهذا وهذا. ويؤمنون بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو على كل شيء قدير. وأحاط بكل شيء علما. وكل شيء أحصاه في إمام مبين. ا ه.
  وقوله: (وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين) أي: يحب من اتصف بالصفات الحميدة كالتقوى والإحسان والقسط (ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) كما أخبر بذلك في آيات كثيرة لما اتصفوا به من الإيمان والعمل الصالح (ولا يحب الكافرين ولا يرضى عن القوم الفاسقين) أي: لا يرضى عمن اتصف بالصفات التي يبغضها كالكفر والفسوق وسائر الصفات الذميمة (ولا يأمر بالفحشاء) وهي ما تناهى قبحه من الأقوال والأفعال (ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد) لقبحهما ولما فيهما من المضرة على العباد والبلاد
  ويريد الشيخ رحمه الله بهذا الكلام الرد على من زعم أن الإرادة والمحبة بينهما تلازم، فإذا أراد الله شيئا فقد أحبه وإذا شاء شيئا فقد أحبه. وهذا قول باطل والقول الحق أنه لا تلازم بين الإرادة والمحبة أو بين المشيئة والمحبة. أعني الإرادة الكونية والمشيئة، فقد يشاء الله ما لا يحبه. وقد يحب ما لا يشاء وجوده. مثال الأول مشيئة وجود إبليس وجنوده ومشيئته العامة لما في الكون مع بغضه لبعضه. ومثال الثاني محبته لإيمان الكفار وطاعات الكفار ولم يشأ وجود ذلك منهم ولو شاءه لوجد.
  3 لا تنافي بين إثبات القدر وإسناد أفعال العباد إليهم حقيقة وأنهم يفعلونها باختيارهم
  والعباد فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم كما قال تعالى: {لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين} (1) الآيتان (28، 29) من سورة التكوير
  وهذة الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة. ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره، ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها.
    الشرح:
  أراد الشيخ رحمه الله بهذا الكلام أن يبين أنه لا تنافي بين إثبات القدر بجميع مراتبه السابقة وبين كون العباد يفعلون باختيارهم ويعملون بإرادتهم، وقصده بهذا الرد على من زعم أن إثبات ذلك يلزم منه التناقض، ومن ثم ذهبت طائفة منهم إلى الغلو في إثبات القدر حتى سلبوا العبد قدرته واختياره. وذهبت الطائفة الثانية إلى الغلو في إثبات أفعال العباد واختيارهم حتى جعلوهم هم الخالقين لها ولا تعلق لها بمشيئة الله ولا تدخل تحت قدرته.
  ويقال للطائفة الأولى: الجبرية لأنهم يقولون: إن العبد مجبر على ما يصدر منه لا اختيار له فيه ويقال للطائفة الثانية: القدرية النفاة لأنهم ينفون القدر.
  فقول الشيخ رحمه الله: (والعباد فاعلون حقيقة) رد على الطائفة الأولى وهم الجبرية لأنهم يقولون إن العباد ليسوا فاعلين حقيقة وإسناد الأفعال إليهم من باب المجاز وقوله: (والله خالقهم وخالق أفعالهم) رد على الطائفة الثانية القدرية النفاة لأنهم يقولون: إن الله لم يخلق أفعال العباد وإنما هم خلقوها استقلالا دون مشيئة الله وتقديره لها.
  وقوله: (والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة) رد على الجبرية، أي: ليس العباد بمجبرين على تلك الأعمال لأنه لو كان كذلك لما صح وصفهم بها، لأن فعل المجبر لا ينسب إليه ولا يوصف به ولا يستحق عليه الثواب أو العقاب.
  وقوله: (والله خالقهم وخالق قدرتهم) رد على القدرية النفاة حيث زعموا أن العباد يخلقون أفعالهم بدون إرادة الله ومشيئته كما سبق ثم استدل الشيخ في الرد على الطائفتين بقوله تعالى: {لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين} فقوله تعالى: {لمن شاء منكم أن يستقيم} فيه الرد على الجبرية لأنه أثبت للعباد مشيئة وهم يقولون لا مشيئة لهم وقوله: {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين} فيه الرد على القدرية القائلين بأن مشيئة العبد مستقلة بإيجاد الفعل من غير توقف على مشيئة الله، وهذا باطل لأن الله علق مشيئة العباد على مشيئته سبحانه وربطها بها.
  قوله: (وهذه الدرجة من القدر) وهي عموم مشيئته وإرادته لكل شيء، وعموم خلقه لكل شيء، وأن العباد فاعلون حقيقة والله خالقهم وخالق أفعالهم (يكذب بها عامة القدرية) النفاة حيث يزعمون أن العبد يخلق فعل نفسه بدون مشيئة الله وإرادته (الذين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة) [رواه أبو داود ( 4691) واللالكائي (2/641) وابن أبي عاصم (145) عن حذيفة. ورواه أحمد (2/86) عن ابن عمر. وحسنه الحافظ ابن حجر في (أجوبة المصابيح) (رقم 2)] لمشابهتهم المجوس الذين يثبتون خالقين هما: النور والظلمة، فيقولون: إن الخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة، فصاروا ثنويه وكذلك هؤلاء القدرية جعلوا خالقا مع الله حيث زعموا أن العباد يخلقون أفعالهم بدون إرادة الله ومشيئته، بل يستقلون بخلقها، ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سماهم مجوس هذه الأمة لتأخر ظهورهم عن وقت النبي صلى الله عليه وسلم فأكثر ما يجيء من ذمهم إنما هو موقوف على الصحابة.
  وقوله: (ويغلو فيها) أي: هذه الدرجة من القدر والغلو هو الزيادة في الشيء عن الحد المطلوب (قوم من أهل الإثبات): فاعل يغلو، والمراد بهم الجبرية الذين قالوا: إن العبد مجبر على فعله (حتى سلبوا العبد قدرته واختياره)
  فالأولون غلوا في إثبات أفعال العباد حتى أخرجوها عن مشيئة الله، وهؤلاء غلوا في نفي أفعال العباد حتى سلبوهم القدرة والاختيار وقوله: (ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها) جمع حكمة ومصلحة، أي: أن الجبرية في مذهبهم هذا حينما نفوا أفعال العباد وسلبوهم القدرة والاختيار نفوا حكمة الله في أمره ونهيه وثوابه وعقابه فقالوا ،: إنه يثيب أو يعاقب العباد على ما ليس من فعلهم ويأمرهم بما لا يقدرون عليه، فاتهموا الله بالظلم والعبث، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا
     حقيقة الإيمان وحكم مرتكب الكبيرة
  فصل
  ومن أصول أهل السنة والجماعة آن الدين والإيمان قول وعمل قول القلب اللسان وعمل القلب واللسان والجوارح. وأن الإيمان بزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي. كما قال سبحانه في آية القصاص: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف} [الآية (178) من سورة البقرة] وقال: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} الآيتان (9، 10) من سورة الحجرات ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: ... {فتحرير رقبة مؤمنة} الآية (92) من سورة النساء وقد لا دخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا) الآية (2) من سورة الأنفال وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) [رواه البخاري ( 2475) ومسلم (57) عن أبي هريرة]. ونقول هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم.
    الشرح:
  قوله: (ومن أصول أهل السنة والجماعة) أي: القواعد التي بنيت عليها عقيدتهم (أن الدين) هو لغة: الذل والانقياد وشرعا: هو ما أمر الله به (والإيمان) لغة: التصديق (1)، وشرعا: هو ما ذكره الشيخ بقوله: (قول وعمل: قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح) هذا هو تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة: أنه قول وعمل فالقول قسمان: قول القلب وهو الاعتقاد، وقول اللسان هو التكلم بكلمة الإسلام والعمل قسان: عمل القلب وهو نية وإخلاص. وعمل الجوارح أي: الأعضاء كالصلاة والحج والجهاد.
  والفرق بين أقوال القلب وأعماله: أن أقواله هي العقائد التي يعتبر فها ويعتقدها، وأما أعمال القلب فهي حركته التي يحبها الله ورسوله، وهي محبة الخير وإرادته الجازمة وكراهية الشر والعزم على تركه وأعمال القلب تنشأ عنها أعمال الجوارح وأقوال اللسان. ومن ثم صارت أقوال اللسان وأعمال الجوارح من الإيمان.
  أقوال الناس في تعريف الإيمان:
  1 عند أهل السنة والجماعة: أنه اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان
  2 عند المرجئة: أنه اعتقاد بالقلب ونطق باللسان فقط
  3 عند الكرامية: أنه نطق باللسان فقط
  4 عند الجبرية : أنه الاعتراف بالقلب أو مجرد المعرفة في القلب.
  5 عند المعتزلة: أنه اعتقاد القلب ونطق اللسان وعمل الجوارح.
  والفرق بينهم، أي: المعتزلة وبين أهل السنة أن مرتكب الكبيرة يسلب اسم الإيمان بالكلية ويخلد في النار عندهم، وعند أهل السنة لا يسلب الإيمان بالكلية بل هو مؤمن ناقص الإيمان ولا يخلد في النار إذا دخلها والحق ما قاله أهل السنة والجماعة لأدلة كثيرة.
  وقوله: (وإن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية) أي: ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الإيمان يتفاضل بالزيادة والنقصان فتزيده الطاعة وينقص بالمعصية ويدل على ذلك أدلة كثيرة منها قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} الآية (2) الأنفال، وقوله تعالى: {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} الآية (4) الفتح وغير ذلك من الادله
  وقوله: (وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاضي والكبائر كما يفعله الخوارج) أي: وأهل السنة والجماعة مع أنهم يرون أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، هم مع ذلك لا يحكمون بالكفر على من يدعي الإسلام ويستقبل الكعبة بمطلق ارتكابه المعاصي التي هي دون الشرك والكفر (كما يفعله الخوارج) حيث قالوا: من فعل كبيرة فهو في الدنيا كافر وفي الآخرة مخلد في النار لا يخرج منها
  فأهل السنة يرون (أن الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي) فالعاصي أخ لنا في الإيمان، واستدل الشيخ على ذلك بقوله تعالى في آية القصاص: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف} المعنى: أن الجاني إذا عفا عنه المجني عليه أو وليه عن القصاص ورضي بأخذ المال في الدية فعلى مستحق المال أن يطلبه بالمعروف من غير عنف، وعلى من عليه المال أن يؤديه إليه من غير مماطله ووجه الاستدلال من الآية: أنه سمى القاتل أخا للمقتول مع أن القتل كبيرة من كبائر الذنوب ومع هذا لم تزل معه الأخوة الإيمانية.
  واستدل الشيخ أيضا بقوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} الآيتين، ووجه الاستدلال من الآيتين الكريمتين أنه سماهم مؤمنين مع وجود الاقتتال والبغي بينهم، وسماهم إخوة للمؤمنين بقوله: {فأصلحوا بين أخويكم}.
  ومعنى الآية إجمالا: أنه إذا تقاتل فريقان من المسلمين فعلى المسلمين أن يسعوا في الصلح بينهم ويدعوهم إلى حكم الله، فإن حصل بعد ذلك التعدي من إحدى الطائفتين على الأخرى ولم تقبل الصلح، كان على المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية حتى ترجع إلى أمر الله وحكمه، فإن رجعت تلك الطائفة عن بغيها وأجابت الدعوة إلى كتاب الله وحكمه، فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم، ويتحرروا الصواب المطابق لحكم الله، ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة حتى تخرج من الظلم وتؤدي ما يجب عليها للأخرى.
  ثم أمر الله سبحانه المسلمين أن يعدلوا في كل أمورهم بعد أمرهم بهذا العدل الخاص بالطائفتين المقتتلتين، فقال: {وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} أي: اعدلوا إن الله يحب العادلين وقوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} جملة مستأنفة مقررة لما قبلها من الأمر بالإصلاح والمعنى: إنهم يرجعون إلى أمر واحد هو الإيمان فهم إخوة في الدين {فأصلحوا بين أخويكم} يعني: كل مسلمين تخاصما وتقاتلا، وتخصيص الاثنين بالذكر لإثبات وجوب الإصلاح فيما فوقهما بطريق الأولى. (واتقوا الله) في كل أموركم (لعلكم ترحمون) بسبب التقوى.
  وقوله: (ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة) أي: ومن أصول أهل السنة والجماعة أنهم (لا يسلبون) أي: لا ينفون عن ( الفاسق) الفسق: هو الخروج عن طاعة الله، والمراد بالفاسق هنا: الذي يرتكب بعض الكبائر كشرب الخمر والزنا والسرقة مع اعتقاد حرمة ذلك (الملي) أي: الذي على ملة الإسلام، ولم يرتكب من الذنوب ما يوجب كفره فأهل السنة والجماعة لا يسلبونه الإسلام بالكلية فيحكمون عليه بالكفر كما تقوله الخوارج في الدنيا (ولا يخلدونه في النار) أي: يحكمون عليه بالكفر كما تقوله الخوارج في الدنيا (ولا يخلدونه في النار) أي: يحكمون عليه بإلخلود في النار في الآخرة وعدم خروجه منها إذا دخلها (كما تقوله المعتزلة) والخوارج ، فالمعتزلة يرون أن الفاسق لا يسمى مسلما ولا كافرا، بل هو عندهم بالمنزلة بين المنزلتين، هذا حكمه عندهم في الدنيا. وأما حكمه عندهم في الآخرة فهو مخلد في النار. والأدلة على بطلان هذا المذهب كثيرة، وقد مر بعضها، وسيأتي ذكر بقيتها.
  ثم بين الشيخ رحمه الله الحكم الصحيح الذي ينطبق على الفاسق الملي مؤيدا بأدلته من الكتاب والسنة فقال: (بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق) أي: مطلق الإيمان الذي يدخل فيه الإيمان الكامل والإيمان الناقص كما في قوله: {فتحرير رقبة مؤمنة} فإن من أعتق رقبة مؤمنة وإن كان المعتق فاسقا فيما يشترط فيه إيمان الرقبة المعتقة، ككفارة الظهار والقتل، أجزأه ذلك العتق باتفاق العلماء لأن ذلك يدخل في عموم الآية وإن لم يكن المعتق من أهل الإيمان الكامل.
  وقوله: (وقد لا يدخل) أي: الفاسق الملي (في اسم الإيمان المطلق) أي: إذا أريد بالإيمان الكامل كما في قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} الآية لأن المراد بالإيمان المذكور في الآية الكريمة الإيمان الكامل، فلا يدخل فيه الفاسق لأن إيمانه ناقص ولنرجع إلى تفسير الآية الكريمة: {إنما} أداة حصر تثبت الحكم للمذكور وتنفيه عما سواه {المؤمنون} أي: الإيمان الكامل {إذا ذكر الله} أي: ذكرت عظمته وقدرته وما خوف به من عصاه {وجلت قلوبهم} أي: خافت {وإذا تليت عليهم آياته} أي: قرئت آياته المنزلة أو ذكرت آياته الكونية {زادتهم إيمانا} أي: زاد إيمانهم بسبب ذلك {وعلى ربهم يتوكلون} أي: يفوضون جميع أمورهم إليه لا إلي غيره
  ثم ذكر الشيخ دليلا من السنة على أن الفاسق الملي لا يدخل في اسم الإيمان الكامل وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن إلخ.) أي: كامل الإيمان فالمنفي هنا عن الزاني والسارق والشارب هو كمال الإيمان لا جميع الإيمان، بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر.
  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق