الأحد، 10 مايو 2015

شرح كتاب التوحيد2=قال المصنف رحمه الله تعالى : قال ابن مسعود : من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التى عليها خاتمه فليقرأ : "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم "- إلى قوله - " وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه " الآية .

ش : قوله : ابن مسعود هو عبد الله بن مسعود بن غافل - بمعجمة وفاء - ابن حبيب الهذلى أبو عبد الرحمن ، صحابى جليل من السابقين الأولين ، وأهل بدر وأحد والخندق وبيعة الرضوان من كبار علماء الصحابة ، أمر عمر على الكوفة ، ومات سنة اثنتين وثلاثين رضى الله عنه .

وهذا الأثر رواه الترمذي وحسنه ، وابن المنذر وابن أبى حاتم والطبرانى بنحوه . وقال بعضهم : معناه من أراد أن ينظر إلى الوصية التى كأنها كتب وختم عليها فلم تغير ولم تبدل فليقرأ : (قل تعالوا -إلى آخر الآيات) شبهها بالكتاب الذى كتب ثم ختم فلم يزد فيه ولم ينقص . فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يوص إلا بكتاب الله ، كما قال فيما رواه مسلم : "وإنى تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا : كتاب الله" وقد روى عبادة بن الصامت قال : "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيكم يبايعنى على هؤلاء الآيات الثلاث ؟ ثم تلا قوله تعالى : "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم" حتى فرغ من الثلاث الآيات . ثم قال من وفى بهن فأجره على الله ، ومن انتقص منهن شيئاً فأدركه الله به فى الدنيا كانت عقوبته ، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء آخذه وإن شاء عفا عنه " رواه ابن أبي حاتم و الحاكم وصححه و محمد بن نصر فى الاعتصام .قلت : ولأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يوص أمته إلا بما وصاهم الله تعالى به على لسانه . وفى كتابه الذى أنزله '16 : 89' " تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين " وهذه الآيات وصية الله تعالى ووصية رسوله صلى الله عليه وسلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وعن معاذ بن جبل قال : كنت رديف النبى صلى الله عليه وسلم على حمار فقال لى : يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد ، وما حق العباد على الله ؟ . قلت : الله ورسوله أعلم . قال :  حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً  ، قلت : يا رسول الله أفلا أبشر الناس ؟ قال : لا تبشرهم فيتكلوا " . أخرجاه فى الصحيحين .ش : هذا الحديث فى الصحيحين من طرق . وفى بعض رواياته نحو مما ذكره المصنف .و معاذ بن جبل رضى الله عنه هو ابن عمرو بن أوس الأنصارى الخزرجى أبو عبد الرحمن صحابى مشهور من أعيان الصحابة ، شهد بدراً وما بعدها . وكان إليه المنتهى فى العلم والأحكام والقرآن رضي الله عنه . وقال النبى صلى الله عليه وسلم معاذ يحشر يوم القيامة أمام العلماء برتوة أي بخطوة ، قال فى القاموس والرتوة الخطوة وشرف من الأرض ، وسويعة من الزمان ، والدعوة ، والفطرة ، ورمية بسهم أو نحو ميل أو مدى البصر . والراتي العالم الربانى . انتهىوقال فى النهاية أنه يتقدم العلماء برتوة أي برمية سهم . وقيل : بميل ، وقيل : مد البصر . وهذه الثلاثة أشبه بمعنى الحديث. مات معاذ سنة ثمانى عشرة بالشام فى طاعون عمواس . وقد استخلفه صلى الله عليه وسلم على أهل مكة يوم الفتح يعلمهم دينهم.قوله : (كنت رديف النبى صلى الله عليه وسلم) فيه جواز الإرداف على الدابة ، وفضيلة معاذ رضى الله عنه .قوله : (على حمار) فى رواية اسمه عفير ، قلت : أهداه إليه المقوقس صاحب مصر .وفيه : تواضعه صلى الله عليه وسلم لركوب الحمار والإرادف عليه ، خلافاً لما عليه أهل الكبر .قوله : (أتدرى ما حق الله على العباد) أخرج السؤال بصيغة الاستفهام ليكون أوقع في النفس وأبلغ في فهم المتعلم وحق الله على العباد وهو ما يستحقه عليهم وحق العباد على الله معناه أنه متحقق لا محالة ، لأنه وعدهم ذلك جزاء لهم على توحيده '30 : 6' "وعد الله لا يخلف الله وعده" .قال شيخ الإسلام : كون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق إنعام وفضل ، ليس هو استحقاق مقابلة ، كما يستحق المخلوق على المخلوق ، فمن الناس من يقول : لا معنى للاستحقاق ، إلا أنه أخبر بذلك ووعده صدق ، ولكن أكثر الناس يثبتون استحقاقاً زائداً على هذا ، كما دل عليه الكتاب والسنة قال تعالى '30 : 47' "وكان حقاً علينا نصر المؤمنين" لكن أهل السنة يقولون : هو الذي كتب على نفسه الرحمة وأوجب على نفسه الحق ، ولم يوجبه عليه مخلوق ، والمعتزلة يدعون أنه واجب عليه بالقياس على المخلوق وأن العباد هم الذين أطاعوه بدون أن يجعلهم مطيعين له ، وأنهم يستحقون الجزاء بدون أن يكون هو الموجب ، وغلطوا في ذلك ، وهذا الباب غلطت فيه الجبرية والقدرية أتباع جهم والقدرية النافية .قوله (قلت الله ورسوله أعلم) فيه حسن الأدب من المتعلم ، وأنه ينبغي لمن سئل عما لا يعلم أن يقول ذلك ، بخلاف أكثر المتكلفين .قوله : (أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً) أي يوحدوه بالعبادة . ولقد أحسن العلامة ابن القيم رحمه الله حيث عرف العبادة بتعريف جامع فقال :وعبادة الرحمن غاية حبه    مع ذل عابده هما قطبانومداره بالأمر - أمر رسوله-    لا بالهوى والنفس والشيطانقوله : (ولا يشركوا به شيئاً) أى يوحدوه بالعبادة ، فلابد من التجرد من الشرك فى العبادة ، ومن لم يتجرد من الشرك لم يكن آتياً بعبادة الله وحده ، بل هو مشرك قد جعل لله نداً . وهذا معنى قول المصنف رحمه الله :(وفيه أن العبادة هى التوحيد ، لأن الخصومة فيه ، وفى بعض الآثار الإلهية :  إنى والجن والانس فى نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيرى ، وأرزق ويشكر سواى ، خيري إنى العباد نازل ، وشرهم إلى صاعد ، أتحبب إليهم بالنعم ، ويتبغضون إلى بالمعاصى) .قوله : (وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً) قال الحافظ : اقتصر على نفي الإشراك لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء ، ويستدعى إثبات الرسالة باللزوم ، إذ من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كذب الله ، ومن كذب الله فهو مشرك وهو مثل قول القائل : ومن توضأ صحت صلاته ، أى مع سائر الشروط . ا هـ .قوله : (أفلا أبشر الناس) فيه استحباب بشارة المسلم بما يسره ، وفيه ما كان عليه الصحابة من الاستبشار بمثل هذا . قال المصنف رحمه الله .قوله (لا تبشرهم فيتكلوا) أى يعتمدوا على ذلك فيتركوا التنافس فى الأعمال . وفى رواية : فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً أى تحرجاً من الإثم . قال الوزير أبو المظفر : لم يكن يكتمها إلا عن جاهل يحمله جهله على سوء الأدب بترك الخدمة فى الطاعة ، فأما الأكياس الذين إذا سمعوا بمثل هذا زادوا فى الطاعة ، ورأوا أن زيادة النعم تستدعى زيادة الطاعة ، فلا وجه لكتمانها عنهم.وفى الباب من الفوائد غير ما تقدم ، الحث على إخلاص العبادة لله وأنها لا تنفع مع الشرك ، بل لا تسمى عبادة . والتنبيه على عظمة حق الوالدين . وتحريم عقوقهما . والتنبيه على عظمة الآيات المحكمات فى سورة الأنعام . وجواز كتمان العلم للمصلحة .قوله : (أخرجاه) أى البخارى ومسلم. و البخارى رحمه الله هو الإمام محمد ابن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزبه الجعفي مولاهم، الحافظ الكبير صاحب الصحيح والتاريخ والأدب المفرد وغير ذلك من مصنفاته . روى عن الإمام أحمد بن حنبل والحميدى وابن المدينى وطبقتهم . وروى عنه مسلم والنسائي والترمذي والفربرى رواى الصحيح . ولد سنة أربع وتسعين ومائة ومات سنة ست وخمسين ومائتين .و مسلم رحمه الله هو ابن حجاج بن مسلم أبو الحسين القشيرى النيسابورى صاحب الصحيح والعلل والوجدان وغير ذلك روى عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبى خيثمة وابن أبى شيبة وطبقتهم . وروى عن البخاري . وروى عنهالترمذي وإبراهيم بن محمد بن سفيان راوى الصحيح وغيرهما . ولد سنة أربع ومائتين . ومات سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور رحمهما الله . فضل التوحيدقوله : (باب بيان فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب)باب خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا (قلت) ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف تقديره هذا . و ما يجوز أن تكون موصولة والعائد محذوف ، أي وبيان الذي يكفره من الذنوب ، ويجوز أن تكون مصدرية ، أي وتكفيره الذنوب ، وهذا الثانى أظهر .قوله : وقول الله تعالى : '6 : 82' "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون" قال ابن جرير : حدثنى المثنى - وساق بسنده - عن الربيع ابن أنس قال : الإيمان الإخلاص لله وحده ) .وقال ابن كثير فى الآية : أى هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده ولم يشركوا به شيئاً هم الآمنون يوم القيامة ، المهتدون فى الدنيا والاخرة . وقال زيد بن أسلم وابن إسحاق : هذا من الله على فصل القضاء بين إبراهيم وقومه .وعن ابن مسعود : (لما نزلت هذه الآية قالوا : فأينا لم يظلم نفسه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس بذلكم ، ألم تسمعوا إلى قول لقمان : "إن الشرك لظلم عظيم" ) .وساقه البخارى بسنده فقال "حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي حدثنا الأعمش حدثنى إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه قال :  لما نزلت : "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم" قلنا : يا رسول الله ، أينا لا يظلم نفسه ؟ قال : ليس كما تقولون ، لم يلبسوا إيمانهم بظلم ، بشرك . أو لم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه : " يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم " " .ولأحمد بنحوه عن "عبد الله قال : ( لما نزلت "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم" شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله : فأينا لا يظلم نفسه ؟ قال : إنه ليس الذى تعنون . ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح : " يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم " إنما هو الشرك) " . وعن عمر أنه فسره بالذنب . فيكون المعنى : الأمن من كل عذاب . وقال الحسن والكلبي : أولئك لهم الأمن ، فى الآخرة ، وهم مهتدون فى الدنيا .قال شيخ الإسلام : والذى شق عليهم أنهم ظنوا أن الظالم المشروط عدمه هو ظلم العبد نفسه ، وأنه لا أمن ولا اهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه ، فبين لهم النبى صلى الله عليه وسلم ما دلهم على أن الشرك ظلم فى كتاب الله ، فلا يحصل الأمن وإلاهتداء إلا لمن يلبس إيمانه بهذا الظلم ، فإن من لم يلبس إيمانه بهذا الظلم كان من أهل الأمن والاهتداء ، كما كان من أهل الاصطفاء فى قوله : '35 : 32' "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير" وهذا لا ينفى أن يؤاخذ أحدهم بظلمه لنفسه بذنب إذا لم يتب كما قال تعالى : '99 : 7 ، 8' " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " وقد " سأل أبو بكر الصديق رضى الله عنه النبى صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أينا لم يعمل سوءاً ؟ فقال : يا أبا بكر ألست تنصب ؟ ألست تحزن ؟ أليس يصيبك اللأواء ؟ فذلك ما تجزون به" فبين أن المؤمن إذا مات دخل الجنة قد يجزى بسيئاته فى الدنيا بالمصائب . فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة : الشرك ، وظلم العباد . وظلمه لنفسه بما دون الشرك . كان له الأمن التام والاهتداء التام . ومن لم يسلم من ظلمه لنفسه كان له الأمن والاهتداء المطلق . بمعنى أنه لابد أن يدخل الجنة كما وعد بذلك فى الآية الأخرى : وقد هداه الله إلى الصراط المستقيم الذى تكون عاقبته فيه إلى الجنة . ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه لنفسه وليس مراد النبى صلى الله عليه وسلم بقوله إنما هو الشرك أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام . فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف ، لم يحصل لهم الأمن التام والاهتداء التام اللذين يكونون بهما مهتدين إلى الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم الله عليهم ، من غير عذاب يحصل لهم . بل معهم أصل الاهتداء إلى هذا الصراط ، ومعهم أصل نعمة الله عليهم ولابد لهم من دخول الجنة . وقوله إنما هو الشرك إن أراد الأكبر ، فمقصوده أن من لم يكن من أهله فهو آمن مما وعد به المشركون من عذاب الدنيا والآخرة . وإن كان مراده جنس الشرك . يقال ظلم العبد نفسه، كبخله لحب المال ببعض الواجب - هو شرك أصغر . وحبه ما يبغضه الله تعالى حتى يقدم هواه على محبة الله الشرك أصغر ونحو ذلك . فهذا فاته من الأمن والاهتداء بحسبه . ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب فى هذا الشرك بهذا الاعتبار ملخصاً .وقال ابن القيم رحمه الله : قوله : "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون" قال الصحابة : وأينا يا رسول الله لم يلبس إيمانه بظلم ؟ قال : ذلك الشرك . ألم تسمعوا قول العبد الصالح "إن الشرك لظلم عظيم"  لما أشكل عليهم المراد بالظلم فظنوا أن ظلم النفس داخل فيه .وأن من ظلم نفسه أى ظلم كان لم يكن آمناً ولا مهتدياً . أجابهم صلوات الله وسلامه عليه بأن الظلم الرافع للأمن والهداية على الإطلاق هو الشرك . وهذا والله هو الجواب ، الذى يشفي العليل ويروي الغليل. فإن الظلم المطلق التام هو الشرك . الذى هو وضع العبادة فى غير موضعها . والأمن والهدى المطلق : هما الأمن فى الدنيا والآخرة.والهدى إلى الصراط المستقيم . فالظلم المطلق التام رافع للأمن والاهتداء المطلق التام . ولا يمنع أن يكون الظلم مانعاً من مطلق الأمن ومطلق الهدى . فتأمله . فالمطلق للمطلق ، والحصة للحصة ا هـ ملخصاً . حديث عبادة من شهد أن لا إله إلا الله إلخوقوله ("عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه . والجنة حق ، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " . أخرجاه) .عبادة بن الصامت بن قيس الأنصارى الخزرجى ، أبو الوليد ، أحد النقباء بدرى مشهور مات بالرملة سنة أربع وثلاثين وله اثنتان وسبعون سنة ، وقيل : عاش إلى خلافة معاوية رضى الله عنه .قوله (من شهد أن لا إله إلا الله) أى من تكلم بها عارفاً لمعناها ، عاملاً بمقتضاها ، باطناً وظاهراً ، فلابد فى الشهادتين من العلم واليقين والعمل بمدلولها ، كما قال الله تعالى : '7 4 : 19'"فاعلم أنه لا إله إلا الله" وقوله '43 : 86' "إلا من شهد بالحق وهم يعلمون" أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا يقين ولا عمل بما تقتضيه : من البراءة من الشرك ، وإخلاص القول والعمل : قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح - فغير نافع بالإجماع .قال القرطبى فى المفهم على صحيح مسلم : باب لا يكفى مجرد التلفظ بالشهادتين بل لابد من استيقان القلب - هذه الترجمة تنبيه على فساد مذهب غلاة المرجئة ، القائلين بأن التلفظ بالشهادتين كاف فى الإيمان . وأحاديث هذا الباب تدل على فساده . بل هو مذهب معلوم الفساد من الشريعة لمن وقف عليها . ولأنه يلزم منه تسويغ النفاق ، والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح . وهو باطل قطعاً ا هـ .وفى هذا الحديث ما يدل على هذا . وهو قوله : من شهد فإن الشهادة لا تصح إلا إذا كانت عن علم ويقين وإخلاص وصدق .قال النووي : هذا حديث عظيم جليل الموقع ، وهو أجمع - أو من أجمع - الأحاديث المشتملة على العقائد . فإنه صلى الله عليه وسلم جمع فيه ما يخرج من ملل الكفر على اختلاف عقائدههم وتباعدها . فاقتصر صلى الله عليه وسلم فى هذه الأحرف على ما يباين جميعهم ا هـ . معنى لا إله إلا اللهومعنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله . وهو فى غير موضع من القرآن ، ويأتيك فى قول البقاعى صريحا قوله (وحده) تأكيد للإثبات (لا شريك له) تأكيد للنفى . قال الحافظ : كما قال تعالى : '2 : 163'"وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم" وقال : '21 : 25' " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون " وقال : '7 : 65' "وإلى عاد أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" فأجابوه رداً عليه بقولهم : " أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا " وقال تعالى : '22 : 62' " ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير " .فتضمن ذلك نفى الإلهية عما سوى الله ، وهي العبادة . وإثباتها لله وحده لا شريك له ، والقرآن من أوله إلى آخره يبين هذا ويقرره ويرشد إليه .فالعبادة بجميع أنواعها إنما تصدر عن تأله القلب بالحب والخضوع والتذلل رغباً ورهباً ، وهذا كله لا يستحقه إلا الله تعالى ، كما تقدم فى أدلة هذا الباب وما قبله . فمن صرف من ذلك شيئاً لغير الله فقد جعله لله نداً ، فلا ينفعه مع ذلك قول ولا عمل .(ذكر كلام العلماء ، فى معنى لا إله إلا الله)قد تقدم كلام ابن عباس ، وقال الوزير أبو المظفر فى الإفصاح : قوله : شهادة أن لا إله إلا الله يقتضى أن يكون الشاهد عالماً بأنه لا إله إلا الله ، كما قال تعالى : "فاعلم أنه لا إله إلا الله" قال: واسم (الله) بعد (إلا) من حيث أنه الواجب له الإلهية ، فلا يستحقها غيره سبحانه . قال : وجملة الفائدة فى ذلك : أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله ، فإنك لما نفيت الإلهية وأثبت الإيجاب لله سبحانه كنت ممن كفر بالطاغوت وآمن بالله .وقال ابن القيم فى البدائع رداً لقول من قال : إن المستثنى مخرج من المستثنى منه . قال ابن القيم : بل هو مخرج من المستثنى منه وحكمه ، فلا يكون داخلاً فى المستثنى ، إذ لو كان كذلك لم يدخل الرجل فى الإسلام بقوله : لا إله إلا الله لأنه لم يثبت الإلهية لله تعالى . وهذه أعظم كلمة تضمنت بالوضع نفى الإلهية عما سوى الله وإثباتها له بوصف الاختصاص . فدلالتها على إثبات إلهيته أعظم من دلالة قولنا : (الله إله) ولا يستريب أحد فى هذا البتة . انتهى بمعناه .وقال أبو عبد الله القرطبي فى تفسيره (لا إله إلا الله) أى لا معبود إلا هو . وقال الزمخشرى : الإله من أسماء الأجناس . كالرجل والفرس ، يقع على كل معبود بحق أو باطل ، ثم غلب على المعبود بحق .وقال شيخ الإسلام : الإله هو المعبود المطاع ، فإن الإله هو المألوه ، والمألوه هو الذى يستحق أن يعبد . وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التى تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب ، المخضوع له غاية الخضوع ، قال : فإن الإله هو المحبوب المعبود الذى تألهه القلوب بحبها ، وتخضع له وتذل له ، وتخافه وترجوه ، وتنيب إليه فى شدائدها ، وتدعوه فى مهماتها ، وتتوكل عليه فى مصالحها ، وتلجأ إليه وتطمئن بذكره ، وتسكن إلى حبه ، وليس ذلك إلا لله وحده ، ولهذا كانت (لا إله إلا الله) أصدق الكلام ، وكان أهلها أهل الله وحزبه ، والمنكرون لها أعداءه وأهل غضبه ونقمته ، فإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق ، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له فى علومه وأعماله .وقال ابن القيم : (الإله) هو الذى تألهه القلوب محبة وإجلالاً وإنابة ، وإكراماً وتعظيماً وذلاً وخضوعاً وخوفاً ورجاء وتوكلاً .وقال ابن رجب : (الإله) هو الذى يطاع فلا يعصى ، هيبة له وإجلالاً ، ومحبة وخوفاً ورجاء ، وتوكلاً عليه ، وسؤالاً منه ودعاء له ، ولا يصلح هذا كله إلا الله عز وجل ، فمن أشرك مخلوقاً فى شئ من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحاً في إخلاصه فى قول (لا إله إلا الله) وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب مافيه من ذلك .وقال البقاعي : لا إله إلا الله ، أى انتفاء عظيماً أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم ، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة ، وإنما يكون علماً إذا كان نافعاً ، وإنما يكون نافعاً إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه ، وإلا فهو جهل صرف .وقال الطيبي : (الإله) فعال بمعنى مفعول ، كالكتاب بمعنى المكتوب ، من أله إلهة أى عبد عبادة . قال الشارح : وهذا كثير فى كلام العلماء وإجماع منهم .فدلت (لا إله إلا الله) على نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى كائناً ما كان ، وإثبات الإلهية لله وحده دون كل ما سواه ، و هذا هو التوحيد الذى دعت إليه الرسل ودل عليه القرآن من أوله إلى آخره ، كما قال تعالى عن الجن : '72 : 1' " قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا " فلا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفياً وإثباتاً ، واعتقد ذلك وقبله وعمل به . وأما من قالها من غير علم واعتقاد وعمل ، فقد تقدم فى كلام العلماء أن هذا جهل صرف ، فهى حجة عليه بلا ريب .فقوله فى الحديث وحده لا شريك له تأكيد وبيان لمضمون معناها . وقد أوضح الله ذلك وبينه فى قصص الأنبياء والمرسلين في كتابه المبين ، فما أجهل عباد القبور بحالهم ! وما أعظم ما وقعوا فيه من الشرك المنافى لكلمة الاخلاص لا إله إلا الله ! فإن مشركي العرب ونحوهم جحدوا لا إله إلا الله لفظاً ومعنى . وهؤلاء المشركون أقروا بها لفظاً وجحدوها معنى ، فتجد أحدهم يقولها وهو يأله غير الله بأنواع العبادة ، كالحب والتعظيم ، والخوف والرجاء والتوكل والدعاء ، وغير ذلك من أنواع العبادة . بل زاد شركهم على شرك العرب بمراتب ، فإن أحدهم إذا وقع فى شدة أخلص الدعاء لغير الله تعالى ، ويعتقدون أنه أسرع فرجاً من الله ، بخلاف حال المشركين الأولين ، فإنهم يشركون في الرخاء ، وأما في الشدائد فإنما يخلصون لله وحده ، كما قال تعالى '29 : 65' " فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون " الآية . فبهذا يتبين أن مشركي أهل هذه الأزمان أجهل بالله وبتوحيده من مشركي العرب ومن قبلهم . معنى محمد رسول اللهوقوله : (وأن محمداً عبده ورسوله) أي وشهد بذلك ، وهو معطوف على ما قبله على نية تكرار العامل ، ومعنى العبد هنا المملوك العابد ، أي أنه مملوك لله تعالى . والعبودية الخاصة وصفه ، كما قال تعالى : '39 : 26' "أليس الله بكاف عبده" فأعلى مراتب العبد العبودية الخاصة والرسالة فالنبى صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق فى هاتين الصفتين الشريفتين . وأما الربوبية والإلهية فهما حق الله تعالى ، لا يشركه فى شئ منهما ملك مقرب ولا نبى مرسل . وقوله : عبده ورسوله أتى بهاتين الصفتين وجمعهما دفعاً للإفراط والتفريط ، فإن كثيراً ممن يدعى أنه من أمته أفرط بالغلو قولاً وعملاً ، وفرط بترك متابعته ، واعتمد على الآراء المخالفة لما جاء به ، وتعسف فى تأويل أخباره وأحكامه ، بصرفها عن مدلولها والصدوف عن الانقياد لها مع إطراحها فإن شهادة أن محمداً رسول الله تقتضى الإيمان به وتصديقه فيما أخبر ، وطاعته فيما أمر ، والانتهاء عما عنه نهى وزجر ، وأن يعظم أمره ونهيه ، ولا يقدم عليه قول أحد كائناً من كان . والواقع اليوم وقبله - ممن يتنسب إلى العلم من القضاة والمفتين - خلاف ذلك ، والله المستعان . وروى الدارمى فى مسنده عن "عبد الله بن سلام رضى الله عنه أنه كان يقول : إنا لنجد صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، سميته المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا صخاب بالأسواق ، ولا يجزى بالسيئة مثلها ، ولكن يعفو ويتجاوز ، ولن أقبضه حتى يقيم الملة المتعوجة بأن يشهد أن لا إله إلا الله ، يفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً  " قال عطاء بن يسار : وأخبرنى أبو واقد الليثى أنه سمع كعباً يقول مثل ما قال ابن سلام . معنى أن عيسى عبد الله ورسوله وكلمتهقوله : (وأن عيسى عبد الله ورسوله) أى خلافاً لما يعتقده النصارى أنه الله أو ابن الله ، أو ثالث ثلاثة . تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً '23 : 91'"ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله" فلا بد أن يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله على علم ويقين بأنه مملوك لله ، خلقه من أنثى بلا ذكر ، كما قال تعالى : '3 : 59'"إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون" فليس رباً ولا إلهاً . سبحان الله عما يشركون . قال تعالى '19 : 29 - 36'" فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا * قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا * وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا * والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا * ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون * ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون * وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم " وقال : '4 : 172'"لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً " ويشهد المؤمن أيضاً ببطلان قول أعدائه اليهود : أنه ولد بغى ، لعنهم الله تعالى . فلا يصح إسلام أحد علم ما كانوا يقولونه حتى يبرأ من قول الطائفتين جميعاً في عيسى عليه السلام ، ويعتقد ما قاله الله تعالى فيه : أنه عبد الله ورسوله .قوله : (وكلمته) إنما سمى عيسى عليه السلام كلمة لوجوده بقوله تعالى : كن كما قاله السلف من المفسرين . قال الإمام أحمد فى الرد على الجهمية بالكلمة التى ألقاها إلى مريم حين قال له كن فكان عيسى بكن وليس عيسى هو كن ولكن بكن كان . فكن من الله تعالى قول ، وليس كن مخلوقاً ، وكذب النصارى والجهمية على الله فى أمر عيسى انتهى .قوله : (ألقاها إلى مريم) قال ابن كثير : خلقه بالكلمة التى أرسل بها جبريل إلى مريم فنفخ فيها من روحه بأمر ربه عز وجل : فكان عيسى بإذن الله عز وجل ، فهو ناشىء عن الكلمة التي قال له كن فكان والروح التى أرسل بها : هو جبريل عليه السلام .وقوله : (وروح منه) قال أبى بن كعب : عيسى روح من الأرواح التى خلقها الله تعالى واستنطقها بقوله : '7 : 271' "ألست بربكم قالوا بلى" بعثه الله إلى مريم فدخل فيها  رواه عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد فى زوائد المسند ، وابن جرير وابن أبى حاتم وغيرهم . قال الحافظ : ووصفه بأنه منه ، فالمعنى أنه كائن منه ، كما فى قوله تعالى'45 : 12'" وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه " فالمعنى أنه كائن منه ، كما أن معنى الأية الأخرى أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه أي أنه مكون ذلك وموجده بقدرته وحكمته .قال شيخ الإسلام : المضاف إلى الله تعالى إذا كان معنى لا يقوم بنفسه ولا بغيره من المخلوقات وجب أن يكون صفة لله تعالى قائمة به ، وامتنع أن تكون إضافته إضافة مخلوق مربوب . وإذا كان المضاف عيناً قائمة بنفسها كعيسى وجبريل عليهما السلام وأرواح بني آدم امتنع أن تكون صفة لله تعالى ، لأن ما قام بنفسه لا يكون صفة لغيره .لكن الأعيان المضافة إلى الله تعالى على وجهين :أحدهما : أن تضاف إليه لكونه خلقها وأبدعها ، فهذا شامل لجميع المخلوقات ، كقولهم : سماء الله ، وأرض الله . فجميع المخلوقين عبيد الله ، وجميع المال مال الله .الوجه الثانى : أن يضاف إليه لما خصه به من معنى يحبه ويأمر به ويرضاه ، كما خص البيت العتيق بعبادة فيه لا تكون فى غيره. وكما يقال فى مال الخمس والفىء : هو مال الله ورسوله . ومن هذا الوجه : فعباد الله هم الذين عبدوه وأطاعوا أمره . فهذه إضافة تتضمن ألوهيته وشرعه ودينه ، وتلك إضافة تتضمن ربوبيته وخلقه . ا . هـ ملخصاً .قوله : (والجنة حق والنار حق) أى وشهد أن الجنة التى أخبر بها الله تعالى فى كتابه أنه أعدها للمتقين حق ، أى ثابتة لا شك فيها ، وشهد أن النار التى أخبر بها تعالى فى كتابه أنه أعدها للكافرين حق كذلك ثابتة ، كما قال تعالى : '57 :1' " سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم " وقال تعالى : '2 : 24'" فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين " وفى الآيتين ونظائرهما دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن ، خلافا للمبتدعة . وفيهما الإيمان بالمعاد .وقوله : (أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) هذه الجملة جواب الشرط وفى رواية : أدخله الله من أى أبواب الجنة الثمانية شاء . قال الحافظ : معنى قوله : على ما كان من العمل أى من صلاح أو فساد ، لأن أهل التوحيد لابد لهم من دخول الجنة ، ويحتمل أن يكون معنى قوله : على ما كان من العمل أن يدخله الجنه على حسب أعمال كل منهم فى الدرجات .قال القاضى عياض : ما ورد فى حديث عبادة يكون مخصوصاً لمن قال ما ذكره صلى الله عليه وسلم وقرن بالشهادتين حقيقة الإيمان والتوحيد الذي ورد في حديثه فيكون له من الأجر ما يرجح على سيئاته ويوجب له المغفرة والرحمة ودخول الجنة لأول وهلة . حديث عتبان بن مالك : أن الله حرم على النار(قال : ولهما في حديث عتبان فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) .قوله : (ولهما) أي البخاري ومسلم في صحيحيهما بكماله . وهذا طرف من حديث طويل أخرجه الشيخان .وعتبان بكسر المهملة بعدها مثناة فوقية ثم موحدة ، ابن مالك بن عمرو بن العجلان الأنصاري ، من بنى سالم بن عوف ، صحابي مشهور ، مات فى خلافة معاوية .وأخرج البخاري فى صحيحه بسنده "عن قتادة قال : حدثنا أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على الرحل قال :  يا معاذ ، قال : لبيك يا رسول الله وسعديك . قال : يا معاذ ، قال لبيك يا رسول الله وسعديك . قال : يا معاذ ، قال : لبيك يا رسول الله وسعديك - ثلاثاً - قال : ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله تعالى على النار ، قال : يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا ؟ قال : إذاً يتكلوا ، فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً " . وساق بسند آخر : "حدثنا معتمر قال : سمعت أبي ، قال : سمعت أنساً قال : ذكر لي أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ ابن جبل :  من لقى الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة . قال : ألا أبشر الناس ؟ قال : لا ، إنى أخاف أن يتكلوا " .قلت : فتبين بهذا السياق معنى شهادة أن لا إله إلا الله ، وأنها تتضمن ترك الشرك لمن قالها بصدق ويقين وإخلاص .قال شيخ الإسلام وغيره : فى هذا الحديث ونحوه أنها فيمن قالها ومات عليها ، كما جاءت مقيدة بقوله : خالصاً من قلبه غير شاك فيها بصدق ويقين  فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله تعالى جملة ، فمن شهد أن لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة ، لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحاً ، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله ، وكان فى قلبه من الخير ما يزن شعيرة ، وما يزن خردلة ، وما يزن ذرة" وتواترت بأن كثيراً ممن يقول لا إله إلا الله يدخل النار ثم يخرج منها ، وتواترت بأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم ، فهؤلاء كانوا يصلون ويسجدون لله ، وتواترت بأنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله ، ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال ، وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص ، وأكثر من يقولها إنما يقولها تقليداً أو عادة ، ولم تخالط حلاوة الإيمان بشاشة قلبه . وغالب من يفتن عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء ، كما فى الحديث "سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته" وغالب أعمال هؤلاء إنما هى تقليد واقتداء بأمثالهم ، وهم من أقرب الناس من قوله تعالى : '43 : 23' "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون" .وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث ، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام لم يكن فى هذه الحال مصراً على ذنب أصلاً ، فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شئ ، فإذاً لا يبقى فى قلبه إرادة لما حرم الله ، ولا كراهة لما أمر الله . وهذا هو الذي يحرم على النار وإن كانت له ذنوب قبل ذلك ، فإن هذا الإيمان وهذا الإخلاص ، وهذه التوبة وهذه المحبة وهذا اليقين ، لا تترك له ذنباً إلا محي عنه كما يمحو الليل النهار ، فإذا قالها على وجه الكمال المانع من الشرك الأكبر والأصغر ، فهذا غير مصر على ذنب أصلاً ، فيغفر له ويحرم على النار ، وإن قالها على وجه خلص به من الشرك الأكبر دون الأصغر ، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك ، فهذه الحسنة لا يقاومها شئ من السيئات فيرجح بها ميزان الحسنات ، كما فى حديث البطاقة فيحرم على النار ، ولكن تنقص درجته فى الجنة بقدر ذنوبه ، وهذا بخلاف من رجحت سيئاته بحسناته ومات مصراً على ذلك ، فإنه يستوجب النار . وإن قال لا إله إلا الله وخلص بها من الشرك الأكبر ولكنه لم يمت على ذلك ، بل أتى بعدها بسيئات رجحت على حسنة توحيده ، فإنه فى حال قولها كان مخلصاً لكنه أتى بذنوب أوهنت ذلك التوحيد والإخلاص فأضعفته ، وقويت نار الذنوب حتى أحرقت ذلك بخلاف المخلص المستيقن ، فإن حسناته لا تكون إلا راجحة على سيئاته ولا يكون مصراً على سيئات ، فإن مات على ذلك دخل الجنة .وإنما يخاف على المخلص أن يأتى بسيئة راجحة فيضعف إيمانه فلا يقولها بإخلاص ويقين مانع من جميع السيئات ، ويخشى عليه من الشرك الأكبر والأصغر ، فإن سلم من الأكبر بقي معه من الأصغر فيضيف إلى ذلك سيئات تنضم إلى هذا الشرك فيرجح جانب السيئات فإن السيئات تضعف الإيمان واليقين ، فيضعف قول لا إله إلا الله ، فيمتنع الإخلاص بالقلب ، فيصير المتكلم بها كالهاذى أو النائم ، أو من يحسن صوته بالآية من القرآن من غير ذوق طعم وحلاوة ، فهؤلاء لم يقولوها بكمال الصدق واليقين ، بل يأتون بعدها بسيئات تنقض ذلك بل يقولونها من غير يقين وصدق ويحيون على ذلك ، ويموتون على ذلك ، ولهم سيئات كثيرة تمنعهم من دخول الجنة . فإذا كثرت الذنوب ثقل على اللسان قولها وقسا القلب عن قولها ، وكره العمل الصالح وثقل عليه سماع القرآن ، واستبشر بذكر غير الله ، واطمأن إلى الباطل ، واستحلى الرفث ، ومخالطة أهل الغفلة ، وكره مخالطة أهل الحق ، فمثل هذا إذا قالها قال بلسانه ما ليس فى قلبه ، وبفيه ما لا يصدقه عمله .قال الحسن :  ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ، ولكن ما وقر فى القلوب وصدقته الأعمال . فمن قال خيراً وعمل خيراً قبل منه ، ومن قال خيراً وعمل شراً لم يقبل منه .وقال بكر بن عبد الله المزنى : ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة ولكن بشئ وقر في قلبه .فمن قال : لا إله إلا الله ولم يقم بموجبها بل اكتسب مع ذلك ذنوباً ، وكان صادقاً فى قولها موقناً بها ، لكن له ذنوب أضعفت صدقه ويقينه ، وانضاف إلى ذلك الشرك الأصغر العملي ، فرجحت هذه السيئات على هذه الحسنة ، ومات مصراً على الذنوب ، بخلاف من يقولها بيقين وصدق ، فإنه إما أن لا يكون مصراً على سيئة أصلاً ، ويكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته. والذين يدخلون النار ممن يقولها : إما أنهم لم يقولوها بالصدق واليقين التام المنافيين للسيئات أو لرجحانها ، أو قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئات رجحت على حسناتهم ، ثم ضعف لذلك صدقهم ويقينهم ، ثم لم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين تام ، لأن الذنوب قد أضعفت ذلك الصدق واليقين من قلوبهم ، فقولها من مثل هؤلاء لا يقوي على محو السيئات فترجح سيئاتهم على حسناتهم . انتهى ملخصاً .وقد ذكر هذا كثير من العلماء كابن القيم و ابن رجب وغيرهم .قلت : وبما قرره شيخ الاسلام تجتمع الأحاديث .قال : وفي الحديث دليل على أنه لا يكفي في الإيمان النطق من غير اعتقاد وبالعكس، وفي تحريم النار على أهل التوحيد الكامل وفيه إن العمل لا ينفع إلا إذا كان خالصاً لوجه الله تعالى على ما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم .(تنبيه) قال القرطبي في تذكرته : قوله في الحديث  من إيمان أي من أعمال الإيمان التي هي من أعمال الجوارح ، فيكون فيه دلالة على أن الأعمال الصالحة من الإيمان ، والدليل على أنه أراد بالإيمان ما قلناه ، ولم يرد مجرد الإيمان الذي هو التوحيد ونفي الشركاء والإخلاص بقول لا إله إلا الله ما في الحديث نفسه من قوله أخرجوا - ثم بعد ذلك يقبض سبحانه قبضة فيخرج قوماً لم يعملوا خيراً قط يريد بذلك التوحيد المجرد من الأعمال ا هـ ملخصاً من شرح سنن ابن ماجة .قال المصنف رحمه الله ("وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :  قال موسى عليه السلام : يا رب علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به ، قال : قل يا موسى لا إله إلا الله . قال : كل عبادك يقولون هذا ، قال : يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ، ولا إله إلا الله في كفة ، مالت بهن لا إله إلا الله رواه ابن حبان والحاكم وصححه") .أبو سعيد : اسمه سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري الخزرجي ، صحابي جليل وأبوه كذلك ، استصغر أبو سعيد بأحد وشهد ما بعدها ، مات بالمدينة سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين وقيل سنة أربع وستين .قوله (أذكرك) أي أثني عليك به (وأدعوك) أي اسألك به .قوله (قل يا موسى لا إله إلا الله) فيه أن الذاكر بها يقولها كلها ، ولا يقتصر على لفظ الجلالة ، ولا على هو كما يفعله غلاة جهال المتصوفة ، فإن ذلك بدعة وضلال .قوله : (كل عبادك يقولون هذا) ثبت بخط المصنف بالجمع ، والذى فى الأصول يقول بالإفراد مراعاة للفظة كل وهو فى المسند من حديث عبد الله بن عمر بلفظ الجمع كما ذكره المصنف على معنى كل ومعنى قوله كل عبادك يقولون هذا أي إنما أريد شيئاً تخصني به من بين عموم عبادك ، وفى رواية بعد قوله كل عبادك يقولون هذا - قل لا إله إلا الله ، قال لا إله إلا أنت يارب، إنما أريد شيئاً تخصنى به .ولما كان بالناس - بل بالعالم كله - من الضرورة إلى لا إله إلا الله ما لا نهاية له ، كانت من أكثر الأذكار وجوداً ، وأيسرها حصولاً ، وأعظمها معنى . والعوام والجهال يعدلون عنها إلى الدعوات المبتدعة التى ليست في الكتاب ولا في السنة .قوله (وعامرهن غيري) هو بالنصب عطف على السموات ، أي لو أن السموات السبع ومن فيهن من العمار غير الله تعالى ، والأرضين السبع ومن فيهن ، وضعوا فى كفة الميزان ولا إله إلا الله في الكفة الأخرى ، مالت بهن لا إله إلا الله .وروى الإمام أحمد عن "عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم أن نوحاً عليه السلام قال لابنه عند موته : آمرك بلا إله إلا الله ، فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ، ولا إله إلا الله فى كفة رجحت بهن لا إله إلا الله ، ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة لقصمتهن لا إله إلا الله " .قوله : (في كفة) هو بكسر الكاف وتشديد الفاء ، أي كفة الميزان .قوله : (مالت بهن) أي رجحت . وذلك لما اشتملت عليه من نفي الشرك ، وتوحيد الله الذي هو أفضل الأعمال . وأساس الملة والدين ، فمن قالها بإخلاص ويقين ، وعمل بمقتضاها ولوازمها وحقوقها ، واستقام على ذلك ، فهذه الحسنة لا يوازنها شئ ، كما قال الله تعالى : '46 : 13' "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون" .ودل الحديث على أن لا إله إلا الله أفضل الذكر . كحديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً : خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلى : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير رواه أحمد والترمذي ، وعنه أيضا مرفوعاً يصاح برجل من أمتى على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلاً ، كل سجل منها مد البصر ثم يقال : أتنكر من هذا شيئا ؟ أظلمك كتبتى الحافظون فيقول : لا يارب . فيقال : أفلك عذر أو حسنة ؟ فيهاب الرجل فيقول : لا ، فيقال : بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم ، فيخرج له بطاقة فيها : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله . فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ فيقال : إنك لا تظلم ، فتوضع السجلات في كفة ، والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة رواه الترمذي وحسنه .والنسائى وابن حبان والحاكم . وقال : صحيح على شرط مسلم ، وقال الذهبي في تلخيصه : صحيح .قال ابن القيم رحمه الله : فالأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها ، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب ، فتكون صورة العملين واحدة وبينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض . قال : وتأمل حديث البطاقة التى توضع فى كفة ويقابلها تسعة وتسعون سجلاً كل سجل منها مدى البصر ، فتثقل البطاقة وتطيش السجلات ، فلا يعذب . ومعلوم أن كل موحد له هذه البطاقة وكثير منهم يدخل النار بذنوبه .قوله : (رواه ابن حبان والحاكم) ابن حبان اسمه محمد بن حبان - بكسر المهملة وتشديد الموحدة - ابن أحمد بن حبان بن معاذ ، أبو حاتم التميمي البستي الحافظ صاحب التصانيف : كالصحيح ، والتاريخ ، والضعفاء ، والثقات وغير ذلك . قال الحاكم : كان من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث والوعظ ، ومن عقلاء الرجال . مات سنة أربع وخمسين وثلاثمائة بمدينة بست - بضم الموحدة وسكون المهملة .وأما الحاكم فاسمه محمد بن عبد الله بن محمد النيسابورى أبوعبد الله الحافظ ويعرف بابن البيع ولد سنة إحدى وعشرين وثلثمائة، وصنف التصانيف ، كالمستدرك وتاريخ نيسابور وغيرهما ، ومات سنة خمس وأربعمائة . علو الله على عرشه حديث : لو أتيتني بقراب الأرض خطاياقال المصنف رحمه الله (وللترمذي - وحسنه - "عن أنس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله تعالى يا بن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة") .ذكر المصنف رحمه الله الجملة الأخيرة من الحديث ، وقد رواه الترمذي بتمامه فقال : "عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله تبارك وتعالى : يا بن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي ، يا بن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالى يا بن آدم ، إنك لو أتيتني - الحديث ".الترمذي : اسمه محمد بن عيسى بن سورة - بفتح المهملة - بن موسى بن الضحاك السلمي أبو عيسى ، صاحب الجامع وأحد الحفاظ ، كان ضرير البصر ، روى عن قتيبة وهناد والبخاري وخلق . مات سنة تسع وسبعين ومائتين .وأنس : هو ابن مالك بن النضر الأنصاري الخزرج] ، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم خدمه عشر سنين ، وقال له : اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة مات سنة اثنتين وقيل : ثلاث وتسعين ، وقد جاوز المائة .والحديث قد رواه الإمام أحمد من حديث أبي ذر بمعناه ، وهذا لفظه "ومن عمل قراب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي جعلت له مثلها مغفرة" ورواه مسلم ، وأخرجه الطبرانى من حديث ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم .قوله : (لو أتيتني بقراب الأرض) بضم القاف : وقيل بكسرها والضم أشهر وهو ملؤها أو ما يقارب ملئها .قوله : (ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً) شرط ثقيل فى الوعد بحصول المغفرة ، وهو السلامة من الشرك : كثيره وقليله ، صغيره وكبيره . ولا يسلم من ذلك إلا من سلم الله تعالى ، وذلك هو القلب السليم كما قال تعالى : '26 : 89' " يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم " .قال ابن رجب : من جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة -إلى أن قال - فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله تعالى فيه ، وقام بشروطه بقلبه ولسانه وجوارحه ، أو بقلبه ولسانه عند الموت ، أعقب ذلك مغفرة ما قد سلف من الذنوب كلها ومنعه من دخول النار بالكلية . فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى الله : محبة وتعظيماً ، وإجلالاً ومهابة وخشية وتوكلاً ، وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها ، وإن كانت مثل زبد البحر ا هـ ملخصاً .قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى فى معنى الحديث : ويعفى لأهل التوحيد المحض الذي لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك . فلو لقى الموحد الذي لم يشرك بالله شيئاً ألبته ربه بقراب الأرض خطايا أتاه بقرابها مغفرة ، ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده . فإن التوحيد الخالص الذى لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب ، لأنه يتضمن من محبة الله وإجلاله وتعظيمه ، وخوفه ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب ولو كانت قراب الأرض ، فالنجاسة عارضة والدافع لها قوى . ا هـ .وفى هذا الحديث : كثرة ثواب التوحيد ، وسعة كرم الله وجوده ورحمته والرد على الخوارج الذين يكفرون المسلم بالذنوب ، وعلى المعتزلة القائلين بالمنزلة بين المنزلتين ، وهي الفسوق ، ويقولون ليس بمؤمن ولا كافر ، ويخلد في النار . والصواب قول أهل السنه : أنه لا يسلب عنه اسم الإيمان ، و لا يعطاه على الإطلاق ، بل يقال هو مؤمن عاص ، أو مؤمن بإيمانه ، فاسق بكبيرته . وعلى هذا يدل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة . و "عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال :  لما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهي به إلى سدرة المنتهى ، فأعطي ثلاثاً : أعطى الصلوات الخمس ، وخواتيم سورة البقرة ، وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئاً : المقحمات " رواه مسلم .قال ابن كثير فى تفسيره : وأخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والنسائى "عن أنس ابن مالك قال : قرأ رسول الله صلى الله عليبه وسلم هذه الآية '74 : 56' "هو أهل التقوى وأهل المغفرة" وقال : قال ربكم : أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله ، فمن اتقى أن يجعل معي إلهاً كان أهلاً أن أغفر له " .قال المصنف رحمه الله : (تأمل الخمس اللواتي فى حديث عبادة فإنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان تبين لك معنى قوله :  لا إله إلا الله وتبين لك خطأ المغرورين .وفيه أن الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله والتنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات ، مع أن كثيراً ممن يقولها يخف ميزانه . وفيه إثبات الصفات خلافاً للمعطلة . وفيه أنك إذا عرفت حديث أنس وقوله فى "حديث عتبان  إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغى بذلك وجه الله " تبينت لك أن ترك الشرك في قولها باللسان فقط . من حقق التوحيد دخل الجنةقوله : (باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب) أي ولا عذاب .(قلت) تحقيقه تخليصه وتصفيته من شوائب الشرك والبدع والمعاصى . معنى أن إبراهيم كان أمةقال الله تعالى : '16 : 120' "إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين" وصف إبراهيم عليه السلام بهذه الصفات التي هي الغاية فى تحقيق التوحيد .الأولى : أنه كان أمة ، أي قدوة وإماماً معلماً للخير . وما ذاك إلا لتكميله مقام الصبر واليقين الذين تنال بهما الإمامة فى الدين .الثانية : قوله قانتاً قال شيخ الإسلام : القنوت دوام الطاعة ، والمصلي إذا أطال قيامه أو ركوعه أو سجوده فهو قانت . قال تعالى : '39 : 9' "أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه" ا هـ . ملخصاً .الثالثة : أنه كان حنيفاً (قلت) قال العلامة ابن القيم الحنيف المقبل على الله ، المعرض عن كل ما سواه ا . هـ .الرابعة : أنه كان من المشركين ، أي لصحة إخلاصه وكمال صدقه ، وبعده عن الشرك .قلت : يوضح هذا قوله تعالى : '60 : 4' "قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه" أي على دينه من إخوانه المرسلين ، قاله ابن جرير رحمه الله تعالى : " إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء " وذكر تعالى عن خليله عليه السلام أنه قال لأبيه آزر : '19 : 48 ، 49' " وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا * فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا " فهذا هو تحقيق التوحيد . وهو البراءة من الشرك وأهله واعتزالهم ، والكفر بهم وعداوتهم وبغضهم . فالله المستعان .قال المصنف رحمه الله في هذه الآية : "إن إبراهيم كان أمة" لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين (قانتاً لله) لا للملوك ولا للتجار المترفين (حنيفاً) لا يميل يميناً ولا شمالاً ، كفعل العلماء المفتونين (ولم يك من المشركين) خلافا لمن كثر سوادهم وزعم أنه من المسلمين . أ هـ .وقد روى ابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله : "إن إبراهيم كان أمة" على الإسلام . ولم يك فى زمانه أحد على الإسلام غيره.قلت : ولا منافاة بين هذا وبين ما تقدم : من أنه كان إماماً يقتدى به فى الخير .قال : (وقوله تعالى : '23 : 57 - 59' " إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون * والذين هم بآيات ربهم يؤمنون * والذين هم بربهم لا يشركون " .وصف المؤمنين السابقين إلى الجنة فأثنى عليهم بالصفات التى أعظمها : أنهم بربهم لا يشركون . ولما كان المرء قد يعرض له ما يقدح فى إسلامه : من شرك جلي أو خفي ، نفى ذلك عنهم ، وهذا هو تحقيق التوحيد ، الذي حسنت بهم أعمالهم وكملت ونفعتهم .قلت : قوله حسنت وكملت هذا باعتبار سلامتهم من الشرك الأصغر ، وأما الشرك الأكبر فلا يقال فى تركه ذلك ، فتدبر . ولو قال الشارح : صحت لكان أقوم .قال ابن كثير : "والذين هم بربهم لا يشركون" أي لا يعبدون مع الله غيره ، بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله أحد صمد ، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً وأنه لا نظير له . من يدخل الجنة بغير حسابقال المصنف : ("عن حصين بن عبد الله بن عبد الرحمن قال : كنت عند سعيد بن جبير فقال :  أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة ؟ فقلت : أنا ، ثم قلت : أما إني لم أكن فى صلاتي ولكني لدغت ، قال : فما صنعت ؟ قلت : ارتقيت . قال : فما حملك على ذلك ؟ قلت : حديث حدثناه الشعبي ، قال : وما حدثكم ؟ قلت : حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال : لا رقية إلا من عين أو حمة . قال : قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ، ، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : عرضت على الأمم ، فرأيت النبى ومعه الرهط ، والنبى ومعه الرجل والرجلان ، والنبى وليس معه أحد . إذ رفع لى سواد عظيم ، فظننت أنهم أمتي ، فقيل : هذا موسى وقومه ، فنظرت فإذا سواد عظيم ، فقيل لي : هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب . ثم نهض فدخل منزله ، فخاض الناس فى أولئك ، فقال بعضهم : فلعلهم اللذين صحبوا رسول الله صلى اله عليه وسلم وقال بعضهم : فلعلهم الذين ولدوا فى الإسلام ، فلم يشركوا بالله شيئاً ، وذكروا أشياء ، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه ، فقال : هم الذين لا يسترقون ، ولا يكتوون ، ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون . فقام عكاشة بن محصن فقال : يا رسول الله ادع الله أن يجعلنى منهم . قال : أنت منهم ثم قام رجل آخر فقال : ادع الله أن يجعلني منهم . فقال : سبقك بها عكاشة ") .هكذا أورده المصنف غير معزو ، وقد رواه البخارى مختصراً ومطولاً ، ومسلم ، واللفظ له ، والترمذي والنسائي .قوله : عن (حصين بن عبد الرحمن) هو السلمي ، أبو الهذيل الكوفى . ثقة ، مات سنة ست وثلاثين ومائة ، وله ثلاث وتسعون سنة .وسعيد بن جبير : هو الإمام الفقيه من جلة أصحاب ابن عباس ، روايته عن عائشة وأبى موسى مرسلة . وهو كوفى مولى لبني أسد ، قتل بين يدى الحجاج سنة خمس وتسعين ولم يكمل الخمسين .قوله : (انقض) هو بالقاف والضاد المعجمة أى سقط . والبارحة هى أقرب ليله مضت . قال أبو العباس ثعلب : يقال قبل الزوال : رأيت الليلة ، وبعد الزوال : رأيت البارحة ، وكذا قال غيره ، وهى مشتقة من برح إذا زال .قال : (أما إني لم أكن فى صلاة) قال فى مغنى اللبيب : أما بالفتح والتخفيف على وجهين : أحدهما أن تكون حرف استفتاح بمنزلة ألا فإذا وقعت أن بعدها كسرت . الثانى أن تكون بمعنى حقاً أو أحق . وقال آخرون : هى كلمتان الهمزة للاستفهام ، ما اسم بمعنى شئ ، أى أذلك الشئ حق ، فالمعنى أحق هذا ؟ وهو الصواب و ما نصب على الظرفية ، وهذه تفتح أن بعدها . انتهى .والأنسب هنا هو الوجه الأول والقائل هو حصين ، خاف أن يظن الحاضرون أنه رآه وهو يصلي ، فنفى عن نفسه إبهام العبادة ، وهذا يدل على فضل السلف وحرصهم على الإخلاص وبعدهم على الرياء والتزين بما ليس فيهم .وقوله (ولكني لدغت) بضم أوله وكسر ثانيه ، قال أهل اللغة : يقال لدغته العقرب وذوات السموم ، إذا أصابته بسمها ، وذلك بأن تأبره بشوكتها .قوله : (قلت وارتقيت) لفظ مسلم استرتقيت أي طلبت من يرقيني .قوله (فما حملك على ذلك) فيه طلب الحجة على صحة المذهب .وقوله (حديث حدثناه الشعبي) اسمه : عامر بن شراحيل الهمداني ولد في خلافة عمر ، وهو من ثقات التابعين وفقهائهم مات سنة ثلاث ومائة .قوله : (عن بريدة) بضم أوله وفتح ثانيه تصغير بردة . ابن الحصيب - بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين - ابن الحارث الأسلمى ، صحابى شهير . مات سنة ثلاث وستين . قاله ابن سعد .قوله : (لا رقية إلا من عين أو حمة) وقد رواه أحمد وابن ماجة عنه مرفوعاً . ورواه أحمد وأبو داود والترمذى عن عمران بن حصين به مرفوعاً قال الهيثمى : رجال أحمد ثقات .والعين هى إصابة العائن غيره بعينه . والحمة - بضم المهملة وتخفيف الميم - سم العقرب وشبهها . قال الخطابى : ومعنى الحديث: لا رقية أشفى وأولى من رقية العين والحمة . وقد رقى النبى صلى الله عليه وسلم ورقي .قوله : (قد أحسن من انتهى إلى ما سمع) أى من أخذ بما بلغه من العلم وعمل به فقد أحسن بخلاف من يعمل بجهل ، أو لا يعمل بما يعلم فإنه مسىء آثم . وفيه فضيلة علم السلف وحسن أدبهم .قوله : (ولكن حدثنا ابن عباس) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم . دعا له فقال : "اللهم فقهه فى الدين ، وعلمه التأويل " فكان كذلك . مات بالطائف سنة ثمان وستين .قال المصنف رحمه الله : (وفيه عمق علم السلف لقوله : قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ولكن كذا وكذا . فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثانى) .قوله : (عرضت على الأمم) وفى الترمذي والنسائي من رواية عبثر بن القاسم عن حصين بن عبد الرحمن أن ذلك كان ليلة الإسراء قال الحافظ : فإن كان ذلك محفوظاً كان فيه قوة لمن ذهب إلى تعدد الإسراء ، وأنه وقع بالمدينة أيضاً (قلت) وفي هذا نظر .قوله : (فرأيت النبي ومعه الرهط) والذي فى صحيح مسلم الرهيط بالتصغير لا غير ، وهم الجماعة دون العشرة ، قاله النووي.قوله : (والنبى ومعه الرجل والرجلان ، والنبى وليس معه أحد) فيه الرد على من احتج بالكثرة .قوله : (إذ رفع لي سواد عظيم) المراد هنا الشخص الذى يرى من بعيد .قوله : (فظننت أنهم أمتى) لأن الأشخاص التى ترى فى الأفق لا يدرك منها إلا الصورة وفى صحيح مسلم ولكن انظر إلى الأفق ولم يذكره المصنف ، فلعله سقط فى الأصل الذى نقل الحديث منه . والله أعلم .قوله : (فقيل له : هذا موسى وقومه) أي موسى بن عمران كليم الرحمن ، وقومه : أتباعه على دينه من بنى إسرائيل .قوله : (فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لى هذه أمتك ومعهم سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) أي لتحقيقهم التوحيد، وفى رواية ابن فضيل ويدخل الجنة من هؤلاء من أمتك سبعون ألفاً و"فى حديث أبي هريرة فى الصحيحين أنهم تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر " وروى الإمام أحمد والبيهقي فى "حديث أبى هريرةفاستزدت ربى فزادنى مع كل ألف سبعين ألفاً" قال الحافظ : وسنده جيد .قوله : (ثم نهض) أي قام ، قوله : (فخاض الناس فى أولئك) خاض بالخاء والضاد المعجمتين وفى هذا إباحة المناظرة والمباحثة في نصوص الشرع على وجه الاستفادة وبيان الحق ، وفيه عمق علم السلف لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل ، وفيه حرصهم على الخير ، ذكره المصنف .قوله : (فقال هم الذين لا يسترقون) هكذا ثبت فى الصحيحين وهو كذلك فى حديث ابن مسعود فى مسند أحمد . وفى رواية لمسلم ولا يرقون قال شيخ الإسلام ابن تيمية : هذه الزيادة وهم من الراوي ، لم يقل النبى صلى الله عليه وسلم و لا يرقون وقد "قال النبي صلى الله عليه وسلم وقد سئل على الرقى : من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه" . و"قال : لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً" قال : وأيضاً فقد "رقى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم" و "رقى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه" قال والفرق بين الراقي والمسترقي : أن المسترقى سائل مستعط ملتفت إلى غير الله بقلب ، والراقى محسن . قال : وإنما المراد وصف السبعين ألفاً بتمام التوكل ، فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم ولا يكويهم . وكذا قال ابن القيم .قوله : (ولا يكتوون) أي لا يسألون غيرهم أن يكويهم كما لا يسألون غيرهم أن يرقيهم ، استسلاماً للقضاء ، وتلذذاً بالبلاء .قلت : والظاهر أن قوله لا يكتوون أعم من أن يسألوا ذلك أو يفعل ذلك باختيارهم . أما الكي فى نفسه فجائز ، كما فى الصحيح "عن جابر بن عبد الله أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث إلى أبى بن كعب طبيباً فقطع له عرقاً وكواه" .وفى صحيح البخارى "عن أنس أنه كوى من ذات الجنب والنبى صلى الله عليه وسلم حى" وروى الترمذى وغيره "عن أنس أن النبى صلى الله عليه وسلم كوى أسعد بن زرارة من الشوكة" .وفي صحيح البخارى "عن ابن عباس مرفوعاً  الشفاء فى ثلاث : شربة عسل ، وشرطة محجم ، وكية نار ، وأنا أنهى أمتى عن الكى وفى لفظ :وما أحب أن أكتوى" .قال ابن القيم رحمه الله : قد تضمنت أحاديث الكى أربعة أنواع (أحدها) فعله . (والثانى) عدم محبته . (والثالث) الثناء على من تركه . (والرابع) النهي عنه . ولا تعارض بينها بحمد الله ، فإن فعله يدل على جوازه ، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه ، وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل ، وأما النهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهة .قوله : (ولا يتطيرون) أي لا يتشاءمون بالطيور ونحوها . وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان الطيرة وما يتعلق بها فى بابها .قوله : (وعلى ربهم يتوكلون) ذكر الأصل الجامع الذى تنوعت عنه هذه الأفعال والخصال وهو التوكل على الله ، وصدق الالتجاء إليه ، والاعتماد بالقلب عليه ، الذي هو نهاية تحقيق التوحيد الذي يثمر كل مقام شريف : من المحبة والرجاء والخوف ، والرضا به رباً وإلهاً ، والرضا بقضائه .واعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلاً ، فإن مباشرة الأسباب فى الجملة أمر فطري ضروري ، لا انفكاك لأحد عنه ، بل نفس التوكل : مباشرة لأعظم الأسباب كما قال تعالى : '65 : 3' "ومن يتوكل على الله فهو حسبه" أي كافيه وإنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها ، توكلاً على الله تعالى ، كالاكتواء والاسترقاء ، فتركهم له لكونه سبباً مكروهاً ، لا سيما والمريض يتشبث -فيما يظنه سبباً لشفائه - بخيط العنكبوت .وأما مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهة فيه ، فغير قادح فى التوكل ، فلا يكون تركه مشروعاً ، لما فى الصحيحين "عن أبي هريرة مرفوعاً ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء ، علمه من علمه ، وجهله من جهله" . "وعن أسامة بن شريك قال :  كنت عند النبى صلى الله عليه وسلم وجاءت الأعراب ، فقالوا يا رسول الله أنتداوى ؟ قال : نعم . يا عباد الله تداووا ، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء ، غير داء واحد . قالوا : وما هو ؟ قال : الهرم" رواه أحمد .وقال ابن القيم رحمه الله تعالى : وقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات ، وإبطال قول من أنكرها ، والأمر بالتداوى ، وأنه لا ينافى التوكل ، كما لا ينافيه دفع ألم الجوع والعطش ، والحر والبرد : بأضدادها بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التى نصبها الله تعالى مقتضية لمسبباتها قدراً وشرعاً ، وأن تعطيلها يقدح فى نفس التوكل ، كما يقدح فى الأمر والحكمة . ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى فى التوكل ، فإن تركها عجز ينافى التوكل الذى حقيقته اعتماد القلب على الله تعالى في حصول ما ينفع العبد فى دينه ودنياه ، ودفع ما يضره فى دينه ودنياه . ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب ، وإلا كان معطلاً للحكمة والشرع ، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً ولا توكله عجزاً .وقد اختلف العلماء فى التداوى هل هو مباح ، وتركه أفضل ، أو مستحب أو واجب ؟فالمشهور عند أحمد : الأول لهذا الحديث وما في معناه ، والمشهور عند الشافعية الثاني ، حتى ذكر النووى فى شرح مسلم : أنه مذهبهم ومذهب جمهور السلف وعامة الخلف ، واختاره الوزير أبو الظفر . قال : ومذهب أبي حنيفة أنه مؤكد حتى يدانى به الوجوب . قال : ومذهب مالك أنه يستوي فعله وتركه فإنه قال : لا بأس بالتداوي ولا بأس بتركه .وقان شيخ الاسلام : ليس بواجب عند جماهير الأئمة وإنما أوجبه طائفة قليلة من أصحاب الشافعي وأحمد .فقوله : (فقام عكاشة بن محصن) هو بضم العين وتشديد الكاف ، ومحصن بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن حرثان - بضبم المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة - الأسدي : من بني أسد بن خزيمة . كان من السابقين إلى الإسلام ومن أجمل الرجال ، هاجر وشهد بدراً وقاتل فيها ، واستشهد فى قتال الردة مع خالد بن الوليد بيد طليحة الأسدي سنة اثنتى عشرة ، ثم أسلم طليحة بعد ذلك وجاهد الفرس يوم القادسية مع سعيد بن أبي وقاص ، واستشهد في وقعة الجسر المشهورة .قوله : (فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم ، فقال أنت منهم) وللبخاري فى رواية : فقال اللهم اجعله منهم وفيه : طلب الدعاء من الفاضل .قوله : (ثم قام رجل آخر) ذكر مبهماً ولا حاجة بنا إلى البحث عن اسمه .قوله : (فقال سبقك بها عكاشة) قال القرطبي : لم يكن عند الثانى من الأحوال ما كان عند عكاشة ، فلذلك لم يجبه ، إذ لو أجابه لجاز أن يقلب ذلك كل من كان حاضراً فيتسلسل الأمر ، فسد الباب بقوله ذلك ا هـ . باب الخوف من الشركقال المصنف رحمه الله تعالى : وفيه استعمال المعاريض وحسن خلقه صلى الله عليه وسلم .قوله : باب (الخوف من الشرك)وقول الله عز وجل : '4: 48 و 116' "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" قال ابن كثير : أخبر تعالى أنه (لا يغفر أن يشرك به) أي لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) أي من الذنوب لمن يشاء من عباده . انتهى .فتبين بهذه الآية أن الشرك أعظم الذنوب ، لأن الله تعالى أخبر أنه لا يغفره لمن لم يتب منه ، وما دونه من الذنوب فهو داخل تحت المشيئة إن شاء غفره لمن لقيه به ، وإن شاء عذبه به ، وذلك يوجب للعبد شدة الخوف من الشرك الذي هذا شأنه عند الله ، لأنه أقبح القبيح وأظلم الظلم ، وتنقص لرب العالمين ، وصرف خالص حقه لغيره وعدل غيره به ، كما قال تعالى : '6 : 1' "ثم الذين كفروا بربهم يعدلون" ولأنه مناقض للمقصود بالخلق والأمر مناف له من كل وجه ، وذلك غاية المعاندة لرب العالمين ، والاستكبار عن طاعته ، والذل له ، والانقياد لأوامره الذي لا صلاح للعالم إلا بذلك ، فمتى خلا منه خرب وقامت القيامة ، كما "قال صلى الله عليه وسلم  لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى الأرض الله الله "رواه مسلم . ولأن الشرك تشبيه للمخلوق بالخالق تعالى ومشاركة فى خصائص الإلهية : من ملك الضر والنفع ، والعطاء والمنع ، الذى يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء ، والتوكل وأنواع العبادة كلها بالله وحده ، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق وجعل من لا يملك لنفسه ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ، شبيهاً بمن له الحمد كله ، وله الخلق كله ، وله الملك كله ، وإليه يرجع الأمر كله ، وبيده الخير كله ، فأزمة الأمور كلها بيده سبحانه ومرجعها إليه ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن . لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ، الذي إذا فتح للناس رحمة فلا ممسك لها ، وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم . فأقبح التشبيه تشبيه العاجز الفقير بالذات : بالقادر الغني بالذات . ومن خصائص الإلهية : الكمال المطلق من جميع الوجوه ، الذى لا نقص فيه بوجه من الوجوه . وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده ، والتعظيم والإجلال ، والخشية والدعاء ، والرجاء والإنابة والتوكل والتوبة والاستعانة ، وغاية الحب مع غاية الذل : كل ذلك يجب عقلاً وشرعاً وفطرة أن يكون لله وحده ، ويمتنع عقلاً وشرعاً وفطرة أن يكون لغيره . فمن فعل شيئاً من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثيل له ، ولا ند له ، وذلك أقبح التشبيه وأبطله. فلهذه الأمور وغيرها أخبر سبحانه وتعالى أنه لا يغفره، مع أنه كتب على نفسه الرحمة . هذا معنى كلام ابن القيم رحمه الله .وفى الاية رد على الخوارج المكفرين بالذنوب . وعلى المعتزلة القائلين بأن أصحاب الكبائر يخلدون فى النار ، وليسوا عندهم بمؤمنين ولا كفار .ولا يجوز أن يحمل قوله : "ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" على التائب ، فإن التائب من الشرك مغفور له كما قال تعالى :'39 : 53' " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا " فهنا عمم وأطلق ، لأن المراد به التائب ، وهناك خص وعلق ، لأن المراد به من لم يتب . هذا ملخص قول شيخ الإسلام . واجنبني وبني أن نعبد الأصنامقوله : (وقال الخليل عليه السلام) '14 : 35' "واجنبني وبني أن نعبد الأصنام" الصنم ما كان منحوتاً على صورة ، والوثن ما كان موضوعاً على غير ذلك . ذكره الطبري عن مجاهد .قلت : وقد يسمى الصنم وثناً كما قال الخليل عليه السلام '29 : 17' " إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا " الآية ويقال : إن الوثن أعم ، وهو قوى ، فالأصنام أوثان ، كما أن القبور أوثان .قوله : "واجنبني وبني أن نعبد الأصنام" أي اجعلني وبني فى جانب عن عبادة الأصنام ، وباعد بيننا وبينها . وقد استجاب الله تعالى دعاءه ، وجعل بنيه أنبياء ، وجنبهم عبادة الأصنام . وقد بين ما يوجب الخوف من ذلك بقوله : "رب إنهن أضللن كثيراً من الناس" فإنه هو الواقع فى كل زمان . فإذا عرف الإنسان أن كثيراً وقعوا فى الشرك الأكبر وضلوا بعبادة الأصنام : أوجب ذلك خوفه من أن يقع فيما وقع فيه الكثير من الشرك الذي لا يغفره الله .قال إبراهيم التيمي : من يأمن البلاء بعد إبراهيم ؟ رواه إبن جرير وابن أبي حاتم .فلا يأمن الوقوع فى الشرك إلا من هو جاهل به وبما يخلصه منه: من العلم بالله وبما بعث به رسوله من توحيده ، والنهي عن الشرك به . خوف النبي صلى الله عليه وسلم على أمته من الشركقال المصنف : (وفى الحديث : "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ، فسئل عنه فقال : الرياء") أورد المصنف هذا الحديث مختصراً غير معزو . وقد رواه الإمام أحمد والطبراني والبيهقي ، وهذا لفظ أحمد : حدثنا يونس حدثنا ليث عن يزيد - يعنى ابن الهاد - عن عمرو عن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر . قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : الرياء . يقول الله تعالى يوم القيامة ، إذا جازى الناس بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراءوا فى الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء " .قال المنذري : ومحمود بن لبيد رأى النبى صلى الله عليه وسلم ولم يصح له منه سماع فيما أرى . وذكر ابن أبى حاتم أن البخارى قال : له صحبة ، ورجحه ابن عبد البر والحافظ . وقد رواه الطبرانى بأسانيد جيدة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج. مات محمود سنة ست وتسعين . وقيل سنة سبع وتسعين وله تسع وتسعون سنة .قول : (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) هذا من شفقته صلى الله عليه وسلم بأمته ورحمته ورأفته بهم ، فلا خير إلا دلهم عليهم وأمرهم به ، ولا شر إلا بينه لهم وأخبرهم به ونهاهم عنه ، كما قال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه : " ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم . . . " الحديث ، فإذا كان الشرك الأصغر مخوفاً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كمال علمهم وقوة إيمانهم ، فكيف لا يخافه وما فوقه من هو دونهم فى العلم والإيمان بمراتب ؟ خصوصاً إذا عرف أن أكثر علماء الأمصار اليوم لا يعرفون من التوحيد إلا ما أقر به المشركون ، وما عرفوا معنى الإلهية التى نفتها كلمة الإخلاص عن كل ما سوى الله .وأخرج أبو يعلى وابن المنذر عن حذيفة بن اليمان عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الشرك أخفى من دبيب النمل . قال أبو بكر : يا رسول الله ، وهل الشرك إلا ما عبد من دون الله أو ما دعى مع الله ؟ قال : ثكلتك أمك ، الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل" الحديث . وفيه : أن تقول أعطاني الله وفلان ، والند أن يقول الإنسان : لولا فلان قتلنى فلان  ا هـ . من الدر .قال المصنف : (وعن ابن مسعود رضى الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من مات وهو يدعو لله نداً دخل النار" رواه البخارى) .قال ابن القيم رحمه الله : الند الشبيه ، يقال : فلان ند فلان ، وند يده ، أى مثله وشبيهه ا هـ . قال تعالى : '2 : 22' "فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون" .قوله : (من مات وهو يدعو لله نداً) أي يجعل لله نداً فى العبادة يدعوه ويسأله ويستغيث به دخل النار . قال العلامة ابن القيم رحمه الله :والشرك فاحذره ، فشرك ظاهر    ذا القسم يقابل الغفرانوهو اتخاذ الند للرحمن أياً     كان من حجر ومن إنسانيدعوه أو يرجوه ثم يخافه    ويحبه كمحبة الديانواعلم أن اتخاذ الند على قسمين :الأول : أن يجعله لله شريكاً فى أنواع العبادة أو بعضها كما تقدم ، وهو شرك أكبر .والثانى : ما كان من نوع الشرك الأصغر كقول الرجل : ما شاء الله وشئت ، ولولا الله وأنت . وكيسير الرياء ، فقد ثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم لما قال له رجل: "ما شاء الله وشئت ، قال : أجعلتنى لله نداً ؟ بل ما شاء الله وحده" رواه أحمد وابن أبي شيبة والبخارى في الأدب المفرد والنسائي وابن ماجه . وقد تقدم حكمه فى باب فضل التوحيد .وفيه : بيان أن دعوة غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك جلي ، كطلب الشفاعة من الأموات ، فإنها ملك لله تعالى وبيده ، ليس بيد غيره منها شئ ، وهو الذي يأذن للشفيع أن يشفع فيمن لاقى لله بالإخلاص والتوحيد من أهل الكبائر ، كما يأتي تقريره فى باب الشفاعة إن شاء الله تعالى .قال المصنف رحمه الله تعالى : (ولمسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة . ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار" ) .جابر : هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام - بمهملتين - الأنصاري ثم السلمي - بفتحتين - صحابي جليل هو وأبوه ، ولأبيه مناقب مشهورة رضى الله عنهما مات بالمدينة بعد السبعين ، وقد كف بصره ، وله أربع وتسعون سنة .قوله : (من لقي الله لا يشرك به شيئاً) قال القرطبي : أى لم يتخذ معه شريكاً فى الإلهية ، ولا فى الخلق ، ولا فى العبادة ، ومن المعلوم من الشرع المجمع عليه عند أهل السنة : أن من مات على ذلك فلا بد له من دخول الجنة ، وإن جرت عليه قبل ذلك أنواع من العذاب والمحنة . وأن من مات على الشرك لا يدخل الجنة ولا يناله من الله رحمة ، ويخلد فى النار أبد الآباد ، من غير انقطاع عذاب ولا تصرم آماد .وقال النووي : أما دخول المشرك النار فهو على عمومه ، فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابي اليهودي والنصراني، وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة ، ولا فرق عند أهل الحق بين الكافر عناداً وغيره ، ولا بين من خالف ملة الإسلام وبين من انتسب إليها ثم حكم بكفره بجحده وغير ذلك . وأما دخول من مات غير مشرك الجنة فهو مقطوع له به . لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصراً عليها دخل الجنة أولا ، وإن كان صاحب كبيرة مات مصراً عليها فهو تحت المشيئة . فإن عفا الله عنه دخل الجنة أولاً ، وإلا عذب فى النار ثم أخرج من النار وأدخل الجنة .وقال غيره : اقتصر على نفي الشرك لاستدعائه التوحيد بالاقتضاء واستدعائه إثبات الرسالة باللزوم . إذ من كذب رسل الله فقد كذب الله ، ومن كذب الله فهو مشرك ، وهو كقولك : من توضأ صحت صلاته . أي مع سائر الشروط ، فالمراد : من مات حال كونه مؤمناً بجميع ما يجب الإيمان به إجمالاً فى الإجمالي وتفصيلاً فى التفصيلي . انتهى . باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله بعث معاذ إلى اليمين يدعوهم إلىقوله : (باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله)لما ذكر المصنف رحمه الله التوحيد وفضله ، وما يوجب الخوف من ضده ، نبه بهذه الترجمة على أنه لا ينبغى لمن عرف ذلك أن يقتصر على نفسه ، بل يجب عليه أن يدعو إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة . كما هو سبيل المرسلين وأتباعهم كما قال الحسن البصري لما تلا قوله تعالى : '41 : 33' " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين " فقال :  هذا حبيب الله ، هذا ولي الله ، هذا صفوة الله ، هذا خيرة الله ، هذا أحب أهل الأرض إلى الله ، أجاب الله فى دعوته . ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته ، وعمل صالحاً فى إجابته : إنني من المسلمين . هذا خليفة الله .قال رحمه الله : (وقوله '12 : 108' "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين".قال أبو جعفر ابن جرير : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (قل) يا محمد (هذه) الدعوة التى أدعو إليها ، والطريقة التي أنا عليها ، من الدعاء إلى توحيد الله ، وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان . والإنتهاء إلى طاعته وترك معصيته (سبيلي) طريقتي ، ودعوتي (أدعو إلى الله) تعالى وحده لا شريك له (على بصيرة) بذلك ، ويقين علم مني به (أنا) ويدعو إليه على بصيرة أيضاً من اتبعني وصدقني وآمن بي (وسبحان الله) يقول له تعالى ذكره : وقل. تنزيهاً لله تعالى وتعظيماً له من أن يكون له شريك فى ملكه أو معبود سواه فى سلطانه (وما أنا من المشركين) يقول : وأنا برىء من أهل الشرك به . لست منهم ولاهم منى انتهى .قال فى شرح المنازل : يريد أن تصل باستدلالك إلى أعلى درجات العلم وهى البصيرة التى تكون نسبة المعلوم فيها إلى القلب كنسبة المائي إلى البصر ، وهذه هي الخصيصة التى اختص بها الصحابة عن سائر الأمة وهي أعلى درجات العلماء . قال تعالى : "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني" أي أنا وأتباعي على بصيرة . وقيل (من اتبعنى) عطف على المرفوع فى (أدعو) أى أنا أدعو إلى الله على بصيرة ، ومن اتبعنى كذلك يدعو إلى الله تعالى على بصيرة ، وعلى القولين : فالآية تدل على أن أتباعه هم أهل البصائر الداعون إلى الله تعالى ، ومن ليس منهم فليس من أتباعه على الحقيقة والموافقة ، وإن كان من أتباعه على الانتساب والدعوى .قال المصنف رحمه الله : فيه مسائل (منها التنبيه على الإخلاص لأن كثيراً ولو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه ، ومنها : أن البصيرة من الفرائض . ومنها : أن من دلائل حسن التوحيد أنه تنزيه لله تعالى عن المسبة . ومنها أن من قبح الشرك كونه مسبة لله تعالى . ومنها إبعاد المسلم عن المشركين لا يصير منهم ولو لم يشرك) ا هـ .وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى فى معنى قوله تعالى : '16 :125' " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة " الآية . ذكر سبحانه مراتب الدعوة وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال المدعو ، فإنه إما أن يكون طالباً للحق محباً له . مؤثراً له على غيره إذا عرفه . فهذا يدعى بالحكمة . ولا يحتاج إلى موعظة وجدال . وإما أن يكون مشتغلاً بضد الحق . لكن لو عرفه آثره واتبعه . فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب . وإما أن يكون معانداً معارضاً ، فهذا يجادل بالتي هى أحسن . فإن رجع وإلا انتقل معه إلى الجلاد إن أمكن . انتهى . بعث معاذ الى اليمن يدعوهم الى التوحيدقال : (وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال : "إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب . فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله الا الله - وفى رواية : إلى أن يوحدوا الله - فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات فى كل يوم وليلة . فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم . فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم . واتق دعوة المظلوم . فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" أخرجاه) .قال الحافظ : كان بعث معاذ إلى اليمن سنة عشر . قبل حج النبى صلى الله عليه وسلم كما ذكره المصنف - يعنى البخارى فى أواخر المغازي - وقيل : كان ذلك فى آخر سنة تسع عند منصرفه صلى الله عليه وسلم من تبوك . رواه الواقدي بإسناد إلى كعب بن مالك . وأخرجه ابن سعد في لطبقات عنه واتفقوا على أنه لم يزل على اليمن إلى أن قدم فى خلافة أبى بكر رضى الله عنه ثم توجه إلى الشام فمات بها .قال شيخ الإسلام : ومن فضائل معاذ رضى الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن مبلغاً عنه . ومفقهاً ومعلماً وحاكماً .قوله (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب) قال القرطبي : يعني اليهود والنصارى ، لأنهم كانوا في اليمن أكثر من مشركي العرب أو أغلب ، وإنما نبه على ذلك ليتهيأ لمناظرتهم .وقال الحافظ : هو كالتوطئة للوصية لجمع همته عليها .قوله (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله شهادة رفع على أنه اسم يكن مؤخر . و أول خبرها مقدم . ويجوز العكس .قوله : (وفى رواية إلى أن يوحدوا الله) هذه الرواية ثابتة فى كتاب التوحيد من صحيح البخارى . وأشار المصنف بذكر هذه الرواية إلى التنبية على معنى شهادة أن لا إله إلا الله فإن معناها توحيد الله بالعبادة ونفي عبادة ما سواه . وفى رواية فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله وذلك هو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله ، كما قال تعالى : '2 : 256' " فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها " والعروة الوثقى هى (لا إله إلا الله) وفى رواية للبخارى فقال: ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله .قلت : لا بد فى شهادة أن لا إله إلا الله من سبعة شروط ، لا تنفع قائلها إلا باجتماعها ، أحدها : العلم المنافي للجهل . الثانى : اليقين المنافي للشك . الثالث : القبول المنافي للرد . الرابع : الانقياد المنافي للترك . الخامس : الإخلاص المنافي للشرك. السادس: الصدق المنافي للكذب . السابع : المحبة المنافية لضدها .وفيه دليل على أن التوحيد - الذي هو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه - هو أول واجب . ولهذا كان أول ما دعت إليه الرسل عليهم السلام : "أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" وقال نوح : "أن لا تعبدوا إلا الله" وفيه معنى (لا إله إلا الله) مطابقة .قال شيخ الإسلام : وقد علم بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم واتفقت عليه الأمة أن أصل الإسلام وأول ما يؤمر به الخلق : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، فبذلك يصير الكافر مسلماً ، والعدو ولياً ، والمباح دمه وماله : معصوم الدم والمال . ثم إن كان ذلك من قلبه فقد دخل فى الإيمان وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو فى ظاهر الإسلام دون باطن الإيمان . قال : وأما إذا لم يتكلم بها مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين باطناً وظاهراً ، عند سلف الأمة وأئمتها وجماهير العلماء ا هـ .قال المصنف رحمه الله تعالى : (وفيه أن الإنسان قد يكون عالماً وهو لا يعرف معنى لا إله إلا الله أو يعرفه ولا يعمل به) .قلت : فما أكثر هؤلاء - لا كثرهم الله تعالى .قوله : (فإن هم أطاعوك لذلك) أي شهدوا وانقادوا لذلك (فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات) فيه : أن الصلاة أعظم واجب بعد الشهادتين . قال النووى ما معناه : أنه يدل على أن المطالبة بالفرائض فى الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام . ولا يلزم من ذلك أن لا يكونا مخاطبين بها ، ويزاد فى عذابهم بسببها فى الآخرة . والصحيح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به والمنهى عنه . وهذا قول الأكثرين ا هـ .قوله : (فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) .فيه دليل على أن الزكاة أوجب الأركان بعد الصلوات ، وأنها تؤخذ من الأغنياء وتصرف إلى الفقراء ، وإنما خص النبى صلى الله عليه وسلم الفقراء لأن حقهم في الزكاة آكد من حق بقية الأصناف الثمانية .وفيه : أن الإمام هو الذى يتولى قبض الزكاة وصرفها : إما بنفسه أو نائبه ، فمن امتنع عن آدائها إليه أخذت منه قهراً .في الحديث دليل على أنه يكفي إخراج الزكاة فى صنف واحد ، كما هو مذهب مالك وأحمد .وفيه : أنه لا يجوز دفعها إلى غني ولا إلى كافر غير المؤلف ، وإن الزكاة واجبة فى مال الصبى والمجنون ، كما هو قول الجمهور ، لعموم الحديث .قلت : والفقير إذا أفرد فى اللفظ تناول المسكين وبالعكس ، كنظائره . كما قرره شيخ الإسلام .قوله (إياك وكرائم أموالهم) بنصب كرائم على التحذير ، وجمع كريمة قال صاحب المطالع هي الجامعة للكمال الممكن في حقها ، من غزارة لبن ، وجمال صورة ، وكثرة لحم وصوف . ذكر النووي (قلت) وهي خيار المال وأنفسه وأكثره ثمناً .وفيه : أنه يحرم على العامل فى الزكاة أخذ كرائم المال ، ويحرم على صاحب المال إخراج شرار المال . بل يخرج الوسط ، فإن طابت نفسه بالكريمة جاز .قوله : (واتق دعوة المظلوم) أي اجعل بينك وبينها وقاية بالعدل وترك الظلم ، وهذان الأمران يقيان من رزقهما من جميع الشرور دنيا وأخرى .وفيه تنبيه على التحذير من جميع أنواع الظلم .قوله : (فإنه) أي الشأن (ليس بينها وبين الله حجاب) هذه الجملة مفسرة لضمير الشأن ، أي فإنها لا تحجب عن الله فيقبلها .وفى الحديث أيضاً قبول خبر الواحد العدل ، ووجوب العمل به . وبعث الإمام العمال لجباية الزكاة . وأنه يعظ عماله وولاته ، ويأمرهم بتقوى الله تعالى ، ويعلمهم ، وينهاهم عن الظلم ويعرفهم سوء عاقبته . والتنبيه على التعليم بالتدريج . قاله المصنف .قلت : ويبدأ بالأهم فالأهم .واعلم أنه لم يذكر فى الحديث الصوم والحج ، فأشكل ذلك على كثير من العلماء . قال شيخ الإسلام : أجاب بعض الناس : أن بعض الرواة اختصر الحديث وليس كذلك . فإن هذا طعن فى الرواة . لأن ذلك إنما يقع فى الحديث الواحد ، مثل حديث وفد عبد القيس حيث ذكر بعضهم الصيام وبعضهم لم يذكره ، فأما الحديثان المنفصلان فليس الأمر فيها كذلك ، ولكن عن هذا جوابان :أحدهما : أن ذلك بحسب نزول الفرائض ، وأول ما فرض الله الشهادتين ثم الصلاة . فإنه أمر بالصلاة فى أول أوقات الوحي ، ولهذا لم يذكر وجوب الحج ، كعامة الأحاديث ، إنما جاء فى الأحاديث المتأخرة .الجواب الثانى : أنه كان يذكر فى كل مقام ما يناسبه . فيذكر تارة الفرائض التى يقاتل عليها : كالصلاة والزكاة . ويذكر تارة الصلاة والصيام لمن لم يكن عليه زكاة ، ويذكر تارة الصلاة والزكاة والصوم . فإما أن يكون قبل فرض الحج ، وإما أن يكون المخاطب بذلك لا حج عليه ، وأما الصلاة والزكاة فلهما شأن ليس لسائر الفرائض ولهذا ذكر الله تعالى فى كتابه القتال عليهما ، لأنهما عبادتان ظاهرتان ، بخلاف الصوم بأنه أمر باطن من جنس الوضوء والاغتسال من الجنابة ، ونحو ذلك مما يؤتمن عليه العبد فإن الإنسان يمكنه أن لا ينوي الصوم وأن يأكل سراً ، كما يمكنه أن يكتم حدثه وجنابته ، وهو يذاكر فى الأعمال الظاهرة التى يقاتل الناس عليها ويصيرون مسلمين بفعلها . فلهذا علق ذلك بالصلاة والزكاة دون الصوم ، وإن كان واجباً كما في آيتي براءة نزلت بعد فرض الصيام باتفاق الناس . وكذلك لما بعث معاذاً إلى اليمن لم يذكر فى حديث الصوم ، لأنه تبع وهو باطن ، ولا ذكر الحج لأن وجوبه خاص ليس بعام ، و لا يجب فى العمر إلا مرة . انتهى بمعناه .قوله (أخرجاه) أي البخارى ومسلم ، وأخرجه أيضاً أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة . إعطاء على الراية يوم خيبر وأمره أن يدعوهم إلى الإسلامقال : (ولهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر : " لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، يفتح الله على يديه فبات الناس يدوكون ليلتهم ، أيهم يعطاها . فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها ، فقال : أين علي بن أبي طالب ؟ فقيل : هو يشتكي عينيه قال فأرسلوا إليه ، فأتي به ، فبصق فى عينيه ودعا له ، فبرأ كأن لم يكن به وجع ، فأعطاه الراية ، قال انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم")[1].يدوكون أي يخوضون .قوله : (عن سهل بن سعد) أي ابن مالك بن خالد الأنصارى الخزرجى الساعدى ، أبي العباس صحابي شهير ، وأبوه صحابي أيضاً ، مات سنة ثمان وثمانين وقد جاوز المائة .قوله : (قال يوم خيبر) وفى الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال : "كان علي رضي الله عنه قد تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم فى خيبر ، وكان أرمد ، فقال : أنا أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج علي رضى الله عنه فلحق بالنبى صلى الله عليه وسلم فلما كان مساء الليلة التى فتحها الله عز وجل فى صباحها قال صلى الله عليه وسلم : لأعطين الراية - أو ليأخذن الراية - غداً رجل يحبه الله ورسوله ، أو قال : يحب الله ورسوله ، يفتح الله على يديه . فإذا نحن بعلي وما نرجوه ، فقالوا : هذا علي ، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية ففتح الله عليه" .قوله : (لأعطين الراية) قال الحافظ : فى رواية بريدة : "إنى دافع اللواء إلى رجل يحبه الله ورسوله" وقد صرح جماعة من أهل اللغة بترادفها ، ولكن روى أحمد والترمذي من حديث ابن عباس "كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء ، ولواؤه أبيض" ومثله عند الطبرانى عن بريدة . وعن ابن عدي عن أبى هريرة وزاد مكتوب فيه : لا إله إلا الله محمد رسول الله .قوله : (يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) فيه فضيلة عظيمة لعلي رضى الله عنه .قال شيخ الإسلام : ليس هذا الوصف مختصاً بعلي ولا بالأئمة ، فإن الله ورسوله يحب كل مؤمن تقي ، يحب الله ورسوله ، لكن هذا الحديث من أحسن ما يحتج به على النواصب الذين لا يتولونه ، أو يكفرونه أو يفسقونه ، كالخوارج . لكن هذا الاحتجاج لا يتم على قول الرافضة الذين يجعلون النصوص الدالة على فضائل الصحابة كانت قبل ردتهم ، فإن الخوارج تقول في علي مثل ذلك ، ولكن هذا باطل ، فإن الله تعالى ورسوله لا يطلق مثل هذا المدح على من يعلم الله أنه يموت كافراً .وفيه إثبات صفة المحبة خلافاً للجهمية ومن أخذ عنهم .قوله : (يفتح الله على يديه) صريح فى البشارة بحصول الفتح ، فهو علم من أعلام النبوة .قوله : (فبات الناس يدوكون ليلتهم) بنصب (ليلتهم) و يدوكون قال المصنف : يخوضون . أي فيمن يدفعها إليه . وفيه حرص الصحابة على الخير واهتمامهم به ، وعلو مرتبتهم فى العلم والإيمان .قوله : (أيهم) هو برفع أي على البناء لإضافتها وحذف صدر صلتها .قوله : (فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها) وفى رواية أبي هريرة عند مسلم أن عمر قال : "ما أحببت الإمارة إلا يومئذ" .قال شيخ إلإسلام : إن فى ذلك شهادة النبى صلى الله عليه وسلم لعلي بإيمانه باطناً وظاهراً وإثباتاً لموالاته لله تعالى ورسوله ووجوب موالاة المؤمنين له ، وإذا شهد النبى صلى الله عليه وسلم لمعين بشهادة ، أو دعا له أحب كثير من الناس أن يكون له مثل تلك الشهادة ومثل ذلك الدعاء ، وإن كان النبى يشهد بذلك لخلق كثير ويدعو لخلق كثير ، وهذا كالشهادة بالجنة لثابت بن قيس .وعبد الله بن سلام وإن كان شهد بالجنة لآخرين ، والشهادة بمحبة الله ورسوله للذي ضرب فى الخمر .قوله : (فقال أين علي بن أبى طالب) فيه سؤال الإمام عن رعيته ، وتفقد أحوالهم .قوله : (فقيل هو يشتكي عينيه) أي من الرمد ، كما فى صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص فقال : ادعوا لي علياً فأتي به أرمد الحديث ، وفى نسخة صحيحة بخط المصنف :  فقيل هو يشتكي عينيه ، فأرسل إليه مبني للفاعل[2] ، وهو ضمير مستتر في الفعل راجع إلى النبى صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون مبنياً لما لم يسم فاعله . ولمسلم من طريق إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال : فأرسلنى[3] إلى علي فجئت به أقوده أرمد .قوله : (فبصق) بفتح الصاد ، أي تفل .وقوله (ودعا له فبرأ) هو بفتح الراء والهمزة[4] ، أي عوفي في الحال ، عافية كاملة كأن لم يكن به وجع من رمد ولا ضعف بصر .وعند الطبراني من حديث علي فما رمدت[5] ولا صدعت منذ دفع النبي صلى الله عليه وسلم إلي الراية[6] وفيه دليل على الشهادتين[7] .قوله (فأعطاه الراية) قال المصنف : فيه الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع ومنعها عمن سعى[8] .وفيه إن فعل الأسباب المباحة أو الواجبة أو المستحبة لا ينافي التوكل[9] .قوله (وقال انفذ على رسلك) بضم الفاء ، اي امض ورسلك بكسر الراء وسكون السين ، أي على رفقك من غير عجلة . وساحتهم فناء أرضهم وهو ما حولها[10] .وفيه : الأدب عند القتال وترك العجلة والطيش[11] ، والأصوات التى لا حاجة إليها .وفيه : أمر الإمام عماله بالرفق[12] من غير ضعف ولا انتقاض عزيمة[13] ، كما يشير إليه قوله ثم ادعهم إلى الإسلام[14] أي الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإن شئت قلت الإسلام : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله[15] ، وما اقتضته الشهادتان من إخلاص العبادة لله وحده ، وإخلاص الطاعة

[1] حديث سهل هذا واحد من الأدلة التي فيها بيان منهج الدعوة إلى الله تبارك وتعالى ، وكيف ندعوا الناس وكيف يجب أن نحرص على هداية الناس قبل كل شيء وأن نعرف أن الأنبياء كلهم أرسلوا لإخراج الناس من الظلمات إلى النور ولهداية الناس من الظلال إلى الحق هذا مقصد دعوة الأنبياء بالدرجة الأولى ، الرحمة بالناس والحرص على إخراجهم مما هم فيه من الظلال الذي سماه الله ظلمات إلى نور الإيمان والتوجيد ..
والجهاد إنما يشرع بعد أن نبذل الجهد الطويل في إصلاحهم وهدايتهم وبيان الإسلام لهم فإنهم أصروا على كفرهم وأصروا على عدم الخضوع للإسلام بأداء الجزية فحينئذٍ نقااتلهم لأنهم تمردوا على الله سبحانه وتعالى الذي خلقهم لعبادته وسخر لهم ما في تالسموات وما في الأرض ليقوموا بهذه العبادة  كما يريجده الله عز وجل فهذا مقصد هذا الحديث ، المقصود منه الموافق للباب والترجمة قوله ( ثم ادعهم إلى الإسلام ) .[2] فأرسل أو أُرسلَ ؛ ( أرسل ) وفيه الفاعل المرسل هو النبي صلى الله عليه وسلم ، ( أُرسلَ إليه ) المرسل هو النبي عليه الصلاة والسلام أو واحد من طرفه ؛ أرسلَ إلى علي .[3] ( فأرسل إلي ) هذا واضح يبين ؛ فأرسل إليه أو أرسل إليه ؛ يعني المرسل هو النبي ؛ أرسل فلاناً وهو : سلمة بن الأكوع ، وفي رواية أنه أرسل سعد بن أبي وقاص ؛ ولامانع أن يكون أرسل هذا وهذا كليهما ليحضرا علياً رضي الله عنه .[4] يعني ( فبَرَأَ ) أو ( فبَرِأَ ) يقول ( فبَرَأَ ) .[5] ( رَمِدتُ ) رَمِدَ يرمَدُ ؛ من باب مرضَ يمرض ، من باب فرح .[6] أظنها تصل إلى مرتبة الحديث الحسن هذه الرواية .[7] من أين نأخذ هذا ؟
يعني تفل فيه فبرأ يدل على صدق الرسول ، وأنه رسول الله حقاً ، وهو جاءنا بالشهادة وقال أنا رسول الله – عليه الصلاة والسلام – دليل على الشهادتين .[8] هذا ما قلناه لكم عن الإمام رحمه الله إنه قال ( فيه الإيمان بالقدر ) يعني يحرص الإنسان على الشيء ويفشل فيقول : قدر الله وما شاء فعل (( أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن )) فإن فاتت فلا تقل : لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل .
فالشاهد لو اجتهد الإنسان وفشل لايترك الأسباب ويقول خلاص أنا بذلت الأسباب في القضية الفلانية وما نجحت خلاص أنا ما أبذل الأسباب أستريح .. لا !استمر في بذل الأسباب وهذا من الإيمان بالشرع ؛ لأن الشرع أمرنا بالأخذ بالأسباب .[9] الواجبة مثل الصلاة والصوم وما شاكل ذلك ، والسعي إلى الحج والسعي إلى أداء الصلاة كلها أسباب واجبة ، هذه كلها من الأسباب الواجبة .
والأسباب المستحبة السعي في المستحبات ؛ يعني الصلاة النافلة والمشي إليها وما شاكل ذلك ؛ تروح تصلي التراويح في المسجد ؛ هذا من الأسباب المستحبة ، ماهي من الواجبات .والأسباب المباحة في أمور الدننيا .كلها لا تنافي التوكل .أبذل الأسباب في طلب الرزق ، وفي غيره مما ينفعك في دينك ودنياك ؛ فمن الأسباب ما هو واجب ومنها ماهو مستحب كالتداوي مثلاً على الراجح ؛ ومنها ما هو مباح كالسعي في أمور الدنيا ؛ فإذا كان هناك هلاك وجوع يترتب على السبب فلا بد من السبب ويتعين حينئذٍ .[10] الساحة : الفناء ؛ فناء أرض اليهود أو أي فناء ؛ فناء ساحة المسجد يعني فناؤه ؛ ساحة البيت فناؤه .[11] من فين نأخذ هذا ؟
من قوله ( على رسلك ) أي تمهل وترفق .[12] أيضاً من قوله ( على رسلك ) أي الرفق .[13] ( ولا انتقاض عزيمة ) يعني مصمم عازم على التنفيذ لكن ما يمشي بسرعة وعجلة يمشي بهدوء وهو ماضٍ في عزمه ، والدلبل ( حتى تنزل بساحتهم ) .[14] الشاهد في هذا ( ادعهم إلى الإسلام ) ما هو الإسلام ؟
في حديث معاذ ( فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لاإله إلا الله وأن محمداً رسول الله ) وهنا قال ( ادعهم إلى الإسلام ) هل هذا الحيث يخالف ذاك ؟ وإلا متفقان ؟متفقان ؛ إذن يفسر لك الإسلام هذا ما هو ؟شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وما تقتضيه الشهادتان من الطاعة والإخلاص والعمل ؛ فهو يتطابق مع حديث معاذ في قوله (( فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله )) لأن الشهادة هي أصل الإسلام .كيف يدعوهم إلى الإسلام ؟أول ما يدعوهم يقول : قل أشهد أن لا إله وأن محمداً رسول الله ؛ ما يقول اسلموا وبس !يقول : اشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .ولا يدخل في الإسلام أي كافر إلا إذا نطق بالشهادتين ، يدخل في الإسلام وبعدين حسابه على الله سبحانه وتعالى ؛ ثم بعد ذلك مجال التطبيق مفتوح ؛ إن طبق وإلا يظهر لنا نفاقه أو ضعفه أو ما شاكل ذلك .[15] ما هو لما جاء جبريل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام . قال (( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً )) فجعل أصله شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ولا يتكامل الإيمان إلا بهذا إذا قام بهذه الأركان .========لرسوله صلى الله عليه وسلم[1] . ومن هنا طابق الحديث الترجمة[2] كما قال تعالى لنبيه ورسوله : '3 : 64' " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون "[3] .قال شيخ الإسلام رحمه الله : والإسلام هو الاستسلام لله[4] ، وهو الخضوع له والعبودية له . كذا قال أهل اللغة

[1] وإخلاص الطاعة لرسوله : يعني لا يقدم قول أحد كائناً من كان على قول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ؛ لا أقوال الصحابة ولا  التابعين ، ولا الأئمة ، ولا أحد .
لايقدم قول أحد على قول الرسول ، ولا فعل أحد على فعل الرسول ، ولا هدي أحد على هدي رسول الله صلى الله ليه وسلم ؛ هذا هو الإخلاص في شهادة أن محمداً رسول الله ، وهذا أن تقدم هديه على هدي الناس جميعاً ، وأقواله على أقوال الناس جميعاً ولو تجمع الناس كلهم في صعيد واحد ومحمد صلى الله عليه وسلم في جانب لوجب أن تقف مع محمد عليه الصلاة والسلام وحاشى المسلمين من هذا ؛ لكن هذا فرض .يعني هذا يشير إلى من يتعصب لمذهب .يتعصب لطريقة من الطرق الصوفية .يتعصب للروافض .. للخوارج .. للمرجئة .. لأي إمام لأي فرقة .. ولا يكون مخلصاً في الشهادة لله بالإلهية ، ولمحمد بالرسالة إلا إذا أخلص الشهادة لله بالإلهية وعبده لم يشرك معه أحداً في العبادة ولا يعبده إلا بما شرع  هذا الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولا يقدم  قول أحدٍ على شيء مما شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لهذا قال الإمام الشافعي – رحمه الله – وقال غيره كلٌ يقول مثل قوله : (( أجمعت الأمة أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يتركها لقول أحد )) أبداً كائناً من كان .لا صحابة ولا تابعين .ولا أئمة ولا أحد .. لا يليق بمسلم أن يقول :مذهبي طريقتي .. والله طريقتي كذا .. والله مذهبي كذا .تقول له قال الله يقول لك مذهبي .. قال رسول الله يقول لك مذهبي .. والله هذا حاصل والدنيا متخمة من هذه الأصناف فيجب أن نحذر وأن نعرف لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدره ، ومنزلته ، وأنه رسول .ما معنى شهادة أن محمداً رسول الله ؟ بس كلام !!بعدين تتبع الطريقة التي تريدها ، والجماعة التي تريدها ، والحزب الذي تريده وتمشي بهواك .. لا .يجب أن تنقاد لهذا الرسول .تنقاد لله ثم تنقاد لرسوله صلى الله عليه وسلم { من يطع الرسول فقد أطاع الله } { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً } عصيان كفر أو عصيان كبيرة من الكبائر مهدد بالنار ، ذاك خالد وهذا قد لا يخلد ، وقد يخلد إذا استهان بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .[2] طابق الحديث الترجمة ( ادعهم إلى الإسلام ) والترجمة ( باب الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله ) ادعهم إلى الإسلام هة الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله . فهذا ادعهم إلى الإسلام وطابق الترجمة .[3] لماذا ساق هذه الآية ؟
لأن الظرف هذا الذي دعا فيه علي رضي الله عنه اليهود هم أهل الكتاب ودعاهم إلى الإسلام ، وهذه الآية هي دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله } { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله } فعل هذا أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، ولما كتب إلى قيصر قال : (( بسم الله الرحمن الرحيم إلى قيصر عظيم الروم أما بعد فإني أدعوك بدعاء الإسلام فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين ؛ فإن أبيت فعليك أثم الأريسيين و { يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقل اشهدوا بأنا مسلمون } فالشاهد أن علياً رضي الله عنه أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم لدعوة اليهود وهو يشرح هذا الحديث فجاء بهذه الآية لأن ذاك فيه دعوة لأهل الكتاب والآية فيها دعوة لأهل الكتاب ، ويشبه هذا كتابة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قيصر يدعو فيه أهل الكتاب إلى الإسلام .[4] والإسلام هو الاستسلام .. يا الله تلقي بيديك وتنقاد مافيش لأ ولا لف ولا دوران هذا هو الإسلام الصحيح .
يجب أن نستسلم لله رب العالمين { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت } فالاسلام إنقياد وإخلاص .                                                                                                                       وقال رحمه الله تعالى : ودين الإسلام الذي ارتضاه الله وبعث به رسله[1] : هو الاستسلام له وحده ، فأصله فى القلب . والخضوع له وحده بعبادته وحده دون ما سواه . فمن عبده وعبد معه إلهاً آخر لم يكن مسلماً[2] . ومن استكبر عن عبادته لم يكن مسلماً[3] ، وفى الأصل : هو من باب العمل ، عمل القلب والجوارح . وأما الإيمان فأصله تصديق القلب ، وإقراره ومعرفته ، فهو من باب قول القلب المتضمن عمل القلب[4] . انتهى
[1] فاليوم يا إخوان يجب أن ندرس الإسلام بقلوبنا ومشاعرنا ما ندرسه كلام بس .
والله يجب أن تتغلغل معاني الإسلام والتوحيد في أعماق نفوسنا ، وتجري بها دمؤنا ونخلص لله رب العالمين .[2] يعني الإسلام هو الظاهر مع الجوارح ، الإسلام أن تشهد أن لا إلا الله وأن محمداً رسول الله لكن أصله في القلب .وهو من باب العمل ، الإسلام باب العمل ؛ لكن الإيمان من باب القول وهو الاعتقاد قول القلب واعتقاده وعمله .[3] يعني استكبر عن عبادته يعرف أن الله هو الإله الحق المبين وأنه هو المعبود بحق لكن ما يعمل استكبر .. هذا مسلم ؟
ليس مسلم كافر .. هل أبوجهل كان يشك في صدق محمداً عليه الصلاة والسلام ؛ بل أبو لهب نفسه كان يشك في صدق محمداً عليه الصلاة والسلام كم قال الله تعالى { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } ، { وجحدوا بها } في فرعون وقومه { واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً }  قال موسى عليه السلام لفرعون { لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً } هالك ؛ فهو يعرف أن موسى رسول الله وأن هذه الآية تنزلت من الله ، الله الذي أنزلها ، وأنها حق لكن استكبر فكان من أكبر أعداء الله فكل من يستكبر يعرف أن الله حق ، ويشهد أن الرسول حق وأن الكتاب حق لكن يستكبر عن الإنقياتد لهذا الرسول الكريم فهو كافر ليس بمسلم .[4] فهو ما أقتصر على التصديق لأن المرجئة يقولن الإيمان هو التصديق بس .. ويافيه التكذيب فقط ؛ فلا يكفر الإنسان إلا بالجحود بس .. هذا غلط .
الجحود والاستكبار والاستهزاء كلها كفر وتخرج الإنسان من دائرة الإسلام ولو صدق هذا الرسول .لو صدق الرسول وسخر به واستهزأ به ؟! آمن بالله واستهزأ به ؟! آمن بالكتاب واستهزأ به .كافر ،  { قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون } وقال لهم { قد كفرتم بعد إيمانكم } كانوا مؤمنين فكفروا بهذا الاستهزاء ، كفروا وخرجوا من الإسلام ، وصاروا منافقين باستهزائهم .فالشاهد أن الإيمان ليس هو التصديق فقط ؛ شيخ الإسلام قال : تصديق ، إقرار ، معرفة ؛ هذا هو الإيمان . ماهو تصديق بس .تصديق ، إقرار ، طمأنينة ، إستسلام بارك الله فيك وعلم وعمل ؛ هذا هو الإيمان ، مو تصديق بس .ويا أخوة بعض الناس يرمون الألباني بالإرجاء وتلاميذه هؤلاء يظلمونهم ، يظلمونهم ، ليسوا مرجئة هم يؤمنون بأن الاستكبار كفر ، وأن الاستهزاء كفر ، وأن وأن .لكن يغلط بعضهم حينما يقرر هذه الأشياء ثم يجمعها ويقول مرجعها إلى الجحود ؛ يأتي الغلط هنا في جمعها ووإلا فلو قلت له : مارأيك في اللي يستهزيء بالله ، يقول لك : كافر .ما رأيك فيمن يستكبر عن الإيمان ، يؤمن بأن محمداً رسول الله لكن يستكبر عن الانقياد له ، يقول لك كافر مثل أبي طالب ، لا يكابرون في هذا ، وفرق بينه وبين الإرجاء ، يجب أن نفرق بينهم ، ويقولون الإيمان هو قول وعمل واعتقاد ما يقولون مثل المرجئة ، ويقولون الإيمان يزيد وينقص حتى إن الألباني – رحمه الله – في شرحه للطحاوية لما قال ابن أبي العز والاختلاف بيننا وبين مرجئة الفقهاء لفظي ، قال : لا ليس بلفظي ؛ بل هو حقيقي وجوهري ؛ لأن الله صرح بأن الإيمان يزيد وينقص ، وهم يقولون لا ، وصرح الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الإيمان ينقص وهم يقولون لا .فهو يشد على المرجئة ، كيف تقول يا أخي مرجئة ، إذا أخطأ في لفظه وهو يشاركك في العقيدة في كل شيء ثم يخطيء في لفظه تخرجه عن السنة ، وتدخله في أهل البدع .بل كثير ممن يخاصمون الألباني أنا أرى أنهم واقعون في الإرجاء الغالي ومنغمسون فيه إلى أعناقهم ؛ كيف ؟قل لهم فلان يقول بوحدة الوجود .. يقول بالاشتراكية .. يعطل صفات الله .. يسب الصحابة .. يقول لك : مجدد . . مجدد .يعني لا يضر مع الإيمان ذنب . كما يفعل المرجئة نفس الشيء ؛ بل أشد بل غلاة المرجئة لا يطيقون من يطعن في أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ، ولا من يقول بوحدة الوجود ، لايطيقون هذا الصنف ولا يتولونه ، عرفتم .فكيف يا أخي ترمي الناس بالإرجاء وأنت في حمئة الإرجاء . إيش التناقض هذا ، واللعب بعقول الناس .فيجب يا أخوان أن نتبصر ، وأن ينصف الإنسان من نفسه ، وأن يفتش نفسه ماذا فيه من العيوب فيتخلص منها لأن الأمة تحتاج إلى دعاة صادقين ماعندهم تناقضات ولا كلام فارغ ، ولا عندهم أهواء يريدون ناس يدعون إلى عبادة الله وحده ، وإلى إخلاص الدين له وحده ، وإلى هداية الناس إلى صراط مستقيم .مو إلى تبع حزب ولا جماعة ولا فريق ولا مذهب ولا ولا أبداً .الناس عندهم وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت ، خلاص مع الجماعة الفلانية مع الجماعة الفلانية ، يحارب .. يوالي من أجلها .. مو من أجل الله ، ياأخي يجب التجرد لله سبحانه وتعالى .والله لو كان أقرب قريب مني إبني ولا أخي يقول ويطعن في الصحابة والله لاتبرأ منه وأحاربنه .والله لو أجد سبيلاً إلى قتله لقتلته وهو لو كان إبني { لاتجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم } تقول إنك سلفي .السلف قالوا من انتقص صحابياً واحداً فهو زنديق .. وهذا يسب الصحابة كلهم ويهينهم إلا القليل ؛ وتقول إمامي وسيدي .فين الإرجاء إن لم يكن هذا هو الإرجاء .الإرجاء الغالي بارك الله فيكم .يجب أن لا يتناقض أما الناس ويكون ضحكه للناس .. يجب أن يكون ديننا خالص لله مبرأ من الشهوات والأهواء والشبهات .دين خالص كما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم هذا هو الدين الحق .                                                                                                                                     فتبين أن أصل الإسلام هو التوحيد[1] ونفي الشرك فى العبادة وهو دعوة جميع المرسلين ، وهو الاستسلام لله تعالى بالتوحيد ، والانقياد له بالطاعة فيما أمرهم به على ألسن رسله[2] ، كما قال تعالى عن نوح أول رسول أرسله : '71 : 3' "أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون"[3] .وفيه : مشروعية الدعوة قبل القتال ، لكن إن كانوا قد بلغتهم الدعوة جاز قتالهم ابتداء[4] لأن النبى صلى الله عليه وسلم أغار على بنى المصطلق [5]وهم غارون وإن كانوا لم تبلغهم الدعوة وجبت دعوتهم[6] .قوله وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه أي في الإسلام إذا أجابوك إليه فأخبرهم بما يجب من حقوقه التى لابد لهم من فعلها : كالصلاة والزكاة ، كما فى حديث أبى هريرة : "فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " ولما قال عمر لأبي بكر فى قتاله مانعي

[1] فتبين .. استنتج مما تقدم من كلامه وكلام شيخ الإسلام تبين منها أن أصل الإسلام هو التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . هذا هو أصل الإسلام .[2] الله أكبر .. الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة وكذلك طاعة هذا الرسول لأن طاعته طاعة الله هذا هو الإسلام .
هذه قواعد تشمل كل قول وكل عمل وكل تطبيق ، لا تترك شيئاً هذا هو الإسلام .[3] كل رسول يقول هذا .. إخلاص العبادة لله والانقياد له بالطاعة هذا هو التوحيد { اعبدوا الله مالكم من إله غيره } عبادة الله الخضوع له والانقياد له والاستسلام له هذه عبادة الله سبحانه وتعالى . فالذي يخضع لله وينقاد له هل يقع في معصية هل يقع في مخالفة .. لأ . حقق الإسلام .[4] ( حتى تنزل بساحتهم غفادعهم إلى الإسلام ) ففيه مشروعية الدعوة إلى الله تبارك وتعالى قبل القتال هذا في أحاديث كثيرة ، حديث بريدة إذا أمر أميراً على سرية أو جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ، وبمن معه من المسلمين خيراً ، وقال إذا أتيت قوماً فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإن أجابوا لك فلهم ماللمسلمين وعليهم ما على المسلمين فإن أبوا فالجزية فإن أبوا فالقتال ) بهذا التفصيل .
الهدف الأساسي هو دعوتهم إلى الله وهدايتهم إلى الله تبارك وتعالى .هذا مقصودنا ، وهذا مقصود الإسلام ، مقصود النبوات جميعاً مقصود هذا الرسول ، مقصود كل مسلم أن يسلم الناس لله رب العالمين ، أن ينقادوا لله أن يطيعوا رسله ، هذا المقصود ، يهود .. نصارى .. شيوعيين .. هنادك .. روافض ، أهل بدع كلهم قصدنا بدعوتهم إلى الله أن ينقادوا لله وأن ينقادوا لرسوله عليه الصلاة والسلام ويسيروا في طريق الإسلام ، هذاا الذي يريده المسلم للناس { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } فرسول الله رحمة عليه الصلاة والسلام للعالمين ، الرحمة بالإسلام حتى الجزية من رحمة الكفرة ، حتى الجزية من رحمة الكفرة إذا خضعوا لللإسلام وأدوا الجزية هذا نالهم نصيب من الأمن والعيش السعيد في الدنيا وأما الآخرة فجزاؤهم على الله سبحانه وتعالى لأن ....[5] يعني هذا سنة هذا أمر مستحب بلغتهم الدعوة أنت متأكد أنهم قد بلغتهم الدعوة وقامت عليهم الحجة هؤلاء الكفار يهود ونصارى وغيرهم ، فيستحب لك أن تدعوهم قبل الدخول في قتالهم ، بروا للقتال وأنت برزت بجيشك للقتال أدعهم إلى الله تبارك وتعالى هذا المستحب . بلغتهم الدعوة وتريد أن تباغتهم لك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم باغت بني المصطلق لأنهم قد قامت عليهم الحجة وبلغتهم الدعوة فلا عذر لهم ولك الحق أن تفعل هذا لكن إحساناً إليهم وتفضلاً من المسلمين ورحمة بهؤلاء ندعوهم ، فإذا رأينا المصلحة تقتضي أن نباغتهم نباغتهم ما دمنا قد دعوناهم إلى الله أما إذا مكا بلغتهم الدعوة فلا بد من دعوتهم إلى الله وإقامة الحجة عليهم وبعد ذلك نشرع في قتالهم إذا أبوا الإسلام أو الخضوع للجزية حينئذٍ نقاتلهم .
سأل واحد من الجزائر قال : ماذا نفعل مع هؤلاء الطغاة ؟ وكيف الحل ؟ وكيف ؟قلت له : الحل ؟ قال: نعم . قلت له : الحل أن توقفوا القتال في الجزائر لأنكم تقتلون النساء والأطفال والمساكين وتهدمون بيوتهم ، تجمعوا وروحوا عندكم أقرب دولة فرنسا وإلا إيطاليا وإلا إسبانيا ادعوهم إلى الإسلام .لأنكم ماتدعون في الجزائر إلى الإسلام تقتلونهم هكذا . بدون دعوه إلى الإسلام ، روحوا لأي دولة من هذه الدول وادعوهم إلى الإسلام ، قفوا لى حدودهم وقولوا لهم نحن جئناكم ندعوكم إلى الإسلام هذه شهادة لا إله إلا الله بينوا لهم الإسلام إن استجابوا فالحمد لله فإن أبوا فالجزية إذا أبوا بعدين قاتلوهم لكن شريطة ألا تقتلوا منهم شيخاً ولا راهباً ولا عجوزاً ولا امرأة ولا طفلاً ، قتال شريف .قال : جزاك الله خير .هذا هو الجهاد .. هذا هو الجهاد ، مو جهاد بعدين ينعطف على المسلمين ويذبح أبنائهم ونسائهم وأطفالهم ، واليهودي في رخاء وفي سعادة والنصارى في رخاء وفي سعادة ، وربما يدمون لنا الأموال يساعدوننا لنذبح المسلمين والإخوة .[6] وأن كانوا لم تبلغهم الدعوة وجبت دعوتهم { رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } والمؤمنون هم ورثة الأنبياء فإذا جاههدوا فعليهم أن يسلكوا طريقة الرسل في التبشير والإنذار وإقامة الحجة حتى لا تكون على الله حجة فإن استجابوا فهذا هو المطلوب ، أبوا ألجأنا إلى قتالهم نقاتلهم بعد رفضهم للإسلام ورفضهم لأداء الجزية . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق