الاثنين، 11 مايو 2015

شرح كتاب التوحيد7+++=وعلى الله فتوكلوا إلخ

قوله: باب

قوله الله تعالى: '5: 23' "وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين".
قال أبو السعادات: يقال: توكل بالأمر. إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان. إذا اعتمدت عليه، ووكل فلان فلانا إذا استكفاه أمره ثقة بكفايته، أو عجزا عن القيام بأمر نفسه. ا ه.
وأراد المصنف رحمه الله بهذه الترجمة بالآية بيان أن التوكل فريضة يجب إخلاصه لله تعالى، فإن تقديم المعمول يفيد الحصر. أي وعلى الله فتوكلوا لا على غيره، فهو من أجمع أنواع العبادة وأعظمها، لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة، فإنه إذا اعتمد على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية، دون كل من سواه صح إخلاصه ومعاملته مع الله تعالى، فهو من أعظم منازل "إياك نعبد وإياك نستعين "فلا يحصل كمال التوحيد بأنواعه الثلاثة إلا بكمال التوكل على الله، كما في هذه الآية، وكما قال تعالى: '10: 84'" إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين "وقوله:" 73: 9 "رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا "الآيات في الأمر به كثيرة جدا. قال الإمام أحمد رحمه الله:   التوكل عمل القلب   .
وقال ابن القيم في معنى الآية المترجم بها: فجعل التوكل على الله شرطا في الإيمان فدل على إنتفاء الإيمان عند انتفائه، وفي الآية الآخرى: '10: 84' "قال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين" فجعل دليل صحة الإسلام التوكل، وكلما قوى إيمان العبد كان توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل وإذا كان التوكل ضعيفا كان دليلا على ضعف الإيمان ولا بد. والله تعالى يجمع بين التوكل والعبادة، وبين التوكل والإيمان، وبين التوكل والتقوى، وبين التوكل والإسلام، وبين التوكل والهداية.
فظهر أن التوكل أصل جميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها كمنزلة الجسد من الرأس، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وما رجا أحد مخلوقا ولا توكل عليه إلا خاب ظنه فيه، فإنه مشرك: '22: 31' "ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق".
قال الشارح رحمه الله تعالى: قلت: لكن التوكل على الله قسمان:
أحدهما: التوكل في الأمور التي لا يقدر الله، كالذين يتوكلون على الأموات والطواغيت في رجاء مطالبهم من نصر، أو حفظ أو رزق أو شفاعة. فهذا شرك أكبر.
الثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة، كمن يتوكل على أمير أو سلطان فيما أقدره الله تعالى عليه من رزق، أو دفع أذى ونحو ذلك، فهو نوع شرك أصغر. والوكالة الجائزة هي توكيل الإنسان الإنسان في فعل ما يقدر عليه نيابة عنه، لكن ليس له أن يعتمد في حصوله ما وكل فيه، بل يتوكل على الله في تيسير أمره الذي يطلبه بنفسه أو نائبه، وذلك من جملة الأسباب التي يجوز فعلها، ولا يعتمد عليها بل يعتمد على المسبب الذي أوجد السبب والمسبب.

"إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم"
قال:   وقول الله تعالى: '2: 8 "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم" الآيات   .
قال ابن عباس في الآية:   المنافقون لا يدخل في قلوبهم شئ من ذكر الله عند أداء فرائضه ولا يؤمنون بشئ من آيات الله، ولا يتوكلون على الله، ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر الله أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال : "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم" فأدوا فرائضه   رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، ووجل القلب من الله مستلزم القيام بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه: قال السدى: "الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم" هو الرجل يريد أن يظلم، أو قال يهم بمعصية، فيقال له: اتق الله، فيجل قلبه رواه ابن أبي شيبة وابن جرير.
قوله: "وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا" استدل الصحابة رضي الله عنهم والتابعون ومن تبعهم من أهل السنة بهذه الآية ونظائرها على زيادة الإيمان ونقصانه.
قال عمير بن حبيب الصحابي: "إن الإيمان يزيد وينقص، فقيل له: وما زيادته ونقصانه قال:؟ إذا ذكرنا الله وخشيناه فذلك زيادته وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه". رواه ابن سعد.
وقال مجاهد:   الإيمان يزيد وينقص وهو قول وعمل   رواه ابن أبي حاتم.
وحكى الإجماع على ذلك الشافعي وأحمد وأبو عبيد وغيرهم رحمهم الله تعالى.
قوله: "وعلى ربهم يتوكلون" أي يعتمدون عليه بقلوبهم مفوضين إليه أمورهم فلا يرجون سواه ولا يقصدون إلا إياه، ولا يرغبون إلا إليه، يعلمون أن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك وحده، والمعبود وحده، لا شريك له . وفي الآية وصف المؤمنين حقا بثلاث مقامات من مقامات الإحسان، وهي: الخوف، وزياة الإيمان، والتوكل على الله وحده. وهذه المقامات تقتضي كمال الإيمان وحصول أعماله الباطنة والظاهرة مثال ذلك الصلاة، فمن أقام الصلاة وحافظ عليها وأدى الزكاة كما أمره الله استلزم ذلك العمل بما يقدر عليه من الواجبات وترك جميع المحرمات، كما قال تعالى: '29: 45' "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ".

معنى: حسبك الله ومن ابتعك من المؤمنين
قال وقوله: '8: 64 "يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين" قال ابن القيم رحمه الله: أي الله وحده كافيك وكافي أتباعك: فلا تحتاجون معه إلى أحد، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
وقيل: المعنى حسبك الله وحسبك المؤمنون.
قال ابن القيم رحمه الله: وهذا خطأ محض لا يجوز حمل الآية عليه، فإن الحسب والكفاية لله وحده كالتوكل والتقوى والعبادة. قال الله تعالى: '8: 62 "وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين" ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده وجعل التأييد له بنصره وبعباده، وأثنى على أهل التوحيد من عباده حيث أفردوه بالحسب، فقال تعالى : '3: 173 "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل" ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله. ونظير هذا قوله سبحانه: '9: 59' "وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون". فتأمل كيف جعل الإيتاء لله والرسول، وجعل الحسب له وحده. فلم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله، بل جعله خالص حقه، كما قال "إنا إلى الله راغبون" فجعل الرغبة إليه وحده، كما قال تعالى "وإلى ربك فارغب" فالرغبة والتوكل والإنابة والحسب لله وحده، كما أن العبادة والتقوى والسجود والنذر والحلق لا يكون إلا له سبحانه وتعالى. انتهى.
وبهذا يتبين مطابقة الآية للترجمة. فإذا كان هو الكافي لعبده وجب ألا يتوكل إلا عليه، ومتى التفت بقلبه إلى سواه وكله الله إلى من التفت إليه، كما في الحديث: "من تعلق شيئا وكل إليه".
قال:   وقول الله تعالى: '65: 3 "ومن يتوكل على الله فهو حسبه"   .
قال ابن القيم رحمه الله وغيره: أي كافيه. ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه ولا يضره إلا أذى لا بد منه، كالحر والبرد والجوع والعطش. وأما أن يضره بما يبلغ به مراده منه فلا يكون أبدا، وفرق بين الأذى الذي هو الظاهر إيذاء وفي الحقيقة إحسان وإضرار بنفسه، وبين الضرر الذي يتشفى به منه. قال بعض السلف: جعل الله لكل عمل جزاء من نفسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته، فقال: "ومن يتوكل على الله فهو حسبه" فلم يقل: فله كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه. فلو توكل العبد على الله حق توكله، وكادته السموات والأرض ومن فيهن، لجعل الله له مخرجا وكفاه رزقه ونصره. انتهى.
وفي أثر رواه أحمد في الزهد عن وهب بن منبه قال: "قال الله عز وجل في بعض كتبه: بعزتي إنه من اعتصم بي فكادته السموات بمن فيهن والأرضون بمن فيهن، فإني أجعل له من ذلك مخرجا، ومن لم يعتصم بي فإني أقطع يديه من أسباب السماء وأخسف من تحت قدميه الأرض، فأجعله في الهواء ثم أكله إلى نفسه. كفى بي لعبدي مآلا. إذا كان عبدي في طاعتي أعطيه قبل أن يسألني، وأستجيب له قبل أن يدعوني. فأنا أعلم بحاجته التي نرفق به منه ".
وفي الآية دليل على فضل التوكل، وأنه أعظم الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار. لأن الله تعالى علق الجملة الأخيرة على الأولى وتعليق الجزاء على الشرط. فيمتنع أن يكون وجود الشرك كعدمه، لأنه الله تعالى رتب الحكم على الوصف المناسب له، فعلم أن توكله هو سبب كون الله حسبا له.
وفيها تنبيه على القيام بالأسباب مع التوكل، لأنه تعالى ذكر التقوى ثم ذكر التوكل، كما قال تعالى: '5: 11' "واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون" فجلع التوكل مع التقوى الذي هو قيام الأسباب المأمور بها. فالتوكل بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجز محض، وإن كان مشوبا بنوع من التوكل فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزا ولا عجزه توكلا، بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها كلها. ذكره ابن القيم بمعناه.
قال:   وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: "إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل "رواه البخاري.
قوله:   حسبنا الله   آي كافينا. فلا نتوكل إلا عليه. قال تعالى '39: 36' "أليس الله بكاف عبده؟".
قوله:   ونعم الوكيل   نعم الموكل إليه آي، كما قال تعالى: '22: 78' "واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير" ومخصوص نعم محذوف تقديره هو.
قال ابن القيم رحمه الله: هو حسب من توكل عليه وكافى من لجأ إليه، وهو الذي يؤمن خوف الخائف، ويجير المستجير، فمن تولاه واستنصر به وتوكل عليه، وانقطع بكليته إليه، تولاه وحفظه وحرسه وصانه. ومن خافه واتقاه، أمنه مما يخاف ويحذر، ويجلب إليه ما يحتاج إليه من المنافع.

ما قال إبراهيم حين ألقى في النار
قوله:   قالها إبراهيم صلى الله عليه سلم حين ألقي في النار   قال تعالى: '21: 68 70' "قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين * قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم * وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين".
قوله:   وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: "إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل"   وذلك بعد منصرف قريش والأحزاب من أحد "بلغه أن أبا سفيان ومن معه قد أجمعوا الكرة عليهم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في سبعين راكبا حتى انتهى إلى حمراء الأسد، فألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان فرجع إلى مكة بمن معه، ومر به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون قالوا: نريد المدينة قال: فهل أنتم مبلغون محمدا عني رسالة؟ قالوا: نعم قال فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان فقال:... حسبنا الله ونعم الوكيل "ففي هاتين القصتين فضل هذه الكلمة العظيمة وأنها قول الخليلين عليهما الصلاة والسلام في الشدائد. وجاء في الحديث: "إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل".

ما قال إبراهيم حين ألقى في النار
قوله:   قالها إبراهيم صلى الله عليه سلم حين ألقي في النار   قال تعالى: '21: 68 70' "قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين * قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم * وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين".
قوله:   وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: "إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل"   وذلك بعد منصرف قريش والأحزاب من أحد "بلغه أن أبا سفيان ومن معه قد أجمعوا الكرة عليهم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في سبعين راكبا حتى انتهى إلى حمراء الأسد، فألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان فرجع إلى مكة بمن معه، ومر به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون قالوا: نريد المدينة قال: فهل أنتم مبلغون محمدا عني رسالة؟ قالوا: نعم قال فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان فقال:... حسبنا الله ونعم الوكيل "ففي هاتين القصتين فضل هذه الكلمة العظيمة وأنها قول الخليلين عليهما الصلاة والسلام في الشدائد. وجاء في الحديث: "إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل".


باب قول الله "أفأمنوا مكر الله"
قوله: باب
قول الله تعالى: '7: 99 "أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون".
قصد المصنف رحمه الله بهذه الآية التنبيه على أن الأمن من مكر الله من أعظم الذنوب. وأنه ينافي كمال التوحيد، كما أن القنوط من رحمه الله كذلك وذلك يرشد إلى أن المؤمن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وأرشد إليه سلف الأمة والأئمة.
ومعنى الآية: أن الله تبارك وتعالى لما ذكر حال أهل القرى المكذبين للرسل بين أن الذي حملهم على ذلك هو الأمن مكر الله وعدم الخوف منه، كما قال تعالى: '7: 96 98 "أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون * أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون * أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ". أي الهالكون. وذلك أنهم أمنوا مكر الله لما استدرجهم بالسراء والنعم، فاستبعدوا أن يكون ذلك مكرا.
قال الحسن رحمه الله:   من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأى له   .
وقال قتادة:   بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قوما قط إلى عند سلوتهم ونعمتهم غرتهم. فلا تغتروا بالله   .
وفي الحديث: "إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج" رواه أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم.
وقال إسماعيل بن رافع: "من الأمن من مكر الله إقامة العبد على الذنب يتمنى على الله المغفرة" رواه ابن أبي حاتم.
وهذا هو تفسير المكر في قول بعض السلف:   يستدرجهم الله بالنعم إذا عصوه، ويملى لهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وهذا هو معنى المكر والخديعة ونحو ذلك، ذكره ابن جرير بمعناه.
قال:   وقول الله تعالى: '15: 56' "ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون"   القنوط: استبعاد الفرج واليأس منه. وهو يقابل الأمن من مكر الله. وكلاهما ذنب عظيم. وتقدم ما فيه لمنافاته لكمال التوحيد.
وذكر المصنف رحمه الله تعالى هذه الآية مع التي قبلها تنبيها على أنه لا يجوز لمن خاف الله أن يقنط من رحمته، بل يكون خائفا راجيا، يخاف ذنوبه ويعمل بطاعته، ويرجو رحمته، كما قال تعالى: '39: 9 "أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه "وقال:" 2: 218 "إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم" فالرجاء مع المعصية وترك الطاعة غرور من الشيطان، ليوقع العبد في المخاوف مع ترك الأسباب المنجية من المهالك، بخلاف حال أهل الإيمان الذين أخذوا بأسباب النجاة خوفا من الله تعالى وهربا من عقابه، وطمعا في المغفرة ورجاء لثوابه.
والمعنى أن الله تعالى حكى قول خليله إبراهيم عليه السلام، لما بشرته الملائكة بابنه إسحاق: '15: 54' "قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون" لأن العادة أن الرجل إذا كبر سنه وسن زوجته استبعد أن يولد له منها. والله على كل شئ قدير، فقالت الملائكة: "بشرناك بالحق" الذي لا ريب فيه. فإن الله إذا أراد شيئا إنما يقول له كن فيكون: "فلا تكن من القانطين" أي من الأيسين، فقال عليه السلام: "ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون" فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك وأعظم، لكنه والله أعلم قال ذلك على وجه التعجب.
قوله: "إلا الضالون" قال بعضهم: إلا المخطئون طريق الصواب، أو إلا الكافرون. كقوله: '12: 87' "إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون".

اليأس من روح الله والأمن من مكر الله
قوله:   وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "سئل عن الكبائر، فقال: الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله".
هذا الحديث رواه البزار وابن أبي حاتم من طريق شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس ورجاله ثقات إلا شبيب بن بشر. فقال ابن معين: ثقة. ولينه أبو حاتم. وقال ابن كثير: في إسناده نظر. والأشبه أن يكون موقوفا.
قوله:   الشرك بالله   هو أكبر الكبائر. قال ابن القيم رحمه الله: الشرك بالله هضم للربوبية وتنقص للإلهية، وسوء ظن برب العالمين. انتهى.
ولقد صدق ونصح. قال تعالى: '6: 1 "ثم الذين كفروا بربهم يعدلون" وقال تعالى:' 31: 13 '"إن الشرك لظلم عظيم" ولهذا لا يغفره الله إلا بالتوبة منه.
قوله:   واليأس من روح الله   آي قطع الرجاء والأمل الأول من الله فيمآ يخافه ويرجوه، وذلك إساءة ظن بالله، وجهل به وبسعة رحمته وجوده ومغفرته.
قوله:   والأمن من مكر الله   آي من استدراجه للعبد وسلبه ما أعطاه من الإيمان، نعوذ بالله من ذلك. وذلك جهل بالله وبقدرته، وثقة بالنفس وعجب بها.
واعلم أن هذا الحديث لم يرد به حصر الكبائر في الثلاث، بل الكبائر كثير وهذه الثلاث من أكبر الكبائر المذكورة في الكتاب والسنة، وضابطها ما قاله المحققون من العلماء: كل ذنب ختمه الله بنار أو لعنة أو غضب أو عذاب. زاد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أو نفى الإيمان.
قلت: ومن برىء منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قال: "ليس منا من فعل كذا وكذا".
وعن ابن عباس رضي الله عنهما:   هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع الإستغفار ولا صغيرة مع الإصرار
قوله:   وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "أكبر الكبائر الإشراك بالله والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله" رواه عبد الرزاق   .
ورواه ابن جرير بأسانيد صحاح عن ابن مسعود رضي الله عنه.
قوله:   والقنوط من رحمة الله   قال أبو السعادات: هو أشد اليأس.
وفيه التنبيه على الرجاء والخوف، فإذا خاف فلا يقنط ولا ييأس، بل يرجو رحمة الله. وكان السلف يستحبون أن يقوى في الصحة الخوف، وفي المرض الرجاء. وهذه طريقة أبي سليمان الداراني وغيره. قال: ينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف، فإذا غلب الرجاء الخوف فسد القلب. قال تعالى: '14: 12' "إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير" وقال: "14: 37" يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار "قال تعالى: '23: 60'" والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون *   أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون "وقال تعالى:" 39: 9 "أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه" الآية. قدم الحذر على الرجاء في هذه الآية.

باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله
قوله: (باب من الإيمان بالله: الصبر على أقدار الله)
قال الإمام أحمد: ذكر الله تعالى الصبر في تسعين موضعا من كتابه. وفي الحديث الصحيح: "الصبر ضياء" رواه أحمد ومسلم، وللبخاري ومسلم مرفوعا: "ما أعطى أحد عطاء خيرا أوسع من الصبر" قال عمر رضي الله عنه:   وجدنا خير عيشنا بالصبر   رواه البخاري. قال علي رضي الله عنه: "إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ثم رفع صوته فقال: ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له".
واشتقاقه: من صبر إذا حبس ومنع. والصبر حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي والتسخط، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوهما ذكره ابن القيم رحمه الله.
واعلم أن الصبر ثلاثة أقسام: صبر على ما أمر الله به، وصبر عما نهى عنه، وصبر على ما قدره من المصائب.
قوله:   وقول الله تعالى: '64: 11' "ومن يؤمن بالله يهد قلبه"   .
وأول الآية: "ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله" أي بمشيئته وإرادته وحكمته، كما قال في الآية الآخرى: '57: 22' "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير "وقال:" 2: 154 "وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون".

معنى قول الله "ومن يؤمن بالله يهد قلبه"
قوله: "ومن يؤمن بالله يهد قلبه" قال ابن عباس في قوله: "إلا بإذن الله"   إلا بأمر الله   يعني عن قدرة ومشيئته "ومن يؤمن بالله يهد قلبه" أي من صابته مصيبة فعلم أنها بقدر الله فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله هدى الله قلبه وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه، ويقينا صادقا. وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه.
قوله: "والله بكل شيء عليم" تنبيه على أن ذلك إنما يصدر عن علمه المتضمن لحكمته. وذلك يوجب الصبر والرضا.
قوله:   قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم   .
هذا الأثر رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
وعلقمة: هو قيس بن عبد الله النخعي الكوفي. ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وسمع من أبي بكر وعثمان وعلي وسعد وابن مسعود وعائشة وغيرهم رضي الله عنهم. وهو من كبار التابعين وأجلائهم وعلمائهم وثقاتهم مات بعد الستين.
قوله: هو الرجل تصيبه المصيبة   إلخ. هذا الأثر رواه الأعمش عن أبي ظبيان. قال: كنا عند علقمة فقرىء عليه هذه الآية: "ومن يؤمن بالله يهد قلبه" قال هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. هذا سياق ابن جرير. وفي هذا دليل على أن الأعمال من مسمى الإيمان. قال سعيد بن جبير: "ومن يؤمن بالله يهد قلبه" يعني يسترجع. يقول إنا لله وإنا إليه راجعون. وفي الآية بيان أن الصبر سبب لهداية القلب وأنها من ثواب الصابرين.
قوله:   وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت".
أي هما بالناس كفر حيث كانتا من أعمال الجاهلية، وهما قائمتان بالناس ولا يسلم منهما إلا من سلمه الله تعالى ورزقه علما وإيمانا يستضيء به. لكن ليس من قام بشعبة من شعب الكفر يصير كافرا كالكفر المطلق. كما أنه ليس من قام به شبعة من شعب الإيمان يصير مؤمنا الإيمان المطلق. وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله: "ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة" وبين كفر منكر في الإثبات.
قوله:   الطعن في النسب   آي عيبه، يدخل فيه أن يقال: هذا ليس ابن فلان مع ثبوت نسبه.
قوله: والنياحة على الميت   آي رفع الصوت بالندب وتعداد فضائل الميت، لما فيه من التسخط على القدر المنافي للصبر، كقول النائحة: واعضداه، واناصراه، ونحو ذلك. وفيه دليل على أن الصبر واجب، وأن الكفر ما لا ينقل عن الملة.

براءة الرسول صلى الله عليه وسلم من ضرب الخدود إلخ
قوله: ولهما عن ابن مسعود مرفوعا: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية".
هذا من نصوص الوعيد، وقد جاء عن سفيان الثوري وأحمد كراهية تأويلها ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر، وهو يدل على أن ذلك ينافي كمال الإيمان الواجب.
قوله: من ضرب الخدود وقال الحافظ: خص الخد لكونه الغالب وإلا فضرب بقية الوجه مثله.
قوله: وشق الجيوب هو الذي يدخل فيه الرأس من الثوب، وذلك من عادة أهل الجاهلية حزنا على الميت.
قوله: ودعا بدعوى الجاهلية   قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: هو ندب الميت. وقال غيره: هو الدعاء بالويل والثبور. وقال ابن القيم رحمه الله: الدعاء بدعوى الجاهلية كالدعاء إلى القبائل والعصبية، ومثله التعصب إلى المذاهب والطوائف والمشايخ، وتفضيل بعضهم على بضع، يدعو إلى ذلك ويوالي عليه ويعادي، فكل هذا من دعوى الجاهلية.
وعند ابن ماجه وصححه ابن حبان عن أبي أمامة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الخامشة وجهها، والشاقة جبيها، والداعية بالويل والثبور".
وهذا يدل على أن هذه الأمور من الكبائر، وقد يعفى عنه الشئ اليسير من ذلك إذا كان صدقا وليس على وجه النوح والتسخط نص عليه أحمد رحمه الله، لما وقع لأبي بكر وفاطمة رضي الله عنهما لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وليس في هذه الأحاديث ما يدل على النهي عن البكاء، لما في الصحيح أن رسول الله صلى لله عليه وسلم لما مات ابنه إبراهيم قال: "تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون" وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق إلى إحدى بناته ولها صبي في الموت، فرفع إليه ونفسه تقعقع كأنها شن، ففاضت عيناه، فقال سعد: ما هذا يا رسول الله قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عبادة الرحماء ".

من رحمته بالعبد تعجيل عقوبته في الدنيا
قوله: "وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة".
هذا الحديث رواه الترمذي والحاكم وحسنه الترمذي. وأخرجه الطبراني والحاكم عن عبد الله بن مغفل ابن عدي عن أبي هريرة، والطبراني عن عمار بن ياسر.
قوله:   إذآ أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا   آي يصب عليه البلاء والمصائب لما فرط من الذنوب منه، فيخرج منها وليس عليه ذنب يوافى به يوم القيامة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: المصائب نعمة، لأنها مكفرات للذنوب، وتدعو إلى الصبر فيثاب عليها. وتقتضي الإنابة إلى الله والذل له، والإعراض عن الخلق، إلى غير ذلك من المصالح العظيمة. فنفس البلاء يكفر الله به الذنوب والخطايا. وهذا من أعظم النعم. فالمصائب رحمة ونعمة في حق عموم الخلق إلا أن يدخل صاحبها بسببها في معاصي أعظم مما كان قبل ذلك فيكون شرا عليه من جهة ما أصابه في دينه، فإن من الناس من إذا ابتلى بفقر أو مرض أو وجع حصل له من النفاق والجزع ومرض القلب والكفر الظاهر وترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات ما يوجب له الضرر في دينه، فهذا كانت العافية خيرا له من جهة ما أورثته المصيبة لا من جهة نفس المصيبة، كما أن من أوجبت له المصيبة صبرا وطاعة، كانت في حقه نعمة دينية، فهي بعينها فعل الرب عز وجل ورحمة للخلق والله تعالى محمود عليها، فمن ابتلى فرزق الصبر كان الصبر عليه نعمة في دينه، وحصل له بعد ما كفر من خطاياه رحمة، وحصل له بثنائه على ربه صلاة ربه عليه، قال تعالى: '2: 156' "أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة "وحصل له غفران السيئات ورفع الدرجات. فمن قام بالصبر الواجب حصل له ذلك انتهى ملخصا.
قوله: واذا أراد بعبده الشر أمسك عنه   آي أخر عنه العقوبة بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة   وهو بضم الياء وكسر الفاء منصوبا بحتى مبنيا للفاعل. قال العزيزي: أي لا يخازيه بذنبه في الدنيا حتى يجيء في الآخرة مستوفر الذنوب وافيها، فيستوفى ما يستحقه من العقاب. وهذه الجملة هي آخر الحديث. فأما قوله: وقال النبي صلى الله عليه وسلم "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء" إلى آخره فهو أول حديث آخر، لكن لما رواهما الترمذي بإسناد واحد وصحابي واحد جعلهما المصنف كالحديث الواحد.
وفيه التنبيه على حسن الرجاء وحسن الظن بالله فيما يقضيه لك، كما قال تعالى: '2: 216' "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون".
قوله: وقال النبي صلى الله عليه وسلم "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط". حسنه الترمذي   .
قال الترمذي: حدثنا قتيبة ثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن سعد بن سنان عن أنس، فذكر الحديث السابق ثم قال: وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن عظم الجزاء ..." الحديث. ثم قال حديث حسن غريب من هذا الوجه. ورواه ابن ماجه. وروى الإمام أحمد عن محمود بن لبيد رفعه: "إذا أحب الله قوما ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع" قال المنذري: رواته ثقات.
قوله: إن عظم الجزاء بكسر العين وفتح الظاء فيها. ويجوز ضمها مع سكون الطاء. أي من كان ابتلاؤه أعظم كمية وكيفية.
وقد يحتج بهذا الحديث من يقول: إن المصائب يثاب عليها مع تكفير الخطايا، ورجح ابن القيم أن ثوابها تكفير الخطايا فقط، إلا إذا كانت سببا لعمل صالح، كالصبر والرضا والتوبة والإستغفار. فإنه حينئذ يثاب على ما تولد منها، وعلى هذا يقال في معنى الحديث: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء إذا صبر واحتسب.
قوله:   وان الله إذآ أحب قوما ابتلاهم   ولهذا ورد في حديث سعد: "سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أشد بلاء قال الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلي الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلى على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة "رواه الدرامى وابن ماجه والترمذي وصححه.
وهذا الحديث ونحوه من أدلة التوحيد، فإذا عرف العبد أن الأنبياء والأولياء يصيبهم البلاء في أنفسهم الذي هو في الحقيقة رحمة ولا يدفعه عنهم إلا الله، عرف أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا دفعا، فلأن لا يملكوه لغيرهم أولى وأحرى، فيحرم قصدهم والرغبة إليهم في قضاء حاجة أو تفريج كربة، وفي وقوع الإبتلاء بالأنبياء والصالحين من الأسرار والحكم والمصالح وحسن العاقبة ما لا يحصى.
قوله:   فمن رضى فله الرضاء   آي من الله تعالى، والرضاء قد وصف الله تعالى به نفسه في مواضع من كتابه كقوله تعالى "98: 8" جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه "ومذهب السلف وأتباعهم من أهل السنة: إثبات الصفات التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يليق بجلاله وعظمته إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل: فإذا رضي الله تعالى عنه حصل له كل خير، وسلم من كل شر، والرضى هو أن يسلم العبد أمره إلى الله، ويحسن الظن به، ويرغب في ثوابه، وقد يجد لذلك راحة وانبساطا محبة لله وثقة به، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: إن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط.
قوله:   ومن سخط   وهو بكسر الخاء، قال أبو السعادات: السخط الكراهية للشئ وعدم الرضا به. أي من سخط على الله فيما دبره فله السخط، أي من الله، وكفى بذلك عقوبة. وقد يستدل به على وجوب الرضا وهو اختيار ابن عقيل. واختار القاضي عدم الوجوب، ورجحه شيخ الإسلام وابن القيم.
قال شيخ الإسلام: ولم يجيء الأمر به كما جاء الأمر بالصبر. وإنما جاء الثناء على أصحابه. قال: اما ما يروى   من لم يصبر على بلائي ولم يرض بقضائي فليتخذ ربا سوائي   فهذا إسرائيلي لم يصح عن النبي صلى الله عليه سلم.
قال شيخ الإسلام: وأعلى من ذلك أي من الرضا أن يشكر الله على المصيبة لما يرى من إنعام الله عليه بها. ا ه والله أعلم.

باب ما جاء في الرياء
قوله: (باب: ما جاء في الرياء)
أي من النهي والتحذير. قال الحافظ: هو مشتق من الرؤية. والمراد بها إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدون صاحبها. والفرق بينه وبين السمعة: أن الرياء لما يرى من العمل كالصلاة. والسمعة لما يسمع كالقراءة والوعظ والذكر، ويدخل في ذلك التحدث بما عمله.

"قل إنما أنا بشر مثلكم" إلخ
قوله:   وقول الله تعالى: '18: 110' "قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد" أي ليس لي من الربوبية ولا من الإلهية شئ، بل ذلك كله وحده لا شريك له أوحاه إلى "فمن كان يرجو لقاء ربه" أي يخافه "فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا"، قوله أحدا نكرة في سياق النهي تعم، وهذا العموم يتناول الأنبياء والملائكة والصالحين والأولياء وغيرهم.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: أما اللقاء فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة، وقالوا: لقاء الله يتضمن رؤيته سبحانه وتعالى يوم القيامة، وذكر الأدلة على ذلك.
قال ابن القيم رحمه الله في الآية: أي كما أن الله واحد لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده لا شريك له، فكما تفرد بالإلهية يجب أن يفرد بالعبودية، فالعمل الصالح: هو الخالص من الرياء المقيد بالسنة.
وفي الآية دليل على أن أصل الدين الذي بعث الله به رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرسلين قبله، هو إفراده تعالى بأنواع العبادة، كما قال تعالى: '21: 25' "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون "والمخالف لهذا الأصل من هذه الأمة أقسام: إما طاغوت ينازع الله في ربوبيته وإلهيته، ويدعو الناس إلى عبادته، أو طاغوت يدعو الناس إلى عبادة الأوثان، أو مشرك يدعو غير الله ويتقرب إليه بأنواع العبادة أو بعضها، أو شاك في التوحيد: أهو حق أم يجوز أن يجعل لله شريك في عبادته؟ أو جاهل يعتقد أن الشرك دين يقرب إلى الله، وهذا هو الغالب على أكثر العوام لجلهم وتقليدهم من قبلهم، لما اشتدت غربة الدين ونسى العلم بدين المرسلين.

الله أغنى الشركاء عن الشرك
قوله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" رواه مسلم   .
قوله   : من عمل عملا أشرك فيه غيري   آي من قصد بعمله غيري من المخلوقين تركته وشركه. ولابن ماجة فأنا بريء وهو الذى أشرك   قال الطيبي: الضمير المنصوب في قوله   تركته   يجوز آن يرجع إلي العمل.

أخوف النبي صلى الله عليه وسلم على أمته من الرياء
قال ابن رجب رحمه الله: واعلم أن العمل لغير الله أقسام فتارة يكون رياء محضا كحال المنافقين. كما قال تعالى: '4: 142' "وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا" وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر عن مؤمن في فرض الصلاة أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة.
وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أضله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وذكر أحاديث تدل على ذلك منها: هذا الحديث وحديث شداد بن أوس مرفوعا "من صلى يرائى فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، وإن الله عز وجل يقول: أنا خير قسم لمن أشرك بي، فمن أشرك بي شيئا فإن جدة عمله وقليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غني "رواه أحمد، وذكر أحاديث في المعنى ثم قال: فإن خالط نية الجهاد مثلا نية غير الرياء، مثل أخذ أجرة الخدمة أو أخذ من الغنيمة أو التجارة نقص بذلك أجر جهاده ولم يبطل بالكلية.
قال ابن رجب: وقال الإمام أحمد رحمه الله: التاجر والمستأجر والمكرى أجرهم على قدر ما يخلص من نياتهم في غزواتهم، ولا يكون مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره.
وقال أيضا فيمن يأخذ جعل الجهاد: إذا لم يخرج لأجل الدراهم فلا بأس كأنه خرج لدينه إن أعطى شيئا أخذه. وروى عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: "إذا أجمع أحدكم على الغزو فعوضه الله رزقا فلا بأس بذلك، وأما إن أحدكم أعطى دراهم غزا وإن لم يعط لم يغز فلا خير في ذلك". وروى عن مجاهد رحمه الله أنه قال في حج الجمال وحج الأجير، وحج التاجر:   هو تام لا ينقص من أجرهم شئ   آي لان قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب. قال: وأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأ عليه نية الرياء، فإن كان خاطرا ثم دفعه فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا فيجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير، ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازي بنيته الأولى، وهو مروى عن الحسن وغيره. وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه سئل عن الرجل يعمل العمل من الخير يحمده الناس عليه، فقال: تلك عاجل بشرى المؤمن" رواه مسلم. انتهى ملخصا.
قلت: وتمام هذا المقام يتبين في شرح حديث أبي سعيد إن شاء الله تعالى.
قوله:   وعن أبي سعيد مرفوعا "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال قالوا:؟ بلى يا رسول الله قال: الشرك الخفي: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل" رواه أحمد   .
وروى ابن خزيمة في صحيحه عن محمود بن لبيد قال: "خرج عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس، إياكم وشرك السرائر، قالوا يا رسول الله وما شرك السرائر قال: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه . فذلك شرك السرائر ".
قوله:   عن أبي سعيد الخدري وتقدم.
قوله:   الشرك الخفي   سماه خفيا لان صاحبه يظهر آن عمله لله وقد قصد به غيره، أو شركه فيه بتزيين صلاته لأجله. وعن شداد بن أوس قال:  كنا نعد الرياء على عهد رسول الله صلى الله عليه سلم الشرك الأصغر   رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص، وابن جرير في التهذيب، والطبراني والحاكم وصححه.
قال ابن القيم: وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والتصنع للخلق والحلف بغير الله، وقول الرجل للرجل ماشاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا الله وأنت لم يكن كذا وكذا . وقد يكون هذا شرك أكبر بحسب حال قائله ومقصده، انتهى.
ولا خلاف أن الإخلاص شرط لصحة العمل وقبوله، وكذلك المتابعة، كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله في قوله تعالى: '67: 2 "ليبلوكم أيكم أحسن عملا" قال:   أيكم أخلصه ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا، فالخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة   .
وفي الحديث عن الفوائد: شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ونصحه لهم، وأن الرياء أخوف على الصالحين من فتنة الدجال. فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم يخافه على سادات الأولياء مع قوة إيمانهم وعلمهم فغيرهم ممن هو دونهم بأضعاف أولى بالخوف من الشرك أصغره وأكبره.

باب من الشرك إرداة الإنسان بعمله الدنيا
قوله: (باب: من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا)
فإن قيل: فما الفرق بين هذه الترجمة وبين ترجمة الباب قبله؟
قلت: بينهما عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في مادة، وهو ما إذا أراد الإنسان بعمله التزين عند الناس والتصنع لهم والثناء، فهذا رياء كما تقدم بيانه، كحال المنافقين. وهو أيضا إرادة الدنيا بالتصنع عند الناس، وطلب المدحة منهم والإكرام. ويفارق الرياء بكونه عمل عملا صالحا، أراد به عرضا من الدنيا، كمن يجاهد ليأخذ مالا، كما في الحديث "تعس عبد الدينار" أو يجاهد للمغنم أو غير ذلك من الأمور التي ذكرها شيخنا عن ابن عباس رضي الله عنه وغيره من المفسرين في معنى قوله تعالى : '11: 15' "من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها".
وأراد المصنف رحمه الله بهذه الترجمة وما بعدها أن العمل لأجل الدنيا شرك ينافي كمال التوحيد الواجب، ويحبط الأعمال، وهو أعظم من الرياء، لأن مريد الدنيا قد تغلب إرادته تلك على كثير من عمله، وأما الرياء فقد يعرض له في عمل دون عمل، ولا يسترسل معه، والمؤمن يكون حذرا من هذا وهذا.
قال:   وقوله تعالى: '11: 15، 16 "من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون"   .
قال ابن عباس رضي الله عنه: "من كان يريد الحياة الدنيا" أي ثوابها. وزينتها، أي مالها. نوف، أي نوفر لهم ثواب أعمالهم بالصحة والسرور في المال والأهل والولد: "وهم فيها لا يبخسون" لا ينقصون، ثم نسختها: '17: 18، 19 "من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد" الآيتين. رواه النحاس في ناسخه.
قوله:   ثم نسختها   آي قيدتها. فلم تبق الآية على إطلاقها.
وقال قتادة:   من كانت الدنيا همه وطلبته ونيته جازاه الله بحسناته في الدنيا ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطي بها جزاء، اما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة   ذكره ابن جرير بسنده، ثم ساق حديث أبي هريرة عن ابن المبارك عن حيوة ابن شريح قال: حدثني الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان أن عقبة بن مسلم حدثه أن شفى بن ماتع الأصبحي حدثه: (أنه دخل المدينة فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا فقالوا: أبو هريرة قال: فدنوت منه حتى قعدت بين يديه، وهو يحدث الناس فما سكت وخلا قلت: أنشدك بحق وبحق لما حدثتني حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم عقلته وعلمته قال: فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا البيت ما فيه أحد غيري وغيره ثم نشغ أبو هريرة نشغة، ثم أفاق فقال: لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا البيت ما فيه غيري أحد وغيره ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى، ثم مال خارا على وجهه، واشتد به طويلا. ثم أفاق فقال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة نزل إلى القيامة ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية. فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال. فيقول الله تبارك وتعالى للقارىء: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب. قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم آناء الليل وآناء النهار. فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال فلان قارىء فقد قيل ذلك. ويؤتي بصاحب المال فيقول الله له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب، قال: فما عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال فلان جواد، فقد قيل ذلك. ويؤتي بالذي قتل في سبيل الله فيقال له: فبماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال فلان جريء فقد قيل ذلك. ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي فقال: يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة ".
وقد سئل شيخنا المصنف رحمه الله عن هذه الآية فأجاب بما حاصله: ذكر عن السلف فيها أنواع مما يفعله الناس اليوم ولا يعرفون معناه.
فمن ذلك: العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله: من صدقة وصلاة، وصلة وإحسان إلى الناس، وترك ظلم، ونحو ذلك مما يفعله الإنسان أو يتركه خالصا لله، لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته، أو حفظ أهله وعياله، أو إدامة النعمة عليهم، ولا همة له في طلب الجنة والهرب من النار، فهذا يعطي ثواب عمليه في الدنيا وليس له في الآخرة من نصيب. وهذا النوع ذكره ابن عباس.
النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو الذي ذكره مجاهد في الآية: أنها نزلت فيه وهو أن يعمل أعمالا صالحة ونيته رياء الناس، لا طلب ثواب الآخرة.
النوع الثالث: أن يعمل أعمالا صالحة يقصد بها مالا، مثل أن يحج لمال يأخذه أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، أو يجاهد لأجل المغنم، فقد ذكر أيضا هذا النوع في تفسير هذه الآية، كما يتعلم الرجل لأجل مدرسة أهله أو مكسبهم أو رياستهم ، أو يتعلم القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد، كما هو واقع كثيرا.
النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله مخلصا في ذلك لله وحده لا شريك له لكنه على عمل يكفره كفرا يخرجه عن الإسلام، مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا الله، أو تصدقوا أو صاموا إبتغاء وجه الله والدار الآخرة، ومثل كثير من هذه الأمة الذين فيهم كفر أو شرك أكبر يخرجهم من الإسلام بالكلية، إذا أطاعوا الله طاعة خالصة يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة؟ لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام وتمنع قبول أعمالهم، فهذا النوع أيضا قد ذكر في هذه الآية عن أنس بن مالك وغيره، وكان السلف يخافون منها، قال بعضهم: لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة لتمنيت الموت لأن الله تعالى يقول: '5: 27 "إنما يتقبل الله من المتقين".
ثم قال: بقي أن يقال: إذا عمل الرجل الصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج إبتغاء وجه الله، طالبا ثواب الآخرة، ثم بعد ذلك عمل أعمالا قاصدا بها الدنيا، مثل أن يحج فرضه لله، ثم يحج بعده لأجل الدنيا كما هو واقع، فهو لما غلب عليه منهما. وقد قال بعضهم: القرآن كثيرا ما يذكر أهل الجنة الخلص وأهل النار الخلص، ويسكت عن صاحب الشائبتين، وهو هذا وأمثاله ا ه.

تعس عبد الدينار
قوله: (في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطى رضى، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شك فلا انتقش. طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة. إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع له ".
قوله:   في الصحيح   آي صحيح البخاري.
قوله:   تعس   هو بكسر العين ويجوز الفتح آي سقط، والمراد هنا هلك. قاله الحافظ، وقال في موضع آخر: وهو ضد سعد. أي شقي. قال أبو السعادات: يقال تعس يتعس إذا عثر وانكب لوجهه. وهو دعاء عليه بالهلاك.
قوله:   عبد الدينار   هو المعروف من الذهب كالمثقال في الوزن.
قوله:   تعس عبد الدرهم   وهو من الفضة، قدره الفقهاء بالشعير وزنا، وعندنا منه درهم من ضرب بني أمية وهو زنة خمسين حبة شعير وخمسا حبة سماه عبدا له، لكونه هو المقصود بعمله، فكل من توجه بقصده لغير الله فقد جعله شريكا له في عبوديته كما هو حال الأكثر.
قوله:   تعس عبد الخميصة   قال أبو السعادات: هي ثوب خز أو صوف معلم، وقيل لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة، وتجمع على خمائص. والخميلة بفتح الخاء المعجمة وقال أبو السعادات: ذات الخمل، ثياب لها خمل من أي شئ كان.
قوله:   تعس وانتكس   قال الحافظ: هو بالمهملة، أي عاوده المرض. وقال أبو السعادات: أي انقلب على رأسه. وهو دعاء عليه بالخيبة. قال الطيبي: فيه الترقي بالدعاء عليه. لأنه إذا تعس انكب على وجهه. وإذا انتكس انقلب على رأسه بعد أن سقط.
قوله:   واذا شيك   آي اصابته شوكة   فلا انتقش   آي فلا يقدر على إخراجها بالمنقاش قاله أبو السعادات.
والمراد أن من كانت هذه حاله فإنه يستحق أن يدعى عليه بما يسوءه في العواقب، ومن كانت هذه حاله فلا بد أن يجد أثر هذه الدعوات في الوقوع فيما يضره في عاجل دنياه وآجل أخراه.
قال شيخ الإسلام رحمه الله:   فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الدينار والدرهم وعبد القطيفة وعبد الخميصة. وذكر فيه ما هو دعاء بلفظ الخبر وهو قوله:   تعس وانتكس واذا شيك فلا انتقش   وهذة حال من إذآ إصابة شر لم يخرج منه ولم يفلح، لكونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب، ولا خلص من المكروه، وهذا حال من عبد المال. وقد وصف ذلك بأنه:   إن أعطى رضى، وان منع سخط   كمآ قال تعالى: '8: 58 "ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون" فرضاؤهم لغير الله، وسخطهم لغير الله، وهكذا حال من كان متعلقا منها برياسة أو صورة ونحو ذلك من أهواء نفسه، إن حصل له رضى، وإن لم يحصل له سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك وهو رقيق له، إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده فهو عبده إلى أن قال:
وهكذا أيضا طالب المال، فإن ذلك يستعبده ويسترقه وهذه الأمور نوعان، فمنها ما يحتاج إليه العبد، كما يحتاج إلى طعامه وشرابه ومنكحه ومسكنه ونحو ذلك، فهذا يطلب من الله ويرغب إليه فيه. فيكون المال عنده يستعمله في حاجته بمنزلة حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه من غير أن يستعبده فيكون هلوعا.
ومنها: ما لا يحتاج إليه العبد، فهذا ينبغي أن لا يعلق قلبه بها، فإذا تعلق قلبه بها صار مستعبدا لها، وربما صار مستعبدا متعمدا على غير الله فيها، فلا يبقى معه حقيقة العبودية لله ولا حقيقة التوكل عليه، بل فيه شعبة من العبادة لغير الله وشعبة من التوكل على غير الله، وهذا من أحق الناس بقوله صلى الله عليه وسلم: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة" وهذا هو عبد لهذه الأمور ولو طلبها من الله، فإن الله إذا أعطاه إياه رضى، وإن منعه إياها سخط، وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله ويسخطه ما يسخط الله ويحب ما أحبه الله ورسوله ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالى أولياء الله ويعادى أعداء الله   فهذا الذى استكمل الإيمان، انتهى ملخصا.
قوله:   طوبى لعبد   قال أبو السعادات: طوبى اسم الجنة، وقيل: هي شجرة فيها ويؤيد هذا ما روى ابن وهب بسنده عن أبي سعيد قال: "قال رجل: يا رسول الله وما طوبى قال: شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها "ورواه الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى سمعت عبد الله بن لهيعة حدثنا دراج أبو السمح أن أبا الهيثم حدثه أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" إن رجلا قال: يا رسول الله، طوبى لمن رآك وآمن بك ، قال طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني قال له رجل: وما طوبى قال: شجرة في الجنة مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها "وله شواهد في الصحيحين   وغيرهما. وقد روى ابن جرير عن وهب بن منبه هاهنا أثرا غريبا عجيبا. قال وهب رحمه الله:   إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها: زهرها رياط، وورقها برود وقضبانها عنبر، وبطحاؤها ياقوت، وترابها كافور، ووحلها مسك، يخرج من أصلها أنهار الخمر واللبن والعسل، وهي مجلس لأهل الجنة ، بينما هم في مجلسهم إذا أتتهم الملائكة من ربهم يقودون نجبا مزمومة بسلاسل من ذهب، وجوهها كالمصابيح من حسنها، ووبرها كخز المرعزي من لينه، عليها رحال ألواحها من ياقوت، ودفوفها من ذهب وثيابها من سندس وإستبرق، فينيخونها ويقولون: إن ربنا أرسل إليكم لتزوروه وتسلموا عليه قال: فيركبونها، قال: فهي أسرع من الطائر، وأوطأ من الفراش. خبا من غير مهنة، يسير الراكب إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه، لا تصيب أذن راحلة منها أذن صاحبتها، ولا برك راحلة برك صاحبتها، حتى إن الشجرة لتنتحى عن طريقهم لئلا تفرق بين الرجل وأخيه. قال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه قالوا: اللهم أنت السلام ومنك السلام، وحق لك الجلال والإكرام، قال: فيقول تبارك وتعالى عند ذلك، أنا السلام ومني السلام وعليكم حقت رحمتي ومحبتي، مرحبا بعبادي الذين خشوني بالغيب وأطاعوا أمري. قال فيقولون: ربنا إنا لم نعبدك حق عبادتك، ولم نقدرك، فائذن لنا بالسجود قدامك. قال: فيقول الله: إنها ليست بدار نصب ولا عبادة، ولكنها دار ملك ونعيم، وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة، فسلوني ما شئتم، بأن لكل رجل منكم أمنيته. فيسألونه، حتى إن أقصرهم أمنية ليقول: ربي، تنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها، رب فآتني من كل شئ كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا، فيقول الله تعالى: لقد قصرت بك اليوم أمنيتك. ولقد سألت دون منزلتك. هذا لك منى وسأتحفك بمنزلتي لأن ليس في عطائي نكد ولا قصر يد. قال: ثم يقول: اعرضوا على عبادي ما لم تبلغ أمانيهم ولم يخطر على بال. قال: فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أمانيهم التي في أنفسهم، فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة. على كل سرير منها قبة من ذهب مفزعة. في كل قبة منها فرش من فرش الجنة مظاهرة. في كل قبة منها جاريتان من الحور العين. على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة. وليس في الجنة لون إلا وهو فيهما. ولا ريح طيب إلا قد عبق بهما. ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة. حتى يظن من يراهما أنهما من دون القبة يرى مخهما من فوق سوقهما كالسلك الأبيض في يا قوته حمراء. يريان له من الفضل على صحابته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل. ويرى لهما مثل ذلك. ثم يدخل عليهما فيحييانه ويقبلانه ويعانقانه ويقولان له: والله ما ظننا أن الله يخلق مثلك. ثم يأمر الله تعالى الملائكة فيسيرون بهم صفا في الجنة حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلته التي أعدت له   .
وقد روى هذا الأثر ابن أبي حاتم بسنده عن وهب بن منبه وزاد:   فانظروا إلى مواهب ربكم الذي وهب لكم، فإذا بقباب في الرفيق الأعلى، وغرف مبنية بالدر والمرجان أبوابها من ذهب وسررها من ياقوت، وفرشها من سندس واستبرق، ومنابرها من نور، يفور من أبوابها وعراصها نور مثل شعاع الشمس، عنده مثل الكوكب الدري في النهار المضيء، وإذا بقصور شامخة في أعلى عليين من الياقوت يزهو نورها. فلولا أنه مسخر إذا لالتمع الأبصار، فما كان من تلك القصور من الياقوت الأبيض فهو مفروش بالحرير الأبيض، وما كان منها من الياقوت الأخضر فهو مفروش بالسندس الأخضر، وما كان منها من الياقوت الأصفر فهو مفروش بالأرجوان الأصفر، مبوبة بالزمرد الأخضر والذهب الأحمر والفضة البيضاء، قوائمها وأركانها من الجوهر، وشرفها من قباب من لؤلؤ، وبروجها غرف من المرجان. فلما انصرفوا إلى ما أعطاهم ربهم قربت لهم براذين من ياقوت أبيض منفوخ فيها الروح، تحتها الولدان المخلدون، بيد كل وليد منهم حكمة برذون من تلك البراذين ولجمها وأعنتها من فضة بيضاء منظومة بالدر والياقوت، سرر موضونة مفروشة بالسندس والإستبرق، فانطلقت بهم تلك البراذين تزف فينظرون رياض الجنة فلما انتهوا إلى منازلهم وجدوا الملائكة قعدوا على منابر من نور ينتظرونهم ليزوروهم ويصافحوهم ويهنئوهم كرامة ربهم، فلما دخلوا قصورهم وجدوا فيها جميع ما تطاول به عليهم وما سألوا وما تمنوا، وإذا على باب كل قصر من تلك القصور أربعة جنان جنتان ذواتا أفنان وجنتان مدهامتان وفيهما عينان نضاختان، وفيهما من كل فاكهة زوجان، وحور مقصورات في الخيام، فلما تبوءوا منازلهم واستقروا قرارهم قال لهم ربهم: "هل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم" وربنا. قال: هل رضيتم ثواب ربكم؟ قالوا: ربنا رضينا فارض عنا، قال: فبرضائي عنكم أحللتكم داري ونظرتم إلى وجهي، فعند ذلك قالوا: "الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور * الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب"   وهذا سياق غريب عجيب وأثر ولبعضه شواهد في   الصحيحين.
وقال خالد بن معدان:   إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، ضروع كلها، ترضع صبيان أهل الجنة، وان سقط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة يتقلب فيه حتى تقوم القيامة فيبعث ابن أربعين سنة   رواه ابن أبي حاتم.
قوله:   أخذ بعنان فرسة في سبيل الله   آي في جهاد المشركين.
قوله:   أشعث   مجرور بالفتحة لانه اسم لا ينصرف للوصفية ووزن الفعل، ورأسه مرفوع على الفاعلية، وهو طائر الشعر، شغله الجهاد في سبيل الله عن التنعم بالأدهان وتسريح الشعر.
قوله:   مغبرة قدماه   هو بالجر صفة ثانية لعبد.
قوله:   إن كان في الحراسة كان في الحراسة   هو بكسر الحاء آي حمى الجيش عن آن يهجم العدو عليهم.
قوله:   كان في الحراسة   آي غير مقصر فيها ولا غافل، وهذا اللفظ يستعمل في حق من قام بالأمر على وجه الكمال.
قوله:   وان كان في الساقة كان في الساقة   آي في مؤخرة الجيش، يقلب نفسه في مصالح الجهاد، فكل مقام يقوم فيه إن كان ليلا أو نهارا، رغبة في ثواب الله وطلبا لمرضاته ومحبة لطاعته.
قال ابن الجوزي رحمه الله: وهو خامل الذكر لا يقصد السمو.
وقال الخلخالي: المعنى ائتماره بما أمر، وإقامته حيث أقيم. لا يفقد من مقامه، وإنما ذكر الحراسة والساقة لأنهما أشد مشقة. انتهى. وفيه فضل الحراسة في سبيل الله.
قوله:   إن استاذن لم يؤذن له   آي إن استاذن على الأمراء ونحوهم لم يؤذن له لانه لا جاه له عندهم ولا منزلة. لأنه ليس من طلابها. وإنما يطلب ما عند الله لا يقصد بعمله سواه.
قوله:   وان شفع   بفتح أوله وثانية   لم يشفع   بفتح الفاء مشددة. يعني لو ألجأته الحال إلى أن يشفع في أمر يحبه الله ورسوله لم تقبل شفاعته عند الأمراء ونحوهم.
وروى الإمام أحمد ومسلم عن أبي هريرة مرفوعا: "رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره".
وروى الإمام أحمد أيضا عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قال: قال عثمان رضي الله وهو يخطب على منبره: "إني محدثكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يمنعني أن أحدثكم به إلا الظن بكم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها ".
وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن المبارك قال عبد الله بن محمد قاضي نصيبين حدثني محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة أنه أملى عليه عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس وواعده الخروج. وأنشدها معه إلى الفضيل بن عياض في سنة سبع وسبعين ومائة. قال:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا     لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخصب خده بدموعه     فنحورنا بدمائنا تتخضب
او كان يتعب خيله في باطل     فخيولهم يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم، ونحن عبيرنا      رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا     قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي غبار خيل الليل في     أنف امرىء ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا      ليس الشهيد بميت لا يكذب
قال: فلقيت الفضيل بكتابه في المسجد الحرام فلما قرأه ذرفت عيناه فقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصحني، ثم قال: أنت ممن يكتب الحديث؟ قلت: نعم قال لي: اكتب هذا الحديث، وأملى على الفضيل بن عياض: حدثنا منصور بن المعتمر عن أبي صالح عن أبي هريرة: "أن رجلا قال: يا رسول الله علمني عملا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله، فقال: هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر فقال: يا رسول الله أنا أضعف من أن أستطيع ذلك، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: فو الذي نفسي بيده لو طوقت ذلك ما بلغت فضل المجاهدين في سبيل الله، أما علمت أن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له بذلك حسنات؟ ".

باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله
قوله: (باب: من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله، فقد اتخذهم أربابا من دون الله)
قول الله تعالى: '9: 31' "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون" وتقديم تفسير هذا في أصل المصنف رحمه الله عند ذكر حديث عدي ابن حاتم رضي الله عنه.
قوله:   وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟".
قوله:   يوشك   بضم أوله وكسر الشين المعجمة آي يقرب ويسرع.
وهذا القول من ابن عباس رضي الله عنهما جواب لمن قال:   إن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لا يريان التمتع بالعمرة إلى الحج، ويريان أن إفراد الحج أفضل: أو ما هو معنى هذا، وكان ابن عباس يرى أن التمتع بالعمرة إلى الحج واجب ويقول: إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط فقد حل من عمرته شاء أم أبى "لحديث سراقة بن مالك حين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعلوها عمرة ويحلوا إذا طافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة، فقال سراقة:   يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد ؟ فقال: بل للأبد "والحديث في الصحيحين، وحينئذ فلا عذر لمن استفى أن ينظر في مذاهب العلماء وما استدل به كل إمام ويأخذ من أقوالهم ما دل عليه الدليل إذا كان له ملكة يقتدر بها على ذلك. كما قال تعالى: '4: 59' "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا".
وللبخاري ومسلم وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معي الهدى لأحللت" هذا لفظ البخاري في حديث عائشة رضي الله عنها. ولفظه في حديث جابر: "افعلوا ما أمرتكم به فلولا أني سقت الهدى لفعلت مثل الذي أمرتكم" في عدة أحاديث تؤيد قول ابن عباس.
وبالجملة فلهذا قال ابن عباس لما عارضوا الحديث برأي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما:   يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ....   الحديث.
وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى:   ما منا إلا راد ومردود عليه، إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم   .
وكلام الأئمة في هذا المعنى كثير.
وما زال العلماء رحمهم الله يجتهدون في الوقائع فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر، كما في الحديث، لكن إذا استبان لهم الدليل أخذوا به وتركوا اجتهادهم. وأما إذا لم يبلغهم الحديث أو لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم عندهم فيه حديث، أو ثبت وله معارض أو مخصص ونحو ذلك فحينئذ يسوغ للإمام أن يجتهد. وفي عصر الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى إنما كان طلب الأحاديث ممن هي عنده باللقى والسماع، ويسافر الرجل في طلب الحديث إلى الأمصار عدة سنين. ثم اعتنى الأئمة بالتصانيف ودونوا الأحاديث ورووها بأسانيدها، وبينوا صحيحها من حسنها من ضعيفها. والفقهاء صنفوا في كل مذهب، وذكروا حجج المجتهدين. فسهل الأمر على طالب العلم. وكل إمام يذكر الحكم بدليله عنده، وفي كلام ابن عباس رضي الله عنهما ما يدل على أن من يبلغه الدليل فلم يأخذ به تقليدا لإمامه فإنه يجب الإنكار عليه بالتغليظ لمخالفته الدليل.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عمر البزار، حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا أبو عبيدة الحداد عن مالك بن دينار عن عكرمة ابن عباس قال:   ليس منا أحد إلا يؤخذ من قوله ويدع غير النبي صلى الله عليه وسلم   .
وعلى هذا فيجب الإنكار على من ترك الدليل لقول أحد من العلماء كائنا من كان، ونصوص الأئمة على هذا، وأنه لا يسوغ التقليد إلا في مسائل الاجتهاد التي لا دليل فيها يرجع إليه من كتاب ولا سنة، فهذا هو الذي عناه بعض العلماء بقوله: لا إنكار في مسائل الإجتهاد. وأما من خالف الكتاب والسنة فيجب الرد عليه كما قال ابن عباس والشافعي ومالك وأحمد، وذلك مجمع عليه، كما تقدم في كلام الشافعي رحمه الله تعالى.

قول الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا الإسناد ويذهبون إلى رأي سفيان إلخ
قوله: وقال الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، ويذهبون إلى رأي سفيان. والله تعالى يقول: '24: 63' "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" أتدرون ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شئ من الزيغ فيهلك   .
هذا الكلام من الإمام أحمد رحمه الله رواه عنه الفضل بن زياد وأبو طالب. قال الفضل عن أحمد:   نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في ثلاث وثلاثين موضعا، ثم جعل يتلو: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة" الآية، فذكر من قوله:   الفتنة الشرك إلى قوله فيهلك   . ثم جعل يتلو هذه الآية: 4: 65 "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما".
وقال أبو طالب عن أحمد وقيل له:   إن قوما يدعون الحديث ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره، فقال: أعجب لقوم سمعوا الحديث وعرفوا الإسناد وصحته يدعونه ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره، قال الله تعالى: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الكفر. قال الله تعالى: '2: 217' "والفتنة أكبر من القتل" فيدعون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه سلم وتغلبهم أهواؤهم إلي الرأي   ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه عنه الله تعالى.
قوله: عرفوا الإسناد أي إسناد الحديث وصحته، فإن صح إسناد الحديث فهو صحيح عند أهل الحديث وغيرهم من العلماء.
وسفيان: هو الثوري الإمام الزاهد العابد الثقة الفقيه، وكان له أصحاب يأخذون عنه، ومذهبه مشهور يذكره العلماء رحمهم الله في الكتب التي يذكر فيها مذاهب الأئمة، كالتمهيد لابن عبد البر، والاستذكار له، وكتاب الإشراف على مذاهب الأشراف لابن المنذر، والمحلى لابن حزم، والمغنى لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة الحنبلي. وغير هؤلاء.
فقول الإمام أحمد رحمه الله:   عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته ... إلخ   إنكار منه لذلك. وأنه يؤول إلى زيع القلوب الذي يكون به المرء كافرا. وقد عمت البلوى بهذا المنكر خصوصا ممن ينتسب إلى العلم، نصبوا الحبائل في الصد عن الأخذ بالكتاب والسنة، وصدوا عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيم أمره ونهيه، فمن ذلك قولهم: لا يستدل بالكتاب والسنة إلا المجتهد. والاجتهاد قد انقطع ويقول: هذا الذي قلدته أعلم منك بالحديث وبناسخه ومنسوخه، ونحو ذلك من الأقوال التي غايتها ترك متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، والاعتماد على قول من يجوز عليه الخطأ، وغيره من الأئمة يخالفه، ويمنع قوله بدليل، فما من إمام إلا والذي معه بعض العلم لا كله. فالواجب على كل مكلف إذا بلغه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله وفهم معنى ذلك: أن ينتهي إليه ويعمل به، وإن خالفه من خالفه، كما قال تعالى: '7: 3 "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون "وقال تعالى '29: 51'" أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون "وقد تقدم حكاية الإجماع على ذلك، وبيان أن المقلد ليس من أهل العلم، وقد حكى أيضا أبو عمر ابن عبد البر وغيره الإجماع على ذلك.
قلت: ولا يخالف في ذلك إلا جهال المقلدة، لجهلهم بالكتاب والسنة، ورغبتهم عنها، وهؤلاء وإن ظنوا أنهم قد اتبعوا الأئمة فإنهم في الحقيقة قد خالفوهم، واتبعوا غير سبيلهم. كما قدمنا ​​من قول مالك والشافعي وأحمد، ولكن في كلام أحمد رحمه الله إشارة إلى أن التقليد قبل بلوغ الحجة لا يذم وإنما ينكر على من بلغته الحجة وخالفهم لقول إمام من الأئمة، وذلك إنما ينشأ عن الإعراض عن تدبر كتاب الله وسنة رسوله والإقبال على كتب من تأخروا والإستغناء بها عن الوحيين، وهذا يشبه ما وقع من أهل الكتاب الذي قال الله فيهم: '9: 3 "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله" كما سيأتي بيان ذلك في حديث عدي بن حاتم، فيجب على من نصح نفسه إذا قرأ كتب العلماء ونظر فيها وعرف أقوالهم أن يعرضها على ما في الكتاب والسنة، فإن كل مجتهد من العلماء ومن تبعه وانتسب إلى مذهبه لا بد أن يذكر دليله، والحق في المسألة واحد، والأئمة مثابون على اجتهادهم، فالمصنف يجعل النظر في كلامهم وتأمله طريقا إلى معرفة المسائل واستحضارها ذهنا وتمييزا للصواب من الخطأ بالأدلة التي يذكرها المستدلون، ويعرف بذلك من هو أسعد بالدليل من العلماء فيتبعه، والأدلة على هذا الأصل في كتاب الله أكثر وفي السنة كذلك، كما أخرج أبو داود بسنده عن أناس من أصحاب معاذ: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله تعالى، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كتاب الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله "وساق بسنده عن الحارث بن عمر عن أناس من أصحاب معاذ بن جبل رضي الله عنه:   أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن بمعناه   .
والأئمة رحمهم الله لم يقصروا في البيان، بل نهوا عن تقليدهم إذا استبانت السنة، لعلمهم أن من العلم شيئا لم يعلموه، وقد يبلغ غيرهم، وذلك كثير كما لا يخفى على من نظر في أقوال العلماء.
قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة رضي الله عنهم فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن التابعين فنحن رجال وهم رجال.
وقال: إذا قلت قولا وكتاب الله يخالفه فاتركوا قولي لكتاب الله. قيل: إذا كان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لخبر الرسول صلى الله عليه وسلم. وقيل إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لصحابة.
وقال الربيع: سمعت الشافعي رحمه الله يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلت.
وقال: إذا صح الحديث بما يخالف قولي فاضربوا بقولي الحائط.
وقال مالك: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتقدم له مثل ذلك، فلا عذر لمقلد بعد هذا. ولو استقضينا كلام العلماء في هذا لخرج عما قصدناه من الاختصار، وفيما ذكرناه كفاية لطالب الهدى.
قوله:   لعله إذآ رد بعض قوله   آي قول الرسول صلى الله عليه سلم   آي يقع في قلبه شئ من الزيغ فيهلك   نبه رحمه الله آن رد قول الرسول صلى الله عليه سلم سبب لزيغ القلب، وذلك هو الهلاك في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: '61: 5 "فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين".
قال شيخ الإسلام رحمه الله في معنى قول الله تعالى: '24: 63' "فليحذر الذين يخالفون عن أمره" فإن كان المخالف لأمره قد حذر من الكفر والشرك، أو من العذاب الأليم، دل على أنه قد يكون مفضيا إلى الكفر والعذاب الأليم، ومعلوم أن إفضاءه إلى العذاب الأليم هو مجرد فعل المعصية، فإفضاؤه إلى الكفر إنما هو لما يقترن به من الاستخفاف في حق الأمر، كما فعل إبليس لعنه الله تعالى ا ه.
وقال أبو جعفر ابن جرير رحمه الله تعالى عن الضحاك: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة" قال:   يطبع على قلبه فلا يؤمن أن يظهر الكفر بلسانه فتضرب عنقه.
قال أبو جعفر بن جرير: أدخلت عن لأن معنى الكلام فليحذر الذين يلوذون عن أمره ويدبرون عنه معرضين.
قوله:   او يصيبهم   عذاب في الدنيا من الله موجع على خلافهم أمر رسول الله صلى الله عليه سلم.

اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله
قوله:   عن عدي بن حاتم رضي الله عنه: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأهذه الآية: '9: 31' "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم" الآية. فقلت: "إنا لسنا نعبدهم قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم" رواه أحمد والترمذي وحسنه   .
هذا الحديث قد روى من طرق، فرواه ابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني، وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي.
قوله:   عن عدي بن حاتم   الطائي المشهور آي. وحاتم هو ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج بفتح الحاء المشهور بالسخاء والكرم. قدم عدي على النبي صلى الله عليه وسلم في شعبان سنة تسع من الهجرة. فأسلم وعاش مائة وعشرين سنة.
وفي الحديث دليل على أن طاعة الأحبار والرهبان في معصية الله عبادة لهم من دون الله، ومن الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لقوله تعالى في آخر الآية: "وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون" ونظير ذلك في قوله تعالى : '6: 121 "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون" وهذا قد وقع فيه كثير من الناس مع من قلدوهم، لعدم إعتبارهم الدليل إذا خالف المقلد، وهو من هذا الشرك . ومنهم من يغلو في ذلك ويعتقد أن الأخذ بالدليل والحالة هذه يكره، أو يحرم، فعظمت الفتنة. ويقول: هم أعلم منا بالأدلة. ولا يأخذ بالدليل إلا المجتهد، وربما تفوهوا بذم من يعمل بالدليل، ولا ريب أن هذا من غربة الإسلام كما قال شيخنا رحمه الله في المسائل:
فتغيرت الأحوال، وآلت إلى هذه الغاية فصارت عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، ويسمونها ولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه. ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين.
وأما طاعة الأمراء ومتابعتهم فيما يخالف ما شرعه الله ورسوله فقد عمت بها البلوى قديما وحديثا في أكثر الولاة بعد الخلفاء الراشدين وهلم جرا. وقد قال تعالى: '28: 50' "فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين".
وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر رضي الله عنه: "هل تعرف ما يهدم الإسلام قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، وحكم الأئمة المضلين" رواه الدارمى.
جعلنا الله وإياكم من الذين يهدون بالحق وبه يعدلون.

باب "ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا" إلخ
قوله: باب
قول الله تعالى: '4: 60' "ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك" الآيات.
قال العماد ابن كثير رحمه الله تعالى: والآية ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ههنا.
وتقدم ما ذكره ابن القيم رحمه الله في حده للطاغوت، وأنه كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فكل من حاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فقد حاكم إلى الطاغوت الذي أمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يكفروا به، فإن التحاكم ليس إلا إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن كان يحكم بهما، فمن تحاكم إلى غيرهما فقد تجاوز به حده، وخرج عما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأنزله منزلة لا يستحقها. وكذلك من عبد شيئا دون الله فإنما عبد الطاغوت، فإن كان المعبود صالحا صارت عبادة العابد له راجعة إلى الشيطان الذي أمره بها، كما قال تعالى: '10: 28 30 "يوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون * فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين * هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون "وكقوله: '34: 40 41'" ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون "وإن كان ممن يدعو إلى عبادة نفسه أو كان شجرا أو حجرا أو قبرا وغير ذلك مما يتخذه المشركون أصناما على صور الصالحين والملائكة وغير ذلك، فهي من الطاغوت الذي أمر الله تعالى عباده أن يكفروا بعبادته، ويتبرأوا منه، ومن عبادة كل معبود سوى الله كائنا من كان، وهذا كله من عمل الشيطان وتسويله، فهو الذي دعا إلى كل باطل وزينة لمن فعل، وهذا ينافي التوحيد الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله . فالتوحيد: هو الكفر بكل طاغوت عبده العابدون من دون الله، كما قال تعالى: '60: 4 "قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده "وكل من عبد غير الله فقد جاوز به حده وأعطاه من العبادة ما لا يستحقه.
قال الإمام مالك رحمه الله   الطاغوت ما عبد من دون الله   .
وكذلك من دعا إلى تحكيم غير الله ورسوله فقد ترك ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ورغب عنه، وجعل لله شريكا في الطاعة وخالف ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمره الله تعالى به في قوله: "وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك "وقوله تعالى: '4: 65'" فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما "فمن خالف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله، أو طلب ذلك أتباعا لما يهواه ويريده فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان في عنقه. وإن زعم ​​أنه مؤمن، فإن الله تعالى أنكر على من أراد ذلك، وأكذبهم في زعمهم الإيمان لما في ضمن قوله: "يزعمون" من نفى إيمانهم، فإن "يزعمون" إنما يقال غالبا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها، يحقق هذا قوله: "وقد أمروا أن يكفروا به" لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد، كما في آية البقرة فإن لم يحصل هذا الركن لم يكن موحدا والتوحيد هو أساس الإيمان الذي تصلح به جميع الأعمال وتفسد بعدمه. كما أن ذلك بين في قوله تعالى: '2: 256' "فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى" الآية. وذلك أن التحاكم إلى الطاغوت إيمان به.
وقوله: "ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا" يبين تعالى في هذه الآية أن التحاكم إلى الطاغوت مما يأمر به الشيطان ويزينه لمن أطاعه: ويبين أن ذلك مما أضل به الشيطان من أضله، وأكده بالمصدر، ووصفه بالبعد. فدل على أن ذلك من أعظم الضلال وأبعده عن الهدى.
ففي هذه الآية أربعة أمور. الأول: أنه إرادة الشيطان: الثاني: إنه ضلال. الثالث: تأكيده بالمصدر. الرابع: وصفه بالبعد عن سبيل الحق والهدى.
فسبحان الله ما أعظم هذا القرآن وما أبلغه، وما أدله على أنه كلام رب العالمين، أوحاه إلى رسوله الكريم، وبلغه عبده الصادق الأمين. صلوات الله وسلامه عليه.
قوله: "وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا" بين تعالى أن هذه صفة المنافقين، وأن من فعل ذلك أو طلبه، وإن زعم ​​أنه مؤمن فإنه في غاية البعد عن الإيمان.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: هذا دليل على أن من دعى إلى تحكيم الكتاب والسنة فأبى أنه من المنافقين.
قوله: "ويصدون" لازم وهو بمعنى يعرضون، لان مصدره صدودا   فما أكثر من اتصف بهذا الوصف، خصوصا ممن يدعى العلم، فإنهم صدوا عما توجبه الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إلى أقوال من يخطىء كثيرا ممن ينتسب إلى الأئمة الأربعة في تقليدهم من لا يجوز تقليده، واعتمادهم على قول من لا يجوز الاعتماد على قوله، ويجعلون قوله المخالف لنص الكتاب والسنة وقواعد الشريعة هو المعتمد عندهم الذي لا تصح الفتوى إلا به. فصار المتبع للرسول صلى الله عليه وسلم بين أولئك غريبا، كما تقدم التنبيه على هذا في الباب الذي قبل هذا.
فتدبر هذه الآيات وما بعدها يتبين لك ما وقع فيه غالب الناس من الإعراض عن الحق وترك العمل به في أكثر الوقائع. والله المستعان.

"وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض" إلخ
قوله: '2: 11 "وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون" قال أبو العالية في الآية: يعني لا تعصوا في الأرض. لأن من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية الله فقد أفسد في الأرض، لأن صلاح الأرض والسماء إنما هو بطاعة الله ورسوله. وقد أخبر تعالى عن إخوة يوسف عليه السلام في قوله تعالى: '12: 70 72' "ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون" إلى قوله "قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين" فدلت الآية على أن كل معصية فساد في الأرض.
ومناسبة الآية للترجمة: أن التحاكم إلى غير الله ورسوله من أعمال المنافقين وهو الفساد في الأرض.
وفي الآية: التنبيه على عدم الإغترار بأقوال أهل الأهواء وإن زخرفوها بالدعوى.
وفيها التحذير من الاغترار بالرأي ما لم يقم على صحة دليل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فما أكثر من يصدق بالكذب ويكذب بالصدق إذا جاءه، وهذا من الفساد في الأرض ويترتب عليه من الفساد أمور كثيرة، تخرج صاحبها عن الحق وتدخله في الباطل. نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
فتدبر تجد ذلك في حال الأكثر إلا من عصمه الله ومن عليه بقوة داعي الإيمان، وأعطاه عقلا كاملا عند ورود الشهوات، وبصرا نافذا عند ورود الشبهات، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
قوله: '7: 56' "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها" قال أبو بكر بن عياش في الآية: إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى أهل الأرض وهم فساد، فأصلحهم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم فمن دعا إلى خلاف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو من المفسدين في الأرض.
وقال ابن القيم رحمه الله: قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله لها ببعث الرسل، وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله، فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به ومخالفة أمره، فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره، ومطاع متبع غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو أعظم فساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المطاع، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. فإذا أمر بمعصية وخلاف شريعته فلا سمع ولا طاعة. ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله. ا ه.
ووجه مطابقة هذه الآية للترجمة: أن التحاكم إلى غير الله ورسوله من أعظم ما يفسد الأرض من المعاصي، فلا صلاح لها إلا بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو سبيل المؤمنين، كما قال تعالى: '4: 15' "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ".
قوله: (وقول الله تعالى: '5: 50' "أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون"   .
قال ابن كثير رحمه الله: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات والضلالات كما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وفيها كثير من الأحكام أخذها عن مجرد نظرة وهواه. فصارت في بنيه شرعا يقدمونها على الحكم بالكتاب والسنة، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم بسواه في قليل ولا كثير.
قوله: "ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون" استفهام إنكار أي لا حكم أحسن من حكمه تعالى. وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس له في الطرف الآخر مشارك، أي ومن أعدل من الله حكما لمن عقل عن الله شرعه وآمن وأيقن أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بعباده من الوالدة بولدها، العليم بمصالح عباده القادر على كل شئ، الحكم في أقواله وأفعاله وشره وقدره؟ .
وفي الآية، التحذير من حكم الجاهلية وإختياره على حكم الله ورسوله، فمن فعل ذلك فقد أعرض عن الأحسن، وهو الحق، إلى ضده من الباطل.

لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به
قوله:   عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" قال النووي: حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة   بإسناد صحيح   .
هذا الحديث رواه الشيخ أبو الفتح نضر بن إبراهيم المقدسي الشافعي في كتاب:   الحجة على تارك الحجة   بإسناد صحيح كمآ قاله المصنف رحمه الله عن النووي. ورواه الطبراني وأبو بكر بن عاصم، والحافظ أبو نعيم في الأربعين التي شرط لها أن تكون في صحيح الأخبار   ، وشاهده في القرآن قوله تعالى: '4: 65' "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم" الآية. وقوله: '33: 36' "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم" وقوله: '28: 50' "فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم" ونحو هذه الآيات.
قوله:   لا يؤمن أحدكم   آي لا يكون من أهل كمال الإيمان الواجب الذى وعد الله أهله عليه بدخول الجنة والنجاة من النار. وقد يكون في درجة أهل الإساءة والمعاصي من أهل الإسلام.
قوله:   حتى يكون هواه تبعا لما جئت به. الهوى   بالقصر، أي ما يهواه وتحبه نفسه وتميل إليه، فإن كان الذي تحبه وتميل إليه نفسه ويعمل به تابعا لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخرج عنه إلى ما يخالفه. فهذه صفة أهل الإيمان المطلق، وإن كان بخلاف ذلك أو في بعض أحواله أو أكثرها انتفى عنه من الإيمان كماله الواجب، كما في حديث أبي هريرة: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" يعني أنه بالمعصية ينتفي عنه كمال الإيمان الواجب وينزل عنه في درجة الإسلام وينقص إيمانه، فلا يطلق عليه الإيمان إلا بقيد المعصية، أو الفسوق، فيقال: مؤمن عاص، أو يقال: مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته، فيكون معه مطلق الإيمان الذي لا يصح إسلامه إلا به. كما قال تعالى: '5: 92' "فتحرير رقبة مؤمنة" والأدلة على ما عليه سلف الأمة وأئمتها: أن الإيمان قول وعمل ونية يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية: من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أكثر من أن تحصى، فمن ذلك قوله تعالى: '2: 143' "وما كان الله ليضيع إيمانكم" أي صلاتكم إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس: "آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده شهادة أن لا إله إلا الله "الحديث، وهو في الصحيحين والسنن. والدليل على أن الإيمان يزيد قوله تعالى: '74: 31 '"ويزداد الذين آمنوا إيمانا" الآية. وقوله: '9: 124 "فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا" الآية. خلافا لمن قال: إن الإيمان هو القول، وهم المرجئة، ومن قال: إن الإيمان هو التصديق كالأشاعرة. ومن المعلوم عقلا وشرعا أن نية الحق تصديق، والعمل به تصديق وقول الحق تصديق وليس مع أهل البدع ما ينافي قول أهل السنة والجماعة ولله الحمد والمنة. قال الله تعالى: '2: 177' "ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر" إلى قوله "أولئك الذين صدقوا" أي فيما عملوا به في هذه الآية من الأعمال الظاهرة والباطنة. وشاهده في كلام العرب قولهم: حملة صادقة. وقد سمي الله تعالى الهوى المخالف لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إلها، فقال تعالى: '25: 43' "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه" قال بعض المفسرين: لا يهوى شيئا إلا ركبه.
قال ابن رجب رحمه الله: أما معنى الحديث: فهو أن الإنسان لا يكون مؤمنا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي وغيرها. فيجب ما أمر به ويكره ما نهى عنه، وقد ورد القرآن مثل هذا المعنى في غير موضع، وذم سبحانه من كره ما أحبه الله أو أحب ما كرهه الله كما قال تعالى: '47: 28' "ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم "فالواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله محبة توجب له الإتيان بما أوجب عليه منه، فإن زادت المحبة حتى أتى بما ندب إليه منه كان ذلك فضلا، وأن يكره ما يكرهه الله كراهة توجب له الكف عما حرم عليه منه، فإن زادت الكراهة حتى أوجبت الكف عما كراهه تنزيها كان ذلك فضلا. فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه أوجب ذلك له أن يحب بقلبه ما يحب الله ورسوله ويكره ما يكرهه الله ورسوله، فيرضي ما يرضي الله ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله، ويعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئا يخالف ذلك، بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله وترك ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه، دل ذلك على نقص محبته الواجبة، فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة التي هي ركن العبادة إذا كملت فجميع المعاصي تنشأ عن تقديم هوى النفس على محبة الله ورسوله. وقد وصف الله المشركين باتباع الهوى في مواضع من كتابه، فقال تعالى: '28: 50' "فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله" وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع. ولهذا سمي أهلها أهل الأهواء، وكذلك المعاصي إنما تنشأ من تقديم الهوى على محبة الله ومحبة ما يحبه، وكذلك حب الأشخاص: الواجب فيه أن يكون تبعا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فيجب على المؤمن محبة ما يحبه الله من الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عموما، ولهذا كان من علامات وجود حلاوة الإيمان: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله فتحرم موالاة أعداء الله ومن يكرهه الله عموما، وبهذا يكون الدين كله لله. ومن أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان، ومن كان حبه وبغضه وعطاؤه ومنعه لهوى نفسه كان ذلك نقصا في إيمانه الواجب. فتجب التوبة من ذلك: انتهى ملخصا.
ومناسبة الحديث للترجمة: بيان الفرق بين أهل الإيمان وأهل النفاق والمعاصي في أقوالهم وأفعالهم وإرادتهم.
قوله:   قآل الشعبي   هو عامر بن شراحيل الكوفي، عالم أهل زمانه، وكان حافظا علامة ذا فنون. كان يقول:   ما كتبت سوداء في بيضاء   ، وأدرك خلقا كثيرا من الصحابة وعاش بضعا وثمانين سنة. قال الذهبي.
وفيما قاله الشعبي ما يبين أن المنافق يكون أشد كراهة لحكم الله ورسوله من اليهود والنصارى. ويكون أشد عداوة منهم لأهل الإيمان. كما هو الواقع في هذه الأزمنة وقبلها من إعانة العدو على المسلمين. وحرصهم على إطفاء نور الإسلام والإيمان: ومن تدبر ما في التاريخ وما وقع منهم من الوقائع عرف أن هذا حال المنافقين قديما وحديثا، وقد حذر الله نبيه صلى الله عليه وسلم من طاعتهم والقرب منهم، وحضه على جهادهم في مواضع من كتابه، قال تعالى: " 66: 9 "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم" الآية. وفي قصة عمر رضي الله عنه وقتله المنافق الذي طلب التحاكم إلى كعب بن الأشرف اليهودي دليل على قتل من أظهر الكفر والنفاق، وكان كعب بن الأشرف هذا شديد العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم والأذى له والإظهار لعداوته فانتقض به عهده. وحل به قتله. وروى مسلم في صحيحه عن عمر: سمعت جابرا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لكعب ابن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله، قال محمد بن سلمة:؟ يا رسول الله، أتحب أن أقتله قال: قال نعم. : ائذن لي فلأقل، قال: قل، فأتاه فقال له، وذكر ما بينهما وقال: إن هذا الرجل قد أراد صدقة وقد عنانا فما سمعه قال: وأنا أيضا والله لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه الآن، ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شئ يصير أمره، قال: وقد أردت أن تسلفني سلفا، قال: فما ترهنني قال: ما تريد قال: ترهنني نسائكم قالت: أنت أجمل العرب، أنرهنك نسائنا قال: ترهنوني أولادكم قال: يسب ابن أحدنا فيقال: رهن في وسقين من تمر ولكن نرهنك اللأمة يعني السلاح قال: فنعم: وواعده أن يأتيه بالحارث وأبي عبس بن جبر وعباد بن بشر قال: فجاءوا فدعوه ليلا فنزل إليهم قال سفيان قال غير عمرو: قالت له أمرأته: إني أسمع صوتا كأنه صوت دم، قال: إنما هذا محمد بن مسلمة ورضيعه وأبو نائلة إن الكريم لو دعى إلى طعنة ليلا لأجاب، قال محمد إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه، فإذا استمكنت منه فدونكم قال: فلما نزل وهو متوشح. فقالوا: نجد منك ريح الطيب، قال: نعم، تحتى فلانة أعطر نساء العرب، قال: فتأذن لي أن أشتم منه؟ قال: نعم فشم، فتناول فشم، ثم قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال: فاستمكن من رأسه. ثم قال: دونكم. قال: فقتلوه ".
وفي قصة عمر: بيان أن المنافق المغموض بالنفاق إذا أظهر نفاقه قتل، كمآ في الصحيحين   وغيرهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ترك قتل من أظهر نفاقه منهم تأليفا للناس، فإنه قال: "لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" فصلوات الله وسلامه عليه.

باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات
باب
من جحد شيئا من الأسماء والصفات
وقول الله تعالى: '13: 30' "وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب".
سبب نزول هذه الآية معلوم مذكور في كتب التفسير وغيرها. وهو أن مشركي قريش جحدوا اسم الرحمن عنادا، وقال تعالى: '17: 110' "قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى" و الرحمن اسم وصفته، دل هذا الإسم على أن الرحمة وصفه سبحانه، وهي من صفات الكمال، فإن كان المشركون جحدوا إسما من أسمائه تعالى، وهو من الأسماء التي دلت على كماله سبحانه وبحمده فجمود معنى هذا الإسم ونحوه من الأسماء يكون كذلك، فإن جهم بن صفوان ومن تبعه يزعمون أنها لا تدل على صفة قائمة بالله تعالى. وتبعهم على ذلك طوائف من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم. فلهذا كفرهم كثيرون من أهل السنة. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى:
ولقد تقلد كفرهم خمسون في     عشر من العلماء في البلدان
الكائي الإمام حكاه عن     هم بل حكاه قبله الطبراني
فإن هؤلاء الجهمية ومن وافقهم على التعطيل جحدوا ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله من صفات كماله ونعوت جلاله، وبنوا هذا التعطيل على أصل باطل أصلوه من عند أنفسهم، فقالوا: هذه هي صفات الأجسام. فيلزم من إثباتها أن يكون الله جسما، هذا منشأ ضلال عقولهم، لم يفهموا من صفات الله إلا ما فهموه من خصائص صفات المخلوقين، فشبهوا الله في إبتداء آرائهم الفاسدة بخلقه ثم عطلوه من صفات كماله، وشبهوه بالناقصات والجمادات والمعدومات، فشبهوا أولا وعطلوا ثانيا. وشبهوه ثالثا بكل ناقص ومعدوم، فتركوا ما دل عليه الكتاب والسنة من إثبات ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله على ما يليق بجلاله وعظمته. وهذا هو الذي عليه سلف الأمة وأئمتها، فإنهم أثبتوا لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل، فإن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات يحتذى حذوه فكما أن هؤلاء المعطلة يثبتون لله ذاتا لا تشبه لذوات ، فأهل السنة يقولون ذلك ويثبتون ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله من صفات كماله ونعوت جلاله لا تشبه صفاته صفات خلقه، فإنهم آمنوا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يتناقضوا، وأولئك المعطلة كفروا بما في الكتاب والسنة من ذلك، وتناقضوا. فبطل قول المعطلين بالعقل والنقل ولله الحمد والمنة، وإجماع أهل السنن من الصحابة والتابعين وتابعيهم وأئمة المسلمين.
وقد صنف العلماء رحمهم الله تعالى في الرد على الجهمية والمعطلة والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم في إبطال هذه البدع وما فيها من التناقض والتهافت: كالإمام أحمد رحمه الله تعالى في رده المشهور، وكتاب السنة لابنه عبد الله، وصاحب الحيدة عبد العزيز الكتاني في رده على بشر المريسي، وكتاب السنة لأبي عبد الله المروزي، ورد عثمان بن سعيد على الكافر العنيد. وهو بشر المريسي، وكتاب التوحيد لإمام الأئمة محمد بن خزيمة الشافعي، وكتاب السنة لأبي بكر الخلال، وأبي عثمان الصابوني الشافعي، وشيخ الإسلام الأنصاري، وأبي عمر بن عبد البر النمري، وخلق كثير من أصحاب الأئمة الأربعة وأتباعهم، وأهل الحديث ومن متأخريهم أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية وأصحابه وغيرهم رحمهم الله تعالى. فلله الحمد والمنة على بقاء السنة وأهلها مع تفرق الأهواء وتشعب الآراء. والله أعلم.
قوله:   وفي صحيح البخاري عن علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله   .
 على   أمير المؤمنين هو أبو الحسن علي بن أبي طالب، وأحد الخلفاء الراشدين. وسبب هذا القول والله أعلم ما حدث في خلافته من كثرة إقبال الناس على الحديث، وكثرة القصاص وأهل الوعظ. فيأتون في قصصهم بأحاديث لا تعرف من هذا القبيل، فربما استنكرها بعض الناس وردها وقد يكون لبعضها أصل أو معنى صحيح، فيقع بعض المفاسد لذلك، فأرشدهم أمير المؤمنين رضي الله عنه إلى أنهم لا يحدثون عامة الناس إلا بما هو معروف ينفع الناس في أصل دينهم وأحكامه ، من بيان الحلال من الحرام الذي كلفوا به علما وعملا، دون ما يشغل عن ذلك مما قد يؤدي إلى رد الحق وعدم قبوله فيفضي بهم إلى التكذيب، ولا سيما مع اختلاف الناس في وقته، وكثرة خوضهم وجدلهم.
وقد كان شيخنا المصنف رحمه الله لا يحب أن يقرأ على الناس إلا ما ينفعهم في أصل دينهم وعباداتهم ومعاملاتهم الذي لا غنى لهم عن معرفته، وينهاهم عن القراءة في مثل كتب ابن الجوزي: كالمنعش، والمرعش، والتبصرة   لما في ذلك من الاعراض عما هو أوجب وأنفع ، وفيها ما الله به وأعلم مما لا ينبغي اعتقاده. والمعصوم من عصمه الله.
وقد كان أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ينهى القصاص عن القصص، لما في قصصهم من الغرائب ​​والتساهل في النقل وغير ذلك، ويقول:   لا يقص إلا أمير او مأمور   وكل هذا محافظة على لزوم الثبات على الصراط المستقيم علما وعملا ونية وقصدا، وترك كل ما كان وسيلة إلى الخروج عنه من البدع ووسائلها، والله الموفق للصواب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قوله:   وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس:   أنه رأى رجلا انتفض لما سمع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات استنكارا لذلك فقال: ما فرق هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه   .
قوله:   وروى عبد الرزاق   هو ابن همام الصنعاني المحدث محدث اليمن صاحب التصانيف، أكثر الرواية عن معمر بن راشد صاحب الزهري. وهو شيخ عبد الرزاق يروي عنه كثيرا.
ومعمر بفتح الميمين وسكون العين أبو عروة بن أبي عمرو راشد الأزدي الحراني ثم اليماني، أحد الأعلام من أصحاب محمد بن شهاب الزهري يروي عنه كثيرا.
قوله:   عن ابن طاوس   هو عبد الله بن طاوس اليماني. قال معمر: كان من أعلم الناس بالعربية. وقال ابن عيينة: مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
قوله:   عن أبيه   هو طاوس بن كيسان الجندي بفتح الجيم والنون الإمام العلم، قيل اسمه ذكوان، قاله ابن الجوزي.
قلت: وهو من أئمة التفسير ومن أوعية العلم، قال في تهذيب الكمال: عن الوليد الموقري عن الزهري قال:   قدمت على عبد الملك بن مروان فقال: من أين قدمت يا زهري؟ قال: قلت: من مكة، قال: ومن خلفت يسودها وأهلها؟ قلت: عطاء بن أبي رباح، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فبم سادهم؟ قال: قلت: بالديانة والرواية. قال: إن الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا. قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاوس بن كيسان، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالى، قال: فبم سادهم؟ قلت: بما ساد به عطاء، قال: إنه لينبغي ذلك. قال: فمن يسود أهل مصر؟ ؟ قلت يزيد بن حبيب، قال: فمن العرب أم من الموالى؟ قال: قلت: من الموالى، قال: فمن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت من الموالي، عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل. قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهروان، قال: فمن العرب أم من الموالي، قال: قلت: من الموالي. قال فمن يسود أهل خراسان؟ قال: قلت: الضحاك بن مزاحم، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قال: قلت: الحسن البصري، قال فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: ويلك، ومن يسود أهل الكوفة؟ قال: قلت: إبراهيم النخعي، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من العرب. قال: ويلك يا زهري فرجت عني، والله لتسودن الموالي على العرب في هذا البلد حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها. قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو دين: من حفظه ساد ومن ضيعه سقط   .
قوله:   عن ابن عباس   قد تقدم، وهو حبر الأمة وترجمان القرآن، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" وروى عنه أصحابه أئمة التفسير: كمجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس وغيرهم .
قوله:   ما فرق هؤلاء   يستفهم من أصحابه، يشير إلى أناس ممن يحضر مجلسه من عامة الناس، فإذا سمعوا شيئا من محكم القرآن ومعناه حصل معهم فرق أي خوف، فإذا سمعوا شيئا من أحاديث الصفات انتفضوا كالمنكرين له، فلم يحصل منهم الإيمان الواجب الذي أوجبه الله تعالى على عباده المؤمنين قال الذهبي: حديث وكيع عن إسرائيل بحديث: إذا جلس الرب على الكرسي فاقشعر رجل عند وكيع. فغضب وكيع. وقال:   أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث ولا ينكرونها   أخرجه عبد الله بن أحمد في كتاب الرد على الجهمية. وربما حصل معهم من عدم تلقيه بالقبول ترك ما وجب من الإيمان به، فشبه حالهم حال من قال الله فيهم: '2: 85 "أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض" فلا يسلم من الكفر إلا من عمل بما وجب عليه في ذلك من الإيمان بكتاب الله كله واليقين كما قال تعالى: '3: 7 "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب "فهؤلاء الذين ذكرهم ابن عباس رضي الله عنهما تركوا ما وجب عليهم من الإيمان بما لم يعرفوا معناه من القرآن، وهو حق لا يرتاب فيه مؤمن، وبعضهم يفهم منه غير المراد من المعنى الذي أراد الله فيحمله على غير معناه، كما جرى لأهل البدع، كالخوارج والرافضة والقدرية، ونحوهم ممن يتأول بعض آيات القرآن على بدعته. وقد وقع منهم الابتداع والخروج عن الصراط المستقيم، فإن الواقع من أهل البدع وتحريفهم لمعنى الآيات يبين معنى قول ابن عباس.
وسبب هذه البدع جهل أهلها وقصورهم في الفهم، وعدم أخذ العلوم الشرعية على وجهها، وتلقيها من أهلها العارفين لمعناها الذين وفقهم الله تعالى لمعرفة المراد، والتوفيق بين النصوص، والقطع بأن بعضها لا يخالف بعضا، ورد المتشابه إلى المحكم. وهذه طريقة أهل السنة والجماعة في كل زمان ومكان، فلله الحمد لا نحصي ثناء عليه.

ما ورد عن علماء السلف في المشتابه
(ذكر ما ورد عن علماء السلف في المتشابه)
قال في الدر المنثور: أخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، فنزل القرآن من سبعة أحرف: زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم ومتشابه، وأمثال. فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمة، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا ".
قال:   وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله تعالى: '3: 7 "فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه" الآية. قال: طلب القوم التأويل، فأخطأوا التأويل وأصابوا الفتنة، وطلبوا ما تشابه منه فهلكوا بين ذلك.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: "آيات محكمات" قال:   منهن قوله تعالى: '6: 151 153 "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم" إلى ثلاث آيات، ومنهن:' 17: 23 39 '"وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه" إلى آخر الآيات   .
وأخرج ابن جرير من طريق أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة رضي الله عنهم:   المحكمات الناسخات التي يعمل بهن، والمتشابهات المنسوخات   .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن إسحق بن سويد أن يحيى بن يعمر وأبا فاختة تراجعا هذه الآية "هن أم الكتاب" فقال أوب فاختة:   هن فواتح السور. منها يستخرج القرآن: "الم * ذلك الكتاب" منها استخرجت البقرة و "الم * الله لا إله إلا هو" منها استخرجت آل عمران. وقال يحيى: هن اللاتي فيهن الفرائض، والأمر والنهي والحال والحرام. والحدود وعماد الدين   .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير قال:   المحكمات فيهن حجة الرب وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس فيها تصريف ولا تحريف عما وضعت عليه   وآخر متشابهات   في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله بهن العباد كما ابتلاهم بالحلال والحرام، لا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق   .
وأخرج ابن أبي حاتم مقاتل بن حيان   إنما قال: "هن أم الكتاب" لأنه ليس من أهل دين لا يرضي بهن: "وأخر متشابهات" يعني فيمآ بلغنا   ألم   و   المص   و   المر   .
قلت: وليس في هذه الآثار ونحوها ما يشعر بأن أسماء الله تعالى وصفاته من المتشابه، وما قال المنفاة من أنها من المتشابه دعوى بلا برهان.
قوله:   ولما سمعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الرحمن أنكروا ذلك فأنزل الله فيهم: '13: 30' "وهم يكفرون بالرحمن" روى ابن جرير عن قتادة: "وهم يكفرون بالرحمن" روى ابن جرير عن قتادة: "وهم يكفرون بالرحمن "ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية حين صالح قريشا كتب:   هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال مشركوا قريش: لئن كنت رسول الله ثم قاتلناك لقد ظلمناك، ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله دعنا نقاتلهم. فقال: لا. اكتبوا كما يريدون: إني محمد بن عبد الله فلما كتب الكاتب   بسم الله الرحمن الرحيم   قالت قريش: أما الرحمن فلا نعرفه. وكان أهل الجاهلية يكتبون: باسمك اللهم. فقال أصحابه: دعنا نقاتلهم. قال: لا. ولكن اكتبوا كمآ يريدون   وروى أيضآ عن مجاهد قال: قوله: '13: 30' "كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب" قال:   هذا ما كاتب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا في الحديبية، كتب   بسم الله الرحمن الرحيم   قالوا: لا تكتب الرحمن، لا ندري ما الرحمن؟ لا نكتب إلا باسمك اللهم. قال تعالى: "وهم يكفرون بالرحمن" الآية.
وروى أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:   كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ساجدا: يا رحمن يا رحيم. فقال المشركون: هذا يزعم أنه يدعو واحدا وهو يدعو مثنى مثنى. فأنزل الله: "17: 110" قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى "الآية   .

يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها
قوله: باب
قول الله تعالى: '16: 83' "يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون".
ذكر المصنف رحمه الله ما ذكر بعض العلماء في معناها. وقال ابن جرير: فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنى بالنعمة. فذكر عن سفيان عن السدى: "يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها" قال:   محمد صلى الله عليه سلم   قآل آخرون بل معنى ذلك إنهم يعرفون آن ما عدد الله تعالى ذكره في هذة السورة من النعم من عند الله، وأن الله هو المنعم عليهم بذلك، ولكنهم ينكرون ذلك، فيزعمون أنهم ورثوه عن آبائهم.
وأخرج عن مجاهد: "يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها"، قال:   هي المساكن والأنعام وما يرزقون منها والسرابيل من الحديد والثياب، تعرف هذا كفار قريش ثم تنكره، بأن تقول: هذا كان لآبائنا فورثونا إياه   قآل آخرون: معنى ذلك أن الكفار إذا قيل لهم من: رزقكم؟ أقروا بأن الله هو الذي يرزقهم ثم ينكرونه بقولهم: رزقنا ذلك شفاعة آلهتنا.
وذكر المصنف مثل هذا عن ابن قتيبة وهو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري قاضي مصر النحوي اللغوي، صاحب المصنفات البديعة المفيدة المحتوية على علوم جمة، اشتغل ببغداد وسمع الحديث على إسحاق بن راهوية وطبقته. توفي سنة ست وسبعين ومائتين.
وقال آخرون: ما ذكره المصنف   عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي   أبو عبد الله الكوفي الزاهد عن أبيه وابن عباس وعائشة وعنه قتادة وأبو الزبير والزهري، وثقة أحمد وابن معين قال البخاري: مات بعد العشرين ومائة "يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها" قال:   إنكارهم إياها أن يقول الرجل: لولا فلان ما كان كذا وكذا، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا   اختار ابن جرير القول الأول، واختار غيره أن الآية تعم ما ذكره العلماء في معناها. وهو الصواب والله أعلم.
قوله:   قال مجاهد   هو شيخ التفسير: الإمام الرباني، مجاهد بن جبر المكي مولى بني مخزوم. قال الفضل بن ميمون: سمعت مجاهدا يقول عرضت المصحف على ابن عباس مرات، أقفه عند كل آية وأسأله: فيم نزلت؟ وكيف نزلت؟ وكيف معناها؟ توفي سنة اثنتين ومائة. وله ثلاث وثمانون سنة رحمه الله.
قوله:   قآل أبو العباس   شيخ الإسلام هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الإمام الجليل رحمه الله بعد حديث زيد بن خالد وقد تقدم في باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء. قال: وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به. قال بعض السلف هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقا. نحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير. ا ه.
وكلام شيخ الإسلام يدل على أن حكم هذه الآية عام فيمن نسب النعم إلى غير الله الذي أنعم بها، وأسند أسبابها إلى غيره، كما هو مذكور في كلام المفسرين المذكور بعضه هنا.
قال شيخنا رحمه الله: وفيه اجتماع الضدين في القلب، وتسمية هذا الكلام إنكارا للنعمة.

قول الله "فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون"
قوله: باب
قول الله تعالى: '2: 22 "فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون".
الند: المثل والنظير. وجعل الند لله: هو صرف أنواع العبادة أو شئ منها لغير الله، كحال عبدة الأوثان الذين يعتقدون فيمن دعوه ورجوه أنه ينفعهم ويدفع عنهم، ويشفع لهم. وهذه الآية في سياق قوله تعالى: "يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون" قال العماد ابن كثير رحمه الله في تفسيره: قال أبو العالية: لا تجعلوا لله أندادا أي عدلاء شركاء. وهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة والسدى وأبو مالك واسماعيل بن أبي خالد.
وقال ابن عباس: "فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون" أي لا تشركون بالله شيئا من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه ربكم لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم الرسول إليه من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه . وكذلك قال قتادة ومجاهد: "فلا تجعلوا لله أندادا" قال أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله. وقال ابن زيد: الأنداد هي الآلهة التي جعلوها معه وجعلوا لها مثل ما جعلوا له. وعن ابن عباس: "فلا تجعلوا لله أندادا" أشباها. وقال مجاهد: "فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون" قال تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل. وذكر حديثا في معنى هذه الآية الكريمة وهو ما في مسند أحمد عن الحارث الأشعري أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله أمر يحيى بن زكريا عليه السلام بخمس كلمات أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وأنه كاد أن يبطيء بها فقال له عيسى عليه السلام:   إن الله أمرك بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن، فقال: يا أخي، إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي قال: فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس، حتى امتلأ المسجد وقعد على الشرف فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن: أولاهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا: فإن مثل ذلك مثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا. وآمركم بالصلاة فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت. فإذا صليتم فلا تلتفتوا. وآمركم بالصيام ، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك. وإن خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك. وآمركم بالصدقة. فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يديه إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه. فقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم؟ فجعل يفتدى بالقليل والكثير حتى فك نفسه. وآمركم بذكر الله كثيرا: فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره، فأتى حصنا حصينا فتحصن فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: الجماعة، والسمع والطاعة، والهجرة والجهاد في سبيل الله، فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثي جهنم. قالوا يا رسول الله وإن صلى وصام؟ فقال: وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائهم التي سماهم الله عز وجل: المسلمين المؤمنين عباد الله ".
وهذا حديث حسن، والشاهد منه في هذه الآية قوله: "واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا" وهذه الآية دالة على توحيد الله تعالى بالعبادة وحده لا شريك له. وقد استدل بها كثير من المفسرين على وجود الصانع، وهي دالة على ذلك بطريق الأولى. والآيات الدالة على هذا المقام في القرآن كثيرة جدا. وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد:
تأمل في نبات الأرض وانظر     إلي آثار ما صنع المليك
عيون من لجين ناظرات     بأحداق هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات     بإن الله ليس له شريك
وقال ابن المعتز:
فيا عجبا، كيف يعصى الإل     ه أم كيف يجحده الجاحد؟
وفي كل شئ له آية     تدل على انة واحد
قوله:   وعن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل. وهو أن تقول: والله، وحياتك يا فلانة. وحياتي، وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص. ولولا الله وفلان. لا تجعل فيها فلانا. هذا كله به شرك  رواه ابن أبي حاتم   . بين ابن عباس رضي الله عنهما أن هذا كله من الشرك، وهو الواقع اليوم على ألسن كثير ممن لا يعرف التوحيد ولا الشرك: فتنبه لهذه الأمور. فإنها من المنكر العظيم الذي يجب النهي عنه والتغليظ فيه لكونه من أكبر الكبائر. وهذا من ابن عباس رضي الله عنهما تنبيه بالأدنى من الشرك على الأعلى.

من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر
قوله:   وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم   .
قوله:   فقد كفر او أشرك   يحتمل لي آن يكون شكا من الراوي ويحتمل آن تكون او بمعنى الواو فيكون قد كفر وأشرك. ويكون الكفر الذي هو دون الكفر الأكبر. كما هو من الشرك الأصغر. وورد مثل هذا عن ابن مسعود بهذا اللفظ.
قوله: وقال ابن مسعود:   لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلى من أن أحلف بغيره صادقا   .
ومن المعلوم أن الحلف بالله كاذبا كبيرة من الكبائر لكن الشرك أكبر من الكبائر. وإن كان أصغر كما تقدم بيان ذلك، فإذا كان هذا حال الشرك الأصغر فكيف بالشرك الأكبر الموجب للخلود في النار؟ كدعوة غير الله والاستغاثة به، والرغبة إليه، وإنزال حوائجه به، كما هو حال الأكثر من هذه الأمة في هذه الأزمان وما قبلها: من تعظيم القبور، واتخاذهها أوثانا، والبناء عليها، واتخاذها مساجد، وبناء المشاهد باسم الميت لعبادة من بنيت باسمه وتعظيمه، والإقبال عليه بالقلوب والأقوال والأعمال. وقد عظمت البلوى بهذا الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، وتركوا ما دل عليه القرآن العظيم من النهي عن هذا الشرك وما يوصل إليه. قال الله تعالى: '7: 37' "فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين" كفرهم الله تعالى بدعوتهم من كانوا يدعونه من دونه في دار الدنيا. وقد قال تعالى: '72: 18' "وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا" وقال تعالى: '72: 20 21' "قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا * قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا" وهؤلاء المشركون عكسوا الأمر فخالفوا ما بلغ به الأمة وأخبر به عن نفسه صلى الله عليه وسلم، فعاملوه بما نهاهم عنه من الشرك بالله والتعلق على غير الله حتى قال قائلهم:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به     سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذا بيدي     فضلا، وإلا فقل: يا زلة القدم
فان من جودك الدنيا وضرتها     ومن علومك علم اللوح القلم
فانظر إلى هذا الجهل العظيم حيث اعتقد أنه لا نجاة له إلا بعياذه ولياذه بغير الله، وانظر إلى هذا الإطراء العظيم الذي تجاوز الحد في الإطراء الذي نهي عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله "رواه مالك وغيره، وقد قال تعالى: '6: 50'" قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك ".
فانظر إلى هذه المعارضة العظيمة للكتاب والسنة والمحادة لله ورسوله. وهذا الذي يقوله هذا الشاعر هو الذي في نفوس كثير خصوصا ممن يدعون العلم والمعرفة. ورأوا قراءة هذه المنظومة ونحوها لذلك وتعظيمها من القربات فإن لله وإنا إليه راجعون.
قوله:   وعن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله، ثم شاء فلان" رواه أبو داود بسند صحيح   .
وذلك لأن المعطوف بالواو يكون مساويا للمعطوف عليه، لكونها إنما وضعت لمطلق الجمع. فلا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا. وتسوية المخلوق بالخالق شرك، إن كان في الأصغر مثل هذا فهو أصغر، وإن كان في الأكبر فهو أكبر. كما قال تعالى عنهم في الدار الآخرة: 21: 97، 98 '"تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين" بخلاف المعطوف بثم. فإن المعطوف بها يكون متراخيا عن المعطوف عليه بمهملة. فلا محذور لكونه صار تابعا.
قوله:   وعن إبراهيم النخعي:   أنه يكره أن يقول الرجل أعوذ بالله وبك. ويجوز أن يقول: بالله ثم بك. قال ويقول: لولا الله ثم فلان. لا تقولوا: لولا الله وفلان.
وقد تقدم الفرق بين ما يجوز وما لا يجوز من ذلك. هذا إنما هو في الحي الحاضر الذي له قدرة وسبب في الشئ. وهو الذي يجري في حقه مثل ذلك. وأما في حق الأموات الذين لا إحساس لهم بمن يدعوهم ولا قدرة لهم على نفع ولا ضر. فلا يقال في حقهم شئ من ذلك. فلا يجوز التعلق عليه بشئ ما بوجه من الوجوه، والقرآن يبين ذلك وينادي بأنه يجعلهم آلهة إذا سئلوا شيئا من ذلك، أو رغب إليهم أحد بقوله أو عمله الباطن أو الظاهر، فمن تدبر القرآن ورزق فهمه صار على بصيرة من دينه وبالله التوفيق.
والعلم لا يؤخذ قسرا وإنما يؤخذ بأسباب ذكرها بعضهم في قوله:
أخي، لن تنال العلم إلا بستة     سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاء وحرص، واجتهاد وبلغة     وإرشاد أستاذ، وطول زمان
وأعظم من هذه الستة من رزقه الله تعالى الفهم والحفظ، وأتعب نفسه في تحصيله فهو الموفق لمن شاء من عباده. كما قال تعالى: '4: 113' "وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما".
ولقد أحسن العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى من حيث قال:
والجهل داء قاتل وشفاؤه     أمران في التركيب متفقان
نص من القرآن، او من سنة     وطبيب ذاك العالم الرباني
والعلم أقسام ثلاث، ما لها     من رابع، والحق ذو تبيان
علم بأوصاف الإله وفعله     وكذلك الأسماء للرحمن
والأمر النهي الذى هو دينه     وجزاؤه يوم المعاد الثاني
الكل في القرآن السنن ألتي     جاءت عن المبعوث بالقرآن
والله ما قال امرؤ متحذلق      بسواهما إلا من الهذيان

باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله والنهي عن الحلف بالآباء
قوله: باب
(ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله)
عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ".. لا تحلفوا بآبائكم من حلف بالله فليصدق ومن حلف له بالله فليرض ومن لم يرض فليس من الله". رواه ابن ماجه بسند حسن.
قوله:   لا تحلفوا بآباكم   تقدم النهي عن الحلف بغير الله عمومآ.
قوله:   من حلف بالله فليصدق   هذا ممآ أوجبه الله على عباده وحضهم عليه في كتابه. قال تعالى: '9: 119 "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين" وقال: "33: 35" والصادقين والصادقات "وقال:" 47: 21 "فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم" وهو حال أهل البر، كما قال تعالى: '2: 177' "ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين" إلى قوله "أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون".
وقوله: من حلف فليرض، ومن لم يرض فليس من الله   آمآ إذآ لم يكن له بحكم الشريعة على خصمه إلا اليمين فأحلفه فلا ريب انة يجب عليه الرضا. وأما إذا كان فيما يجري بين الناس مما قد يقع في الاعتذارات من بعضهم لبعض ونحو ذلك. فهذا من حق المسلم على المسلم: أن يقبل منه إذا حلف له معتذرا أو متبرئا من تهمة ومن حقه عليه: أن يحسن به الظن إذا لم يتبين خلافه، كما في الأثر عن عمر رضي الله عنه:   ولا تظنن بكلمة خرجت من مسلم شرا وأنت تجد لها في الخير محملا   .
وفيه: من التواضع والألفة والمحبة وغير ذلك من المصالح التي يحبها الله ما لا يخفى على من له فهم. وذلك من أسباب اجتماع القلوب على طاعة الله، ثم إنه يدخل في حسن الخلق الذي هو أثقل ما يوضع في ميزان العبد، كما في الحديث وهو من مكارم الأخلاق.
فتأمل أيها الناصح لنفسه ما يصلحك مع الله تعالى: من القيام بحقوقه وحقوق عباده، وإدخال السرور على المسلمين، وترك الانقباض عنهم والترفع عليهم. فإن فيه من الضرر ما لا يخطر بالبال ولا يدور بالخيال. وبسط هذه الأمور وذكر ما ورد فيها مذكور في كتب الأدب وغيرها. فمن رزق ذلك والعمل بما ينبغي العمل به من وترك ما يجب تركه من ذلك، دل على وفور دينه، وكمال عقله. والله الموفق لعبده الضعيف المسكين. والله أعلم.

باب: قول ما شاء الله وشئت
باب
قول: (ما شاء الله وشئت)
عن قتيلة: "أن يهوديا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون، وتقولون: والكعبة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت "رواه النسائي وصححه.
قوله:   عن قتيلة   بمثناة مصغرة بنت صيفي الانصارية صحابية مهاجرة، لها حديث في سنن النسائي، وهو المذكور في الباب. ورواه عنها عبد الله بن يسار الجعفي.
وفيه: قبول الحق مما جاء به كائنا من كان. وفيه: بيان النهي عن الحلف بالكعبة، مع أنها بيت الله التي حجها وقصدها بالحج والعمرة فريضة. وهذا يبين أن النهي عن الشرك بالله عام لا يصلح منه شئ، لا لملك مقرب ولا نبي مرسل. ولا للكعبة التي هي بيت الله في أرضه. وأنت ترى ما وقع من الناس اليوم من الحلف بالكعبة وسؤالها ما لا يقدر عليه إلا الله. ومن المعلوم أن الكعبة لا تضر ولا تنفع. وإنما شرع الله لعباده الطواف بها والعبادة عندها وجعلها للأمة قبلة: فالطواف بها مشروع والحف بها ودعاؤها ممنوع. فميز أيها المكلف بين ما يشرع وما يمنع، وإن خالفك من خالفك من جهة الناس الذين هم كالأنعام، بل هم أضل سبيلا.
قوله:   إنكم تشركون. تقولون: ما شاء الله وشئت   والعبد وان كآنت له مشيئة فمشيئته تابعة لمشيئة الله، ولا قدرة له على أن يشأ شيئا إلا إذا كان الله قد شاءه، كما قال تعالى: '81: 28، 29' "لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين "وقوله: '76: 29، 30'" إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا * وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما ".
وفي هذه الآيات والأحاديث: الرد على القدرية والمعتزلة، نفاة القدر الذين يثبتون للعبد مشيئة تخالف ما أراده الله تعالى من العبد وشاءه، وسيأتي ما يبطل قولهم في:   باب ما جاء في منكري القدر   إن شاء الله تعالى، وأنهم مجوس هذه الأمة.
وأما أهل السنة والجماعة فتمسكوا بالكتابة والسنة في هذا الباب وغيره. واعتقدوا أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله تعالى في كل شئ مما يوافق ما شرعه الله وما يخالفه، من أفعال العباد وأقوالهم. فالكل بمشيئة الله وإرادته. فما وافق ما شرعه رضيه وأحبه. وما خالفه كرهه من العبد، كما قال تعالى: '39: 7 "إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر" الآية. وفيه: بيان أن الحلف بالكعبة شرك. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقر اليهودي على قوله:   إنكم تشركون   .
قوله:   وله أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله ندا بل ما شاء الله وحده؟".
هذا يقرر ما تقدم من أن هذا شرك، لوجود التسوية في العطف بالواو.
وقوله:   أجعلتني لله ندا   فيه بيان آن من سوى العبد بالله ولو في الشرك الأصغر فقد جعله ندا لله شاء أم أبى، خلافا لما يقوله الجاهلون، مما يختص بالله تعالى من عباده، وما يجب النهي عنه من الشرك بنوعيه. ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.
قوله:   ولابن ماجه: عن الطفيل أخي عائشة لأمها قال:   رأيت فيما يرى النائم كأني أتيت على نفر من اليهود، فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون عزير ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: من أنتم؟ قالوا نحن النصارى. قلت إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: هل أخبرت بها أحدا؟ قلت: نعم. قال: فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أما بعد فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها. فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده   .
قوله: عن الطفيل أخي عائشة لامها   هو الطفيل بن عبد الله بن سخبرة أخو عائشة لامها، صحابي له حديث عند ابن ماجه، وهو ما ذكره المصنف في الباب.
وهذه الرؤيا حق أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل بمقتضاها. فنهاهم أن يقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، وأمرهم أن يقولوا:   ما شاء الله وحده   .
وهذا الحديث والذي قبله فيه أن يقولوا: ما شاء الله وحده   ولا ريب آن هذا أكمل في الإخلاص وأبعد عن الشرك من آن يقولوا:   ثم شاء فلان  لان فيه التصريح بالتوحيد المنافي للتنديد في كل وجه. فالبصير يختار لنفسه أعلى مراتب الكمال في مقام التوحيد والإخلاص.
قوله:   كان يمنعني كذا وكذا آن أنهاكم عنها   ورد في بعض الطرق:   انة كان يمنعه الحياء منهم   وبعد هذا الحديث الذى حدثه به الطفيل عن رؤياه خطبهم صلى الله عليه سلم فنهى عن ذلك نهيا بليغا، فما زال صلى الله عليه وسلم يبلغهم حتى أكمل الله له الدين وأتم له به النعمة، وبلغ البلاغ المبين، صلوات الله وسلامهم عليه وعلى آله وصبحه أجمعين.
وفيه معنى قوله صلى الله عليه وسلم:   "الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة".
قلت: وإن كان رؤيا منام فهي وحي يثبت بها ما يثبت بالوحي أمرا ونهيا. والله أعلم.

باب من سب الدهر فقد آذى الله
قوله: باب
(من سب الدهر فقد آذى الله)
وقول الله تعالى: '45: 24' "وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر".
قال العماد ابن كثير في تفسيره: يخبر تعالى عن دهرية الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد: "وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر" ما ثم إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثم معاد ولا قيامة. وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون للمعاد، ويقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ينكرون البدأة والرجعة. وتقول الفلاسفة الدهرية الدورية، المنكرون للصانع، المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شئ إلى ما كان عليه. وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى، فكابروا المعقول وكذبوا المنقول، ولهذا قالوا: "وما يهلكنا إلا الدهر" قال الله تعالى: "وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون" أي يتوهمون ويتخيلون.
فأما الحديث الذي أخرجه صاحب الصحيح وأبو داود والنسائي من رواية سفيان ابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار "وفي رواية:" لا تسبوا الدهر فإني أنا الدهر "وفي رواية:" لا يقل ابن آدم يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أرسل الليل والنهار، فإذا شئت قبضتهما "ا ه.
قال في شرح السنة: حديث متفق على صحته أخرجاه من طريق معمر من أوجه عن أبي هريرة قال: ومعناه أن العرب كان من شأنها ذم الدهر أي سبه عند النوازل، لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر وأبادهم الدهر، فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد التي يصنعونها فنهوا عن سب الدهر. ا ه باختصار.
وقد أورده ابن جرير بسياق غريب جدا بهذا الطريق. قال:   كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا، فقال الله في كتابه: "وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر". ويسبون الدهر. فقال الله عز وجل:   يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار   .
وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن منصور عن سريج بن النعمان عن ابن عيينة مثله. ثم روى عن يونس عن ابن وهب عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يقول الله تعالى: يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار" وأخرجه صاحب الصحيح والنسائي من حديث يونس بن يزيد به.
وقال محمد بن إسحاق عن العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله عز وجل: استقرضت عبدي فلم يعطني، ويسبني عبدي، يقول: وادهراه، وأنا الدهر".
قال الشافعي وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله:   ألا تسبوا الدهر فان الله هو الدهر   كآنت العرب في جاهليتها إذآ أصابهم شدة او بلاء او نكبة قالوا: يا خيبة الدهر فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله تعالى. فكأنما إنما سبوا الله سبحانه، لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نهى عن سب الدهر بهذا الإعتبار لأن الله هو الدهر الذي يعنونه ويسندون إليه تلك الأفعال. هذا أحسن ما قيل في تفسيره وهو المراد والله أعلم.
وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرة في عدهم   الدهر   من الأسماء الحسنى أخذا من هذا الحديث. ا ه.
وقد بين معناه في الحديث بقوله:   أقلب الليل والنهار   وتقليبه تصرفه تعالى فيه بمآ يحبه الناس ويكرهونه.
وفي هذا الحديث زيادة لم يذكرها المصنف رحمه الله تعالى، وهي قوله:   بيدي الأمر   .
قوله:   وفي رواية:   لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر   .
معنى هذه الرواية: هو ما صرح به في الحديث من قوله:   وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار   يعني ما يجري فيه من خير وشر بإرادة الله وتدبيره، بعلم منه تعالى وحكمة، لا يشاركه في ذلك غيره. ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالواجب عند ذلك حمده في الحالتين وحسن الظن به سبحانه وبحمده، والرجوع إليه بالتوبة والإنابة. كما قال الله تعالى: '7: 168 "وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون" وقال تعالى:' 21: 35 '"ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون" ونسبة الفعل إلى الدهر ومسبته كثيرة، كما في أشعار المولدين، كابن المعتز والمتنبي وغيرهما. وليس منه وصف السنين بالشدة ونحو ذلك كقوله تعالى: '12: 48' "ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد" الآية. وقال بعض الشعراء:
إن الليالي من الزمان مهولة     تطوى وتنشر بينها الأعمار
فقصارهن مع الهموم طويلة     وطوالهن مع السرور قصار
وقال أبو تمام:
أعوام وصل كاد ينسى طيبها      ذكر النوى، فكأنها أيام
ثم انبرت أيام هجر أعقبت     نحوي أسى، فكأنها أعوام
ثم انقضت تلك السنون أهلها     فكأنها وكأنهم أحلام

باب التسمى بقاضي القضاة
قوله: باب
(التسمى بقاضي القضاة ونحوه)
ذكر المصنف رحمه الله هذه الترجمة إشارة إلى النهى عن التسمى بقاضي القضاة قياسا على ما في حديث الباب. لكونه شبهه في المعنى فينهى عنه.
قوله:   في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله"   .
لأن هذا اللفظ إنما يصدق على الله تعالى. فهو ملك الأملاك لا ملك أعظم ولا أكبر منه. مالك الملك ذو الجلال والإكرام. وكل ملك يؤتيه الله من يشاء من عباده فهو عارية يسرع ردها إلى المعير. وهو الله تعالى، ينزع الملك من ملكه تارة وينزع الملك منه تارة فيصير لا حقيقة له سوى اسم زال مسماه. وأما رب العالمين فملكه دائم كامل لا انتهاء له بيده القسط يخفضه ويرفعه، ويحفظ على عباده أعمالهم بعلمه سبحانه وتعالى، وما تكتبه الحفظة عليهم. فيجازى كل عامل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر. كما ورد في الحديث: ".. اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أسألك من الخير كله، وأعوذ بك من الشر كله".
قوله:   قال سفيان   يعني ابن عيينة   مثل شاهنشاه   عند العجم عبارة عن ملك الاملاك. ولهذا مثل به سفيان لأنه عبارة عنه بلغة العجم.
قوله:   وفي رواية:   أغيظ رجل على الله وأخبثه   .
قوله:   أغيظ   من الغيظ وهو مثل الغضب والبغض. فيكون بغيضا إلى الله مغضوبا عليه. والله أعلم.
قوله:   وأخبثه   وهو يدل على آن أيضآ هذا خبيث عند الله فاجتمعت في حقه هذة الأمور لتعاظمه في نفسه وتعظيم الناس له بهذه الكلمة ألتي هي من أعظم التعظيم، فتعظمه في نفسه وتعظيم الناس له بما ليس له بأهل، وضعه عند الله يوم القيامة. فصار أخبث الخلق وأبغضهم إلى الله وأحقرهم، لأن الخبيث البغيض عند الله يكون يوم القيامة أحقر الخلق وأخبثهم، لتعاظمه في نفسه على خلق الله بنعم الله.
قوله:   أخنع: يعني أوضع   هذا هو معنى   أخنع   فيفيد ما ذكرنا في معنى   أغيظ   انة يكون حقيرا بغيضا عند الله.
وفيه التحذير من كل ما فيه تعاظم. كما أخرج أبو داود عن أبي مجلذ قال:   خرج معاوية رضي الله عنه على ابن الزبير وابن عامر. فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير. فقال معاوية لابن عامر: اجلس، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار" وأخرجه الترمذي أيضا، وقال حسن. وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا على عصا، فقمنا إليه فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم، يعظم بعضهم بعضا" رواه أبو داود.
قوله:   أغيظ رجل   هذا من الصفات ألتي تمر كمآ جاءت، وليس شئ مما ورد في الكتاب والسنة إلا ويجب اتباع الكتاب والسنة في ذلك وإثباته على وجه يليق بجلال الله وعظمته تعالى، إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل كما تقدم، والباب كله واحد. وهذا هو قول أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الفرق الناجية من الثلاث والسبعين فرقة. وهذا التفرق والاختلاف إنما حدث في أواخر القرن الثالث وما بعده كما لا يخفى على من له معرفة بما وقع في الأمة من التفرق والاختلاف والخروج عن الصراط المستقيم، والله المستعان.

باب إحترام أسماء الله
باب
(احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك)
عن أبي شريح:   أنه كان يكنى أبا الحكم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله هو الحكم وإليه الحكم، فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شئ أتوني فحكمت بينهم فرضى كلا الفريقين فقال:.. ما أحسن هذا فما لك من الولد قل: شريح ومسلم وعبد الله. قال: فمن أكبرهم قلت:؟. شريح قال: فأنت أبو شريح "رواه أبو داود وغيره   .
قوله:   عن أبي شريح   قال في خلاصة التهذيب: هو أبو شريح الخزاعي اسمه خويلد بن عمرو أسلم يوم الفتح، له عشرون حديثا، اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بحديث، وروى عنه أبو سعيد المقبري ونافع بن جيير وطائفة. قال ابن سعد: مات بالمدينة سنة ثمان وستين. وقال الشارح اسمه هانيء بن يزيد الكندي قاله الحافظ، وقيل: الحارث الضبابي. قاله المزي.
قوله:   يكنى   الكنية ما صدر باب او أم ونحو ذلك واللقب ما ليس كزين العابدين ديها بنات ونحوه.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم:   إن الله هو الحكم وإليه الحكم   فهو سبحانه الحكم في الدنيا الآخرة، يحكم بين خلقه في الدنيا بوحيه الذي أنزل على أنبيائه ورسله، وما من قضية إلا ولله فيها حكم بما أنزل على نبيه من الكتاب والحكمة، وقد يسر الله معرفة ذلك لأكثر العلماء من هذه الأمة، فإنها لا تجتمع على ضلالة، فإن العلماء وإن اختلفوا في بعض الأحكام فلا بد أن يكون المصيب فيهم واحدا، فمن رزقه الله تعالى قوة الفهم وأعطاه ملكة يقتدر بها على فهم الصواب من أقوال العلماء يسر له ذلك بفضله ومنه عليه وإحسانه إليه، فما أجلها من عطية، فنسأل الله من فضله.
قوله:   وإليه الحكم في الدنيا الآخرة   كمآ قال تعالى: '42: 10' "وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله" وقال: 4: 59 "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا "فالحكم إلي الله هو الحكم إلى كتابه، والحكم إلى رسوله هو الحكم إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته.
وقد قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: "بم تحكم قال: بكتاب الله: قال: فإن لم تجد قال:؟.؟. بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإن لم تجد قال أجتهد رأيي فقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله إلى ما يرضى رسول الله "فمعاذ من أجل علماء الصحابة بالأحكام ومعرفة الحلال من الحرام، ومعرفة أحكام الكتاب والسنة. ولهذا ساغ له الاجتهاد إذا لم يجد للقضية حكما في كتاب الله، ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بخلاف ما يقع اليوم وقبله من أهل التفريط في الأحكام ممن يجهل حكم الله في كتابه وسنة رسوله، فيظن أنه الاجتهاد يسوغ له مع الجهل بأحكام الكتاب والسنة وهيهات.
وأما يوم القيامة فلا يحكم بين الخلق إلا الله عز وجل إذا نزل لفصل القضاء بين العباد، فيحكم بين خلقه بعلمه. وهو الذي لا يخفى عليه خافية من أعمال خلقه: 4: 40 "إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما" والحكم يوم القيامة إنما هو بالحسنات والسيئات، فيؤخذ للمظلوم من الظالم من حسناته بقدر ظلامته إن كان له حسنات، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم، فطرح على سيئات الظالم لا يزيد على هذا مثقال ذرة ولا ينقص هذا عن حقه بمثقال ذرة.
قوله:   فإن قومي إذا اختلفوا في شئ أتوني فحكمت بينهم فرضى كلا الفريقين فقال: ما أحسن هذا   والله أعلم فالمعنى آن أبا شريح لما عرف منه قومه انة صاحب إنصاف وتحر للعدل بينهم ومعرفة ما يرضيهم من الجانبين صار عندهم مرضيا وهذآ هو الصلح: لأن مدارؤ على الرضى لا على الإلزام. ولا على الكهان وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، ولا على الاستناد إلى أوضاع أهل الجاهلية من أحكام كبرائهم وأسلافهم التي تخالف حكم الكتاب والسنة. كما قد يقع اليوم كثيرا، كحال الطواغيت الذين لا يلتفتون إلى حكم الله ولا إلى حكم رسوله. وإنما المعتمد عندهم ما حكموا به بأهوائهم وآرائهم.
وقد يلتحق بهذا بعض المقلدة لمن لم يسغ تقليده فيعتمد على قول من قلده ويترك ما هو الصواب الموافق لأصول الكتاب والسنة. والله المستعان.
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فما لك من الولد قال شريح، ومسلم، وعبد الله قال:؟ فمن أكبرهم قلت:؟. شريح قال: فأنت أبو شريح" فيه تقديم الأكبر في الكنية وغيرها غالبا. وجاء هذا المعنى في غير ما حديث والله أعلم.

باب من هزل بشيء فيه ذكر الله والرسول
قوله: باب
(من هزل بشئ فيه الله أو القرآن أو الرسول) أي فقد كفر
قوله: وقول الله تعالى: '9: 65' "ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون".
قال العماد ابن كثير رحمه الله في تفسيره: قال أبو معشر المدني عن محمد بن كعب القرظي وغيره:   قالوا: قال رجل من المنافقين: ما أرى مثل قرائنا هؤلاء؟ أرغبنا بطونا، وأكذبنا ألسنا، وأجبننا عند اللقاء، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته. فقال يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق. فقال: "أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين" وإن رجليه ليسفعان الحجارة، وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متعلق بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم   وقال عبد الله بن وهب: أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر قال:   قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن. قال عبد الله بن عمر: وأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم "   وقد رواه الليث عن هشام بن سعد بنحو هذا.
وقال ابن إسحاق:   وقد كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني أمية ابن زيد بن عمرو بن عوف، ورجل من أشجع حليف لبنى سلمة يقال له: مخشي بن حمير، يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟ والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الجبال، إرتجافا وترهيبا للمؤمنين. فقال مخشي بن حمير: والله لوددت أني أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، وأنا نتلفت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني لعمار بن ياسر: أدرك القوم فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بل قلتم كذا وكذا وكذا، فانطلق إليهم عمار، فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذورن إليه. فقال وديعة بن ثابت ورسول الله واقف على راحلته فجعل يقول وهو آخذ بحقها: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، فقال مخشي بن حمير: يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي، فكان الذي عناه أي بقوله تعالى: "إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة "في هذه الآية: مخشي بن حمير فسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيدا لا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر   .
وقال عكرمة في تفسير هذه الآية:   كان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول: اللهم إني أسمع آية أنا أعني بها تقشعر منها الجلود، وتجل منها القلوب. اللهم فاجعل وفاتي قتلا في سبيلك، لا يقول أحد أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت. قال: فأصيب يوم اليمامة، فما أحد من المسلمين إلا وقد وجد غيره   .
وقوله: "لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم" أي بهذه المقالة التي استهزأتم بها "إن نعف عن طائفة منكم" أي مخشي بن حمير "نعذب طائفة" أي لا يعفى عن جميعكم، ولا بد من عذاب بعضكم "إنهم كانوا مجرمين" أي بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة. انتهى.
قال شيخ الإسلام: وقد أمره الله تعالى أن يقول لهم: "قد كفرتم بعد إيمانكم" وقول من يقول: إنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع كفرهم أولا بقلوبهم: لا يصح لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر، فلا يقال: قد كفرتم بعد إيمانكم، فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر، وإن أريد أنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان، فهم لم يظهروا للناس إلا لخواصهم، وهم مع خواصهم ما زالوا كذلك. ولا يدل اللفظ على أنهم ما زالوا منافقين.
وقال رحمه الله في موضع آخر: فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم: إنما تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل إنما كنا نخوض ونلعب. وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر. ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدرا بهذا الكلام، ولو كان الإيمان في قلبه لمنعه أن يتكلم بهذا الكلام، والقرآن يبين أن إيمان القلب يستلزم العمل الظاهر بحسبه. كقوله تعالى: '24: 47 52' "ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك" إلى قوله "إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون" فنفى الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول، وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم سمعوا وأطاعوا، فبين أن هذا من لوازم الإيمان، انتهى.
وفيه: بيان أن الإنسان قد يكفر بكلمة يتكلم بها أو عمل يعمل به. وأشدها خطرا إرادات القلوب. فهي كالبحر الذي لا ساحل له. ويفيد الخوف من النفاق الأكبر. فإن الله تعالى أثبت لهؤلاء إيمانا قبل أن يقولوا ما قالوه، كما قال ابن أبي مليكة:   أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه   . نسأل الله السلامة والعفو والعافية في الدنيا والآخرة.

باب قول الله "ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته" الآية
قوله: باب
قول الله تعالى: '41: 50' "ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته" الآية.
ذكر المصنف رحمه الله تعالى عن ابن عباس وغيره من المفسرين في معنى هذه الآية وما بعدها ما يكفي في المعنى ويشفي.
قوله:   قال مجاهد: هذا بعملي وأنا محقوق به. وقال ابن عباس: يريد من عندي. وقوله: "قال إنما أوتيته على علم عندي" قال قتادة:   على علم مني بوجوه المكاسب: وقال آخرون:   على علم من الله أني له أهل وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف   .
وليس فيما ذكروه اختلاف وإنما هي افراد المعنى.
قال العماد ابن كثير رحمه الله في معنى قوله تعالى: '39: 49' "إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة" يخبر أن الإنسان في حالة الضر يضرع إلى الله تعالى وينيب إليه ويدعوه، ثم إذا خوله نعمة منه طغى وبغى و "قال إنما أوتيته على علم" أي لما يعلم الله من استحقاق له، ولولا أني عند الله حظيظ لما خولني هذا. قال تعالى: "بل هي فتنة" أي ليس الأمر كما زعم بل إنما أنعمنا عليه بهذه النعمة لنختبره فيما أنعمنا عليه أيطيع أم يعصى؟ مع علمنا المتقدم بذلك "بل هي فتنة" أي إختبار "ولكن أكثرهم لا يعلمون" فلهذا يقولون ما يقولون، ويدعون ما يدعون: "قد قالها الذين من قبلهم" أي قد قال هذه المقالة وزعم هذا الزعم وادعى هذه الدعوى كثير ممن سلف من الأممم " فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون "أي فما صح قولهم ولا نفعهم جمعهم، وما كانوا يكسبون. كما قال تعالى مخبرا عن قارون: '28: 76 78 "إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين * وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين * قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون "وقال تعالى: '26: 138'" وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين "ا ه.

حديث أبرص وأقرع وأعمى
قوله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن ثلاثة .. الحديث   .
قوله:   أخرجاه   آي البخاري ومسلم. والناقة العشراء بضم العين وفتح الشين وبالمد هي الحامل.
قوله:   أنتج   وفي رواية   فنتج   معناه تولي نتاجها، والناتج للناقة كالقابلة للمرأة.
قوله:   ولد هذا   هو بتشديد اللام، أي تولى ولادتها، وهو بمعنى   أنتج   في الناقة، فالمولد والناتج والقابلة بمعنى واحد، لكن هذا للحيوان، وذلك لغيره.
وقوله:   انقطعت بي الحبال   هو بالحاء المهملة والباء الموحدة: هي الأسباب.
قوله:   لا أجهدك   معناه: لا أشق عليك في رد شئ تأخذ، أو تطلب من مالي ذكره النووي.
وهذا حديث عظيم، وفيه معتبر: فإن الأولين جحدا نعمة الله، فما أقرا لله بنعمة، ولا نسبا النعمة إلى المنعم بها، ولا أديا حق الله فيها، فحل عليهما السخط. وأما الأعمى فاعترف بنعمة الله، ونسبها إلى من أنعم عليه بها، وأدى حق الله فيها، فاستحق الرضا من الله بقيامه بشكر النعمة لما أتى بأركان الشكر الثلاثة التي لا يقوم الشكر إلا بها. وهي الإقرار بالنعمة ونسبتها إلى المنعم، وبذلها فيما يجب.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له، والذل والمحبة، فمن لم يعرف النعمة بل كان جاهلا بها لم يشكرها، ومن عرفها ولم يعرف بها لم يشكرها أيضا، ومن عرف النعمة والمنعم لكن جحدها كما يحجد المنكر لنعمة المنعم عليه بها فقد كفرها، ومن عرف النعمة والمنعم بها، وأقر بها ولم يجحدها، ولكن لم يخضع له ولم يحبه ويرض به وعنه، لم يشكره أيضا، ومن عرفها وعرف المنعم بها وأقر بها، وخضع للمنعم بها، وأحبه ورضى به وعنه، واستعملها في محابه وطاعته، فهذا هو الشاكر لها، فلا بد في الشكر من علم القلب، وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له.
قوله:   قذرني الناس   بكراهة رؤيته وقربه منهم.

باب قول الله "فلما آتاهما صالحا" الآية
 قول الله "7: 190" فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون "   .
قال الإمام أحمد رحمه الله في معنى هذه الآية: حدثنا عبد الصمد حدثنا عمر بن إبراهيم حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش ، فسمته عبد الحارث فعاش. وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره "وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن بشار بندار عن عبد الصمد بن عبد الوارث به. ورواه الترمذي في تفسير هذه الآية عن محمد ابن المثنى عن عبد الصمد به، وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم، ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه. ورواه الحاكم في   مستدركه   من حديث عبد الصمد مرفوعا، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ورواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيره عن أبي زرعة الرازي عن هلال بن فياض عن عمر بن إبراهيم به مرفوعا.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا سهيل بن يوسف عن عمرو عن الحسن "جعلا له شركاء فيما آتاهما" قال:   كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن آدم   . وحدثنا بشر بن معاذ قال: حدثني يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة قال: كان الحسن يقول:   هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا فهودوا ونصروا   وهذآ إسناد صحيح عن الحسن رحمه الله.
قال العماد ابن كثير في تفسيره: وأما الآثار: فقال: محمد بن إسحاق عن داود ابن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال:   كانت حواء تلد لآدم عليه السلام أولادا فتعبدهم لله وتسميهم عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس فقال: أما إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه به لعاش، فولدت له رجلا فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل الله: "هو الذي خلقكم من نفس واحدة" الآية وقال العوفي عن ابن عباس: فأتاهما الشيطان فقال: هل تدريان ما يولد لكما؟ أم هل تدريان ما يكون، أبهيمة أم لا؟ وزين لهما الباطل، إنه لغوي مبين، وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا، فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم تسمياه بي لم يخرج سويا، ومات كما مات الأول. فسميا ولدهما عبد الحارث، فذلك قوله تعالى: "فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون"   .
وذكر مثله عن سعيد بن جيير عن ابن عباس. ورواه ابن أبي حاتم. وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، ومن الطبقة الثانية: قتادة والسدى وجماعة من الخلف، ومن المفسرين والمتأخرين جماعات لا يحصون كثرة. قال العماد ابن كثير: وكأن أصله والله أعلم مأخوذ من أهل الكتاب.
قلت: وهذا بعيد جدا.
قوله:   قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله كعبد عمرو وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشى عبد المطلب   .
ابن حزم: هو عالم الأندلس، أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم القرطبي الظاهري. صاحب التصانيف، توفي سنة ست وخمسين وأربعمائة. وله اثنتان وسبعون سنة.
وعبد المطلب هذا هو جد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو ابن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وما فوق عدنان مختلف فيه. ولا ريب أنهم من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام.
حكى رحمه الله اتفاق العلماء على تحريم كل ما عبد لغير الله، لأنه شرك في الربوبية والإلهية. لأن الخلق كلهم ​​ملك لله وعبيد له، استعبدهم لعبادته وحده، وتوحيده في ربوبيته وإلهيته، فمنهم من عبد الله ووحده في ربوبيته وإلهيته، ومنهم من أشرك به في إلهيته وأقر له بربوبيته وأسمائه وصفاته، وأحكامه القدرية جارية عليهم ولا بد، كما قال تعالى: " 19: 93 '"إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا" فهذه هي العبودية العامة.
وأما العبودية الخاصة فإنها تخص بأهل الإخلاص والطاعة، كما قال تعالى: "أليس الله بكاف عبده" ونحوها.
قوله:   حاشي عبد المطلب   هذا استثناء من العموم المستفاد من   كل وذلك آن تسميته بهذا الإسم لا محذور فيها، لأن أصله من عبودية الرق، وذلك أن المطلب أخو هاشم قدم المدينة، وكان ابن أخيه   شيبة   هذا قد نشا في أخواله بني النجار من الخزرج، لأن هاشما تزوج فيهم امرأة، فجاءت منه بهذا الابن، فلما شب في أخواله، وبلغ سن التمييز سافر به عمه المطلب إلى مكة بلد أبيه وعشيرته فقدم به مكة وهو رديفه، فرآه أهل مكة وقد تغير لونه بالسفر، فحسبوه عبدا للمطلب، فقالوا: هذا عبد المطلب ، فعلق به هذا الإسم وركبه، فصار لا يذكر ولا يدعى إلا به، فلم يبق للأصل معنى مقصود. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا ابن عبد المطلب" وقد صار معظما في قريش والعرب، فهو سيد قريش وأشرفهم في جاهليته، وهو الذي حفر زمزم وصارت له السقاية وفي ذريته من بعده. وعبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد بني عبد المطلب، وتوفي في حياة أبيه. قال الحافظ صلاح الدين العلائي في كتاب الدرة السنية في مولد خير البرية: كان سن أبيه عبد الله حين حملت منه آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ثمانية عشر عاما، ثم ذهب إلى المدينة ليمتار منها تمرا لأهله فمات بها عند أخواله بني عدي بن النجار ، والنبي صلى الله عليه حمل على الصحيح. انتهى.
قلت: وصار النبي صلى الله عليه وسلم لما أوضعته أمه في كفالة جده عبد المطلب. قال الحافظ الذهبي: وتوفي أبوه عبد الله وللنبي ثمانية وعشرون شهرا، وقيل أقل من ذلك، وقيل: وهو حمل. توفي بالمدينة، وكان قد قدمها ليمتار تمرا، وقيل: بل مر بها راجعا من الشام، وعاش خمسة وعشرين سنة. قال الواقدي: وذلك أثبت الأقاويل في سنه ووفاته. وتوفيت أمه آمنة بالأبواء وهي راجعة به صلى الله عليه وسلم إلى مكة من زيارة أخوال أبيه بني عدي بن النجار، وهو يومئذ ابن ست سنين ومائة يوم، وقيل: ابن أربع سنين. فلما ماتت أمه حملته أم أيمن مولاته إلى جده، فكان في كفالته إلى أن توفي جده، وللنبي صلى الله عليه وسلم ثمان سنين فأوصى به إلى عمه أبو طالب ا ه.
قوله:   وعن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية   قد قدمنا ​​نظيره عن ابن عباس في المعنى.
قوله:   وله بسند صحيح عن قتادة قال:   شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته   قال شيخنا رحمه الله: إن هذا الشرك في مجرد تسمية، لم يقصدا حقيقته التي يريدها إبليس، وهو محمل حسن يبين أن ما وقع من الأبوين من تسميتهما ابنهما عبد الحارث إنما هو مجرد تسمية لم يقصدا تعبيده لغير الله وهذا معنى قول قتادة: شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته.

قول الله "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها"
قوله: باب
 قول الله تعالى: '7: 180 "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه" الآية.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر" أخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان ابن عيينة. ورواه البخاري عن أبي اليمان عن أبي الزناد عن الأعرج عنه. وأخرجه الجوزجاني عن صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم عن شعيب بسنده مثله. وزار بعد قوله: "يحب الوتر: هو الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارىء، المصور، القهار، الغفار، الوهاب، الرزاق ، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم ، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدىء، المعيد، المحيى، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد ، الفرد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المعطي، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور ". ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب. وقد روى من غير وجه عن أبي هريرة، ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث. الذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه. وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير بن محمد أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك. أي أنهم جمعوها من القرآن كما روى عن جعفر بن محمد وسفيان وأبي زيد اللغوي والله أعلم.
هذا ما ذكره العماد ابن كثير في تفسيره. ثم قال: ليعلم أن الأسماء الحسنى ليست منحصرة في تسعة وتسعين. بدليل ما رواه أحمد عن يزيد بن هارون عن فضيل بن مرزوق عن أبي سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك بن عبدك، بن أمتك، ناصيت بيدك. ماض في حكمك. عدل في قضاؤك. أسألك اللهم بكل اسم هو لك. سميت به نفسك. أو أنزلته في كتابك. أو علمته أحدا من خلقك. أو استأثرت به في علم الغيب عنك. أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمى إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحا فقيل:.... يا رسول الله: ألا نتعلهما فقال:؟ بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها "وقد أخرجه أبو حاتم وابن حبان في صحيحه.

معنى يلحدون في أسمائه
وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: "وذروا الذين يلحدون في أسمائه" قال:   إلحاد الملحدين: آن دعوا اللات في أسماء الله   قآل ابن جريج عن مجاهد: "وذروا الذين يلحدون في أسمائه" قال:   اشتقوا اللات من الله. واشتقوا العزى من العزيز   .
وقال قتادة:   يلحدون: يشركون   قآل علي بن أبي طلحة عن ابن عباس   الإلحاد التكذيب   .
وأصل الإلحاد في كلام العرب: العدول عن القصد. والميل والجور والإنحراف. ومنه اللحد في القبر. لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
وحقيقة الإلحاد فيها الميل بالإش      راك والتعطيل والنكران
وقال رحمه الله تعالى: فالإلحاد إما بجحدها وإنكارها. وإما بجحد معانيها وتعطيلها وإما بتحريفها عن الصواب وإخراجها عن الحق بالتأويلات. وإما أن يجعلها أسماء لهذه المخلوقات كإلحاد أهل الاتحاد. فإنهم جعلوها أسماء هذا الكون محمودها ومذمومها. حتى قال زعيمهم: هو المسمى بمعنى كل اسم ممدوح عقلا وشرعا وعرفا. وبكل اسم مذموم عقلا وشرعا وعرفا. تعالى عما يقولون علوا كبيرا، انتهى.
قتل: والذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبة. متقدمهم ومتأخرهم: إثبات الصفات التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يليق بجلال الله وعظمته. إثباتا بلا تمثيل. وتنزيها بلا تعطيل. كما قال تعالى: '42: 11' "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" وأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات يحتذى حذوه ومثاله. فكما أنه يجب العلم بأن الله ذاتا حقيقة لا تشبه شيئا من ذوات المخلوقين، فله صفات حقيقة لا تشبه شيئا من صفات المخلوقين، فمن جحد شيئا مما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله، أو تأوله على غير ما ظهر من معناه فهو جهمي قد اتبع غير سبيل المؤمنين. كما قال تعالى: '4: 115 "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا".
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى أيضا:
(فائدة جليلة)
ما يجري صفة أو خبرا على الرب تبارك وتعالى أقسام:
أحدها: ما يرجع إلى نفس الذات، كقولك: ذات وموجود.
الثاني: ما يرجع صفاته ونعوته، كالعليم والقدير، والسميع والبصير.
الثالث: ما يرجع إلى أفعاله. كالخالق والرازق.
الرابع: التنزيه المحض. ولا بد من تضمنه ثبوتا، إذا لا كمال في العدم المحض، كالقدوس والسلام.
الخامس: ولم يذكره أكثر الناس وهو الاسم الدال على جملة أوصاف عديدة لا تختص بصفة معينة، بل دال على معان، نحو المجيد العظيم الصمد. فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة، من صفات الكمال، ولفظه يدل على هذا. فإنه موضوع للسعة والزيادة والكثرة، فمنه   استمجد المرخ والعفار   وأمجد الناقة، علفها. ومنه   رب العرش المجيد   صفة العرش لسعته وعظمته وشرفه. وتأمل كيف جاء هذا الاسم مقترنا بطلب الصلاة من الله على رسوله كما علمناه صلى الله عليه وسلم لأنه في مقام طلب المزيد والتعرض لسعة العطاء، وكثرته ودوامه. فأتى في هذا المطلوب باسم يقتضيه، كما تقول: اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، فهو راجع إلى التوسل إليه بأسمائه وصفاته. وهو من أقرب الوسائل وأحبها إليه. ومنه الحديث الذي في الترمذي: "ألظوا بياذا الجلال والإكرام" ومنه: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام" فهذا سؤال له وتوسل إليه بحمده وأنه لا إله إلا هو المنان. فهو توسل إليه بأسمائه وصفاته. وما أحق ذلك بالإجابة وأعظمه موقعا عند المسؤول. وهذا باب عظيم من أبواب التوحيد.
السادس: صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر. وذكل قدر زائد على مفرديهما نحو الغني الحميد، الغفور القدير، الحميد المجيد، وهكذا عامة الصفات المقترنة والأسماء المزدوجة في القرآن. فان   الغني   صفة كمال و الحمد ديها بنات، واجتماع   الغني مع الحمد   كمال آخر، فله ثناء من غناه من حمده، وثناء من اجتماعهما، وكذلك الغفور القدير، والحميد المجيد، والعزيز الحكيم، فتأمله فإنه أشرف المعارف.

باب: لا يقال السلام على الله
قوله: (باب لا يقال:   السلام على الله   ).
قوله:   في الصحيح عن ابن مسعود إلخ   هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة والنسائي من حديث شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "كنا إذا جلسنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على فلان وفلان الحديث "وفي آخره ذكر التشهد الآخير. رواه الترمذي من حديث الأسود بن يزيد عن ابن مسعود. وذكر في الحديث سبب النهي عن ذلك بقوله: "فإن الله هو السلام ومنه السلام" وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من الصلاة المكتوبة يستغفر ثلاثا ويقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". وفي الحديث: "إن هذا هو تحية أهل الجنة لربهم تبارك وتعالى" وفي التنزيل ما يدل على أن الرب تبارك وتعالى يسلم عليهم في الجنة. كما قال تعالى: '36: 58' "سلام قولا من رب رحيم".
ومعنى قوله:   إن الله هو السلام   إن الله سالم من كل نقص ومن كل تمثيل. فهو الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل عيب ونقص.
قال العلامة ابن القيم في بدائع الفوائد: السلام اسم مصدر. وهو من ألفاظ الدعاء. يتضمن الإنشاء والإخبار، فجهة الخبر فيه لا تناقض الجهة الإنشائية. وهو معنى السلام المطلوب عند التحية. وفيه قولان مشهوران:
الأول: أن السلام هنا هو الله عز وجل. ومعنى الكلام: نزلت بركته عليكم ونحو ذلك. فاختير في هذا المعنى من أسمائه عز وجل اسم   السلام   دون غيره من الأسماء.
الثاني: أن السلام مصدر بمعنى السلامة. وهو المطلوب المدعو به عند التحية ومن حجة أصحاب القول: أنه يأتي منكرا، فيقول المسلم:   سلام عليكم   ولو كان اسما من أسماء الله لم يستعمل ديها بنات. ومن حجتهم: أنه ليس المقصود من السلام هذا المعنى، وإنما المقصود منه الإيذان بالسلامة خبرا ودعاء.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: وفصل الخطاب أن يقال: الحق في مجموع القولين. فكل منهما بعض الحق، والصواب في مجموعهما. وإنما يتبين ذلك بقاعدة. وهي: أن حق من دعا الله بأسمائه الحسنى أن يسأل في كل مطلوب ويتوسل بالاسم المقتضى لذلك المطلوب، المناسب لحصوله، حتى إن الداعي متشفع إلى الله تعالى متوسل به إليه. فإذا قال: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور. فقد سأله أمرين وتوسل إليه باسمين من أسمائه، مقتضيين لحصول مطلوبه. وقال صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه وقد سأله ما يدعو به "قل: اللهم أني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مفغرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" فالمقام لما كان مقام طلب السلامة التي هي أهم عند الرجل، أتى في طلبها بصيغة اسم من أسماء الله تعالى وهو   السلام   الذى تطلب منه السلامة. فتضمن لفظ السلام معنين: أحدهما: ذكر الله، والثاني: طلب السلامة. وهو مقصود المسلم. فقد تضمن   سلام عليكم   اسما من اسماء الله وطلب السلامة منه. فتأمل هذه الفائدة. وحقيقته: البراءة والخلاص والنجاة من الشر والعيوب. وعلى هذا المعنى تدور تصاريفه، فمن ذاك قولهم: سلمك الله، ومنه دعاء المؤمنين على الصراط   رب سلم سلم   سلم ومنه الشئ لفلان، أي خلص له وحده. قال تعالى: '39: 29' "ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل" أي خالصا له وحده لا يملكه معه غيره. ومنه السلم ضد الحرب: لأن كل واحد من المتحاربين يخلص ويسلم من أذى الآخر، ولهذا بنى فيه على المفاعلة، فقيل: المسالمة مثل المشاركة. ومنه القلب السليم وهو النفي من الدغل والعيب. وحقيقته: الذي قد سلم لله وحده، فخلص من دغل الشرك وغله، ودغل الذنوب والمخالفات، فهو مستقيم على صدق حبه وحسن معاملته. وهذا هو الذي ضمن له النجاة من عذاب الله والفوز بكرامته. ومنه أخذ الإسلام، فإنه من هذه المادة، لأنه الاستسلام والانقياد لله، والتخلص من شوائب الشرك، فسلم لربه وخلص له، كالعبد الذي سلم لمولاه ليس له فيه شركاء متشاكسون. ولهذا ضرب سبحانه هذين المثلين للمسلم الخالص لربه وللمشرك به.

قول: اللهم اغفر لي إن شئت
قوله: باب
قول:   اللهم اغفر لي إن شئت
يعني أن ذلك لا يجوز لورود النهي عنه في حديث الباب.
قوله:   في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له" بخلاف العبد، فإنه قد يعطي السائل مسألته. لحاجته إليه، أو لخوفه أو رجائه، فيعطيه مسألته وهو كاره. فاللائق بالسائل للمخلوق أن يعلق حصول حاجته على مشيئة المسؤول، مخافة أن يعطيه وهو كاره، بخلاف رب العالمين، فإنه تعالى لا يليق به ذلك لكمال غناه عن جميع خلقه، وكمال جوده وكرمه، وكلهم فقير إليه، محتاج لا يستغني عن ربه طرفة عين وعطاؤه كلام . وفي الحديث: "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سخاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه، وفي يده الأخرى القسط يخفضه ويرفعه؟" يعطي تعالى لحكمة ويمنع لحكمة وهو الحكيم الخبير. فاللائق بمن سأل الله أن يعزم المسألة، فإنه لا يعطي عبده شيئا عن كراهة ولا عن عظم مسألة. وقد قال بعض الشعراء فيمن يمدحه:
ويعظم في عين الصغير صغارها     ويصغر في عين العظيم العظائم
وهذا بالنسبة إلى ما في نفوس أرباب الدنيا، وإلا فإن العبد يعطي تارة ويمنع أكثر، ويعطي كرها، والبخل عليه أغلب. وبالنسبة إلى حاله هذه فليس عطاؤه بعظيم، وأما ما يعطيه الله تعالى عباده فهو دائم مستمر، يجود بالنوال قبل السؤال من حين وضعت النطفة في الرحم. فنعمه على الجنين في بطن أمه دارة، يربيه أحسن تربية، فإذا وضعته أمه عطف عليه والديه ورباه بنعمة حتى يبلغ أشد، يتقلب في نعم الله مدة حياته، فإن كانت حياته على الإيمان والتقوى ازدادت نعم الله تعالى عليه إذا توفاه أضعاف أضعاف ما كان عليه في الدنيا من النعم التي لا يقدر قدرها إلا الله، مما أعده الله تعالى لعباده المؤمنين المتقين. وكل ما يناله العبد في الدنيا من النعم وإن كان بعضها على يد مخلوق فهو بإذن الله وإرادته وإحسانه إلى عبده، فالله تعالى هو المحمود على النعم كلها، فهو الذي شاءها وقدرها وأجراها عن كرمه وجوده وفضله. فله النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن. قال تعالى: '16: 53' "وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون" وقد يمنع سبحانه عبده إذا سأله لحكمة وعلم بما يصلح عبده من العطاء والمنع، وقد يؤخر ما سأله عبده لوقته المقدر، أو ليعطيه أكثر. فتبارك الله رب العالمين.
وقوله: ولمسلم: وليعظم الرغبة   آي في سؤاله ربه حاجته، فإنه يعطي العظائم كرما وجودا وإحسانا. فالله تعالى لا يتعاظمه شئ أعطاه، أي ليس شئ عنده بعظيم، وإن عظم في نفس المخلوق. لأن سائل المخلوق لا يسأله إلا ما يهون عليه بذله بخلاف رب العالمين، فإن عطاءه كلام '36: 82' "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون" فسبحان من لا يقدر الخلق قدره، لا إله غيره ولا رب سواه.

لا يقول: عبدي وأمتي
قوله: باب
(لا يقول: عبدي وأمتي)
ذكر الحديث الذي في الصحيح:   عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقولن أحدكم: أطعم ربك وضيء ربك وليقل:... سيدي ومولاي ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي" .
هذه الألفاظ المنهى عنها. وإن كانت تطلق لغة. فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها تحقيقا للتوحيد وسدا لذرائع الشرك لما فيها من التشريك في اللفظ. لأن الله تعالى هو رب العباد جميعهم. فإذا أطلق على غيره شاركه في الاسم. فينهى عنه لذلك. وإن لم يقصد بذلك التشريك في الربوبية التي هي وصف الله تعالى. وإنما المعنى أن هذا مالك له. فيطلق عليه هذا اللفظ بهذا الإعتبار. فالنهي عنه حسما لمادة التشريك بين الخالق والمخلوق. وتحقيقا للتوحيد. وبعدا عن الشرك حتى في اللفظ. وهذا أحسن مقاصد الشريعة. لما فيه من تعظيم الرب تعالى، وبعده عن مشابهة المخلوقين، فأرشدهم صلى الله عليه وسلم إلى ما يقوم مقام هذه الألفاظ. وهو قوله   سيدي ومولاي   وكذا قوله:   ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي لأن العبيد عبيد الله. والإماء إماء الله. قال الله تعالى: '19: 93' "إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا" ففي إطلاق هاتين الكلمتين على غير الله تشريك في اللفظ، فنهاهم عن ذلك تعظيما لله تعالى وأدبا وبعدا عن الشرك وتحقيقا للتوحيد، وأرشدهم إلى أن يقولوا:   فتاي وفتاتي وغلامي   وهذآ من باب حماية المصطفى صلى الله عليه سلم جناب التوحيد، فقد بلغ صلى الله عليه وسلم أمته كل ما فيه لهم نفع، ونهاهم عن كل ما فيه نقص في الدين. فلا خير إلا دلهم عليه، خصوصا في تحقيق التوحيد، ولا شر إلا حذرهم منه، خصوصا ما يقرب من الشرك لفظا وإن لم يقصد به. وبالله التوفيق.

لا يرد من سأل الله
قوله: باب
(لا يرد من سأل بالله)
ظاهر الحديث النهي عن رد السائل إذا سأل بالله. لكن هذا العموم يحتاج إلى تفصيل بحسب ما ورد في الكتاب والسنة، فيجب إذا سأل السائل ما له فيه حق كبيت المال أن يجاب فيعطى منه على قدر حاجته وما يستحقه وجوبا، وكذلك إذا سأل المحتاج من في ماله فضل فيجب أن يعطيه على حسب حاله ومسألته، خصوصا إذا سأل من لا فضل عنده، فيستحب أن يعطيه على قدر حال المسؤول ما لا يضر به ولا يضر عائلته، وإن كان مضطرا وجب أن يعطيه ما يدفع ضرورته.
ومقام الإنفاق من أشرف مقامات الدين، وتفاوت الناس فيه بحسب ما جبلوا عليه من الكرم وضدهما من البخل والشح. فالأول: محمود في الكتاب والسنة. والثاني: مذموم فيهما. وقد حث الله تعالى عباده على الإنفاق لعظم نفعه وتعديه وكثرة ثوابه. قال الله تعالى: '2: 267، 268 "يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد * الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم "وقال تعالى: '55: 7" وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه "وذلك الإنفاق من خصال البر المذكورة في قوله تعالى:' 2: 177 '" ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين "الآية فذكره بعد ذكر أصول الإيمان وقبل ذكر الصلاة. ذلك والله أعلم لتعدي نفعه. وذكره تعالى في الأعمال التي أمر الله بها عباده. وتعبدهم بها ووعدهم عليها الأجر العظيم. قال تعالى: '33: 35' "إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما".
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على الصدقة حتى النساء. نصحا للأمة وحثا لهم على ما ينفعهم عاجلا وآجلا. وقد أثنى الله سبحانه على الأنصار رضي الله عنهم بالإيثار، فقال تعالى: '59: 9 "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون" والإيثار من أفضل خصال المؤمن كما تفيده هذه الآية الكريمة، وقد قال تعالى : '76: 8، 9 "ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا".
والآيات والأحاديث في فضل الصدقة كثيرة جدا، ومن كان سعيه للآخرة رغب في هذا ورغب، بالله التوفيق.
قوله: من دعاكم فأجيبوه   هذا من حقوق المسلمين بعضهم على بعض: إجابة دعوة المسلم، وتلك من أسباب الألفة والمحبة بين المسلمين.

من صنع لكم معروفا فكافئون
قوله:   ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه   ندبهم صلى الله عليه سلم على المكافأه على المعروف، فإن المكافأة على المعروف من المروءة التي يحبها الله ورسوله، كما دل عليه هذا الحديث ولا يهمل المكافأة على المعروف إلا اللئام من الناس، وبعض اللئام يكافىء على الإحسان بالإساءة، كما يقع كثيرا من بعضهم. نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة، بخلاف حال أهل التقوى والإيمان فإنهم يدفعون السيئة بالحسنة طاعة لله ومحبة لما يحبه لهم ويرضاه، كما قال تعالى: '23: 96 98 "ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون * وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين * وأعوذ بك رب أن يحضرون "وقال تعالى: '41: 34، 35'" ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم "وهم الذين سبقت لهم من الله تعالى السعادة.
قوله:   فان لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له   أرشدهم صلى الله عليه سلم إلي آن الدعاء في حق من لم يجد المكافأه مكافأة للمعروف: فيدعو له على حسب معروفه.
قوله:   تروا بضم التاء تظنوا إنكم قد كافأتموه   ويحتمل إنهآ مفتوحة بمعنى تعلموا. ويؤيده ما في سنن أبي داود من حديث ابن عمر:   حتى تعلموا   فتعين الثاني للتصريح به. وفيه:   من سألكم بالله فأجيبوه   آي إلي ما سأل. فيكون بمعنى: أعطوه، وعند أبي داود في رواية أبي نهيك عن ابن عباس:   من سألكم بوجه الله فأعطوه   وفي رواية عبيد الله القواريري لهذا الحديث   ومن سألكم بالله   كمآ في حديث ابن عمر.

لا يسأل بوحه الله إلا الجنة
قوله: باب
(لا يسأل بوجه الله إلا الجنة)
ذكر فيه حديث جابر رواه أبو داود عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة".
وهنا سؤال: وهو أنه قد ورد في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عند منصرفه من الطائف حين كذبه أهل الطائف ومن في الطائف من أهل مكة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء المأثور: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يك بكل غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي "وفي آخره:".؟ أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة. أن يحل على غضبك، أو ينزل بي سخطك. لك العتبي حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله ". والحديث المروي في الأذكار: "اللهم أنت أحق من ذكر وأحق من عبد وفي آخره أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض" وفي حديث آخر: "أعوذ بوجه الله الكريم، وباسم الله العظيم وبكلماته التامة من شر السامة واللامة، ومن شر ما خلقت، أي رب، ومن شر هذا اليوم ومن شر ما بعده، ومن شر الدنيا والآخرة ". وأمثال ذلك في الأحاديث المرفوعة بالأسانيد الصحيحة أو الحسان.
فالجواب: أن ما ورد من ذلك فهو في سؤال ما يقرب إلى الجنة أو ما يمنعه من الأعمال التي تمنعه ​​من الجنة، فيكون قد سأل بوجه الله وبنور وجهه ما يقرب إلى الجنة كما في الحديث الصحيح: "اللهم إن أسألك الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قول وعمل "بخلاف ما يختص بالدنيا كسؤال المال والرزق والسعة في المعيشة رغبة في الدنيا، مع قطع النظر عن كونه أراد بذلك ما يعينه على عمل الآخرة. فلا ريب أن الحديث يدل على المنع من أن يسأل حوائج دنياه بوجه الله. وعلى هذا فلا تعارض بين الأحاديث. كما لا يخفى. والله أعلم.
وحديث الباب من جملة الأدلة المتواترة في الكتاب والسنة على إثبات الوجه لله تعالى. فإنه صفة كمال: وسلبه غاية النقص والتشبيه بالناقصات. كسلبهم جميع الصفات أو بعضها. فوقعوا في أعظم مما فروا منه. تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وطريقة أهل السنة والجماعة سلفا وخلفا. الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته على ما يليق بجلال الله وعظمته، فيثبتون له ما أثبته لنفسه في كتابه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، وينفون عنه مشابهة المخلوق. فكما أن ذات الرب لا تشبه الذوات فصفاته كذلك لا تشبه الصفات، فمن نفاها فقد سلبه الكمال.

ما جاء في اللهو
قوله: باب
(ما جاء في اللهو)
أي من الوعيد والنهي عنه عند الأمور المكروهة، كالمصائب إذا جرى بها القدر لما فيه من الإشعار بعد الصبر والأسى على ما فات، مما لا يمكن استدراكه، فالواجب التسليم للقدر، والقيام بالعبودية الواجبة وهو الصبر على ما أصاب العبد مما يكره. والإيمان بالقدر أصل من أصول الإيمان الستة. وأدخل المصنف رحمه الله أداة التعريف على   لو   وهذة في هذا المقام لا تفيد تعريفا كنظائرها، لأن المراد هذا اللفظ كما قال الشاعر:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا     شديدا بأعباء الخلافة كأهله
وقوله:   وقول الله عز وجل: '3: 154 "يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا"   .
قال بعض المنافقين يوم أحد، لخوفهم وجزعهم وخورهم.
قال بن إسحاق: فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عبد الله ابن الزبير قال: قال الزبير:   لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف علينا أرسل الله علينا النوم. فما منا رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فو الله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم: لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا ها هنا. فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله عز وجل: "يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا" لقول معتب   رواه ابن أبي حاتم. قال الله تعالى: "قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم" أي هذا قدر مقدر من الله عز وجل وحكم حتم لازم لا محيد عنه ولا مناص منه.
وقوله: '3: 96 "الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا" الآية.
قال العماد ابن كثير: الذين قالوا لإخوانهم، وقعدوا: لو أطاعونا ما قتلوا   آي لو سمعوا مشورتنا عليهم بالقعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل. قال الله تعالى: "قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين" أي إذا كان القعود يسلم به الشخص من القتل والموت، فينبغي لكم أن لا تموتوا، والموت لا بد آت إليكم، ولو كنتم في بروج مشيدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين . قال مجاهد عن جابر بن عبد الله:   نزلت هذة الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه   يعني انة هو الذى قال ذلك. وأخرج البيهقي عن أنس أن أبا طلحة قال:   غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل يسقط سيفي وآخذه ويسقط وآخذه. قال: والطائفة الأخرى المنافقون ليس لها هم إلا أنفسهم، أجبن قوم، وأرعبه، وأخذله للحق "يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية" إنما هم أهل ريب وشك بالله عز وجل   .
قوله:   قد أهمتهم انفسهم   يعني لا يغشاهم النعاس عن القلق والخوف والجزع: "يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية".

ابن تيمية: كلامه على القدر
قال شيخ الإسلام رحمه الله: لما ذكر ما وقع من عبد الله بن أبي في غزوة أحد قال: فلما انخذل يوم أحد وقال:   ؟ يدع رأيي رايه وياخذ براي الصبيان   او كمآ قال ... انخذل معه خلق كثير، كان كثير منهم لم ينافق قبل ذلك. فأولئك كانوا مسلمين وكان معهم إيمان، هو الضوء الذي ضرب الله به المثل. فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق لماتوا على الإسلام، ولم يكونوا من المؤمنين حقا الذين امتحنوا فثبتوا على المحنة، ولا من المنافقين حقا الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة. وهذا حال كثير من المسلمين في زماننا أو أكثرهم إذا ابتلوا بالمحنة التي يتضعضع فيها أهل الإيمان ينقص إيمانهم كثيرا وينافق كثير منهم. ومنهم من يظهر الردة إذا كان العدو غالبا، وقد رأينا من هذا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة. وإذا كانت العافية، أو كان المسلمون ظاهرين على عدوهم كانوا مسلمين، وهم مؤمنون بالرسل باطنا وظاهرا، لكنه إيمان لا يثبت على المحنة، ولهذا يكثر في هؤلاء ترك الفرائض وانتهاك المحارم وهؤلاء من الذين قالوا: آمنا، فقيل لهم: "لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم "أي الإيمان المطلق الذي أهله هم المؤمنون حقا، فإن هذا هو الإيمان إذا أطلق في كتاب الله تعالى، كما دل عليه الكتاب والسنة، فلم يحصل لهم ريب عند المحن التي تقلقل الإيمان في القلوب، انتهى.
قوله: وقد رأينا من هذا ورأى غيرنا ما فيه عبرة.
قلت: ونحن كذلك رأينا من ذلك ما فيه عبرة عند غلبة العدو، من إعانتهم العدو على المسلمين، والطعن في الدين، وإظهار العداوة والشماتة، وبذل الجهد في إطفاء نور الإسلام، وذهاب أهله، وغير ذلك مما يطول ذكره. والله المستعان.
قوله:   في الصحيح   آي صحيح مسلم   عن أبي هريرة رضي الله عنه رسول الله صلى آن الله عليه سلم قال:   احرص الحديث   .
اختصر المصنف رحمه الله هذا الحديث، وتمامه: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير اخرص على ما ينفعك." أي في معاشك ومعادك. والمراد الحرص على فعل الأسباب التي تنفع العبد في دنياه وأخراه مما شرعه الله تعالى لعباده من الأسباب الواجبة والمستحبة والمباحة، ويكون العبد في حال فعله السبب مستعينا بالله وحده دون كل ما سواه ليتم له سببه وينفعه. ويكون اعتماده على الله تعالى في ذلك، لأن الله تعالى هو الذي خلق السبب والمسبب، ولا ينفعه سبب إلا إذا نفعه الله به، فيكون اعتماده في فعل السبب على الله تعالى. ففعل السبب سنة، والتوكل على الله توحيد. فإذا جمع بينهما تم له مراده بإذن الله.
قوله:   ولا تعجزن   النون نون التأكيد الخفيفة. نهاه صلى الله عليه وسلم عن العجز وذمه، والعجز مذموم شرعا وعقلا، وفي الحديث: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجر من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني" فأرشده صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إذا أصابه ما يكره أن لا يقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا. ولكن يقول: قدر الله وما شاء فعل، أي هذا قدر الله والواجب التسليم للقدر، والرضى به، واحتساب الثواب عليه.
قوله: فان   لو تفتح عمل الشيطان آي ما فيه من التأسف على ما فات والتحسر ولوم القدر، وذلك ينافي الصبر والرضى، والصبر واجب، والإيمان بالقدر فرض، قال تعالى: '57: 22، 23' "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير * لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ".
قال أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه:   الصبر من الإيمان بمنزله الرأس من الجسد   قآل الإمام أحمد:   ذكر الله الصبر في تسعين موضعا من القرآن   .
قال شيخ الإسلام رحمه الله وذكر حديث الباب بتمامه ثم قال في معناه: لا تعجز عن مأمور، ولا تجزع عن مقدور، ومن الناس من يجمع كلا الشرين، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالحرص على النافع والاستعانة بالله، والأمر يقتضي الوجوب، وإلا فالاستحباب، ونهى عن العجز وقال:   إن الله يلوم على العجز   والعاجز ضد   الذين هم ينتصرون فالأمر بالصبر النهي عن العجز مأمور به في مواضع كثيرة، وذلك لأن الإنسان بين أمرين: أمر أمر بفعله، فعليه أن يفعله ويحرص عليه ويستعين الله ولا يعجز، وأمر أصيب به من غير فعله. فعليه أن يصبر عليه ولا يجزع منه، ولهذا قال بعض العقلاء ابن المقفع أو غيره الأمور أمران: أمر فيه حيلة فلا تعجز عنه، وأمر لا حيلة فيه فلا تجزع منه. وهذا في جميع الأمور لكن عند المؤمن: الذي فيه حيلة هو ما أمره الله به، وأحبه له. فإن الله لم يأمره إلا بما فيه حيلة له، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وقد أمره بكل خير له فيه حيلة. وما لا حيلة له فيه ما أصيب به من غير فعله. واسم الحسنات والسيئات يتناول قسمين: فالأفعال مثل قوله تعالى: '6: 160 "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها" ومثل قوله تعالى:' 17: 7 "إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها" ومثل قوله تعالى: '42: 40' "وجزاء سيئة سيئة مثلها" ومثل قوله تعالى: '2: 81 "" بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته "إلى آيات كثيرة من هذا الجنس والله أعلم.
والقسم الثاني: ما يجري على العبد بغير فعله من النعم والمصائب. كما قال تعالى: '4: 79' "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك" والآية قبلها، فالحسنة في هاتين الآيتين: النعم، والسيئة: المصائب، هذا هو الثاني من القسمين.
وأظن شيخ الإسلام رحمه الله ذكره في هذا الموضع ولعل الناسخ أسقطه والله أعلم.
ثم قال رحمه الله: فإن الإنسان ليس مأمورا أن ينظر إلى القدر عندما يؤمر به من الأفعال ولكن عندما يجري عليه المصائب التي لا حيلة له في دفعها، فما أصابك بفعل الآدميين أو بغير فعلهم فاصبر عليه وارض وسلم. قال تعالى: '64: 11' "ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه" ولهذا قال آدم لموسى:   أتلومني على أمر قدره الله على قبل أن أخلق بأربعين سنة؟ فحج أدم موسى   لان موسى قال له:   لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة   فلامه على المصيبة ألتي حصلت بسبب فعله، لا لأجل كونها ذنبا. وأما كونها لأجل الذنب كما يظنه طوائف من الناس فليس مرادا بالحديث، فإن آدم عليه السلام كان قد تاب من الذنب. والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. ولا يجوز لوم التائب باتفاق الناس، انتهى.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: فتضمن هذا الحديث أصولا عظيمة من أصول الإيمان. أحدها: أن الله سبحانه موصوف بالمحبة وأنه يحب حقيقة. الثاني: أنه يحب مقتضى أسمائه وصفاته وما يوافقها، فهو القوي ويجب المؤمن القوي، وهو وتر ويحب الوتر، وجميل يحب الجمال، وعليم يحب العلماء، ونظيف يحب النظافة، ومؤمن يحب المؤمنين، ومحسن يحب المحسنين، وصابر يحب الصابرين، وشاكر يحب الشاكرين.
ومنها أن محبته للمؤمنين تتفاضل، فيحب بعضهم أكثر من بعض ومنها : أن سعادة الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده ، والحرص هو بذل الجهد واستفراغ الوسع . فإذا صادف ما ينتفع به الحريص كان حرصه محموداً وكماله كله في مجموع هذين الأمرين: أن يكون حريصاً وأن يكون حرصه على ما ينتفع به، فإن حرص على ما لا ينفعه أو فعل ما ينفعه من غير حرص فإنه من الكمال بقدر ما فاته من ذلك ، فالخير كله في الحرص على ما ينفع 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق