الجمعة، 8 مايو 2015

عليه الصحابة والتابعون وسلف الأمة واتفق عليه أئمة الإسلام فالشاهد من الآية الكريمة: إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة وقوله: {على الأرائك} جمع أريكة وهي السرر {ينظرون} إلى الله عز وجل.

وأما الكفار فقد تقدم في الآيات التي قبل هذه الآية أنهم {عن ربهم يومئذ لمحجوبون} والشاهد من الآية إثبات رؤية المؤمنين لربهم عز وجل.

وقوله تعالى: {للذين أحسنوا} بالقيام بما أوجبه الله عليهم من الأعمال والكف عما نهاهم عنه من المعاصي {الحسنى} أي: المثوبة الحسنى وقيل: الجنة. {وزيادة} هي النظر إلى وجه الله الكريم، كما ثبت تفسيرها بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وغيره، وكما فسرها بذلك سلف هذه الأمة، وعلى ذلك يكون الشاهد من الآية الكريمة: إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة.

وقوله تعالى: {لهم ما يشاؤون فيها} أي: للمؤمنين في الجنة ما تشتهي أنفسهم وتلذ أعينهم من فنون النعيم وأنواع الخير {ولدينا مزيد} أي: زيادة على ذلك هو النظر إلى وجه الله الكريم. وهذا هو الشاهد من الآية الكريمة وهو إثبات النظر إلى وجه الله الكريم في الجنة.

ما يستفاد من الآيات الكريمة :. يستفاد منها إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وأنها أعظم النعيم الذي ينالونه وهذا هو قول الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين خلافا للرافضة والحهمية والمعتزلة الذين ينفون الرؤية يخالفون بذلك الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها. ويعتمدون على شبه واهية وتعليلات باطلة منها:

1 قولهم: إن إثبات الرؤية يلزم منه إثبات أن الله في جهة، ولو كان في جهة لكان جسما والله منزه عن ذلك والجواب عن هذه الشبهة أن نقول: لفظ الجهة فيه إجمال فإن أريد بالجهة أنه حال في شيء من مخلوقاته فهذا باطل والأدلة ترده وهذا لا يلزم من إثبات الرؤية. وإن أريد بالجهة أنه سبحانه فوق مخلوقاته فذا ثابت لله سبحانه ونفيه باطل وهو لا يتنافى مع رؤيته سبحانه.

2 استدلوا بقوله تعالى لموسى: {لن تراني} والجواب عن هذا الاستدلال: أن الآية الكريمة واردة في نفي الرؤية في الدنيا ولا تنفي ثبوتها في الآخرة كما ثبت في الأدلة الأخرى وحالة الناس في الآخرة تختلف عن حالتهم في الدنيا.

3 استدلوا بقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} والجواب عن هذا الاستدلال: أن الآية إنما فيها نفي الإدراك وليس فيها نفي الرؤية والإدراك معناه الإحاطة، فالله سبحانه وتعالى يراه المؤمنون ولا يحيطون به، بل نفي الإدراك يلزم منه وجود الرؤية. فالآية من أدلة إثبات الرؤية والله تعالى أعلم.

وقول المؤلف رحمه الله: (وهذا الباب في كتاب الله كثير) أي: باب إثبات أسماء الله وصفاته في القرآن كثير وإنما ذكر المؤلف بعضه فقد ورد في آيات كثيرة من كتاب الله إثبات أسماء الله وصفاته على ما يليق به (ومن تدبر القرآن) أي: تفكر فيه وتأمل ما يدل عليه من الهدى (تبين له طريق الحق) أي: اتضح له سبيل الصواب وتدبر القرآن هو المطرب من تلاوته قال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب} وقال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} وقال تعالى: {أفلم يدبروا القول}.

الاستدلال على إثبات أسماء الله وصفاته من السنة


فصل


ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه.




الشرح:


قوله: (ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم) هذا عطف على قوله فيما سبق: (وقد دخل في هذه الجملة ما وصف الله به نفسه في سورة الإخلاص .. إلخ.) أي: ودخل فيها ما وصف به الرسول صلى الله عليه وسلم ربه فيما وردت به السنة الصحيحة لأن السنة هي الأصل الثاني الذي يجب الرجوع إليه بعد كتاب الله عز وجل قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} الآية (59) من سورة النساء والرد إلى الله هو الرجوع إلى كتابه، والرد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. بعد وفاته هو الرجوع إلى سنته والسنة لغة: الطريقة، واصطلاحا: هي ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير.


 مكانة السنة


قال: (فالسنة تفسر القرآن) أي: تبين معانيه ومقاصده فإن النبي صلى الله عليه وسلم يبين للناس ما أنزل إليه قال الله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} الآية (44) من سورة النحل.


والسنة أيضا: (تبين القرآن) أي: توضح مجمله كالصلاة والصوم والحج والزكاة وغالب الأحكام التي تأتي مجملة في القرآن وتبينها السنة النبوية.


والسنة أيضا: (تدل على القرآن وتعبر عنه) أي: تدل على ما دل عليه القرآن وتعبر عما عبر عنه القرآن، فتكون موافقة للقرآن فيكون الحكم مما دل عليه الكتاب والسنة كأسماء الله وصفاته وما وصف الرسول به ربه عز وجل من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها كذلك.




الشرح:


قوله: (وما وصف إلخ): مبتدأ خبره قوله: (وجب الإيمان بها كذلك) أي: كما يجب الإيمان بما وصف الله به نفسه في القرآن الكريم. لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما وصفه ربه عز وجل بقوله: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} فالسنة التي نطق بها الرسول صلى الله عليه وسلم وحي من الله كما قال تعالى: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة} فالكتاب هو القرآن ، والحكمة هي السنة فيجب الإيمان بما ورد في السنة لاسيما في باب الاعتقاد قال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم فانتهوا عنه}.


لكن لابد في قبول الحديث والإيمان به من ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا قال الشيخ رحمه الله: (من الأحاديث الصحاح): والصحاح جمعه صحيح والحديث الصحيح:. هو ما نقله راو عدل تام الضبط عن مثله من غير شذوذ ولا علة فهو ما اجتمع فيه خمسة شروط:


عدالة الرواه. ضبطهم. اتصال السند. سلامته من العلة. سلامته من الشذوذ.


وقوله: (تلقاها أهل المعرفة) أي: قبلها وأخذ بها أهل العلم بالحديث فلا عبرة بغيرهم ثم ذكر الشيخ أمثلة مما ورد في السنة من صفات الله عز وجل فقال:


 1 ثبوت النزول الإلهي إلى سماء الدنيا على ما يليق بجلال الله


فمن ذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول:؟ من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له؟). متفق عليه.




الشرح:


قوله: (ينزل ربنا) أي: نزولا يليق بجلاله نؤمن به، ولا نشبهه بنزول المخلوق لأنه سبحانه {ليس كمثله شيء} (إلى سماء الدنيا) أي: السماء الدنيا من إضافة الموصوف إلى صفته، (حين يبقى ثلث الليل الآخر) برفع الآخر صفة لثلث، وفي هذا تعيين لوقت النزول الإلهي قوله: (فأستجيب له) أي: أجيب دعوته.


والشاهد من الحديث: .. أن فيه ثبوت النزول الإلهي وهو من صفات الأفعال وفي الحديث أيضا إثبات العلو لله تعالى فإن النزول يكون من العلو، وفيه الرد على من أول الحديث بأن معناه نزول رحمته أو أمره لأن. الأصل الحقيقة وعدم الحذف ولأنه قال: (من يدعوني فأستجيب له) فهل يعقل أن تقول رحمته أو أمره هذا المقال؟!.


وفي الحديث إثبات الكلام لله تعالى حيث جاء فيه: (. فيقول إلخ) وفيه إثبات الإعطاء والإجابة والمغفرة لله سبحانه وهي صفات أفعال وقوله :. (متفق عليه) أي: بين البخاري ومسلم.




 2 إثبات أن الله يفرح ويضحك


وقوله صلى الله عليه وسلم: (لله أشد فرح بتوبة عبده من أحدكم براحلته) الحديث متفق عليه وقوله صلى الله عليه وسلم: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة) متفق عليه.




الشرح:


(لله) اللام لام الابتداء (أشد فرحا) منصوب على التمييز، والفرح في اللغة: السرور ولذة القلب (بتوبة عبده) التوبة: هي الإقلاع عن الذنب والرجوع إلى الطاعة (براحلته) الراحلة الناقة التي تصلح أن ترحل (الحديث) منصوب بفعل مقدر أي : أكمل الحديث، لأن المصنف اقتصر على الشاهد منه، وهو إثبات الفرح لله سبحانه على ما يليق بجلاله، وهو صفة كمال لا يشبهه فرح أحد من خلقه بل هو كسائر صفاته. وهو فرح إحسان وبر ولطف لا فرح محتاج إلى توبة عبده ينتفع بها، فإنه سبحانه لا تنفعه طاعة المطيع ولا تضره معصية العاصي.


وقوله صلى الله عليه وسلم: (يضحك الله إلى رجلين إلخ ..) قد بين النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث سبب ذلك في قوله: (يقاتل هذا في سبيل الله عز وجل فيستشهد، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم، فيقاتل في سبيل الله عز وجل فيستشهد) وهذا من كمال إحسان الله سبحانه وسعة رحمته، فإن المسلم يقاتل في سبيل الله فيقتله الكافر فيكرم الله المسلم بالشهادة، ثم يمن الله على ذلك الكافر القاتل فيهديه للإسلام فيدخلان الجنة جميعا. فهذا أمر عجيب، والضحك يكون من الأمور المعجبة التي تخرج عن نظائرها.


والشاهد من الحديث: إثبات الضحك لله سبحانه وهو صفة من صفاته الفعلية التي تثبتها له على ما يليق بجلاله وعظمته ليس كضحك المخلوق.




 3 إثبات أن الله يعجب ويضحك


وقوله: (عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب) حديث حسن.




(عجب ربنا) قال في المصباح: التعجب يستعمل على وجههين أحدهما: ما يحمده الفاعل، ومعناه الاستحسان والإخبار عن رضاه به والثاني: .. ما يكرهه ومعناه الإنكار والذم له (من قنوط عباده) القنوط: شدة اليأس من الشيء والمراد هنا اليأس من نزول المطر وزوال القحط (وقرب غيره) غيره بكسر الغين وفتح الياء، أي: تغييره الحال من شدة إلى رخاء (ينظر إليكم أزلين) الأزل بسكون الزاي: الضيق وقد أزل الرجل بأزل أزلا صار في ضيق وجدب.


(فيظل يضحك): هذا من صفاته الفعلية التي لا يشبهه فيها شيء من مخلوقاته، ففي الحديث إثبات صفتين من صفات الله الفعلية هما العجب والضحك وهما صفتان تلقيان بجلاله ليستا كعجب المخلوق وضحك المخلوق وفي الحديث أيضا إثبات النظر لله سبحانه، وهو من صفاته الفعلية أيضا . فإنه ينظر إلى عباده ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.


 4 إثبات الرجل والقدم لله سبحانه


وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها رجله وفي رواية: عليها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط قط) متفق عليه.




الشرح:


قوله: (لا تزال جهنم) جهنم: اسم من أسماء النار، قيل: سميت بذلك لبعد قعرها، وقيل: لظلمتها، من الجهومة وهي الظلمة (يلقى فيها) أي: يطرح فيها أهلها (وهي تقول: هل من مزيد) أي: تطلب الزيادة لسعتها وقد وعدها الله أن يملأها (حتى يضع رب العزة فيها رجله) لما كانت النار في غاية الكبر والسعة وقد وعدها الله ملأها، وكان مقتضى رحمته سبحانه أن لا يعذب أحدا بغير جرم حقق وعده ووضع عليها رجله (فينزوي بعضها إلى بعض) أي: ينضم بعضها إلى بعض ويتلاقى طرفاها ولا يبقى فيها فضل عن أهلها (فتقول: قط قط) أي: حسبي ويكفيني.


والشاهد من الحديث: أن فيه إثبات الرجل والقدم لله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه، وهو من صفات الذات كالوجه واليد والله تعالى أعلم.


وقد غلط في تفسير هذا الحديث المعطلة حيث قالوا: (قدمه): نوع من الخلق وقالوا: (رجله): جماعة من الناس كما يقال: رجل جراد والرد على هذا أن يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حتى (يضع) ولم يقل : حتى يلقي، كما قال في أول الحديث: (يلقي فيها). وأيضا القدم لا يصح تفسيره بالقوم لا حقيقة ولا مجازا.




 5 إثبات النداء والصوت والكلام لله تعالى


وقوله: (يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار) متفق عليه وقوله: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه وليس بينه وبينه ترجمان).




الشرح:


قوله: (لبيك وسعديك) لبيك أي: أنا مقيم على طاعتك من ألب بالمكان إذا أقام، وهو منصوب على المصدر وثني للتأكيد، وسعديك: من المساعدة وهي المطاوعة، أي: مساعدة في طاعتك بعد مساعدة قوله: (فينادي) بكسر الدال والمنادى هو الله تعالى (بصوت) تأكيد لقوله: (ينادى) لأن النداء لا يكون إلا صوت، وهذا كقوله تعالى: {وكلم الله موسى تكليما} وقوله: (بعثا إلى النار) البعث هنا بمعنى المبعوث الموجه إليها ومعنى ذلك: ميز أهل النار من غيرهم.


والشاهد من الحديث: أن فيه إثبات القول من الله والنداء بصوت يسمع، وأن ذلك سيحصل يوم القيامة، ففيه أن الله يقول وينادي متى شاء وكما يشاء.


وقوله: (ما منكم من أحد) الخطاب للصحابة وهو عما لجميع المؤمنين (إلا سيكلمه ربه) أي: بلا واسطة (ليس بينه وبينه ترجمان) الترجمان: من يعبر بلغة عن لغة أي: ينقل الكلام من لغة إلى لغة أخرى.


والشاهد من الحديث: أن فيه إثبات تكليم الله سبحانه لعباده وأنه سبحانه يتكلم إذا شاء فكلامه من صفاته الفعلية وأنه يكلم كل مؤمن يوم القيامة ...




 6 إثبات علو الله على خلقه واستوائه على عرشه


وقوله في رقية المريض: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسم، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ) حديث حسن رواه أبو داود وغيره.


وقوله: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء) حديث صحيح وقوله: (والعرش فوق ذلك والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه) حديث حسن رواه أبو داود وغيره. وقوله للجارية: (أين الله قالت: في السماء قال: من أنا قالت: أنت رسول الله قال: أعتقها فإنها مؤمنة) رواه مسلم.




الشرح:


(في رقبة المريض) أي: القراءة على المريض طلبا لشفائه، وهي مشرعة إذا كانت بالقرآن والأدعية المباحة، وممنوعة إذا كانت بألفاظ شركية أو أعمال شركية (ربنا الله الذي في السماء) أي: على السماء، ففي هنا بمعنى على كقوله تعالى: {فسيحوا في الأرض} الآية (2) من سورة التوبة أي: .. على الأرض ويجوز أن تكون. في للظرفية على بابها ويكون المراد بالسماء مطلق العلو.


(تقدس اسمك) أي: تقدست أسماؤك عن كل نقص فهو مفرد مضاف فيعم جميع أسماء الله (أمرك في السماء والأرض) أي: أمرك الكوني القدري الذي ينشأ عنه جميع المخلوقات والحوادث، ومنه قوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} الآية (82) من سورة يس وأمرك الشرعي المتضمن للشرائع التي شرعها لعباده.


(كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض) هذا توسل إليه برحمته التي شملت أهل السموات كلهم ​​أن يجعل لأهل الأرض منها نصيبا. (اغفر لنا حوبنا وخطايانا) هذا طلب للمغفرة وهي الستر ووقاية الإثم، ومنه المغفر الذي يلبس على الرأس لستره ووقايته من الضرب والحوب: الإثم، والخطايا هي الذنوب.


(أنت رب الطيبين) هذا توسل آخر، والطيبين جمع طيب وهم النبيون وأتباعهم. وإضافة ربوبيته لهؤلاء إضافة تشريف وتكريم وإلا هو سبحانه رب كل شيء. ومليكه (أنزل رحمة من رحمتك) أي: الرحمة المخلوقة فإن رحمة الله نوعان، النوع الأول: رحمته التي هي صفة من صفاته كما في قوله تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء} الآية (156) من سورة الأعراف النوع الثاني: رحمة تضاف إليه سبحانه من إضافة المخلوق إلى خالقه كالمذكورة في هذا الحديث وكما في حديث: (خلق الله مائة رحمة) الحديث فطلب صلى الله عليه وسلم من ربه إنزال هذه الرحمة على المريض لحاجته إليها ليشفيه بها.


والشاهد من الحديث: أن فيه إثبات العلو لله تعالى وأنه في السماء والعلو صفة ذاتية كما سبق كما أن في الحديث التوسل إلى الله تعالى بالثناء عليه بربوبيته وإلهيته وقدسيته وعلوه وعموم أمره وبرحمته، ثم في الحديث طلب المغفرة من الله وشفاء المرض.


وقوله صلى الله عليه وسلم: (ألا تأمنوني) هذا خطاب منه صلى الله عليه وسلم لمن اعترض عليه في بعض قسمته المال وألا: أداة استفتاح وتنبيه، وتأمنوني من الأمانة وهي عدم المحاباه والخيانة، أي: ألا تأمنوني في قسمة المال (وأنا أمين من في السماء) وهو الله سبحانه قد ائتمنني على وحيه ورسالته وتبليغ شرعة، وكفى بذلك شهادة على أمانته وصدقه صلى الله عليه وسلم.


والشاهد من الحديث: أن فيه إثبات العلو لله سبحانه حيث قال: (من في السماء) وسبق شرح الجملة قريبا.


وقوله: (والعرش فوق ذلك) تقدم تفسير العرش وقوله: (فوق ذلك) أي: فوق المخلوقات التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الحديث الذي ذكر فيه بعد ما بين السماء والأرض، وما بين كل سماء وسماء وكثف كل سماء والبحر الذي فوق السماء السابعة وما بين أسفله وأعلاه، وما فوق ذلك البحر من الأوعال الثمانية العظيمة ثم فوق ذلك العرش (والله فوق العرش) أي: مستو عليه استواء يليق بجلاله (وهو يعلم ما أنتم عليه) بعلمه المحيط الذي لا يخفى عليه شيء.


والشاهد من الحديث: إثبات علو الله على عرشه وأن عرشه فوق المخلوقات كلها وأن علم الله سبحانه محيط بأعمال العباد لا يخفى عليه منها شيء.


(وقوله للجارية) أي: أمة معاوية بن الحكم حينما غضب عليها سيدها معاوية فلطمها، ثم ندم وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :؟ أفلا أعتقها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بلى جئني بها) فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: (؟ أين الله) فيه دليل على جواز السؤال عن الله بأين (قالت: في السماء) أي: الله سبحانه .. في السماء وتقدم تفسير هذه الكلمة (قال) لها النبي صلى الله عليه وسلم أيضا: (من أنا؟) سألها عن اعتقادها فيه (قالت: أنت رسول الله) فأقرت له بالرسالة (قال) صلى الله عليه وسلم لسيدها: (أعتقها فإنها مؤمنة) فيه دليل على أن من شهد هذه الشهادة أنه مؤمن وأن العق يشترط له الإيمان.


والشاهد من الحديث: أن فيه دليلا على علو الله على خلقه فوق سماواته، وأنه يشار إليه في جهة العلو إشارة حسية.




 7 إثبات معية الله تعالى لخلقه وأنها لا تنافي علوه فوق عرشة


وقوله: (أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك أينما كنت) حديث حسن أخرجه الطبراني من حديث عبادة بن الصامت وقوله: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق قبل وجهه فإن الله قبل وجهه، ولا عن يمينه ولكن عن يساره أو تحت قدمه) متفق عليه وقوله: (اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء. وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين وأغنني من الفقر) رواه مسلم. وقوله لما رفع الصحابة أصواتهم بالذكر: (أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا بصيرا قريبا إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) متفق عليه.




الشرح:


قوله: (أفضل الإيمان) أي: من أفضل خصاله، وفي هذا دليل على أن الإثمان يتفاضل (أن تعلم أن الله معك) أي: يعلمه واطلاعه (حيثما كنت) أي: في أي مكان وجدت فمن علم ذلك استوت علانيته وسريرته فهابه في كل مكان (أخرجه الطبراني) أبو القاسم سليمان اللخمي أحد الحفاظ المكثرين وقد روى هذا الحديث في المعجم الكبير.


وفي الحديث دليل على إثبات معية الله لخلقه بعلمه وإحاطته بأعمالهم وأنه يجب على العبد أن يتذكر ذلك دائما فيحسن عمله.


وقوله: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة) أي: إذا شرع فيها (فلا يبصق أي: لا يتفل (قبل وجهه) أي أمامه (قبل بكسر القاف وفتح الباء (فإن الله قبل وجهه) هذا تعليل للنهي عن البصاق في قبله المصلي بأن الله سبحانه (قبل وجهه) أي: مواجهه وهذه المواجهة كما يليق بالله سبحانه لا يلزم منها أنه سبحانه مختلط بخلقه بل هو فوق سمواته مستو على عرشه وهو قريب من خلقه محيط بهم (ولا عن يمينه) أي: ولا يبصق المصلى عن يمينه تشريفا لليمين ولأن الملكين عن يمينه كما في رواية للبخاري (ولكن عن يساره أو تحت قدمه) أي: ولكن ليبصق المصلي في جهة يسارة أو يبصق تحت قدمه.


والشاهد من الحديث: أن فيه إثبات قرب الله سبحانه من عبده المصلي وإقباله عليه وهو سبحانه فوقه.


وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم رب السموات السبع) اللهم أصله: يا الله فالميم عوض عن ياء النداء رب السموات السبع أي :. خالقها ومالكها (ورب العرش العظيم) أي: الكبير الذي لا يقدر قدره إلا الله فهو أعظم المخلوقات وتقدم تفسير (ربنا ورب كل شيء) أي: خالقنا ورازقنا وخالق كل شيء ومالكه ففيه إثبات ربوبيته لكل شيء (فالق الحب والنوى) أي: شاق حب الطعام ونوى التمر للإثبات (منزل التوراة) على موسى (والإنجيل) على عيسى (والقرآن) على محمد عليهم أفضل الصلاة والسلام وفي ذلك دليل على فضل هذه الكتب وأنها منزلة من الله تعالى.


(أعوذ) أي: ألتجئ وأعتصم (بك) يا الله (من شر كل دابة) أي: كل ما دب على وجه الأرض (أنت آخذ بناصيتها) الناصية مقدم الرأس، أي: هي تحت قهرك وسلطانك تصرفها كيف تشاء، لتصرف شرها عني.


(أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء) هذه الأسماء الأربعة: اسمان لأزليته وأبديته وهما (الأول والآخر) واسمان لعلوه وقربه وهما (الظاهر والباطن).


وهما محل الشاهد من الحديث: لأن فيهما إثبات علو الله وقربه، وأنهما لا يتنافيان ولا يتناقضان فهو قريب في علوه علي في دنوه.


(اقض عني الدين) أي: أد عني حقوق الله وحقوق الخلق، وفي هذا التبريء من الحول والقوة، (وأغنني من الفقر) الفقر: الحاجة والفقير: هو من لا يجد شيئا، أو يجد بعض الكفاية. وفي الحديث أيضا مشروعية التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته في قضاء الحاجة وإجابة الدعاء.


(وقوله صلى الله عليه وسلم لما رفع الصحابه أصواتهم بالذكر) وذلك في غزوة خيبر كما جاء في بعض طرق الحديث وأن الذكر الذي رفعوا به أصواتهم هو التكبير: الله أكبر لا إله إلا الله.


وقوله: (اربعوا) أي: ارفقوا (فإنكم) تعليل للأمر بالرفق (لا تدعون أصم ولا غائبا) لا يسمع دعاءكم ولا يراكم فنفي الآفة المانعة من السمع، والآفة المانعة من النظر، وأثبت ضدهما فقال: (إنما تدعون سميعا بصيرا قريبا) فلا داعي لرفع الصوت (إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) فهو قريب ممن دعاه وذكره فلا حاجة لرفع الأصوات وهو قريب يسمعها إذا خفضت كما يسمعها إذا رفعت.


والشاهد من الحديث: .. أن فيه إثبات قرب الله سبحانه من داعيه، يسمع الأصوات الخفية كما يسمع الأصوات الجهرية فأفادت هذه الأحاديث جميعا إثبات معية الله لخلقه وقربه منهم وسماعه لأصواتهم ورؤيته لحركاتهم وذلك لا ينافي علوه واستواءه على عرشه وقد تقدم الكلام على المعية وأنواعها وشواهدها من القرآن الكريم مع تفسير تلك الشواهد. والله أعلم.




 8 إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة


وقوله: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا) متفق عليه.




الشرح:


قوله: (إنكم سترون ربكم) الخطاب للمؤمنين والسين للتنفيس ويراد بها التأكيد، وقوله: (ترون ربكم) أي: تعاينونه بأبصاركم، والأحاديث الواردة بإثبات رؤية المؤمنين لربهم متواترة. قوله: (كما ترون القمر ليلة البدر) أي :. ليلة كماله، وهي الليلة الرابعة عشرة من الشهر فإنه في تلك الليلة يكون قد امتلأ نورا والمراد من هذا التشبيه تحقيق. الرؤية وتأكيدها ونفي المجاز عنها وهو تشبيه للرؤية بالرؤية لا تشبيه للمرئي بالمرئي لأنه سبحانه: {ليس كمثله شيء}.


وقوله: (لا تضامون في رؤيته) بضم التاء وتخفيف الميم أي: لا يلحقكم ضيم، أي: ظلم بحيث يراه بعضكم دون بعض وروي بفتح التاء وتشديد الميم، من التضام، أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض لأجل رؤيته والمعنى على هذه الرواية: لا تجتمعون في مكان واحد لرؤيته فيحصل بينكم الزحام والمعنى على الروايتين: أنكم ترونه رؤية محققة كل منكم يراه وهو في مكانه. وقوله: (فإن استطعتم أن لا تغلبوا) أي: لا تصيروا مغلوبين، (على صلاة قبل طلوع الشمس وهي صلاة الفجر (وصلاة قبل غروبها) وهي صلاة العصر (فافعلوا) أي: حافظوا على هاتين الصلاتين في الجماعة في أوقاتهما وخص هاتين الصلاتين لاجتماع الملائكة فيهما، فهما أفضل الصلوات فناسب أن يجازي من حافظ عليهما بأفضل العطايا وهو النظر إلى وجه الله تعالى.


والشاهد من الحديث: .. أن فيه إثبات رؤية المؤمنين لربهم عيانا يوم القيامة وقد تقدم ذكر من خالف في ذلك مع الرد عليه عند الكلام على تفسير الآيات التي فيها إثبات الرؤية والله أعلم.


موقف أهل السنة من هذه الأحاديث التي فيها إثبات الصفات الربانية إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله صلى عليه وسلم عن ربه بما يخبر به. فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل. ومن غير تكييف ولا تمثيل.




الشرح:


هذا بيان لموقف أهل السنة والجماعة من أحاديث الصفات الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم. أنه كموقفهم من آيات الصفات الواردة في القرآن سواء. وهو الإيمان بها واعتقاد ما دلت عليه على حقيقته. لا يصرفونها عن ظاهرها بأنواع التأويل الباطل. ولا ينفون ما دلت عليه فيعطلونها. ولا يشبهون الصفات المذكورة فيها بصفات المخلوقين لأن الله (ليس كمثله شيء).


وهم بذلك يخالفون طريقة المبتدعة من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة الذين كان موقفهم من هذه النصوص موقف المنكر لها أو المؤول لما دلت عليه، وبخلاف المشبهة الذين غلوا في الإثبات حتى شبهوا الله بخلقه. (تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا). مكانة أهل السنة والجماعة بين فرق الأمة بل هم الوسط في فرق الأمة. كما أن الأمة هي الوسط في الأمم. فهم وسط في باب صفات الله سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية وغيرهم وفي باب وعيد الله بين المرجئة والعيدية من القدرية وغيرهم. وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية، وفي باب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرافضة والخوارج.




الشرح:


لما بين الشيخ رحمه الله موقف أهل السنة والجماعة من النصوص الواردة في الكتاب والسنة في صفات الله تعالى، أراد أن يبين مكانتهم بين فرق الأمة حتى يعرف قدرهم وفضلهم بمقارنتهم بغيرهم.


فإن الضد يظهر حسنه الضد ** وبضدها تتبين الأشياء


قال رحمه الله: (بل هم الوسط في فرق الأمة) قال في المصباح المنير: الوسط بالتحريك: المعتدل والمراد بالوسط هنا العدل الخيار قال تعالى في الآية (143) من سورة البقرة: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس}.


فأهل السنة وسط بمعنى أنهم عدول خيار. وبمعنى أنهم متوسطون بين فريقي الإفراط والتفريط، فهم وسط بين الفرق المنتسبة للإسلام، كما أن الأمة الإسلامية وسط بين الأمم. فهذه الأمة وسط بين الأمم التي تميل إلى الغلو والإفراط والأمم التي تميل إلى التفريط والتساهل. وأهل السنة والجماعة من هذه الأمة وسط بين فرق الأمة المبتدعة التي انحرفت عن الصراط المستقيم فغلا بعضها وتطرف، وتساهل بعضها وانحرف.


ثم بين الشيخ رحمه الله تفصيل ذلك فقال: (فهم) أي: أهل السنة والجماعة أولا: (وسط في باب صفات الله سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل) فالجهمية (نسبة إلى الجهم بن صفوان الترمذي) هؤلاء غلوا وأفرطوا في التنزيه حتى نفوا أسماء الله وصفاته حذرا من التشبيه بزعمهم، وبذلك سموا معطلة. لأنهم عطلوا الله من أسمائه وصفاته.


(وأهل التمثيل المشبهة) سموا بذلك لأنهم غلوا وأفرطوا في إثبات الصفات حتى شبهوا الله بخلقه ومثلوا صفاته بصفاتهم (تعالى الله عما يقولون). وأهل السنة توسطوا بين الطرفين فأثبتوا صفات الله على الوجه اللائق بجلاله من غير تشبيه ولا تمثيل، فلم يغلوا في التنزيه ولم يغلوا في الإثبات. بل نزهوا الله بلا تعطيل وأثبتوا له الأسماء والصفات بلا تمثيل.


ثانيا: وأهل السنة والجماعة (وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية) فالجبرية: (نسبة إلى الجبر لأنهم يقولون إن العبد مجبور على فعله) فهم غلوا في إثبات أفعال الله حتى نفوا أفعال العباد، وزعموا أنهم لا يفعلون شيئا وإنما الله هو الفاعل والعبد مجبور على فعله فحركاته وأفعاله كلها اضطرارية كحركات المرتعش، وإضافة الفعل إلى العبد مجاز.


(والقدرية) نسبة إلى القدر غلوا في إثبات أفعال العباد فقالوا: إن العبد يخلق فعل نفسه بدون مشيئة الله وإرادته، فأفعال العباد لا تدخل تحت مشيئة الله وإرادته، فالله لم يقدرها ولم يردها وإنما فعلوها هم استقلالا. وأهل السنة توسطوا، وقالوا: للعبد اختيار ومشيئة وفعل يصدر منه ولكنه لا يفعل شيئا بدون إرادة الله ومشيئته وتقديره قال تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} الآية (96) من سورة الصافات فأثبت للعباد عملا هو من خلق الله تعالى وتقديره وقال تعالى: { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين} الآية (29) من سورة التكوير فأثبت للعباد تأتي بع مشيئة الله تعالى. وسيأتي لهذا مزيد إيضاح إن شاء الله تعالى في مبحث القدر.


ثالثا: وأهل السنة والجماعة وسط (في باب وعيد الله) الوعيد: التخويف والتهديد، والمراد هنا النصوص التي فيه توعد للعصاة بالعذاب والنكال وقوله: (بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم) المرجئة: نسبة إلى الإرجاء وهو التأخير سموا بذلك لأنهم أخروا الأعمال عن مسمى الإيمان حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة غير فاسق وقالوا: .. لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة فعندهم أن مرتكب الكبيرة كامل الإيمان غير معرض للوعيد، فهم تساهلوا في الحكم على العاصي وأفرطوا في التساهل حتى زعموا أن المعاصي لا تنقص الإيمان ولا يحكم على مرتكب الكبيرة بالفسق.


وأما الوعيدية: فهم الذين قالوا بإنفاذ الوعيد على العاصي، وشددوا في ذلك حتى قالوا: إن مرتكب الكبيرة إذا مات ولم يتب فهو مخلد في النار وحكموا بخروجه من الإيمان في الدنيا.


وأهل السنة والجماعة توسطوا بين الطرفين فقالوا: إن مرتكب الكبيرة آثم ومعرض للوعيد وناقص الإيمان ويحكم عليه بالفسق (لا كما تقول المرجئة إنه كامل الإيمان وغير معرض للوعيد) ولكنه لا يخرج من الإيمان ولا يخلد في النار إن دخلها. فهو تحت مشيئة الله: إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه بقدر معصيته، ثم يخرج من النار ويدخل الجنة (لا كما تقوله الوعيدية بخروجه من الإيمان وتخليده في النار) فالمرجئة أخذوا بنصوص الوعد والوعيدية أخذوا بنصوص الوعيد. وأهل السنة والجماعة جمعوا بينهما.


رابعا: وأهل السنة والجماعة وسط (في باب أسماء الإيمان والدين) أي: الحكم على الإنسان بالكفر أو الإسلام أو الفسق وفي جزاء العصاة في الدنيا والآخرة (بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية) الحرورية: هم الخوارج سموا بذلك نسبة إلى حرورى: قرية بالعراق اجتمعوا فيها حين خرجوا على علي رضي الله عنه والمتعزلة: هم أتباع واصل بن عطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري وانحاز إليه أتباعه بسبب خلاف وقع بينهما في حكم مرتكب الكبيرة من المسلمين، فقال الحسن رحمه الله عن واصل هذا: إنه قد اعتزلنا، فسموا معتزلة.


فمذهب الخوارج والمعتزلة في حكم مرتكب الكبيرة من المسلمين مذهب متشدد حيث حكموا عليه بالخروج من الإسلام ثم قال المعتزلة: .. إنه ليس بمسلم ولا كافر بل هو بالمنزلة بين المنزلتين وقال الخوارج: إنه كافر واتفقوا على أنه إذا مات على تلك الحال أنه خالد مخلد في النار وقابلتهم المرجئة والجهمية فتساهلوا في حكم مرتكب الكبيرة وأفرطوا في التساهل معه فقالوا: لا يضر مع الإيمان معصية لأن الإيمان عندهم هو تصديق القلب فقط أو مع نطق اللسان على خلاف بينهم، ولا تدخل فيه الأعمال فلا يزيد بالطاعة ولا ينقص بالمعصية. فالمعاصي لا تنقص الإيمان ولا يستحق صاحبها النار إذا لم يستحلها.


وأهل السنة والجماعة توسطوا بين الفرقتين فقالوا: .. إن العاصي لا يخرج من الإيمان لمجرد المعصية وهو تحت المشيئة إن شاء الله عفا عنه وإن شاء عذبه في النار، لكنه لا يخلد فيها كما تقول الخوارج والمعتزلة والمعاصي تنقص الإيمان ويستحق صاحبها دخول النار إلا أن يعفوا الله عنه. ومرتكب الكبيرة يكون فاسقا ناقص الإيمان، لا كما تقول المرجئة إنه كامل الإيمان والله تعالى أعلم.


خامسا: وأهل السنة والجماعة وسط في حق (أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرافضة والخوارج): الصحابي: هول من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على ذلك. والرافضة: اسم مأخوذ من الرفض وهو الترك سموا بذلك لأنهم قالوا لزيد بين علي بن الحسين: تبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر، فأبى وقال: معاذ الله فرفضوه فسموا رافضة.


ومذهبهم في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم غلوا في علي رضي الله عنه وأهل البيت وفضلوهم على غيرهم، ونصبوا العداوة لبقية الصحابة خصوصا الخلفاء الثلاثة أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وسبوهم ولعنوهم، وربما كفروهم أو كفروا بعضهم. وقابلهم الخوارج فكفروا عليا رضي الله عنه وكفروا معه كثيرا من الصحابة وقاتلوهم واستحلوا دماءهم وأموالهم.


وأهل السنة والجماعة خالفوا الجميع فوالوا جميع الصحابة ولم يغلوا في أحد منهم واعترفوا بفضل جميع الصحابة وأنهم أفضل هذه الأمة بعد نبيها. ويأتي لهذا مزيد بيان.

وجوب الإيمان باستواء الله على عرشه وعلوه على خلقه ومعيته لخلقه وأنه لا تنافي بينهما


فصل


قال رحمه الله: وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله الإيمان بما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه علي على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون. كما جمع بين ذلك في قوله: {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير} وليس معنى قوله: { وهو معكم} أنه مختلط بالخلق فإن هذا لا توجبه اللغة وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان، وهو سبحانه فوق عرشه رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع عليهم إلى غير ذلك من معاني ربوبيته.




الشرح:


خصص المصنف رحمه الله هاتين المسألتين: (الاستواء على العرش ومعيته للخلق) بالتنبيه ليزيل الإشكال فقد يتوهم وجود التنافي بينهما فقد يظن الظان أن ذلك مثل صفات المخلوقين وأنه مختلط بهم فكيف يكون فوق خلقه مستويا على عرشه، ويكون. مع خلقه قريبا منهم بدون مخالطة والجواب عن هذه الشبهة، كما وضحه الشيخ رحمه الله من وجوه:


الوجه الأول: أن هذا لا توجبه لغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم فإن كلمة (مع) في اللغة لمطلق المصاحبة لا تفيد اختلاطا وامتزاجا ولا مجاورة ولا مماسة فإنك تقول: .. زوجتي معي، وأنت في مكان وهي في مكان آخر وتقول: .. ما زلنا نسير والقمر معنا، وهو في السماء ويكون مع المسافر وغير المسافر أينما كان وإذا صح أن يقال هذا في حق القمر وهو مخلوق صغير، فكيف لا يقال في حق الخالق الذي هو أعظم من كل شيء؟


الوجه الثاني: أن هذا القول خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم (وهم القرون المفضلة) الذين هم القدوة، فقد أجمعوا على أن الله مستو على عرشه عال على خلقه بائن منهم، وأجمعوا على أنه مع خلقه. بعلمه سبحانه وتعالى كما فسروا قوله تعالى: {وهو معكم} بذلك.


الوجه الثالث: أن هذا خلاف ما فطر الله عليه الخلق، أي: ركزه في فطرهم فإن الخلق فطروا على الإقرار بعلو الله سبحانه على خلقه فإن الخلق يتجهون إلى الله عند الشدائد والنوازل نحو العلو لا تلتفت يمنة ولا يسرة من غير أن يرشدهم إلى ذلك أحد، وإنما ذلك موجب الفطرة التي فطر الله الناس عليها.


الوجه الرابع: أن هذا خلاف ما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله من أنه سبحانه وتعالى على عرشه علي على خلقه وهو معهم أينما كانوا والمتواتر من النصوص: هو ما رواه جماعة تحيل العادة تواطؤهم على الكذب عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء) والآيات والأحاديث في هذا كثيرة منها الآية التي ذكرها المصنف رحمه الله والله أعلم.


وقول المصنف رحمه الله: (وهو سبحانه فوق عرشه رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع عليهم) تقرير وتأكيد لما سبق من ذكر علوه على عرشه وكونه مع خلقه بذكر اسمين من أسمائه سبحانه وهما (الرقيب والمهيمن) قال الله تعالى: {إن الله كان عليكم رقيبا } والرقيب هو المراقب لأحوال عباده وفي ذلك دلالة على قربه منهم وقال تعالى: {هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن} والمهيمن هو: الشاهد على خلقه المطلع على أعمالهم الرقيب عليهم.


(إلى غير ذلك من معاني ربوبيته)، أي: أن مقتضى ربوبيته سبحانه أن يكون فوق خلقه بذاته ويطلع على أعمالهم ويكون قريبا منهم بعلمه وإحاطته يصرف شؤونهم ويحصي أعمالهم ويجازيهم عليها.




 ما يجب اعتقاده في علوه ومعيته سبحانه ومعنى كونه سبحانه: (في السماء) وأدلة ذلك


وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج تحرف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة مثل أن يظن أن ظاهر قوله: {في السماء} أن السماء تقله أو تظله وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان فإن الله قد { وسع كرسيه السماوات والأرض} {وهو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا} {ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره}.




الشرح:


يبين الشيخ رحمه الله ما يجب اعتقاده بالنسبة لما أخبر الله به عن نفسه من كونه فوق العرش وهو معنا، أنه يجب الإيمان به كما أخبر الله، ولا يجوز تأويله وصرفه عن ظاهره كما يفعله المعطلة من الجهمية والمعتزلة وأشباههم فيزعمون أن ذلك ليس حقيقة وإنما هو مجاز فيؤولون الاستواء على العرش بالاستيلاء على الملك وعلو الله على خلقه بعلو قدره وقهره ونحو ذلك من التأويلات الباطلة التي هي تحريف لكلام الله عن مواضعه ومنهم من يقول: إن معنى كونه معنا أنه حال في كل مكان، كما تقوله حلولية الجهمية وغيرهم، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.


وقوله: (ولكن يصان عن الظنون الكاذبة مثل أن يظن ظاهر قوله: {في السماء} أن السماء تقله أو تظله) تقله: أي تحمله وتظله: أي تستره، والظلة: .. الشيء الذي يظلك من فوقك وليس هذان المعنيان مرادين في كونه سبحانه في السماء ومن ظن ذلك فقد أخطأ غاية الخطأ وذلك لأمرين:


الأمر الأول: أن هذا خلاف ما أجمع عليه أهل العلم والإيمان فقد أجمعوا على أنه سبحانه فوق عرشه بائن من خلقه ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته وقد تقدم الكلام في تفسير قوله تعالى: {أأمنتم من في السماء} وأنه إن أريد بالسماء السماء المبنية (ففي) بمعنى (على) أي: على السماء كقوله: {لأصلبنكم في جذوع النخل} أي: على جذوع النخل وإن أريد بالسماء العلو كان المعنى (في السماء) أي: في العلو والله أعلم.


الأمر الثاني: أن هذا الظن مخالف ومصادم لأدلة القرآن الدالة على عظمة الله وغناه عن خلقه وحاجة خلقه وحاجة خلقه إليه، كما في قوله تعالى: {وسع كرسيه السماوات والأرض} والكرسي مخلوق عظيم بين يدي العرش وهو أعظم من السموات والأرض والعرش أعظم منه، فإذا كانت السموات والأرض أصغر من الكرسي والكرسي أصغر من العرش. والله أعظم من كل شيء فكيف تحويه السماء أو تقله أو تظله؟


وكذلك قوله تعالى: {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا} {ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} فهذه الآيات تدل على أن السموات والأرض بحاجة إليه فهو الذي يمسكها أن تزول أو تقع ويكون قيامها بأمره وحده. فلا يعقل مع هذا أن يكون سبحانه بحاجة إليها لتقله أو تظله، تعالى الله عن هذا الظن الباطل علوا كبيرا.




 وجوب الإيمان بقربه من خلقه وأن ذلك لا ينافي علوه وفوقيته


فصل


قال رحمه الله: وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب مجيب، كما جمع بين ذلك في قوله: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} وقوله صلى الله عليه وسلم (إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته). وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته. وهو علي في دنوه قريب في علوه.




الشرح:


لما قرر المصنف وجوب الإيمان بعلو الله سبحانه على خلقه واستوائه على عرشه نبه في هذا الفصل إلى أنه يجب مع ذلك الإيمان بأنه قريب من خلقه وقوله: (وقد دخل في ذلك) أي: في الإيمان بالله (الإيمان بأنه قريب) أي: من خلقه ( مجيب) لدعائهم (كما جمع بين ذلك) أي: بين القرب والإجابة في قوله: {وإذا سألك عبادي عني} ورد في سبب نزول هذه الآية أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :؟ يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فسكت النبي صلى الله عليه وسلم. فنزلت هذه الآية. {فإني قريب} من الداعي {أجيب دعوة الداع إذا دعان}. وهذا يدل على الإرشاد إلى المناجاة في الدعاء بدون رفع الصوت، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) سبق شرحه.


وفي هذه الآية وهذا الحديث دلالة على قرب الله تعالى من الداعي بإجابته وهذا القرب لا يناقض علوه، ولهذا قال مصنف: (وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته) لأن الكل حق والحق لا يتناقض ولأن الله تعالى: [ليس كمثله شيء في جميع نعوته] أي: صفاته، فلا يقال: إذا كان فوق خلقه فكيف يكون معهم لأن هذا السؤال ناشئ عن تصور خاطئ هو قياسه سبحانه بخلقه وهذا قياس باطل، لأن الله سبحانه {ليس كمثله شيء}. فالقرب والعلو يجتمعان في حقه لعظمته وكبريائه وإحاطته وأن السموات السبع في يده كخردلة في يد العبد، فكيف يستحيل في حق من هذا بعض عظمته أن يكون فوق عرشه ويقرب من خلقه كيف يشاء وهو على العرش. (وهو علي في دنوه قريب في علوه) سبحانه وتعالى كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، وأجمع عليه علماء الملة وهو من خصائصه سبحانه (علي في دنوه) أي: في حال قربه من خلقه (قريب في علوه) أي: قريب من خلقه في حال علوه على عرشه.




 وجوب الإيمان بأن القرآن كلام الله حقيقة


فصل


قال رحمه الله: ومن الإيمان بالله وكتبه الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود وأن الله تكلم به حقيقة وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره. ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة. بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة. فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا. وهو كلام الله حروفه ومعانيه. ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف.




الشرح:


من أصول الإيمان: .. الإيمان بالله والإيمان بكتبه كما سبق ويدخل في هذين الأصلين الإيمان بأن القرآن كلام الله فالإيمان بالله عز وجل يتضمن الإيمان بصفاته، وكلامه من صفاته فإن الله تعالى موصوف بأنه يتكلم بما يشاء إذا شاء لم يزل ولا يزال يتكلم وكلامه لا ينفد ، ونوع الكلام في حقه أزلي أبدي ومفرداته لا تزال تقع شيئا فشيئا حسب حكمته تعالى.


ومن كلامه القرآن العظيم الذي هو أعظم كتبه، فهو داخل في الإيمان بكتبه دخولا أوليا وهو منزل منه سبحانه، فهو تكلم به وأنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم فهو (منزل غير مخلوق) لأنه صفة من صفاته أضافه إلى نفسه إضافة الصفة إلى موصوفها، وصفاته غير مخلوقه فكلامه غير مخلوق وقد خالف في هذا طوائف، ذكر الشيخ رحمه الله هنا مقاله بعضهم فذكر:


1 مقالة الجهمية حيث يقولون: إن الله لا يتكلم وإنما خلق كلاما في غيره وجعله يعبر عنه، فإضافة الكلام عندهم إلى الله مجاز لا حقيقة لأنه خلق الكلام فهو متكلم بمعنى خالق الكلام في غيره وهذا القول باطل مخالف للأدلة السمعية والعقلية، ومخالف لقول السلف وأئمة المسلمين فإنه لا يعقل أن يسمى متكلما إلا من قام به الكلام حقيقة فكيف يقال: قال الله والقائل غيره وكيف يقال: كلام الله وهو كلام غيره؟!.


وقول المصنف: (منه بدأ وإليه يعود وأن الله تكلم به حقيقة وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره) قصده بهذا الرد على الجهمية الذين يقولون إن القرآن بدأ من غيره وأن الله لم يتكلم به حقيقة بل مجازا، وهو كلام غيره أضيف إليه لأنه خالقه ومعنى قوله: (منه بدأ) أن القرآن بدأ وخرج من الله تعالى وتكلم به (ومن) لابتداء الغاية وقوله: (وإليه يعود) أي: أن القرآن يرجع إلى الله تعالى لأنه يرفع في آخر الزمان فلا يبقى منه شيء في الصدور ولا في المصاحف، وذلك من علامات الساعة، أو معنى ذلك أنه ينسب إليه.


2 ثم ذكر الشيخ رحمه الله هنا مقالة الكلابية (أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب) في القرآن أنه حكاية عن كلام الله، لأن كلام الله عندهم هو المعنى القائم في نفسه لازم لذاته كلزوم الحياة والعلم، لا يتعلق بمشيئته وإرادته. وهذا المعنى القائم في نفسه غير مخلوق وهذه الألفاظ المكونة من حروف وأصوات مخلوقة وهي حكاية لكلام الله وليست هي كلامه.


3 وذكر مقالة الأشاعرة (أتباع أبي الحسن الأشعري) أن القرآن عبارة عن كلام الله، لأن كلام الله عندهم معنى قائم في نفسه، المعنى وهذا غير مخلوق. أما هذه الألفاظ المقروءة فهي عبارة عن ذلك المعنى القائم بالنفس وهي مخلوقة ولا يقال إنها حكاية عنه.


وبعض العلماء يقول: إن الخلاف بين الكلابية والأشاعرة خلاف لفظي لا طائل تحته، فالأشاعرة والكلابية يقولون: القرآن نوعان: ألفاظ ومعان، فالألفاظ مخلوقة هي هذه الألفاظ الموجودة، والمعاني قديمة قائمة بالنفس وهي معنى واحد لا تبعض فيه ولا تعدد. وعلى كل حال فالقولان إن لم يكونا متفقين فهما متقاربان.


وقد أشار الشيخ رحمه الله إلى بطلان هذين القولين بقوله: (ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله) أي: كما تقول الكلابية (أو عبارة عنه) كما تقول الأشاعرة (بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله حقيقة) أي: أن القرآن العظيم كلام الله ألفاظه ومعانيه أين وجد، سواء حفظ في الصدور أو تلي بالألسنة أو كتب في المصاحف لا يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة.


ثم ذكر الشيخ رحمه الله دليل ذلك فقال: (فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا) فإن المبلغ المؤدي إنما يسمى واسطة فقط قال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} الآية ( 6) من سورة التوبة. والسماع المذكور في هذه الآية إنما يكون بواسطة المبلغ وسمي المسموع كلام الله، فدل على أن الكلام إنما يضاف إلى من قاله مبتدئا.


4 ثم ذكر الشيخ رحمه الله مقالة المعتزلة، حيث يقولون: إن كلام الله الحروف دون المعاني فيقولون: إن مسمى القول والكلام عند الإطلاق اسم للفظ فقط، والمعنى ليس جزء مسماه بل مدلول مسماه.


ثم ذكر رحمه الله المذهب المقابل لذلك فقال: (ولا المعاني دون الحروف) كما هو مذهب الكلابية والأشاعرة وكما سبق شرحه والمذهب الحق أن القرآن كلام الله حروفه ومعانيه كما هو قول أهل السنة والجماعة، وهو الذي قامت عليه الأدلة من الكتاب والسنة والحمد لله رب العالمين .




 وجوب الإيمان برؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة ومواضع الرؤية


فصل


قال رحمه الله: وقد دخل أيضا فيما ذكرناه من الإيمان به وبكتبه وملائكته وبرسله الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة عيانا بأبصارهم، كما يرون الشمس صحوا ليس دونها سحاب، وكما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته يرونه سبحانه. وهم في عرصات القيامة. ثم يرونه بعد دخول الجنة كما يشاء الله.




الشرح:


وجه دخول الإيمان بالرؤية في الإيمان بالله وبكتبه وبرسله أن الله سبحانه أخبر بها في ككتابه وأخبر بها رسوله صلى الله عليه وسلم فمن لم يؤمن بها كان مكذبا لله ولكتبه ولرسله، فإن الذي يؤمن بالله وكتبه ورسله يؤمن بكل ما أخبروا به وقوله: (عيانا) بكسر العين أي: رؤية محققة لا خفاء فيها، فليست مجازا كما تقوله المعطلة (كما يرن الشمس صحوا ليس دونها سحاب وكما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته) أي: رؤية حقيقية لا مشقة فيها كما دلت على ذلك الآيات والأحاديث التي سبق شرحها.


وقوله: (يرونه سبحانه وهم في عرصات القيامة ثم يرونه بعد دخول الجنة) هذا بيان للمواضع التي تحصل فيها الرؤية وذلك في موضعين:


الموضع الأول: في عرصات القيامة، والعرصات جمع عرصة وهي الموضع الواسع الذي لا بناء فيه، وعرصات القيامة: مواقف الحساب وهل يختص المؤمنون برؤيته في هذا الموضع في المسألة ثلاثة أقوال قيل:؟. يراه في عرصات القيامة المؤمنون والمنافقون والكفار وقيل: يراه المؤمنون والمنافقون فقط دون الكفار وقيل: يراه المؤمنون فقط والله أعلم.


الموضع الثاني: يراه المؤمنون بعد دخولهم الجنة كما ثبت ذلك في الأدلة من الكتاب والسنة، وسبق ذكر بعض تلك الأدلة مشروحة، وسبق ذكر شبه من نفى الروية مع الرد عليها، والجنة في اللغة: البستان، والمراد بها هنا: الدار التي أعدها الله لأوليائه وهي دار النعيم المطلق الكامل وقول الشيخ: (كما يشاء الله) أي: من غير إحاطة ولا تكييف لرؤيته.

ما يدخل في الإيمان باليوم الآخر


فصل


 1 ما يكون في القبر


قال رحمه الله: ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت، فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه فأما الفتنة فإن الناس يفتنون في قبورهم فيقال للرجل: من ربك وما دينك ومن نبيك فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة فيقول المؤمن: ؟؟؟ .. ربي الله والإسلام ديني ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيي. وأما المرتاب فيقول :. هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب.




الشرح:


اليوم الآخر هو يوم القيامة والإيمان به أحد أركان الإيمان، وقد دل عليه العقل والفطرة، وصرحت به جميع الكتب السماوية ونادى به جميع الأنبياء والمرسلين. وسمي باليوم الآخر لتأخره عن الدنيا. وقد ذكر الشيخ رحمه الله هنا ضابطا شاملا لمعنى الإيمان باليوم الآخر بأنه الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت، فيدخل فيه الإيمان بكل ما دلت عليه النصوص من حالة الاحتضار وحالة الميت في القبر والبعث من القبور وما يحصل بعده. ثم أشار الشيخ رحمه الله إلى أشياء من ذلك.


منها ما يكون في القبر فقال: (فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه) فذكر أمرين:


الأمر الأول: فتنة القبر، والفتنة لغة: الامتحان والاختبار، والمراد بها هنا سؤال الملكين للميت، ولهذا قال: (فأما الفتنة فإن الناس يفتنون في قبورهم فيقال للرجل) أي: الميت سواء كان رجلا أو امرأة، ولعل ذكر الرجل من باب التغليب. ثم ذكر الأسئلة التي توجه إلى الميت، وما يجيب به المؤمن، وما يجيب به غير المؤمن وما يكون بعد هذه الإجابة من نعيم أو عذاب.


والإيمان بسؤال الملكين واجب لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث يبلغ مجموعها حد التواتر ويدل على ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} سورة إبراهيم الآية ( 27) فقد أخرج الشيخان من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} نزلت في عذاب القبر زاد مسلم: (يقال له: من ربك فيقول ربي الله ونبيي محمد ) فذلك قوله: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت}، والقول الثابت هو كلمة التوحيد التي ثبتت في قلب المؤمن بالحجة والبرهان، وتثبيت المؤمنين بها في الدنيا أنهم يتمسكون بها ولو نالهم في سبيلها ما نالهم من الأذى والتعذيب. وتثبيتهم بها في الآخرة توفيقهم للجواب عند سؤال الملكين.


وقوله: (وأما المرتاب) أي: الشاك (فيقول) إذا سئل: (هاه هاه) كلمة تردد وتوجع، (لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته) لأنه غير مؤمن بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فيستعجم عليه الجواب، ولو كان من أعلم الناس وأفصحهم كما قال تعالى: {ويضل الله الظالمين} فيضرب بمرزبة من حديد وهي المطرقة الكبيرة (فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان لصعق) أي: خر ميتا أو غشي عليه، ومن حكمة الله أيضا أن ما يجري على الميت في قبره لا يحس به الأحياء، لأن الله تعالى جعله من الغيب، ولو أظهره لفاتت الحكمة المطلوبة وهي الإيمان بالغيب.


الأمر الثاني: مما يجري على الميت في قبره ما أشار إليه الشيخ بقوله: (ثم بعد الفتنة إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى) هذا فيه إثبات عذاب القبر أو نعيمه ومذهب أهل السنة والجماعة أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه كما تواترت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجب الإيمان به ولا يتكلم في كيفيته وصفته لأن ذلك لا تدركه العقول، لأنه من أمور الآخرة، وأمور الآخرة لا يعلمها إلا الله، ومن أطلعهم الله على شيء منه وهم الرسل صلوات الله سلامه عليهم.


وأنكر عذاب القبر المعتزلة، وشبهتهم في ذلك أنهم لا يدركونه ولا يرون الميت يعذب ولا يسأل والجواب عن ذلك: أن عدم إدراكنا ورؤيتنا للشيء لا يدل على عدم وجوده ووقوعه، فكم من أشياء لا نراها وهي موجودة، ومن ذلك عذاب القبر أو نعيمه. وأن الله تعالى جعل أمر الآخرة وما كان متصلا بها غيبا وحجبها عن إدراك العقول في هذه الدار ليتميز الذين يؤمنون بالغيب من غيرهم. وأمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا. والله أعلم.


وعذاب القبر على نوعين:


النوع الأول: عذاب دائم وهو عذاب الكافر كما قال تعالى: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا} سورة غافر الآية (46).


النوع الثاني: يكون إلى مدة ثم ينقطع وهو عذاب بعض العصاة من المؤمنين فيعذب بحسب جرمه ثم يخفف عنه وقد ينقطع العذاب بسبب دعاء أو صدقة أو استغفار.


 2 القيامة الكبرى وما يجري فيها


إلى أن تقوم القيامة الكبرى فتعاد الأرواح إلى الأجساد. وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله، وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلا.




الشرح:


أشار الشيخ رحمه الله في هذا وما بعده إلى ما يكون في الدار الآخرة وهي التي تبدأ بالقيامة الكبرى فإن الدور ثلاث: .... دار الدنيا ودار البرزخ والدار الآخرة وكل دار من هذه الدور الثلاث لها أحكام تخصها. وحوادث تجري فيها، وقد تكلم الشيخ على ما يكون في دار البرزخ.


وهنا أخذ يتكلم على ما يكون في الدار الآخرة فيقول: (إلى أن تقوم القيامة الكبرى) القيامة قيامتان: قيامة صغرى وهي الموت وهذه القيامة تقوم على كل إنسان في خاصته من خروج روحه وانقطاع سعيه. وقيامة كبرى، وهذه تقوم على الناس جميعا وتأخذهم أخذة واحدة وسميت قيامة لقيام الناس من قبورهم لرب العالمين ولهذا قال: (فتعاد الأرواح إلى الأجساد) وذلك عندما ينفخ إسرافيل في الصور قال تعالى: {ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} الآيتان (51 52) من سورة يس وقال تعالى: {ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} الآية (68) من سورة الزمر والأرواح: جمع روح، وهي ما يحيا به الإنسان وغيره من ذوات الأرواح، ولا يعلم حقيقتها إلا الله قال تعالى: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} الآية (85) الإسراء.


وقوله: (وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله وأجمع عليها المسلمون) إشارة إلى أدلة البعث، وأنه ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين والعقل والفطر السليمة فقد أخبر الله عنه في كتابه وأقام الدليل عليه. ، ورد على المنكرين للبعث في غالب سور القرآن. ولما كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بين تفاصيل الآخرة بيانا لا يوجد في كثير من كتب الأنبياء.


والجزاء على الأعمال ثابت بالعقل وواقع في الشرع، فإن الله نبه العقول إلى ذلك في مواضع كثيرة من القرآن حيث ذكرها أنه لا يليق بحكمته وحمده أن يترك الناس سدى أو يخلقهم عبثا لا يؤمرون ولا ينهون ولا يثابون ولا يعاقبون. وأن يكون المحسن كالمسيء أو يجعل المسلمين كالمجرمين. فإن بعض المحسنين يموت قبل أن يجزى على إحسانه. وبعض المجرمين يموت قبل أن يجازى على إجرامه. فلابد أن هناك دارا يجازى فيها كل منهما. ومنكر البعث كافر. كما قال تعالى: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا} الآية (7) التغابن.


وقوله: (فيقوم الناس من قبورهم حفاة): جمع حاف وهو الذي ليس على رجله نعل ولا خف (عراة): جمع عار، وهو الذي ليس عليه لباس (غرلا): جمع أغرل وهو الأقلف الذي لم يختن، وهذه الصفات الثلاث يكونون عليها حين قيامهم من قبورهم، وهذا ثابت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنكم تحشرون إلى الله يوم القيامة حفاة عراة غرلا) الحديث.




ما يجري في يوم القيامة


وتدنو منهم الشمس ويلجمهم العرق فتنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون} وتنشر الدواوين، وهي صحائف الأعمال فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره كما قال سبحانه وتعالى : {وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} ويحاسب الله الخلائق ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه، كما وصف ذلك في الكتاب والسنة. وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم فتحصى فيوقفون عليها ويقررون بها.




الشرح:


ذكر الشيخ رحمه الله في هذا الكلام بعض ما يجري في يوم القيامة مما ذكر في الكتاب والسنة. فإن تفاصيل ما يجري في هذا اليوم مما لا يدرك بالعقل، وإنما يدرك بالنقول الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى {إن هو إلا وحي يوحى} ومن الحكمة في محاسبة الخلائق على أعمالهم ووزنها وظهورها مكتوبة في الصحف مع إحاطة علم الله بذلك، ليرى عباده كمال حمده وكمال عدله وسعة رحمته وعظمة ملكه. وذكر الشيخ مما يجري في هذا اليوم العظيم على العباد:


1 (أنها تدنو منهم الشمس) أي: تقرب من رؤوسهم كما روى مسلم عن المقداد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين) قوله: ( ويلجمهم العرق) أي: يصل إلى أفواههم، فيصير بمنزلة اللجام يمنعهم من الكلام وذلك نتيجة لدنو الشمس منهم، وذلك بالنسبة لأكثر الخلق، ويستثنى من ذلك الأنبياء ومن شاء الله.


2 ومما ذكر في هذا اليوم قوله: (وتنصب الموازين وتوزن بها الأعمال) الموازين: جمع ميزان، وهو الذي توزن به الحسنات والسيئات، وهو ميزان حقيقي له لسان وكفتان، وهو من أمور الآخرة نؤمن به كما جاء ولا نبحث عن كيفيته إلا على ضوء ما ورد من النصوص والحكمة في وزن الأعمال إظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبه {فمن ثقلت موازينه} أي: رجحت حسناته على سيئاته {فأولئك هم المفلحون} أي: الفائزون والناجون من النار المستحقون لدخول الجنة {ومن خفت موازينه} أي: ثقلت سيئاته على حسناته {فأولئك الذين خسروا أنفسهم} أي: خابوا وصاروا إلى النار {في جهنم خالدون} أي: ماكثون في النار.


والشاهد من الآية الكريمة: أن فيها إثبات الموازين والوزن يوم القيامة وقد ورد ذكر الوزن والموازين في آيات كثيرة من القرآن، وقد أفاد مجموع النصوص أنه يوزن العامل والعمل والصحف، ولا منافاة بينها فالجميع يوزن، ولكن الاعتبار في الثقل والخفة يكون بالعمل نفسه لا بذات العامل ولا بالصحيفة والله أعلم. وقد تأول المعتزلة النصوص في ذلك على أن المراد بالوزن والميزان العدل، وهذا تأويل فاسد مخالف للنصوص وإجماع سلف الأمة وأئمتها.


قال الشوكاني: وغاية ما تشبثوا به مجرد الاستبعادات العقلية، وليس في ذلك حجة على أحد فهذا إذا لم تقبله عقولهم فقد قبلته عقول قوم هي أقوى من عقولهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم، حتى جاءت البدع كالليل المظلم، وقال كل ما شاء وتركوا الشرع خلف ظهورهم. اه. وأمور الآخرة ليست مما تدركها العقول والله أعلم.


3 ومما ذكره الشيخ من حوادث هذا اليوم العظيم قوله: (وتنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال) أي: الصحائف التي كتبت فيها أعمال العباد التي عملوها في الدنيا وكتبتها عليهم الحفظة لأنها تطوى عند الموت وتنشر. أي: تفتح عند الحساب ليقف كل إنسان على صحيفته فيعلم ما فيها، (فآخذ كتابه بيمينه وآخذ ككتابه بشماله أو من وراء ظهره) هذا فيه بيان كيفية أخذ الناس لصحفهم كما جاء ذلك في القرآن الكريم على نوعين: آخذ كتابه بيمينه، وهو المؤمن، وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره وهو الكافر. بأن تلوى يده اليسرى من وراء ظهره ويعطى كتابه بها. كما جاءت الآيات بهذا وهذا ولا منافاة بينهما لأن الكافر تغل يمناه إلى عنقه وتجعل يسراه وراء ظهره فيأخذ بها كتابه.


ثم استدل الشيخ بقوله تعالى: {وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه} الآية وطائره: ما طار عنه من عمله من خير وشر (في عنقه) أي: يلزم به ويجازى به لا محيد له عنه، فهو لازم له لزوم القلادة في العنق {ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا} أي: نجمع له عمله كله في كتاب يعطاه يوم القيامة، إما بيمينه إن كان سعيدا، أو بشماله إن كان شقيا، {منشورا} أي: مفتوحا يقرؤه هو وغيره وإنما قال سبحانه: {يلقاه منشورا} تعجيلا للبشرى بالحسنة والتوبيخ على السيئة {اقرأ كتابك} أي: نقول له ذلك قيل: يقرأ ذلك الكتاب من كان قارئا ومن لم يكن قارئا {كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} أي: حاسبا، وهو منصوب على التمييز. وهذا أعظم العدل حيث جعله حسيب نفسه ليرى جميع عمله لا ينكر منه شيئا.


والشاهد من الآية الكريمة: أن فيها إثبات إعطاء كل إنسان صحيفة عمله يوم القيامة يقرؤها بنفسه ويطلع عليها هو لا بواسطة غيره.


4 ثم ذكر الشيخ رحمه الله الحساب فقال: (ويحاسب الله الخلائق) الحساب: هو تعريف الله عز وجل للخلائق بمقادير الجزاء على أعمالهم وتذكيره إياهم ما قد نسوه من ذلك، أو بعبارة أخرى: هو توقيف الله عباده قبل الانصراف من المحشر على أعمالهم خيرا كانت أم شرا.


ثم ذكر الشيخ رحمه الله أن الحساب على نوعين:


النوع الأول: حساب المؤمن قال فيه: (ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه كما وصف ذلك بالكتاب والسنة) كما قال الله تعالى: {فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا} الآيتان (8، 9) الانشقاق، وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره من الناس ويقرره بذنوبه ويقول له: أتعرف ذنب كذا أتعرف ذنب كذا أتعرف ذنب كذا حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أن قد هلك ، قال :؟ فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته) ومعنى يقرره بذنوبه: يجعله يقر، أي: يعترف بها كما في هذا الحديث :. أتعرف ذنب كذا أتعرف ذنب كذا ومن المؤمنين من يدخل الجنة بغير حساب، كما صح في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب.


والحساب يختلف، فمنه اليسير وهو العرض، ومنه المناقشة وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقلت يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى: {فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما ذلك العرض وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب).


النوع الثاني: حساب الكفار، وقد بينه بقوله: (وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنه لا حسنات لهم) أي: ليس لهم حسنات توزن مع سيئاتهم لأن أعمالهم قد حبطت بالكفر فلم يبق لهم في الآخرة إلا سيئات فحسابهم معناه أنهم ( تعد أعمالهم فتحصى فيوقفون عليها ويقررون بها ويجزون بها) أي: يخبرون بأعمالهم الكفرية ويعترفون بها ثم يجازون عيها كما قال تعالى: {فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ} الآية (50) فصلت وقال تعالى: {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } الآية (37) الأعراف وقال. : {فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير} الآية (11) الملك.




 حوض النبي صلى الله عليه وسلم ومكانه وصفاته


وفي عرصات القيامة الحوض المورود للنبي صلى الله عليه وسلم ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل. آنيته عدد نجوم السماء. طوله شهر وعرضه شهر. من يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا.




الشرح:


5 مما يوجد في القيامة حوض النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكره الشيخ هنا وبين أوصافه فقال: (وفي عرصات القيامة الحوض المورود للنبي صلى الله عليه وسلم) كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الإمام ابن القيم: .. وقد روى أحاديث الحوض أربعون صحابيا وكثير منها أو أكثرها في الصحيح انتهى وتقدم بيان معنى العرصات.


والحوض لغة: مجمع الماء وقد أجمع أهل السنة والجماعة على إثبات الحوض، وخالفت في ذلك المعتزلة فلم تقل بإثباته وأولوا النصوص الواردة فيه وأحالوها عن ظاهرها ثم ذكر الشيخ رحمه الله أوصاف الحوض فقال: (. ماؤه أشد بياضا من اللبن إلخ) وهذه الأوصاف ثابتة في الأحاديث كحديث عبد الله بن عمرو المتفق عليه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك وكيزاته كنجوم السماء، من شرب منه لا يظمأ أبدا).




 الصراط ومعناه ومكانه وصفة مرور الناس عليه


والصراط منصوب على متن جهنم، وهو الجسر الذي بين الجنة والنار. يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر ومنهم من يسر كالبرق ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كالفرس الجواد ومنهم من يمر كركاب الإبل ومنهم من يعدو عدوا ومنهم من يمشي مشيا ومنهم من يزحف زحفا ومنهم من يخطف ويلقى في جهنم. فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم.


الشرح


6 ذكر الشيخ رحمه الله في هذا أن مما يحصل يوم القيامة المرور على الصراط والصراط في اللغة: هو الطريق الواضح وأما في الشرع: فهو ما بينه الشيخ بقوله: (وهو الجسر الذي بين الجنة والنار) وبين مكانه بقوله: (على متن جهنم) أي : على ظهر النار ثم بين صفة مرور الناس عليه بقوله: (يمر الناس عليه على قدر أعمالهم) ووقت المرور عليه بعد مفارقة الناس للموقف والحشر والحساب فإن الصراط ينجو عليه المؤمنون من النار إلى الجنة ويسقط منه أهل النار فيها كما ثبت في الأحاديث.


ثم فصل الشيخ رحمه الله أحوال الناس في المرور على الصراط فقال: (فمنهم من يمر كلمح البصر) إلخ أي: أنهم يكونون في سرعة المرور وبطئه على حسب إيمانهم وأعمالهم الصالحة التي قدموها في الدنيا، فبحسب استقامة الإنسان على دين الإسلام وثباته عليه يكون ثباته ومروره على الصراط، فمن ثبت على الصراط المعنوي وهو الإسلام ثبت على الصراط الحسي المنصوب على متن جهنم ومن زل عن الصراط المعنوي زل عن الصراط الحسي وقوله: (يعدو عدوا) أي: يركض ركضا وقوله: (يزحف زحفا) أي: يمشي على مقعدته بدل رجليه وقوله: (عليه كلاليب) جمع كلوب بفتح الكاف اللام المشددة المضمومة وهي حديدة معطوفة الرأس.


وقوله: تخطف بفتح الطاء ويجوز كسرها من الخطف وهو أخذ الشيء بسرعة وقوله: (بأعمالهم) أي: بسبب أعمالهم السيئة فيكون اختطاف الكلاليب فهم على صراط جهنم بحسب اختطاف الشبهات والشهوات لهم عن الصراط المستقيم.


وأهل السنة والجماعة يؤمنون بالصراط المنصوب على متن جهنم ومرور الناس عليه على ما جاءت به الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وخالف في ذلك القاضي عبد الجبار المعتزلي وكثير من أتباعه وقالوا: المراد بالصراط المذكور طريق الجنة المشار إليه بقوله تعالى: {سيهديهم ويصلح بالهم } وطريق النار المشار إليه بقوله تعالى: {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} وهذا قول باطل ورد للنصوص الصحيحة بغير برهان والواجب حمل النصوص على ظاهرها.




 القنطرة بين الجنة والنار


فمن مر على الصراط دخل الجنة. فإذا عبروا عليه وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض. فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم دخول الجنة.




الشرح:


7 ذكر الشيخ رحمه الله مما يكون يوم القيامة الوقوف على القنطرة، فقال: (فمن مر على الصراط) أي: تجاوزه وسلم من السقوط في جهنم، (دخل الجنة) لأن من نجا من النار دخل الجنة، قال تعالى: {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} وقال تعالى: {فريق في الجنة وفريق في السعير}.


لكن قبل دخول الجنة لابد من إجراء القصاص بين المؤمنين حتى يدخلوا الجنة وهم على أكمل حالة قد خلصوا من المظالم، وهذا ما أشار إليه الشيخ بقوله: (إذا عبروا) أي: تتجاوزوا الصراط ونجوا من السقوط في النار (وقفوا على قنطرة) هي: الجسر وما ارتفع من البنيان وهذه القنطرة، قيل: هي طرف الصراط مما يلي الجنة، وقيل: هي صراط آخر خاص بالمؤمنين.


(فيقتص لبعضهم من بعض) أي: يجري بينهم القصاص في المظالم، فيؤخذ للمظلوم حقه ممن ظلمه (فإذا هذبوا ونقوا) أي: خلصوا من التبعات والحقوق (أذن لهم في دخول الجنة) وقد ذهب ما في قلوب بعضهم على بعض من الغل كما قال تعالى : {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين}.




 أول من يستفتح باب الجنة وأول من يدخلها وشفاعات النبي صلى الله عليه وسلم


وأول من يستفتح باب الجنة محمد صلى الله عليه وسلم وأول من يدخلها من الأمم أمته وله صلى الله عليه وسلم في القيامة ثلاث شفاعات: أما الشفاعة الأولى فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم، بعد أن يتراجع آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم عن الشفاعة حتى تنتهي إليه. وأما الشفاعة الثانية فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له. وأما الشفاعة الثالثة فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له، ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم. فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها. ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها.




الشرح:


8 يبين الشيخ رحمه الله ما ينتهي إليه أمر المؤمنين يوم القيامة بعد اجتيازهم لتلك الأحوال التي مر ذكر أهمها فيقول: (فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة) فهم لا يدخلون إلا بعد إذن من الله تعالى وطلب لفتح أبوابها، (وأول من يستفتح باب الجنة محمد صلى الله عليه وسلم) كما في الصحيح عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك ) والاستفتاح طل الفتح وفي هذا تشريف له صلى الله عليه وسلم وإظهار لفضله.


(وأول من يدخلها من الأمم أمته) وذلك لفضها على سائر الأمم ودليل ذلك ما في حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم: (ونحن أول من يدخل الجنة) قوله: (وله صلى الله عليه وسلم في القيامة ثلاث شفاعات) الشفاعات جمع شفاعة والشفاعة لغة: الوسيلة وعرفا :. سؤال الخير للغير مشتقة من الشفع الذي هو ضد الوتر. فكأن الشافع ضم سؤاله إلى سؤال المشفوع له بعد أن كان منفردا.


وقول الشيخ رحمه الله: (وله صلى الله عليه وسلم في القيامة ثلاث شفاعات) بيان للشفاعات التي يقوم بها النبي صلى الله عليه وسلم في يوم القيامة بإذن الله تعالى هكذا ذكر الشيخ رحمه الله أنواع الشفاعة هنا مختصرة، وهي على سبيل الاستقصاء ثمانية أنواع: منه ما هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ومنها ما هو مشترك بينه وبين غيره.


الشفاعة الأولى: الشفاعة العظمى (وهي المقام المحمود) وهي أن يشفع النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي الله سبحانه بين عباده بعد طول الموقف عليهم، وبعد مراجعتهم الأنبياء للقيام بها فيقوم بها نبينا صلى الله عليه وسلم بعد إذن ربه.


الشفاعة الثانية: شفاعته صلى الله عليه وسلم في دخول أهل الجنة بعد الفراغ من الحساب. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق