شبهات حول السلفية=وأخرج
الشيخان عن أبِي وائل قال: قيل لأسامة بن زيد: لو أتيت عثمان فكلمته، قال: إنكم لترون أني لا أكلِّمه إلا أُسْمِعُكم؟ إني
أكلِّمه دون أن أفتح بابًا لا أكون أول من فتحه .وإليك كلامًا مفيدًا لِمجموعة من أئمة الدعوة منهم:
الشيخ مُحمَّد بن إبراهيم، وسعد العتيق -رحِمهم الله رحْمَة واسعة- قالوا: وأما ما قد يقع من ولاة الأمور من المعاصي والمخالفات الَّتِي
لا توجب الكفر، والخروج من الإسلام، فالواجب فيها: مناصحتهم على الوجه الشرعي
برفق، واتباع ما كان عيه السلف الصالح من عدم التشنيع عليهم فِي الْمَجالس ومَجامع الناس،
واعتقاد أن ذلك من إنكار المنكر الواجب إنكاره على العباد، وهذا غلط فاحش، وجهل
ظاهر، لا يعلم صاحبه ما يترتب عليه من المفاسد العظام فِي الدين والدنيا، كما يعرف
ذلك من نَوَّر الله قلبه، وعرف طريقة السلف الصالح
وأئمة الدين. ([1]) اهـ.وقال الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز -كلامًا
نافعًا- لَخَّص فيه منهج الكتاب والسنة، وسلف الأمة فِي نصيحة السلطان، قال - رحِمه
الله-: ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذكر
ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلَى الفوضى، وعدم السمع والطاعة فِي المعروف،
ويفضي إلَى الخوض الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف: النصيحة
فيما بينهم وبين السلطان والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حَتَّى
يُوجَّه إلَى الخير، وإنكار المنكر يكون من دون ذكر الفاعل،
فينكر الزنا، وينكر الخمر، وينكر الربا من دون ذكر من فعله، ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها من
غير ذكر أن فلانًا يفعلها، لا حاكم ولا غير حاكم، ولَمَّا وقعت الفتنة فِي عهد عثمان قال بعض الناس لأسامة بن
زيد t:
ألا تنكر على عثمان؟ قال: أأنكر عليه عند
الناس؟ لكن أنكر عليه بينِي وبينه، ولا أفتح باب شر على الناس.ولَمَّا فتحوا الشر فِي زمن عثمان t، وأنكروا على عثمان جهرة، تَمت الفتنة والقتال والفساد الذي لا يزال الناس فِي آثاره إلَى اليوم، حَتَّى
حصلت الفتنة بين علي ومعاوية، وقُتل عثمان وعلي بأسباب ذلك، وقُتل جم كثير من الصحابة وغيرهم بأسباب الإنكار العلنِي
وذكر العيوب علنًا، حَتَّى أبغض الناس ولي أمرهم، وحَتَّى قتلوه، نسأل الله
العافية. ([2]) اهـ.وقال الشيخ العلامة مُحمَّد بن صالح العثيمين -رحِمه
الله-: فالله الله فِي فهم منهج السلف الصالح فِي
التعامل مع السلطان، وألاَّ يتخذ من أخطاء السلطان سبيلاً لإثارة الناس وإلَى تنفير القلوب عن ولاة الأمور، فهذا عين المفسدة،
وأحد الأسس الَّتِي تحصل بِها الفتنة بين الناس.
كما أن ملء القلوب على ولاة الأمر يحدث الشر والفتنة
والفوضى، وكذا ملء القلوب على العلماء يحدث التقليل من شأن العلماء، وبالتالِي
التقليل من الشريعة الَّتِي يحملونَها، فإذا حاول أحد أن يقلل من هيبة العلماء
وهيبة ولاة الأمر: ضاع الشرع والأمن؛ لأن الناس إن تكلم العلماء لَمْ يثقوا
بكلامهم، وإن تكلم الأمراء تَمردوا على كلامهم فحصل الشر والفساد.فالواجب: أن ننظر ماذا سلك السلف تجاه ذوي السلطان، وأن يضبط
الإنسان نفسه وأن يعرف العواقب، وليعلم أن من يثور إنَّما يخدم أعداء الإسلام،
فليست العبرة بالثورة ولا بالانفعال، بل العبرة بالحكمة .... ([3]) اهـ.وقال الشيخ مُحمَّد بن عبد الوهاب - رحِمه الله-: والجامع لِهذا كله: أنه إذا صدر المنكر من أمير أو غيره
أن ينصح برفق خفية ما يشترف أحد، فإن وافق وإلا استلحق عليه رجلاً يقبل منه بخفية،
فإن لَمْ يفعل فيمكن الإنكار ظاهرًا، إلا إن كان على أمير ونصحه ولا وافق، واستلحق عليه ولا وافق، فيرفع
الأمر إلينا خفية. ([4]) اهـ.6- الدعاء لَهم بالخير والتوفيق:لَما كان ذكر مساوئهم من غيبتهم كما تقدم والخروج عليهم مِمَّا لا يحبه الله، وكان جمع الناس عليهم وإبراز مَحاسنهم مِمَّا
يحبه الله؛ كان الدعاء لَهم بالصلاح والتوفيق منْهجًا
لأهل السنة؛ لأن فِي صلاحهم عز الإسلام والمسلمين.وقد بَيَّن علماء السنة أن من معتقدهم ومنهجهم الدعاء للسلطان، فمن أراد النجاة
فليسلك سبيلهم فلا طريق موصل إلَى الله إلا سبيلهم.
قال أبو عثمان الصابونِي: "ويرون الدعاء لَهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح، وبسط
العدل فِي الرعية".وقال الإمام البربَهاري فِي شرح السنة: "فأُمرنا أن ندعو لَهم بالصلاح، ولَمْ نؤمر أن
ندعو عليهم، وإن ظلموا وجاروا؛ لأن ظلمهم وجورهم على أنفسهم، وصلاحهم لأنفسهم
وللمسلمين" اهـ.وقال أبو بكر الإسماعيلي فِي كتابه "اعتقاد أهل السنة": "ويرون الدعاء لَهم بالصلاح والعطف إلَى العدل" اهـ.وروى أبو نعيم بإسناد صحيح عن الفضيل بن عياض أنه قال: "لو أن لي دعوة مستجابة ما صيرتُها إلا فِي الإمام".
قيل: وكيف ذلك يا أبا علي؟ قال: متَى صيرتُها فِي نفسي لَمْ تجزنِي، ومتَى صيرتُها فِي الإمام -يعنِي: عمت- فصلاح الإمام صلاح
العباد والبلاد... فقبَّل ابن المبارك جبهته وقال: يا معلم الخير! من يحسن هذا غيرك؟! اهـ.وأخرج الخلال فِي كتاب السنة بإسناد صحيح عن الإمام أحمد
أنه قال: وإنِّي لأدعو له بالتسديد
والتوفيق فِي الليل والنهار والتأييد، وأرى ذلك واجبًا عليَّ. اهـ.
وقال الطحاوي فِي عقيدته: ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن
جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننْزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله
تعالى فريضة، ما لَمْ يأمروا بِمعصية، وندعو لَهم بالصلاح والمعافاة. اهـ.
وقال
البربَهاري: وإذا رأيت الرجل يدعو على السلطان؛ فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا رأيت
الرجل يدعو للسلطان بالصلاح؛ فاعلم أنه صاحب سُنَّة -إن شاء الله-. اهـ.
أخي المنصوح هذا ما لديَّ مُختصرًا من منهج أهل السنة
تجاه الولاة، واعذرنِي على الإطالة.قال المنصوح: قد سَمعتك طويلاً وأشكرك على مُحاولة التدليل على كل ما تقول،
إلا أن لدي بعض الاعتراضات، وأؤكد أنِّي متجرد للحق متَى ما اتضح لي الدليل اتبعته ضاربًا بعواطفي وما نُشِّئتُ عليه مع بعض أصحابِي عُرض الحائط.
قولك - أخي-: اعتقاد البيعة فِي أعناقنا غريب؛ لأن هؤلاء الحكام الموجودين أخذوا الحكم
غلبة وقوة لا اختيارًا، فلذا ليست كل شروط الإمامة متوافرة فيهم ومنها شرط تواترت
السنة بذكره وأجْمع عليه أهل العلم، وهو كون الإمام ولي الأمر قرشيًّا.وقبل ذكر باقي اعتراضاتِي أحب -إن كان لديك جواب- أن تجيب على كل اعتراض أولاً بأول، فهل لديك جواب على
هذا الاعتراض؟
قال الناصح: اعلم أخي أن من أخذ الحكم غلبة استقر الحكم له وصار أميرًا وحاكمًا يُسمع له ويُطاع، ويُدعى له بالخير من غير نظر لأي شرط ما دام مسلمًا، وعلى هذا أجمع أهل العلم.قال الحافظ ابن حجر: "وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد
معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لِما فِي ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء"([5]) اهـ.وقال الشيخ الْمُجدد مُحمَّد بن
عبد الوهاب - رحِمه الله-: الأئمة مُجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد أو بلدان له حكم الإمام فِي
جميع الأشياء. ([6]) اهـ.وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ
-رحِم الله الجميع-: وأهل العلم ... متفقون على طاعة من تغلب عليهم فِي المعروف يرون نفوذ
أحكامه، وصحة إمامته، لا يختلف فِي ذلك اثنان، ويرون المنع من الخروج عليهم بالسيف
وتفريق الأمة، وإن كان الأئمة فسقة ما لَمْ يروا كفرًا بواحًا.ونصوصهم فِي ذلك موجودة عن الأئمة
الأربعة وغيرهم وأمثالِهم ونظرائهم. اهـ([7]).وثبت فِي البخاري عن عبد الله بن دينار قال: شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك قال: كتب: أنِّي أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير
المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت، وإن بَنِيَّ قد أقروا بِمثل ذلك . اهـ.ومن كلمات الإمام أحمد - رحِمه الله-: "ومن غلب عليهم بالسيف حَتَّى صار خليفة وسمي أمير
المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا برًّا كان أو فاجرًا" اهـ([8]).قال المنصوح: أحسنت -جزاك الله خيرًا- لكنَّنِي لَمْ أبايعه شخصيًّا، وإنَّما ولدت فِي أرض ووجدته حاكمًا عليها.
قال الناصح: مبايعة كل رجل شخصيًّا للإمام بالحكم ليس شرطًا، وإنَّما الواجب اعتقاد أن لَهم بيعة فِي
أعناقنا حَتَّى لا نَموت ميتة جاهلية فنسمع ونطيع لَهم، ومن المعلوم أن عامة الناس
تبع لأهل الحل والعقد منهم، فإذا بايع أهل الحل والعقد دخل عامة الناس تبعًا.وهذا ما
قرره سَماحة الشيخ عبد العزيز -رحمه الله-([9]).
قال المنصوح: ذكرت حرمة الخروج على السلطان الجائر، وأوردت أدلة صريْحة صحيحة على حرمة هذا الفعل، وذكرت أن الإجماع انعقد
على حرمة الخروج، ومع إقراري بأن
الأدلة صريْحَة وكافية لكل متجرد؛ إلا أن هذا الإجماع فيه نظر، فقد قرأت فِي كتاب "الإمامة العظمى" للدميجي (ص539) ما نصه: بل قد صرح -أي: الإمام أحمد- بالخلع للمبتدع عند
الاستطاعة؛ فذكر ابن أبِي يعلى فِي كتابه "ذيل طبقات الحنابلة" كتابًا ذكر فيه بالسند المتصل اعتقاد الإمام أحمد، قال فيه: وكان يقول: "من دعا منهم إلَى بدعة فلا تُجيبوه ولا
كرامة، وإن قدرتم على خلعه فافعلوا" اهـ.فهذا تصريح منه -رحِمه الله- بأن صاحب البدعة إن قدر على خلعه فللمسلمين ذلك.قال الناصح: إن هذه المسائل العظام لا يُعَوَّل فِي تقريرها على كل من كتب ما لَمْ يكن معروفًا بالسنة واتباع علماء
السنة، وهذه المسائل -ولله الحمد- مبسوطة موضحة فِي أكثر كتب المعتقد إن لَمْ يكن
كلها، وغالبًا إذا درسها الدارس من كتب وشروح من لَمْ يُعرفوا بعلم أو عُرفوا بعلم لكنهم أصحاب بدع؛ وقع فِي أخطاء وانْحرافات قد تُهلكه وتردي بدينه ونفسه فيما لا يحمد.وقبل مناقشتِي لِما نقلته من كتاب "الإمامة العظمى" أضرب مثلاً بكتاب زل مؤلفه فِي تقرير هذه المسائل وهو
كتاب "طاعة أولي الأمر" لعبد الله الطريقي، فقد قرر فِي الكتاب -على صغر حجمه- بلايا منها:1- أنه هون من السمع والطاعة فِي الأمور المباحة، وفرق بين أمره بالمباح ونَهيه عنه، وأنه إنَّما يسمع له
فيما أمر به لا ما نَهى عنه على تفصيل أورده من بنيات عقله، لَمْ يبنه على
أثارة من علم فقال -عفا الله عنه-: والذي يظهر لي: التفصيل هنا، وذلك بالتفريق بين
الأمر المباح والْمنهي عنه، فإذا أمر
بالمباح مثل كثير من التنظيمات الإدارية، ومثل تعلُّم العلوم الدنيوية، وتَخطيط المدن، ونحو ذلك، فهذا يجب امتثاله.ثُمَّ قال: أما إذا نَهى عن
أمر مباح، مثل أكل اللحوم، وزراعة بعض الثمار، وركوب بعض المركوبات، والسكنَى فِي أماكن معينة،
ومثل الحديث فِي أمور السياسة أو التجمعات. ثُمَّ قال: فهذا مَحل نظر بحيث يفرق بين النهي الفردي والنهي الجماعي.
ثُمَّ قال: وإن كان جماعيًّا -أي: مقصودًا به جُملة الناس- وذلك بأن يصدر فيه تعميمات عامة
وقوانين منظمة، فهذا لا يطاع فيه؛ لأنه يعتبر بِمثابة التشريع المخالف لشرع الله لِمَا فِي ذلك من تَحريْم الحلال ومنعه، ذلك عن الطاعة فِي المعروف. اهـ.والرد على مثل هذا الكلام يطول، لكنِّي أكتفي بالإشارة إلَى
أمرين:الأول: أن هذا التقرير
يخالف النصوص الَّتِي سبق إيرادها من أن السمع والطاعة فِي كل شيء إلا ما حَرَّم الله، وطاعتهم فِي ترك المباح ليس مِمَّا حرمه
الله.
الثانِي: قوله: "إن النهي إذا كان جماعيًّا منظمًا فهو من التشريع المخالف لشرع الله". غريب، مُخالف للنصوص الشرعية الآمرة بالسمع والطاعة، ثُمَّ
إن الحكم والتشريع الذي نَهى الله عنه أن نترك حكم الله إلَى حكم غيره لا أن نجعل
حكمًا عامًّا لا يخالف حكم الله، ثُمَّ لا أدري: هل نستفيد من هذا أنه يحرم الوقوف عند الإشارات
المرورية إذا كانت حمراء؛ لأن هذا نَهي عام عن أمر مباح ومثله لا سمع ولا طاعة
فيه.2- قرر فِي الإنكار على السلطان والنصح له أنه كغيره لا
مزية له، وقد سبق رد هذا بِما لا مزيد عليه.3- هون من السمع والطاعة للإمام غير العادل، ويورد الخلاف فِي المسألة ولو كانت من المعتزلة كالزمَخشري([10]).وفِي الكتاب أمور أخرى أتركها طلبًا للاختصار، وحَتَّى
لا نذهب بعيدًا عما نحن فيه.قال المنصوح: لعل هذه الملاحظات تبلغ مؤلفها ويتراجع عنها فِي كتابه نفسه أو غيره؛ حَتَّى
لا يتشبث بِها ضعفاء النفوس مِمن لديهم خلل فِي هذا الباب وما أكثرهم -هدانا الله
وإياهم لِمَا يُحبه ويرضاه- ولنعد إلَى ما أوردته عليك من كتاب
"الإمامة العظمى" فإنِّي متشوف
مناقشة كلامه لظنِّي أن خلقًا تأثروا
به.قال الناصح: فِي كلام الدميجي - أصلحه الله- عدة أخطاء:- الأول: أنه عزا نقل هذا الكلام إلَى أبِي يعلى، والواقع أنه ليس من كلامه، وإنَّما
مِمَّا أضافه الْمُحقق ملحقًا
بالكتاب.- الثانِي: نسب القول للإمام أحمد، والواقع أن القائل أبو الفضل عبد الواحد ابن عبد
العزيز التميمي فِي حديثه عن اعتقاد الإمام أحمد.
- الثالث: أنه زعم أنَّها بالسند المتصل، والواقع أن السند منقطع بين أبِي الفضل التميمي والإمام أحمد فإن بينهما ما يزيد على مائة وخمسين
عامًا.
- الرابع: أن نقل أبِي الفضل التميمي عن الإمام أحمد لا يُعتمد عليه؛ لأنه من أعظم المائلين إلَى الأشاعرة كما بينه
ابن تيمية([11]).
وقد استفدت هذا النقد على كتاب "الإمامة العظمى" من مقال طرحه الأخ الفاضل: خالد الظفيري فِي شبكة سحاب
السلفية (www.sahab.net)
فجزاه الله خيرًا.
قال المنصوح: قد ذكرت أنه يشترط فِي الجهاد إذن ولي الأمر، لكن أما ترى أن الجهاد إذا
كان فرض عين فلا يُلتفت إلَى ولي الأمر.
قال الناصح: كلا؛ لأن الجهاد سواء كان فرض عين أو كفاية فهو واجب مناط شرعًا بولي الأمر
لا غيره، فإن قصَّر فِي القيام به
فعليه، ولا شيء فِي ذمتنا، ونحن تبع لولي أمرنا.وهذا ما
فعله الصحابة الكرام؛ لذا لَمْ يتركوا النَّبِي e
ويذهبوا إلى نُصرة أبي بصير وأبي جندل، أو نصرة إخوانِهم المستضعفين فِي مكة([12]).
قال المنصوح: فهل تقول إذن بأن الذين ذهبوا إلَى الجهاد بدون إذن ولاة أمرهم ليسوا
شهداء؟قال الناصح: الحكم لمعين بشهادة أو عدمها ليس موكلاً إلينا، لكن الذي يهمنِي حكم فعلها شرعًا لا الحكم على المعينين منهم، أسأل
الله أن يعفو عنا وعنهم.
قال المنصوح: ما رأيك لو قال قائل: أذهب إلَى الجهاد بغير إذن ولي الأمر فأكون متلبسًا
بذنب معصيته، لكن إذا مت أخذت أجر الشهداء، والشهيد يغفر له كل ذنب إلا الدَّين؟قال الناصح: قد أفتَى شيخنا صالح الفوزان -حفظه الله- بأن مثل هذا
لا يأخذ أجر الشهداء، وفتوى شيخنا -والله أعلم- من باب أن الشريعة تعامل الإنسان
بنقيض قصده، كما دل على ذلك حديث عائشة المتفق عليه فِي قصة بريرة.فإنه
لَمَّا قصد الشهادة بطريق مُحرَّم عومل بنقيض قصده فلا يأخذ أجر الشهادة.قال المنصوح: قد ذكرت كلامًا مفيدًا فِي ذكر مَحاسنهم وعدم سبهم أسأل الله أن يعيننا عليه، لكن مِمَّا
يدعو بعض الناس أحيانًا لِهذا عواطفهم وحماساتُهم الشرعية، وبعضهم قد يكون سبب صدور مثل هذا منه بسبب تفويت حظ له
من حظوظ الدنيا.قال الناصح: من كان دافعه الغيرة على الشريعة فليتق الله ولينته عما هو فيه؛ لأن انسياقه وراء
عاطفته فِي مُخالفة الشرع هو من اتباع الهوى، وقد امتدح الله من نَهى نفسه عن
الهوى كما قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ
رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى . فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاْوَى﴾ [النازعات:40-41].ثُمَّ إن معالَجة الخطأ بِخطأ مثله لا يزيده إلا سوءًا، أما من كان دافعه أمرًا دنيويًّا فليتذكر ما هو فيه من النعم وليحمد الله عليها، فإن
ثبات النعم بالشكر، وليعلم أن سبه لولي الأمر
معصية، ومعصية الله لا تستجلب بِها النعم، وليتذكر
ما خرجه الشيخان عن أبِي هريرة أن رسول الله e قال:" ثلاثة لا يكلمهم
الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولَهم عذاب أليم -وذكر منهم-: رجل بايع إمامًا لا
يبايعه إلا لدنياه، إن أعطاه ما يريد وفَّى له، وإلا لَم يف له ".
على أننِي أظن كثيرًا من هذا بسبب أعدائنا فِي الخارج الذين يُخالفوننا فِي المعتقد، وأحيانًا فِي الدين، وقد يكون
للعلمانيين والليبراليين دور كبير حَتَّى
يزعزعوا ثقة الناس بِحكام قائمين بكثير
من أمور الدين كحكامنا -جزاهم الله عنا خيرًا كثيرًا- ناهيك عن كثير من الكتب
الفكرية الَّتِي تربِّي شبابنا على فكر
الثورة، وفِي مقدمتها كتب سيد قطب -كفى الله المسلمين شره-.
قال المنصوح: ذكرت الدعاء لَهم، وأحب أن ألفت نظرك إلَى أن المقولة المشهورة عن الإمام
أحمد أنه قال: لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها فِي السلطان، لا تثبت.قال الناصح: أخي الفاضل أنا لَمْ
أستشهد بِهذه المقولة عن الإمام أحمد، وإنَّما استشهدت بِها عن الإمام فضيل بن
عياض، وهي ثابتة عنه -كما تقدم- هذا أولاً.
أما ثانيًا: فقد نقلت عن
الإمام أحمد بالإسناد الصحيح الدعاء للولاة، وأنه يراه واجبًا عليه.أما ثالثًا: فكتب العقائد نصت
على أن الدعاء للسلطان من منهج أهل السنة -كما تقدم- وهذا كافٍ.ورابعًا: لماذا التعنت فِي
مثل هذه الكلمة عن الإمام أحمد مع أنَّها ثابتة عمن هو قبله، وقد ثبت عن الإمام
أحمد ما هو أبلغ منها، وهذه الكلمة قد تناقلها عن الإمام أحمد أئمة أجلاء كابن تيمية -رحِمه الله-.
قال المنصوح: أوردت هذا من باب
الفائدة العلمية، وإلا فإن الحال كما ذكرت.
أخي الناصح: إنك لَمَّا تكلمت عن طريقة نصح الولاة ذكرت كلامًا نرى بعض العلماء يُخالفونه كالعز بن عبد السلام؛ فإن قصصه فِي مواجهة الحكام مشهورة، وفِي كتب التراجم
مزبورة.قال الناصح: إن فعال آحاد
العلماء يُحتج لَها لا بِها، فما وافق الكتاب والسنة
وهدي سلف الأمة احتججنا به وما لا فلا، والقصص الَّتِي أستحضرها للعز بن عبد
السلام فيها أنه قام وأنكر على الحكام فِي وجوههم أمام الملأ، وفِي بعض فعاله شدة
لا يوافق عليها، وعلى كلٍّ فأصل الإنكار أمام الحاكم ليس مَحل النِّزاع، إنَّما مَحل النِّزاع التكلم فِي السلطان من ورائه فِي الْمَجالس وعلى المنابر وهكذا، ثُمَّ ولو قُدِّر أن للعز بن عبد السلام كلامًا فِي السلطان من ورائه
فإن فعله مردود عليه وهو مَحجوج بِما سبق إيراده من أدلة وأقوال سلف الأمة.
وبالمناسبة: قد رأيت بعض الدعاة الثوريين الحركيين أفرد مُحاضرة فِي سيرة العز ابن عبد السلام، ومنهم من أفرد خطبة، وكانوا فِي ذلك مركزين على مواقفه الشديدة ضد السلاطين،
وقد وقعوا بفعلهم هذا فِي أخطاء:
من أهمها: أنَّهم يُهيجون
العامة والدهماء على حكامهم وعلمائهم؛ لأنَّهم بِهذا يصورون للناس أن علماءهم
مقصرون، وذلك أنَّهم لَمْ يفعلوا فعله، وما علم هؤلاء -أو قد يكونوا عالِمين لكن تَجاهلوا- أن علماءنا خير من يقوم بِهذه الأمور، لكنهم فيما بينهم وبينه على وفق
نصيحة ابن عباس لسعيد بن جبير، ومن أعظم الأخطاء أنَّهم بفعلهم هذا يشهرون شخصية
العز بن عبد السلام عند الطغام من الأنام، فيتبع الناس بعد ذلك فتاويه، فيكونوا بِهذا
قد غشوا الأمة؛ لأن العز بن عبد السلام أشعري فِي المعتقد صوفِي فِي الطريقة
التعبدية.
وإليك بيان شيء من أخطائه نصحًا للأمة:1-
أَوَّلَ صفة الأصابع لله، قال فِي فتاويه (ص56): معنَى قول النَّبِي e: " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن ". أن الله مستولٍ عليه بقدرته وتصريفه كيف يشاء من كفر إلَى إيْمان، ومن
طاعة إلَى عصيان، أو عكس ذلك. اهـ.2- أَوَّل عدة صفات كالرضا، والسخط، والْمَحبة، والرحمة وغيرها، ولَمْ يثبت من صفات
الله الذاتية إلا سبعًا([13]).
3- جعل قول اللسان وعمل الأركان من الإيْمان الْمَجازي لا الحقيقي([14]).
4- جعل زيادة الإيْمان ونقصانه راجعًا إلَى متعلقه لا إلى
ذاته([15]).
5- أنه صوفِي يعظم الصوفية؛ فقد فضل العارف على العالِم([16]).
وقال: الضرب الثانِي: علوم إلهامية، يكشف بِها عمَّا فِي القلوب،
فيرى أحدهم بعينيه من الغائبات ما لَمْ تجر العادة بسماع مثله .. ومنهم: من يرى الملائكة والشياطين والبلاد النائية، بل ينظر إلَى
ما تحت الثرى، ومنهم: من يرى السموات
وأفلاكها وكواكبها وشَمسها وقمرها على ما
هي عليه، ومنهم: من يرى اللوح الْمَحفوظ ويقرأ ما فيه، وكذلك يسمع أحدهم صرير الأقلام
وأصوات الملائكة والجان، ويفهم أحدهم منطق الطير، فسبحان من أعزهم وأدناهم. اهـ([17]).وقد نقل ابن تيمية ثناء العز بن عبد السلام على الأشاعرة
وذمه لأهل السنة بوصفهم بالحشوية، ثُمَّ قال: "وأيضًا فيقال لهؤلاء الجهمية الكلابية -كصاحب هذا الكلام
أبِي مُحمَّد وأمثاله-" اهـ([18]). والمراد بأبِي مُحمَّد: العز بن عبد السلام.
قال المنصوح: أخانا الناصح هذا كله في حق الحاكم المسلم ولو كان فاسقاً فاجراً أما
الكافر فليس كذلك فكلامك هذا حجة على من لا يكفر، أما من يكفر فلازم ذلك ألا يعتقد
أن له بيعه ولا سمعا ولا طاعة وهكذا.
قال الناصح: صدقت لكني أشم من كلامك أمراً عظيماً وهو رائحة التكفير، فهل الأمر كذلك؟.
قال المنصوح: معاذ الله أن أقدم على أمر خطير مثل هذا، ولو لم يكن من خطورته إلا أن
المكفر غيره بلا رحجة صحيحة يرجع تكفيره عليه كما صح ذلك عن رسول الله ×، وهذا في
عامة الناس فكيف في الحكام والسلاطين، وفي ظني غالب من يقدم على هذا جهال متحمسون
لا دين عندهم رادع.
قال الناصح: أحسنت – بارك الله فيك- ويا ليت المتحمسين المندفعين يعقلون ما عقلت قبل
أن يفسدوا الدنيا والدين بحماساتهم غير المنضبطة.
قال المنصوح: قد جالست بعض هؤلاء المنتدفعين ووجدت شبههم لا تخرج عن ثلاث شبه، فحبذا
لو تدارسناها واحدة واحدة لعلها أن تبلغ متحمساً فيرتدع أو نفقهها لمناصحتهم والرد
على باطلهم وحماستهم.
قال الناصح: استعن بالله لكن بذكرها شبهة شبهة.قال المنصوح: الشبهة الأولى: أنهم يكفرون هؤلاء الحكام كفراً أكبر بالحكم بغير ما أنزل
الله ويستدلون بأدلة من أشهرها قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ
اللهُ فَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ).
قال الناصح: إن المتمسك بالتكفير بمثل هذا لم يتمسك بشيء لأنه ثبت عن ابن عباس
والتابعين أنهم حملوا الآية على الكفر الأصغر وأوصيك بالرجوع إلى ما كتبه عبدالرحمن البراهيم في رده الثاني على العلوان المسمى
«اتحاف الإخوان بمزالق العلوان» وبما كتبه الأخ/ بندر العتيبي في رده على
عبدالرحمن المحمود وهي موجودة في موقع سحاب السلفية (WWW.Sahab.net) وما في كتاب «قواعد ومسائل في توحيد الألهية»، وقد
نقلوا هناك أن الشيخ عبدالعزيز ابن باز وابن عثيمين والألباني يرون أن ترك الحكم
بما أنزل الله كفره أصغر لا أكبر، ثم لو قدر أن كفره أكبر فإن تنزيله على الأعيان
لا يتأتى إلا بعد توافر شروط التكفير وانتفاء موانعه، فالجاهل لا يكفر، وكذا صاحب
الشبهة المتأول لا يكفر، فلا أدري كيف استطاعت الحماسة أن تقضي على هذا كله عند
المتحمسين وتحـول بينهم وبين إدراكـه، وما أحسن ما نقله الشيخ سليمـان بن
سحمـان – رحمه الله – عن عبدالله بن
عبدالرحمن أبو بطين أنه قال: وأيضاً: فما تنازع العلماء في كونه كفراً فالاحتياط
للدين التوقف وعدم الإقدام مالم يكن في المسألة نص صريح عن المعصوم ×. وقد استزل
الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة، فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب
والسنة والإجماع على كفره، وتعدى بآخرين فكفروا من حكم الكتاب والسنة مع الإجماع
بأنه مسلم، ومن العجب أن أحد هؤلاء لو سئل عن مسألة في الطهارة أو البيع ونحوهما
لم يفت بمجرد فهمه واستحسان عقله، بل يبحث عن كلام العلماء، ويفتي بما قالوه، فكيف
يعتمد في هذا الأمر العظيم الذي هو أعظم أمور الـدين وأشدها خطراً على مجرد فهمه
واستحسانه؟ فيا مصيبة الإسلام من هـاتين الطائفتين، ويا محنته من تينك البليتين،
ونسألك اللهم أن تهـدينا الصـراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب
عليهم ولا الضالين انتهى أ.هـ([19]).
مسألة إعانة الكفار:قال المنصوح: الشبهة الثانية: أن
كثيراً من الحكام عندهم موالاة للكفار فينطبق عليهم قوله تعالى: (وَمَنْ
يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ).
قال الناصح: إن هناك فرقاً بين
الولاء المحرم والتولي الكفري والمعاملة الحسنة الجائزة بل قد تكون مستحبة، وقد
أبان هذه المسألة بياناً شافياً أبو عبدالله اليمني في ردوده الثلاثة على علي
الخضير وناصر الفهد المسمى «الوقفات على شيء من ما في كتاب التبيان من المغالطات»،
وكذا أبانها بياناً جلياً الأخ، بندر العتيبي في رده على كتابه التبيان للفهد،
وهذه الردود موجودة في موقع سحاب على شبكة الانترنت، وقد بين الفرق بين هذه الأمور
الثلاث أئمة الدعوة في مجلد الجهاد من الدرر السنية، ثم لو قدر أن أحد الحكام تلبس
بالكفر فلا يلزم من ذلك تفيره بعينه، إذ كفر العين راجع إلى توافر الشروط وانتفاء
الموانع، وأعلم الناس بها أهل العلم فكيف غرر بهؤلاء الشباب حتى أقدم بعضهم على
التكفير وعلماؤهم مخالفون له؟
/ قال المنصوح: ما رأيك يا أخي فيمن يقول: إن هؤلاء الحكام قد أماتوا الجهاد، ويريد أن يكفرهم بِهذا الأمر؟قال الناصح: قولُهم: "أماتوا". كلمة مُجملة، هل يريد: أنكروا شرعيته؟ فإن كان كذلك فهذا كفر، أما أنه أراد أنَّهم لَمْ يقوموا به فهذا له
حالتان:
- الأولَى: إن كان لأنَّهم
أخلدوا إلَى الدنيا دون الآخرة ففعلهم حرام، وليس كفرًا؛ لأن غاية ما فيه أنه
معصية.- الثانية: أنَّهم راغبون فِي
الجهاد، ولكنهم ضعفاء لا يستطيعون ذلك، فهم غير متأهلين لا من جهة القوة الإيْمانية، ولا القوة العسكرية، فمن ترك الجهاد بِهذه
النية فهم مثابون وذوو نظرة ثاقبة
يدركها من وقف على كلام أهل العلم كما تراه فِي الرد الأول على العلوان المسمى: "إتحاف الإخوان بِمزالق العلوان".
ومن كلمات الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه
الله-: "الآن لماذا لا نحارب أمريكا وروسيا
وفرنسا وإنجلترا؟!! لماذا؟! لعدم القدرة، الأسلحة الَّتِي قد ذهب عصرها عندهم هي الَّتِي فِي أيدينا، وهي عند
أسلحتهم بِمنْزلة سكاكين الموقد عند الصواريخ، ما تفيد شيئًا، فكيف يُمكن أن نقاتل
هؤلاء، ولهذا أقول: إنه من الحمق أن يقول قائل: إنه يجب علينا أن نقاتل أمريكا
وفرنسا وإنجلترا وروسيا!! كيف نقاتل؟! هذا تأباه حكمة الله تعالى ويأباه شرعه؛ لكن
الواجب علينا أن نفعل ما أمر الله به: ﴿أَعِدُّوا لَهُم مَا استطعتم مِن
قُوةٍ﴾ هذا الواجب علينا أن نعد لَهم ما استطعنا من قوة، وأهم قوة نعدها: هو الإيْمان
والتقوى..." ا هـ.([20])فإذا كان
لا يلزم من ترك الجهاد "التكفير"؛ فتكفير هؤلاء مردود غير مقبول، دافعه
الحماسة والجهل.
قال المنصوح: قد ذكرت أنه يشترط فِي الجهاد إذن ولي الأمر، وقد أفاد الإمام ابن تيمية أن
فِي جهاد الدفع لا يشترط أي شرط بالإجماع.
قال الناصح: صدقت، جهاد الدفع لا يشترط له أي شرط، لكن ينبغي التنبيه إلَى
أمور:1- أنه إذا هجم عدو كافر على دولة مسلمة، وبيننا وبين هؤلاء الكفار عهد وميثاق، فإنه لا يصح لنا
مناصرة إخواننا المسلمين ضد هؤلاء الكافرين، كما قال تعالَى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ
إِلاََّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ﴾ [الأنفال:72].
قال المنصوح: عجيب، إذن نَجعل الكفار يقتلون إخواننا بِمَرْأى منَّا.
قال الناصح: كلا، بل لنا حالتان:- الأولَى: أن نكون أقوياء، وإنْهاء العهد والميثاق ينفع أكثر مِمَّا يضر لقوتنا، ففي
مثل هذه الحالة نُنْهي العهد بيننا
وبين الكفار على علم من الكفار، كما قال تعالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ
إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال:58].
- ثانيًا: أن نكون ضعفاء،
وإنْهاء العهد والميثاق يضر أكثر مِمَّا ينفع لضعفنا؛ ففي مثل هذه الحالة نبقى على عهدنا ولا ننصر إخواننا، كما فعل رسول الله e ولَمْ ينصر أبا بصير وأبا جندل فِي
أثناء صلح الحديبية، وانظر أقوال أهل العلم فِي كتاب: "مهمات فِي
الجهاد".2- أن
جهاد الدفع يتوقف إذا تغلب الكفار، وصار زمام الأمور بأيديهم، ويكون حكم المسلمين
حكم المستضعفين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
تَوَفَّاهُمُ الْمَلاََئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا
كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ
وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا.
إِلاََّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاََ
يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاََ يَهْتَدُونَ سَبِيلاًَ﴾ [النساء:97-98].
فالمسلم
المستطيع إقامة دينه يبقى، وإلا فليهاجر كما فعل رسول الله e
وأصحابه فِي مكة، وعلى هذا إجماع أهل العلم: أن المستضعف الذي لا يستطيع إظهار
دينه ويستطيع الهجرة فإنَّها تجب عليه، وانظر كتاب "مهمات فِي الجهاد".
3- أن الْمَحكومين ملزمون بالحكم الذي أبرمه إمامهم، وهم تبع له، فلا يصح لَهم أن يذهبوا بدون إذنه؛ لذا
الصحابة الكرام لَمْ ينصروا أبا بصير وأبا جندل، بل التزموا ما عقده إمامهم رسول
الله e من صلح.قال المنصوح: فعلاً، ويؤيد ما ذكرت أن أكثر الحركات الجهادية ضرت
الإسلام أكثر مِمَّا نفعته، أسأل الله أن يرفع الضيم عن إخواننا، ويرزقنا ضبطًا لحماستنا وعواطفنا.قال الناصح: قد انتهينا -الحمد لله- من الكلام فيما يتعلق بالولاة، ولننتقل الآن للدفاع عن علمائنا الكبار
الأجلاء كالشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ومُحمَّد بن صالح العثيمين، ومُحمَّد
ناصر الدين الألبانِي، وصالح الفوزان، وعبد العزيز آل الشيخ، وعبد الله الغديان، ومُحمَّد أمان،
ومقبل الوادعي، وعبد الْمُحسن العباد -رحِم الله حيهم وميتهم-.
قال المنصوح: استعن بالله -وفقك الله-.قال الناصح: إن هؤلاء السفهاء الطاعنين فِي العلماء تعددت دوافعهم فِي الطعن، فسأذكر دوافعهم دافعًا دافعًا مع الإجابة على كل واحدة
-إن شاء الله-:
من الدوافع: أن العلماء -فِي نظرهم- مداهنون للحكام:والإجابة على هذا الدافع: أن كلمة "المداهنة" حَمَّالة أوجه، ودافع النبز
بالمداهنة مُختلف عندهم، أيريدون أنَّهم لا
يظهرون الإنكار على الحكام أمام الملأ؟ فإن كان كذلك فهذا من محامدهم، فإنه تقدم
كلام ابن عباس t وغيره، أم يريدون أنَّهم يدعون لولاتِهم ويَجمعون الناس عليهم فِي الخير، ويرون لَهم حق السمع
والطاعة؟ فإن كانوا يريدون هذا فهو من مَحاسنهم؛ لأنه منهج سلفنا الصالح كما تقدم.أم يريدون أنَّهم يقرونَهم على المنكر، فإن كانوا يريدون هذا فما أشد كذبَهم وما
أجرأهم على الإثم، على أنه مِمَّا
ينبغي التفطن له: أن العالِم قد يسكت عن إنكار منكر لِمصلحة دفع منكر أشد، أو جلب مصلحة أعظم.من الدوافع: أن العلماء لا يفقهون الواقع.وهذه كلمة فضفاضة يرددها المتأثرون بدعوة الإخوان
المسلمين من السروريين والقطبيين، وإلا فإنه لا ضابط لفقه الواقع عندهم وأصوله
المستمدة منه غير موثوق بِها لا من جهة النقل ولا التحليل، وقد تقدم فِي مقدمة هذا
الكتاب كلام على هذا، فليراجع فإنه
مفيد.
من الدوافع: أنَّهم يرون العلماء لا يوافقون حَماستهم
وعواطفهم المفرطة فِي معالَجة قضايا المسلمين.
الحماسيون العاطفيون يظنون العلاج هو الكلام الكثير عن
مآسي المسلمين بدون عمل، ويُرجِعون السبب فِي مآسي المسلمين إلَى الحكام
وقوة العدو، وهذا خطأ، فإن الشريعة جعلت السبب الرئيس لضعف المسلمين أنفسهم كما قال تعالَى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم
مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:165].وبيَّن ربنا فِي القرآن أن الذنوب سبب تسلط الحكام الظلِمة كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ
نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:129].وأشد الذنوب وأعظمها: الشرك الأكبر الذي عَمَّ أكثر بلدان العالَم الإسلامي، ما خلا المملكة
العربية السعودية -حرسها الله- فإنَّها تعلن الحرب على الشرك، وتَهدم القباب
والضرائح، وتُربِّي أبناءها منذ نعومة أظفارهم على التوحيد
الخالص فِي المدارس النظامية والحلقات والمساجد.
من الدوافع: أن الرموز اللامعة عند كثير من الشباب
حركيون حزبيون أو متأثرون بالحزبيين.بل بعضهم قد تلطخ بالبدع المختلفة كَسَبِّ الصحابة وتأويل آيات الصفات، وعلماؤنا -ولله
الحمد- دعاة توحيد وسنة، فَهُم يكشفون البدع ويردون على المبتدعة؛ لذا لَهم كلمات مَحفوظة فِي كثير من الرموز اللامعة عند الشباب، فلأجل هذا صار بعض الشبيبة يطعن فِي علمائنا.قال المنصوح: أحسن الله إليك، ما أجمل الحق الْمدعم بالبرهان؛ فإن عليه نورًا، وأضيف إلَى ما ذكرت: أن المنتفع من الطعن فِي العلماء هم العلمانيون؛ لأن الطعن فيهم ينْزل من مكانتهم عند الولاة
والعامة، فتضعف الاستجابة للعلماء الذين هم حماة
الشريعة.
قال الناصح: لا فُضَّ فوك، وتذكر أخي ما روى البخاري عن أبِي هريرة أن رسول
الله e قال:" قال الله تعالَى:
من آذي لِي وليًّا فقد آذنته بالحرب ". وإن لَمْ يكن العلماء أولياء الله فمن هم
إذن؟!
قال المنصوح: الحق الذي أشهدُ الله عليه أنِّي لَمْ أر فِي كلامك إلا ما ينشرح له الصدر؛ لأنه مدعم بنور
الوحي، ويدل عليه العقل الصحيح، لكن الذي أحب أن أُصْدِقكَ فيه أنِّي أشم من وراء
كلامك رائحة الجامية، فكأنك متأثر بِهم.
قال الناصح: أشكرك على صدقك وتَجردك للحق، فإن الله حق ويقول الحق ويُحبه، وكأنك مِمن يقدح فِي الجامية، فيا حبذا أن تبين
ماذا تعرف عنهم وعن دعوتِهم؟
قال المنصوح: الجامية -فيما أعلم وأسمع- فرقة معاصرة خرجت بعد حرب الخليج ديدنُهم الطعن فِي
الجماعات الإسلامية الَّتِي على الساحة كالإخوان المسلمين، وجماعة التبليغ وغيرهما، وتَجريح الدعاة والمصلحين وغيبتهم لاسيما سيد
قطب وتضييع الوقت فِي ذلك ، والغلو فِي الحكام والعلماء، حَتَّى صار كثير
منهم مباحث عند الدولة، ولا يرون الجهاد والْمُجاهدين، بل بلغ الحال ببعضهم أنه يدعو على المجاهد أسامة بن
لادن، وتراهم ليسوا أصحاب دعوة، فليست عندهم أناشيد ولا تَمثيل، بل هم ينكرون هذه الوسائل الَّتِي هدى الله بِها
خلقًا، وما تراهم يدخلون تَجمعًا من مدرسة أو مدينة إلا ويفرقونه حَتَّى يكون
بعضهم يطعن فِي بعض، لذا كم من شاب التحق بِهم فانتكس، ويُحذِّرون من حلقات
تَحفيظ القرآن، فأخشى والله أنك متأثر بِهم.قال الناصح: أوردت أخي كلامًا كثيرًا، فما رأيك أن نتدارسه واحدًا واحدًا؟قال المنصوح: نعم، لكن قد أقاطع عليك كلامك فتحَمَّلنِي.قال الناصح: الجامية: نسبة إلَى عالِم مصلح اسمه مُحمَّد أمان بن علي الجامي رجل ذو اهتمام
بالغ بالعقيدة الصحيحة دعوة وشرحًا، وقد كان له درس فِي
العقيدة مشهود فِي الحرم النبوي استمر سنين طويلة، ويكفي دليلاً على كلامي هذا أن تسمع ما شئت من
دروسه فِي شرح كتب المعتقد: كشرح الواسطية، أو الحموية، أو التدمرية؛ فإن فيها علمًا جَمًّا ميسرًا بأحسن أسلوب، وقد زكاه وأثنَى عليه فِي حياته وبعد وفاته علماء
أفاضل أنقل كلام اثنين منهم الشيخ عبد العزيز بن باز، وصالح الفوزان.قال الشيخ عبد العزيز بن باز -رحِمه الله- فِي كتابه رقم
(64 فِي 9/1/1418هـ)، قال عن الشيخ مُحمَّد
أمان: "معروفٌ لديَّ بالعلم، والفضل، وحسن العقيدة، والنشاط فِي
الدعوة إلَى الله سبحانه، والتحذير من البدع والخرافات، غفر الله له وأسكنه فسيح جناته،
وأصلح ذريته، وجمعنا وإياكم وإياه فِي دار كرامته، إنه سميع قريب" اهـ.وكتب فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان فِي
كتابه المؤرخ 3/3/1418هـ قائلاً: الشيخ مُحمَّد أمان
كما عرفته: إن المتعلمين وحملة الشهادات العليا المتنوعة كثيرون، ولكن قليلٌ منهم من يستفيد من علمه ويُستفاد منه، والشيخ مُحمَّد أمان الجامي هو من تلك القلة النادرة من العلماء الذين سخَّروا علمهم
وجهدهم فِي نفع المسلمين، وتوجيههم بالدعوة إلَى الله على بصيرة من خلال تدريسه فِي
الجامعة الإسلامية، وفِي المسجد النبوي الشريف، وفِي جولاته فِي
الأقطار الإسلامية الخارجية وتجواله فِي المملكة لإلقاء الدروس والْمُحاضرات فِي مُختلف المناطق يدعو إلَى التوحيد، وينشر
العقيدة الصحيحة، ويوجِّه شباب الأمة إلَى منهج السلف الصالح ويُحذِّرهم من المبادئ الهدامة والدعوات المضللة، ومن لَمْ
يعرفه شخصيًّا فليعرفه من خلال كتبه المفيدة، وأشرطته
العديدة الَّتِي تتضمن فيض ما يحمله من علم غزير، ونفع كثير" اهـ.وأقوال
العلماء فيه مدحًا وتزكية مسجلة بالصوت فِي التسجيلات السلفية: كتسجيلات
"منهاج السنة" و"البينة" بالرياض، و"الأصالة"
و"الشريعة" بِجدة، و"ابن رجب" فِي المدينة النبوية،
و"سبيل المؤمنين" بالدمام، و"المنقذ" بجازان، و"معاذ بن
جبل" بِمكة.ولَمَّا خرج فِي أزمة الخليج من عارض علماءنا فِي
فتواهم بجواز الاستعانة بالكفار الأمريكان ضد صدام الباغي، واتَّهم علماءنا بأنَّهم جهال بالواقع فلا يعرج على
كلامهم، وكان يغلب على هؤلاء فكر الثورة والطعن فِي الحاكم.
وكان من كلامهم السيئ فِي حق علمائنا وحكامنا أن قال
أحدهم: إنَّنِي أعتقد أن زمن الشكوى الْمُجردة قد انتهى أو كاد ينتهي، أعنِي: أن دور الخيرين والخيرات لا يجوز أبدًا أن يتوقف عند
مُجرد الشكوى للجهات المختصة، حصل كذا وحصل كذا وحصل كذا.وأقول: إن هذا الدور الذي
وقف عند مُجرد الشكوى فقط، قد انتهى لأسباب أهمها، أو يكاد أن ينتهي لأسباب أهمها:
أولاً: لو كان هناك إصرار من القمم على منع ريح التغيير
والفساد، لأحكموا غلق النوافذ ...
ثانيًا: ضغوط النفوس لا يُمكن إهمالُها بِحال من الأحوال؛ الآن ونحن فِي عصر صار للجماهير فيه
تأثير كبير فأسقطوا زعماء وهزوا عروشًا وحطموا أسوارًا وحواجز، ولا زالت صور العُزَّل الذين يواجهون الدبابات بصدورهم فِي الاتحاد السوفيتِي بعدما قام الانقلاب الشيوعي الأخير الذي فشل، لا زالت صور أولئك العُزَّل يتدافعون فِي وجوه الدبابات بالآلاف، بل بعشرات الآلاف، حَتَّى استطاعوا
-وهم لا يَملكون ولا رصاصة واحدة- أن يقفوا فِي وجه ذلك
الانقلاب ويفشلوه، لا زالت الصورة ماثلة
للأذهان، وقد رآها العالَم كله حية على الهواء فِي شرقه وغربه ...اهـ.فانظر كم فِي هذا من دعوة إلَى الثورة والخروج على
السلطان.وقال أحدهم: الأحداث الَّتِي حدثت فِي الخليج لَمْ تزد على أنَّها كشفت النقاب عن علل
وأدواء خفية كان المسلمون يعانون منها، وأكدت على أنَّهم ليسوا على مستوى مواجهة
مثل هذه الأحداث الكبيرة، وكشفت كذلك عن عدم وجود مرجعية علمية صحيحة وموثوقة
للمسلمين، بحيث إنه تحصر نطاق الخلاف، وتستطيع أن تقدم لَهم حلاًّ جاهزًا صحيحًا، وتَحليلاً ناضجًا...اهـ.لَمَّا صدر هذا وأضعافه من بعضهم انبرى الشيخ مُحمَّد
أمان وإخوانه طلبة العلم لرد هذا الكلام وأمثاله، ورفع منْزلة العلماء والتذكير بحق الولاة الَّتِي جعلها
الله لَهم، فغضب المخالفون وأتباعهم فصاروا يحاولون الطعن فِي هذا العالِم الجليل وإخوانه بالتصريح تارة وبالتلميح أخرى.
قال المنصوح: لحظة يا أخي، أعوذ بالله من هذا
الكلام وصاحبه، لكن ألَم يتوبوا، ويتركوا هذا الفكر المفسد؟قال الناصح: والجواب على هذا من أوجه:ا- أنِّي لا أعرف
عنهم التوبة؛ لأن التائب يندم على ما مضى، ويعزم ألاَّ يعود، ويظهر توبته علانية، كما قال تعالَى: ﴿إِلاََّ الَذيِنَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة:160].
2- أنَّهم يسيرون على طريق وخيم مُخالف لطريق رسول الله e وأصحابه والتابعين لَهم بإحسان، ذلك أنَّهم لا يقيمون عقيدة
البراء من البدع والمبتدعة والرد على المخالفين الضالين، وهذه مُخالفة لأهل السنة السائرين على طريقة النَّبِي e
وأصحابه فِي أصل من أصولِهم، فكن حذرًا.
بل إن أحدهم قد ندم على رده على الغزالي المعاصر الجامع
لبدع شتَّى، وآخر أمين عام لمؤسسة دعوية -زعموا- تضم خلقًا كثيرًا من أهل البدع، منهم فهمي هويدي ومُحمَّد عمارة المصريان، وأمير جَماعة الإخوان المسلمين فِي السودان،
وآخرون منهم.3- أن منهج التجميع الذي يسير عليه هؤلاء ويظنونه سبيلاً
لعز الأمة هو خلاف هدي السلف كما تقدم، وأيضًا هو نتاج خلط عظيم عندهم -هداهم
الله- بين العرض والعلاج والدواء، فلما رأوا
ضعف المسلمين ظنوا العلاج جمعهم وتكتيلهم، وتناسوا أن الصحابة هُزموا يوم حنين لَما أعجبوا بكثرتِهم فلم تنفعهم كما قال تعالَى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ
عَنكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة:25]. وإلا لو كانوا
سائرين على هدي السلف الصالح، وهدي علمائهم لعلموا أن ضعف المسلمين وتغلب الأعداء
هو العرض لا المرض، وأن الداء الحقيقي تخلف المسلمين عن دين ربِّهم، وأعظم ذلك تخلفهم عن التوحيد، وتلبس كثير منهم بالشرك
الأكبر، قال تعالَى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم
مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ
عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:165]. وقال تعالَى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي
الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:41].
فالناصح للمسلمين حقًّا يدعوهم لتعاطي الدواء، وهو الرجوع إلَى التوحيد
الخالص، وترك الشرك ووسائله والبدع، لا التغاضي عن الداء والاشتغال بالعرض.
وتفرع عن هذا الخلط: أنك لا ترى هؤلاء يدعون إلَى التوحيد بأنواعه الثلاثة، والتحذير من الشرك
الأكبر كالطواف حول القبور والذبح للأموات واعتقاد علم الأولياء للغيب، ولا تراهم
يحذرون من أهل البدع حَتَّى بدأ يظهر تساهلهم وتَميعهم مع الرافضة، أسأل الله العافية.قال المنصوح: أسأل الله العافية والسلامة، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بِما صلح به أولُها كما قاله الإمام مالك.قال الناصح: أسأل الله لنا ولَهم الهداية، بل إهمالهم لأمور التوحيد،
والدعوة إليه، والتحذير من الشرك ووسائله، قد
يكون طريقًا من طرق الشيطان اللعين لإرجاع الشرك الأكبر لجزيرة العرب -حماها الله-
وذلك أنه إذا نشأ جيل لا يسمع الدعوة إلَى التوحيد إلا قليلاً، ويُربَّى على فقه الجرائد والْمَجلات وكتب المفكرين، فلن تكون عنده غيرة على التوحيد،
ولا حماسة له، ثُمَّ هكذا يكون الداء فِي الجيل الذي بعدهم أعضل، فينسى التوحيد
والشرك، فيصيبنا ما أصاب قوم نوح كما فِي البخاري من قول ابن عباس.فتفطنوا لِهذا يا شيب وشباب التوحيد، وربوا على التوحيد
أهليكم، ومن استطعتم من المسلمين.قال المنصوح: لحظة، قد سمعت
أحدهم فِي لقاء معه فِي إذاعة (mbc) يقول: إننا نَحتاج إلَى مرجعية علمية، وأنه يجب على العلماء أن يفتحوا أبوابَهم للشباب،
وأن كثيرًا من الأخطاء الَّتِي يرتكبها الشباب بسبب إهمال العلماء، وردد مثل هذا القول آخر فِي القناة التلفازية الأولى، وآخر فِي الصحف الْمَحلية، فما رأيك فِي قولِهم؟
قال الناصح: لا أظن قولهم هذا إلا من البغي والظلم الذي لا يحبه الله، وهو من الطعن فِي
أولياء الله بغير حق، وذلك يتضح بِما يلي:
قولُهم: "نحتاج إلَى
مرجعية علمية". كلمة يرددونَها قديْمًا فِي حياة الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ ابن
عثيمين -رحِمهما الله- كما تقدم فِي كلام أحدهم، وهذه مُغالطة مكشوفة وإلا فما هي
لَجنة الإفتاء؟ ومن هم هيئة كبار العلماء؟ ومن الشيخ العلامة مُحدث المدينة النبوية عبد الْمُحسن العبَّاد؟ حَتَّى يطالب بِمثل هذه المطالبة.
وحقيقة الأمر: أن القوم لَمَّا لَمْ يروا العلماء موافقين لَهم فِي توجهاتِهم
ورغباتِهم صاروا يُحاولون إسقاطهم، وزعزعة الثقة بِهم حَتَّى يلتفت الناس إليهم
دون هؤلاء العلماء، لكن ليربعوا على أنفسهم، وليعرفوا قدرها.
كناطحٍ صـخرة يـومًا ليوهِنَها فلم يَضِرْها وأوْهَى قَرْنَه الوَعِلُوالعجيب: أن أحدهم أخذ يشيد بالشيخ ابن باز - رحِمه الله- وأنه يريد مثله، فسلوه - إن
كان ينطق- أين هو من كلام الإمام ابن باز فِي حرب الخليج، وفتوى جواز الاستعانة
بالكفار؟ وأين هو من كلام ابن باز لَمَّا أفتَى بِجواز الصلح مع اليهود؟ وأين هو من كلام
أصحابه فِي حياة الإمامين ابن باز وابن عثيمين -رحِمهما الله- من أنه تبين عدم
وجود مرجعية علمية؟قولُهم: "إنه يجب على العلماء أن يفتحوا أبوابَهم للشباب". هذه مقولة من لا يدري ما يقول؟ أو من لا يدري ما عليه العلماء؟ وإلا فإن كثيرًا من علمائنا -لاسيما
من يعمل فِي الإفتاء كالشيخ الفوزان وعبد العزيز آل الشيخ- يَجلسون للتدريس
بعد الفجر، ثُمَّ يباشرون عملهم فِي الإفتاء إلَى الساعة الثانية ظهرًا إجابة على
السائلين باللقاء أو عبر الهاتف، حَتَّى تبلغ مكالَمَات السائلين للإفتاء يوميًّا عبر الهاتف فقط ألفين مكالَمة تقريبًا، غير من يأتيهم ويسألهم، ثُمَّ بعد المغرب
يأتِي الطلاب للدراسة عليهم، وبعضهم تكون له دروس بعد العشاء، غير ما يجيبون عليه
عبر الهاتف فِي بيوتِهم، وكتابة المؤلفات والمقدمات للكتب، والردود على المخالفين
وهكذا ... فبالله عليكم أيقول منصف بأن هؤلاء مقفلون أبوابَهم؟!قولُهم: "إن كثيرًا
من الأخطاء الَّتِي يرتكبها الشباب بسبب إهمال العلماء". بعد هذا الجهد
والعمل الدءوب، يُشكر العلماء بِمثل
هذا! ومِنْ مَنْ؟ من أناس مَحسوبين على الدعاة!! ألا يعرف هؤلاء قوله تعالَى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاََّ
الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:60]؟ وألا يعرفون أن
لحوم العلماء مسمومة؟ هذا كله لو كانوا صادقين فِي دعواهم، أما وهم ليسوا كذلك،
وأن أخطاء الشباب جاءت لأسباب كثيرة منها: أنَّهم تعلقوا بغير علمائهم وربوهم على
فكر الثورة كبعض هؤلاء الدعاة، وإن مِمَّا أقطع به أنه لولا العلماء لكانت أخطاء
الشباب أضعافًا مضاعفة، لكن الله سلَّم وخفَّف بِجهود هؤلاء العلماء العاملين.
قال المنصوح: الله أكبر، ما
أحسن الإنصاف، ومعرفة الفضل لأهل الفضل.
قد ذكرت فِي ثنايا كلامك أن هؤلاء الدعاة وأتباعهم
حاولوا تشويه سمعة الشيخ الجامي وإخوانه، فهل تستطيع أن تبرهن على ذلك؟
قال الناصح: نعم، وبسهولة، فإن
من أعظم البراهين تصورك وغيرك التصور الْمخطئ عن هذا الشيخ الجامي وإخوانه، وبرهان آخر
-فِي نظري- كافٍ لإسقاط هؤلاء الدعاة وهو أن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحِمه الله-
أصدر بيانًا أذيع فِي الإذاعات بكف الألسن عن الغيبة، فاستغل مرضى القلوب هذا
البيان وقالوا: إن المراد أهل المدينة، يعنون: الشيخ مُحمَّد أمان، والشيخ ربيعًا
المدخلي وإخوانه، فكذبَهم الشيخ فِي برنامج "نور على الدرب"
وغيره، وإذا أردت معرفة المزيد عن هذا الموضوع
فاسمع شريطًا أصدرته تسجيلات منهاج السنة بعنوان: "احذروهم فإنَّهم
يكذبون".قال المنصوح: إن هذا لشيء غريب، والكذب قدح فِي العدالة، أسأل الله الثبات.
قال الناصح: وقبل أن أنْهي
حديثي عن الشيخ مُحمَّد أمان بن علي الجامي ألفت نظرك إلَى أمر لطيف ذي أهمية
بالغة وهو: أن كثيرًا من السذج يقدح فِي الشيخ الجامي -رحِمه الله-؛ لأنه عاب على
بعض الدعاة فكر الثورة الذي يدعون إليه، والآن بعد مضي سنوات ترك هؤلاء الدعاة فكر
الثورة، وأدركوا خطأ استعماله فِي الدعوة إلَى الله، فإذا كان كذلك أفلا يستحق هذا
الشيخ الجامي من هؤلاء الدعاة وأتباعهم الشكر والدعاء؟ لأنه كان يدعوهم إلَى خير لَمْ
يتفطنوا له إلا مؤخرًا، فلماذا لا يزالون ذامِّين له؟قال المنصوح: نعم، ما لَفَتَّ النظر إليه حق، وأنا أستغفر الله مِمَّا سلف منِّي.قال الناصح: الآن أنتقل لمناقشة ما أثرته عن الجامية واحدة واحدة:- الانتقاد الأول: أنَّهم أهل غلوٍّ فِي الحكام والعلماء: هذه كلمة مُجملة،
وطريقة أهل البدع عند طعنهم فِي أهل السنة أن يأتوا بالألفاظ الْمُجملة ليروج نقدهم وقدحهم، فهل رأيتهم أطاعوا العلماء
والأمراء فيما حرم الله؟ وهم يرددون كثيرًا أن السمع والطاعة فِي غير معصية الله
كما تقدم بيانه مفصلاً.
- الانتقاد الثانِي: أن ديدنَهم تجريح الدعاة والمصلحين: هذه أيضًا كلمة مُجملة، فَمَنِ المراد بالدعاة والمصلحين: أهم الثوريون والمربون للشباب على فكر الثورة والتحزب
والتميع مع أهل البدع؟! أم أن المراد بِهم الدعاة السائرون على طريقة علمائنا الكبار وهي طريقة
سلف الأمة؟
الواقع: أنَّهم إنَّما
جرحوا النوع الأول؛ لأن هؤلاء خالفوا نَهج الكتاب والسنة، ولبسوا على العوام دينهم
وربوهم على الزهد فِي العلماء الربانيين، والطعن
وسوء الظن بِحكامهم، وهذا كله خلاف منهج سلف الأمة كما تقدم. ثُمَّ قولك: إن هذا ديدنُهم، يفيد أنه لا شغل لَهم إلا
هذا، والواقع الذي ليس له من دافع أنَّهم هم أصحاب الدروس والمؤلفات وهم المشهورون
بالعلم والتعليم، ثُمَّ لو
قدر أن ديدنَهم بيان خطأ المخطئين، والرد على الملبسين؛ لكان هذا من مَحاسنهم؛
لأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنه فِي الشبهات الَّتِي يَخفى أمرها على الكثير، وليعلم أن الرد على المخطئين
بأسمائهم ليس من الغيبة فِي شيء، بل هو من النصح لعامة المسلمين، فقد ذكر العلماء
أن رسول الله e جَوَّز بيان حال الخاطب قدحًا أو مدحًا لأجل مصلحة الرضا به
زوجًا، فإذا جاز هذا فِي مثل هذه الحالة الخاصة فجوازه نصحًا فِي حالة عامة، وهو
النصح للمؤمنين من باب أولى.
وقد قال الحسن البصري والإمام أحمد: ويْحك إن لَمْ تسمه متَى يعرفه الناس؟!
وقال الإمام أحمد: إذا سكت الجاهل لجهله، وأمسك العالِم تقية، فمتَى تقوم لله حجة؟وقال الشاعر:مـن الدين كشف العيب عن كل كاذبوعـــن كل بــــدعي أتى
بالمصـائبِولــــولا رجـال مؤمنـون لَهــدمـتمـعـاقـل ديـن الله مــن كل جـانـبوقال الناظم:القــدح ليس بغيبة فِي ستـة متـظلـم ومـعرف ومحـذر
ولمظهر فسقًا ومستفتٍ ومن طلب الإعانة فِي إزالة منكرومن ذلك قولك: "إنَّهم يطعنون فِي الجماعات
الإسلامية كجماعة الإخوان المسلمين والتبليغ". وهذا من مَحامدهم، وحَتَّى تعرف ذلك لابد أن تعرف حال هاتين الجماعتين.
* أولاً: جماعة
الإخوان المسلمين:جماعة لا تدعو إلَى توحيد الإلَهية، والتحذير من الشرك الأكبر، والتحذير من البدع، بل هي متلبسة ببدع مُختلفة، وذلك يتضح بِما يلي:1- معرفة حال المؤسس الأول لِهذه الجماعة وهو حسن البنا:أ- أنه صوفي بايع على الطريقة الحصافية([21])،
ويرى شد الرحال إلَى القبور([22]).ب- أنه موالٍ لليهود والنصارى بزعم أن الدين الإسلامي الحنيف لا يعاديهم دينًا، وأنَّهم
إخوان لنا، وأن عداوتنا مع اليهود عداوة أرض فحسب([23]).ج- أنه من دعاة القومية العربية([24]).د- أنه من دعاة التقريب مع الشيعة([25]).
هـ- أنه كان يحضر الموالد وينشد هذا البيت فِي رسول الله
×:
هذا الحبيب مع الأحباب قد حضرا
وسامح الكل فيما قد مضى وجرى |
فالرد من أوجه:1- أن هؤلاء التبليغيين الهنود ونَحوهم مبتدعة - على أقل الأحوال- فالواجب البراءة منهم، والتحذير من سلوك طريقهم لا الانتساب إليهم والدفاع عنهم، كما هو حال التبليغيين الموجودين فِي جزيرة العرب.قال الشيخ حَمود التويجري: وأما قول السائل: هل أنصحه بالخروج مع التبليغيين فِي داخل البلاد - أي: البلاد السعودية- أو فِي خارجها أم لا؟
وهذه لفظة مُجملة لابد فيها من تفصيل على نحو ما تقدم، فلا يستطيع أحد أن يثبت عن أحد هؤلاء أنَّهم أنكروا شرعية الجهاد، والبينة على المدعي، والله حسيب كلِّ امرئٍ، وسائله عمَّا فاه به؛ فليُعد لكل سؤال جوابًا.
الانتقاد الخامس: أنَّهم ليسوا أصحاب دعوة؛ لأنه ليس
عندهم أناشيد ولا تَمثيل.الجواب: كونُهم ليسوا أصحاب
دعوة، هذه لفظة مُجملة: أتريد على طريقتكم من
الدعوة بالأناشيد والتمثيل الَّتِي حرمها كثير من العلماء، وأقل ما فيها
أنَّها من الشبهات الَّتِي يَحسن اجتنابُها، كما قال رسول الله
e:" من اتقى الشبهات
فقد استبرأ لدينه وعرضه ". فنعم، هم ليسوا أصحاب دعوة على هذه الطريقة، بل طريقتهم هي طريقة رسول الله e بتعليم الناس الحرام والحلال فِي الدروس وتَجمعات الناس، ووعظهم وتَخويفهم من النار، وتذكيرهم بالجنة، ثُمَّ إن رسول الله e لَمْ يتخذ الأناشيد والتمثيل وسيلة يدعو بِها، فهل معنَى هذا أنه ليس داعية e؟!
وقد ذكرت أن كثيرًا من الناس اهتدوا بِهذه الوسائل، ولو سلمت بِهذا جدلاً، فإن الغاية لا تبرر الوسيلة، ولو
كانت هذه الوسائل خيرًا لَما تركها رسول الله e وأصحابه.
الانتقاد السادس: أنَّهم فَرَّقوا الشباب، وجعلوا بعضهم
يطعن فِي بعض.والجواب: هذه أيضًا كلمة مُجملة، فإن أمر الناس بالخير ونَهيهم عما يسيرون عليه من
طرائق ضالة مُخالفة لِهدي سلف الأمة، ليس
تفريقًا، بل هو جمع الناس وردهم لِمَا عليه السلف الصالح، وذلك مثل أن يخرج داعية مصلح فِي
أرض تكثر فيها البدعة فيدعوهم إلَى التوحيد والسنة،
ويتفرق الناس بعد ذلك إلَى فريقين: فريق مستجيب، وآخر معرض عنيد، فإن هذا الداعية
لا يُذم، ويُعاب عليه تفريقه للناس، وإنَّما الذي يُذم ويُعاب من لَمْ يستجب للحق، ومثل هذا قل فيما نَحن بصدده.
الانتقاد السابع: أنَّهم مباحث وعملاء للدولة.هذه أيضًا كلمة مُجملة، إن أردت بِها أنَّهم معينون دولتهم - دولة التوحيد- على ما فيه حفظها من شرور أهل الشر، سواء كانوا من
الداخل أو الخارج، فهذا خير وعمل صالح، ومن التعاون على البر والتقوى، وهو صنع العلماء كالشيخ
ابن باز - رحِمه الله- وإن أردت أنَّهم يعينون الدولة على ما لا يرضي الله، فاتق
الله، واعلم أن الكلام فِي أعراض عامة الناس بلا بينة كبيرة، فقد أخرج الإمام
أحمد، وأبو داود عن ابن عمر أنه قال:" من قال فِي مؤمن ما ليس فيه؛ أسكنه الله ردغة الخبال حَتَّى يَخرج مِمَّا قال ".
وردغة الخبال: هي عصارة أهل النار.
ومن لطيف ما قرأت ما
ذكر الشيخ عبد السلام بن برجس - رحمه الله- فِي كتابه "قطع المراء فِي حكم
الدخول على الأمراء":"ثُمَّ ذكر
الخطيب آثارًا عن السلف فِي ذلك منها: عبد الملك بن إبراهيم الجدي -الثقة المأمون-
قال: رأيت شعبة مغضبًا مبادرًا، فقلت: مه يا أبا بسطام، فأراني طينة فِي يده،
وقال: أستعدي على جعفر بن الزبير، يكذب على رسول الله e،
وعن الشافعي قال: لولا شعبة ما عُرف الحديث بالعراق، كان يَجيء إلى الرجل فيقول: لا تُحدث، وإلا استعديت عليك السلطان، وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: استعديت على
عيسى بن ميمون فِي هذه الأحاديث التِي يُحدثها عن القاسم، فقال: لا أعود. اهـ. ما ذكره
الخطيب - رحمه الله تعالى-.
وقد ذكر ابن جماعة - رحمه
الله تعالى- حقوق ولي الأمر، فذكر منها:الحق السادس: تحذيره
من عدو يقصده بسوء، وحاسد يرومه بأذى، أو خارجي يَخاف عليه منه، ومن كل شيء يخاف
عليه منه على اختلاف أنواع ذلك وأجناسه، فإن ذلك من آكد حقوقه وأوجبها.الحق السابع: إعلامه
بسيرة عماله الذين هو مطالب بِهم، مشغول الذمة بسببهم؛ لينظر لنفسه فِي خلاص ذمته،
وللأمة فِي مصالح ملكه ورعيته...إلَى
أن قال: الحق العاشر: الذب عنه بالقول والفعل وبالمال
والنفس والأهل فِي الظاهر والباطن والسر والعلانية اهـ. من "تحرير
الأحكام".فهذا ما قاله علماء الإسلام وأئمته، فليبك على نفسه متعالِم خرج عن سبيلهم، وأضل الناس بِمحض خيالات أو هواء، لا يركن إليها إلا شقي، فاللهم سلم
سلم". اهـ([46]).
الانتقاد الثامن: أنَّهم يردون على سيد قطب.وايْم الله إن ردهم على سيد قطب من محاسنهم، فإنه الجامع لأخطاء عقدية شتَّى من سبٍّ لِموسى u
والصحابة الكرام، وتكفير للمجتمعات وتأويل لكثير من الصفات على طريقة أهل البدع والضلال، وقد توارد الرد عليه
أكثر من عشرين عالِمًا ومفكرًا من أولِهم مَحمود شاكر - رحِمه الله- فِي سبه
للصحابة، وجرت بينه وبين سيد ردود، ثُمَّ بعد ذلك رد عليه الشيخ الحافظ عبد الله الدويش - رحِمه الله- فِي كتابه "المورد الزلال"، والشيخ ربيع بن هادي المدخلي فِي عدة كتب.
ومن العلماء الرادين عليه سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز، وشيخنا مُحمَّد بن صالح العثيمين، وشيخنا مُحمَّد
ناصر الدين الألبانِي - رحِمهم الله- وشيخنا صالح الفوزان، كما تجد ذلك بأصواتِهم فِي شريط "أقوال العلماء فِي مؤلفات سيد قطب"، وانظر كتابًا نافعًا للشيخ عصام السنانِي بعنوان:
"براءة علماء الأمة من تزكية أهل البدعة والمذمة"، وهو خاص فِي الرد على
سيد قطب، وقد قرأه الشيخ مُحمَّد بن صالح
العثيمين ووقَّع على كلامه، وقرأه وعلق عليه الشيخ صالح
الفوزان، فلا أظن أحدًا يُعذر فِي دفاعه عن سيد قطب بعد بيان العلماء لضلالاته إلا من لَمْ يكن
عالِمًا بكلامهم.وإليك شيئًا من كلامه السيئ لتكن موقنًا فساده وحسن صنيع
الرادين عليه:1- قال فِي موسى u:
لنأخذ موسى إنه نَموذج للزعيم المندفع العصبِي المزاج. اهـ([47]).2- قال فِي معاوية بن أبِي سفيان وعمرو بن العاص: وحين
يركن معاوية وزميله عمرو إلَى الكذب والغش والخديعة والنفاق والرشوة وشراء الذمم،
لا يَملك علي أن يتدلى إلَى هذا الدرك الأسفل. اهـ([48]).3- قال فِي تكفير الْمُجتمعات الإسلامية: لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلَى البشرية بلا إله إلا
الله، فقد ارتدت البشرية إلَى عبادة العباد، وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله
إلا الله.
ثُمَّ قال: إلا أن البشرية عادت
إلَى الجاهلية وارتدت عن لا إله إلا الله فأعطت لِهؤلاء العباد خصائص الألوهية، ولَمْ
تعد توحد الله، وتُخلص له الولاء.. البشرية بِجملتها بِما فيها أولئك الذين يرددون
على المآذن فِي مشارق الأرض ومغاربِها كلمات "لا إله إلا الله" بلا
مدلول ولا واقع.. وهؤلاء أثقل إثْمًا وأشد عذابًا يوم القيامة؛ لأنَّهم ارتدوا إلَى
عبادة العباد من بعد ما تبين لَهم الهدى ومن بعد أن كانوا فِي دين الله! اهـ([49]).4- قال فِي عدم إنكار الكفر والمعاصي كشرب الخمر: وإن الإنسان ليرثى
أحيانًا ويعجب لأناس طيبين، ينفقون جهدهم فِي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فِي
الفروع، بينما الأصل الذي تقوم عليه حياة الْمُجتمع المسلم ويقوم عليه الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر مقطوع!
ثُمَّ قال: وما
غناء أن تنهى الناس عن سب الدين فِي مُجتمع لا يعترف بسلطان الله، ولا يُعبد فيه
الله، إنَّما يتخذ أربابًا من دونه، ينْزلون له شريعته وقانونه ونظامه وأوضاعه،
وقيمه وموازينه، والساب والمسبوب كلاهما ليس فِي دين الله.
ثُمَّ قال: إن
الأمر أكبر وأوسع وأعمق مِمَّا ينفق فيه هؤلاء الطيبون جهدهم وطاقتهم واهتمامهم..
إنه فِي هذه المرحلة ليس أمر تتبع الفرعيات مهما تكن ضخمة، ولو كانت هي حدود الله،
فحدود الله تقوم ابتداءً على الاعتراف بِحاكمية الله دون سواه، فإذا لَمْ يصبح
حقيقة واقعة تتمثل فِي اعتبار شريعة الله هي المصدر الوحيد للتشريع، واعتبار
ربوبية الله وقوامته هي المصدر الوحيد للسلطة.. فكل جهد فِي الفروع ضائع، وكل
مُحاولة فِي الفروع عبث، والمنكر الأكبر أحق بالجهد والْمُحاولة من سائر المنكرات.
اهـ([50]).الانتقاد التاسع: أن كثيرًا مِمن تبنوا هذا المنهج
انتكسوا.وهذه دعوى تحتاج إلَى إثبات، وكون خمسة أو عشرة (انتكسوا) -على حد تعبيرك- ليس دليلاً كافيًا على أن السبب وجود هذا المنهج وإلا فإن
عشرات من الشباب الناشئين على المنهج الثوري قد انتكسوا، لاسيما بعد أن أوقف
العلماء رءوسهم الثوريين؛ لأنَّهم كانوا ناشئين على الحماسة، وقد توقفت الحماسة ، ثُمَّ لو قدر أنه
بسبب هذه الدعوة انتكس كثير، فليس هذا دليلاً على سوء هذه الدعوة، بل السبب أنَّهم كانوا متبنين دعوة غير صحيحة، فلما
جاءت هذه الدعوة المباركة وبينت فساد الدعوة الَّتِي كانوا عليها اتضح لَهم الأمر
وانتكسوا ردة فعل لِما كانوا عليه من
قبل.قال المنصوح: إن سيد قطب تراجع،
فلماذا تعيب عليه وقد تراجع؟
قال الناصح: أحسنت -جزاك الله
خيرًا- أين تراجع؟
قال المنصوح: هكذا سمعت.
قال الناصح: هذا ما يردده كثيرون،
وكلما طالبتهم بإثباته ما استطاعوا، بل ودونَهم خرط القتاد؛ لأن ما نقلته عن سيد
قطب إنَّما أثبته من الطبعة المعتمدة دون غيرها.
الانتقاد العاشر: قولك: إنَّهم يحذرون
من حلقات تحفيظ القرآن، فهذا بُهتان وكذب له قرنان، فكيف يحذرون مِمَّا يقوم به
سلف هذه الأمة؟! أم كيف يحذرون مِمَّا فيه حفظ كلام الله؟! وإنَّما تحذيرهم من بعض
الحلقات الَّتِي يقوم عليه ذوو المناهج الفاسدة لا لذات الحلقات؛ لذا ترى كثيرًا
من السلفيين مشرفين على حلقات أو يدرسون أبناءهم فيها، فلابد من التفصيل وترك
الإجمالات.
قال المنصوح: لماذا لا تعاملون سيد قطب معاملة بقية العلماء الذين وقعوا فِي أخطاء عقدية
كالنووي والحافظ ابن حجر.
قال الناصح: الفرق بينهما من أوجه:1- أن النووي والحافظ ابن حجر علماء مُجتهدون ما بين أجر أو أجرين، وسيد قطب ليس عالِمًا وليس
من أهل الاجتهاد فلا سواء.
2- أن كتب النووي والحافظ ابن حجر لا يطالعها فِي الغالب إلا العلماء وطلاب
العلم بِخلاف كتب سيد قطب، فإنه لا يطالعها إلا العوام من الشباب ونحوهم، بل إن
كثيرًا من علمائنا لَمْ يعرف كتبه.
3- أن لدى سيد قطب أخطاء لَمْ يقل بِها حَتَّى الأشاعرة من سَبِّ الأنبياء والصحابة، وانظر كتاب: "مطاعن سيد قطب
فِي أصحاب رسول الله e" للشيخ الْمُجاهد ربيع بن هادي المدخلي - حفظه الله-.
4- أن فِي كتب النووي والحافظ ابن حجر علمًا لا يستغنِي عنه أهل العلم، بِخلاف كتب سيد قطب، فليس فيها - فِي الغالب- ما يحتاج إليه أهل العلم.
5- أن فِي كتب سيد قطب ما يربِّي الشباب على التكفير فقد كَفَّر الْمُجتمعات الإسلامية فِي كتاب "الظلال" فِي أكثر من ثلاثة عشر موضعًا، وفيها أيضًا
ما يربِّي الشباب على فكر الثورة والتمرد على حكامه وعلمائه.6- أن العلماء وطلبة العلم انتقدوا ما فِي كتب النووي وابن حجر من الأخطاء
العقدية، كتعليقات سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز،
وعبد الله الدويش على فتح الباري، فقُبلت من لدن الشباب من غير نكير، بِخلاف النقد على كتب سيد فإنَّهم لَمْ يقبلوها بل واجهوه
بردة فعل عنيفة، مِمَّا يؤكد صدق ما ذكره علي عشماوي فِي كتابه: "التاريخ
السري لجماعة الإخوان المسلمين" من أن سيد قطب رئيس لتنظيم سري تابع لجماعة الإخوان المسلمين، وقد كان مندوبُهم ورئيس الإخوان فِي السعودية مناع القطان، وكان يرسل إلَى
سيد قطب التقارير، وإلا لماذا هذه الغيرة الشديدة تجاه سيد قطب دون غيره؟ ولماذا
لا ترى هذه الغيرة تجاه المنتقدين لكتب النووي والحافظ ابن حجر؟
قال المنصوح: أليس الشيخ بكر
أبو زيد قد رد على الشيخ ربيع المدخلي فِي رده على سيد قطب؟قال الناصح: بلى، لكن هذا لا
يعنِي بِحال أن الأخطاء الَّتِي وقع فيها سيد قطب
-رحِمه الله- مُبَرَّأ منها، وذلك من أوجه:
1- أن الشيخ بكر أبو زيد لَمْ يذكر فِي أوراقه أن سيد قطب سلفي المعتقد
والمنهج، وإنَّما غاية ما فِي أوراقه أنه لا يوافق الشيخ ربيع المدخلي على أسلوبه وبعض ما انتقده عليه، لا أنه مُبَرِّئ له بالكلية.
2- أنه لو قدر أن الشيخ بكرًا مبرئ سيد قطب من الأخطاء، فإن علماء آخرين أعلم منه وأكثر مُخالفون له، ويكفي من بينهم سَماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، ومُحدث العصر الألبانِي -رحِمهما الله-.
3- أنه لو قدر أن الشيخ بكرًا مبرئ سيد قطب من الأخطاء العقدية الشنيعة، فإن أول من يرد عليه كتب سيد
قطب؛ إذ سبه للصحابة مع شنائع أخرى كثيرة مزبورة مسطورة لا يُمكن أحدًا إنكارها.واقرأ للمزيد كتاب
الشيخ سعد الحصين "سيد قطب -رحمه الله- بين رأيين".قال المنصوح: أليس كل أحد يخطئ،
فلماذا التشنيع على سيد قطب دون غيره؟
قال الناصح: نعم، كل يخطئ، لكن
فرق بين الأخطاء الَّتِي لا يسوغ الخلاف فيها كأكثر المسائل العقدية، وبين ما يسوغ
الخلاف فيه كأكثر المسائل الفقهية، ثُمَّ أيضًا المخطئون فيما لا يسوغ الخلاف فيه
على مراتب، منهم من يكون خطؤه جزئيًّا، ومنهم من يكون كليًّا، وإلا معنَى هذا هدم
تراث سلفنا الذين شنعوا على أهل الأخطاء الَّتِي لا يسوغ الخلاف فيها وبدعوهم، فما
بالك بسيد قطب الذي وقع فِي أخطاء كلية مِمَّا لا يسوغ الخلاف فيه، من عدم الإنكار
على ساب الدين والدعوة إلَى فكر الثورة، ناهيك عن سبه للصحابة؟!
قال المنصوح: نَوَّرك الله كما نَوَّرتنِي، لكن ألا ترى أن كلامك فِي هذه الجماعات، وفِي
هؤلاء الأشخاص يفرق الصف ويضعف قوة المسلمين؟قال الناصح: الجواب من أوجه:1- أن ضعف المسلمين وتغلب الأعداء سببه ذنوب المسلمين أنفسهم، كما قال تعالَى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم
مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ
اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:165].قال ابن جرير: "﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾. يعنِي: قلتم لَمَّا أصابتكم مصيبتكم بأحد: ﴿أَنَّى هذا﴾. من أي وجه هذا؟ ومن أين أصابنا
هذا الذي أصابنا ونحن مسلمون وهم مشركون وفينا نبِي الله e يأتيه الوحي من السماء، وعدونا أهل كفر بالله وشرك؟ قل يا مُحمَّد للمؤمنين بك من أصحابك: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ
أَنفُسِكُمْ﴾. يقول: قل لَهم: أصابكم هذا الذي أصابكم من
عند أنفسكم بِخلافكم أمري وترككم طاعتِي؛ لا من عند غيركم، ولا من قِبل أحد سواكم" اهـ([51]).ونقله عن جماعة من السلف كعكرمة والحسن وابن جريج والسدي.وقال أبو
الدرداء: إنَّما تقاتلون بأعمالكم([52]).وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾.
أي: من
أين أصابنا ما أصابنا وهُزمنا؟ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ
أَنفُسِكُمْ﴾ حين تنازعتم وعصيتم من
بعد ما أراكم ما تُحبون، فعودوا على أنفسكم باللوم، واحذروا من الأسباب
المردية" اهـ([53]).وقال ابن تيمية: "وحيث ظهر الكفار، فإنَّما ذاك لذنوب المسلمين الَّتِي أوجبت نقص إيْمانِهم، ثُمَّ
إذا تابوا بتكميل إيْمانِهم نصرهم الله، كما قال تعالَى: ﴿وَلاََ تَهِنُوا وَلاََ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ
الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:139]. وقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ
أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:165]" اهـ([54]).وقال: "وأما الغلبة: فإن الله تعالَى قد يديل الكافرين على المؤمنين تارة،
كما يديل المؤمنين على الكافرين، كما كان يكون لأصحاب النَّبِي e مع عدوهم، لكن العاقبة للمتقين، فإن الله يقول: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:51]. وإذا كان فِي
المسلمين ضعفًا([55])، وكان عدوهم
مستظهرًا عليهم؛ كان ذلك بسبب ذنوبِهم وخطاياهم؛ إما
لتفريطهم فِي أداء الواجبات باطنًا وظاهرًا، وإما لعدوانِهم بتعدي الحدود باطنًا
وظاهرًا، قال الله تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ التَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ
الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران:155]. وقال تعالَى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم
مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ
عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾. وقال تعالَى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ
لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ . الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا
الصَّلاََةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ
الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:40-41]" اهـ([56]).وقال ابن القيم: "فلو رجع العبد إلَى السبب
والموجب لكان اشتغاله بدفعه أجدى عليه وأنفع له من خصومة من جرى على يديه، فإنه
-وإن كان ظالِمًا- فهو الذي سلطه على نفسه بظلمه.قال الله تعالَى: ﴿أَوَلَمَّا
أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ
هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾. فأخبر أن أذى عدوهم
لَهم، وغلبتهم لَهم: إنَّما هو بسبب ظلمهم. وقال الله تعالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ
أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى:30]" اهـ([57]).
وقال: "وكذلك النصر والتأييد الكامل، إنَّما هو لأهل الإيْمان الكامل، قال تعالَى:
﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ
الأَشْهَادُ﴾ [غافر:51]. وقال: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ
فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف:14].
فمن نقص إيْمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد، ولِهذا إذا أصيب العبد
بِمصيبة فِي نفسه أو ماله، أو بإدالة عدوه عليه، فإنَّما هي بذنوبه، إما بترك
واجب، أو فعل مُحرم، وهو من نقص إيْمانه، وبِهذا يزول الإشكال الذي يورده كثير من
الناس على قوله تعالَى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ
اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاًَ﴾ [النساء:141]. ويُجيب عنه كثير منهم بأنه لن يَجعل لَهم عليهم سبيلاً فِي الآخرة، ويجيب آخرون بأنه لن يجعل لَهم عليهم
سبيلاً فِي الحجة.
والتحقيق: أنَّها مثل هذه الآيات، وأن انتفاء
السبيل عن أهل الإيْمان الكامل، فإذا ضعف الإيْمان صار لعدوهم عليهم من السبيل بِحسب ما نقص من إيْمانِهم، فهم جعلوا لَهم عليهم السبيل بِما
تركوا من طاعة الله تعالَى.فالمؤمن عزيز غالب مؤيد منصور مكفي، مدفوع عنه بالذات أين كان ولو اجتمع
عليه مَنْ بأقطارها، إذا قام بحقيقة الإيْمان
وواجباته، ظاهرًا وباطنًا، وقد قال تعالَى للمؤمنين: ﴿وَلاََ تَهِنُوا وَلاََ تَحْزَنُوا
وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل
عمران:139]. وقال تعالَى: ﴿فَلاََ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ
وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [مُحمَّد:35]. فهذا الضمان إنَّما هو بإيْمانِهم وأعمالِهم، الَّتِي
هي جند من جنود الله، يحفظهم بِها، ولا يفردها عنهم ويقتطعها عنهم، كما يَتِرُ
الكافرين والمنافقين أعمالَهم؛ إذ كانت لغيره، ولَمْ تكن موافقة لأمره" اهـ([58]).إذا تقرر أن سبب ضعف المسلمين ذنوبُهم، وأن هذا هو الداء، فعلاجه ودواؤه أن يؤمروا بالرجوع إلَى الله، وترك ما هم عليه
من المخالفات الشرعية، وإن الرد على المخالف ببيان أخطائه حَتَّى يتوب إلَى الله
ولا يتبعه غيره، صورة من صور دواء هذا الداء، وسبيل من سبل عزِّ هذه الأمة وتَمكينها.2- أن فِي هذا رأفة بِهؤلاء المتلبسين بِهذه البدعة، والَّتِي قد تصل إلَى
الشرك؛ لأنَّهم لو تُركوا ولَمْ يُردَّ عليهم، ماتوا على هذه العقائد والمناهج الباطلة، وقد
أجمع أهل السنة أن المعاصي الشبهاتية أعظم جرمًا من الشهوانية([59])، ولسلفنا الصالح
كلمات قوية فِي ذم أهل البدع.
قال الإمام البربَهاري: "وإذا رأيت الرجل من أهل السنة رديء الطريق والمذهب،
فاسقًا فاجرًا صاحب معاصٍ ضالاًّ وهو على السنة؛ فاصحبه، واجلس معه، فإنه
ليس يضرك معصيته، وإذا رأيت الرجل مُجتهدًا فِي العبادة متقشفًا، مُحترقًا بالعبادة، صاحب هوًى؛ فلا تُجالسه، ولا تقعد معه، ولا تسمع كلامه، ولا تَمش معه فِي طريق، فإنِّي لا آمن أن تستحلي طريقته؛ فتهلك
معه".ورأى يونس بن عبيد ابنه وقد خرج من عند صاحب هوًى فقال: "يا بُنَي، من أين جئت؟ قال: من عند فلان. قال يا بنَي، لأن أراك
خرجت من بيت خنثى، أحب إلَيَّ من أن أراك تخرج من بيت فلان وفلان؛ ولأن تلقى الله يا بُنَي
زانيًا فاسقًا سارقًا خائنًا، أحب إلي من أن تلقاه
بقول فلان وفلان". ألا ترى أن يونس بن عبيد قد علم أن الخنثى لا يضل ابنه عن
دينه، وأن صاحب البدعة يضله حَتَّى يكفر؟!! اهـ([60]).وقال الإمام الشافعي -رحِمه الله-: "لأن يلقى الله العبدُ بكل ذنب ما خلا الشرك خير من أن يلقاه بشيء من
الهوى" اهـ([61]).وقال الإمام أحمد -رحِمه الله-: وقبور أهل السنة من أهل الكبائر روضة، وقبور أهل البدعة من الزهاد حفرة، فُسَّاق أهل السنة
أولياء الله، وزهاد أهل البدعة أعداء الله" اهـ([62]).وقال أرطاة بن المنذر: "لأن يكون ابنِي فاسقًا من الفساق أحب إلي من أن يكون
صاحب هوى" اهـ([63]).وقال سعيد بن جبير: "لأن يصحب ابنِي فاسقًا شاطرًا
سنيًّا أحب إلَيَّ من أن يصحب عابدًا مبتدعًا" اهـ([64]).وما أحسن ما ذكره ابن تيمية إذ قال: "وقد أمر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح بانتزاع مدرسة معروفة من أبِي الحسن
الآمدي، وقال: أخذها منه أفضل من أخذ عكا" اهـ([65]).فالراد على أهل البدع أرأف بِهم من تاركيهم على بدعهم من
جهتين:الأولى: أنه يتداركهم حَتَّى لا يَموتوا على هذه الذنوب الموبقة: البدع.الثانية: أنه بتحذيره من المبتدعة يقلُّ اتباعهم فتقل آثامهم، فإن من دلَّ على ضلالة كان له من
الوزر مثل أوزار من تبعه إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيء.قال أبو صالح الفراء: "حكيت ليوسف بن أسباط عن وكيع شيئًا من أمر الفتن، فقال:
ذاك أستاذه - يعنِي: الحسن بن حي- فقلت ليوسف: أما تخاف أن تكون هذه غيبة؟ فقال: لِمَ يا أحمق؟
أنا خير لِهؤلاء من آبائهم وأمهاتِهم، أنا أنْهى الناس أن يعملوا بِما أحدثوا
فتتبعهم أوزارهم، ومن أطراهم؛ كان أضر عليهم" اهـ([66]).بل وفِي رد أهل السنة على هؤلاء المبتدعة رأفة بعامة المسلمين؛ حَتَّى لا يضلوا
ويتبعوهم على الباطل.3- أن المسلمين إذا اجتمعوا ضد عدوهم الخارجي مع اختلافهم فِي العقائد
والمناهج وانتصروا؛ فإنه سيرجع بعضهم
على بعض بالقتل والتشريد تسابقًا على السلطة والولاية، وما خبر أفغانستان الأولى
ضد الروس عنا ببعيد.
4- أن الصحابة الكرام -الذين هم خير من يُقتدى بِهم- قد انشغلوا بالرد
على أهل البدع، بل وقتالهم عن العدو الخارجي، كما هو حال الإمام علي بن أبِي طالب t مع الخوارج.
وقد قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بِما صلح به أولها".هذه أربعة أوجه مُختصرة فِي تفنيد تلكم الشُّبَه المتناقلة عند بعض مَن التبست عليه.قال المنصوح: كلام وجيه، لكن يسلم منك اليهود والنصارى، ولا يسلم منك إخوانك المسلمون؟قال الناصح: قد قدمت لك أن هذا فيه نفع لِهؤلاء المردود عليهم، وأن فيه عزًّا للإسلام والمسلمين الذي مؤداه الغلبة على الكافرين من
يهود ونصارى وغيرهما.وأيضًا من قال لك: إن
اليهود والنصارى سلموا منا، ثُمَّ أيضًا لازم اضطراد هذه الكلمة إلغاء ما أجمع
عليه السلف من الرد على أهل البدع والضلالة،
وما كان هذا لازمهم فهو مردود، فإن منهج السلف لا يكون إلا حقًّا.
قال ابن تيمية: لا
عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه
بالاتفاق، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقًّا. اهـ([67]).
وبالمناسبة: قد اخترع بعضهم دليلاً مبتدعًا من حيث يدري أو لا يدري، وهو أن ما يغيظ الكفار يجب فعله، سواء انتفع المسلمون به أو تضرروا، وما يُفرِح الكفار لا يجوز فعله سواء انتفع المسلمون به أو تضرروا.
والقول بِهذا على الإطلاق فيه نظر، بل ما ينفع المسلمين يُفعل سواء تضرر الكفار أو لَمْ يتضرروا، فإن رسول الله e عقد صلح الحديبية لمصلحة الإسلام والمسلمين، ولَمْ يَمنعه منه فرح الكفار به وببنوده.
قال المنصوح: لكن لماذا لا تكتفي بذكر الأخطاء بدون الأسماء؛ لاسيما وقد كان رسول الله e
يقول:" ما بال أقوام، ما بال أقوام"؟
قال الناصح: هل تخالف فِي شرعية ذكر الأسماء فِي الرد والتحذير؟
قال المنصوح: كلا - بارك الله
فيك-، فقد ذكرت -فيما سبق- أن رسول الله e سَمَّى فِي الْخِطبة لفاطمة بنت قيس، وذكر بعض معايب أبِي جهم ومعاوية،
فإذا جاز هذا فِي المصالح الخاصة، فكيف بالمصالح العامة لأمة مُحمَّد e؟!
قال الناصح: أحسنت -بارك الله فيك-، وعلى هذا جرى سلفنا الصالح والعلماء السائرون على
طريقتهم الذين نحن تَبعٌ لَهم، فاقرأ كتاب
السنة للخلال، والسنة لعبد الله ابن الإمام أحمد، وشرح السنة للبربَهاري، وعقيدة السلف أصحاب الحديث للصابونِي، بل قد أفرد بعضهم كتابًا
مستقلاًّ فِي الرد على أشخاص كالدارمي فِي رده على
بشر المريسي، وابن تيمية فِي رده على الأخنائي والبكري، وأكثر كتب أئمة الدعوة
النجدية السلفية ردود على المخالفين.
أما حديث: "ما بال أقوام". فهو مَحمول على حالات لا فائدة من ذكر أسماء الرجال فيها، فالمراد التحذير من الفعل والطريقة لا الفاعلين لَها.
قال المنصوح: إن تسمية اسم
المردود عليه -فِي ظنِّي- ينفر السامع
ولا يَجعله ينتفع؛ لذا لو اقتصرت على نقد الفعل دون
الفاعل.قال الناصح: ما تذكره صحيح كثيرًا لا دائمًا، وهذا خاضع لقاعدة المصالح والمفاسد.
والذي نرى: أن بعضهم يسلك منهج ترك التسمية إلا فِي الْمَجالس الخاصة به مع أصحابه الموافقين له، وهذا خطأ
ويفوت مصالح كثيرة، وأكبر دليل واقعي على هذا أن علماءنا كانوا يربوننا على السمع والطاعة لولاة
الأمر وترك التحزب المذموم، والاهتمام بالتوحيد والسنة ونبذ البدع، ومع ذلك استطاع
الحزبيون اختراق صفوف الشباب والتغرير بِهم، إلَى أن سيَّروهم على منهجهم البدعي إلا من رحم الله.
وسبب ذلك أن الحزبيين استغلوا ذم المشرك فِي الشرك الذي يريدونه وهو شرك
القصور مع المبالغة فيه دون شرك القبور، واستغلوا ذم البدع فِي ذم الرفض والتشيع
ومن سلف كالجهم بن صفوان، والجعد بن درهم فحسب، وعلى إثر هذا عمُّوا شباب التوحيد عن باقي البدع، وعليها ولَّدوا لَهم قواعد فاسدة جعلوها سياجًا فِي حماية ما ربوا
الشباب عليه من باطل كقاعدة: ذكر الحسنات فِي الرد، وأن طالب العلم والعالِم لابد أن يكون
عارفًا بواقعه، فأشغلوهم بفقه الواقع - فقه السياسة، والجرائد والصحف- وتلاعبوا بعواطفهم ليستمروا معهم ويتركوا علماءهم باسم هموم المسلمين، وأشغلوهم
بعَرَض مُصاب الأمة عن تشخيص المرض التشخيص الصحيح مع علاجه العلاج الشرعي وهكذا...فلما جاءت حرب الخليج - لا أعادها الله- كَشَّر الحزبيون عن أنيابِهم، وأظهروا ما فِي مكنونِهم
تعجلاً منهم لحصاد ثِمَارهم الكاسدة،
لكن الله ناصر دينه، فكاد بأولئك
الكائدين، فصار عاقبة أمرهم خُسرًا، فشهر العلماء بأسمائهم، وأخرجوا فيهم فتاوى
متعددة، بعدها بدأ طائفة من طلاب العلم
والشباب السائرين على طريقة علمائهم
يردون على فعال ومناهج الحزبيين الضالة، ويُشهِّرون أسماءهم عند رجاء مصلحة شرعية، وتفطنوا لِمكر الحزبيين، فتخلوا عنهم، وانقلبوا على الحزبيين وبدعهم ذمًّا وردًّا وتحذيرًا، وهكذا هم - ولله
الحمد- فِي تزايد ملحوظ لاسيما فِي هذه الأيام.
وهذا كله من فضل الله وحفظه لدينه الحق، ثُمَّ بأسباب شرعية منها: تسمية
المخالفين المغالطين، وذلك أن من لَمْ يسم إذا دعا الشباب إلَى الالتفاف حول
علمائهم ظن المغرر بِهم أن علماءه هؤلاء الحزبيون الضالون، وإذا دعاهم إلَى عدم الغلظة على المخالف فِي
المسائل الاجتهادية ظن أن أخطاء هؤلاء الحزبيين من هذا الجنس، فيُنكر الغلظة عليهم وهكذا ...فكل هذا لا يُعرف إلا بالتصريح
المصحوب بعلم وحلم، فإنه حق ناصره الله، كما قال تعالَى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ
فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:18]. وقال: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ
الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الأنبياء:81]. والواقع خير برهان.قال المنصوح: عرفتُ الآن السر فِي تربيتهم لنا على عدم قراءة
كتب الردود.
قال الناصح: بل العجيب أنَّهم متناقضون؛ لأنَّهم متزعمون الردود على ولاة الأمور فِي
مَجالسهم الخاصة والعامة، ويتناقلون الردود عليهم مع مُخالفة هذا الفعل للشريعة
الغراء، لذا كلما خرجت فتنة ضد ولاة الأمر رأيت شبابَهم خائضين فيها كفتنة
المسعري، وسعد الفقيه، وأيضًا من تناقضهم أن لَهم ردودًا على العلمانيين يوصون
الشباب بقراءتِها، وهذا حق يُحمدون عليه، لكنه مناقض لِما أصَّلوه من ترك قراءة كتب الردود.قال المنصوح: لماذا لا يذكر السلفيون حسنات الرجل فِي مقام الرد عليه، أليس ذكر سيئاته
دون حسناته من الظلم؟
قال الناصح: قرر علماؤنا بالأدلة من الكتاب والسنة أنه فِي مقام الرد على رجل لإسقاطه
لا تُذكر حسنات المردود عليه، وعلى هذا جرى سلفنا
الصالح، وبِهذا قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز والألبانِي وابن عثيمين -رحِمهم
الله- وكتب الشيخ الْمُجاهد ربيع بن
هادي المدخلي فِي ذلك كتابين: "منهج أهل السنة والجماعة فِي نقد الرجال
والكتب والطوائف"، وكتاب: "الْمَحجة البيضاء" وانظر كتاب: "زجر المتهاون
بضرر قاعدة المعذرة والتعاون" للشيخ حمد
بن إبراهيم العثمان، واسمه الجديد: "دراسة نقدية لقاعدة المعذرة والتعاون".وهذا هو عين العدل بالنظرة الكلية لا الجزئية، وذلك أنه إذا لَمْ تُذكر حسناته فِي مقام الرد نَفَر الناس منه، وكانوا فِي صون من أخطائه؛ فتحصل المنفعة
الكلية للأمة الْمُحمدية؛ بِخلاف ما إذا ذُكرت حسناته، فإن
الناس لا ينفرون منه، بل لعل بعضهم يعجب به لِما له من حسنات، وهذا مثل الذي يُصاب بِمرض فِي رجله فيحكم الأطباء عليها بالبتر، وإلا انتقل ضررها إلَى الجسد كله، فالذي ينظر إليها
نظرة جزئية مفردة يظهر له أن البتر غير نافع، أما بالنظر إلَى الجسم كله نظرة كلية
يكون القطع نافعًا غير ضار.قال المنصوح: أحسن الله إليك، والله قد كشفت الشبهة وأبنت الْمَحجة بالحجة الدامغة، فجزاك الله عنِّي كل خير، وكم أتَمنَّى أن يعرف هذا إخوانِي الآخرون المغرر بِهم، فإن الحق ضالة المؤمن، ثُمَّ إن هؤلاء الإخوة متناقضون،
فأين منهج ذكر الحسنات فِي مقام الرد؟ لِمَ لا يفعلونه مع حكامهم؟! لكن أخي الناصح لِمَاذا نطبق منهج عدم ذكر الحسنات فِي حق الضُّلال من الدعاة، ولا نطبقه فِي حق من عنده أخطاء من الحكام؟قال الناصح: الجواب بدهي يُعرف مِمَّا سبق، وهو أن منهج أهل السنة والذي تدل عليه الأدلة - كما تقدم- أنَّهم
فِي حق الحكام الفساق والمبتدعة يقيمون ما أوجب الله عليهم من السمع والطاعة وجمع
الناس عليهم والنصح لَهم، فليس من منهجهم الرد عليهم أمام الناس فِي غيبتهم - كما
تقدم- بِخلاف المبتدعة والضُّلال والمخطئين من المصلحين والدعاة، فإن المنهج فِي حقهم كمـا هو منهج
السلف ودلَّت عليه النصوص هو الرد عليهم حَتَّى يحذر الناس خطأهم.
فيتلخص من هذا أن الفرق بين الدعاة المخطئين والحكام
المخطئين من وجهين:ا- أن الحكام - وإن كانوا فساقًا- فقد أُمرنا بِجمع الناس عليهم، بخلاف الدعاة المخطئين فإنا أُمرنا بالرد عليهم ليحذر الناس خطأهم.
2- أن السكوت عن أخطاء الدعاة الشرعية
يُصيِّرها دينًا عند الناس، لكونِهم يتكلمون باسم الدين ويصدقهم الناس، بخلاف أخطاء الحكام، أما الرد على الحكام بذكر مساويهم
دون حسناتِهم فيسبب مفاسد منع منها الشرع، ومنها بغض الناس للسلطان وافتياتُهم عليه.قال المنصوح: أرى بعض السلفيين عندهم غلظة وشدة، والتكلم أحياًنا فِي الآخرين بلا دليل.قال الناصح: أحسنت فِي قولك: "بعضهم" ولَمْ تُعمِّم.
والجواب من أوجه:1- عند نقد منهج من المناهج، فلابد أن يفرق بين أسس المنهج ورجالاته، والمعول فِي النقد أسسه لا رجالاته؛ لأن
الرجال يتغيرون ما بين حين وآخر، بل قد يسيئون ويحسنون بتأثيرات خارجية لا لذات
المنهج، وهذا تَمامًا مثل الذين ينقدون الإسلام بالنظر إلَى حال المسلمين، وهذا خطأ، بل أسس الإسلام شيء، وقيام المسلمين به شيء آخر.2- أنه كما يوجد فِي بعض السلفيين من يُخطئ ويتكلم فِي الآخرين بلا دليل، فكذلك يوجد كثيرون من
غيرهم إذا عُرِض عليهم الدليل القاطع البَيِّن تركوه، واتبعوا أهواءهم.بل وعند طوائف منهم
كما وقفتُ عليه بنفسي كلام فِي المخالفين بالظن، وبالنقل غير الموثَّق؛ فما أكثر
ما ينقلون كلامًا من غير استثبات.3- قد تظن أحيانًا أنه لا دليل عنده، فلو تثبتَّ واسترشدت منه، فكم مرة قيل: إنه لا دليل عند فلان، وبعد
التثبت وسؤاله اتضح أن عنده أدلة لا دليلاً واحدًا.4- أن الغلظة والشدة ليست مذمومة ولا مَحمودة على الإطلاق، بل خاضعة لقاعدة
المصالح والمفاسد، ومن جعلها المنهج السليم الصحيح مطلقًا فهو مُخطئ، كمن يلغيها مطلقًا فهو أيضًا مُخطئ.
وأؤكد على التفريق بين الأفراد وأسس المناهج.قال المنصوح: لماذا السلفيون ليس لَهم دور فِي إنكار المعاصي الشهوانية، والرد
على العلمانية والليبراليين؟ ولماذا ليس لَهم اهتمام بقضية المرأة؟قال الناصح: هذا كلام مُجمل يَحتاج إلَى تفصيل، أتريد أنَّهم لا ينكرون على طريقة الهمجيين من التجمهر على الولاة والعلماء والضغط
عليهم بالكثرة، وأنَّهم لا يذكرون معايب السلطان على
المنابر، فنعم هم ليسوا كذلك؛ لأن هذا ليس طريقًا
شرعيًّا، بل هي طريقة ووسيلة البغاة والخوارج.ونصيحة ولاة الأمر لَها صفة تقدم ذكرها، أم تريد أنَّهم لا ينكرون ألبتة
ولو بالطرق الشرعية، فهذا كذب وبُهتان لا يستطيع مدعيه إثباته، والله الموعد.أما الرد على
العلمانيين والليبراليين فموجود، وعلى سبيل المثال للشيخ ربيع أكثر من رد عليهم
كما فِي مكتبـة سحـاب السلفية، وراجـع مـوقع الإسلام العتيق (http://www.islamancient.com/) تَجد فيه للسلفيين أكثر من رد على الليبراليين.
أما قضية المرأة
فللشيخ ربيع - على سبيل المثال- أكثر من رد، وله كتاب خاص بالمرأة، انظره فِي موقع
مكتبة سحاب.قال المنصوح: لِمَاذا إذن تولَّد عندنا هذا الشعور؟
قال الناصح: أسباب كثيرة، منها:ا- أن هذه تُهمة ألصقها الحزبيون بِهم حَتَّى ينفروا الناس منهم، وقواها أنَّهم
لا يسلكون مسلك التشهير بعيوب ولي أمرهم تبعًا للنصوص الشرعية، وهدي سلف الأمة،
فاستغل هذا الحزبيون فِي تأييد ما يشيعون زورًا وبُهتانًا.2- أن اهتمام أهل السنة والجماعة السلفيين بإنكار المعاصي الشبهاتية -
البدع- أشد؛ لأنَّها أعظم جرمًا بإجماع أهل العلم.قال ابن تيمية: "أهل البدع شر من أهل المعاصي
الشهوانية بالسنة والإجماع". اهـ([68])، وهي لا تقف عند
حد، بل تتزايد.قال البربَهاري: "واحذر صغار الْمُحدثات من الأمور، فإن صغير البدع يعود حَتَّى يصير
كبيرًا" اهـ([69]).ويؤكد هذا: أن النفر الذين أنكر عليهم عبد الله بن مسعود كانوا يسبحون مائة، ويكبرون
مائة بالحصى أكثرهم تزايدت بِهم البدع حَتَّى طاعنوا الصحابة يوم النهروان -أي:
صاروا خوارج- كما رواه الدارمي.
لذا لسلفنا الصالح كلمات مسطورة، وفِي الكتب مزبورة فِي
التحذير من أهل البدع والإنكار عليهم، ومن ذلك:قال الإمام البربَهاري: وإذا رأيت الرجل من أهل السنة رديء الطريق والمذهب، فاسقًا فاجرًا صاحب معاصٍ ضالاًّ وهو على السنة؛ فاصحبه، واجلس معه، فإنه
ليس يضرك معصيته، وإذا رأيت الرجل مُجتهدًا فِي العبادة متقشفًا مُحترقًا بالعبادة صاحب هوًى، فلا تُجالسه، ولا تقعد معه، ولا تسمع كلامه، ولا تَمش معه فِي طريق، فإنِّي لا
آمن أن تستحلي طريقته؛ فتهلك معه.
ورأى يونس بن عبيد ابنه وقد خرج من عند صاحب هوًى فقال: "يا بُنَي، من أين جئت؟ قال: من عند فلان. قال يا بُنَي، لأن أراك خرجت من بيت خنثى، أحب إلَيَّ من أن أراك تخرج من بيت فلان وفلان؛
ولأن تلقى الله يا بُنَي زانيًا فاسقًا سارقًا خائنًا، أحب إلَيَّ من أن تلقاه بقول فلان وفلان". ألا ترى أن يونس
بن عبيد قد علم أن الخنثى لا يضل ابنه عن دينه، وأن صاحب البدعة يضله حَتَّى
يكفر؟!! اهـ([70]).وقال الإمام الشافعي - رحِمه الله-: "لأن يلقى الله العبدُ بكل ذنب ما خلا الشرك خير من أن يلقاه بشيء من
الهوى" اهـ([71]).
وقال الإمام أحمد - رحِمه الله-: "وقبور أهل السنة من أهل الكبائر روضة، وقبور أهل البدعة
من الزهاد حفرة، فساق أهل السنة أولياء الله، وزهاد أهل البدعة أعداء الله" اهـ([72]).وقال أرطاة بن المنذر: "لأن يكون ابنِي فاسقًا من الفساق أحب إلَيَّ من أن يكون صاحب هوى" اهـ([73]).وقال سعيد بن جبير: "لأن يصحب ابنِي فاسقًا شاطرًا سنيًّا أحب إلَيَّ من أن يصحب عابدًا مبتدعًا " اهـ([74]).
وقال ابن القيم: "بل ما أكثر من يتعبد الله بِما حرمه الله عليه، ويعتقد أنه طاعة وقربة، وحاله فِي ذلك شر من حال
من يعتقد ذلك معصية وإثْمًا، كأصحاب السماع الشعري الذين يتقربون به إلَى الله تعالَى، ويظنون أنَّهم من أولياء
الرحمن، وهم فِي الحقيقة من أولياء الشيطان " اهـ([75]).
فعلى هذا صار أهل السنة والجماعة السلفيون مهتمين أكثر بإنكار المعاصي
الشبهاتية مع عدم إغفال المعاصي الشهوانية، أما غيرهم فغرر بِهم الشيطان، فلا
ينكرون المعاصي الشبهاتية -البدع- إلا قليلاً وفِي بدع مَحصورة، فوقعوا فِي فخ الشيطان وحبائله مع تقديْم المفضول على الفاضل، بل والأشد والأطم أنَّهم يدافعون
عن رءوس تلطخوا بعدة بدع كحسن البنا وسيد قطب.قال المنصوح: سبحان الله!! ما أروع المنهج
السلفي وأشمله!!قال الناصح: ألست ترى يا أخي
تَميع رءوس الحزبيين الآن مع الليبراليين ومن يسمونَهم بالعلمانيين، فهذا أحدهم
يُخرج مَجلة - وهي مجلة الجسور- ويصدر عددها الأول بلقاء مع أحد كبار الليبراليين،
وهذا ثانٍ يَخرج فِي قناة فضائية فيشيد بأكثر من واحد كانوا يسمونَهم بالعلمانيين
كما تجد ذلك موثقًا فِي كتاب "قيادات الصحوة التغير والتلون... حقائق
وأخطار"، ومُحاضرة "وانكشف القناع" و"التناقضات" كما فِي
موقع الإسلام العتيق.
قال المنصوح: صدقت، نسأل الله
الثبات، أخي إني أسمع من يقول: بأن الجامية
مرجئة.قال الناصح: هل يا أخي تعرف معنَى مرجئة؟ وهل تتكرم بذكر معتقدهم؟قال المنصوح: الحق أنَّي لا أعرف معتقدهم.قال الناصح: هكذا يُلبِّسون كعادتِهم بِما لا يفهمه أكثر السامعين، وإلا فالمرجئة هم الذين لا يُدخلون أعمال الجوارح فِي الإيْمان، ولا يُكفِّرون بالأعمال.وعلماؤنا الأجلاء كابن باز، وابن عثيمين، والألبانِي، ومُحمَّد أمان، وربيع
بن هادي، وغيرهم مُجمعون على أن الإيْمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص
بالمعصية، وأن الكفر يكون بالعمل كالسجود للصنم، والقول كَسَبِّ الدين، والاعتقاد: كاعتقاد أن الله ثالث ثلاثة، وانظر للفائدة كتاب:
"الإمام الألبانِي وموقفه من الإرجاء".قال المنصوح: أرى كثيرًا من
السلفيين يتناقلون أشرطة قد جمعوا فيها كلمات العلماء المتفرقة كفتاوى العلماء فِي
الجهاد، والأناشيد، والتمثيل، والجماعات، وفِي ظنِّي أنه لا يصح الاعتماد عليها لأنَّها
كلمات مقطعة.
قال الناصح: إن إجلال السلفيين
لعلمائهم الكبار كالإمام ابن باز وابن عثيمين والألباني والفوزان وآل الشيخ دعاهم إلَى
تقريب كلامهم المتفرق لعامة الناس؛ لإقناع العامة بِمَن أمر الله بالرجوع إليهم فِي
قوله: ﴿فاسألوا أهل
الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾. وهذا تَمامًا كمن يؤلف كتابًا وينقل
كلمات أهل العلم المتفرقة، ويكتفي بأخذ الشاهد منها، فإنه لا أحد يعيب عليه، بل
يحمد، وهذه هي طريقة أهل العلم فِي التصنيف، وهو ما يفعله الحزبيون إذا ألفوا، فما
لَهم يقنعون بِهذا فِي المكتوب ولا يقنعون
به فِي المسموع مع أن المسموع قد يكون أوثق من وجه وذلك أنه صوته.
قال المنصوح: لكن يقال: إنَّهم فِي تقطيعهم لكلام العلماء يحرفونه ويغيرونه؟قال الناصح: على من ادعى هذا
الإثبات، فدونَهم الأشرطة الَّتِي جمعها السلفيون، أين إثباتُهم لتحريف كلام
العلماء لو كانوا يستطيعون؟ قد سمعت كثيرين يرددون هذه الدعوى المفتراة، فلما
طالبتهم بالإثبات ما استطاعوا، بل إن بعضهم طلب مهلة أسبوع، فلما ذهب شهران أو
أكثر؛ أقر بأنه لَمْ يَجد الإثبات على دعواه، فعلم أن غيره غرر به كما غرروا
بكثيرين.
فعلى هذا؛ هذه
الأشرطة الجامعة لِما تفرق من كلام العلماء المسموع المتفرق لَها حالتان:أ- جمع يلزم منه
تغيير معنَى كلام العالِم، وهذا ما لا يَجوز فعله، وهو ما نُسب إلَى السلفيين ولَمْ
يستطع أحد إثباته.ب- وجمع لا يغير
المعنَى، بل فيه جمع للشاهد من كلام العلماء، وهذا جائز كالمؤلفات المكتوبة
تَمامًاقال المنصوح: لماذا تسمون أنفسكم
بالسلفية، ولا تكتفون باسم المسلمين؟ وبعد قناعتِي بضلال
رءوس الحزبيين وقاداتِهم، هل أستطيع أن أُبدِّعهم؟
قال الناصح: قد بَيَّن رسول الله e أن الأمة ستفترق على ثلاث
وسبعين فرقة كلها فِي النار إلا واحدة، وكل هذه الثنتين والسبعين فرقة الضالة
منتسبون للإسلام، فلو انتسب أهل الحق لاسم الإسلام؛ لَمَا تَميز أهل الحق من غيرهم، وهذا غير مَحمود فِي الشريعة
من أوجه:1- أن الله سبحانه يحب التمايز بين الحق والباطل، كما قال سبحانه: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال:37].2- أن مريد الحق لا يهتدي إليه لأنه اختلط
عليه بالباطل، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.3- أنه إذا لَمْ يحصل التمايز بين الحق
والباطل لَمْ يُتمكن من دعوة الناس
إلَى الالتحاق بأهل الحق دون غيرهم، ولا الثناء على أهل الحق، ولا يُتمكن من التحذير من أهل الباطل.4- أن سلفنا الصالح ميَّزوا أنفسهم عن باقي الطوائف
البدعية باسم الجماعة وأهل الأثر وهكذا ...
والخير كل الخير فِي اتباع من سلف
والشركل الشر فِي ابتداع من خلف |
فاصدع بِما قـال الرسول ولا تَخف
من قلـة الأنصـار والأعوان |
([1]) الدرر السنية، ط5 (9/119).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق