وقال أيضا: (للعباس عمه) هو العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف (وقد اشتكى إليه) أي: أخبره بما يكره (أن بعض قريش يجفو) الجفاء ترك البر والصلة (فقال) أي: النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده) هذا قسم منه صلى الله عليه وسلم (لا يؤمنون) أي: الإيمان الكامل الواجب (حتى يحبوكم لله ولقرابتي) أي لأمرين: الأول: التقرب إلى الله بذلك لأنهم من أوليائه.
الثاني: لكونهم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ذلك إرضاء له وإكرام له (وقال) النبي صلى الله عليه وسلم مبينا فضل بني هاشم الذين هم قرابته:. ( إن الله اصطفى) أي: اختار والصفوة: إلخيار (بني إسماعيل) بن إبراهيم إلخليل عليهما السلام (واصطفى من بني إسماعيل كنانة) اسم قبيلة أبوهم كنانة بن خزيمة (واصطفى من كنانة قريشا) وهم أولاد مضر بن كنانة (واصطفى من قريش بني هاشم) وهم بنو هاشم بن عبد مناف (واصطفاني من بني هاشم) فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
والشاهد من الحديث: أن فيه دليلا على فضل العرب، وأن قريشا أفضل العرب وأن بني هاشم أفضل قريش، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل بني هاشم فهو أفضل الخلق نفسا وأفضلهم نسبا وفيه فضل بني هاشم الذين هم قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم.
مكانة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل السنة والجماعة
ويتولون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين. ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة خصوصا خديجة رضي الله عنها أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره وكان لها منه المنزلة العالية. والصديقة بنت الصديق رضي الله عنها التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) [رواه البخاري (3770) ومسلم (2446) عن أنس].
الشرح:
ذكر الشيخ رحمه الله تعالى في هذه الجملة عقيدة أهل السنة والجماعة في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ويتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي: يحبونهم ويوقرونهم لأنهن (أمهات المؤمنين) في الاحترام والتوقير وتحريم نكاحهن على الأمة أما بقية الأحكام فحكمهن حكم الأجنبيات من حيث تحريم إلخلوة بهن والنظر إليهن قال تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم } الآية (6) الأحزاب وقال تعالى: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما} الآية (53 ) الأحزاب، وقال تعالى: {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} الآية (53) الأحزاب، فهن أمهات المؤمنين في الاحترام والتحريم لا في المحرمية.
وقد توفي صلى الله عليه وسلم عن تسع وهن: (عائشة وحفصة وزينب بنت جحش وأم سلمة وصفية وميمونة وأم حبيبة وسودة وجويرية) وأما خديجة فقد تزوجها قبل النبوة ولم يتزوج عليها حتى ماتت وتزوج صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة الهلالية ولم تلبث إلا يسيرا ثم توفيت هؤلاء جملة من دخل بهن من النساء، وهن إحدى عشرة رضي الله عنهن (ويؤمنون) أي:.. أهل السنة والجماعة (بأنهن أزواجه في الآخرة) وفي هذا شرف لهن وفضيلة جليلة (خصوصا خديجة رضي الله عنها) فلها من المزايا والفضائل الشيء الكثير وقد ذكر الشيخ منها:
1 أنها أم أكثر أولاده، فكل أولاده منها ما عدا إبراهيم فمن مارية القبطية.
2 أنها أول من آمن به، مطلقا على قول، وهو الذي ذكر الشيخ هنا، أو هي أول من آمن به من النساء على القول الآخر.
3 هي أول من عاضده وأعانه في أول أمره وكانت نصرتها له في أعظم أوقات الحاجة.
4 أنها كان لها منه صلى الله عليه وسلم المنزلة العالية فكان يحبها ويذكرها كثيرا ويثني عليها.
(والصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما) يعني: عائشة بنت أبي بكر، والصديق: هو المبالغ في الصدق، وقد لقب النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بذلك ولعائشة رضي الله عنها فضائل كثيرة منها:... أنها أحب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إليه وأنه لم يتزوج بكرا غيرها وأنه صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي في لحافها وأن الله برأها مما رماها به أهل الإفك، وأنها أفقه نسائه وكان أكابر الصحابة إذا أشكل عليهم الأمر استفتوها. وأن الرسول صلى الله عليه وسلم توفى في بيتها، بين سحرها ونحرها ودفن في بيتها إلى غير ذلك من فضائلها.
وقد ذكر الشيخ من فضائلها هنا: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيها: فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) والثريد: هو أفضل الأطعمة لأنه: ( خبز ولحم) وإلخبز من البر وهو أفضل الأقوات، واللحم أفضل الإدام، فإذا كان اللحم سيد الإدام والبر سيد القوت ومجموعها الثريد كان الثريد أفضل الطعام.
تبرؤ أهل السنة والجماعة مما يقوله المبتدعة في حق الصحابة وأهل البيت
ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، ومن طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل ويمسكون عما شجر بين الصحابة ويقولون:.. إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغيره عن وجهه. والصحيح منه هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون. وهم مع ذلك يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره. بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة. ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر. حتى أنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم. لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم. وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم خير القرون. وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبا ممن بعدهم. ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه. أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته. أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه. فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطأوا فلهم أجر واحد والخطأ مغفور؟ ثم القدر الذي ينكر من فعلهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح. ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما من الله عليهم به من الفضائل علم يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله.
الشرح:
بين الشيخ رحمه الله في هذا:
أولا: موقف أهل السنة والجماعة من الصحابة وأهل البيت وأنه موقف الاعتدال والوسط بين الإفراط والتفريط والغلو والجفاء، يتولون جميع المؤمنين لا سيما السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ويتولون أهل البيت يعرفون قدر الصحابة وفضلهم ومناقبهم ويرعون حقوق أهل البيت التي شرعها الله لهم.
(ويتبرؤون من طريقة الروافض) الذين يسبون الصحابة ويطعنون فيهم. ويغلون في حق علي بن أبي طالب وأهل البيت. (ومن طريقة النواصب) الذين ينصبون العدواة لأهل البيت ويكفرونهم ويطعنون فيهم، وقد سبق بيان مذهب أهل السنة والجماعة في الصحابة وأهل البيت، ولكن الغرض من ذكره هنا مقارنته بالمذاهب المنحرفة المخالفة له.
ثانيا: بين الشيخ رحمه الله موقف أهل السنة والجماعة من الاختلاف الذي وقع بين الصحابة في وقت الفتنة والحروب التي حصلت بينهم وموقفهم مما ينسب إلى الصحابة من مساوئ ومثالب اتخذها أعداء الله سببا للوقيعة فيهم والنيل منهم، كما حصل من بعض المتأخرين والكتاب العصريين الذين جعلوا أنفسهم حكما بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصوبوا وخطؤوا بلا دليل، بل باتباع الهوى وتقليد المغرضين الذين يحاولون الدس على المسلمين بتشكيكهم بتاريخهم المجيد وسلفهم الصالح الذين هم خير القرون، لينفذوا من ذلك إلى الطعن في الإسلام وتفريق كلمة المسلمين.
وما أحسن ما ذكره الشيخ هنا من تجلية الحق وإيضاح الحقيقة فقد ذكر أن موقف أهل السنة مما نسب إلى الصحابة وما شجر بينهم، أي: تنازعوا فيه يتلخص في أمرين:
الأمر الأول: أنهم (يمسكون عما شجر بين الصحابة) أي: يكفون عن البحث فيه ولا يخوضون فيها لما في إلخوض في ذلك من توليد الإحن والحقد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك من أعظم الذنوب، فطريق السلامة هو السكوت عن ذلك وعدم التحدث به.
الأمر الثاني: الاعتذار عن الآثار المروية في مساويهم لأن في ذلك دفاعا عنهم وردا لكيد أعدائهم، وقد ذكر أن جملة الاعتذارات تتلخص فيما يلي:
1 (هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب) قد افتراه أعداؤهم ليشوهوا سمعتهم كما تفعله الرافضة قبحهم الله. والكذب لا يلتفت إليه.
2 هذه المساوئ المروية (منها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه الصحيح) ودخله الكذب فهو محرف لا يعتمد عليه. لأن فضل الصحابة معلوم وعدالتهم متيقنة، فلا يترك المعلوم المتيقن لأمر محرف مشكوك فيه.
3 (والصحيح منه) أي: من هذه الآثار المروية (هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون) فهو من موارد الاجتهاد التي إن أصاب المجتهد فيها فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد . لما في الصحيحين عن أبي هريرة وعمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد) [رواه البخاري (7352) ومسلم (1716) عن عمرو بن العاص].
4 أنهم بشر يجوز على أفرادهم ما يجوز على البشر من الخطأ فأهل السنة: (لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة) لكن ما يقع منهم من ذلك فله مكفرات عديدة منها:
أ أن (لهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر) فما يقع من أحدهم يغتفر بجانب ماله من الحسنات العظيمة، كما في قصة حاطب لما وقع منه ما وقع في غزوة الفتح غفر له بشهوده وقعة بدر (حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم) وقد قال الله تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} [الآية ( 114) من سورة هود].
ب أنهم تضاعف لهم الحسنات أكثر من غيرهم ولا يساويهم أحد في الفضل، (وقد ثبت بقول رسول الله أنهم خير القرون [رواه البخاري (3651) ومسلم (2513) عن ابن مسعود ] وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبا ممن بعدهم [تقدم تخريجه] أخرجه الشيخان وغيرهما أحاديث عن أبي هريرة وابن مسعود وعمران بن حصين: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خير القرون قرني ثم الذين يلونهم) الحديث والقرون: جمع قرن والقرن: أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، ويطلق القرن على المدة من الزمان.
ج كثرة مكفرات الذنوب لديهم فإنهم يتوفر لهم من المكفرات ما لم يتوفر لغيرهم (فإذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته) أي: الأعمال الصالحة التي أسبقها قبله (أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه) أي: امتحن وأصيب بمصيبة محي عنه ذلك الذنب بسببها كما في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما يصيب المؤمن من وصف ولا نصب ولا غم ولا هم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) متفق عليه [رواه البخاري ( 5641) ومسلم (2573) عن أبي هريرة وأبي سعيد. والصحابة أولى الناس بذلك].
قال: (فإذا كان هذا في الذنوب المحققة) أي: الواقعة منهم فعلا وأن لديهم رصيدا من الأعمال الصالحة التي تكفرها (فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين) الاجتهاد: هو بذل الطاقة في معرفة الحكم الشرعي (إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور، كما سبق بيان دليل ذلك قريبا، وإذا فما يصدر من الصحابي من خطأ على قلته هو بين أمرين: الأول: أن يكون صدر عن اجتهاد، وعنده من الأعمال والفضائل والسوابق الخيرة ما يكفره ويمحوه.
وقوله: (ثم القدر الذي نكر من فعل بعضهم) إلخ، هو كالتلخيص لما سبق وبيان فضائل الصحابة إجمالا وهي:
1 الإيمان بالله ورسوله وهو أفضل الأعمال.
2 الجهاد في سبيل الله وهي من أفضل الأعمال.
3 الهجرة في سبيل الله وهي من أفضل الأعمال.
4 النصرة لدين الله، قال تعالى فيهم: {وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون} [الآية (80) من سورة الحشر].
5 العلم النافع والعمل الصالح.
6 أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، فأمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم كما قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [الآية (110) من سورة آل عمران ] وخير هذه الأمة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم: (خيركم قرني ثم الذين يلونهم) الحديث.
7 أنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله، كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله سبحانه) رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم في مستدركه [رواه الترمذي (4087) وابن ماجه (4287) والحاكم (4/84) وأحمد (2/391 ) والطبراني (1012) وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم].
مذهب أهل السنة والجماعة في كرامات الأولياء
ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات. والمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر فرق الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة .
الشرح:
قوله: (ومن أصول أهل السنة) أي: من أصول عقيدتهم (التصديق بكرامات الأولياء) الكرامات: جمع كرامة وهي (ما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات) فالكرامة: أمر خارق للعادة أي: لمألوف الآدميين والأولياء جمع ولي، وهو المؤمن المتقي كما قال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون } [الآيتان (62، 63) من سورة يونس] سمي وليا اشتقاقا من الولاء وهو المحبة والقرب، فولي الله: من والى الله بموافقته في محبوباته والتقرب إليه بمرضاته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق