الجمعة، 8 مايو 2015

وقال أيضا: (للعباس عمه) هو العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف (وقد اشتكى إليه) أي: أخبره بما يكره (أن بعض قريش يجفو) الجفاء ترك البر والصلة (فقال) أي: النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده) هذا قسم منه صلى الله عليه وسلم (لا يؤمنون) أي: الإيمان الكامل الواجب (حتى يحبوكم لله ولقرابتي) أي لأمرين: الأول: التقرب إلى الله بذلك لأنهم من أوليائه.


الثاني: لكونهم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ذلك إرضاء له وإكرام له (وقال) النبي صلى الله عليه وسلم مبينا فضل بني هاشم الذين هم قرابته:. ( إن الله اصطفى) أي: اختار والصفوة: إلخيار (بني إسماعيل) بن إبراهيم إلخليل عليهما السلام (واصطفى من بني إسماعيل كنانة) اسم قبيلة أبوهم كنانة بن خزيمة (واصطفى من كنانة قريشا) وهم أولاد مضر بن كنانة (واصطفى من قريش بني هاشم) وهم بنو هاشم بن عبد مناف (واصطفاني من بني هاشم) فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.


والشاهد من الحديث: أن فيه دليلا على فضل العرب، وأن قريشا أفضل العرب وأن بني هاشم أفضل قريش، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل بني هاشم فهو أفضل الخلق نفسا وأفضلهم نسبا وفيه فضل بني هاشم الذين هم قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم.




 مكانة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل السنة والجماعة


ويتولون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين. ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة خصوصا خديجة رضي الله عنها أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره وكان لها منه المنزلة العالية. والصديقة بنت الصديق رضي الله عنها التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) [رواه البخاري (3770) ومسلم (2446) عن أنس].




الشرح:


ذكر الشيخ رحمه الله تعالى في هذه الجملة عقيدة أهل السنة والجماعة في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ويتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي: يحبونهم ويوقرونهم لأنهن (أمهات المؤمنين) في الاحترام والتوقير وتحريم نكاحهن على الأمة أما بقية الأحكام فحكمهن حكم الأجنبيات من حيث تحريم إلخلوة بهن والنظر إليهن قال تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم } الآية (6) الأحزاب وقال تعالى: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما} الآية (53 ) الأحزاب، وقال تعالى: {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} الآية (53) الأحزاب، فهن أمهات المؤمنين في الاحترام والتحريم لا في المحرمية.


وقد توفي صلى الله عليه وسلم عن تسع وهن: (عائشة وحفصة وزينب بنت جحش وأم سلمة وصفية وميمونة وأم حبيبة وسودة وجويرية) وأما خديجة فقد تزوجها قبل النبوة ولم يتزوج عليها حتى ماتت وتزوج صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة الهلالية ولم تلبث إلا يسيرا ثم توفيت هؤلاء جملة من دخل بهن من النساء، وهن إحدى عشرة رضي الله عنهن (ويؤمنون) أي:.. أهل السنة والجماعة (بأنهن أزواجه في الآخرة) وفي هذا شرف لهن وفضيلة جليلة (خصوصا خديجة رضي الله عنها) فلها من المزايا والفضائل الشيء الكثير وقد ذكر الشيخ منها:


1 أنها أم أكثر أولاده، فكل أولاده منها ما عدا إبراهيم فمن مارية القبطية.


2 أنها أول من آمن به، مطلقا على قول، وهو الذي ذكر الشيخ هنا، أو هي أول من آمن به من النساء على القول الآخر.


3 هي أول من عاضده وأعانه في أول أمره وكانت نصرتها له في أعظم أوقات الحاجة.


4 أنها كان لها منه صلى الله عليه وسلم المنزلة العالية فكان يحبها ويذكرها كثيرا ويثني عليها.


(والصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما) يعني: عائشة بنت أبي بكر، والصديق: هو المبالغ في الصدق، وقد لقب النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بذلك ولعائشة رضي الله عنها فضائل كثيرة منها:... أنها أحب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إليه وأنه لم يتزوج بكرا غيرها وأنه صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي في لحافها وأن الله برأها مما رماها به أهل الإفك، وأنها أفقه نسائه وكان أكابر الصحابة إذا أشكل عليهم الأمر استفتوها. وأن الرسول صلى الله عليه وسلم توفى في بيتها، بين سحرها ونحرها ودفن في بيتها إلى غير ذلك من فضائلها.


وقد ذكر الشيخ من فضائلها هنا: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيها: فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) والثريد: هو أفضل الأطعمة لأنه: ( خبز ولحم) وإلخبز من البر وهو أفضل الأقوات، واللحم أفضل الإدام، فإذا كان اللحم سيد الإدام والبر سيد القوت ومجموعها الثريد كان الثريد أفضل الطعام.




 تبرؤ أهل السنة والجماعة مما يقوله المبتدعة في حق الصحابة وأهل البيت


ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، ومن طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل ويمسكون عما شجر بين الصحابة ويقولون:.. إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغيره عن وجهه. والصحيح منه هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون. وهم مع ذلك يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره. بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة. ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر. حتى أنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم. لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم. وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم خير القرون. وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبا ممن بعدهم. ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه. أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته. أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه. فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطأوا فلهم أجر واحد والخطأ مغفور؟ ثم القدر الذي ينكر من فعلهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح. ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما من الله عليهم به من الفضائل علم يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله.




الشرح:


بين الشيخ رحمه الله في هذا:


أولا: موقف أهل السنة والجماعة من الصحابة وأهل البيت وأنه موقف الاعتدال والوسط بين الإفراط والتفريط والغلو والجفاء، يتولون جميع المؤمنين لا سيما السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ويتولون أهل البيت يعرفون قدر الصحابة وفضلهم ومناقبهم ويرعون حقوق أهل البيت التي شرعها الله لهم.


(ويتبرؤون من طريقة الروافض) الذين يسبون الصحابة ويطعنون فيهم. ويغلون في حق علي بن أبي طالب وأهل البيت. (ومن طريقة النواصب) الذين ينصبون العدواة لأهل البيت ويكفرونهم ويطعنون فيهم، وقد سبق بيان مذهب أهل السنة والجماعة في الصحابة وأهل البيت، ولكن الغرض من ذكره هنا مقارنته بالمذاهب المنحرفة المخالفة له.


ثانيا: بين الشيخ رحمه الله موقف أهل السنة والجماعة من الاختلاف الذي وقع بين الصحابة في وقت الفتنة والحروب التي حصلت بينهم وموقفهم مما ينسب إلى الصحابة من مساوئ ومثالب اتخذها أعداء الله سببا للوقيعة فيهم والنيل منهم، كما حصل من بعض المتأخرين والكتاب العصريين الذين جعلوا أنفسهم حكما بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصوبوا وخطؤوا بلا دليل، بل باتباع الهوى وتقليد المغرضين الذين يحاولون الدس على المسلمين بتشكيكهم بتاريخهم المجيد وسلفهم الصالح الذين هم خير القرون، لينفذوا من ذلك إلى الطعن في الإسلام وتفريق كلمة المسلمين.


وما أحسن ما ذكره الشيخ هنا من تجلية الحق وإيضاح الحقيقة فقد ذكر أن موقف أهل السنة مما نسب إلى الصحابة وما شجر بينهم، أي: تنازعوا فيه يتلخص في أمرين:


الأمر الأول: أنهم (يمسكون عما شجر بين الصحابة) أي: يكفون عن البحث فيه ولا يخوضون فيها لما في إلخوض في ذلك من توليد الإحن والحقد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك من أعظم الذنوب، فطريق السلامة هو السكوت عن ذلك وعدم التحدث به.


الأمر الثاني: الاعتذار عن الآثار المروية في مساويهم لأن في ذلك دفاعا عنهم وردا لكيد أعدائهم، وقد ذكر أن جملة الاعتذارات تتلخص فيما يلي:


1 (هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب) قد افتراه أعداؤهم ليشوهوا سمعتهم كما تفعله الرافضة قبحهم الله. والكذب لا يلتفت إليه.


2 هذه المساوئ المروية (منها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه الصحيح) ودخله الكذب فهو محرف لا يعتمد عليه. لأن فضل الصحابة معلوم وعدالتهم متيقنة، فلا يترك المعلوم المتيقن لأمر محرف مشكوك فيه.


3 (والصحيح منه) أي: من هذه الآثار المروية (هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون) فهو من موارد الاجتهاد التي إن أصاب المجتهد فيها فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد . لما في الصحيحين عن أبي هريرة وعمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد) [رواه البخاري (7352) ومسلم (1716) عن عمرو بن العاص].


4 أنهم بشر يجوز على أفرادهم ما يجوز على البشر من الخطأ فأهل السنة: (لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة) لكن ما يقع منهم من ذلك فله مكفرات عديدة منها:


أ أن (لهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر) فما يقع من أحدهم يغتفر بجانب ماله من الحسنات العظيمة، كما في قصة حاطب لما وقع منه ما وقع في غزوة الفتح غفر له بشهوده وقعة بدر (حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم) وقد قال الله تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} [الآية ( 114) من سورة هود].


ب أنهم تضاعف لهم الحسنات أكثر من غيرهم ولا يساويهم أحد في الفضل، (وقد ثبت بقول رسول الله أنهم خير القرون [رواه البخاري (3651) ومسلم (2513) عن ابن مسعود ] وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبا ممن بعدهم [تقدم تخريجه] أخرجه الشيخان وغيرهما أحاديث عن أبي هريرة وابن مسعود وعمران بن حصين: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خير القرون قرني ثم الذين يلونهم) الحديث والقرون: جمع قرن والقرن: أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، ويطلق القرن على المدة من الزمان.


ج كثرة مكفرات الذنوب لديهم فإنهم يتوفر لهم من المكفرات ما لم يتوفر لغيرهم (فإذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته) أي: الأعمال الصالحة التي أسبقها قبله (أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه) أي: امتحن وأصيب بمصيبة محي عنه ذلك الذنب بسببها كما في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما يصيب المؤمن من وصف ولا نصب ولا غم ولا هم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) متفق عليه [رواه البخاري ( 5641) ومسلم (2573) عن أبي هريرة وأبي سعيد. والصحابة أولى الناس بذلك].


قال: (فإذا كان هذا في الذنوب المحققة) أي: الواقعة منهم فعلا وأن لديهم رصيدا من الأعمال الصالحة التي تكفرها (فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين) الاجتهاد: هو بذل الطاقة في معرفة الحكم الشرعي (إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور، كما سبق بيان دليل ذلك قريبا، وإذا فما يصدر من الصحابي من خطأ على قلته هو بين أمرين: الأول: أن يكون صدر عن اجتهاد، وعنده من الأعمال والفضائل والسوابق الخيرة ما يكفره ويمحوه.


وقوله: (ثم القدر الذي نكر من فعل بعضهم) إلخ، هو كالتلخيص لما سبق وبيان فضائل الصحابة إجمالا وهي:


1 الإيمان بالله ورسوله وهو أفضل الأعمال.


2 الجهاد في سبيل الله وهي من أفضل الأعمال.


3 الهجرة في سبيل الله وهي من أفضل الأعمال.


4 النصرة لدين الله، قال تعالى فيهم: {وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون} [الآية (80) من سورة الحشر].


5 العلم النافع والعمل الصالح.


6 أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، فأمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم كما قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [الآية (110) من سورة آل عمران ] وخير هذه الأمة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم: (خيركم قرني ثم الذين يلونهم) الحديث.


7 أنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله، كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله سبحانه) رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم في مستدركه [رواه الترمذي (4087) وابن ماجه (4287) والحاكم (4/84) وأحمد (2/391 ) والطبراني (1012) وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم].




 مذهب أهل السنة والجماعة في كرامات الأولياء


ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات. والمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر فرق الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة .




الشرح:


قوله: (ومن أصول أهل السنة) أي: من أصول عقيدتهم (التصديق بكرامات الأولياء) الكرامات: جمع كرامة وهي (ما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات) فالكرامة: أمر خارق للعادة أي: لمألوف الآدميين والأولياء جمع ولي، وهو المؤمن المتقي كما قال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون } [الآيتان (62، 63) من سورة يونس] سمي وليا اشتقاقا من الولاء وهو المحبة والقرب، فولي الله: من والى الله بموافقته في محبوباته والتقرب إليه بمرضاته.


وكرامات الأولياء حق، وقد دل عليها الكتاب والسنة والآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين والناس في كرامات الأولياء على ثلاثة أصناف:
  الصنف الأول: من ينفيها من المبتدعة كالمعتزلة والجهمية وبعض الأشاعرة، وشبهتهم: أن الخوارق لو جاز ظهورها على أيدي الأولياء لالتبس النبي بغيره، إذ الفرق بين النبي وغيره هو المعجزة التي هي خرق العادة.
  الصنف الثاني: من يغلو في إثبات الكرامة من أصحاب الطرق الصوفية والقبوريين الذين يدجلون على الناس ويأتون بخوارق شيطانية، كدخول النار وضرب أنفسهم بالسلاح وإمساك الثعابين، وغير ذلك مما يدعونه لأصحاب القبور من التصرفات التي يسمونه كرامات.
  الصنف الثالث: الذين ذكرهم الشيخ هنا وهم أهل السنة والجماعة فيؤمنون بكرامات الأولياء ويثبتونها على مقتضى ما جاء في الكتاب والسنة ويردون على من نفاها بحجة منع الاشتباه بين النبي وغيره: بأن هناك فوارق عظيمة بين الأنبياء وغيرهم غير خوارق العادات وأن الولي لا يدعي النبوة ولو ادعاها لخرج عن الولاية وصار مدعيا كذابا لا وليا، ومن سنة الله أن يفضح الكاذب، كما حصل لمسيلمة الكذاب وغيره. ويردون على من غلا في إثباتها فادعاها للمشعوذين والدجالين، بأن هؤلاء ليسوا أولياء الله، وإنما هم أولياء للشيطان وما يجري عليهم إما كذب وتدجيل، أو فتنة لهم ولغيرهم واستدراج، والله أعلم ولشيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الموضوع كتاب جليل اسمه: (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان).
  وفي قوله: (في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات) إشارة إلى أن الكرامة منها ما يكون من باب العلم والكشف بأن يسمع العبد ما لا يسمعه غيره أو يرى ما لا يراه غيره يقظة أو مناما أو يعلم ما لا يعلمه غيره ومنها ما هو من باب القدرة والتأثير..
  مثال النوع الأول: قول عمر: يا سارية الجبل وهو بالمدينة، وسارية في المشرق (7) وإخبار أبي بكر بأن ببطن زوجته أنثى (8) وإخبار عمر بمن يخرج من ولده فيكون عادلا وقصة صاحب موسى وعلمه بحال الغلام.
  ومثال النوع الثاني: قصة الذي علم من الكتاب وإتيانه بعرش بلقيس إلى سليمان عليه السلام وقصة أهل الكهف وقصة مريم وقصة خالد بن الوليد لما شرب السم ولم يحصل له منه ضرر (9).
  وقوله: (والمأثور عن سالم الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر فرق الأمة) يشير بذلك إلى الكرامات التي وقعت وذكرت في القرآن الكريم وغيره من النقول الصحيحة، فمما ذكره الله في القرآن الكريم عن سالم الأمم مما ذكره الله عن حمل مريم بلا زوج، وما ذكر في سورة الكهف من قصة أصحاب الكهف وقصة صاحب موسى وقصة ذي القرنين.
  وكالمأثور، أي: المنقول بالسند الصحيح عن (صدر هذه الأمة) أي: أولها من الصحابة والتابعين كرؤية عمر لجيش سارية وهو على منبر المدينة وجيش سارية بنهاوند بالمشرق وندائه له : يا سارية الجبل، فسمعه سارية وانتفع بهذا التوجيه وسلم من كيد العدو وقوله: (وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة) أي: لا تزال الكرامات موجودة في هذه الأمة إلى يوم القيامة ما وجدت فيهم الولاية بشروطها والله أعلم.
     فصل في صفات أهل السنة والجماعة ولم سموا بذلك
  ثم من طريقة أهل السنة والجماعة إتباع آثار رسول الله صلى الله عليه سلم باطنا وظاهرا واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. واتباع وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) [رواه أحمد (4/126 ) وأبو داود (4607) والترمذي (2676) وابن ماجه (42) عن العرباض وصححه جماهير علماء الأمة]. ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
  ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس ويقدمون هدي محمد صلى الله عليه وسلم على هدي كل أحد، ولهذا سموا أهل الكتاب والسنة، وسموا أهل الجماعة لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة. وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسما لنفس القوم المجتمعين. والإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين. وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين. والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة.
    الشرح:
  لما ذكر الشيخ طريقة أهل السنة في مسائل العقيدة ذكر في هذا الفصل والذي بعده طريقتهم في عموم الدين أصوله وفروعه وأوصافهم التي تميزوا بها عن أهل البدع والمخالفات فمن صفاتهم:
  1 (اتباع آثار النبي صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا) أي: سلوك طريقه والسير على منهاجه (باطنا وظاهرا) بخلاف المنافقين الذين يتبعونه في الظاهر دون الباطن . وآثار الرسول صلى الله عليه وسلم سنته، وهي ما روي عنه وأثر عنه من قول أو فعل أو تقرير. لا آثاره الحسية كمواضع جلوسه ونومه ونحو ذلك لأن تتبع ذلك سبب للوقوع في الشرك. كما حصل في الأمم السابقة .
  2 ومن صفات أهل السنة (اتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار) لما خصهم الله به من العلم والفقه فقد شاهدوا التنزيل وسمعوا التأويل وتلقوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم بدون واسطة فهم أقرب إلى الصواب وأحق بالاتباع بعد الرسول صلى الله عليه وسلم. فاتباعهم يأتي بالدرجة الثانية بعد اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم. فأقوال الصحابة حجة يجب اتباعها إذا لم يوجد نص عن النبي صلى الله عليه وسلم. لأن طريقهم أسلم وأعلم وأحكم، لا كما يقول بعض المتأخرين: إن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم فيتبعون طريقة الخلف ويتركون طريقة السلف
  3 ومن صفات أهل السنة اتباع وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة). رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: حسن صحيح .
  وغرض الشيخ أن يبين أن أهل السنة والجماعة يتبعون طريقة الخلفاء الراشدين على الخصوص بعد اتباعهم لطريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار على وجه العموم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى باتباع طريقة الخلفاء الراشدين وصية خاصة في هذا الحديث، ففيه قرن سنة الخلفاء الراشدين بسنته عليه الصلاة والسلام، فدل على أن ما سنه الخلفاء الراشدون أو أحدهم لا يجوز العدول عنه.
  (والخلفاء الراشدون) هم الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ووصفوا بالراشدين لأنهم عرفوا الحق واتبعوه، فالراشد هو من عرف الحق وعمل به، وضده الغاوي، وهو من عرف الحق ولم يعمل به.
  وقوله: (المهديين) أي: الذين هداهم الله إلى الحق (تمسكوا بها) أي: الزموها (وعضوا عليها بالنواجذ) كناية عن شدة التمسك بها، والنواجذ: آخر الأضراس و (محدثات الأمور) هي البدع (فإن كل بدعة ضلالة) . والبدعة لغة: ما ليس له مثال سابق وشرعا:.. ما لم يدل عليه دليل شرعي فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين، ولم يكن له دليل هو بدعة وضلالة سواء في العقيدة أو في الأقوال أو الأفعال.
  4 ومن صفات أهل السنة أنهم يعظمون كتاب الله وسنة رسوله ويجلونهما ويقدمونهما في الاستدلال بهما والاقتداء بهما على أقوال الناس وأعمالهم لأنهم: (يعلمون أن أصدق الكلام كلام الله) قال الله تعالى: {ومن أصدق من الله قيلا} {ومن أصدق من الله حديثا} [الآيتان (122، 87) من سورة النساء] ويعلمون.: (أن خير الهدي هدي محمد) الهدي، بفتح الهاء وسكون الدال: السمت والطريقة والسيرة وقرئ بضم الهاء وفتح الدال أي:... الدلالة والإرشاد
  (ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس) أي: يقدمونه ويأخذون به ويتركون ما عارضه من كلام الخلق أيا كانوا رؤساء أو علماء أو عبادا (ويقدمون هدي محمد صلى الله عليه وسلم) أي: سنته وسيرته وتعليمه وإرشاده (على هدي كل أحد) من الخلق مهما عظمت مكانته إذا كان هديه يعارض هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك عملا بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [الآية (59) من سورة النساء].
  وقوله: (ولهذا سموا أهل الكتاب والسنة) أي: لأجل تمسكهم بكتاب الله وإيثارهم لكلامه على كلام كل أحد وتمسكهم بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقديمه على هدي كل أحد سموا أهل الكتاب والسنة لأجل ذلك لقبوا بهذا اللقب الشريف الذي يفيد اختصاصهم بهما دون غيرهم ممن حاد عن الكتاب والسنة من فرق أهل الضلال كالمعتزلة والخوارج والروافض ومن وافقهم في أقوالهم أو في بعضها.
  وقوله: (وسموا أهل الجماعة) أي: كما سموا أهل الكتاب والسنة سموا (أهل الجماعة) والجماعة: ضد الفرقة، لأن التمسك بالكتاب والسنة يفيد الاجتماع والائتلاف، قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [الآية (103) من سورة آل عمران] . فالجماعة هنا هم المجتمعون على الحق.
  5 فمن صفات أهل السنة الاجتماع على الأخذ بالكتاب والسنة والاتفاق على الحق والتعاون على البر والتقوى، وقد أثمر هذا وجود الإجماع (والإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين ) وقد عرف الأصوليون الإجماع بأنه: اتفاق علماء العصر على أمر ديني، وهو حجة قاطعة يجب العمل به وقوله: (وهو الأصل الثالث) أي: بعد الأصلين الأولين وهما الكتاب والسنة .
  6 من صفات أهل السنة أنهم (يزنون بهذه الأصول الثلاثة) الكتاب والسنة والإجماع (جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين) فهم يجعلون هذه الأصول الثلاثة ميزانا لبيان الحق من الباطل والهدى من الضلال فيما يصدر من الناس من تصرفات قولية أو فعلية اعتقادية أو عملية (مما له تعلق بالدين) من أعمال الناس كالصلاة والصيام والحج والزكاة والمعاملات وغيرها. أما ما ليس له تعلق بالدين من الأمور العادية والأمور الدنيوية فالأصل فيه الإباحة.
  ثم بين الشيخ رحمه الله حقيقة الإجماع الذي جعل أصلا في الاستدلال فقال: (والإجماع الذي ينضبط) أي: يجزم بحصوله ووقوعه: (هو ما كان عليه السلف الصالح) لما كانوا قليلين مجتمعين في الحجاز يمكن ضبطهم ومعرفة رأيهم في القضية (وبعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة) أي: بعد السلف الصالح صار الإجماع لا ينضبط لأمرين:
  أولا: كثرة الاختلاف بحيث لا يمكن الإحاطة بأقوالهم.
  ثانيا: انتشار الأمة في أقطار الأرض بعد الفتوح بحيث لا يمكن عادة بلوغ الحادثة لكل واحد منهم ووقوفه عليها ثم لا يمكن الجزم بأنهم أطبقوا على قول واحد فيها.
  تنبيه: إنما اقتصر الشيخ رحمه الله على ذكر الأصول الثلاثة، ولم يذكر الأصل الرابع وهو القياس، لأن القياس مختلف فيه كما اختلفوا في أصول أخرى مرجعها كتب الأصول.
     فصل في بيان مكملات العقيدة من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ألتي تحلى بها أهل السنة
  ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويرون إقامة الحج والجمع والأعياد مع الأمراء أبرارا كانوا أو فجارا. ويحافظون على الجماعات. ويدينون بالنصحية للأمة. ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه) [رواه البخاري (6026) ومسلم (2585) عن أبي موسى] وقوله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) [رواه البخاري (6011) ومسلم (2586) عن النعمان بن بشير] ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء.
    الشرح:
  هذا الفصل كالمتمم للفصل الذي قبله فيه بيان لصفات أهل السنة التي هي من مكملات العقيدة فقوله: (ثم ​​هم) أي: أهل السنة (مع هذه الأصول) أي: التي مر ذكرها، أي: مع قيامهم بها علما وعملا يتحلون بصفات هي من مكملاتها وثمراتها فهم (يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) كما وصفهم الله بذلك في قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} [الآية (110) من سورة آل عمران] . والمعروف هو اسم جامع لكل ما يحيه الله من الإيمان والعمل الصالح والمنكر: اسم جامع لكل ما يكرهه الله وينهى عنه.
  (على ما توجبه الشريعة) أي: باليد ثم باللسان ثم بالقلب تبعا للقدرة والمصلحة، خلافا للمعتزلة الذين يخالفون ما توجبه الشريعة في هذا، فيرون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الخروج على الأئمة.
  قوله: (ويرون إقامة الحج والجمع والأعياد مع الأمراء أبرارا كانوا أو فجارا) أي: ويعتقد أهل السنة وجوب إقامة هذه الشعائر مع ولاة أمور المسلمين (أبرارا كانوا أو فجارا) أي: سواء كانوا صالحين مستقيمين أو فساقا فسقا لا يخرجهم عن الملة وذلك لأن غرض المسلمين من ذلك هو جمع الكلمة والابتعاد عن الفرقة والخلاف، ولأن الوالي الفاسق لا ينعزل بفسقه، ولا يجوز الخروج عليه لما يترتب على ذلك من ضياع الحقوق وإراقة الدماء قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد أكثر من الذي في إزالته. ا ه. وأهل السنة يخالفون في ذلك أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والشيعة الذين يرون قتال الولاة والخروج عليهم، إذا فعلوا ما هو ظلم أو ظنوه ظلما، ويرون ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  وقوله: (ويحافظون على الجماعات) أي: ومن صفات أهل السنة أنهم يحافظون على حضور صلاة الفريضة مع الجماعة جمعة أو غيرها، لأن ذلك من أعظم شعائر الإسلام وطاعة لله ورسوله في ذلك خلافا للشيعة الذين لا يرون الصلاة إلا مع الإمام المعصوم. وخلافا للمنافقين الذين يتخلفون عن صلاة الجماعة. وقد وردت أحاديث في فضل صلاة الجماعة والأمر بها والنهي عن تركها، ليس هذا موضع ذكرها.
  قوله : (ويدينون بالنصيحة للأمة) أي: يرونها من الدين وأصل النصح في اللغة: الخلوص، وشرعا: هي إرادة الخير المنصوح له وإرشاده إلى مصالحه فأهل السنة يريدون الخير للأمة ويرشدونها إلى ما فيه صلاحها ومن صفات أهل السنة التعاون على الخير والتألم لألم المصابين منهم فهم يعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه) رواه البخاري ومسلم وقوله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) رواه البخاري ومسلم وغيرهما
  فالحديثان يمثلان ما ينبغي آن يكون عليه المسلمون من تعاون وتراحم وأهل السنة يعملون بمقتضاهما وقوله: (المؤمن للمؤمن) وقوله: (مثل المؤمنين) المراد بالإيمان هنا الإيمان الكامل، (كالبنيان) هذا التمثيل يقصد منه التقريب للفهم (يشد بعضه بعضا) بيان لوجه الشبه (وشبك بين أصابعه) تمثيل آخر يقصد منه التقريب للفهم قوله: (كمثل الجسد الواحد) أي : بالنسبة إلى جميع أعضائه من حيث الشعور بالراحة أو التعب (توادهم) أي: محبة بعضهم لبعض (تعاطفهم) أي: عطف بعضهم على بعض (إذا اشتكى ): تألم، (تداعى): شارك بعضه البعض الآخر في الألم (سائر الجسد): باقية (بالحمى): ما ينشأ عن الألم من حرارة الجسم (السهر): عدم النوم
  وهذآ الحديث خبر معناه الأمر، أي كما أنه إذا تألم بعض جسده سرى ذلك الألم إلى جميع جسده، فكذا المؤمنون ليكونوا كنفس واحدة إذا أصاب أحدهم مصيبة يغتم جميعهم ويعملون على إزالتها وفي هذا التشبيه تقريب للفهم وإظهار المعاني في الصور المرئية.
  ومن صفات أهل السنة ثباتهم في مواقف الامتحان (يأمرون بالصبر عند البلاء) الصبر لغة: الحبس، ومعناه هنا: حبس النفس عن الجزع وحبس اللسان عن التشكي والتسخط، وحبس الجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب.
  (البلاء): الامتحان بالمصائب والشدائد (والشكر عند الرخاء) الشكر: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لكونه منعما، وهو صرف العبد ما أنعم الله به عليه في طاعته (الرخاء): اتساع النعمة (والرضا بمر القضاء) الرضا: ضد السخط، والقضاء لغة: وعرفا الحكم. :. إرادة الله المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه ومر القضاء، ما يجري على العبد مما يكرهه كالمرض والفقر وأذى الخلق والحر والبرد والآلام
  . ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم : (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا) [رواه أحمد (2/472) وأبو داود (4682) والترمذي (1162) وابن حبان ( 1311) عن أبى هريرة. وصححه الترمذي وابن حبان]. ويندبون إلى أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفسافها وكل ما يقولونه ويفعلونه من هذا وغيره فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة....
    الشرح:
  يهتم أهل السنة بالأخلاق فيتحلون بالأخلاق الفاضلة ويرغبون فيها غيرهم فهم (يدعون إلى مكارم الأخلاق) أي: أحسنها والأخلاق: جمع خلق، بضم الخاء واللام وهو الصورة الباطنة، والخلق: بفتح الخاء وسكون اللام هو الصورة الظاهرة، وهو الدين والسجية والطبع، ويدعون إلى (محاسن الأعمال) كالكرم والشجاعة والصدق والأمانة (ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم) أي: يؤمنون به ويعملون بمقتضاه. (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا) رواه أحمد والترمذي وقال حسن صحيح وقوله: (أحسنهم خلقا) أي: ألينهم وألطفهم وأجملهم
  ففي الحديث الحث على التخلق بأحسن الأخلاق . وفيه أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان. وأن الإيمان يتفاضل. وأهل السنة يدعون إلى التعامل مع الناس بالتي هي أحسن، وإلى إيتاء ذوي الحقوق حقوقهم، ويحذرون من أضداد تلك الأخلاق من الكبر والتعدي على الناس، فهم ( يندبون) أي: يدعون (إلى أن تصل من قطعك) أي: تحسن إلى من أساء إليك (وتعطي من حرمك) أي: تبذل العطاء وهو التبرع والهدية ونحوها لمن منع ذلك عنك لأن ذلك من الإحسان، (وتعفو عمن ظلمك) أي: تسامح من تعدى عليك في مال أو عرض، لأن ذلك مما يجلب المودة ويكسب الأجر والثواب
  (ويأمرون) أي : أهل السنة بما أمر الله به من إعطاء ذوي الحقوق حقوقهم (ببر الوالدين) أي: طاعتهما في غير معصية والإحسان إليهما بالقول والفعل: (وصلة الأرحام) أي: الإحسان إلى الأقربين، والأرحام: جمع رحم وهو من تجمعك به قرابة (وحسن الجوار) أي: الإحسان إلى من يسكن بجوارك يبذل المعروف وكف الأذى (والإحسان إلى اليتامى): جمع يتيم، وهو لغة: المنفرد، وشرعا: من مات أبوه قبل بلوغه والإحسان إليهما هو برعاية أحوالهم وأموالهم والشفقة عليهم (والمساكين) أي:. والإحسان إلى المساكين، جمع مسكين، وهو المحتاج الذي أسكنته الحاجة والفقر، والإحسان إليهم يكون بالتصدق عليهم والرفق بهم ‏(‏وابن السبيل‏)‏ أي‏:‏ والإحسان إلى ابن السبيل، وهو المسافر المنقطع به الذي نفدت نفقته أو ضاعت أو سرقت، وقيل‏:‏ هو الضيف‏.‏ ‏ (‏والرفق بالمملوك أي‏:‏ ويأمرون بالرفق بالمملوك، وهو الرقيق، ويدخل فيه من البهائم، والرفق ضد العنف وهو لين الجانب‏.‏
  ‏(‏وينهون عن الفخر‏)‏ وهو المباهاة بالمكارم والمناقب من حسب ونسب ‏(‏والخيلاء‏ )‏ بضم إلخاء‏:‏ الكبر والعجب ‏(‏والبغي‏)‏ وهو العدوان على الناس ‏(‏والاستطالة على الخلف‏)‏ أي‏:‏ الترفع عليهم واحتقارهم والوقيعة فيهم ‏(‏بحق وبغير حق‏)‏ لأن المستطيل إن استطال بحق فقد افتخر، وإن استطال بغير حق فقد بغى، ولا يحل لا هذا ولا هذا‏.‏ ‏(‏ويأمرون بمعالي الأخلاق‏)‏ أي‏:‏ يأمر أهل السنة بالأخلاق العالية‏.‏ وهي الأخلاق الحسنة ‏(‏وينهون عن سفاسفها‏)‏ أي‏:‏ رديئها وحقيرها، السفساف‏:‏ الأمر الحقير والرديء من كل شيء، وهو ضد المعالي والمكارم، وأصله ما يطير من غبار الدقيق إذا نخل والتراب إذا أثير‏.‏
  ‏(‏وكل ما يقولونه ويفعلونه من هذا وغيره فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة‏)‏ أي‏:‏ كل ما يقوله وفعله أهل السنة ويأمرون به وينهون عنه مما تقدم ذكره في هذه الرسالة وما لم يذكر؛ فقد استفادوه من كتاب ربهم وسنة نبيهم، لم يبتدعوه من عند أنفسهم ولم يقلدوا فيه غيرهم‏.‏ فقد قال الله تعلى‏:‏ ‏{‏وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شيئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا‏}‏ والأحاديث في هذا كثيرة منها ما ذكره الشيخ‏.‏
  وطريقتهم هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏ لكن لما أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة‏.‏ وفي حديث عنه أنه قال‏:‏ ‏(‏هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي‏)‏ صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أخل السنة والجماعة، وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى أولو المناقب المأثورة والفضائل المذكورة‏.‏
  وفيهم الأبدال، وفيهم أئمة الدين الذين أجمع المسلمون على هديتهم‏.‏ وهم الطائفة المصورة الذين قال فيهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة‏)‏‏.‏ فنسأل الله أن يجعلنا منهم وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا‏.‏ وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب‏.‏ وصلى الله على محمد آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا‏.‏
    الشرح‏:‏
  يواصل الشيخ ـ رحمه الله ـ بيان مزايا أهل السنة والجماعة فيبين مزيتهم العظمى وهي‏:‏ أن ‏(‏طريقتهم دين الإسلام‏)‏ أي‏:‏ هو مذهبهم وطريقهم إلى الله، وأنهم عند الافتراق الذي أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن حدوثه في هذه الأمة ثبتوا على الإسلام وصاروا هم الفرقة الناجية من بين تلك الفرق، وهم الجماعة الثابتة على ما كان عليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه، وهو الإسلام المحض الخالص من الشوائب ولذلك فازوا بلقب أهل السنة والجماعة‏.‏ وصار فيهم ‏(‏الصديقون‏)‏، المبالغون في الصدع والتصديق ‏(‏والشهداء‏)‏‏:‏ القتلى في سبيل الله ‏(‏والصالحون‏)‏‏:‏ أهل الأعمال الصالحة ‏( ‏وفيهم أعلام الهدى‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏)‏ أي‏:‏
  وفي أهل السنة العلماء الأعلام المتصفون بكل وصف حميد علمًا وعملًا ‏(‏وفيهم الأبدًال‏)‏ وهم الأولياء والعباد، سموا بذلك ـ قيل ـ لأنهم كلما مات منهم أحد أبدل بآخر‏.‏ وفي رواية عن أحمد أنهم أصحاب الحديث ‏(‏وفيهم أئمة الدين‏)‏ أي‏:‏ في أهل السنة العلماء المقتدى بهم كالأئمة الأربعة وغيرهم ‏(‏وهم الطائفة المنصورة‏)‏ أي‏: ‏ وأهل السنة هم الطائفة المذكورة في الحديث ‏(‏لا تزال طائفة من أمتي‏)‏ الحديث رواه البخاري ومسلم‏.‏ ثم ختم الشيخ رسالته المباركة بالدعاء والصلاة والسلام على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو خير ختام والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم‏.‏             ثبت المصادر والمراجع ملحوظة رتبت هذه المصادر حسب ورودها في الكتاب‏:‏
1- القرآن الكريم‏.‏
2- ‏"‏الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية‏"‏ للشيخ زيد بن عبد العزيز بن فياض‏.‏
3- ‏"‏التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية‏"‏ للشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد‏.‏
4- ‏"‏التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة‏"‏ للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ‏.‏
5- نقلت من فوائد علقتها على نسختي وقت الطلب‏.‏
6- وفيما يتعلق بتفسير الآيات نقلت من كتب التفسير ‏"‏كفتح القدير‏"‏ للإمام محمد بن علي الشوكاني‏.‏ و‏"‏تفسير القرآن العظيم‏ "‏ للشيخ‏:‏ إسماعيل بن كثير‏.‏
7- سنن إبي داود . 8- الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي‏.‏
9- الفتوحات الربانية لابن جحر‏.‏
10- أدب الإملاء والاستملاء للسمعاني‏.‏ 11- صحيح البخاري‏.‏
12- صحيح مسلم‏.‏
13- المستدرك للحاكم‏.‏
14- شرح أصول اعتقاد أهل السنة اللالكائي‏.‏
15- فتح الباري لابن حجر العسقلاني‏.‏
16- سنن النسائي‏.‏
17- سنن البيهقي‏.‏
18- الأذكار للنووي‏.‏
19- أسباب النزول للواحدي‏.‏
20- الكشاف للزمخشري‏.‏
21- حادي الأرواح لابن القيم‏.‏
22- شرح الطحاوي لابن أبي العز الحنفي‏.‏
23- مسند أحمد
24- سنن ابن ماجه‏.‏
25- السلسلة الصحيحة للألباني‏.‏
26- مصباح الزجاجة‏.‏
27- عمل اليوم والليلة للنسائي‏.‏
28- المعجم الأوسط للطبراني‏.‏
29- المعجم الكبير للطبراني‏.‏
30- تفسير الطبري‏.‏
31- تهذيب السنن لابن القيم‏.‏
32- صحيح ابن حبان‏.‏
33- التوحيد لابن خزيمة‏.‏
34- سنن الترمذي‏.‏
35- جامع العلوم والحكم لابن رجب‏.‏
36- السنة لابن أبي عاصم‏.‏
37- الأسماء والصفات للبيهقي‏.‏
38- العظمة لأبي الشيخ‏.‏
39- أجوبة المصابيح لابن حجر‏.‏
40- فضائل الصحابة لأحمد‏.‏
41- المصنف لابن أبي شيبة‏.‏
42- دلائل النبوة للبيهقي‏.‏
43- الدلائل لأبي نعيم‏.‏
44- تاريخ ابن كثير‏.‏
45- الإصابة لابن حجر‏.‏
46- تخريج الأربعين السلمية للسخاوي‏.‏
47- المقاصد للسخاوي‏.‏
48- الموطأ للإمام مالك بن أنس‏.‏
49- كرامات الأولياء لللالكائي‏.‏
50- مجمع الزوائد للهيثمي‏.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق