قال
العلامة ابن القيم في بدائع الفوائد : السلام اسم مصدر . وهو من ألفاظ الدعاء .
يتضمن الإنشاء والإخبار ، فجهة الخبر فيه لا تناقض الجهة الإنشائية . وهو معنى
السلام المطلوب عند التحية . وفيه قولان مشهوران :
الأول
: أن السلام هنا هو الله عز وجل . ومعنى الكلام : نزلت بركته عليكم ونحو ذلك .
فاختير في هذا المعنى من أسمائه عز وجل اسم
السلام دون غيره من الأسماء .
الثاني
: أن السلام مصدر بمعنى السلامة . وهو المطلوب المدعو به عند التحية ومن حجة أصحاب
القول : أنه يأتي منكراً ، فيقول المسلم :
سلام عليكم ولو كان اسماً من أسماء
الله لم يستعمل كذلك . ومن حجتهم : أنه ليس المقصود من السلام هذا المعنى ، وإنما
المقصود منه الإيذان بالسلامة خبراً ودعاء .
قال
العلامة ابن القيم رحمه الله : وفصل الخطاب أن يقال : الحق في مجموع القولين . فكل
منهما بعض الحق ، والصواب في مجموعهما . وإنما يتبين ذلك بقاعدة . وهي : أن حق من
دعا الله بأسمائه الحسنى أن يسأل في كل مطلوب ويتوسل بالاسم المقتضى لذلك المطلوب
، المناسب لحصوله ، حتى إن الداعي متشفع إلى الله تعالى متوسل به إليه . فإذا قال
: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور . فقد سأله أمرين وتوسل إليه باسمين
من أسمائه ، مقتضيين لحصول مطلوبه . وقال صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله
عنه وقد سأله ما يدعو به " قل : اللهم أني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ، ولا يغفر
الذنوب إلا أنت فاغفر لي مفغرة من عندك ، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم "
فالمقام لما كان مقام طلب السلامة التي هي أهم عند الرجل ، أتى في طلبها بصيغة اسم
من أسماء الله تعالى وهو السلام الذي تطلب منه السلامة . فتضمن لفظ السلام
معنين : أحدهما : ذكر الله، والثاني: طلب السلامة . وهو مقصود المسلم . فقد
تضمن سلام عليكم اسماً من اسماء الله وطلب السلامة منه . فتأمل
هذه الفائدة . وحقيقته : البراءة والخلاص والنجاة من الشر والعيوب . وعلى هذا
المعنى تدور تصاريفه ، فمن ذاك قولهم : سلمك الله ، ومنه دعاء المؤمنين على
الصراط رب سلم سلم ومنه سلم الشئ لفلان ، أي خلص له وحده . قال
تعالى : ' 39 : 29 ' " ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً
لرجل " أي خالصاً له وحده لا يملكه معه غيره . ومنه السلم ضد الحرب : لأن كل
واحد من المتحاربين يخلص ويسلم من أذى الآخر ، ولهذا بنى فيه على المفاعلة ، فقيل
: المسالمة مثل المشاركة . ومنه القلب السليم وهو النفي من الدغل والعيب . وحقيقته
: الذي قد سلم لله وحده ، فخلص من دغل الشرك وغله ، ودغل الذنوب والمخالفات ، فهو
مستقيم على صدق حبه وحسن معاملته . وهذا هو الذي ضمن له النجاة من عذاب الله
والفوز بكرامته . ومنه أخذ الإسلام ، فإنه من هذه المادة ، لأنه الاستسلام
والانقياد لله ، والتخلص من شوائب الشرك ، فسلم لربه وخلص له ، كالعبد الذي سلم
لمولاه ليس له فيه شركاء متشاكسون . ولهذا ضرب سبحانه هذين المثلين للمسلم الخالص
لربه وللمشرك به .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق