شبهات حول السلفية.
أما بعد:فكم
للحماسة غير المنضبطة من أثر على الناس، وكثير من المسلمين تَسَيِّرهُم عواطفهم باسم
نصرة الإسلام والمسلمين، وحرب الطواغيت والكافرين، ومع الغلو فِي العواطف،
والانسياق وراءها تنقلب إلَى عواصف مدمرة تفسد ولا تصلح، وإن أصلحت أفسدت أكثر،
فصارت كمن يبنِي قصرًا ويهدم مصرًا.ثُمَّ إنَّهم
وهم فِي غي عواطفهم "أهوائهم" وسكرها لا يرعوون لشرع الله على هدي
الصحابة وأتباعهم بإحسان، واعتبر ذلك فيما يلي:1-
الاندفاع والتهور فِي التكفير النوعي "للمسائل" أو العينِي "للأشخاص":ورحم
الله الإمام ابن تيمية -القائل لأمراء الجهمية وقضاتِهم-: "ولِهذا كنت أقول
للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله تعالَى فوق العرش لَمَّا وقعت مِحنتهم: أنا لو
وافقتكم كنت كافرًا؛ لأنِّي أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنَّكم
جهال، وكان هذا خطابًا لعلمائهم وقضاتِهم وشيوخهم وأمرائهم"() اهـ.والقائل: "هذا مع أنِّي دائمًا -ومن جالسنِي يعلم ذلك
منِّي- أنِّي
من أعظم الناس نَهيًا عن أن ينسب معين إلَى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه
قد قامت عليه الحجة الرسالية الَّتِي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى،
وعاصيًا أخرى، وإنِّي أقرر أن الله قد غفر لِهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ فِي
المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية"() اهـ.ورحم الله الإمام الْمُجدد مُحمد
بن عبد الوهاب القائل: "وإذا كنا لا نُكفِّر من عَبَد الصنم الذي على عبد القادر
والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما؛ لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم؛ فكيف
نُكفِّر من لَمْ يشرك بالله إذا لَمْ يُهاجر إلينا، أو لَمْ يكفر ويقاتل؟! ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهتانٌ عَظيم﴾"() اهـ.
بل بلغ
الحال ببعضهم أنه لا يُفَرِّق فِي التكفير بين النوع والعين، ويقول: كل من كفر
نوعًا كفر عينًا، وهو بِهذا يُخالف الكتاب والسنة والإجماع، والاعتبار كما قاله الإمام ابن تيمية -فيما
سيأتِي-.2- القدح
فِي العلماء الكبار كابن باز وابن عثيمين والألبانِي -رحِمهم الله- والفوزان وآل
الشيخ وعبد
الْمُحسن العبَّاد - حفظهم الله- لأنَّهم لَمْ يوافقوا أهواءهم، فتجد العالِم الْمُجاهد عندهم هو من
يوافق أهواءهم، ومن لا فلا، فصاروا بِهذا هم العلماء والمعيار فِي الحكم على أهل
العلم، فيا خيبتهم متَى صار الجهل حكمًا على
العلم، ومتَى صار
الهمج الرعاع قادة يسوسون الناس؟!!ولا أظهر
دليلاً على أهوائهم أنك تراهم بالأمس يعتمدون على أقوال هؤلاء العلماء الكبار
الموثوقين()، فإذا
وقعت الفتن أعرضوا عنهم إلَى غيرهم مِمن لَمْ يكونوا معتمدين عليهم؛ لأنَّهم أفتوا
بِما يوافق أهواءهم، قال تعالَى:
﴿وَلَوِ
اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن
فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون:71]. ثُمَّ
تراهم يتعللون -مُخادعة
منهم لأنفسهم ولغيرهم- أن هؤلاء العلماء لَمْ يتكلموا بالحق إما جهلاً
أو مراعاة للمصالح، ويا ليت شعري كيف يَجهل العلماء الحق ونعلمه نَحن؟! أم كيف
يسعهم السكوت مراعاة للمصالح ولا يسعنا؟!3- أن هؤلاء المتحمسين يستميلون قلوب العامة
بِحجة الغيرة على الدين والحماسة
لقضايا المسلمين: وقد كان يسلك هذه الطريقة عبد الله بن سبأ الخارج،
والمؤلب للخروج على الخليفة الراشد عثمان بن عفان t،
فقد كان يقول لأتباعه:" ابدءوا فِي الطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر؛ تستميلوا الناس، وادعوهم إلَى هذا الأمر
"(). وهكذا
هم مع العوام من المسلمين، والعامة لطيبهم وجهلهم وحسن الظن بِهم ينخدعون بكلامهم.
وإنِّي ضارب لك مثلاً من الواقع
القريب بأناس شبيهين من أوجه كثيرة بأصحابنا هؤلاء الذين أتكلم عنهم، وأوجه الشبه
بين هؤلاء وأولئك ما يلي:أ- أنَّهم
متحمسون للشريعة على جهل.ب- أنَّهم
متحمسون للجهاد من غير مراعاة لشروطه ومتَى يشرع، لاسيما شرط
إذن ولي الأمر.ج- أن
عندهم غلوًّا
مذمومًا فِي عقيدة الولاء والبراء، وإلا فإن القيام بِهذه العقيدة واجب من واجبات
الدين.
د- أنَّهم يطعنون فِي العلماء والأمراء باسم الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر.هـ- أنَّهم يسيئون
الظن بولاتِهم وعلمائهم.
و- أنَّهم
يصبغون على دعوتِهم -كذبًا وزورًا- صبغة اتِّباع السلف وتعظيم دعوة الإمام مُحمد
بن عبد الوهاب؛ لذا يتحججون بكلمات مشتبهة لأئمة الدعوة النجدية السلفية، ولا
يراعون واقعها الذي قيلت فيه، بل ويُخالفون أقوالَهم الصريْحة المتكاثرة إذا ما
خالفت أهواءهم كما سيأتي.ز- أن كثيرًا من العامة اغتروا بِهم؛ لأنَّهم استمالوا
قلوبَهم بالغيرة على الدين.أتدري مَنْ أولئك؟ إنَّهم الإخوان -إخوان من طاع الله-() الذين خرجوا على
الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وجهاد الكفار- وقد وقف العلماء الربانيون السلفيون تجاه هؤلاء وقفة قوية صدعوا
فيها بالحق المبين غير مبالين باستنكار العامة وتَهويلهم.وهذه مقتطفات من كلام أئمة الدعوة
السلفية النجدية فِي بيان حال هؤلاء -إخوان من أطاع الله-:قال
الشيخ مُحمَّد بن عبد اللطيف وعبد الله بن عبد العزيز العنقري -رحِمهما الله-: "أما بعد: فإن الله I
لَمَّا مَنَّ على بادية نجد فِي آخر هذا الزمان بالإقبال على تعلم دين الإسلام والعمل
به، وكثر ذلك فيهم وانتشر، ورأى الشيطان منهم قوة فِي ذلك وحرصًا على الخير؛ يئس
منهم أن يردهم على حالِهم الأولَى الَّتِي انتقلوا منها، فأخذ فِي فتح أبواب من
أبواب الشر حَسَّنها لَهم
وزينها وجعلها فِي قالب القوة والصلابة فِي الدين، وأن من أخذ بِها فهم الْمُتمسكون
بِملة إبراهيم، ومن تركها فقد ترك ملة إبراهيم، وهذا هو
المعهود من كيد اللعين.ثُمَّ
قال: ومِمَّا أدخل الشيطان على بعض المتدينين: اتِّهام علماء المسلمين بالمداهنة وسوء الظن
بِهم، وعدم الأخذ عنهم، وهذا سبب لِحرمان العلم النافع، والعلماء هم ورثة الأنبياء فِي كل
زمان ومكان، فلا يُتَلقى العلم إلا عنهم، فمن زهد فِي الأخذ عنهم ولَمْ
يقبل ما نقلوه، فقد زهد فِي ميراث سيد المرسلين، واعتاض عنه بأقوال الجهلة
الخابطين الذين لا دراية لَهم بأحكام الشريعة، والعلماء هم الأمناء على دين الله، فواجب على كل مكلف أخذ الدين عن أهله،
كما قال بعض السلف: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.فأما من تعلق بظواهر ألفاظ من كلام العلماء الْمُحققين ولَمْ يعرضها على العلماء بل يعتمد على فهمه، وربَّما قال: حجتنا مَجموعة
التوحيد، أو كلام
العالِم
الفلانِي، وهو لا يعرف مقصوده بذلك الكلام؛ فإن هذا
جهل وضلال.
ومن
المعلوم: أن أعظم الكلام وأصحه كلام
الله العزيز، فلو قال إنسان: ما نقبل إلا القرآن، وتعلق
بظاهر لفظ لا يعرف معناه، أو أَوَّله على غير تأويله؛ فقد ضاهى الخوارج الْمَارقين، فإذا كان هذا حال من اكتفى بالقرآن عن السنة فكيف بِمن
تعلق بألفاظ الكتب وهو لا يعرف معناها ولا ما يراد بألفاظها؟! والكتب أيضًا فيها
من الأحاديث: الصحيح والضعيف، والمطلق
والمقيد، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ، فإذا لَمْ يأخذ العامي عن العلماء النقاد الذين هم للحديث بِمنْزلة الصيارفة
للذهب والفضة، وخَبَطَ خَبْط عشوى وتاه فِي وادٍ جهالة عميا.ثُمَّ
قال: إذا عرف هذا تبين أن الذي يدَّعي أنه يستغنِي
بِمجموعة التوحيد عن الأخذ عن علماء المسلمين مُخطئ؛ لأن النَّبِي e
ذكر أن سبب قبض العلم موت العلماء، فإذا ذهب العلماء اتَّخذ الناس رؤساء جهالاً
وسألوهم وأخذوا بفتواهم ضلوا وأضلوا عياذًا بالله.ومِمَّا
أدخل الشيطان أيضًا: إساءة
الظن بولِي الأمر
وعدم الطاعة له، فإن هذا من أعظم المعاصي، وهو من
دين الجاهلية الذين لا يرون السمع والطاعة
دينًا، بل كل منهم يستبد
برأيه، وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة فِي وجوب السمع والطاعة لولي الأمر فِي العسر واليسر والمنشط والمكره، حَتَّى قال: " اسْمع وأطع،
وإن أخذ مالك وضرب ظهرك ". فتحرم معصيته والاعتراض عليه فِي ولايته وفِي
معاملته وفِي معاقدته ومعاهدته"() اهـ.وقال
الشيخ مُحمَّد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن فِي رسالة كتبها: "واشكروه أيضًا على ما منَّ به فِي هذا الزمان من ولاية هذا الإمام الذي
أسبغ الله عليكم على يديه من النعم العظيمة، ودفع به عنكم من النقم الكثيرة، وخوَّلكم مِمَّا أعطاه الله، وتابع عليكم إحسانه صغيركم
وكبيركم، وقام بِما أوجب الله عليه حسب الطاقة والإمكان،
ونظرِه فِي مصالِح المسلمين وما يعود نفعه عليهم،
ودفع المضار عنهم وحسم مواد الشر أولى من نظركم.والكمال لَمْ
يَحصل لِمن
هو أفضل منه، فالذي يطلب الأمور على الكمال وأن تكون على سيرة الخلفاء فهو طالب مُحالاً، فاسْمعوا له وأطيعوا، وراعوا حقه وولايته عليكم، واحذروا غرور الشيطان وتسويله وخداعه ومكره، فإنه متكئ على شِماله يدأب بين الأمة بإلقاء الشحناء والعداوة، وتفريق
الكلمة بين المسلمين عادة له مذ كان، ولا يسلم من مَكْرِهِ إلا من راقب الله فِي سره
وعلانيته، ووقف عند أقواله وأعماله وحركاته وسكناته، وتفكر فِي عاقبة ما يصير إليه
فِي مآله، وراجع أهل البصائر والمعرفة من أهل العلم الذين لَهم قدم راسخ فِي
المعرفة والفهم.
فإن كان أحد مِمن يدعي العلم زين لكم ذلك، وألقى عليكم
التشكيكات والتشبيهات، وحَسَّن لكم طريقة أهل البدع والضلالات؛ فاعلموا أنه منفاخ سوء يبدي لكم ما يُخفيه كيره ويلبس عليكم دينكم، فإن كان يدعي أن معه
دليلاً من الكتاب والسنة فِي الطعن على الأئمة والولاة وعلمائهم، فليبرز إلينا بِما
لديه فنحن له مقابلون ومناظرون بالحجج القاطعة والبراهين الساطعة من كتاب الله وسنة نبيه مُحمَّد × وسيرة الخلفاء المهديين الَّتِي تَجلو عن القلب عماه، وترد المعارض عن
انتكاسه.
فوالله ثُمَّ
والله إنا لا نعلم على وجه الأرض شرقًا وغربًا وشمالاً وجنوبًا شخصًا أحق وأولى
بالإمامة منه، ونعتقد صحة إمامته وثبوتَها؛ لأن إمامته إمامة إسلامية، وولايته ولاية دينية، فلو نعلم أن عليه من المثالب
والمطاعن شيئًا يوجب مُخالفته ومنابذته؛ لكنا أولى منكم بالنصح له وتَحذيره ومراجعته، فإنه -ولله
الحمد- يقبل
الحق مِمن جاء به ولا يستنكف من الناصح، ومقاماته ونصحه ومدافعته عن الإسلام وأهله، وبذل
إحسانه وعفوه وعدم انتقامه شهيرة بين الورى لا يَجحدها
إلا معاند مُماحلٌ"() اهـ.
وكتب
الشيخ سعد بن حمد بن عتيق -رحِمه الله- إلَى الإخوان: "...
ومِمَّا انتحله بعض هؤلاء الجهلة المغرورين: الاستخفاف بولاية المسلمين،
والتساهل بِمخالفة إمام المسلمين، والخروج عن طاعته، والافتيات عليه بالغزو وغيره،
وهذا من الجهل والسعي فِي الأرض بالفساد
بِمكان، يعرف ذلك كل ذي عقل وإيْمان، وقد علم بالضرورة من دين الإسلام أنه لا دين
إلا بِجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة، وإن الخروج عن طاعة ولي أمر المسلمين من أعظم أسباب الفساد فِي البلاد والعباد، والعدول عن سبيل الهدى والرشاد.
ثُمَّ
قال: ومن ذلك ما وقع من غلاة هؤلاء من اتِّهام أهل العلم والدين، ونسبتهم إلَى
التقصير وترك القيام بِما وجب عليهم من أمر الله I،
وكتمان ما يعلمون من الحق، ولَم يدر هؤلاء أن اغتياب أهل العلم والدين، والتفكه
بأعراض المؤمنين سم قاتل وداء دفين، وإثم واضح مبين، قال الله تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا
وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب:58].
أقـلـوا
عـليهم لا أبـا لأبيكمـو من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا. () اهـوفِي رسالة كتبها الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: "وقد بلغنا أن الذي أشكل عليكم أن مُجرد مُخالطة الكفار، ومعاملتهم بِمصالَحة ونَحوها
وقدومهم على ولي الأمر؛ لأجل ذلك أنَّها هي موالاة المشركين المنهي عنها فِي
الآيات والأحاديث، وربَّما فهمتم ذلك من الدلائل الَّتِي صنف الشيخ سليمان بن عبد
الله بن الشيخ، ومن سبيل النجاة للشيخ حمد بن عتيق().أولاً: نبين لكم سبب تصنيف الدلائل، فإن الشيخ سليمان صنفها لَما هجمت العساكر التركية على نَجد فِي وقته، وأرادوا اجتثاث الدين من أصله، وساعدهم جماعة من أهل نَجد من البادية والحاضرة، وأحبوا ظهورهم، وكذلك سبب تصنيف
الشيخ حمد بن عتيق سبيل النجاة هو لَما هجمت العساكر التركية على بلاد المسلمين وساعدهم من ساعدهم حَتَّى استولوا على كثير من بلاد
نَجد، فمعرفة سبب التصنيف مِمَّا يعين على فهم كلام العلماء، فإنه -بِحمد الله- ظاهر الْمَعنَى، فإن المراد به: موافقة الكفار على كفرهم، وإظهار مودتِهم
ومعاونتهم على المسلمين، وتَحسين أفعالهم، وإظهار الطاعة والانقياد لَهم على كفرهم، والإمام -وفقه
الله- لَمْ يقع
فِي شيء مِمَّا ذكر فإنه إمام المسلمين والناظر فِي مصالِحهم، ولابد له من التحفظ على رعاياه وولايته من
الدول الأجانب.والمشائخ - رحِمهم الله - كالشيخ سليمان بن عبد الله،
والشيخ عبد اللطيف، والشيخ حمد بن عتيق إذا ذكروا موالاة المشركين فسَّروها بالموافقة والنصرة والمعونة والرضا بأفعالِهم، فأنتم -وفقكم الله- راجعوا كلامهم تَجدوا ذلك كما ذكرنا.قال الشيخ حمد بن عتيق فيما نقله عن الشيخ سليمان بن
عبد الله آل الشيخ - رحِمهم الله -:
وكذلك قوله e فِي الحديث:" من جامع المشرك، وسكن معه فإنه مثله ". على ظاهره، وهو
أن الذي يدعي الإسلام ويكون مع المشركين فِي الاجتماع والنصرة والمنْزل؛ بِحيث يعده المشركون منهم فهو كافر مثلهم وإن ادعى الإسلام، إلا أن يكون يُظهر دينه ولا يتولَّى المشركين". انتهى.
فانظر - وفقك الله - إلَى قوله فِي هذه العبارة: "وكون المشركين يعدونه منهم". يتبين لك أن هذا هو الذي أوجب كفره، وأما مُجرد الاجتماع معهم فِي الْمَنْزل فإن ذلك بدون إظهار الدين معصية.ثُمَّ قال: وأما أخذكم العلم من مُجرد أفهامكم أو من الكتب فهذا غير نافع؛ ولأن العلم لا يُتَلقى إلا من مظانِّه وأهله، قال تعالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن
كُنتُمْ لاََ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:43]. وقال تعالَى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ
لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:83]. وقال تعالَى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاًَ﴾ [النساء:59].
وقال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية -رحِمه الله- فِي "المنهاج" بعد كلام سبق: "ومن المعلوم أن الناس لا يصلحون إلا بالولاة، وأنه لو تولى من هو دون هؤلاء
من الملوك الظلمة -يعنِي: يزيد والحجاج ونحوهما- لكان ذلك خيرًا من عدمهم كما يقال: ستون سنة مع إمام جائر خير من ليلة واحدة
بلا إمام، ويروى عن علي t أنه قال: لابد للناس من إمارة برة كانت أو فاجرة، قيل له: هذه
البرة قد عرفناها فما بال الفاجرة؟ قال: يُؤْمَنْ بِها السبيل وتُقام بِها الحدود، ويُجاهَد بِها العدو، ويقسم بِها الفيء.
ذكره علي بن مهدي فِي كتاب "الطاعة والمعصية".وقال فيه أيضًا: وأهل السنة يقولون: أنه -أي: الإمام- يعاون على البر
والتقوى دون الإثم والعدوان، ويطاع فِي طاعة الله دون معصيته، ولا يُخرج عليه بالسيف، وأحاديث النَّبِي e إنَّما تدل على هذا. () اهـ.
وكتب الشيخ عمر بن مُحمَّد بن
سليم رسالة نَحوها، ومِما فيها: "فإن الله سبحانه لَمَّا منَّ على بادية المسلمين من أهل نجد فِي آخر هذه
الأزمان بالإقبال على تعلم دين الإسلام، ورأى الشيطان منهم قوة فِي ذلك، وحرصًا
على الخير، وأيس أن يردهم على حالِهم الأولَى الَّتِي انتقلوا منها أخذ فِي فتح
أبواب الشر وحسَّنها لَهم، وزينها فِي قالب القوة والصلابة فِي الدين، وأن من أخذ بِها فهو المتمسك
بِملة إبراهيم، ومن تركها فقد ترك ملة إبراهيم.ثُمَّ قال: ومن كيد الشيطان أيضًا الذي صدهم عن تعلُّم العلم وطلبه: اتِّهام علماء المسلمين بالمداهنة، وسوء الظن بِهم، وعدم الأخذ عنهم، وهذا سبب لِحرمان العلم النافع..." () اهـ.
وفِي رسالة كتبها مَجموعة من العلماء من سعد بن حمد بن عتيق، وسليمان ابن سحمان، وصالح
بن عبد العزيز، وعبد العزيز بن عبد اللطيف، وعمر بن عبد اللطيف، وعبد
الرحمن بن عبد اللطيف، ومُحمَّد بن إبراهيم إلَى ... -سلمهم الله من الأهواء
وألزمهم كلمة التقوى، آمين-:
"وبعد، فأشرفنا على كتابكم الذي أرسلتم إلَى الإمام عبد العزيز -سلمه الله تعالَى-
ذكرتم فِي آخره أنا لا نَجتمع وإياك إن خالفت شيئًا مِمَّا ذكرنا إلا كما يَجتمع الماء والنار، وهذه كلمة ذميمة وزلة وخيمة،
تدل على أنكم أضمرتم شرًّا وعزمتم على الخروج على ولي
أمر المسلمين، والتخلف عن سبيل أهل الهدى، وسلوك مسلك أهل الغي والردى، ونحن نبرأ إلَى
الله من ذلك، ومِمن فعله أو تسبب فيه أو أعان عليه؛ لأنا ما رأينا من الإمام عبد
العزيز ما يوجب خروجكم عليه ونزع اليد من طاعته، وإذا صدر منه شيء من الْمُحرمات الَّتِي لا تسوغها الشريعة فحسب طالب الحق الدعاء له
بالهداية وبذل النصيحة على الوجه المشروع، وأما الخروج ونزع
اليد من طاعته فهذا لا يَجوز.
وأنتم تزعمون أنكم على طريقة مشائخكم وأنكم ما تُخالفونَهم فِي شيء يرونه لكم، ولا ندري مَنْ هؤلاء المشائخ أَهُمْ مشائخ المسلمين أم غيرهم مِمن سلك غير سبيلهم،
ويريد فتح باب الفتن على الإسلام والمسلمين؟ أين الخط الذي قد شرفتمونا عليه؟ أين
السؤال الذي سألتمونا عنه وأفتيناكم فيه؟ أين الأمر الذي شاورتُمونا عليه؟ حَتَّى الخط الذي تدعون أنكم تنصحون الإمام
عبد العزيز عن أمور يفعلها، أنتم مشائخ أنفسكم تُحللون وتُحرمون على أنفسكم، ولا ترفعون لنا خبرًا فِي
شيء، ودعواكم أنكم على طريقة المشائخ يكذبه ما صدر منكم، وقد علمتم حقيقة ما عندنا
وما نعتقده من حين ما حدث منكم الخوض وكثرت منكم الخطوط والمراسلات للإمام،
وعرفناكم بِما عندنا، وما نعتقده وندين الله به، وهو وجوب السمع والطاعة لِمن ولاه
الله أمر المسلمين، ومُجانبة الوثوب عليه، ومَحبة اجتماع المسلمين عليه، والبغض لِمن رأى الخروج
عليه ومعاداته، اتباعًا لقول الرسول e:" اعبدوا ربكم، وصلوا
خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم؛ تدخلوا جنة ربكم ".والذي نرى لكم: التوبة إلَى الله سبحانه والاستغفار، وعدم التمادي والاسترسال مع دواعي الجهل والغي والضلال، وأن تلتزموا ما أوجبه
الله عليكم من القيام بالواجبات واجتناب الْمُحرمات وملازمة طاعة مَنْ ولاَّه الله أمركم، وانظروا
وتفكروا فِي أحوالكم سابقًا ولاحقًا، واعرفوا نعمة ربكم واشكروه عليها.فإنكم كنتم أولاً فِي جاهلية عريضة، وحالة عن الحق
بعيدة، رؤساؤكم أكثرهم طواغيت كبار،
وعوامكم جفاة أشرار، لا تعرفون حقائق دين الإسلام، ولا تعملون بالحق إلا بِما تَهوى نفوسكم مع ما كان بينكم من سفك الدماء ونَهب الأموال
وقطيعة الأرحام، وتعدي حدود الله وغير ذلك من الْمُحرمات وعظيم المنكرات، ثُمَّ هداكم الله لِمعرفة دينه، والعمل بتوحيده، وسلوك مسلك أهل الإسلام والتوحيد، وانتشرت
بينكم كتب السنن والآثار، ومصنفات علماء الإسلام، ثُمَّ أنتم الآن
انتقلت بكم الأحوال إلَى أنكم تُحاولون الخروج على الإمام، ومنابذة أهل الإسلام، ومفارقة جماعتهم، فاتقوا
الله عباد الله واذكروا قوله تعالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاََ تَفَرَّقُوا
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ
قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا
حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ
آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:103].
فما أشبه الليلة بالبارحة، وهذا الذي ذكرناه لكم وأشرنا
به عليكم من السمع والطاعة للإمام وعدم نزع اليد من طاعته، وعدم الشقاق والخلاف،
وترك أسباب التفرق والاختلاف، ومُجانبة سبل أهل الغي والضلال والاعتساف، هو
اعتقادنا الذي نَحن عليه مقيمون،
وله على مَرِّ الزمان معتقدون، وبه مستمسكون، وعليه
موالون ومعادون ظاهرًا وباطنًا، سرًّا وعلانية، ومن نسب إلينا غيره فهو علينا من
الكاذبين الظالِمين، وسيجزيه الله بِما يجزي به الظالِمين والمفترين، فإن تبتم إلَى ربكم ورجعتم عما عَنَّ لكم واستحسنته نفوسكم، فالحمد لله رب العالَمين، والمنة لله فِي ذلك عليكم، وإن أبيتم إلا الشقاق والعناد
وسلكتم مسالك أهل الغي والفساد، اعلموا أنا نبرأ إلَى الله منكم، ونُشهد الله وملائكته وعباده المؤمنين على خطئكم وضلالكم، إنكم قد خالفتم ما
كان عليه سلف الأمة وأئمتها وعلماء الملة والدين، وقد قال تعالَى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا
تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا
تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:115]. وفِي الحديث عن النَّبِي e:" من أحدث حدثًا أو آوى
مُحدثًا؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجْمعين ". فنسأل الله أن يوفقنا وإياكم
لسلوك صراطه المستقيم، وأن يُجنبنا جميعًا مواقع سخطه وعذابه الأليم.وصلى الله على مُحمَّد وآله وصحبه أجمعين. () اهـ.
إذا اتضح لك ما عليه هؤلاء الخارجون على الملك عبد
العزيز بن عبد الرحمن آل سعود من غلوٍّ فِي الدين على جهل،
وطعن فِي العلماء والأمراء وإساءة الظن بِهم، وفِي المقابل بدا لك جليًّا ما عليه العلماء الربانيون المتمسكون بِما به النجاة
من الضلال والعصمة من الفتن، ألا وهو الكتاب والسنة الصحيحة على فهم السلف الصالح،
تقرر لدى كل ذي عقل ناصح لنفسه أن النجاة والمخرج من الفتن لزوم ما عليه عامة المسلمين وإمامهم، كما قال رسول الله e
لِحذيفة لَمَّا قال له:فماذا تأمرنِي يا رسول الله إن أدركنِي ذلك؟
قال: تلزم جَماعة المسلمين وإمامهم. قال حذيفة: فإن لَمْ تكن لَهم جماعة ولا إمام؟
قال:" فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل
شجرة حَتَّى يدركك الموت وأنت على ذلك" متفق عليه. فجعل رسول الله e الناصح لأمة النجاة
والمخرج من الفتن؛ التزام ما عليه
إمام المسلمين.
4- انتقاص العلماء بدعوى أنَّهم على جهل بفقه الواقع:وهذه فرية تولى كبرها الإخوان المسلمون وأتباعهم من
القطبيين والسروريين.قال الشيخ بكر أبو زيد: "ومن هذا: تسمية الجماعات المعاصرة لِمن ينتمي إليهم أخًا، وأنه
فاهم وملتزم، ومن لَمْ ينتم إلَى الجماعة باسم الآخرين، ومن أحبهم ومن لَمْ ينضم
إليهم ينبزونه باسم: متعاطف، ومتعاون، وعادي، وطيب، والعالِم الذي لَمْ ينتم إليهم يلقب بأنه ليس واعيًا أو غير واعٍ بالواقع أو غير فاهم بالواقع، وإلصاق التُّهَم الكاذبة بالعلماء، والتنفير منهم، والنظر إليهم بعين
السخط والاستصغار، وهكذا تشييد جسر مُمتد من الغمز واللمز لعلماء الأمة، والتنقص بِهم، بل وصل
الحال إلَى التكفير فما دونه مِمَّا يستخرجونه من قاموس منظارهم الحزبِي، وما هذا
من شهوة التكفير لدى بعض الفرق المغايرة ببعيد"() اهـ.ودحض شبهة رمي العلماء بالجهل بالواقع يكون كالتالِي:أ- تَحديد معنَى فقه الواقع:فهل المراد بفقه الواقع: تتبع الصحف والْمَجلات والقنوات والإذاعات المبنية على التخرصات والظنون
والَّتِي لا يُعلم صدقها من كذبِها؟ لأنَّها ما بين نقل أو تَحليل، فالنقل لا يؤمَن من الكذب؛ لأنه ما بين خبر كافر أو فاسق، والله يقول: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا
بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:6].
والتحليل لا يؤمَن من الخطأ، وأهله فيه مُختلفون، كلٌّ منهم يُخَطِّئ الآخر، فهو مبنِي على تَخرص وظنون، وقد قال أبو هريرة: قال رسول الله e:" إياكم والظن، فإن
الظن أكذب الحديث ". متفق عليه، فإن كان هذا المراد بفقه الواقع فعلماؤنا
عنه بِمعزل، وأحسن الله عزاء أهله فِي أعمارهم وطاقاتِهم المهدرة فيما لا ينفع،
وما أحسن دعاء رسول الله e:" اللهم إنِّي أعوذ
بك من علم لا ينفع ".
وإذا
أردت أن تعرف حقًّا تَخبُّط أهله فيه وخسرانَهم الخسران المبين لإغراقهم فِي بِحار
ظنونه؛ فاقرأ كتاب "مدارك النظر" للشيخ عبد المالك رمضاني -حفظه الله-
فما أنفعه!!وإن كان المراد بفقه الواقع: أن العلماء لا يفتون فِي واقعة إلا بعد تصورها إذ الحكم
على الشيء فرع عن تصوره، وذلك يكون بدراسة ما له أثر فِي الفتوى وبِمشاورة أهل
التخصص، فنشهد بالله أن علماءنا قد قاموا بِهذا،
فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
فإن فقه
الواقع الْمحدَث مذموم، وفقه الواقعة شرط فِي الحكم والفتوى.واعتبر ذلك بحرب الخليج -هجوم العراق على الكويت- فقد أظهر الله خيبة وفشل دعاة فقه الواقع، فصاروا فِي أمر مريج، كل ينعق بِما
يُخالف ويغلط به صاحبه، فمنهم من أقسم ألا تضرب أمريكا الكافرة العراق، ومنهم من أقسم ألا تفعل
العراق شيئًا .. إلخ، مِمَّا لا أحب تسويد القرطاس به، فحمى الله أعراض المسلمين،
ورَدَّ كيد الباغين الحاسدين بفتاوى علمائنا
وعلى رأسهم الإمامان: عبد العزيز بن
باز، ومُحمَّد بن صالح العثيمين -رحِمهما الله- الَّتِي خلاصتها: الاستعانة بالكفار مقابل شيء من حطام الدنيا لرد عدوٍّ باغٍ يريد إفساد الدنيا والدين، وعلى رأسه التوحيد الذي هو حق الله على العبيد.
وحقًّا: لَمَّا هجم البغاة ورَدَّ الله كيدهم أَمِنَّا فِي
أوطاننا، وإن كنا خسرنا شيئًا غير قليل من حطام الدنيا، لكنه بِمقابل ما هو أكثر
من الدنيا، بل وقبل ذلك حفظ الدين والأرواح والأعراض، فاللهم لك الحمد أبد
الآبدين.
ب- تجد كثيرًا مِمن يلهج بفقه الواقع وتَجهيل العلماء به لا يقف عند هذا الحد، بل يتعدى ويعترض
على العلماء فِي أحكامهم الشرعية مع كونه جاهلاً بالشرع أو على أقل تقدير ليس
متمكنًا منه، فما له لا يَحترم التخصص ويترك العلم لأهل العلم، ويتمثل قول القائل: رحِم الله امرأً عرف قدر نفسه؟! أم أن تعوده على القيل والقال فِي
الأمور السياسية من غير تثبت جَرَّأه على القيل والقال فِي الأمور الشرعية؟!وأخيرًا: والله إنِّي لأشفق على أهل فقه الواقع من الظن الذي هو
أكذب الحديث، قال رسول الله e:" إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث ". متفق عليه، وهو من القيل والقال الذي كُرِه لنا، كما أخرج الشيخان أن رسول الله e
قال:" وكره لكم ثلاثًا: قيل وقال ..."().
وبعد: فهذه مناظرة علمية لطيفة أُقَرِّب بِها الأدلة، ووجه الدلالة، والاعتراضات والرد عليها، وأصف السائر
على طريقة سلفنا الصالح وعلمائنا الكبار كابن باز، وابن عثيمين، والفوزان، وعبد
الْمُحسن العبَّاد بالناصح، والآخر المخالف
المتأثر بـ"إخوان من طاع الله" بالمنصوح().
قال الناصح للمنصوح: إنِّي والله أراك على حالة لا أرضاها لأحد من إخوانِي المسلمين؛ لأنَّها مُخالفة لِما جاء فِي الكتاب والسنة بدافع الحماسة والغيرة على الدين، وإياك أن تفهم
من كلامي هذا قدحي فِي صلاح نيتك فقد تكون نيتك حسنة صادقة، لكن حسن النية وحدها ليس من لازمه حسن
الأعمال ما لَمْ تكن على شرع الله وفق هدي رسول الله e
بفهم سلف الأمة الأخيار، كما قال تعالَى: ﴿وَيَتَّبِعْ
غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:115].
قال الإمام ابن تيمية: "وإنَّما الْمُتَّبع فِي إثبات أحكام الله: كتاب الله، وسنة رسوله e، وسبيل السابقين أو الأولين، لا يَجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة، نصًّا
واستنباطًا بِحال"() اهـ.
ومِمَّا
يدل على أن حسن النية وحدها لا يكفي: قول عبد الله بن مسعود: وكم مريد للخير لَمْ
يصبه. أخرجه الدارمي.قال المنصوح: جزاك الله خيرًا
على نصحك وحبك الخير لغيرك، وبِما أنك بدأت فاعلم أنَّنِي أيضًا أستنكر عليك أمورًا، لكن أتم ما بدأت به، وفِي أثناء تقريرك أورد عليك ما
عندي فتفضل، شرح الله صدورنا للحق.
قال الناصح: آمين، أسأل الله
أن يرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.
أخي الكريم، إنِّي أراك تطعن وتستنقص علماءنا وولاتنا.
قال المنصوح: لحظة أيها الناصح
لست أطعن فيهم لذواتِهم، وإنَّما أنا ناصح للأمة ببيان أخطائهم، وهذا من إنكار
المنكر الذي فضلت به هذه الأمة، فهل أنت فِي شك من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر؟قال الناصح: معاذ الله، كيف
أكون شاكًّا فِي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، والنصوص متواترة فِي تقريرها والأمر بِها؟ فإن الشك فِي شرعيتها كفر، لكن
لا تنس أن مُجرد التبجح بالقيام بِهذه الشعيرة لا يكفي ما لَمْ يكن مدعي القيام بِها
موافقًا فِي قيامه بِها للكتاب والسنة
بفهم سلف الأمة، فقد احتجت الخوارج والمعتزلة بالقيام بالأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنهم صوروه بغير صورته، وجعلوه التكفير بالذنوب
والخروج على السلطان الفاسق، فليس كل من احتج بالقيام بِهذه الشعيرة مصيبًا فِي
دعواه، وإنَّما العبرة بواقع الحال.قال المنصوح: إن النصوص الدالة
على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عامة لَمْ تفرق بين أمير ولا مأمور، ولا عالِم وجاهل.
قال الناصح: كلا، إن النصوص
على فهم سلفنا فرقت، ألَم يقل رسول الله e:"
الدين النصيحة. قالوا: لِمَن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة
المسلمين وعامتهم؟ أخرجه مسلم.وأئمة المسلمين: هم الأمراء، فلما أفردهم بالذكر دل على أن نصحهم مغاير
لغيرهم من عامة الناس.قال المنصوح: أؤكد أنِّي طالب للحق، وأنِّي لست صاحب هوى متَى ما تبين لِي الحق بدليله.
قال الناصح: وأنا مثلك، ولولا هذا ما اجتمعنا وفتحنا باب الحوار.
قال المنصوح: إن استدلالك بحديث:
الدين النصيحة . استدلال وجيه،
لكن غاية ما فيه بيان أن نصحهم مغاير لنصح غيرهم، ولَمْ يبين هذا الدليل كيف
نصحهم؟ فهل لديك ما يدل على كيفية نصحهم؟قال الناصح: نعم، لكن حَتَّى
يكون الكلام مرتبًا أبدأ بِمناقشة قَدْحِكُم فِي الولاة ثُمَّ العلماء، واخترت أن
أبدأ المناقشة بالولاة قبل العلماء؛ لأن كثيرًا من قَدْحِكم فِي العلماء سببه ظنكم مداهنتهم للولاة.
قال المنصوح: ابدأ مستعينًا
بالله.قال الناصح: قبل أن أبدأ أمهد
ما أريد طرحه بسؤال أوجهه إليك: هل ولاتنا عندك كفار أم مسلمون؟قال المنصوح: لا، مسلمون لكن
عندهم أخطاء كغيرهم من عامة الناس، وهذا ما يُصرحون ويُقِرُّون به.
قال الناصح: نعم، نسأل الله أن
يهدينا وإياهم للخير، فإنَّهم مسلمون، ومعتقد أهل السنة: أنَّهم لا يُكفَّرون بالذنب، والتلطخ بالذنوب والأخطاء ليس خاصًّا
بالولاة؛ بل كلنا فيه ما بين مستقِلٍّ ومُستكثر، والواجب على الجميع التوبة والإقلاع عن الذنب حكامًا
ومَحكومين .قال المنصوح: نعم، صدقت، وقد قلت لك: إنِّي لا أكفرهم؛ لكن هناك من يكفِّرهم!
قال الناصح: بِماذا -والعياذ
بالله-؟قال المنصوح: بالحكم بغير ما أنزل الله، وإعانة الكفار
على المسلمين.
قال الناصح: إنه على فرض وجود
هذين الأمرين، فإنِّي أدين الله بأن ترك الحكم بكتاب الله خطير، وسبب للهلاك، لكن ليس كفرًا أكبر كما هو اختيار الإمامين عبد العزيز بن باز،
والألبانِي -رحِمهما الله- وكذا إعانة الكفار على المسلمين على خطورته ليس كفرًا
أكبر على الإطلاق، كما هو قول جمع من أهل العلم، ومنهم: المذاهب الأربعة فِي عدم
تكفير الجاسوس الناقل لأخبار المسلمين إلَى الكفار.
ومنهم
الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن لَما قرر أن إعانة الكفار إذا كانت لدافع
دنيوي فليس مُخرجًا من الملة، وهذا ما رجحه شيخنا مُحمد بن صالِح العثيمين -رحِمه
الله-.قال المنصوح: عجبًا -والله- لو أفدتنِي بزيادة نقولات
وأدلة.
قال الناصح: ليس مرادي بَحث
المسألة بالأدلة الآن؛ وإنَّما مرادي أن هذه المسائل خلافية بين علماء أهل السنة، فإذا كان كذلك فلا
يصح تكفير المعين بالمسائل الخلافية، بل الخلاف في المسألة مانع من تكفير المعين.قال المنصوح: نعم، أتذكر أن الإمام مُحمَّد بن عبد الوهاب
قال: أركان الإسلام خمسة: أولها الشهادتان، ثُمَّ الأركان الأربعة، فالأربعة إذا
أقر بِها وتركها تَهاونًا، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نُكَفِّره بتركها.
والعلماء
اختلفوا فِي كفر التارك لَها كسلاً من غير جحود، ولا نكفِّر إلا ما
أجْمع عليها العلماء كلهم، وهو الشهادتان. () اهـ.
وقال النووي فِي كتابه
"رياض الصالِحين" فِي تفسير " بواحًا ": أي: ظاهرًا لا يَحتمل تأويلاً.
وتَنازُعُ أهلِ العلم
تَأويلٌ يَمنع التكفير؛ لأن للمكفر أن يأخذ قول العلماء الآخرين بِما أن الخلاف
سائغ بين أهل السنة، وهم من أهل السنة، وقد نص على أن الكفر لا يكون فِي المتنازع
فيه الشيخ مُحمَّد بن صالِح العثيمين فِي مواضع من اللقاء المفتوح.قال الشيخ ابن عثيمين -رحِمه الله- فِي "شرح القواعد المثلى": وكثير من الناس اليوم مِمَّن ينتسبون إلَى
الدين، وإلَى الغيرة فِي دين الله تعالى تَجدهم يُكفِّرون من لَمْ يكفره الله تعالى ورسوله، بل مع الأسف! إن
بعض الناس صاروا يناقشون فِي ولاة أمورهم، ويُحاولون أن يطلقوا عليهم الكفر؛
لِمجرد أنَّهم فعلوا شيئًا يعتقد هؤلاء أنه حرام، وقد يكون من المسائل الخلافية،
وقد يكون هذا الحاكم معذورًا بِجهله؛ لأن الحاكم يُجالسه صاحب الخير وصاحب الشر،
ولكل حاكم بطانتان، إما بطانة خير، وإما بطانة شر.
فبعض الحكام مثلاً يأتيه
بعض أهل الخير ويقولون: هذا حرام ولا يَجوز أن تفعله، ويأتيه آخرون ويقولون: هذا
حلال ولك أن تفعله!ولنضرب مثلاً فِي البنوك،
الآن نَحن لا نشك بأن البنوك واقعة فِي الربا الذي لعن النَّبِي e آكله وموكله، وشاهديه وكاتبه،
وأنه يَجب إغلاقها واستبدال هذه المعاملات بالمعاملات الحلال، حَتَّى يقوم أولاً
ديننا، ثُمَّ اقتصادنا ثانيًا...
فالتعجيل فِي تكفير الحكام
المسلمين فِي مثل هذه الأمور خطأ عظيم، ولابد أن نصبر، فقد يُمكن أن يكون الحاكم
معذورًا! فإذا قامت عليه الحجة، وقال: نعم، هذا هو الشرع، وأن هذا الربا حرام، لكن
أرى أنه لا يصلح هذه الأمة فِي الوقت الحاضر إلا هذا الربا! حينئذٍ يكون كافرًا؛
لأنه اعتقد أن دين الله فِي هذا الوقت غير صالِح للعصر، أما أن يشبَّه عليه،
ويقال: هذا حلال، يعنِي: الفقهاء قالوا كذا! ولأن الله قال كذا!! فهذا قد يكون
معذورًا؛ لأن كثيرًا من الحكام المسلمين الآن يَجهلون الأحكام الشرعية أو كثيرًا
من الأحكام الشرعية.
فأنا ضربت هذا المثل حَتَّى
يتبين أن الأمر خطير، وأن التكفير يَجب أن يعرف الإنسان شروطه قبل كل شيء".اهـ.
ومثله التفسيق، لا يكون
فيما تنازع فيه علماء السنة، فمن رأى أن علة جريان الربا فِي الأصناف الأربعة
الادخار زيادة على الطعم والكيل والوزن، فليس له أن يفسق العامي المقلد لعالِم
معتبر فِي التعليل بالادخار زيادة على الطعم والكيل، أو الادخار إذا تبادل على وجه
الزيادة، فما هو مطعوم غير مدخر.قال الناصح: أحسنت -جزاك الله
خيرًا- ولو عقل هذا هؤلاء المكفرون، وكانوا ذوي تقوى وخوف من الله لَما تسرعوا وكفَّروا، فما أحسن العلم!!قال المنصوح: بودي لو أحلتنِي على مرجع مفيد يطيل تقرير
هاتين المسألتين.
قال الناصح: أما مسألة الحكم
بغير ما أنزل الله، فلو راجعت كتاب "قواعد ومسائل في توحيد الإلَهية"، وكتاب "تبديد كواشف العنيد في تكفيره
لدولة التوحيد"()، وكتاب "الوقفات على
ما فِي كتاب التبيان من المغالطات" لأبِي عبد الله اليمنِي، وهي ثلاث رسائل
موجودة فِي مكتبة سحاب السلفية على الإنترنت.قال المنصوح: بِما أن المسألة خلافية اجتهادية بين علماء
أهل السنة فلا يصح التكفير بِها، وهذا أخصر طريق يقنع به المكفر المتهور، وأذكرك
أخي بأنِّي لست أكفر، وكيف أُقدم على أمر خطير مثل هذا، ولو لَمْ يكن من خطورته
إلا أن المكفر غيره بلا حجة صحيحة يرجع تكفيره عليه؛ كما صح ذلك عن رسول الله e،
وهذا فِي عامة الناس، فكيف فِي الحكام والسلاطين، وفِي ظنِّي غالب من يُقدم على
هذا جُهال متحمسون لا دين عندهم رادع.
قال الناصح: أحسنت -بارك الله فيك- ويا ليت المتحمسين المندفعين يعقلون ما عقلت قبل أن يفسدوا
الدنيا والدين بِحماساتِهم غير المنضبطة.قال الناصح: نعم، أذكر أنك لا تُكفِّرهم، وإنَّما ترى أن
عندهم أخطاءً وذنوبًا، وإن ديننا علَّمنا كل خير فيه النجاة والفلاح، ومِمَّا عَلَّمَنَا ديننا الموقف الصحيح الذي يكون به خير الدنيا
والدين من الحكام الفساق، وكان سلفنا أفهم الناس وأشدهم قيامًا به، فالخير كل
الخير فِي اتباع من سلف.
يتلخص منهج الكتاب والسنة على فهم السلف تجاه الولاة
فيما يلي:1- اعتقاد البيعة لَهم فِي أعناقنا: كما روى الإمام مسلم عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله e:" من مات ليس فِي عنقه بيعة؛ مات ميتة جاهلية ". ونحوه فِي
الصحيحين عن ابن عباس.2- عدم الخروج على الولاة وإن فسقوا وجاروا: أخرج مسلم عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله e:" من خلع يدًا من
طاعة؛ لقي الله يوم القيامة لا حجة له ".
قال ابن كثير فِي البداية والنهاية: "ولَمَّا خرج أهل المدينة عن طاعته -أي: يزيد- وولوا عليهم ابن مطيع وابن حنظلة، لَمْ يذكروا عنه -وهم أشد الناس عداوة له- إلا ما ذكروه عنه من شرب الخمر، وإتيانه بعض القاذورات؛ بل قد كان فاسقًا، والفاسق لا يَجوز خلعه، لأجل ما يثور بسبب ذلك من الفتنة ووقوع الهرج كما وقع فِي زمن الحرة، وقد كان عبد الله بن عمر
بن الخطاب وجماعات أهل بيت النبوة مِمن لَمْ ينقض العهد، ولا بايع أحدًا بعد بيعته
ليزيد.
كما قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن علية: حدثنِي صخر بن جويرية، عن نافع قال: لَمَّا خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه وأهله ثُمَّ
تشهد، ثُمَّ قـال: أمـا بعد؛ فإننـا بايعنـا هـذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإنِّي
سَمعت رسول الله e
يقول:" إن الغادر يُنصب له لواء يوم القيامة يقال:
هذه غدرة فلان ".وإن من أعظم الغدر -إلا أن يكون الإشراك بالله- أن يبايع رجل رجلاً على بيع
الله وبيع رسوله، ثُمَّ ينكث بيعته، فلا يَخلعن أحد منكم يزيد، ولا يسرفن أحد منكم فِي هذا الأمر،
فيكون الفيصل بينِي وبينه، وقد رواه مسلم والترمذي من حديث صخر بن جويرية، وقال
الترمذي: حسن صحيح" اهـ.والنصوص فِي تحريم الخروج متواترة من الكتاب والسنة
وإجماع علماء الأمة، وإليك طرفًا منها مُختصرًا:أ- كل نص يدل على السمع والطاعة لولاة الأمر كقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي
الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء:59]. يدل على حرمة الخروج، ومن ذلك ما روى مسلم عن
حذيفة أن رسول الله e قال:" اسمع وأطع للأمير،
وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع ".وما روى مسلم أيضًا عن ابن عمر أن رسول الله e قال:" من خلع يدًا من
طاعة؛ لقي الله يوم القيامة لا حجة له ".
وأخرج الآجري بإسناد صحيح عن سويد بن غفلة قال: قال لي
عمر بن الخطاب: لعلك أن تخلف بعدي فأطع الإمام، وإن كان عبدًا حبشيًّا، وإن ضربك فاصبر، وإن حرمك فاصبر، وإن دعاك إلَى أمر
منقصة فِي دنياك، فقل: سَمعًا وطاعة، دمي دون دينِي().وفِي رواية أخرى:" وإن ظلمك فاصبر". فهذا إمام ظالِم يأخذ الأموال ويضرب ويدعو لِمَا فيه منقصة الدين، ومع ذلك أمرنا بالصبر والسمع
والطاعة له فِي غير ما حرم الله.كما ثبت فِي الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله e قال:" على المرء المسلم
السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بِمعصية الله فلا سمع ولا طاعة ".
ب- عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله e:" ألا من وُلِّي عليه
والٍ فرآه يأتِي شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتِي من معصية الله، ولا ينْزعنَّ
يدًا من طاعة ". رواه مسلم، وهذا نص صريح فِي تحريم الخروج على الحاكم الفاسق؛ لأنه أمرنا بكره المعصية وعدم نزع اليد من طاعة الله.
ج- وأخرج الإمام مسلم فِي صحيحه أن سلمة بن يزيد الجعفي
سأل رسول الله e فقال:" يا نبِي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويَمنعونا حقنا فماذا تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثُمَّ سأله، فأعرض
عنه، ثُمَّ سأله، فجذبه الأشعث بن قيس، فقال رسول الله e:
اسْمعوا وأطيعوا، فإنَّما عليهم ما حُمِّلوا
وعليكم ما حُمِّلتم ". وهذا نص صريح فِي السمع والطاعة للحاكم الذي يَمنع حقوق الناس المالية وغيرها من أمور الدنيا، وصريح
أيضًا فِي عدم الخروج عليه؛ لأن عليه ما حُمِّل وعليكم ما حُمِّلتم.
وقد انعقد إجماع السلف على عدم الخروج على السلطان
واستقر مذهبهم على هذا، ودونكم كتب عقائد أهل السنة فانظروها تَجدوا التأكيد على هذا الأمر.قال ابن تيمية: "ولِهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنَّهم لا يرون الخروج على الأئمة،
وقتالَهم بالسيف، وإن كان فيهم ظلم، كما دلت على ذلك الأحاديث المستفيضة عن النَّبِي
e.
ثُمَّ قال: ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان فِي
خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته"() اهـ.قال ابن حجر: "وقولُهم: "كان يرى السيف". يعنِي: كان يرى الخروج بالسيف على
أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديْم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لَمَّا رأوه قد أفضى إلَى أشد منه فِي وقت الحرة، ووقعة
ابن الأشعث وغيرهما عظة لِمن تدبر"() اهـ.
وقد حكى النووي فِي شرح مسلم الإجماع على حرمة الخروج
على الحاكم الفاسق، فقال (12/229):"وأما
الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالِمين، وقد تظاهرت
الأحاديث بِمعنَى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما
الوجه المذكور فِي كتب الفقه لبعض أصحابنا -أنه ينعزل وحكي عن المعتزلة أيضًا-
فغلط من قائله مُخالف للإجماع.قال
العلماء: وسبب عدم انعزاله وتَحريْم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة
الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة فِي عزله أكثر منها فِي بقائه.
ثُمَّ قال: قال القاضي: وقد ادعى أبو بكر بن مُجاهد فِي هذا الإجماع، وقد رد
عليه بعضهم هذا بقيام الْحسن وابن الزبير وأهل المدينة على بنِي أمية، وبقيام
جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث.
وتأول
هذا القائل قوله: ألاَّ ننازع الأمر أهله فِي أئمة العدل.ثُمَّ قال: قال القاضي: وقيل: إن هذا الْخلاف كان أولاً ثُمَّ حصل الإجماع على
منع الخروج عليهم، والله أعلم. اهـ.ونص القاضي عياض فِي إكمال المعلم (6/247): وحجة الآخرين
أن قيامهم على الحجاج ليس لِمجرد الفسق، بل لَما غيَّر من الشرع وظاهر الكفر لبيعة الأحرار،
وتفضيله الخليفة على النبِي e، وقوله المشهور المنكر فِي ذلك، وقيل: بل كان فِي هذا الخلاف
أولاً ثم وقع الاتفاق بعد على ترك القيام. اهـ.3- أن أمر الجهاد مناط بولاة الأمر لا بغيرهم، فلا يشرع الجهاد إلا بإذنِهم.
ويدل لذلك ما يلي:أ- ما روى البخاري ومسلم عن أبِي هريرة أن رسول الله e قال:" إنَّما الإمام
جُنَّة يقاتل من ورائه ويتقى به، فإن أمر بتقوى الله تعالى وعدل كان له بذلك أجر،
وإن يأمر بغيره كان عليه منه ". فهذا خبر بِمعنَى الأمر، وهو نص فِي المسألة.
قال النووي: " الإمام جُنَّة ". أي: كالستر؛ لأنه يَمنع العدو من أذى
المسلمين، ويَمنع الناس بعضهم من بعض، ويَحمي بيضة الإسلام،
ويتقيه الناس، ويَخافون سطوته، ومعنَى:" يقاتل من ورائه ". أي: يقاتل معه الكفار والبغاة والخوارج وسائر أهل الفساد والظلم"() اهـ.وقال ابن حجر: "لأنه يَمنع العدو من أذى المسلمين،
ويكف أذى بعضهم عن بعض، والمراد بالإمام: كل قائم بأمور الناس"() اهـ.ب- ما روى الشيخان أن حذيفة بن
اليمان t قال: قلت: يا رسول الله، فما ترى إن أدركنِي ذلك؟ قال: تلزم جَماعة المسلمين
وإمامهم. فقلت: فإن لَمْ تكن لَهم جَماعة ولا إمام؟
قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل
شجرة حَتَّى يأتيك الموت وأنت على ذلك ".وجه الدلالة: أنه مأمور بالتزام جماعة المسلمين وإمامهم، وألاَّ يفارقهم.فإن قيل: الذي يذهب الآن إلَى الجهاد هو ينتقل من جَماعة مسلمين
وإمامهم إلَى جماعة مسلمين آخرين وإمامهم، فهو إذن ملازم لجماعة المسلمين وإمامهم.
قيل: هذا لا يَجوز، وهو عين الغدر
الذي نَهى عنه رسول الله e فيما رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر أن رسول الله e قال:" إن الغادر يُنصب له
لواء يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان "، وقد استدل به ابن عمر على حرمة خلع البيعة
من يزيد إلَى ابن مطيع وابن حنظلة -كما مر آنفًا-.
ومن الأدلة أيضًا على حرمة مثل هذا: ما خرجه مسلم عن ابن عمر أن رسول الله e قال:" من خلع يدًا من
طاعة؛ لقي الله يوم القيامة لا حجة له ".
ج- كل دليل يدل على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر فِي
غير ما حرم الله؛ يدل على أن الجهاد لا يجوز للمعين إلا بإذن ولي أمره؛ فإن ولاة
الأمور لا يأذنون بالجهاد فِي هذه
الأيام.
د- ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فهذه القاعدة دليل
على تعليق أمر الجهاد بولي الأمر وإلا لصار الأمر فوضى، ولتنازع الناس فيما بينهم،
بل لعل بعضهم يقتل بعضًا، فهذا لا يرى الجهاد مناسبًا، والآخر يقاتله لتصوره أنه
ينكر شرعيته، وآخرون يقاتلون طائفة مسلمة ابتداء لظنهم كفرهم، وهكذا...4- جَمع الناس عليهم وإبراز مَحاسنهم وعدم سبهم بِما
فيهم فضلاً عما ليس فيهم، ومِمَّا لَمْ يتثبت
منه.
ويدل على هذا ما يلي:أ- كل دليل دال على السمع والطاعة لَهم؛ لأنَّهم يأمرون بِجمع الناس عليهم وعدم سَبِّهم.ب- كل دليل دال على حرمة الخروج؛ لأن سبهم يؤدي إلَى
الخروج عليهم، فإن كل خروج فعلي مسبوق بِخروج قولي.ج- أخرج الترمذي عن زياد بن كسيب العدوي قال: كنت مع أبِي
بكرة تحت منبر ابن عامر -وهو يَخطب وعليه ثياب رقاق- فقال أبو بلال: انظروا إلَى أميرنا يلبس ثياب الفساق،
فقال أبو بكرة: اسكت؛ سَمعت رسول الله e
يقول: من أهان السلطان فِي الأرض، أهانه الله اهـ. حسنه الإمام الألبانِي.
وقال صالح بن عبد العزيز العثيمين: فإذا كان الكلام فِي الملك بغيبة، أو نصحه جهرًا والتشهير به من إهانته الَّتِي توعد الله
فاعلها بإهانته؛ فلا شك أنه يَجب مراعاة ما ذكرناه لِمن استطاع نصيحتهم من العلماء الذين يغشونَهم ويُخالطونَهم، وينتفعون بنصيحتهم دون غيرهم.إلَى أن قال: فإن مُخالفة السلطان فيما ليس من ضروريات الدين علنًا، وإنكار ذلك عليه فِي الْمَحافل والمساجد والصحف ومواضع الوعظ وغير ذلك، ليس من
باب النصيحة فِي شيء؛ فلا تغتر بِمن يفعل ذلك، وإن كان عن حسن نيـة، فإنه خلاف ما
عليه السلف الصالح المقتدى بِهم، والله يتولى هداك"() اهـ.وإليك بعض كلمات السلف والعلماء على ما نَحن بصدده:أخرج ابن أبِي شيبة وغيره عن سعيد
بن جبير قال: قلت لابن عباس: آمر إمامي بالمعروف؟ قال ابن عباس: إن خشيت أن يقتلك فلا، فإن كنت فاعلاً ففيما
بينك وبينه، ولا تغتب إمامك ". وهذا الأثر الثابت عن ابن عباس صريح فِي عدم غيبة
الولاة وفِي كيفية نصحهم.
وثبت عن حكيم بن حزام فيما أخرج ابن أبِي شيبة وغيره أنه
قال: "لا أعين على دم خليفة أبدًا بعد عثمان. فيقال له: يا أبا
معبد، أَوَأعنت على دمه؟ فيقول: إنِّي أعد ذكر مساويه عونًا على دمه".
وأخرج ابن عبد البر فِي التمهيد عن أبِي إسحاق السبيعي
أنه قال: "ما سب قوم أميرهم إلا حُرموا خيره".وثبت فيما أخرج ابن زنجويه عن أبِي مجلز أنه قال: "سب الإمام الحالقة، لا أقول: حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين".وأخرج ابن عساكر عن ابن المبارك أنه قال: "من استخف بالعلماء؛ ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء؛ ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان؛ ذهبت مروءته".
قال ابن جَماعة عادًّا حقوق ولاة الأمر: "رد القلوب النافرة عنه إليه، وجَمع مَحبة الناس عليه؛ لِما فِي ذلك من مصالِح الأمة، وانتظام أمور الملة، والذب
عنه بالقول والفعل وبالمال والنفس والأهل فِي
الظاهر والباطن، والسر والعلانية"() اهـ.5- النصح لَهم والتعاون معهم على الخير:إن نصيحة الناس عامة دين يُحبه الله فكيف بأئمة المسلمين
كما جاء ذلك فِي حديث:" الدين
النصيحة "، لكن نصيحة الولاة مغايرة لنصيحة غيرهم للمنْزلة الَّتِي
جعلها الله لَهم، وقد تقدم قريبًا قول ابن عباس لسعيد بن جبير:" فإن كنت فاعلاً ففيما بينك وبينه ولا تغتب إمامك ".
() الرد على البكري (ص260).() مجموع الفتاوى (3/229).
([3])
الدرر السنية (1/104).() ومن أقرب الأمثلة على هذا أنَّهم تناقلوا فتوى اللجنة بتحريم
التأمين -وهذا حق يُحمدون عليه- لكنهم يخفون لام (ص64).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق