الجمعة، 27 فبراير 2015

لأنموذج الثاني
عرض لمنهج أئمة الدعوة ودولتها بعده
وأسوق للقارئ أنموذجا لمنهج الدعوة العام في الدين ، كما بينه ورسمه أحد علمائها الكبار وهو الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ، وأحد ولاتها الأفذاذ وهو الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد ، وهو المنهج الذي يمثل منهج السلف الصالح ، أهل السنة والجماعة في جميع الجوانب ، في العقيدة والأحكام والتعامل في البيان الذي كتبه الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب أثناء دخولهم مكة ملبين منتصرين سنة ( 1218هـ ) ، وقد أعلنوا الأمان لسكان البيت الحرام :
[ البدء بالبسملة والحمد ] :
أول مظاهر التزام السنة بدؤه بالبسملة والحمد والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال :
« بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين ، وعلى آله وصحبه والتابعين » .
ثم حمده لله وشكره لـه ، على ما من به على أهل السنة من التمكين ، ولم يظهر منهم ما يفعله خصومهم من العجب والكبر والغرور والتعالي على الخلق قال :
« وبعد : فإنا معاشر غزو الموحدين ، لما من الله علينا - وله الحمد - بدخول مكة المشرفة نصف النهار ، يوم السبت في ثامن شهر محرم الحرام ، سنة 1218هـ » .
تحقيقهم للأمن والأمان لأهل مكة والحجاج :
وكانوا يرعون حق الله تعالى ويعظمون شعائره ويقفون عند حدوده ويرعون حقوق الناس ، ويتقون الله فيهم لا سيما سكان البيت الحرام ، ويرغبون في تحقيق الأمن والسلم " - ص 71 -" والتسامح ، ويحبون العفو عند المقدرة كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل . لذا نجد أن الأمير سعود استجاب لطلب أشراف مكة وعلمائها ، بل والعامة في ضمان أمنهم وحقوقهم ، رغم أنهم كانوا قد عزموا على حشد الحشود لصد أهل الحق . أما ما أصاب بعض أهل البدع من الرعب آنذاك فهو من مظاهر النصر التي وعد الله بها المؤمنين الصادقين المتقين كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : « ونصرت بالرعب مسيرة شهر . قال :
« بعد أن طلب أشراف مكة ، وعلماؤها وكافة العامة من أمير الغزو [ سعود ] الأمان ، وقد كانوا تواطئوا مع أمراء الحجيج ، وأمير مكة على قتاله ، أو الإقامة في الحرم ، ليصدوه عن البيت ، فلما زحفت أجناد الموحدين ألقى الله الرعب في قلوبهم ، فتفرقوا شذر مذر ، كل واحد يعد الإياب غنيمة ، وبذل الأمير حينئذ الأمان لمن بالحرم الشريف » .
دخولهم كان بملابس الإحرام والنسك :
فقد دخلوا بمنتهى التواضع والتذلل لله تعالى ، معلنين للتوحيد ، كما أعلنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، غير متلبسين بشيء من البدع والمحدثات ، ولا المنكرات التي يفعلها في هذه المواقف وغيرها كثيرون ، كما أنهم لم يدخلوا بالقتال ، ولم يريقوا الدماء كما يزعم كثيرون من خصومهم والجاهلين بحالهم . قال :
« ودخلنا وشعارنا التلبية ، آمنين محلقين رؤوسنا ومقصرين ، غير خائفين من أحد من المخلوقين ، بل من مالك يوم الدين » .
أدبهم وانضباطهم في مكة المكرمة :
وكانوا أثناء دخولهم لمكة المكرمة على غاية السكينة ، والانضباط والأدب وتعظيم شعائر الله تعالى ، بخلاف ما يشيعه عنهم خصومهم والجاهلون بحقيقة أمرهم من أنهم " - ص 72 -" متوحشون وغير مؤدبين قال :
« ومن حين دخل الجند الحرم ، وهم على كثرتهم مضبوطون متأدبون ، لم يعضدوا به شجرا ، ولم ينفروا صيدا » .
ولم يباشروا قتالا في الحرم :
ثم حين دخلوا الحرم كانوا - بخلاف ما يشاع عنهم - حريصين على رعاية حرمة مكة ، وحقن دماء المسلمين . قال :
« ولم يريقوا دما إلا دم الهدي ، أو ما أحل الله من بهيمة الأنعام على الوجه المشروع » .
شرح منهجهم وما يدعون إليه ويقاتلون الناس عليه :
ولما أدوا مناسكهم لم يحتجبوا عن الناس ، ولم يلزموهم الحق بالقوة كما يزعم خصومهم ، بل عرضوا منهجهم علنا ، وبينوا بالدلائل والبراهين أنهم جاءوا لنصر التوحيد والسنة وإعلانها ، وإزالة مظاهر الشرك والبدع وإنكارها ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما كانت طريقة المرسلين ، وسنة خاتم النبيين محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحابته والتابعين والسلف الصالح . قال : « ولما تمت عمرتنا : جمعنا الناس ضحوة الأحد ، وعرض الأمير - رحمه الله - على العلماء ما نطلب من الناس ونقاتل عليه ؛ وهو : إخلاص التوحيد لله تعالى وحده ؛ وعرفهم أنه لم يكن بيننا وبينهم خلاف لـه وقع إلا في أمرين :
أحدهما : إخلاص التوحيد لله تعالى ، ومعرفة أنواع العبادة ، وأن الدعاء من جملتها ، وتحقيق معنى الشرك ، الذي قاتل الناس عليه نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، واستمر دعاؤه برهة من الزمن بعد النبوة إلى ذلك التوحيد ، وترك الإشراك قبل أن تفرض عليه أركان الإسلام الأربعة .
والثاني : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الذي لم يبق عندهم إلا اسمه ، وانمحى أثره ورسمه » . ====================" ص 73 -" موافقة علماء مكة وأشرافها وغيرهم لدعوة الحق ومبايعتهم على ذلك :
ولما سمع أهل العلم والعقل والحلم من علماء مكة وأشرافها وأعيانها ما كان عليه أهل الدعوة ، وما يدعون إليه ، وما جاءوا من أجله ، ورأوا الحقيقة الجلية صافية نقية سالمة من حجب البهتان والتزوير والتضليل أذعنوا للحق ، واستبانت لـهم المحجة . قال : « فوافقونا على استحسان ما نحن عليه جملة وتفصيلا ، وبايعوا الأمير على الكتاب والسنة » .
الرفق بالعلماء والعامة والعفو عنهم :
ثم أخذوا الجميع بالرفق والتلطف ، واستمرت بين الطرفين المحاورات والتناصح والمذاكرة ، وعاملهم الأمير سعود بالصفح والعفو . قال : « وقبل منهم وعفا عنهم كافة ، فلم يحصل على أحد منهم أدنى مشقة ، ولم يزل يرفق بهم غاية الرفق ، لا سيما العلماء ، ونقرر لهم حال اجتماعهم ، وحال انفرادهم لدينا : أدلة ما نحن عليه ، ونطلب منهم المناصحة والمذاكرة وبيان الحق » .
إعلانهم الاستعداد لقبول الحق بدليله :
وأعلن الأمير سعود ومن معه من العلماء المنهج الشرعي الذي يجمع عليه المسلمون : من التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأنهم مستعدون لقبول الحق بدليله ، وأنه لا مساومة على هذا المبدأ المجمع عليه ، ولما عرضوا على أهل مكة ذلك ، وطلبوا منهم التحاكم فيما اختلفوا فيه إلى هذه القاعدة لم يكن منهم إلا التسليم بالحق . قال : « وعرفناهم : بأن صرح لهم الأمير حال اجتماعهم ، بأنا قابلون وما وضحوا برهانه ، من كتاب أو سنة أو أثر عن السلف الصالح ، كالخلفاء الراشدين ، المأمورين باتباعهم ، بقولـه - صلى الله عليه وسلم - : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي أو " - ص 74 -" عن الأئمة الأربعة المجتهدين ومن تلقى العلم عنهم إلى آخر القرن الثالث ، لقولـه - صلى الله عليه وسلم - : خيركم قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم .
وعرفناهم : أنا دائرون مع الحق أينما دار ، وتابعون للدليل الجلي الواضح ، ولا نبالي حينئذ بمخالفة ما سلف عليه من قبلنا ، فلم ينقموا علينا أمرا » .
تقرير منع طلب الحاجات من الأموات وإذعان المخالفين للحق :
ثم شرعوا مع علماء مكة بمناقشة القضية الكبرى بين دعوة السنة وبين أهل البدع ، بل بين الرسل والدعاة دائما ، وبين خصومهم ، وهي قضية الشركيات والبدع ، كطلب الحاجات من الأموات . ولما وردت بعض الشبهات ، ردها أهل الحق بالأدلة من الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة ، وبذلك اعترف الآخرون بالحق والحمد لله .
قال : « فألحينا عليهم في مسألة طلب الحاجات من الأموات ، إن بقي لديهم شبهة ؟ فذكر بعضهم شبهة أو شبهتين ، فرددناها بالدلائل القاطعة ، من الكتاب والسنة ، حتى أذعنوا ولم يبق عند أحد منهم شك ولا ارتياب ، فيما قاتلنا الناس عليه ، أنه الحق الجلي ، الذي لا غبار عليه » .
انشراح صدور الناس للحق حين سمعوه ورأوا الحقيقة :
قال : « وحلفوا لنا الأيمان المغلظة ، من دون استحلاف لهم ، على انشراح صدورهم وجزم ضمائرهم : أنه لم يبق لديهم شك في أن من قال يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أو يا ابن عباس أو يا عبد القادر أو غيرهم من المخلوقين ، طالبا بذلك دفع شر أو جلب خير ، من كل ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، من شفاء المريض والنصر على العدو والحفظ من المكروه ، " - ص 75 -" ونحو ذلك : أنه مشرك شركا أكبر يهدر دمه ، ويبيح ماله ، وإن كان يعتقد أن الفاعل المؤثر في تصريف الكون ، هو الله تعالى وحده ، لكنه قصد المخلوقين بالدعاء ، مستشفيا بهم ومتقربا بهم ، لقضاء حاجته من الله بسرهم ، وشفاعتهم لـه فيه أيام البرزخ » .
وقد يقول قائل : إن ذلك الذي حدث من علماء مكة من الإذعان للحق كان تحت الإكراه والخوف ، و المداراة التي قد تكون في مثل هذه المواقف . فنقول :
إنه لا داعي للخوف ولا المداراة وقد كانوا أخذوا الأمان ورأوا كامل الوفاء والاحترام من الإمام سعود . كما أنهم حين حلفوا الأيمان المغلظة دون أن يطلب منهم ذلك - وهم علماء - فإن هذا وحده دليل كاف على أن هذا هو عين الحقيقة . ويضاف لذلك أن ما عرض هنا مما أعلنوه وأقروا به هو الحق الذي لا خلاف عليه أصلا ، لكن أعداء الدعوة كانوا يوهمون الناس بخلافه ، فقد كان ذلك كله في مجالس حوار وتناصح ، وليس مجلس حكم وتسلط كما قد يتوهم البعض .
كشف حقيقة الأضرحة والشركيات عندها :
فقد تم البيان بأن غاية هذه الدعوة المباركة هي الغاية العظمى التي بعث الله بها النبيين والمرسلين وندب لها الدعاة والمصلحين ، وهي إخلاص العبادة لله وحده ، وتحرير الناس من أوضار الشرك والبدع ووسائلها .
قال : « وأن ما وضع من البناء على قبور الصالحين : صارت هذه الأزمان أصناما تقصد لطلب الحاجات ، ويتضرع عندها ، ويهتف بأهلها في الشدائد ، كما كانت تفعله الجاهلية الأولى ، وكان من جملتهم مفتي الحنفية ، الشيخ / عبد الملك القلعي ، وحسن المغربي مفتي المالكية ، وعقيل بن يحيى العلوي ، فبعد ذلك : أزلنا جميع ما كان يعبد بالتعظيم والاعتقاد فيه ، ويرجى النفع والنصر بسببه ، من جميع البناء على القبور وغيرها ، حتى لم يبق في تلك البقعة المطهرة طاغوت يعبد ، فالحمد لله على ذلك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق