المبحث الخامس
يعيبون أحكام الإسلام ثم ينسبونها للمملكة وللوهابية
كثيرون من الذين ينتقدون نهج المملكة العربية السعودية في تطبيق الشريعة ويسمونها ( بالوهابية ) يجهلون أنهم بذلك إنما يعيبون الإسلام نفسه فيذكرون قضية المرأة والتعليم الديني ، وتطبيق الحدود الشرعية ( كقطع يد السارق ، وجلد الشارب ، وقتل المرتد ) والقضاء الشرعي ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ونحو ذلك مما هو من قطعيات الدين ومسلماته ، وثوابت الشريعة الإسلامية التي يدين بها كل مسلم ، والتي تدين بها المملكة بصفتها دولة مسلمة ، وتحكم مجتمعا مسلما في بلاد بيضة الإسلام ومقدساته ، وربما يصل الأمر بهؤلاء الناقدين من أفراد ودول ومؤسسات إلى اعتبار العمل بشرع الله وتطبيق الحدود وصيانة المرأة المسلمة انتهاكا لحقوق الإنسان! .
وهذا ناتج عن جهل هؤلاء لموقع المملكة الديني والجغرافي والاجتماعي من حيث كونها قلب العالم الإسلامي وروحه دينيا وجغرافيا وسياسيا ، وأن نهج ذلك لم يكن عن مسلك خاص أو مذهب تتفرد به من عند نفسها ، بل هو الإسلام نفسه ، وإن سماه بعضهم ( وهابية ) .
ولخطورة هذه القضايا التي يثيرونها ضد المملكة نقف عند مناقشة نماذج منها بموضوعية :
1 - تطبيق الشريعة عموما ، وتطبيق الحدود خصوصا ، كقطع يد السارق ، وقتل المفسد والمرتد .
2 - تحريم دخول مكة على غير المسلم ، ومنع إحداث معابد لغير المسلمين .
3 - قضايا المرأة مثل : الحجاب ، تعدد الزوجات ، كون المرأة نصف الرجل في الميراث والشهادة . ============================ المملكة والعمل بشرع الله وحدوده :
إن المملكة العربية السعودية حين حكمت شرع الله في سائر أحوالها ، وجعلت مصدر التشريع ( كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ) ليس لأنها ( وهابية ) كما يزعمون ، ولكن لأنها دولة مسلمة تحكم شعبا مسلما 100% وتحوي المقدسات الإسلامية ، ومنبع الإسلام ، فعملها بشرع الله هو الأساس الذي قامت عليه . وقد نصت على ذلك المادتان ( 1 ) و ( 7 ) وغيرهما من نظام الدولة ، " - ص 420 -" وليس أمامها خيارات أخرى ، وذلك
إن التحاكم إلى الشريعة الإسلامية واجب على المسلمين كوجوب الصلاة والصيام ، ويعتبر المجتمع المسلم آثما إذا تخلى عن تطبيق الشريعة الإسلامية وهو قادر عليها ، كما قال تعالى : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون و( الظالمون ) و( الفاسقون ) .
لأن الشريعة الإسلامية نظام إلهي أنزلـه الله رب البشر ، ولا يستوي مع نظام شرعه البشر ، أو نظام صاغه البشر .
وبما أن الشريعة نظام إلهي أنزلـه الله الذي هو سبحانه أعلم بما يحتاجون إليه فجعل شرعه ملبيا لاحتياجاتهم محيطا بما يستجد من حياتهم ، وقد كفل هذا الشرع ألا يتميز جنس على جنس أو طبقة على طبقة ؛ لأنه نزل من رب الجميع فهو شرع للجميع .
كما أن هذا الشرع محكم فلا يمكن أن يبيح اليوم أمرا ثم يحظره غدا أو العكس ، بينما نرى الشرائع والقوانين الأرضية تحرم هذا الأمر في سنة ثم تجيزه أخرى ، وهكذا من غير ثبات ، بل ربما وجدت القانون الواحد يختلف تطبيقه من بلد إلى بلد ، ومرد ذلك لرغبة الحاكم أو المجلس التشريعي في البلد ، مما يفقد هذه الشرائع ثباتها واستقرارها .
إن المسلمين الذين يطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية اليوم محقون في مطالبتهم ويجب على المجتمع الدولي - وفق معاييره المعاصرة - أن ينصرهم ويعينهم لتحقيق مطالبهم وذلك :
أن المبادئ والشعارات الديمقراطية التي ينادي بها الناقدون للمملكة تلزم بالعمل بما تختاره في المجتمع ، ولا تزال الأكثرية المسلمة في المجتمعات الإسلامية تطالب بتطبيق الشريعة ، فيجب أن تمكن من تحقيق طلبها وفق المبادئ الديمقراطية . فكيف والمجتمع السعودي كله مسلم ؟
والمملكة كذلك تطبق نظام العقوبات الإسلامية والحدود من هذا المنطلق :
إن الحدود والعقوبات - جسدية أو غير جسدية - ما هي إلا أحكام تنص عليها الشريعة كما ينص على مثلها أي قانون في الدنيا باعتبارها جزاءات توقع على المخالفين ، " - ص 421 -" وكل شعوب العالم ودوله لها خصوصياتها ومناهجها في قوانينها وأنظمتها الخاصة في قانون الجزاء والعقوبات وغيرها .
ويبقى النظر في المصالح المتحققة من جراء القانون ومدى إعطائه أثره ونتيجته كحافظ للأمن ومثبت لاستقرار الناس في معاشهم وتنقلاتهم وأخلاقهم . وقد أثبت نظام العقوبات والحدود في الإسلام ( والذي تعتز به المملكة ) أنه الأنفع والأجدى في حفظ الضرورات الخمس ( الدين والعقل والنفس والمال والنسب ) وفي الردع والعدل ، وليس من الإنصاف انتزاع مادة من قانون أو حكم من شريعة وإبرازه وكأنه مثلبة في هذا القانون أو ذاك . ولكن نظرة الإنصاف تقتضي النظر إلى النظام كله ، شروط الجريمة وتحققها وشروط إيقاع الجزاء وأسباب ذلك . ===============
على سبيل المثال : من أشهر العقوبات قطع يد السارق وقتل المفسد في الأرض وقتل المرتد .
أما عن قطع يد السارق ، وقتل المفسدين في الأرض فإنك تجد في تاريخ الإسلام الطويل أن تنفيذها كان في حالات يسيرة ، ليس لأنها غير عملية ، وإنما من أجل الأمان الذي تحققه الشريعة في صرامة العقوبة ، ثم الشروط الموضوعة لتطبيقها ، حيث تدرأ الحدود بالشبهات ، ثم إن قطع يد واحدة أو قتل مجرم تكون فيه حماية للملايين من الأجيال بهذا الرادع الفردي .
وقبل ذلك كله أن الله تعالى هو الذي حكم في كتابه الكريم بقطع يد السارق فقال : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم [ سورة المائدة ، آية : 38 ] وحتى يكون الأمر أكثر واقعية نستشهد بالواقع المعاصر بقوانينه ونظمه .
إن الأمم المعاصرة وبخاصة دول الغرب قد ملكت أسلحة فتاكة وأجهزة نفاذة وتقنيات متقدمة ووسائل دقيقة واستكشافات باهرة وبخاصة في مجال مكافحة الجريمة ، وبحوثا ودراسات وطرقا في الملاحقات وتتبع المجرمين ، إضافة إلى التوعية الإعلامية الواسعة للجمهور والاستنارة بالثقافة والتقدم العلمي والوعي المعرفي للأفراد والجماعات ، وعلى الرغم من كل ذلك فإن الجريمة تستفحل ويزداد المجرمون عتوا وطغيانا ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن تركيزهم منصب على استصلاح المجرمين وتهذيب الأشرار ، وقد أرادوا أن يجعلوا من السجون أماكن تهذيب وعنابر إصلاح ، واعتبروا المجرمين مرضى أحق بالعلاج منهم " - ص 422 -" بالعقاب ، وألقوا باللائمة على عوامل الوراثة والبيئة والفساد الاجتماعي ، وهذا قد يكون حقا لا ينكر ، ولكن الأمر ليس مقصورا على هذا الجانب وحده ، ذلك أن العضو المريض قد تكون المصلحة في بتره حتى لا يسري مرضه إلى الجسم كله ، وهذا أمر مقرر عقلا وواقعا ، وشرعا قبل ذلك . ======================================= والفساد الاجتماعي ما هو إلا من مجموع فساد الأفراد :
والسجن فقط كما تنحى أكثر القوانين الوضعية ليس هو الحل الأمثل ، فالسجون غلظت فيها قلوب كثير من المجرمين وخرجوا منها في ضراوة أشد وشقاوة أعظم ، ومن اليسير أن يتعاون المجرمون واللصوص والقتلة في رسم الخطط ، ويجعلوا من السجن ساحات ممهدة للتدارس وتقاسم المهمات يشاركهم في ذلك إخوان لهم في الغي خارج القضبان .
وأنت ملاحظ ومدرك أن فكرة الهدف الإصلاحي للمجرمين والمعالجات اللينة قد مضى عليها عشرات السنين فلم تجد في أكثر المجرمين نفعا ، بل ومع هذا فالإجرام في تزايد مطرد ، فما كان هذا الهدف إلا وهما وسرابا .
كما أن كثيرا من أصحاب الجريمة يجعلون من السجن دار استجمام وترفه . إن المجتمع الإنساني المعاصر قد بلغ المجرمون فيه ذروة من الاستهتار والاستباحة والاسترخاص للدماء والأموال والأعراض جعلت العقوبات في التشريعات الوضعية ضعيفة هزيلة بجانب سوء صنائع هؤلاء العتاة المجرمين . أي رحمة أو تهذيب يستحقها هؤلاء القتلة والسفاكون وقطاع الطريق ؟ وهل كانوا رحماء بضحاياهم الأبرياء ؟ وهل كانوا رحماء بالمجتمع كله ؟ بل تطور الأمر كما هو مشاهد إلى تطور المجرمين في وسائلهم فصاروا يشكلون العصابات التي تفوق أحيانا في إمكاناتها ووسائلها وتجهيزاتها الدول والحكومات ، ولا أدري أي عقاب سوف ينزلـه هؤلاء الرحماء بتجار المخدرات وأصحاب الجرائم الكبرى الذين لا نزال نسمع ازدياد أعمالهم وأخبارهم واستفحال إجرامهم حتى أصبحوا ظاهرين غير متسترين ، بل صاروا يفاوضون الحكومات علنا في كل البلاد التي لا تحكم بشرع الله ؟
وبناء على ما سبق فإن العلم والثقافة والحضارة والمدنية في صورتها الراهنة حينما خلت من العقوبات الرادعة أصبحت عاجزة عن دفع الأخطار عن الإنسان الذي يعيش حياة الخوف والرعب على الأرض وفي الجو والبحر وفي المنزل والمكتب والمصنع والشارع .
" - ص 423 -" ومجرم اليوم كما أسلفت مزود بالعلم والمعرفة ، ويتطور مع تطور أنظمة الشرطة وتجدد أساليب الملاحقة والمتابعة ، ويخطط كما يخطط رجال الأمن ، والكل في صراع لا يفصله إلا العقاب الزاجر العادل .
وأخيرا فإن هناك العقوبات الجسدية التي يعيبون المملكة بها صارت تطبقها بعض القوانين المعاصرة ، وأبرزها عقوبة الإعدام ، بل هذه العقوبة كانت ملغاة في بعض القوانين ، ثم عادوا إليها ، وفي كتابنا نحن المسلمين عبارة جامعة قاطعة : ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون [ سورة المائدة ، آية : 50 ] ، وقال سبحانه : ولكم في القصاص حياة ياأولي الألباب لعلكم تتقون [ سورة البقرة ، آية : 179 ] . ==================== أما عن قتل المرتد :
فإن المملكة العربية السعودية حين تحكم بقتل المرتد ، فإنها لا تفعل ذلك حتى تستكمل الإجراءات النظامية أو الشرعية والقضائية ، فهي تحكم شرع الله في ذلك ، إذ صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من بدل دينه فاقتلوه وهي مع ذلك لا تجبر أحدا على الإسلام كما قال الله - عز وجل - : لا إكراه في الدين [ سورة البقرة ، آية : 256 ] وذلك يعني :
أولا : أنه لا يجوز للسلطة إجبار أحد على الإسلام ؛ لكنه حين يدين به ويلتزمه ويعلن ذلك يلتزم تبعات التزامه التي منها أنه لو ارتد وجب قتله .
ثانيا : أن الإنسان لا يقبل منه الدخول في الإسلام حتى يستعد لقبوله ، ويلتزم أركان الإسلام ، ويقتنع فيه ، ويأتي إليه راغبا لا راهبا ، جادا لا هازلا ، فإذا أسلم الإنسان وخالطت بشاشة الإيمان قلبه فلا يمكن أن يرتد عنه ، ولذا قال هرقل - ملك الروم - لأبي سفيان : وهل يرتد عنه - أي الإسلام - أحد سخطة عليه ؟ فقال : لا . فقال فكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب .
ثالثا : إن الذي يدخل في الدين بغير نية صادقة والتزام جاد ، فإنه يسيء إلى نفسه ، ثم يسيء " - ص 424 -" إلى الإسلام وأهله جدير بالعقوبة .
وجميع القوانين الدولية تجيز قتل من يعارض المصالح الكبرى للأمة ، أو يتعدى فساده ، مثل من يتجسس عليهم أو يريد إشاعة الفوضى وإظهار الفساد في المجتمع ، كما أن الذي يرتد عن الإسلام كان يعلم قبل إسلامه أن عقوبة المرتد هي القتل ، فلماذا يغامر ويدخل في دين يعلم أن عاقبة الارتداد عنه القتل ؟ إنه حين يفعل ذلك فسيتهم بأنه لم يغامر ويعزم أنه سيرتد إلا لمكيدة سابقة دبرها للإسلام ، أو تم استئجاره لذلك .
رابعا : ليس في قتل المرتد عن الإسلام انتهاك لحقوق الإنسان ؛ لأنه هو الذي اختار هذا الطريق وعلم المصير الذي يؤول إليه .
خامسا : أن الخروج عن الإسلام يعتبر خروجا عن النظام العام ؛ ذلك أن الإسلام دين كامل ، كما يهتم بعلاقة المرء بربه فهو يهتم بعلاقته بغيره من بني جنسه بين الإنسان ومجتمعه وسلطانه ، وبينه وبين أقربائه ، وبينه وبين أعدائه حربا وسلما في شمول منقطع النظير عبادة ومعاملة وجناية وقضاء ، إلى سائر ما تنقسم إليه قوانين الدنيا ، ولذا يجب النظر إلى الإسلام ككل متكامل وليس قاصرا فقط على علاقة العبد بربه كما يظنه غير المسلمين ، وإذا كان ذلك كذلك فالردة تعني الخروج على النظام العام .
سادسا : أن في جعل العقوبة في الردة إباحة دم المرتد وقتله زاجرا لمن يريد الدخول في هذا الدين نفاقا وإرصادا ، وباعثا لـه على التثبت في أمره ، فلا يعتنقه إلا على بصيرة وسلطان بين ، فلديه تكاليف وشعائر يتعسر الاستمرار عليها من قبل المفسدين أصحاب الضمائر الفاسدة وأصحاب المآرب المدخولة .
سابعا : للمرء قبل أن يسلم أن يؤمن ويكفر ، فإذا آثر أي ديانة فلا اعتراض عليه ويبقى لـه حق الحياة والعيش بسلام ، فإذا آمن بالإسلام فعليه أن يخلص لـه ويتجاوب معه في أمره ونهيه .
ثامنا : ليس من الحرية في شيء أن يمكن لشخص من أن يخرج على دين المجتمع وينبذ قواعده ويستهزئ بشعائره ومقدساته ويشاق أبناءه ، فإن ذلك يعد خيانة للدين والوطن .
تاسعا : أن عقوبة القتل ( الإعدام ) موجودة في كثير من القوانين المعاصرة للمفسدين وأصحاب الجرائم البشعة والكبرى لمهربي المخدرات أو غيرهم لجدواها في القضاء على الجريمة وحماية المجتمع منها ، وإفساد الدين أعظم من الإفساد في بعض مناحي " - ص 425 -" الحياة ، ولم يقل أحد إن تشريع عقوبة الإعدام في حق هؤلاء المفسدين الذين يهربون المخدرات مصادم لحريتهم ، إذ كانوا قد تجاوزوا في حرياتهم حتى سطوا على حريات الآخرين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق