تعظيمهم لقدر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وحقوقه - صلى الله عليه وسلم - :
وكانت من أشنع الأكاذيب والبهتان الذي يشاع عن هذه الدعوة المباركة وأئمتها وأتباعها دعوى : أنهم لا يحترمون النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يقدرونه حق قدره ، وأنهم ينقصونه ، لكن الله حسبنا ونعم الوكيل .
قال : « والذي نعتقده أن رتبة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق ، وأنه حي في قبره حياة برزخية ، أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل ، إذ هو أفضل منهم بلا ريب ، وأنه يسمع سلام المسلم عليه ، وتسن زيارته ، إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه ، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس ، ومن أنفق نفيس أوقاته بالاشتغال بالصلاة عليه - عليه الصلاة والسلام - الواردة عنه ، فقد فاز بسعادة الدارين ، وكفى همه وغمه كما جاء في الحديث عنه » .
والحق أنهم إن لم يكونوا هم وأمثالهم أحباء الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأولياؤه حقا لاتباعهم سنته ، وبذلهم الأرواح والأموال ، والمهج في سبيل محبته واتباع هديه وطاعته ونصرة دينه ، وتطهيره من البدع والشركيات . إن لم يكن هؤلاء أحباءه فمن ؟ إن أهل البدع والأهواء والافتراق الذي جانبوا سنته هم الذين لا يحبونه حقا ، ولم يقدروه حق قدره وإن زعموا ذلك ، فالحب ليس بمجرد الدعوى ، لكن بالاتباع والعمل بسنته .
حقيقة مذهبهم في الأولياء وكراماتهم وحقوقهم :
وكذلك كذب عليهم خصومهم ، وأشاعوا ( كذبا وبهتانا ) بأنهم لا يحبون الأولياء والصالحين ، وحقيقة الأمر أنهم أولى بالأولياء والصالحين ممن آذوا الأحياء والأموات ، بالبدع والخرافات والمكاء والتصدية ، والسماعات المحدثة ، والتبركات المبتدعة .
قال : « ولا ننكر كرامات الأولياء ونعترف لهم بالحق ، وأنهم على هدى من ربهم ، مهما ساروا على الطريقة الشرعية والقوانين المرعية ، إلا أنهم لا يستحقون شيئا من أنواع العبادات ، لا حال الحياة ولا بعد الممات ، بل يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته ، بل ومن كل مسلم ، فقد " - ص 85 -" جاء في الحديث : دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه الحديث ، وأمر - صلى الله عليه وسلم - عمر وعليا بسؤال الاستغفار من " أويس " ففعلا .
وعقيدتهم في شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - هي الحق بمقتضى النصوص :
وما أشاعه عنهم خصومهم من أنهم ينكرون شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرها من الشفاعات الثابتة بالنصوص الصحيحة كل ذلك من البهتان :
قال : « ونثبت الشفاعة لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة حسب ما ورد ، وكذلك نثبتها لسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسب ما ورد أيضا ، ونسألها من المالك لها ، والآذان فيها لمن يشاء من الموحدين ، الذين هم أسعد الناس بها ، كما ورد بأن يقول أحدنا - متضرعا إلى الله تعالى - : اللهم شفع نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فينا يوم القيامة ، أو : اللهم شفع فينا عبادك الصالحين ، أو ملائكتك أو نحو ذلك ، مما يطلب من الله لا منهم ، فلا يقال : يا رسول الله أو يا ولي الله أسألك الشفاعة أو غيرها ، كأدركني أو أغثني أو اشفني أو انصرني على عدوي ونحو ذلك ، مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، فإذا طلب ذلك مما ذكر في أيام البرزخ كان من أقسام الشرك ، إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة ، ولا أثر من السلف الصالح في ذلك ، بل ورد الكتاب والسنة وإجماع السلف : أن ذلك شرك أكبر ، قاتل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - » .
" - ص 86 -" بيان الحق في مسألة الحلف بغير الله :
قال : « فإن قلت : ما تقول في الحلف بغير الله والتوسل به ؟ قلت : ننظر إلى حال المقسم إن قصد به التعظيم ، كتعظيم الله أو أشد كما يقع لبعض غلاة المشركين من أهل زماننا ، إذا استحلف بشيخه أي : معبوده الذي يعتمد في جميع أموره عليه ، لا يرضى أن يحلف إذا كان كاذبا أو شاكا ، وإذا استحلف بالله فقط رضي ، فهو كافر من أقبح المشركين وأجهلهم إجماعا ، وإن لم يقصد التعظيم بل سبق لسانه إليه ، فهذا ليس بشرك أكبر ، فينهى عنه ويزجر ويؤمر صاحبه بالاستغفار عن تلك الهفوة » .
بيان الحق في مسألة التوسل ورفع الصوت بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الأذان :
قال : « أما التوسل وهو أن يقول القائل : اللهم إني أتوسل إليك بجاه نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - ، أو بحق نبيك ، أو بجاه عبادك الصالحين ، أو بحق عبدك فلان ، فهذا من أقسام البدع المذمومة ، ولم يرد بذلك نص ، كرفع الصوت بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الأذان » .
رعايتهم لحقوق آل البيت من غير غلو ولا تفريط :
قال : « وأما أهل البيت فقد ورد سؤال على علماء الدرعية في مثل ذلك ، وعن جواز نكاح الفاطمية غير الفاطمي ، وكان الجواب عليه ما نصه : أهل البيت - رضوان الله عليهم - لا شك في طلب حبهم ومودتهم ، ولما ورد فيه من كتاب وسنة ، فيجب حبهم ومودتهم ، إلا أن الإسلام ساوى بين الخلق ، فلا فضل لأحد إلا بالتقوى ، ولهم مع ذلك التوقير والتكريم والإجلال ، ولسائر العلماء مثل ذلك ، كالجلوس في صدور المجالس ، والبداءة بهم في التكريم ، والتقديم في الطريق إلى موضع التكريم ونحو ذلك ، إذا تقارب أحدهم مع غيره في السن والعلم .
وما اعتيد في بعض البلاد من تقديم صغيرهم وجاهلهم على من هو أمثل منه ، " - ص 87 -" حتى إنه إذا لم يقبل يده كلما صافحه عاتبه وصارمه أو ضاربه أو خاصمه ، فهذا لم يرد به نص ولا دل عليه دليل ، بل منكر تجب إزالته ، ولو قبل يد أحدهم لقدوم من سفر أو لمشيخة علم أو في بعض الأوقات لطول غيبه فلا بأس ، إلا أنه لما ألف في الجاهلية الأخرى : أن التقبيل صار علما لمن يعتقد فيه أو في أسلافه أو عادة المتكبرين من غيرهم ، نهينا عنه مطلقا ، لا سيما لمن ذكر حسما لذرائع الشرك ما أمكن » .
هدم القباب على القبور حسما لمادة الشرك :
ومما أثاره عليهم خصومهم - أهل البدع - وأجلبوا عليهم بخيلهم ورجلهم ، وأوغروا صدور عوام المسلمين الجاهلين بحقيقة الأمر مسألة هدمهم للقباب والمزارات والمشاهد البدعية . وهذا من التلبيس وقلب الحقائق ، فإن ذلك مما يمدحون به ويشكر لهم لأنهم إنما فعلوا ذلك امتثالا لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقد صح عنه الأمر بذلك والنهي عن البناء على القبور .
قال : « وإنما هدمنا بيت السيدة خديجة ، وقبة المولد ، وبعض الزوايا المنسوبة لبعض الأولياء ، حسما لتلك المادة ، وتنفيرا عن الإشراك بالله ما أمكن لعظم شأنه فإنه لا يغفر ، وهو أقبح من نسبة الولد لله تعالى ، إذ الولد كمال في حق المخلوق ، وأما الشرك فنقص حتى في حق المخلوق ، لقولـه تعالى : ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في [سورة الروم ، آية : 28 ] » .
بيان حكم تزويج الفاطمية لغير الفاطمي :
قال : « وأما نكاح الفاطمية غير الفاطمي : فجائز إجماعا ، بل ولا كراهية في ذلك ، وقد زوج علي عمر بن الخطاب ، وكفى بهما قدوة ، وتزوجت سكينة بنت الحسين بن علي ، بأربعة ليس فيهم فاطمي ، بل ولا هاشمي ، ولم يزل عمل السلف على ذلك من دون إنكار ، إلا أنا لا نجبر أحدا على تزويج موليته ما لم تطلب هي ، وتمتنع من غير الكفء ، والعرب : أكفاء بعضهم لبعض ، فما اعتيد في بعض البلاد من المنع دليل التكبر ، وطلب التعظيم ، وقد يحصل " - ص 88 -" بسبب ذلك فساد كبير كما ورد ، بل يجوز الإنكاح لغير الكفء ، وقد تزوج زيد - وهو من الموالي - زينب أم المؤمنين وهي قرشية ، والمسألة معروفة عند أهل المذاهب ، انتهى » .
تورعهم عن التكفير وبيان أن لازم الكفر عندهم ليس بلازم :
وكانت من القضايا الكبرى بينهم وبين خصومهم دعوى : أنهم يكفرون المسلمين وقد تبرءوا من ذلك ، وكتاباتهم وفتواهم ومواقفهم تكذب هذه الفرية ، وهم في مسألة التكفير متبعون لنصوص القرآن والسنة ، فلا يكفرون إلا بدليل شرعي وبينات ، فهم يكفرون من كفره الله ورسوله ، ولا يكفرون عموم المسلمين كما زعم خصومهم ، بل يتورعون عن تكفير المسلمين ويحذرون من مذهب الخوارج في ذلك :
قال : « فإن قال قائل منفر عن قبول الحق والإذعان لـه : يلزم من تقريركم وقطعكم في أن من قال يا رسول الله أسألك الشفاعة : أنه مشرك مهدر الدم ، أن يقال بكفر غالب الأمة ولا سيما المتأخرين ، لتصريح علمائهم المعتبرين : أن ذلك مندوب ، وشنوا الغارة على من خالف في ذلك ! قلت : لا يلزم ؛ لأن لازم المذهب ليس بمذهب كما هو مقرر ، ومثل ذلك : لا يلزم أن نكون مجسمة ، وإن قلنا بجهة العلو كما ورد الحديث بذلك » .
لا يحكمون على أموات المسلمين إلا بخير :
قال : « ونحن نقول فيمن مات : تلك أمة قد خلت » .
ولا يكفرون إلا بالشروط وانتفاء الموانع :
قال : « ولا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق ، ووضحت لـه المحجة ، وقامت عليه الحجة ، وأصر مستكبرا معاندا كغالب من نقاتلهم اليوم ، يصرون على ذلك الإشراك ، ويمتنعون من فعل الواجبات ، ويتظاهرون بأفعال الكبائر والمحرمات » .
" - ص 89 -" لا يلزم من القتال التكفير :
قال : « وغير الغالب : إنما نقاتله لمناصرته من هذه حاله ورضاه به ، ولتكثير سواد من ذكر والتأليب معه ، فله حينئذ حكمه في قتاله » .
الاعتذار عمن مضى من المسلمين ولم تقم عليه الحجة :
قال : « ونعتذر عمن مضى : بأنهم مخطئون معذورون لعدم عصمتهم من الخطأ ، والإجماع في ذلك ممنوع قطعا » .
الخطأ وارد على سائر أفراد الأئمة :
قال : « ومن شن الغارة فقد غلط ولا بدع أن يغلط ، فقد غلط من هو خير منه ، كمثل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فلما نبهته المرأة رجع في مسألة المهر وفي غير ذلك ، يعرف ذلك في سيرته . بل غلط الصحابة وهم جمع ونبينا - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرهم سار فيهم نوره ، فقالوا اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط » .
والمجتهد المخطئ معذور ما لم تقم عليه الحجة :
قال : « فإن قلت : هذا فيمن ذهل ، فلما نبه انتبه ، فما القول فيمن حرر الأدلة ؟ واطلع على كلام الأئمة القدوة ؟ واستمر مصرا على ذلك حتى مات ؟ قلت : ولا مانع أن نعتذر لمن ذكر ولا نقول : إنه كافر ، ولا لما تقدم أنه مخطئ وإن استمر على خطئه ، لعدم من يناضل عن هذه المسألة في وقته ، بلسانه وسيفه وسنانه ، فلم تقم عليه الحجة ، ولا وضحت لـه المحجة ، بل الغالب على زمن المؤلفين المذكورين : التواطؤ على هجر كلام أئمة السنة في ذلك رأسا ، ومن اطلع عليه أعرض عنه ، قبل أن يتمكن في قلبه ، ولم يزل أكابرهم تنهى أصاغرهم عن مطلق " - ص 90 -" النظر في ذلك ، وصولة الملوك قاهرة لمن وقر في قلبه شيء من ذلك إلا من شاء الله منهم .
هذا : وقد رأى معاوية وأصحابه - رضي الله عنه - منابذة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وقتاله ومناجزته الحرب وهم في ذلك مخطئون بالإجماع ، واستمروا في ذلك الخطأ ، ولم يشتهر عن أحد من السلف تكفير أحد منهم إجماعا ، بل ولا تفسيقه ، بل أثبتوا لهم أجر الاجتهاد وإن كانوا مخطئين ، كما أن ذلك مشهور عند أهل السنة » . ===================================
بيان الحق في زلة العالم وحفظ مكانته :
قال : « ونحن كذلك : لا نقول بكفر من صحت ديانته ، وشهر صلاحه وعلم ورعه وزهده ، وحسنت سيرته وبلغ من نصحه الأمة ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتأليف فيها ، وإن كان مخطئا في هذه المسألة أو غيرها ، كابن حجر الهيتمي فإنا نعرف كلامه في الدر المنظم ولا ننكر سعة علمه ، ولهذا نعتني بكتبه كشرح الأربعين والزواجر وغيرها ، ونعتمد على نقله إذا نقل ؛ لأنه من جملة علماء المسلمين » .
دعوة المنصفين إلى حقيقة الأمر الذي هم عليه :
قال : « هذا ما نحن عليه مخاطبين من لـه عقل وعلم ، وهو متصف بالإنصاف خال عن الميل إلى التعصب والاعتساف ينظر إلى ما يقال لا إلى من قال » .
ومن أصر على الباطل يؤخذ بالحزم :
قال : « وأما من شأنه لزوم مألوفه وعاداته سواء كان حقا أو غير حق ، فقلد من قال الله فيهم : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون [سورة الزخرف ، آية : 23] ، عادته وجبلته أن يعرف الحق بالرجال لا الرجال بالحق ، فلا نخاطبه وأمثاله إلا بالسيف حتى يستقيم أوده ويصح معوجه ، وجنود التوحيد - بحمد الله - منصورة ، وراياتهم بالسعد والإقبال منشورة : وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [ســورة الشعــراء ، آيــة : 227] ، " - ص 91 -" و فإن حزب الله هم الغالبون [سورة المائدة ، آية : 56] ، وقال تعالى : وإن جندنا لهم الغالبون [سورة الصافات ، آية : 173] ، وكان حقا علينا نصر المؤمنين [سورة الروم ، آية : 47] ، والعاقبة للمتقين [سورة الأعراف ، آية : 128] .
بيان حقيقة البدعة شرعا :
قال : « هذا ومما نحن عليه : أن البدعة هي : ما حدثت بعد القرون الثلاثة مذموما مطلقا ، خلافا لمن قال حسنة وقبيحة ، ولمن قسمها خمسة أقسام ، إلا إن أمكن الجمع ، بأن يقال : الحسنة ما عليه السلف الصالح شاملة : للواجبة والمندوبة والمباحة ، ويكون تسميتها بدعة مجازا ، والقبيحة ما عدا ذلك شاملة : للمحرمة والمكروهة ، فلا بأس بهذا الجمع » .
نماذج من البدع المذمومة :
وكذلك نفوا ما يزعمه الخصوم عنهم من أنهم يبدعون من صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويمنعون من الأذكار المشروعة وبينوا أن ذلك من الكذب عليهم ، وأنهم إنما منعوا البدع ونهوا عنها .
قال : « فمن البدع المذمومة التي ننهى عنها : رفع الصوت في مواضع الأذان بغير الأذان ، سواء كان آيات أو صلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - أو ذكرا أو غير ذلك بعد الأذان ، أو في ليلة الجمعة أو رمضان أو العيدين ، فكل ذلك بدعة مذمومة » .
إبطال البدع المألوفة بمكة :
قال : « وقد أبطلنا ما كان مألوفا بمكة ، من التذكير والترحيم ونحوه ، واعترف علماء المذاهب أنه بدعة .
ومنها : قراءة الحديث عن أبي هريرة بين يدي خطبة الجمعة ، فقد صرح شارح الجامع الصغير بأنه بدعة ، ومنها الاجتماع في وقت مخصوص على من يقرأ سيرة المولد الشريف ، اعتقادا أنه قربة مخصوصة مطلوبة دون علم السير ، فإن ذلك لم يرد .
ومنها : اتخاذ المسابح ، فإنا ننهى عن التظاهر باتخاذها .
" - ص 92 -" ومنها : الاجتماع على رواتب المشائخ برفع الصوت ، وقراءة الفواتح والتوسل بهم في المهمات ، كراتب السمان وراتب الحداد ونحوهما ، بل قد يشتمل ما ذكر على شرك أكبر ، فيقاتلون على ذلك ، فإن سلموا من أرشدوا إلى أنه على هذه الصورة المألوفة غير سنة بل بدعة فذاك ، فإن أبوا عزرهم الحاكم بما يراه رادعا » .
الأوراد المشروعة لا تنكر :
قال : « وأما أحزاب العلماء ، المنتخبة من الكتاب والسنة ، فلا مانع من قراءتها ، والمواظبة عليها فإن الأذكار ، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والاستغفار ، وتلاوة القرآن ونحو ذلك مطلوب شرعا ؛ والمعتني به مثاب مأجور ، فكلما أكثر منه العبد كان أوفر ثوابا ، لكن على الوجه المشروع ، من دون تنطع ولا تغيير ولا تحريف ، وقد قال تعالى : ادعوا ربكم تضرعا وخفية [سورة الأعراف ، آية : 55] ، وقال تعالى : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [سورة الأعراف ، آية : 180] ولله در النووي في جمعه كتاب الأذكار ؛ فعلى الحريص على ذلك به ، ففيه الكفاية للموفق .
عودة إلى أنواع البدع المذمومة :
ومنها : ما اعتيد في بعض البلاد ، من قراءة مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - بقصائد بألحان ، وتخلط بالصلاة عليه ، وبالأذكار والقراءة ، ويكون بعد صلاة التراويح ، ويعتقدونه على هذه الهيئة من القرب ، بل تتوهم العامة أن ذلك من السنن المأثورة ، فينهى عن ذلك ، وأما صلاة التراويح فسنة ، لا بأس بالجماعة فيها والمواظبة عليها .
ومنها : ما اعتيد في بعض البلاد من صلاة الخمسة الفروض بعد آخر جمعة من رمضان ، وهذه من البدع المنكرة إجماعا فيزجرون عن ذلك أشد الزجر ، ومنها رفع الصوت بالذكر عند حمل الميت أو عند رش القبر بالماء وغير ذلك مما لم يرد عن السلف ، وقد ألف الشيخ الطرطوشي المغربي كتابا نفيسا سماه [الحوادث والبدع] واختصره أبو شامة المقدسي فعلى المعتني بدينه بتحصيله » .
" - ص 93 -" التفريق بين ما هو بدعي وما ليس ببدعي من المحدثات :
قال : « وإنما ننهى عن البدع المتخذة دينا وقربة ؛ وأما ما لا يتخذ دينا وقربة كالقهوة وإنشاء قصائد الغزل ومدح الملوك فلا ننهى عنه ، ما لم يخلط بغيره إما ذكر أو اعتكاف في مسجد ويعتقد أنه قربة ؛ لأن حسان رد على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقال : قد أنشدته بين يدي من هو خير منك ، فقبل عمر » .
مشروعية اللعب المباح :
قال : « ويحل كل لعب مباح ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر الحبشة على اللعب في يوم العيد في مسجده - صلى الله عليه وسلم - ويحل الرجز والحداء في نحو العمارة ، والتدريب على الحرب بأنواعه ، وما يورث الحماسة فيه كطبل الحرب دون آلات الملاهي ، فإنها محرمة والفرق ظاهر ، ولا بأس بدف العرس وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : بعثت بالحنيفية السمحة وقال : لتعلم يهود أن في ديننا فسحة » .
إمامة ابن تيمية وابن القيم في الدين :
قال : « هذا وعندنا أن الإمام ابن القيم وشيخه ، إماما حق من أهل السنة وكتبهم عندنا من أعز الكتب ، إلا أنا غير مقلدين لهم في كل مسألة ، فإن كل أحد يؤخذ من قولـه ويترك إلا نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ومعلوم مخالفتنا لهما في عدة مسائل ، منها طلاق الثلاث بلفظ واحد في مجلس ، فإنا نقول به تبعا للأئمة الأربعة ، ونرى الوقف صحيحا والنذر جائزا ، ويجب الوفاء به في غير المعصية » .
" - ص 94 -" عودة إلى أنواع البدع والتحذير منها :
قال : « ومن البدع المنهي عنها : قراءة الفواتح للمشائخ بعد الصلوات الخمس ، والإطراء في مدحهم والتوسل بهم على الوجه المعتاد في كثير من البلاد ، وبعد مجامع العبادات ، معتقدين أن ذلك من أكمل القرب ، وهو ربما جر إلى الشرك من حيث لا يشعر الإنسان ، فإن الإنسان يحصل منه الشرك من دون شعور به لخفائه ، ولولا ذلك لما استعاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - منه بقولـه : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم ، إنك أنت علام الغيوب .
وينبغي المحافظة على هذه الكلمات ، والتحرز عن الشرك ما أمكن ؛ فإن عمر بن الخطاب قال : إنما ينقض عرى الإسلام عروة عروة ، إذا دخل في الإسلام من لا يعرف الجاهلية ، أو كما قال . وذلك لأنه يفعل الشرك ، ويعتقد أنه قربة ، نعوذ بالله من الخذلان ، وزوال الإيمان » .
ثم قال الشيخ عبد الله بعد هذا البيان :
« هذا ما حضرني حال المراجعة مع المذكور مدة تردده ، وهو يطالبني كل حين بنقل ذلك وتحريره ، فلما ألح علي نقلت لـه هذا من دون مراجعة كتاب ، وأنا في غاية الاشتغال بما هو أهم من أمور الغزو » .
دعوة الناس إلى التحقق من حال الدعوة ومنهجها :
ثم إنهم قد أنصفوا من أنفسهم وأقاموا الحجة بالدعوة إلى التثبت مما يشاع عنهم والاطلاع على حقيقة حالهم .
" - ص 95 -" قال : « فمن أراد تحقيق ما نحن عليه ، فليقدم علينا الدرعية ، فسيرى ما يسر خاطره ، ويقر ناظره ، من الدروس في فنون العلم ، خصوصا التفسير والحديث ؛ ويرى ما يبهره بحمد الله وعونه ، من إقامة شعائر الدين ، والرفق بالضعفاء والوفود والمساكين » .
بيان حقيقة التعبد المشروع والتصوف المأمون :
وهم حين ينكرون التصوف البدعي ، والطرق المحدثة فإنهم يقرون بالتنسك والتعبد المشروع على منهاج السنة والسلف الصالح ، وإن سمي ذلك تصوفا أو طريقة صوفية إذا كان على الاستقامة والسنة وسلم من البدع والمحدثات .
قال : « ولا ننكر الطريقة الصوفية ، وتنزيه الباطن من رذائل المعاصي ، المتعلقة بالقلب والجوارح ، مهما استقام صاحبها على القانون الشرعي ، والمنهج القويم المرعي ، إلا أنا لا نتكلف لـه تأويلات في كلامه ولا في أفعاله » .
لا يفوضون أمورهم كلها إلا إلى الله تعالى :
قال : « ولا نعول ، ونستعين ، ونستنصر ، ونتوكل في جميع أمورنا إلا على الله تعالى ، فهو حسبنا ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير ، وصلى الله على محمد وآله وصحبة وسلم » .
وبعد :
فإن هذه الوثيقة قد كشفت للناس منهج الدعوة وحقيقة ما هي عليه وأتباعها ودولتها بوضوح وصراحة ، وكشفت بالدليل والبرهان الكثير من الزيوف والبهتان الذي يقال عنها .
فهل بعد هذا من بيان لمن ألقى السمع وهو شهيد
وكانت من أشنع الأكاذيب والبهتان الذي يشاع عن هذه الدعوة المباركة وأئمتها وأتباعها دعوى : أنهم لا يحترمون النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يقدرونه حق قدره ، وأنهم ينقصونه ، لكن الله حسبنا ونعم الوكيل .
قال : « والذي نعتقده أن رتبة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق ، وأنه حي في قبره حياة برزخية ، أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل ، إذ هو أفضل منهم بلا ريب ، وأنه يسمع سلام المسلم عليه ، وتسن زيارته ، إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه ، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس ، ومن أنفق نفيس أوقاته بالاشتغال بالصلاة عليه - عليه الصلاة والسلام - الواردة عنه ، فقد فاز بسعادة الدارين ، وكفى همه وغمه كما جاء في الحديث عنه » .
والحق أنهم إن لم يكونوا هم وأمثالهم أحباء الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأولياؤه حقا لاتباعهم سنته ، وبذلهم الأرواح والأموال ، والمهج في سبيل محبته واتباع هديه وطاعته ونصرة دينه ، وتطهيره من البدع والشركيات . إن لم يكن هؤلاء أحباءه فمن ؟ إن أهل البدع والأهواء والافتراق الذي جانبوا سنته هم الذين لا يحبونه حقا ، ولم يقدروه حق قدره وإن زعموا ذلك ، فالحب ليس بمجرد الدعوى ، لكن بالاتباع والعمل بسنته .
حقيقة مذهبهم في الأولياء وكراماتهم وحقوقهم :
وكذلك كذب عليهم خصومهم ، وأشاعوا ( كذبا وبهتانا ) بأنهم لا يحبون الأولياء والصالحين ، وحقيقة الأمر أنهم أولى بالأولياء والصالحين ممن آذوا الأحياء والأموات ، بالبدع والخرافات والمكاء والتصدية ، والسماعات المحدثة ، والتبركات المبتدعة .
قال : « ولا ننكر كرامات الأولياء ونعترف لهم بالحق ، وأنهم على هدى من ربهم ، مهما ساروا على الطريقة الشرعية والقوانين المرعية ، إلا أنهم لا يستحقون شيئا من أنواع العبادات ، لا حال الحياة ولا بعد الممات ، بل يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته ، بل ومن كل مسلم ، فقد " - ص 85 -" جاء في الحديث : دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه الحديث ، وأمر - صلى الله عليه وسلم - عمر وعليا بسؤال الاستغفار من " أويس " ففعلا .
وعقيدتهم في شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - هي الحق بمقتضى النصوص :
وما أشاعه عنهم خصومهم من أنهم ينكرون شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرها من الشفاعات الثابتة بالنصوص الصحيحة كل ذلك من البهتان :
قال : « ونثبت الشفاعة لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة حسب ما ورد ، وكذلك نثبتها لسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسب ما ورد أيضا ، ونسألها من المالك لها ، والآذان فيها لمن يشاء من الموحدين ، الذين هم أسعد الناس بها ، كما ورد بأن يقول أحدنا - متضرعا إلى الله تعالى - : اللهم شفع نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فينا يوم القيامة ، أو : اللهم شفع فينا عبادك الصالحين ، أو ملائكتك أو نحو ذلك ، مما يطلب من الله لا منهم ، فلا يقال : يا رسول الله أو يا ولي الله أسألك الشفاعة أو غيرها ، كأدركني أو أغثني أو اشفني أو انصرني على عدوي ونحو ذلك ، مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، فإذا طلب ذلك مما ذكر في أيام البرزخ كان من أقسام الشرك ، إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة ، ولا أثر من السلف الصالح في ذلك ، بل ورد الكتاب والسنة وإجماع السلف : أن ذلك شرك أكبر ، قاتل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - » .
" - ص 86 -" بيان الحق في مسألة الحلف بغير الله :
قال : « فإن قلت : ما تقول في الحلف بغير الله والتوسل به ؟ قلت : ننظر إلى حال المقسم إن قصد به التعظيم ، كتعظيم الله أو أشد كما يقع لبعض غلاة المشركين من أهل زماننا ، إذا استحلف بشيخه أي : معبوده الذي يعتمد في جميع أموره عليه ، لا يرضى أن يحلف إذا كان كاذبا أو شاكا ، وإذا استحلف بالله فقط رضي ، فهو كافر من أقبح المشركين وأجهلهم إجماعا ، وإن لم يقصد التعظيم بل سبق لسانه إليه ، فهذا ليس بشرك أكبر ، فينهى عنه ويزجر ويؤمر صاحبه بالاستغفار عن تلك الهفوة » .
بيان الحق في مسألة التوسل ورفع الصوت بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الأذان :
قال : « أما التوسل وهو أن يقول القائل : اللهم إني أتوسل إليك بجاه نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - ، أو بحق نبيك ، أو بجاه عبادك الصالحين ، أو بحق عبدك فلان ، فهذا من أقسام البدع المذمومة ، ولم يرد بذلك نص ، كرفع الصوت بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الأذان » .
رعايتهم لحقوق آل البيت من غير غلو ولا تفريط :
قال : « وأما أهل البيت فقد ورد سؤال على علماء الدرعية في مثل ذلك ، وعن جواز نكاح الفاطمية غير الفاطمي ، وكان الجواب عليه ما نصه : أهل البيت - رضوان الله عليهم - لا شك في طلب حبهم ومودتهم ، ولما ورد فيه من كتاب وسنة ، فيجب حبهم ومودتهم ، إلا أن الإسلام ساوى بين الخلق ، فلا فضل لأحد إلا بالتقوى ، ولهم مع ذلك التوقير والتكريم والإجلال ، ولسائر العلماء مثل ذلك ، كالجلوس في صدور المجالس ، والبداءة بهم في التكريم ، والتقديم في الطريق إلى موضع التكريم ونحو ذلك ، إذا تقارب أحدهم مع غيره في السن والعلم .
وما اعتيد في بعض البلاد من تقديم صغيرهم وجاهلهم على من هو أمثل منه ، " - ص 87 -" حتى إنه إذا لم يقبل يده كلما صافحه عاتبه وصارمه أو ضاربه أو خاصمه ، فهذا لم يرد به نص ولا دل عليه دليل ، بل منكر تجب إزالته ، ولو قبل يد أحدهم لقدوم من سفر أو لمشيخة علم أو في بعض الأوقات لطول غيبه فلا بأس ، إلا أنه لما ألف في الجاهلية الأخرى : أن التقبيل صار علما لمن يعتقد فيه أو في أسلافه أو عادة المتكبرين من غيرهم ، نهينا عنه مطلقا ، لا سيما لمن ذكر حسما لذرائع الشرك ما أمكن » .
هدم القباب على القبور حسما لمادة الشرك :
ومما أثاره عليهم خصومهم - أهل البدع - وأجلبوا عليهم بخيلهم ورجلهم ، وأوغروا صدور عوام المسلمين الجاهلين بحقيقة الأمر مسألة هدمهم للقباب والمزارات والمشاهد البدعية . وهذا من التلبيس وقلب الحقائق ، فإن ذلك مما يمدحون به ويشكر لهم لأنهم إنما فعلوا ذلك امتثالا لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقد صح عنه الأمر بذلك والنهي عن البناء على القبور .
قال : « وإنما هدمنا بيت السيدة خديجة ، وقبة المولد ، وبعض الزوايا المنسوبة لبعض الأولياء ، حسما لتلك المادة ، وتنفيرا عن الإشراك بالله ما أمكن لعظم شأنه فإنه لا يغفر ، وهو أقبح من نسبة الولد لله تعالى ، إذ الولد كمال في حق المخلوق ، وأما الشرك فنقص حتى في حق المخلوق ، لقولـه تعالى : ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في [سورة الروم ، آية : 28 ] » .
بيان حكم تزويج الفاطمية لغير الفاطمي :
قال : « وأما نكاح الفاطمية غير الفاطمي : فجائز إجماعا ، بل ولا كراهية في ذلك ، وقد زوج علي عمر بن الخطاب ، وكفى بهما قدوة ، وتزوجت سكينة بنت الحسين بن علي ، بأربعة ليس فيهم فاطمي ، بل ولا هاشمي ، ولم يزل عمل السلف على ذلك من دون إنكار ، إلا أنا لا نجبر أحدا على تزويج موليته ما لم تطلب هي ، وتمتنع من غير الكفء ، والعرب : أكفاء بعضهم لبعض ، فما اعتيد في بعض البلاد من المنع دليل التكبر ، وطلب التعظيم ، وقد يحصل " - ص 88 -" بسبب ذلك فساد كبير كما ورد ، بل يجوز الإنكاح لغير الكفء ، وقد تزوج زيد - وهو من الموالي - زينب أم المؤمنين وهي قرشية ، والمسألة معروفة عند أهل المذاهب ، انتهى » .
تورعهم عن التكفير وبيان أن لازم الكفر عندهم ليس بلازم :
وكانت من القضايا الكبرى بينهم وبين خصومهم دعوى : أنهم يكفرون المسلمين وقد تبرءوا من ذلك ، وكتاباتهم وفتواهم ومواقفهم تكذب هذه الفرية ، وهم في مسألة التكفير متبعون لنصوص القرآن والسنة ، فلا يكفرون إلا بدليل شرعي وبينات ، فهم يكفرون من كفره الله ورسوله ، ولا يكفرون عموم المسلمين كما زعم خصومهم ، بل يتورعون عن تكفير المسلمين ويحذرون من مذهب الخوارج في ذلك :
قال : « فإن قال قائل منفر عن قبول الحق والإذعان لـه : يلزم من تقريركم وقطعكم في أن من قال يا رسول الله أسألك الشفاعة : أنه مشرك مهدر الدم ، أن يقال بكفر غالب الأمة ولا سيما المتأخرين ، لتصريح علمائهم المعتبرين : أن ذلك مندوب ، وشنوا الغارة على من خالف في ذلك ! قلت : لا يلزم ؛ لأن لازم المذهب ليس بمذهب كما هو مقرر ، ومثل ذلك : لا يلزم أن نكون مجسمة ، وإن قلنا بجهة العلو كما ورد الحديث بذلك » .
لا يحكمون على أموات المسلمين إلا بخير :
قال : « ونحن نقول فيمن مات : تلك أمة قد خلت » .
ولا يكفرون إلا بالشروط وانتفاء الموانع :
قال : « ولا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق ، ووضحت لـه المحجة ، وقامت عليه الحجة ، وأصر مستكبرا معاندا كغالب من نقاتلهم اليوم ، يصرون على ذلك الإشراك ، ويمتنعون من فعل الواجبات ، ويتظاهرون بأفعال الكبائر والمحرمات » .
" - ص 89 -" لا يلزم من القتال التكفير :
قال : « وغير الغالب : إنما نقاتله لمناصرته من هذه حاله ورضاه به ، ولتكثير سواد من ذكر والتأليب معه ، فله حينئذ حكمه في قتاله » .
الاعتذار عمن مضى من المسلمين ولم تقم عليه الحجة :
قال : « ونعتذر عمن مضى : بأنهم مخطئون معذورون لعدم عصمتهم من الخطأ ، والإجماع في ذلك ممنوع قطعا » .
الخطأ وارد على سائر أفراد الأئمة :
قال : « ومن شن الغارة فقد غلط ولا بدع أن يغلط ، فقد غلط من هو خير منه ، كمثل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فلما نبهته المرأة رجع في مسألة المهر وفي غير ذلك ، يعرف ذلك في سيرته . بل غلط الصحابة وهم جمع ونبينا - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرهم سار فيهم نوره ، فقالوا اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط » .
والمجتهد المخطئ معذور ما لم تقم عليه الحجة :
قال : « فإن قلت : هذا فيمن ذهل ، فلما نبه انتبه ، فما القول فيمن حرر الأدلة ؟ واطلع على كلام الأئمة القدوة ؟ واستمر مصرا على ذلك حتى مات ؟ قلت : ولا مانع أن نعتذر لمن ذكر ولا نقول : إنه كافر ، ولا لما تقدم أنه مخطئ وإن استمر على خطئه ، لعدم من يناضل عن هذه المسألة في وقته ، بلسانه وسيفه وسنانه ، فلم تقم عليه الحجة ، ولا وضحت لـه المحجة ، بل الغالب على زمن المؤلفين المذكورين : التواطؤ على هجر كلام أئمة السنة في ذلك رأسا ، ومن اطلع عليه أعرض عنه ، قبل أن يتمكن في قلبه ، ولم يزل أكابرهم تنهى أصاغرهم عن مطلق " - ص 90 -" النظر في ذلك ، وصولة الملوك قاهرة لمن وقر في قلبه شيء من ذلك إلا من شاء الله منهم .
هذا : وقد رأى معاوية وأصحابه - رضي الله عنه - منابذة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وقتاله ومناجزته الحرب وهم في ذلك مخطئون بالإجماع ، واستمروا في ذلك الخطأ ، ولم يشتهر عن أحد من السلف تكفير أحد منهم إجماعا ، بل ولا تفسيقه ، بل أثبتوا لهم أجر الاجتهاد وإن كانوا مخطئين ، كما أن ذلك مشهور عند أهل السنة » . ===================================
بيان الحق في زلة العالم وحفظ مكانته :
قال : « ونحن كذلك : لا نقول بكفر من صحت ديانته ، وشهر صلاحه وعلم ورعه وزهده ، وحسنت سيرته وبلغ من نصحه الأمة ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتأليف فيها ، وإن كان مخطئا في هذه المسألة أو غيرها ، كابن حجر الهيتمي فإنا نعرف كلامه في الدر المنظم ولا ننكر سعة علمه ، ولهذا نعتني بكتبه كشرح الأربعين والزواجر وغيرها ، ونعتمد على نقله إذا نقل ؛ لأنه من جملة علماء المسلمين » .
دعوة المنصفين إلى حقيقة الأمر الذي هم عليه :
قال : « هذا ما نحن عليه مخاطبين من لـه عقل وعلم ، وهو متصف بالإنصاف خال عن الميل إلى التعصب والاعتساف ينظر إلى ما يقال لا إلى من قال » .
ومن أصر على الباطل يؤخذ بالحزم :
قال : « وأما من شأنه لزوم مألوفه وعاداته سواء كان حقا أو غير حق ، فقلد من قال الله فيهم : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون [سورة الزخرف ، آية : 23] ، عادته وجبلته أن يعرف الحق بالرجال لا الرجال بالحق ، فلا نخاطبه وأمثاله إلا بالسيف حتى يستقيم أوده ويصح معوجه ، وجنود التوحيد - بحمد الله - منصورة ، وراياتهم بالسعد والإقبال منشورة : وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [ســورة الشعــراء ، آيــة : 227] ، " - ص 91 -" و فإن حزب الله هم الغالبون [سورة المائدة ، آية : 56] ، وقال تعالى : وإن جندنا لهم الغالبون [سورة الصافات ، آية : 173] ، وكان حقا علينا نصر المؤمنين [سورة الروم ، آية : 47] ، والعاقبة للمتقين [سورة الأعراف ، آية : 128] .
بيان حقيقة البدعة شرعا :
قال : « هذا ومما نحن عليه : أن البدعة هي : ما حدثت بعد القرون الثلاثة مذموما مطلقا ، خلافا لمن قال حسنة وقبيحة ، ولمن قسمها خمسة أقسام ، إلا إن أمكن الجمع ، بأن يقال : الحسنة ما عليه السلف الصالح شاملة : للواجبة والمندوبة والمباحة ، ويكون تسميتها بدعة مجازا ، والقبيحة ما عدا ذلك شاملة : للمحرمة والمكروهة ، فلا بأس بهذا الجمع » .
نماذج من البدع المذمومة :
وكذلك نفوا ما يزعمه الخصوم عنهم من أنهم يبدعون من صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويمنعون من الأذكار المشروعة وبينوا أن ذلك من الكذب عليهم ، وأنهم إنما منعوا البدع ونهوا عنها .
قال : « فمن البدع المذمومة التي ننهى عنها : رفع الصوت في مواضع الأذان بغير الأذان ، سواء كان آيات أو صلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - أو ذكرا أو غير ذلك بعد الأذان ، أو في ليلة الجمعة أو رمضان أو العيدين ، فكل ذلك بدعة مذمومة » .
إبطال البدع المألوفة بمكة :
قال : « وقد أبطلنا ما كان مألوفا بمكة ، من التذكير والترحيم ونحوه ، واعترف علماء المذاهب أنه بدعة .
ومنها : قراءة الحديث عن أبي هريرة بين يدي خطبة الجمعة ، فقد صرح شارح الجامع الصغير بأنه بدعة ، ومنها الاجتماع في وقت مخصوص على من يقرأ سيرة المولد الشريف ، اعتقادا أنه قربة مخصوصة مطلوبة دون علم السير ، فإن ذلك لم يرد .
ومنها : اتخاذ المسابح ، فإنا ننهى عن التظاهر باتخاذها .
" - ص 92 -" ومنها : الاجتماع على رواتب المشائخ برفع الصوت ، وقراءة الفواتح والتوسل بهم في المهمات ، كراتب السمان وراتب الحداد ونحوهما ، بل قد يشتمل ما ذكر على شرك أكبر ، فيقاتلون على ذلك ، فإن سلموا من أرشدوا إلى أنه على هذه الصورة المألوفة غير سنة بل بدعة فذاك ، فإن أبوا عزرهم الحاكم بما يراه رادعا » .
الأوراد المشروعة لا تنكر :
قال : « وأما أحزاب العلماء ، المنتخبة من الكتاب والسنة ، فلا مانع من قراءتها ، والمواظبة عليها فإن الأذكار ، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والاستغفار ، وتلاوة القرآن ونحو ذلك مطلوب شرعا ؛ والمعتني به مثاب مأجور ، فكلما أكثر منه العبد كان أوفر ثوابا ، لكن على الوجه المشروع ، من دون تنطع ولا تغيير ولا تحريف ، وقد قال تعالى : ادعوا ربكم تضرعا وخفية [سورة الأعراف ، آية : 55] ، وقال تعالى : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [سورة الأعراف ، آية : 180] ولله در النووي في جمعه كتاب الأذكار ؛ فعلى الحريص على ذلك به ، ففيه الكفاية للموفق .
عودة إلى أنواع البدع المذمومة :
ومنها : ما اعتيد في بعض البلاد ، من قراءة مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - بقصائد بألحان ، وتخلط بالصلاة عليه ، وبالأذكار والقراءة ، ويكون بعد صلاة التراويح ، ويعتقدونه على هذه الهيئة من القرب ، بل تتوهم العامة أن ذلك من السنن المأثورة ، فينهى عن ذلك ، وأما صلاة التراويح فسنة ، لا بأس بالجماعة فيها والمواظبة عليها .
ومنها : ما اعتيد في بعض البلاد من صلاة الخمسة الفروض بعد آخر جمعة من رمضان ، وهذه من البدع المنكرة إجماعا فيزجرون عن ذلك أشد الزجر ، ومنها رفع الصوت بالذكر عند حمل الميت أو عند رش القبر بالماء وغير ذلك مما لم يرد عن السلف ، وقد ألف الشيخ الطرطوشي المغربي كتابا نفيسا سماه [الحوادث والبدع] واختصره أبو شامة المقدسي فعلى المعتني بدينه بتحصيله » .
" - ص 93 -" التفريق بين ما هو بدعي وما ليس ببدعي من المحدثات :
قال : « وإنما ننهى عن البدع المتخذة دينا وقربة ؛ وأما ما لا يتخذ دينا وقربة كالقهوة وإنشاء قصائد الغزل ومدح الملوك فلا ننهى عنه ، ما لم يخلط بغيره إما ذكر أو اعتكاف في مسجد ويعتقد أنه قربة ؛ لأن حسان رد على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقال : قد أنشدته بين يدي من هو خير منك ، فقبل عمر » .
مشروعية اللعب المباح :
قال : « ويحل كل لعب مباح ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر الحبشة على اللعب في يوم العيد في مسجده - صلى الله عليه وسلم - ويحل الرجز والحداء في نحو العمارة ، والتدريب على الحرب بأنواعه ، وما يورث الحماسة فيه كطبل الحرب دون آلات الملاهي ، فإنها محرمة والفرق ظاهر ، ولا بأس بدف العرس وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : بعثت بالحنيفية السمحة وقال : لتعلم يهود أن في ديننا فسحة » .
إمامة ابن تيمية وابن القيم في الدين :
قال : « هذا وعندنا أن الإمام ابن القيم وشيخه ، إماما حق من أهل السنة وكتبهم عندنا من أعز الكتب ، إلا أنا غير مقلدين لهم في كل مسألة ، فإن كل أحد يؤخذ من قولـه ويترك إلا نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ومعلوم مخالفتنا لهما في عدة مسائل ، منها طلاق الثلاث بلفظ واحد في مجلس ، فإنا نقول به تبعا للأئمة الأربعة ، ونرى الوقف صحيحا والنذر جائزا ، ويجب الوفاء به في غير المعصية » .
" - ص 94 -" عودة إلى أنواع البدع والتحذير منها :
قال : « ومن البدع المنهي عنها : قراءة الفواتح للمشائخ بعد الصلوات الخمس ، والإطراء في مدحهم والتوسل بهم على الوجه المعتاد في كثير من البلاد ، وبعد مجامع العبادات ، معتقدين أن ذلك من أكمل القرب ، وهو ربما جر إلى الشرك من حيث لا يشعر الإنسان ، فإن الإنسان يحصل منه الشرك من دون شعور به لخفائه ، ولولا ذلك لما استعاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - منه بقولـه : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم ، إنك أنت علام الغيوب .
وينبغي المحافظة على هذه الكلمات ، والتحرز عن الشرك ما أمكن ؛ فإن عمر بن الخطاب قال : إنما ينقض عرى الإسلام عروة عروة ، إذا دخل في الإسلام من لا يعرف الجاهلية ، أو كما قال . وذلك لأنه يفعل الشرك ، ويعتقد أنه قربة ، نعوذ بالله من الخذلان ، وزوال الإيمان » .
ثم قال الشيخ عبد الله بعد هذا البيان :
« هذا ما حضرني حال المراجعة مع المذكور مدة تردده ، وهو يطالبني كل حين بنقل ذلك وتحريره ، فلما ألح علي نقلت لـه هذا من دون مراجعة كتاب ، وأنا في غاية الاشتغال بما هو أهم من أمور الغزو » .
دعوة الناس إلى التحقق من حال الدعوة ومنهجها :
ثم إنهم قد أنصفوا من أنفسهم وأقاموا الحجة بالدعوة إلى التثبت مما يشاع عنهم والاطلاع على حقيقة حالهم .
" - ص 95 -" قال : « فمن أراد تحقيق ما نحن عليه ، فليقدم علينا الدرعية ، فسيرى ما يسر خاطره ، ويقر ناظره ، من الدروس في فنون العلم ، خصوصا التفسير والحديث ؛ ويرى ما يبهره بحمد الله وعونه ، من إقامة شعائر الدين ، والرفق بالضعفاء والوفود والمساكين » .
بيان حقيقة التعبد المشروع والتصوف المأمون :
وهم حين ينكرون التصوف البدعي ، والطرق المحدثة فإنهم يقرون بالتنسك والتعبد المشروع على منهاج السنة والسلف الصالح ، وإن سمي ذلك تصوفا أو طريقة صوفية إذا كان على الاستقامة والسنة وسلم من البدع والمحدثات .
قال : « ولا ننكر الطريقة الصوفية ، وتنزيه الباطن من رذائل المعاصي ، المتعلقة بالقلب والجوارح ، مهما استقام صاحبها على القانون الشرعي ، والمنهج القويم المرعي ، إلا أنا لا نتكلف لـه تأويلات في كلامه ولا في أفعاله » .
لا يفوضون أمورهم كلها إلا إلى الله تعالى :
قال : « ولا نعول ، ونستعين ، ونستنصر ، ونتوكل في جميع أمورنا إلا على الله تعالى ، فهو حسبنا ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير ، وصلى الله على محمد وآله وصحبة وسلم » .
وبعد :
فإن هذه الوثيقة قد كشفت للناس منهج الدعوة وحقيقة ما هي عليه وأتباعها ودولتها بوضوح وصراحة ، وكشفت بالدليل والبرهان الكثير من الزيوف والبهتان الذي يقال عنها .
فهل بعد هذا من بيان لمن ألقى السمع وهو شهيد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق