دعوى منعهم الشفاعة والتوسل والتبرك مطلقا:التوسل والتبرك والشفاعة من الأمور الكبيرة التي أثارها الخصوم من أهل البدع والأهواء والافتراق على أهل السنة والجماعة منذ زمن بعيد، ثم لما ظهر الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، ودعا إلى السنة وأنكر البدع، وكان أشهرها وأظهرها إنكار التوسلات البدعية والتبرك البدعي والغلو في باب الشفاعة .وهذه الأمور أغلب مسائلها تتفرع عن القضية الكبرى التي سبق الحديث عنها وهي قضية: التوحيد وما ينقضه وما ينافيه.وقد أشاع خصوم السنة -من أهل البدع - حول هذه المسائل شبهات كثيرة وافتروا على أهل السنة عموما، وعلى الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه على الخصوص مفتريات ومزاعم كبيرة.فزعموا أنهم يمنعون التوسل والتبرك والشفاعة مطلقا.وأنهم بناء على ذلك ينتقصون الرسول صلى الله عليه وسلم وربما قالوا: يبغضونه، وأنهم بناء على ذلك يبغضون الأنبياء والصالحين ويكرهون الأولياء! ."- ص 223 -" والحق: أن أهل السنة ومنهم الإمام محمد وأتباعه - يثبتون كل ما جاء في الأدلة من القرآن وصحيح السنة من ذلك وينفون ما عداه؛ لأن هذا من الأمور التوقيفية التي لا يمكن للناس أن يشرعوا فيها شيئا. ومن شرع إثباتا أو نفيا فقد ابتدع، وأحدث في الدين ما ليس منه، وعمله مردود بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وقوله صلى الله عليه وسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وهذه نصوص قطعية محكمة.يعتقد أهل السنة والجماعة (ومنهم أتباع هذه الدعوة المباركة) أن الشفاعة نوعان: مثبتة وهي ما جاءت بها النصوص وتوافرت بها الشروط التي ذكر الله تعالى في كتابه كالشفاعة العظمى والمقام المحمود للنبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته لأهل الكبائر من أمته، وشفاعته لعمه أبي طالب أن يخفف عنه من عذاب النار، ونحو ذلك مما ثبت بدليل وما لم يثبت بدليل، فهو الشفاعة المنفية وهو النوع الثاني.وقد أفاض الإمام محمد بن عبد الوهاب في هذه المسألة وكذلك علماء الدعوة وسائر أهل السنة وبينوها بأدلتها غاية البيان بالأدلة وكشفوا شبهات أهل البدع بما فيه الكفاية لمن كان قصده الحق.يقول الإمام منكرا التوسلات والشفاعات الشركية والبدعية في رسالته لابن صباح: بسم الله الرحمن الرحيم الذي يعلم من وقف عليه من الإخوان، المتبعين محمد صلى الله عليه وسلم أن ابن صباح: سألني عما ينسب إلي؟ فطلب مني: أن أكتب الجواب، فكتبته:الحمد لله رب العالمين، أما بعد:فما ذكره المشركون: على أني أنهى عن الصلاة على النبي، أو أني أقول: لو أن لي أمرا، هدمت قبة النبي صلى الله عليه وسلم أو أني أتكلم في الصالحين، أو أنهي عن محبتهم، فكل هذا كذب وبهتان، افتراه علي الشياطين، الذين يريدون أن يأكلوا أموال الناس بالباطل، مثل أولاد شمسان، وأولاد إدريس، الذين يأمرون الناس ينذرون "- ص 224 -" لهم، وينخونهم، ويندبونهم، وكذلك فقراء الشيطان، الذين ينتسبون إلى الشيخ عبد القادر -رحمه الله- وهو منهم بريء، كبراءة علي بن أبي طالب من الرافضة.فلما رأوني: آمر الناس بما أمرهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم أن لا يعبدوا إلا الله، وأن من دعا عبد القادر، فهو كافر، وعبد القادر منه بريء، وكذلك من نخا الصالحين، أو الأنبياء أو ندبهم أو سجد لهم أو نذر لهم، أو قصدهم بشيء من أنواع العبادة، التي هي حق الله على العبيد، وكل إنسان، يعرف أمر الله ورسوله: لا، ينكر هذا الأمر بل يقر به، ويعرفه.وأما الذي ينكره، فهو بين أمرين، إن قال: إن دعوة الصالحين واستغاثتهم والنذر لهم وصيرورة الإنسان فقيرا لهم، أمر حسن، ولو ذكر الله ورسوله: إنه كفر، فهو مصر بتكذيب الله ورسوله، ولا خفاء في كفره فليس لنا معه كلام.وإنما كلامنا: مع رجل يؤمن بالله واليوم الآخر، ويحب ما أحب الله ورسوله، ويبغض ما أبغض الله ورسوله، لكنه جاهل، قد لبست عليه الشياطين دينه، ويظن: أن الاعتقاد في الصالحين حق، ولو يدري أنه كفر، يدخل صاحبه في النار ما فعله ، ونحن: نبين لهذا ما يوضح له الأمر، فنقول: الذي يجب على المسلم أن يتبع أمر الله ورسوله، ويسأل عنه والله سبحانه: أنزل القرآن وذكر فيه ما يحبه، ويبغضه، وبين لنا فيه ديننا، وأكمل، وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء، فليس على وجه الأرض أحد أحب إلى أصحابه منه، وهم يحبونه على أنفسهم، وأولادهم، ويعرفون قدره، ويعرفون أيضا: الشرك والإيمان.فإن كان أحد من المسلمين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعاه، أو نذر له أو ندبه أو أحد من أصحابه جاء عند قبره بعد موته يسأله، أو يندبه، أو يدخل عليه للالتجاء له عند القبر، فاعرف: أن هذا أمر صحيح حسن، ولا تطعني، ولا غيري.وإن كان إذا سألت وجدت أنه: صلى الله عليه وسلم تبرأ ممن اعتقد في الأنبياء، والصالحين وقتلهم وسباهم وأولادهم، وأخذ أموالهم وحكم بكفرهم، فاعرف: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا الحق ولا يأمر إلا بالحق، والواجب على كل مؤمن اتباعه فيما جاء به."- ص 225 -" وبالجملة فالذي أنكره: الاعتقاد في غير الله، مما لا يجوز لغيره، فإن كنت قلته من عندي، فارم به، أو من كتاب لقيته، ليس عليه عمل، فارم به كذلك، أو نقلته عن أهل مذهبي، فارم به ، وإن كنت قلته عن أمر الله ورسوله، وعما أجمع عليه العلماء في كل مذهب، فلا ينبغي لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرض عنه، لأجل أهل زمانه، أو أهل بلده، وأن أكثر الناس في زمانه أعرضوا عنه.واعلم أن الأدلة على هذا، من كلام الله وكلام رسوله كثيرة، لكن: أنا أمثل لك بدليل واحد، ينبهك على غيره، قال الله تعالى: قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا [سورة الإسراء، آية: 56، 57] ذكر المفسرون في تفسيرها: أن جماعة كانوا يعتقدون في عيسى - عليه السلام - وعزير، فقال تعالى: هؤلاء عبيدي، كما أنتم عبيدي، ويرجون رحمتي، كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي، كما تخافون عذابي.فيا عباد الله: تفكروا في كلام ربكم، تبارك وتعالى، إذا كان ذكر عن الكفار، الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن دينهم الذي كفرهم به، هو الاعتقاد في الصالحين، وإلا فالكفار يخافون الله، ويرجونه، ويحجون، ويتصدقون، ولكنهم كفروا بالاعتقاد في الصالحين، وهم يقولون: إنما اعتقدنا فيهم، ليقربونا إلى الله زلفى، يشفعوا لنا، كما قال الله تعالى: والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى [سورة الزمر، آية: 3]، وقال تعالى: ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا [سورة يونس، آية: 18].فيا عباد الله: إذا كان الله ذكر في كتابه، أن دين الكفار، هو الاعتقاد في الصالحين، وذكر أنهم اعتقدوا فيهم ودعوهم وندبوهم، لأجل أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، هل بعد هذا البيان، بيان؟ فإذا كان من اعتقد في عيسى ابن مريم، مع أنه نبي من الأنبياء، وندبه ونخاه فقد كفر، فكيف بمن يعتقدون في الشياطين، كالكلب: أبي حديدة "- ص 226 -" وعثمان، الذي في الوادي، والكلاب الأخر في الخرج، وغيرهم في سائر البلدان، الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله؟! ».ثم قال موجها النصيحة لكل مسلم مستمسك بالحق:«أنت يا من هداه الله، لا تظن أن هؤلاء يحبون الصالحين، بل هؤلاء أعداء الصالحين، وأنت والله الذي تحب الصالحين؛ لأن من أحب قوما أطاعهم، فمن أحب الصالحين وأطاعهم لم يعتقد إلا في الله، وأما من عصاهم ودعاهم يزعم أنه يحبهم فهو مثل النصارى، الذي يدعون عيسى، ويزعمون محبته وهو بريء منهم ».ثم ذكر الذين يدعون علي بن أبي طالب، وهو بريء منهم.وقال: «ونختم هذا الكتاب بكلمة واحدة، وهي أن أقول: يا عباد الله، لا تطيعوني، ولا تفكروا، واسألوا أهل العلم من كل مذهب، عما قال الله ورسوله، وأنا أنصحكم: لا تظنوا أن الاعتقاد في الصالحين، مثل الزنا، والسرقة، بل هو عبادة للأصنام، من فعله كفر، وتبرأ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يا عباد الله تفكروا، وتذكروا، والسلام ».وقال: «ومن أعجب ما جرى من الرؤساء المخالفين أني لما بينت لهم كلام الله، وما ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب [سورة الإسراء، آية: 57] وقوله: ويقولون هؤلاء شفعاؤنا [سورة يونس ، آية: 18] وقوله ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى [سورة الزمر، آية: 3] وما ذكر الله من إقرار الكفار في قوله قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار [سورة يونس، آية: 31] وغير ذلك .قالوا: القرآن لا يجوز العمل به لنا، ولأمثالنا، ولا بكلام الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا بكلام المتقدمين، ولا نطيع إلا ما ذكره المتأخرون.قلت لهم: أنا أخاصم الحنفي، بكلام المتأخرين من الحنفية والمالكي، والشافعي "- ص 227 -" والحنبلي، كل أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم، الذين يعتمدون عليهم، فلما أبوا ذلك، نقلت كلام العلماء من كل مذهب لأهله، وذكرت كل ما قالوا، بعدما صرحت الدعوة عند القبور، والنذر لها، فعرفوا ذلك، وتحققوه، فلم يزدهم إلا نفور
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق