الجمعة، 27 فبراير 2015

ثر الدعوة في بلاد الشام والعراق :
كان للدعوة الوهابية أنصار كثيرون بين علماء بلاد الشام في بداية هذا القرن ، ومن أشهرهم الشيخ جمال الدين القاسمي الذي قاضته الحكومة التركية بتهمة العمل على نشر مبادئ الدعوة الوهابية وإذاعتها بين الناس . وهناك أيضا المشايخ : عبد الرزاق البيطار ، وطاهر الجزائري ، ومحمد كامل القصاب ، وحسين الجسر ، وعبد القادر المغربي ، والأمير شكيب أرسلان الذين درسوا تعاليم الدعوة الوهابية وقدروها تقديرا كبيرا ، إذ وجدوا فيها صورة عن تعاليم الإسلام الحقيقية ، فعملوا على نشر مبادئها في سوريا .
وفي العراق عرف عن الألوسيين : أبو الثناء شهاب الدين محمود الألوسي ( 1802 - 1853 ) ، ومحمود شكري الألوسي ( 1856 - 1924 ) تأثرهما الشديد بمبادئ الدعوة الوهابية وأفكارها . ويبدو ذلك واضحا في كتاب الأول : « روح المعاني » الذي دعا فيه إلى اتباع أهل السلف في مسائل العقيدة وتنقية الإسلام مما علق به من الشوائب ، وإنكار التوسل لغير الله أو التشفع بأهل القبور .
" - ص 389 -" أما محمود شكري الألوسي فكان مصلحا دينيا سلفيا « جمع بين مبادئ الدعوة الوهابية في الرجوع إلى القرآن والسنة ومحاربة البدع الدينية والطرق الصوفية من ناحية ، وبين مبادئ النهضة العلمية العربية الحديثة في الاهتمام بالعلوم غير الدينية مثل التاريخ والفلك من ناحية أخرى . من مؤلفاته « تاريخ نجد » الذي تناول فيه تاريخ نجد المعاصر وسيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب . ================== أثر الدعوة في مسلمي الهند :
تحتل الهند مكانا مميزا في دراسة نمو الأفكار الدينية وتفاعلها نظرا لتعدد أجناس سكانها ومعتقداتهم المختلفة .
وجد الوهابيون في هذا المجتمع تربة خصبة لبث أفكارهم بين المسلمين والهنود الذين تتفشى بينهم صور شتى من البدع والخرافات المأخوذة عن طقوس وعقائد الديانات الهندية الأخرى . وقد وصلت التعاليم الوهابية إلى تلك البلاد عن طريق زعيم إسلامي هندي يدعى " - ص 388 -" السيد أحمد بن عرفان البرلوي ( 1786 - 1831م ) الذي وفد إلى الحج في أوائل القرن التاسع عشر واعتنق خلاله الأفكار الوهابية . ولما عاد إلى بلاده أصبح من أكبر دعاة هذه الأفكار ، وقام بنشرها في البنجاب ، وأنشأ دولة وهابية فيها ، وامتد سلطانه حتى هدد شمال الهند حيث تقطن طائفة السيخ .
كان السيد أحمد البرلوي ذا حمية شديدة في الدين ، فعمل على تطهير الإسلام من أدران الشرك التي شوهته تشويها صارخا ، مثل عبادة الأولياء وما يتصل بها من التقاليد الخرافية الوثنية ، ونادى بإعادة الحياة الإسلامية إلى بساطتها الأولى كما كانت أيام النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته . ثم قام بحملة دينية واسعة النطاق بين الهنود لترغيبهم في اعتناق الإسلام . توفي سنة 1831 خلال حملته على طائفة السيخ في شمال الهند ، لكن أفكاره الدينية ظلت قوية الأثر بين المسلمين الهنود ، وتابع تلاميذه حركته الإصلاحية ، فأنتجوا أدبا دينيا ضخما ، كتبوه باللغة الأوردية ليضمنوا نشر تعاليمهم بين الشعب ، كما آثر أتباعه الاشتغال بالنشاط التجاري وعدم الالتحاق بالوظائف الحكومية تحت حكم الإنجليز . ================= أثر الدعوة الوهابية في المغرب العربي والسودان :
وعن طريق الحج أيضا انتقلت أفكار الدعوة الوهابية إلى المغرب العربي . إذ حملها إليه السيد محمد بن علي السنوسي ( 1787 - 1859 ) بعد عودته من مكة إلى وطنه الجزائر متأثرا بتعاليمها ، وأخذ ينشرها بين أبناء بلده . وبعد ذلك انتقل إلى برقة بليبيا حيث أسس طريقة دينية خاصة ، فيها الكثير من الأفكار الوهابية ، مثل ضرورة الرجوع إلى بساطة الإسلام الأولى التي كان عليها الرسول وصحابته ، وتنقية العقيدة من البدع والخرافات التي شوهتها . ولكن تأثر السنوسية بالمفاهيم الصوفية بعد ذلك أبعدها عن فلك التعاليم الوهابية وأهدافها .
وتتفق الدعوتان أيضا في الأخذ بالاجتهاد ومحاربة البدع بجميع صورها . وتختلفان في أن الحركة الوهابية لجأت إلى الجهاد لنشر تعاليمها وهداية الناس إلى أفكارها ، بينما سلكت الحركة السنوسية الطريق الصوفي . وقد أعجب بمبادئ الدعوة أيضا سلطان مراكش سيدي محمد بن عبد الله الذي كان يقول : إنني مالكي المذهب وهابي المبدأ . كما تأثر بها صاحب الدعوة المهدية في السودان محمد بن أحمد بن السيد عبد الله ( 1885م ) كما نجد أثرها الواضح في مؤلفات المفكر الجزائري المعروف مالك بن نبي . ============================= أثر الدعوة في الحياة الأدبية للجزيرة العربية :
اعتنق سكان الجزيرة العربية أفكار الدعوة الوهابية وتشددوا فيها ، بعد أن زرعت فيهم بعض الثقافة ، رغم أميتهم ، لكنها كانت ثقافة دينية محورها تعاليم الدعوة ، وأفكار ابن تيمية ومذهب أحمد بن حنبل . واستطاعت تعاليم هذه الدعوة أن تدفع الناس إلى حل قضاياهم عن طريق الشرع والقضاء بدلا من وسائل العنف والعادات القبلية . كما استطاعت أن تقضي على حياة التشرد والترحال في البادية ، وتغل أيدي " - ص 390 -" اللصوص والمجرمين الذين كانوا يعيثون فسادا في مختلف مناطق الجزيرة . ثم شجعت البدو على الاستقرار في مناطق زراعية بعد أن هيأت لهم المنازل ووسائل العيش الكريم . وقد ربطت الدعوة الوهابية أتباعها بالله مباشرة ، وعلمتهم ألا يرهبوا أحدا سواه ، وطردت من عقولهم صور الجن والخرافات والأوهام ، ومنعتهم من الوقوف المذل أمام الأحجار والقبور والأشجار للتوسل والاستغاثة ، وعودتهم ألا يطلبوا ذلك إلا من الله وحده . . .
لم تقتصر آثار الدعوة على هذه المسائل فقط ، بل كان لها أثر كبير في الحركة الفكرية في الجزيرة العربية خلال القرن الثامن عشر . ففي مراحلها الأولى ظهر بعض الشعراء والمؤرخين الذين اعتنقوا مبادئها ، وأخذوا يدافعون عنها ويهاجمون خصومها . وكان في طليعة هؤلاء من المؤرخين عثمان بن بشر ، وحسين بن غنام مؤرخا الدعوة المشهوران » .
وبعد : فإن هذه الثمار الطيبة والنتائج المباركة قد ملأت سمع العالم وبصره ودان بها الموافق ، واعترف بها المخالف ، وإن جحدها المعاند والحاسد فلا يضرها ذلك . وهي بحد ذاتها الرد والجواب العلمي والعملي ، والمنطقي والواقعي على سائر الشبهات والمفتريات ، والدعاوى والاتهامات التي قيلت حول الدعوة ، وإمامها وعلمائها ودولتها ( الدولة السعودية في كل مراحلها ) وأتباعها ومؤيديها .
فإنها بحمد الله الشجرة الطيبة التي قالت الحق ، وعملت بالحق ، ودعت إلى الحق ، وأثمرت الحق ، وماذا بعد الحق إلا الضلال ؟ ================================ أثر الدعوة على الدعوات التي عاصرتها ، والتي جاءت بعدها إلى اليوم أثر مؤكد لا شك فيه ويتفاوت في درجته قوة وضعفا ، ومطابقة ومخالفة بحسب نوع التأثر والتأثير ، واختلاف العوامل المؤثرة .
والذي يظهر لي أن هناك من الدعوات من يسير على المنهج في العموم كبعض أهل الحديث ، وأنصار السنة في مصر والسودان .
" - ص 391 -" وبعض الجماعات السلفية المعتدلة في سائر العالم الإسلامي اليوم . وغالبا نجد هذه الفئات تعير من قبل أهل البدع والأهواء بأنها وهابية ولا شك أن هذه تزكية غالية لمن كان على المنهج السلفي الحق .
لكن هناك من بالغ في تأثير الدعوة على بعض الأشخاص أو بعض الحركات الإصلاحية .
كالمهدية في السودان ، والسنوسية في شمال أفريقية ، وحركة عثمان بن فودي ، وحركة محمد عبده ، وبعض الحركات الإصلاحية في الهند .
إلى حد أن اعتبرها بعضهم مطابقة تماما أو على الأغلب لدعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب .
والحق أنه لم تكن هناك دعوة تحمل المنهج نفسه تماما عقيدة وعملا ، إنما تأثرت أكثر الدعوات في بعض المبادئ العامة مثل نزعة الإصلاح العام ، ونبذ المنكرات والتحرير من التقليد والعصبية والمذهبية . والنزوع إلى تطبيق الشريعة والحدود ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد أما الخاصية الكبرى لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وهي : الدعوة إلى التوحيد والعقيدة السلفية النقية الصافية ، ونبذ الشركيات والبدع ومحاربتها بجد وحزم ، فإن الذين حملوا هذه الرسالة بهذا المستوى من الدعاة والحركات قليل . والله أعلم .
تقريب المخالفين للحق :
من الآثار العامة الطيبة لهذه الدعوة المباركة أنها جرت بعض المخالفين إلى الاقتراب من مناهج الحق قليلا أو كثيرا بحسب الأحوال . ومن ذلك أنها لفتت أنظارهم إلى أهمية الاستدلال بالنصوص الشرعية وآثار السلف الصالح والتحاكم إليها ، وترك بعض الانحرافات في التلقي والاستدلال ، كالاعتماد على ما ليس بدليل كالكشف والذوق ، والوجد ، والرؤى " - ص 392 -" والأحلام ، والخوارق ، ودعوى العصمة للرجال . والاستدلال بالحكايات والأحاديث الموضوعة والضعيفة فإن أكثر الفرق والأشخاص الذين يعولون على هذه الأوهام صار بعضهم يقلل من هذا المسلك ، ويستحي منه .
كما جرتهم الدعوة إلى ترك التعصب والتقليد الأعمى للمذاهب والأشخاص وعلقتهم بالعلم الشرعي ، والاهتمام بالسنن ، وبالبحث والتأليف والاستنباط .
إن المخالفين من الفرق والأفراد والمذاهب والطرق وإن لم يستجب كثير منهم إلى الحق والسنة ، بل بعضهم زاد عتوا وغلوا وإصرارا على الباطل . إلا أنه صار كثير منهم لديه الاستعداد للحوار الجاد وخففوا من غلوهم ، وصححوا بعض عقائدهم ومناهجهم ، أو عدلوها ، وهذا ولا شك تخفيف للشر ، وذلك من مطالب الدين وغايات الدعوة المرحلية ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك [ سورة هود ، الآيتان : 118 ، 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق