الجمعة، 27 فبراير 2015

وقال في رسالته إلى ابن السويدي ، عالم من أهل العراق حين سأله عما يقول الناس فيه ، فأجابه :
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب ، إلى الأخ في الله : عبد الرحمن بن عبد الله .
سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد :
فقد وصل إلي كتابك ، وسر الخاطر ، جعلك الله من أئمة المتقين ، ومن الدعاة إلى دين سيد المرسلين؛ وأخبرك أني - ولله الحمد - متبع ، لست بمبتدع عقيدتي وديني الذي أدين الله به ، هو مذهب أهل السنة والجماعة ، الذي عليه أئمة المسلمين ، مثل الأئمة الأربعة ، وأتباعهم إلى يوم القيامة .
ولكنني بينت للناس : إخلاص الدين لله ، ونهيتهم عن دعوة الأحياء ، والأموات من الصالحين وغيرهم ، وعن إشراكهم فيما يعبد الله به من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق الله الذي لا يشركه فيه أحد ، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل وهو الذي دعت إليه الرسل ، من أولهم إلى آخره؛ وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة » .
ثم قال : « وأيضا : ألزمت من تحت يدي ، بإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة وغير ذلك من فرائض الله ، ونهيتهم عن الربا وشرب المسكر ، وأنواع المنكرات ، فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا ، وعيبه؛ لكونه مستحسنا عند العوام؛ فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما آمر به من التوحيد ، وأنهى عنه من الشرك ولبسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس ، ونسبوا إلينا أنواع المفتريات فكبرت الفتنة وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله .
" - ص 211 -" فمنها : إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه فضلا عن أن يفتريه . ومنها : ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني ، وأني أزعم أن أنكحتهم غير صحيحة فيا عجبا كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟! وهل يقول هذا مسلم ، إني أبرأ إلى الله من هذا القول ، الذي ما يصدر إلا عن مختل العقل ، فاقد الإدراك فقاتل الله أهل الأغراض الباطلة . وكذلك قولهم : إني أقول : لو أقدر على هدم قبة النبي صلى الله عليه وسلم لهدمتها .
وأما دلائل الخيرات ، وما قيل عني : أني حرقتها ، فله سبب ، وذلك أني أشرت على من قبل نصيحتي من إخواني أن لا يصير في قلبه أجل من كتاب الله؛ ولا يظن أن القراءة فيه أفضل من قراءة القرآن ، وأما : إحراقها والنهي عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بأي لفظ كان ، فنسبة هذا إلي من الزور والبهتان .
والحاصل : أن ما ذكر عني من الأسباب ، غير دعوة الناس إلى التوحيد ، والنهي عن الشرك ، فكله من البهتان؛ وهذا لو خفي على غيركم ، فلا يخفى على حضرتكم ، ولو أن رجلا من أهل بلدكم ولو كان أحب الخلق إلى الناس قام يلزم الناس الإخلاص ، ويمنعهم من دعوة أهل القبور ، وله أعداء وحساد أشد منه رياسة وأكثر اتباعا وقاموا يرمونه بمثل هذه الأكاذيب ، ويوهمون الناس أن هذا تنقص بالصالحين وأن دعوتهم من إجلالهم واحترامهم لعلمتم كيف يجري عليه» .
وقال في رسالة بعثها إلى أهل المغرب ، بعد أن تحدث عن وقوع الافتراق في الأمة : « إذا عرف هذا ، فمعلوم : ما قد عمت به البلوى ، من حوادث الأمور ، التي أعظمها الإشراك بالله ، والتوجه إلى الموتى وسؤالهم النصر على الأعداء ، وقضاء الحاجات وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسماوات؛ وكذلك التقرب إليهم بالنذور ، وذبح القربان ، والاستغاثة بهم في كشف الشدائد ، وجلب الفوائد إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله .
" - ص 212 -" وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله : كصرف جميعها؛ لأنه سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك ، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا ، كما قال تعالى : فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار [سورة الزمر ، الآيات : 2 - 3] فأخبر سبحانه : أنه لا يرضى من الدين إلا ما كان خالصا لوجهه؛ وأخبر : أن المشركين يدعون الملائكة ، والأنبياء والصالحين ، ليقربوهم إلى الله زلفى ويشفعوا لهم عنده ، وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب كفار؛ فكذبهم في هذه الدعوى ، وكفرهم فقال : إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار [سورة الزمر ، آية : 3] وقال تعالى : ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون [سورة يونس ، آية : 18] ، فأخبر : أن من جعل بينه وبين الله وسائط ، يسألهم الشفاعة ، فقد عبدهم وأشرك بهم وذلك : أن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى : قل لله الشفاعة [سورة الزمر ، آية : 44] .
فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ، كما قال تعالى : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [سورة البقرة ، آية : 255] وقال تعالى : يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا [سورة طه ، آية : 109] وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد ، كما قال تعالى : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى [سورة الأنبياء ، آية : 28] وقال تعالى : قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له [سورة سبأ ، آية : 22 - 23] فالشفاعة : حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله تعالى كما قال تعالى : وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا [سورة الجن ، آية : 18] ، وقال : ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين [سورة يونس ، آية : 106] فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو سيد الشفعاء ، وصاحب المقام المحمود ، وآدم فمن دونه تحت لوائه لا يشفع إلا بإذن الله ، لا يشفع ابتداء بل « يأتي فيخر ساجدا فيحمده بمحامد يعلمه إياها ، ثم يقال : ارفع رأسك ، وقل يسمع ، وسل تعط ، واشفع تشفع ، ثم يحد لـه حدا فيدخلهم الجنة » فكيف بغيره من الأنبياء ، والأولياء؟! " - ص 213 -" وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين ، بل قد أجمع عليه السلف الصالح ، من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة ، وغيرهم ممن سلك سبيلهم ودرج على منهجهم .
وأما : ما صدر من سؤال الأنبياء ، والأولياء الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها والسرج ، والصلاة عندها واتخاذها أعيادا ، وجعل السدنة والنذور لها ، فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بوقوعها النبي صلى الله عليه وسلم وحذر منها ، كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا تقوم الساعة ، حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين ، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان .
وهو صلى الله عليه وسلم حمى جناب التوحيد ، أعظم حماية وسد كل طريق يوصل إلى الشرك ، فنهى أن يجصص القبر ، وأن يبنى عليه كما ثبت في صحيح مسلم ، من حديث جابر وثبت فيه أيضا : أنه بعث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وأمره أن لا يدع قبرا مشرفا إلا سواه ، ولا تمثالا إلا طمسه ؛ ولهذا قال غير واحد من العلماء : يجب هدم القبب المبنية على القبور؛ لأنها أسست على معصية الرسول صلى الله عليه وسلم .
فهذا : هو الذي أوجب الاختلاف ، بيننا وبين الناس ، حتى آل بهم الأمر ، إلى أن كفرونا ، وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا حتى نصرنا الله عليهم ، وظفرنا بهم وهو الذي ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه ، بعدما نقيم عليهم الحجة ، من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع السلف الصالح ، من الأئمة ممتثلين لقولـه –سبحانه وتعالى- : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله [سورة الأنفال ، آية : 39] فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان ، قاتلناه بالسيف والسنان ، كما قال تعالى : " - ص 214 -" لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز [سورة الحديد ، آية : 25] .
وندعو الناس : إلى إقام الصلاة في الجماعات ، على الوجه المشروع ، وإيتاء الزكاة ، وصيام شهر رمضان ، وحج بيت الله الحرام ، ونأمر بالمعروف ، وننهى عن المنكر ، كما قال تعالى : الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور [سورة الحج ، آية : 41] .
فهذا : هو الذي نعتقد وندين الله به ، فمن عمل بذلك فهو أخونا المسلم لـه ما لنا وعليه ما علينا .
ونعتقد أيضا : أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم المتبعين لسنته ، لا تجتمع على ضلالة وأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة ، لا يضرهم من خذلهم ، ولا من خالفهم ، حتى يأتي أمر الله ، وهم على ذلك وصلى الله على محمد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق