الجمعة، 27 فبراير 2015

يقول الأستاذ أمين سعيد في وصف الأثر الطيب للدعوة :
" وحققت الدعوة لنجد آمالها ، وقد بدأت في محيطها أول ما بدأت ، فأنشأت لها مجتمعا إسلاميا سليما ، يؤمن بالتوحيد ، ويعظم شأنه ، ويسير على هداه ، ولا يدعو مع الله أحدا ، ولا يزال هذا حاله ، لم يتبدل ولم يتغير منذ عهد الشيخ حتى يومنا هذا ، فهو يصدع بالحق ويؤمن به .
وانبثق عن هذا المجتمع دولة عربية كريمة ، نشأت في ظل الدعوة وآمنت بها ، فكانت أول دولة عربية كبرى يؤسسها العرب في داخل جزيرتهم بعد دولة الخلفاء الراشدين ، فاتبعت طريقهم ، وترسمت خطاهم ، فسادت وشادت ووسعت حدودها ، وضمت إليها قطر الحجاز وبلاد عسير وتهامة ، ودقت أبواب العراق واكتسحت حدوده ، وبلغت مشارف الشام وامتلكت بعض أجزائه ، ووضعت يدها على الضفة الغربية للخليج ( الخليج العربي ) ، وتمتد من المحيط الهندي جنوبا إلى شط العرب شمالا ، ولا يقل طولها عن ألف ميل ، فزينت راية التوحيد شطآنها ، ورفرفت على ربوعها .
وانتشرت الدعوة في بلاد العرب وبلاد الشام ، وسرى نورها في أرجائها ، فأقبل عليها الكثيرون ، وأخذوا بها ، وتفاعلوا معها ، واستجابوا لها ، فكانت الأم الكبرى لهذه النهضات التي تعم بلاد العرب وبلاد المسلمين ، وتعم الشعوب العربية والشعوب الإسلامية ، فأحيت ميت الهمم ، وأيقظت خامد النفوس .
" - ص 374 -" وضرب الشيخ صاحب الدعوة الوهابية الأمثال على تجرده ونزاهته ، وعلى أنه لم يرد من دعوته سوى وجه الله وحده ، وإصلاح حال أمته ، والنهوض بها ، وإنقاذها من ظلمات الجهالة التي كانت تغمرها ، وتقيمها وتقعدها ، فاعتزل السياسة سنة 1187 بعدما استقرت الدعوة واستقام عودها ، وزال كل خطر يهددها ، وتضاعف عدد أنصارها المؤمنين بها ، وعكف على عبادة ربه ، يشكره على نصره وتأييده ، وابتعد عن الدنيا وزخارفها ، لا يبغي حكما ولا سلطانا ولا مالا ولا نسبا ، وظل هذا شأنه يصوم النهار ويقوم الليل عابدا مجتهدا ، خالصا لله مخلصا ، حتى وافته منيته سنة 1206 ، فذهب إلى لقاء ربه راضيا مرضيا بما قدم وأسلف .
على أن هذا لا يمنعنا من القول بأن الدعوة الوهابية نفسها لم تلق من عناية علماء نجد وأدبائها وكتابها ما كان يجب أن تلقاه ، ولعل مصدر ذلك انزواء نجد في قلب الجزيرة سحابة القرنين الماضيين ، وصعوبة الاتصال بها ، وقلة وسائل النشر لديها ، على أن هذا كله زال الآن ، فتيسرت الأسباب ، وفتحت الأبواب ، وازدهرت رياض العلم ، مما نرجو أن يضاعف اهتمامهم ، ويشحذ عزائمهم ، فسيرة الشيخ محمد من أحفل السير بالعظات ، ومن أجدرها بالدرس ، لها جوانبها المحددة ، ومصادرها الكثيرة ، يضاف إلى ذلك كله أن الشيخ خلف ثروة عظيمة وكنوزا حافلة من الكتب والمؤلفات في حاجة إلى إعادة الطبع والترجمة إلى اللغات الأجنبية ليعم نفعها ، ويستفيد الناس منها ، ويغترفوا من بحر فضلها " .
ثم قال مبينا أثر التمسك بالشريعة الإسلامية في الحياة العامة ، وأثر الانصراف عنها :
" إن العقيدة الراسخة عند النجديين - أمرائهم وعلمائهم - أن الله مكنهم في جزيرة العرب ، وأن سلطانهم في تلك الجزيرة لإحياء معالم الشريعة ، وإظهار دين الله ، وجعل سلطان التوحيد في الجزيرة هو السلطان الأول ، وإزالة كل أثر من آثار الشرك ، ولقد قال الإمام سعود في خطبته بعد دخول مكة سنة 1218 هـ " إنا كنا من أضعف العرب ، ولما أراد الله ظهور هذا الدين دعونا إليه ، وكل يهزأ بنا ويقاتلنا " .
وكان الملك عبد العزيز - رحمه الله - في كل مناسبة يشير إلى هذا ، ذاكرا فضل الله " - ص 375 -" عليه وعلى أجداده من قبل ، وأن ما وقع على آل سعود في أيامهم الأولى لم يكن إلا عقوبة لهم من الله لتهاونهم في أمر المحافظة على الدين ، والانصراف إلى أمور الدنيا ، وكذلك جلالة الملك سعود مد الله في عمره .
ولذا فإن المشايخ - من وقت لآخر - ما زالوا يقدمون النصيحة لإمامهم ، ويوصونه بالمحافظة على الدين ، والأخذ على أيدي المتهاونين به ، إذا رأوا شيئا من التراخي والتهاون من ذوي النفوذ والسلطان ، ففي أيام الإمام فيصل كان الشيخ عبد الرحمن بن حسن وولده الشيخ عبد اللطيف لا يتوانيان عن النصيحة ، ولفت نظر الإمام إلى عماله ورعاياه ، وتذكيره بعاقبة التفريط ، وأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " .
وسبق ذكر ما قاله الدكتور طه حسين مبينا أثر الدعوة على الحركة الدينية والأدبية والعلمية والفكرية والعقلية وسائر نواحي الحياة ( في الفصل السابق ) . ====================================== ويقول محمد جلال كشك :
" إذا كان محمد بن عبد الوهاب من ناحية العقيدة ليس بمبتدع ، فهو من الناحية السياسية مجدد ومبتدع ومبدع ، ولقد استطاع أن يوقف حركة التاريخ ، ويلوي عنق الأحداث التي كانت تدفع العالم الإسلامي دفعا إلى التغريب ، فمع الهزيمة الشاملة التي أصابت العالم الإسلامي أمام الغزو الأوربي الذي كاد أن يشبه القدر المحتوم ، كان الظن أو اتجاه الأحداث هو خضوع العالم الإسلامي للقانون الحضاري العام ،وهو فناء المهزوم بالاندماج في حضارة المنتصر .
فجاء الشيخ من أعماق نجد يعلن أن الإسلام هو الطريق ، وأن المشكلة ليست في العقيدة ، بل في الانحراف عنها ، وأن العودة إلى جوهرها الصافي كفيل بإعطاء المسلمين القدرة على مواجهة التحدي الأوروبي وقهره ، صحيح أنه لم يواجه قوة أوروبية بشكل مباشر وشامل ، لا هو ولا خلفاؤه ، فقد شغلتهم حروبهم مع الرافضين المسلمين والعرب ، إلا أن انتصاراتهم على التخلف ، وقدرتهم على خلق المحارب الذي يكاد ألا يقهر ، عززت حجة " - ص 376 -" الرافضين لمنطق الهزيمة ، وأبقت الفرضية مطروحة إلى اليوم ، وهي اكتساب القوة المادية بنفس الأسلوب الذي اكتسبها به أجدادنا المسلمون الأوائل .
وتلك هي أهمية الدعوة الوهابية في المرحلتين الأولى في عهد عبد العزيز بن سعود ، والثانية في النصف الأول من عهد عبد العزيز ، فقد جرت المحاولتان في مناخ الهزيمة الشاملة للعالم الإسلامي ، فضربتا المثل على إمكانية النصر بالإسلام ، وإمكانية أن يكون الحل الشامل لمشكلة العالم الإسلامي مستمدا ومطابقا للحل الجزئي الذي جرب ونجح في أشد مناطق هذا العالم تخلفا وفقرا في الإمكانيات المادية ، وفي نفس الوقت عجزت المحاولتان عن تقديم الحل الشامل والجذري للمشكلة ، ومن ثم فقد أبقتا الجدل مستمرا ، إذ منعتا التاريخ من أن يحسمه في اتجاه رفض الحل الإسلامي ، ولكنهما لم تعطيا أنصار هذا الحل الحجة الحاسمة ولا المنهاج ، فقد فشلت التجربتان في إجبار التاريخ على الاستجابة لهذا الاختيار ، وما زلنا في نفس الوضع .
فحركة البعث الإسلامي ، والجامعة الإسلامية ، ودعاة الإصلاح الديني ، وانتفاضات المهديين والسنوسيين ، ليست كلها إلا استجابة متفاوتة الفهم والوضوح لذلك الجواب الذي طرحه السعوديون : العودة للإسلام تحرر المسلمين من الهزيمة المطبقة ، وساعد الحل السعودي على البقاء في الساحة " .
ويقول أيضا في موضع آخر في سياق كشف اعتراف خصوم الدعوة :
" بتلك " الدرة السنية " ، بل أثمن الدرر ، وهي تحويل البدوي أو الشرقي المتخلف إلى نموذج فريد في تفوقه ، ونقطة أخرى تثير إعجاب المراقبين بالإجماع ، مهما اختلف موقفهم من التجربة السعودية ، وهي الأمن ، ومن محاسن الوهابية أنهم أماتوا البدع ومحوها ، ومن محاسنهم أنهم أمنوا البلاد التي ملكوها ، وصار كل ما كان تحت حكمهم من هذه البراري والقفار يسلكها الرجل وحده على حمار بلا خفر ، خصوصا بين الحرمين الشريفين ، ومنعوا غزو الأعراب بعضهم لبعض ، وصار جميع العرب على اختلاف قبائلهم من حضرموت إلى الشام كأنهم إخوان " - ص 377 -" أولاد رجل واحد ، إلى أن عدم الشر في زمان ابن سعود ، وانتقلت أخلاق الأعراب من التوحش إلى الإنسانية ، وتجد في بعض الأراضي المخصبة هذا بيت عنزي ، وبجانبه بيت عتيبي ، وبقربه بيت حربي ، وكلهم يرتعون كأنهم إخوان ، ورأيت لهم عقيدة منظومة يحفظها حتى رعاة غنمهم ، منها :
وما الدين إلا أن تقام شعائر وتـأمن سـبل بيننـا وشعاب
فكأنهم جعلوا تأمين الطرقات ركنا من أركان الدين " .
ويبدو أن الشيخ قد اكتشف القانون الحضاري الذي يبدأ بتوفير الأمن ، فيقول : إن " تحقيق الأمن يدفع الناس للاشتغال بالزراعة والتجارة وتربية الماشية للتكسب ، فإذا اشتغلوا بالكسب الحلال فلا ينهبون ولا يسرقون ولا يقتلون " ، ثم يلخص لنا اكتشافه : " فكأن المسألة أشبه بالدورية أي : أنه متى وجد الأمان ارتفع السارق والقاتل لاشتغالهم بمعاشهم الحلال ، ومتى اشتغلوا بالمعاش الحلال وجد الأمان " .
أفادكم الله .
وصاحب هذه الشهادة هو الشيخ عثمان بن سند البصري الفيلكاوي ، فهو أقرب أن يكون كويتيا ، وإن كان يصنف كمؤرخ عراقي ، وهو من خصوم الوهابيين ، وقد زعم أن هذا الأمن الذي حققه الحكم السعودي " كان دسيسة خدعوا بها العوام " ، يبدو أن الدولة العثمانية ووالي البصرة لم يكونا بحاجة إلى دسيسة من هذا النوع " فذهب الأمن ، وبطلت المعايش ، وتدهور الوطن الإسلامي إلى ما هو معروف " .
وقد انتشى ابن بشر في وصف حالة الأمن في ظل الحكم السعودي حتى قال برعي الذئب مع الغنم ، بل بما هو أخطر : ترك الملكية بلا حراسة من الإنسان ، فقال :
" فسماها الأعراب سنين الكما ؛ لأنهم كموا عليهم عن جميع المظالم الصغار والجسام ، فلا يلقى بعضهم في المفازات والمخوفات إلا بالسلام عليكم ، وعليكم السلام ، والرجل يجلس ويأكل مع قاتل أبيه وأخيه كالإخوان ، وزالت سنين الجاهلية ، وزال البغي والعدوان ، وسيبت الخيل والجياد والبقر وجميع المواشي في الفلوات ، فكانت تلقح وتلد وهي " - ص 378 -" في مواضعها آمنات مطمئنات ، وليس عندها من يرعاها ويحميها إلا من يأتيها غبا ويسقيها " .
لقد أثبتت التجربة السعودية في جميع عصورها أنه بتطبيق الشريعة ، ولو جزئيا ، وفي حدود الإمكانيات المتاحة لكل مجتمع ، أي بتطبيق قانون العقوبات ، يمكن أن يتحقق أول شرط من شروط المجتمع الإنساني ، وهو الأمن الفردي ، الأمن على النفس والمال والعرض ، بل أول شرط يجب توفره للحديث عن تطور اجتماعي أو حضاري ، وهو ما كان الشرق يفتقر إليه ، وما كان الغرب يستغله للتشهير بالشرقيين ، وتبرير حملاته وغزواته واسترقاقه للشرق بحجة توفير الأمن بين الشعوب المتوحشة الهمجية ، وما كانت بعض القطاعات - ولا تزال إلى اليوم - تحمده للاستعمار الأوروبي ، فأثبتت الوهابية في تألقها في الدولة الأولى ، وفي عهد عبد العزيز ، بل حتى في فترات انكماشها ، أن الشريعة الإسلامية ، بما تخلقه من حس بالعدل في نفوس المؤمنين بها ، وما تفرضه من سيادة للقانون بقوة السلطة ، يمكن أن تحقق أمنا يفوق قدرة أي مجتمع وأية حضارة عرفها التاريخ ، وكتب الغربيين حافلة بالنوادر المدهشة المذهلة للمواطن الأوروبي الأمريكي ، ليس في عصرنا هذا حيث اختل الأمن ، وتحولت مدن الغرب إلى غابات مفزعة ، يخشى السير فيها بعد غروب الشمس ، وتزود غرف فنادقها بالسلاسل ، بل والأقفال الإلكترونية التي تتغير كل 24 ساعة ، بل كان الأمن السعودي مثيرا لدهشة الغربيين حتى في العصر الذي كان يضرب به المثل على قوة الردع الكامنة في عصا رجل الشرطة البريطاني ، المحظور عليه - وقتها - حمل السلاح مكتفيا بهيبة أو رعب القانون المتمثل في عصا رجل الشرطة .
حتى في هذا الوقت استطاع السعوديون أن يقولوا : " نظامنا أفضل ، ولسنا بحاجة إلى قوانين الغرب وأنظمته ، عندنا الحل الأفضل " .
" وقد شهد بوركهارت للوهابيين ضد الأتراك فقال : " وما الوهابية إن شئنا أن نصفها إلا الإسلام في طهارته الأولى ، وإذا ما أردنا أن نبين الفرق بين الوهابيين والترك فما علينا إلا أن نحصي الخبائث التي اشتهر بها الترك " .
صدقت !
وقال : " لكي نصف الدين " الوهابي فإن ذلك يعني وصف العقيدة الإسلامية ، ولذا فإن علماء القاهرة أعلنوا أنهم لم يجدوا أية هرطقة ( بدعة أو خروج عن الدين ) في الوهابية ، وحتى بعد سقوط الدولة السعودية فإن ظاهرة الانفجار الإسلامي ستظل تجذب المستكشفين ، وسيأتي جورج " - ص 379 -" والين 1845 - 1848 ليقول عن السعوديين : " إنهم لا يدعون أنفسهم وهابيين أبدا ، فهذا الوصف استخدمه خصومهم ، أما هم فيصفون أنفسهم ببساطة بأنهم " المسلمون أو الموحدون " .
وقال : " إن بعض الكتاب المعاصرين يزعم أن الوهابيين أنشئوا مذهبا خاصا بهم ، وهو زعم خاطئ ، فالوهابيون مجرد إصلاحيين ، يتبعون المذهب الحنبلي " .
" ثم المقيم السياسي في الخليج ، بل الذي سيشهد الأيام الأخيرة في حياة فيصل بن تركي ، والليدي بلنت ( 1879 - 1297 ) التي ستشاهد بقايا الوهابية في جبل شمر وبلاط ابن الرشيد ، وسيستمر التدفق حتى شكسبير وفيلبي ، وما زال " .
ولم يكن تأثير الدعوة الإصلاحي قاصرا على البلاد التي حكمتها دولة الدعوة ، بل تعداه إلى سائر البلاد الإسلامية وبلاد الأقليات المسلمة في كل أنحاء العالم ، ومن أكثر البلاد المجاورة تأثرا بالدعوة ( اليمن ) ، وقد عرض الدكتور عبد الله بن محمد أبو داهش هذا الأمر عرضا جيدا إذ قال :
" ومن الواضح أن الناس في اليمن عندئذ قد طلبوا الاستغاثة من غير الله في مجال معاشهم في البر والبحر ورفعوا الرايات فوق مشاهد الموتى بعبارات الاستجارة بهم من النار وربما غشيت تلك القبور طوائف كثيرة من الناس ، قد يضاهي بها لديهم الحجاج في عرفات هذا إلى جانب أن الناس في اليمن قد اعتادوا في بعض الأحيان " السجود للمعتقد " وتخصيص شيء من أموالهم لـه وكانوا " يوقدون السرج على القبور ، ويرحلون بنسائهم " لزياراتها ، وقد أنكر عليهم بعض العلماء في اليمن إهمال بيوت الله ، " - ص 380 -" وترك العناية بها في وقت كانت مشاهد الأموات تزدان بالحرير والسجاد الفاخر وغيرها .
ورغم ذلك وجد من علماء اليمن في القرن الثاني عشر الهجري من يحارب مثل هذه الضلالات ، ويتخذ منها موقفا معاديا ، ولعل من أشهر أولئك العلماء : الشيخ محمد بن إسماعيل الأمير ( 1099 - 1182 هـ ) ، والشيخ حسين بن مهدي النعمي ( 1187 هـ ) ، إذ برز موقف الأمير جليا تجاه هذه الأمور المحدثة منذ عام 1161 هـ \ 1748 م حينما أرشد إمام اليمن حينذاك إلى هدم صنم المخا ، وألف من أجله رسالة وقد قال فيه صديق بن حسن القنوجي بأن " لـه صولة في الصدع بالحق ، واتباع السنة ، وترك البدع " أما النعمي فقد اشتهر برفضه لهذه المعتقدات الباطلة منذ ألف في هذا الجانب وكتب فيه .
وربما كان نشوء هذين الموقفين عند النعمي والأمير بسبب تأثرهما بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وبخاصة إذا أدرك موقف محمد بن إسماعيل الأمير من هذه الدعوة حينما قال : " ما زالت تبلغنا الأخبار من سنة 1160 هـ بأنه ظهر في نجد رجل يدعو إلى اتباع السنة النبوية وينهى عن الابتداع ، والاعتقاد في العباد من الأحياء والأموات ، وينهى عما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العمارة على القبور المشاهد والقباب " ، كذلك يدل على تأثر حسين بن مهدي النعمي بالدعوة السلفية قولـه بأن سبب تأليفه لكتابه معارج الألباب يعود إلى أنه وقف في عام ( 1177 هـ \ 1763 م ) على سؤال حول هدم بعض المشاهد والقباب ، وأنه كان من قبل هذا التاريخ قد ألقي إليه كتاب من مكة المكرمة ورد فيه : " أنه وصل إلى هنالك سؤال " - ص 381 -" في هذه المسألة ، وأنه أجاب عليه مفتو الأربعة المذاهب بما يتضمن التشنيع على من دل على هدم القباب والمشاهد " ، وربما أوحى قول الأمير من قبل وكذلك النعمي إلى أنهما قد تأثرا بهذه الدعوة ، وأنها وافقت ما عندهما كما قال الأمير في شعره .
وإذا كان هذا حال هذين العالمين ، ومدى تأثرهما بالدعوة السلفية في القرن الثاني عشر الهجري ، فإن من أكثر علماء اليمن تأثرا بمنهج الدعوة السلفية في مجال تطهير الاعتقاد فيما بعد إبراهيــم بـن محمـد الأمـيـر ( 1141 - 1213 هـ ) ، ومحمد بن علي الشوكاني ( 1173 - 1250 هـ ) ، إذ عرف إبراهيم الأمير بمواقفه تجاه القبوريين وكان الشوكاني ينكر على المعتقدين في غير الله أفعالهم ، ويرى أنهم قد خالفوا بذلك مقتضى إفراد العبادة لله وحده .
أما الأثر الفعلي لهذه الدعوة السلفية في اليمن فقد ظهر منذ العقد الثاني من القرن الثالث عشر الهجري ، عندما بدأ العلماء يدركون حقيقة هذه الدعوة ، وما تدعو إليه من إخلاص التوحيد لله تعالى ، بالإضافة إلى ارتياد نفر من علمائها ودعاتها لكثير من بلدان اليمن خلال تلك الفترة ، كما أن وفرة الرسائل التي كان يتبادلها العلماء في اليمن وأمثالها في نجد ورجال ألمع قد ساعد على إيجاد أثر فعلي لهذه الدعوة ، إذ بدأ الناس في اليمن يلمسون إلحاح علمائها وأمرائها في نشر هذه المبادئ وحقيقتها بتلك الأنحاء .
ولعل من أهم آثار الدعوة السلفية في ميدان تطهير الاعتقاد وذم البدع باليمن اقتناع الأئمة بتلك الأنحاء وعلمائهم بهدم القباب وإزالتها ، فقد دلت المصادر على أن الإمام المنصور هدم قبة عابدين المشهورة بصنعاء عام 1220 هـ \ 1807 م وأنه قبل عام 1224 هـ " وقع الهدم للقباب والقبور المشيدة في صنعاء ، وفي كثير من الأمكنة المجاورة لها ، وفي جهة ذمار " - ص 382 -" وما يتصل بها " وكان هذا الأمر فيما يبدو قد شجع إمام اليمن المتوكل فيما بعد ، وجعله يفضي إلى علماء اليمن برغبته في هدم القباب وإزالتها ، وذلك على إثر وصول نفر من علماء الدعوة السلفية إلى صنعاء عام ( 1229 هـ \ 1813 م ) وقد كان موقف علماء صنعاء عندئذ موجبا لهدم تلك القباب ، إذ يبدو أن أثر الدعوة قد وقع في قلوبهم مما جعل الإمام المتوكل حينذاك يباشر هدم معظم القباب المشهورة بصنعاء ، ويأمر بإبلاغ أمره بهدم القباب بعامة إلى بقية بلدان اليمن ويؤيد هذا قول عبد الرحمن بن عبد الله الزميلي بأن شيخه القاضي أحمد العنسي ذكر لـه ، وهو يتلقى العلم على يديه بمدينة إب عام ( 1359 هـ \ 1940 م ) أن بمدينتهم تلك آثارا لقباب مهدمة وأماكن محرقة من عهد الإمام سعود بن عبد العزيز ( 1229 - 1218هـ ) ، وإذا صح هذا فإن معظم بلدان اليمن إذن قد أدركت شيئا من أثر الدعوة السلفية ، وأن ذلك الأثر قد كان في الثلث الأول من القرن الثالث عشر الهجري .
وبمثلما أثرت الدعوة السلفية في صنعاء وما حولها أثرت كذلك في تهامة اليمن وفي حضرموت ، أما تهامة اليمن فبعد أن تمادى أهلها في تعظيم القبور وأقر علماؤها " ما يحدث من أنواع الشرك بمرأى ومسمع " أصبحت بعد ذلك في الثلث الأول من القرن الثالث عشر الهجري " صافية عن تلك الأمور التي كان يتلوث بها أهلها ، فلا يقدر أحد " - ص 383 -" منهم يستغيث بغير الله سبحانه أو ينادي ميتا من الأموات " ورغم أن الشوكاني حينما أخبر بذلك لم يذكر سببا مباشرا لتأثرهم غير إعمال السيف فيهم فهل كان ذلك العمل من قبل أمراء الدعوة في تلك الأنحاء أم هو عمل أئمة صنعاء الذين تأثروا بالدعوة من قبل ، وباشروا إزالة ما يمس العقيدة وينافي التوحيد في بلدانهم ؟ والحق أن لكل من الاحتمالين السابقين أثرا فعالا في دفع تلك المعتقدات ونزعها ، وبخاصة إذا أدرك قبول تلك الأجزاء من تهامة اليمن للدعوة السلفية من قبل ، وأحيط بجهود أئمة اليمن في سبيل إزالة تلك المنكرات ونبذها .
أما حضرموت فقد ذكرت المصادر أن دعاة هذه الدعوة حينما وفدوا إلى تلك الأنحاء عام 1224 هـ هدموا " القباب ، وحطموا التوابيت ، ومنعوا الرواتب ، واعتقلوا المناصب " وذلك لما وجد عليه الناس بحضرموت من الضلال والجهل العميق ، وقد ذكرت بعض المصادر أن أولئك الدعاة السلفيين كانوا يهدمون رءوس القباب إشعارا بخرابها وإقلالا من شأنها وذلك ربما لكثرتها وسعة انتشارها ، ولم يكتف أولئك الدعاة في تلك الفترة بهدم القباب فحسب ، بل أوجدوا من الدعاة بحضرموت من يبث الدعوة ويدعو إليها وذلك يشير إلى مدى اتساع أثر هذه الدعوة السلفية بحضرموت وما حولها في تلك الفترة في مجال تطهير الاعتقاد ونبذ البدع ، ولعل ذلك ما دعا أحد علماء حضرموت أن يقول مشيرا إلى أولئك الدعاة السلفيين : " لو لم يقيض الله أولئك القوم لتلك النهضة لعكف الناس على القبور " .
" - ص 384 -" ويبدو أن اهتمام أمراء الدعوة السلفية ودعاتها بهدم القباب وإزالتها في جنوبي الجزيرة العربية ، قد عم بلدان اليمن ، وأصبح من الأعمال المحببة عند أولئك الدعاة ، فقد أثبتت المصادر أن أمراء عسير عندما دخلوا تهامة اليمن عام 1221 هـ باشروا هدم قبة جامع بيت الفقيه كذلك دلت هذه المصادر على رغبة أولئك الأمراء في تطهير المعتقدات وتنقيتها ، إذ إنهم ظلوا حريصين على تثقيف الناس وإصلاح معتقداتهم بتلك الأنحاء ، فقد عمد الأمير علي بن مجثل المغيدي عام 1247 هـ إلى هدم عدد من المشاهد والمزارات بضواحي مور كما اتضح من بعد ذلك هدم بعض القباب خارج مدينة تعز عام 1250 هـ \ 1834م وكان أثر الدعوة السلفية في مجال البدع الأخرى واضحا من قبل ، إذ كان محمد بن إسماعيل الأمير يؤيد قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بإحراق كتاب دلائل الخيرات كما برز موقف محمد بن علي الشوكاني من الصوفية وطرقهم حين ذم أفعالهم المبتدعة ، وألف فيهم رسالته الموسومة بـ " الصوارم الحداد " وكل ذلك يدل على استمرار أثر هذه الدعوة بتلك النواحي من جزيرة العرب خلال تلك الحقبة .
وربما كان لقضاء الترك والمصريين على أمراء الدعوة السلفية في نجد أثر في إضعاف نشاطها بهذه الجهات ، إذ دلت المصادر اليمنية على غبطة نفر من علماء اليمن حيال ذلك المصير ، حيث بدأت منذ ذلك الحين تظهر مواقفهم تجاه هدم القباب ونحوها ، فقد زعم أحد أولئك العلماء أن الدافع وراء هدمها من قبل السلفيين يكمن في الرغبة " لما فيها من الفضة والذهب " ودلل على ذلك بآيات من القرآن الكريم وكان هذا التعصب والتمادي في الباطل سببا في تعطيل نشاط هذه الدعوة وإضعاف تأثيرها فيما بعد ، فالواقع أن إقامة القباب " - ص 385 -" على القبور وجعلها مكانا للعبادة ينافي حقيقة الشريعة الإسلامية بما يجعلها « من علامات الكفر » وأن من استغاث بالصالحين أو دعاهم لكشف ضر أو نحوه فقد أشرك . وذلك ما جعل أثر الدعوة السلفية في اليمن يقل ويضمحل إلى حد كبير ، إذ لم يكد هذا الأثر يظهر مرة أخرى بوضوح إلا في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري وما بعده » .
إلى أن قال : « ويبدو أن الأثر الحقيقي لهذه الدعوة السلفية في مجال تطهير الاعتقاد وذم البدع بنواحي اليمن قد كان في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري ، ذلك لتبصر أهل اليمن عندئذ في أمور دينهم ، واتصال العلماء منهم بغيرهم من علماء نجد ، ورغبة طلبة العلم عندهم في الرحيل إلى خارج بلدانهم في سبيل العلم . ولعل ما يشاهد الآن من انتشار كتب السنة وتدريسها في جامع صنعاء الكبير ووفرة المساجد السلفية بصنعاء يدل بوضوح على أثر هذه الدعوة المحمود .
وقد كان من أثر الدعوة السلفية في اليمن أن وجدت الرغبة الأكيدة لدى كثير من أبناء اليمن في النزوح إلى نجد ، وطلب العلم فيها ، فقد وفد من أولئك الرجال على سبيل المثال : أحمد بن سنان اليماني ( 1339هـ ) عام 1335هـ في نفر من أهل بلدته قهلان إذ بلغ عدد المهاجرين في سبيل العلم من بعد ذلك إلى نجد ما يقارب خمسمائة رجل معظمهم من قبيلة الحداء بمخلاف الكميم ، وقد كانت نتائج تلك الرحلات مثمرة ناجحة ، إذ استجاب أهلها لتعاليم هذه الدعوة وأصبحت قراها خالية من المشاهد والمزارات ، حيث نبذ رجالها المعتقدات الباطلة ، وهدموا ما يثير الشبه حول تقديس القبور من القباب ونحوها .
" - ص 386 -" كذلك نجم عن أثر هذه الدعوة السلفية في اليمن أن أقبل الناس في بلدان مختلفة بتلك الأنحاء على تطهير معتقداتهم ، والتخلص مما علق بأذهانهم من شوائب الشرك والاعتقاد في غير الله ، فقد سعى صالح بن حسين أبو حيدر في أوائل النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري إلى نهي الناس عن التبرك ببعض القبور بهمدان ، والاعتقاد فيها ، كما أن رجالا من غيل همدان نفسه قد خلعوا التابوت الذي كان موجودا بمسجد عبيد ببلدتهم ، إذ فتن الناس به من أهل همدان وغيرها ، وكانوا ينادونه يا عبيدة ونحوه ، وتلك الأعمال دون شك من آثار الدعوة السلفية باليمن في مجال تطهير الاعتقاد ونبذ البدع ، إذ إن بروز هذا الجانب في نشاط الدعوة السلفية بتلك الأنحاء يدل على اهتمام دعاتها والقائمين عليها بدفع هذا الباطل من أن يمس العقيدة ووحدانية الله ، مما أوجد أثرا حقيقيا في بقية أنواع البدع الأخرى التي بدأ الناس في اليمن يهذبون أنفسهم من درنها ويتخلصون من شيوعها في مجتمعاتهم .
ومما تقدم يتجلى أثر هذه الدعوة السلفية في هذه المجتمعات الواسعة من جنوبي الجزيرة العربية . وذلك على الرغم من وفرة الاتجاهات الدينية وتعدد المعتقدات الباطلة في غير الله ، فقد تفاوتت أزمان ذلك التأثير ومراحله ، إذ بدأ منذ أوائل القرن الثالث عشر الهجري ، ثم انحسر مده السياسي والديني فلم يبق أثره إلا في عسير وما حولها ، وما لبث أن عاد مرة أخرى في غضون القرن الرابع عشر الهجري ، حيث جدد الملك عبد العزيز آل سعود أمر هذه الدعوة ، ودعا إلى نبذ ما يخالفها في القول والعمل ، مما جعل فائدتها تعم أرجاء الجزيرة العربية ، وتؤثر في مدارك الناس ، فقد تخلوا عما ألفوه من البدع والمعتقدات الباطلة من قبل ، وأخذوا في العمل بالكتاب والسنة "بدلا من الأعراف والعادات وتحكيم الأشخاص" » .
وعن أثر الدعوة في العالم الإسلامي يقول الدكتور محمد كامل ضاهر :
" - ص 387 -" « لم يقتصر أثر الدعوة الوهابية على الحركة الإصلاحية في مصر ، بل تعداه إلى كثير من المثقفين المسلمين في أقطار إسلامية أخرى كسوريا والعراق والمغرب العربي واليمن والهند . وقد احتل بعض هؤلاء مراكز كبرى في حقل التعليم الإسلامي في حلب ودمشق وطرابلس والقدس والهند .
كانت مواسم الحج السنوية فرصا ثمينة يتحينها الوهابيون لشرح أفكارهم للحجاج المسلمين القادمين إلى مكة من مشارق الأرض ومغاربها ، وتبادل الآراء معهم في الدين والدنيا . واستطاعوا بهذه الوسيلة إقناع بعض الشخصيات الإسلامية بأفكارهم ، وترتب على ذلك قيام حركات إصلاحية إسلامية خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين متأثرة إلى حد كبير بمبادئ الدعوة الوهابية وأفكارها .
ففي اليمن ، كان الإمام الزيدي محمد بن عبد الله الشوكاني الصنعاني ( 1172 - 1250هـ 1758 - 1834م ) معاصرا للشيخ محمد بن عبد الوهاب ويدعو مثله إلى محاربة البدع والخرافات ، والثورة على التقليد والدعوة إلى فتح باب الاجتهاد ، والرجوع في العقائد إلى مذهب أهل السلف ، وفهم الصفات الإلهية المذكورة في القرآن على ظاهرها ، وترك التأويل والتحريف فيها . وكتب في ذلك رسالة بعنوان : « التحف بمذهب السلف » .
« يبدو أن الإمام الشوكاني كان على اطلاع واسع بمبادئ الدعوة الوهابية وتعاليمها ؛ لأن أفكاره إنما تعبر تعبيرا يكاد يكون حرفيا عن تعاليم هذه الدعوة . ويتضح ذلك في القصيدة الطويلة التي رثى فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب عندما بلغه نبأ وفاته وبين فيها مدى احترامه لـه وتفجعه عليه . ولا يذكر المؤرخون شيئا عن أي لقاء تم بين الإمامين » 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق